مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الاثنين، 22 مارس، 2010

الرحيل للحياة !!!



اخيرا اتخذت قراراها الذي حيرها طويلا وتأخر طويلا ... سترحل !!!
لاتعرف مالذي وضعته في حقيبه ملابسها ، جمعت الاشياء بسرعه ، ملابس اوراق صور قديمه كتب تحبها عرائسها القديمه اطار مكسور فرشه شعرها زجاجات عطر فارغه شريط كاسيت ، هكذا تصورت ، جمعت كل اشياءها التي تحبها والتي لاتعيش بدونها ، القتها في الحقيبه وصرخت بصوت عالي حاد حاسم ،اخيرا سارحل ، انا لااهددكم ، سارحل فعلا ، صدقوني لااهددكم ، ساهرب من اسركم و ساتحرر !!! صمت يحيطها ، لاتنتظر ردا ولا ياتيها مالا تنتظره ، لا مفاجئات تدهشها هذه هي عادتهم يحاصروها بالصمت !!!

تراجع اشياءها ، تلك الدميه احضرتها امي ، ذلك الفستان خرجت به يوم نجاحي ، زجاجه العطر الفارغه كانت لجدتي واحتفظت بها تحمل رائحه جدتي علي فوهتها وبدنها ، اغنيه عبد الحليم مداح القمر التي اهداها لي شاب لم احبه يغازلني بكلماتها فاحتفظت بالشريط ونسيت الشاب ، احب قصه الحب الرومانسيه التي قراتها خلسه من خلف ظهر امي واحتفظت بالكتاب حتي بليت اوراقه ، فرشه شعري المرسوم عليها ارنب كنت اصفف بها شعري وانا في السنه الاولي من عمري ، هكذا قالت امي ، الاطار المكسور لصوره ابي رحمه الله ، مات وتركني يتيمه ثم ضاعت صورته ولم يبقي من اثره الا ذلك الاطار المكسور ، هذا بالطو التدبير المنزلي وهذا الفستان المرزكش رقصت به امام الناظره وتلك الجونله البيضاء كان لها قميص قطني ابيض كنت العب بهم التنس ، هذه الدبه احضرتها لي صديقتي التي سافرت للخارج ولم تعد ، هي رحلت والدبه الحمراء بقيت تؤكد وجود صديقتي القديمه كانسانه عاشت معي ورحلت وليس مجرد وهم مثل كل الاوهام التي اعيشها ، هذا الفستان العاري كنت ارتديه علي البحر يوم قبلني الشاب الاسمر وقت الغروب ، هذه القبعه ارتديتها في اسوان حين سطعت شمسها حاميه فوق راسي ، هذا المعطف لجدتي اخذته من امي واحتفظت به ذكري دافئه لسيده حنونه كنت احبها ، هذا قرط امي وعقدها العقيق منحتهما لي ليبعدا عن قلبي وروحي الضيق ، هذه دميتي اشتريتها بنفسي حين اصطحبني ابي وانا صغيره لمحل اللعب في عيد الاضحي ، هذا بلوفر صوفي اشتغلته لي خالتي وزينته بالشموس الذهبيه فوق كتفه ولم ارتديه ابدا لكني احتفظت بشموس خالتي تسطع في دولابي ، هذا الدفتر كتبت منه خطابات الغرام التي لم ارسلها ، لم انسي شيئا ، كل اشيائي المحببه جمعتها وساخذها معي حين اهرب ، كل شيء صار معدا للهروب !!!!


ساهرب ، اخيرا ساهرب ، اعلنها بوضوح ، ساهرب ، مهما قلتم لن تثنوني عن قراري الاخير ، لاشيء يجمعني بكم ، هي حياه جبريه مللت منها ، ساهرب و اذا حاولتم منعي ساقتل نفسي ، نعم بوضوح ساقتل نفسي ، لن تفلحوا في ابقائي ثانيه اسيره هذه الحياه مره اخري ، ساهرب ساهرب !!!! صمت يحيطها وصدي صوتها يتردد في في المكان ، ولااحد يرد عليها وهي هادئه مصممه علي قرارها ولاتكترث بالصمت ، فالصمت ذاته احد اسباب قراراها الاخير !!!!


تحدق في حقيبتها ، هل هي حقيبه ملابس ، بؤجه ، شنطه بلاستيك ، شوال خيش ، لاتعرف بالضبط ، هي شيء القت فيه باشياءها ، لاتكترث ، بشكل ذلك الشيء ، المهم انه يحتوي اشياءها ، لو منعوها من الفرار باشياءها ، لن تبقي بجوار تلك الاشياء التافهه ، لن تضيع عمرها للحفاظ عليهم ، لو منعوها من الفرار باشياءها ستتركها لهم ، وتفر !!!!
ساترك لكم كل الذكريات وارحل ، ساحمل اشيائي في قلبي وعقلي ، صورها الاحساس بيها رائحتها ملمسمها كل السعاده التي منحتها لي واتركها لكم تقتلوها بالصمت ، لن اكترث ، ساختطف من الاشياء عبيرها الجميل واتركها لكم ابدان بلا ذكري بلا معني وافر هاربه !!!

هل سيجبروني علي ترك اشيائي المحببه والرحيل خاويه الوفاض ، تبتسم ساخره من تعنتهم معها ، لكنها وضعت خطه محكمه لفرارها لن يعطلها شيء ، ستفر باشياءها او بدونها ، حتي لو اخذوا ملابسها ، ستفر بلا شيء ، ستخلع ملابسها وتتركها لهم وتفر عاريه مثلما ولدتها امها ، ستترك كل شيء خلفها ، لاتحتاج الا روحها التي تملكها وجسدها الذي يحتويها وارادتها ، هذا فقط ماتحتاجه لتفر !!!! اعجبتها الفكره!!! ستفر عاريه ، خفيفه حره منطلقه بلا اثقال علي جسدها !!!
اعجبتها الفكره اكثر ، ستترك اشياءها خلفها ، تذكار لهم علي وجودها الذي كان ولم يعد ، ستخلع ملابسها وتفر عارية ، ستفك جدائلها الطويله ، ستجري في الشوارع المزدحمه بشعرها الطويل حر منطلق ، بجسدها العاري ، سيرتج ثدياها وهي تجري ، لن تكترث ، سيلسع الاسفلت الساخن بطن قدميها ، لن تهتم ، سيطير شعرها الاشعث علي وجهها ، لا تعبأ ، ستفر عاريه ، ستجري حره الروح حره الجسد حره القرار !!!!

احست ان ملابسها كفن يقبض علي روحها ، ملابسها كفن ترتديه ميتة وهي لن تكون ميته مره اخري ، ستعود للحياه بارادتها ، لن تبقي ميته في مقبرتهم ، ستخلع الكفن وتتحمم من رائحه العطور النفاذه التي خنقوها بها ، ستفك شعرها الطويل المحروم من الشمس والهواء مثلها وتطلقه حرا طليقا كروحها التي كفرت بالقيود وبالحياة ، تصرخ وهي تضحك ... سافر منكم واهرب ، لن اراكم ثانيه ، لن تروني مره اخري ، انسوني ولاتبحثوا عني ، اعتبروني مت وانتهي الامر ، ماذا ستفعلون وقت اموت ، هل ستنجحوا مهما بلغت قوتكم وسطوتكم باعادتي للحياه ، لا لن تنجحوا ، اذن وقت افر ساكون مت ، تستطيعوا ارتداء ملابس الحداد وقتها ولن اغضب منكم ، ابكوا لو شئتم ، نعم ماتت عزيزه عليكم ، ابكوها وارتدوا ملابس الحداد ، يمكنكم ايضا اقامه سرادق كبير لاستقبال العزاء ، يمكنكم استقبال المعزين والبكاء في احضانهم ، ابكوا بحرقه الم تمت عزيزه عليكم ، هذا هو معني هروبي بالنسبه لكم ، كان معنا عزيزه وماتت !!!!

صمت يحيطها ، تضحك بصوت عالي ، تعجبها الفكره ، صدقوني ، وقت تبكوا علي ساحزن عليكم ، ساحزن انكم حزاني لهذا الحد ، ساحزن عليكم وعلي حزنكم لكني ساكون سعيده ، في منتهي السعاده لاني تحررت منكم ، ساحزن عليكم وافرح لنفسي ..
تهيم مع خيالها ، تلمح علي وجهها المرهق ابتسامه سعاده وهي فاره بعيدا عنهم ، تسعدها ابتسامتها ، تلمح دموع وهم علي وجوههم ، تسعدها دموعهم ، تلوح لهم وتستعد للرحيل ، سافتح الباب ، ساتسلل منه ، ساخرج بسرعه ، لن اغلقه ، سابقيه مفتوحا حتي لايسمعوا صوت فراري ، تعجبها فكره تسللها ، تلمح الدهشه والغضب علي وجوههم وقت يكتشفوا فرارها ، تسعدها ملامحهم المرتبكه ، تقرر ، لن اخذ شيئا معي ، ساترك الاشياء خلف ظهري ، سافر حره خفيفه ، ساتخفف من اثقالي التي قصمت وسطي سنوات طويله ، نعم ساترك الاشياء التي احبها ، وقتما افر ساصنع حاضر جديد باشياءه الجديده ، ساترك التاريخ القديم مع الاشياء القديمه اسير سطوتهم ، سافر حره بلا اشياء بلا تاريخ وساصنع حاضر جديد واقتني اشياء جديده تسعدني !!!!

ستخلع ملابسها وتتركها لهم ، ملابسها تحمل رائحتهم رائحه غضبها منهم رائحه قهرها بوجودهم رائحه صمتهم ، ستترك ملابسها وتتحمم بماء الورد تغسل جسدها وروحها وتجري ، تفكر هل تكرههم لهذا الحد ، ترتبك من سؤالها ، لا لا تكرههم لهذا الحد ولا اي حد ، لاتكرههم اساسا ، هي تحبهم ، لكن حبهم يوجعها ، حبهم يخنقها ، يقيدها اسيره عالمهم الكريه ، نعم هي تكره عالمهم مثلما يكرهها ، غريبه هي وسط ذلك العالم ، غريبه وحيده لااحد يفهمها ، هي لاتكرههم لكن حبهم يخنقها وقد تعايشت طويلا مع الاختناق والاغتراب والوحده ، لكنها ارهقت جدا ، ارهقت من حصار الصمت الذي يحيطها ، سالت نفسها مرات هل هي خرساء ، هل تلاشت احبالها الصوتية ، هل ابتلعت لسانها ، لماذا هي دائما صامته ، هل نسيت الكلام ، هل تعرف لغه لايعرفوها وهم يتحدثوا لغه لاتفهمها ، لماذا يحاصروها بالصمت الموجع ، تتمني تحكي لهم احاسيسها لكنهم لايسمعون ، انتبهت ، هل يحيطها الاصماء ممن يعجزون عن سماعها ، هل هذه هي المشكله ، انهم اصماء ، ام هي خرساء ، ام هي خرساء وهم اصماء ، ومشكلتهم معا ستظل ابديه ، لاتعرف المشكله بالضبط ولم تعد تكترث بها ، ستحل المشكله بطريقتها ، هذا العالم يخنقها واصحابه يخنقوها اكثر ، حاصروها بالصمت ، ستفر منهم ومن الصمت وتحرر !!!


ساسير عاريه في الشوارع المزدحمه ، ساحكي للبشر حواديتي ، ساخبرهم عن قصصي ، عن مشاعري عن احاسيسي ، ربما اغني معهم ، سنضحك معا ، ساسير عاريه في الشوارع حره انا وشعري وروحي !!!! تصرخ ، اخيرا ساتحرر من عالمكم ، من الصمت الذي تقتلوني به ، ساتحرر من وجودكم ، هل سالتوني مره عن مشاعري عن رغباتي ، لو كنت سالتوني عن مشاعري كنت ساغير وجهه نظري فيكم ، كنت ساراجع نفسي ، ربما كنت ساقرر ابقي معكم ، ربما كنت ساتخلي عن فكره الفرار والحريه ، لكنكم ابدا لم تسالوني ، امر واقع حياتي معكم ووجودكم معي امر واقع ، هكذا تعتبروها وتعتبروني ، وانا كرهت الامر الواقع وكرهتكم ، لا لم اكرهكم بحق ، لكني الان اكرهكم ، ربما بعدما افر سافتقدكم ، ساتذكر حياتي معكم ، ربما سافتقد حياتي وسطكم ، ربما ، وربما سانساكم تماما ، ربما وقت افر من حياتكم ، سانساكم تماما ، اعتقد هذا ، اعتقد اني سانساكم تماما ، حتي لايوجعني افتقادكم ، تصوروا ، رغم كل ماحدث ، سافتقدكم ، ستوحشوني ، لكن الصمت الذي تحاصروني به سينسيني وجودكم ، احياء انتم ام اموات ، احيان صامتين ام اموات عاجزين عن الكلام ، لا لن اشغل نفسي بكم ، لن ابحث عن حالتكم ، سافكر فقط في حالتي ، انا الاسيرة التي ضاقت بالاسر ، انا المحتجزه التي ضجرت من الاحتجاز ، كرهت الصمت ، سافر ابحث عن اخرين اعيش معهم ووسطهم لايحاصروني بالصمت مثلما تفعلوا مثلما فعلتم !!!!

الصمت يحيطها ولااحد يرد عليها .... تركت اشياءها المحببه ، خلعت ملابسها ، فكت جدائها ، فتحت الباب برفق وتسللت هاربه ، نظرت خلفها ، لم ينتبهوا لفرارها ، حين ينتبهوا ستكون بعيده جدا ، لن يلحقوا بها ، لن يفلحوا في اعادتها للاسر ، اختارت منتصف الليل وقتا للفرار ، جميعهم نائمين ، معظمهم نائمين ، وبقيتهم خدر الاعصاب لا ينتبه لوجودها في تلك اللحظه ولم ينتبه لفرارها فيها !!!

سارت في الشوارع عاريه البدن طليقه الروح سعيده الوجدان ، اخيرا تحررت من قبضتهم من اسرهم من عالمهم الصامت !!!! ابتسمت وفرت بعيدا بعيدا بعيدا!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

بيب .... بيب ..... بيب ..... بيب ......
هذا الصوت سمعته الابنه حين دخلت صباحا علي امها في حجرتها في المستشفي ...
صوت رتيب يخرج من الشاشه التي محيت كل الارقام من عليها ولم يبقي الا اصفارا متراصه لاتعني اي شيء ..


بيب .... بيب ..... بيب ..... بيب ......

صرخت الابنه ... امسكت ذراع امها البارد والقته فتهاوي ..
صرخت اكثر ، دخل الطبيب مسرعا للحجره ، طنت الشاشه في اذنه ففهم كل ماحدث ....
رحلت الام عن هذا العالم ...

بيب .... بيب ..... بيب ..... بيب ......
بعد غيبوبه طويله وموت اكلينيكي طويل ... رحلت الام ...
لم يحتاج يمسك ذراعها ولا يبحث عن نبضات قلبها ، يفهم جيدا لون بشرتها وشحوب ملامحها ويعرف جيدا رائحه الموت التي خيمت علي الغرفه واحتلها ...
كاد الطبيب يبكي ، كان يحب مريضته التي اسرت في غيبوبتها طويلا ، كان يحبها رغم عجزه عن علاجها ، مرات كثيره كادت ترحل لكنه انقذها من الموت ، اكثر من مره توقف قلبها فضربه بكهرباه الطبيه فعادت اليه الدقات والحياه ، كاد يلوم نفسه لانه لم يسهر معها ليلتها الاخيره في الحياه ، كاد يلوم نفسه انه غادرها في تلك الليله ، ربما لو كان معها مارحلت !!!

تراقبه الروح الحره الطليقه التي هربت من اسرها عاريه بلا ملابس وتبتسم ، تكاد تهمس في اذنه لا تلوم نفسك ، لقد اسديت لي بغيابك خدمه جليله ، منحتي فرصه الفرار من الاسر الطويل الذي خنقني وخنق روحي !!!

بيب .... بيب ..... بيب ..... بيب ......
مازالت الابنه تبكي ..... رحلت الام عن الحياه .... اخذها زوجها في حضنه يطبطب عليها ، تبكي بقوه وبصوت عالي ، همس في اذنها ، ارتاحت ، لايعجبها حديثه ، كادت تفر من حضنه ، قبض عليها بحنان وحسم بين ذراعيه ، طنط في غيبوبه بقالها شهور ، حالتها ميئوس منها وانت عارفه ، كده اكرم لها ، تبكي الابنه بصوت اعلي ، تعرف ان امها في غيبوبه منذ شهور طويله ، تعرف انها لم تستجب لكل العلاجات التي منحت لها ، تعرف انها لن تشفي ولن تتحسن ، لكنها كانت تتمناها تبقي معها ولاترحل !!! همست لزوجها ، كنت محتاجاها معايا حتي وهي كده !!! همس الزوج بصوت خفيض في اذنها ودموعه تسيل علي وجنته ، انت كنت عايزاها تفضل كده ، طب وهي كانت عايزه ايه !!!! ابتسمت الروح الحره الطليقه التي هربت من اسرها عاريه بلا ملابس ، ابتسمت سعيده ، طوال عمرها تحب زوج ابنتها تحسه ذكي حساس يعرف مشاعرها طيله الوقت دون احتياج لشرح منها !!!

مازالت الابنه تبكي ومازالت الروح الحره الطليقه التي هربت من الاسر مبتسمه سعيده !!!
اخيرا بعد غيبوبه طويله واسر طويل في الصمت ، اخيرا تحررت وتلاشي الصمت ، فاهي تسمع نحيب ابنتها وقرأن المأتم وصوت العصافير ، اخيرا تلاشي الصمت التي كرهته طويلا وكرهت حياتها ورفضت الاستمرار فيها بسببه ، اخيرا فرت وتحررت وستعيش حياتها مثل كل الارواح بلا صمت ، اخيرا رحلت للحياه بعد موتها الاجباري الطويل !!!!


ليست هناك تعليقات: