مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

البقعه السوداء ...


لم تكترث بتحذيراته ، منعها بوضوح من الجلوس فوق الفراش الا وقت النوم ، المذاكره علي المكتب والرسم علي المنضده والقراءه علي الكرسي ، لكنها كانت متمرده ، لا تحب اطاعته ، تحس الاوامر تقيدها وهي تكره القيد ،حاولت تعترض نهرها علي تمردها واوضح لها انها لا تفهم شيئا وانه يفهم اكثر منها وانه اخيها الاكبير في مقام والدها وانها اخته الصغيره كانها ابنته وتربيتها واجب عليه وحقها تتعلم منه كل شيء جيد وتنبذ كل شيء خاطيء ، لم يعجبها الحوار معه ، نعم هي شقيقته الصغري وهو اخيها الاكبر لكن ذلك لايمنحه الحق في منعها من اشياء صغيره تسعدها وقيامها بها لا يضايقه ، هزمت في حوارها معه ، قررت الا تحاوره ثانيه لانه يملك منطق اقوي من منطقها لكنها قررت الا تطيعه بل تعلمت تراوغهه ، تتظاهر امامه بالطاعه وحين يغادر المنزل تقفز فوق فراشها وتفعل كل مايحلو لها ، تاره تقرآ وهي مستلقيه علي بطنها والكتاب تحت عيناها ، تاره تتربع وتفرد الافرخ البيضاء وترسم بالوان الماء وتضع البالته والفرشاه بجوارها وتسند كوب الماء علي الحافه الخشبيه للسرير ، تاره تحل واجب المدرسه وهي تضع ساقا فوق الاخري وتركن ظهرها علي المخدات الكثيره خلفها ، وحين تقترب ساعه عودته ، تلملم اشياءها وتدفن جسدها داخل الاغطيه وتنام وكانها برئيه لم تفعل شيئا يخالف ارادته ، ويوما بعد يوم اعتادت الكذب واعتادت المراوغه واطمآنت لسلوكها ونسيت اوامره وادمنت الفراش كانها الكره الارضيه كلها المدرسه والمرسم حجره الطعام وحجره الجلوس !!! وهي تكذب وهو لايعرف والامور تسير !!! ويوما عادت من المدرسه منهكه ، نامت في الفراش بملابسها مرتكبه احد المحظورات التي نبه عليها مائه مره الا تفعلها ، وحين استيقظت فقدت الاحساس بالوقت ، لم تعرف هل عاد شقيقها من الخارج ام لم ، نسيته ، اخرجت افرخها البيضاء وفردتها علي السرير وهي ترتدي ملابس المدرسه واخرجت زجاجه حبر شيني وقررت ترسم ، ورسمت خط في الثاني في الخامس ثم فجآ قفزت نقطه حبر كبيره من الزجاجه والريشه قفزت بعيد عن الفرخ الابيض ، شاهدتها تطير حاولت تلافي وقوعها علي اللحاف فارتبكت وتحركت يمينا ويسارا فانقسمت النقطه الكبيره لنقطتين كبيرتين ، الاولي استقرت في صدر مريله المدرسه والثانيه فوق اللحاف ، وقبل ان تفهم ماحدث ، اتسعت النقطتين فوق الانسجه القطنيه وكبرت وكبرت و........ ادركت ان وقت الحساب قد حان ، فزوجه شقيقها ستخبره بانها لوثت مريله المدرسه ببقع حبر ولوثت اللحاف الانيق الذي اشتراه لها خصيصا ببقعه حبر اكبر ، وقتها لن يرحمها ، ربما سيضربها بيده كف غليظ فوق وجهها فتذهب للمدرسه زرقاء الوجه مثلما ذهبت الشهر الماضي ، ربما سيشدها من ضفائرها ويخبط راسها في الحائط تمنت لو شعرها قصير لا يعرف كيف يمسكها منه ، ربما سيضربها بشماعه الملابس الخشبيه التي تمزق لحمها وتترك اثار سوداء فوق بدنها تمنعها من ارتداء ملابس الالعاب ، ربما سيقرصها من اذرعتها وفخذيها ويغزر اظافره الطويله في جسدها فكانه يبصم عليها ببصمات ناريه تحرق بدنها فتظل اياما لاتعرف النوم تبكي من القهر ، ربما سيلسعها بالحزام الجلدي الطويله يخلعه من بنطاله بحركه مسرحيه وينهال علي اذرعتها به فتجري منه ويجري خلفها وحزامه الجلدي يفرقع في الهواء ، بكت بصوت هامس لاتريده يسمعها فيسآلها عن سبب بكاءها ، كرهت ابيها الذي مات وتركها صغيره جدا بلا اب فوقع عبء تربيتها علي شقيقها المتزوج فنقلت الي منزله دون ارادتها ، غضبت من امها التي تزوجت وسافرت مع زوجها وودعتها بابتسامه صفراء مرسومه علي وجهها وهي تسر في اذنيها " اسمعي كلام اخوكي " لكن اخيها متعسف ولا يتوقف عن عقابها وهي تكرهه وتكره حياتها ، ازداد بكاءها وتمنت الموت ، دعت ربها ياخذها عند ابيها الطيب وصبت لعناتها الصغيره فوق راس امها وفوق راس اخيها ، تذكرت انها يتيمه وانها حين ترقص في حفله المدرسه لايصفق لها ابيها مثل كل الاطفال وانها يوم عيد العلم تسلمت جائزه التفوق ولم يشجعها احد حتي احتضنتها الناظره تواسيها وحدتها ، ازداد بكاءها تعرف انها لن تموت وانها ستضرب علقه ساخنه وان شقيقها سيمزق جسدها عقابا لانها لم تسمع اوامره ، كرهت الرسم واقسمت الا ترسم ابدا بعد اليوم لانها تحب الرسم فوق فراشها واخيها لايحبه وهي لاتحب اطاعه اخيها ، لكنها تحب الرسم وعصافيرها واشجارها والاكواخ الصغيره والموجات العاتيه التي ترسمها جميله وهي تحبها ، فهي تغني مع العصافير وتتسلق الاشجار وتفر من اخيها في الاكواخ الصغيره وتلقي ببدنها تحت الموجات العاتيه ، ولو لم ترسم مااستطاعت ان تعيش حياتها التي تحبها ، تعرف انها حياه وهميه لكنها تحبها اكثر من الحياه الحقيقيه المملوءه بالاوامر والنواهي والضرب ، ازداد بكاءها ، ستمزق مريله المدرسه ستخفيها فلن تعرف زوجه اخيها انها لوثتها بالحبر وستلقي اللوم كله علي راس الخادمه المهمله التي ضعيت المريله ، لايهمها الخدامه مهما حدث فيها ، فهي خادمه رزله وفتانه وتنقل كل اخبارها لاخيها وزوجته وتسببت اكثر من مره في عقابها وحرمانها من المصروف ، ستنزع اللحاف من فوق فراشها وتوكد للجميع انها حرانه وستخفيه تحت المرتبه ، لكن المرتبه ثقيله لن تستطيع حملها وحدها ، اذن ستلقيه من الشباك وستقسم الف مره انها لاتعرف سر اختفاءه ، ازداد بكاءها ، لكنها تحب لحافها والدنيا برد لو نامت من غير دفئه لمرضت وهي تكره المرض لانها تبقي وحيده في المنزل لااحد يسال فيها ولان الطبيب في المره الاخيره عالجها بالحقن الكثيره وهي تكره الحقن ، ازداد بكاءها ، تفكر هل تنام وتمرض وتاخذ الحقن ، ام يكتشف اخيها السر فيبقي لحافها وتضرب علقه ساخنه ، احمرت عينيها من كثره البكاء و احست الدوار يتملكها ، كرهت اخيها واوامره وغضبت من ابيها الذي مات وتركها وكرهت امها التي تزوجت ولم تاخذها معها لبيت زوجها وكرهت اللحاف والطبيب والخادمه والرسم وتمنت الموت وتمكن الدوار من راسها عشرات بل مئات المشاهد المتلاحقه تتابع في مخيلتها تري اخيها يجري خلفها بالحزام تري امها تودعها مبتسمه وهي تقبض علي ذراع زوجها ، تري الخادمه تهمس لزوجه اخيها باسرارها الصغيره ، تري البقعه تكبر وتكبر وتكبر وتسود الدنيا في عينيها بلون البقعه و .......... ...... ........ ......... يهتز جسدها مرات خلف مرات تفتح عينها بصعوبه تجد الشمس تملآ الحجره وامها توقظها ، تفتح عينيها تري ابتسامه امها ، لاتعرف اين هي ، مالذي حدث لها ، تنتبه ، هذه امها التي تقف امامها ، تخرج للحمام ، تسمع صوت ابيها ياتي من غرفه نومه تكاد تدخل تساله الم تمت ، ثم تري اخيها يهرول للباب يبتسم في وجهها ويخرج للجامعه ، تلف حول نفسها ، اين هي بل اين كانت ، تنتبه انها كانت تحلم حلما سخيفا لاعلاقه لها بحياتها وانها تعيش مع امها وابيها وان شقيقها مازال طالبا في الجامعه ولا يضربها وان الخادمه السخيفه التي كرهتها في الحلم ليست في منزلهم ، دخلت الحمام وخرجت وارتدت ملابس المدرسه واغلقت حقيبتها وقبل ان تنزل تذكرت ان كتاب العربي كان علي فراشها قبل النوم ، عادت مسرعه للفراش بحثت عن الكتاب وجدته بين الفراش والحائط وقبل ان تخرج لمحت بل شاهدت بقعه الحبر الشيني الكبيره فوق اللحاف ، كادت تصرخ ، بقعه الحبر الشيني الكبيره نفس البقعه التي شاهدتها في الحلم نفس البقعه حجمها لونها ، نادتها امها بالحاح للحاق بالاتوبيس نزلت تائهه لاتعرف سبب تلك البقعه وفي الاتوبيس نامت وقبل ان يصل للمدرسه استيقظت فوجدت صوت اخيها يجلل في الصاله وسمعت صوت زوجته تنادي الخادمه السخيفه ، وجدت نفسها فوق الفراش وبجوارها البقعه السوداء علي اللحاف ، نظرت لصدرها وجدت البقعه فوق المريله ......... ونامت واستيقظت ونامت واستيقظت و.......... هل تعيش واقع اسود تهرب منه بالاحلام ام تعيش حياه ورديه ينغصها الكوابيس ......... وبقيت البقعه السوداء فوق اللحاف !!!!!!

ليست هناك تعليقات: