مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 12 سبتمبر، 2009

مازالت تنتظر الامطار !!!!



كانت طفله سعيدة لاتتذكر يوما بكت فيه حياتها جميله منظمه مرتبه نموذجيه ماما وبابا وتيته والكلب الصغير والعصفور الاخضر ، طفله سعيده كزهور الصوب الزجاجيه كل شيء حولها يحافظ عليها ويحميها ، كبرت ..... تضجت ..... خرجت من الصوبه الزجاجيه ، ستتعامل مع الواقع .... البشر .... الاخر !!!


خطت خطوتها الاولي في طريق الحياه مرتبكه ، تعصف بها الريح وتلفحها الحراره ، ويجمد اطرافها الصقيع ويوخز قطرات المطر المشحوذه بدنها ، تحدق في النهار لاتعرفه ، تغيب مع ظلمه الليل لا تفهمه، تراقب الوجوه الملامح الروائح التعابير القسمات تحس اغترابا مخيفا ...


ارتبكت .....

تمنت لو بقيت طفله ..

تمنت لو لم تكن اساسا ...

تمنت لو عادت للصوبه الزجاجيه !!!

تمنت لو اختبآت في رحم امها !!!

تمنت لو فرت لجزيره خاويه الا منها ومن طيبتها !!!

لكن العزله مستحيله والفرار صعب والحياه لابد ان تعاش !!!

استيقظت يوما وسط الحياه محاطه بالغرباء ... يحدقوا في وجودها ...يتسائلون عن قصتها وحكايتها ، اجابتهم بوضوح لم يصدقوها ، تباسطت معهم ارتبكوا ظنوها تخدعهم بخبثها العميق ، ابتسمت ففهموا ابتسامتها ميوعه وتجرؤا عليها ، تكلمت بشكل مباشر وواضح سخروا من سذاجتها صمتت تصوروا صمتها مكرا و ابتعدوا عنها يتقوا شرها ، اقتربت من البشر ومنحتهم مشاعرها الدافئه فجرحوها بنصل بارد لايفهموا تدفقها ابتعدت عن البشر وتجنبتهم ، تقولو عليها متكبره عدائيه غامضه تخفي اسرار احتارت في البشر والتعامل معهم !!!

ذهبت لحكيم ..... نصحها ... لاتمنحي نفسك الا لمن يقدرها ولاتمنحي قلبك الا لمن يشتريه بعذاباته ولا تطمئني للاخرين وخافي من الغرباء واحتاطي منهم تقي نفسك شرهم ووجعهم وعذابهم ...... وتركها اكثر ارتباكا !!!

ذهبت لكاهن .... ناظرها .... قرآ فوق راسها تعاويذه ومنحها احجبه تدسها بين طيات ملابسها وحذرها من السحر الاسود الذي كتبت كلماته فوق سمكه تجري في المحيط ولن تعتقي من عذاباته الا بصيد السمكه ، فسعادتك في موتها فكرهته واشفقت علي السمكه !!!

ذهبت لعاهره ..... حذرتها لاتسقطي في الحب ، الحب لعنه الحب ضعف الحب قهر ، عيشي واستمتعي والعبي وامنحي جسدك لمن يحبك ولاتحبيه فالحب وباء مهلك ، نظرت لها تعيسه تخفي دموعها خلف طيات الكحل الثقيل فاشفقت عليها وكرهت تحذيرها !!!

ذهبت لعرافة .... قرآت طالعها ، فتحت الودع وقرآت الكف والفنجان وعبست جبينها ... مستقبلك موحش وقلب معذب وايامك صعبه ... لاتخرجي من شرنقتك ابدا فالشر يتربص بك!!!

ذهبت لطبيب .... شخص حالتها .... ارق وتوتر عصبي ... ومنحها اقراصا خدرتها ولم تحل المشكله!!!

ذهبت لقاضي .... شرح لها ... العدل وهم والظلم قانون سائد وعليها تحمي نفسها من صائدي القلوب لان القانون لم يخترع لهم عقوبه مناسبه عن الاضرار التي يسببوها للضحايا ، شرح لها اضابيره واغلق الكتاب وطرق علي المنضده امامه محكمه ، خافت من عدالته العمياء وهرولت بعيدا عنه تبحث عن اكسوجين لتتنفس !!!

ذهبت لشاعر ..... قرآ عليها ابياته وطاف بها في عوالمه الورديه ومنحها بعض قصاصاته وعجز عن اجابتها عن تساؤلاتها الصعبه فالشعر لايحل مشاكل لكن يلون العالم القبيح بالوانه البهجه مخدر جميل ، كان جالسا فوق مقعد وثير تحيطه الاوراق والكتب وخيوط العنكبوت كآنه عائد من رحله مرهقه لايجد مرفآ يستريح عليه ، شكرته وفرت!!!

ذهبت لعالم ...... اوضح لها ان المشاعر اعقد من كل العلوم التي اذا فهمت قوانينها سهل التعامل معها ، اكد لها ان المشاعر اعقد لانها تتحور مثل الفيروسات لاقوانين لها صعب الامساك بها وتحليلها وفهمها ، احسته يعيش في ماضيها داخل الصوبه التي تعوق النمو العاطفي ، احسته معتقل في معمل معقم لايفهم في الحياه مثلها واكثر !!!!

ذهبت لمجنون ..... فرح بزيارتها ونصحها عيشي مثلما ترغبي ولاتكترثي بالاخرين فعقلهم لن ينفعك وعقلك لن يلزمهم ... وصرخ ضاحكا تاملته خافت منه صرخ فيها لاتخافي ، فالحياه لعينه لو عاملتيها بعقل فقديته ولو عاملتيها بجنون فقدتك الدنيا وكسبت نفسك فاختاري !! كادت تسآله هل اخترت انت ومارايك في اختياراتك ، لكن لمعه الجنون والعبقريه والتيه في عيونه اخافتها ، تركته اكثر حيره !!!!!

ذهبت لساحر ..... سخر منها ، لن تفهمي شيئا ، فالحياه اشد تعقيدا من كل السحر المعروف ، الحياه مثل اللعنات التي لاتفك طلاسمها ، عيشي بلعناتك بطلاسمك بالسحر الذي يحيطك يخنق نفسك ، لن تفهمي شيئا .. وصدقيني لااحد يفهم شيئا .. الجميع يدعي الفهم يدعي المعرفه يدعي الادراك وجميعهم كاذبون وانا اولهم .... رمي بعض شذرات من يده في النار امامه فتعالت السنتها للسماء ، صرخ فيها ، الحياه مثل تلك النيران لها مليون فائده ومليون شر ، ماذا تفعلي ، لااعرف ولن تعرفي !!! خافت منه ومن النيران ومن الحياه وازدادت حيرتها !!!!!

ذهبت لامرآه عجوز علي فراش الموت .... سالتها الحكمه ......... قالت لها لاتتعاملي مع الحياه بالحكمه ، تعاملي معها بالفطره ، كوني مثلما تحبي ان تكوني وحين تتعذبي غيري مساراتك وحين ترهقي نامي وحين تنهمر الامطار ارقصي تحتها صالحي بدنك المرهق ونفسك الموجوعه ، لاتتعاملي مع الحياه بالحسابات ، فالحسابات لاتفيد ، دعي مشاعرك علي سجيتها ، من يضايقك ابعدي عنه ومن يفهمك احبيه ومن يمنحك ابتسامه امنحيه امان ومن يغدر بك اتركيه لعذاباته الخاصه تقتله ولاتلوثي روحك بذنبه ، لاتتعاملي مع الحياه بالعقل ، فالعقل مازال عاجزا عن فهم كل مايحدث حوله ، حكمي قلبك في امور كثيره سيفهم اكثر ويدرك اكثر ، فالحياه ليست درسا تتلقيه من المدرس وليست معادله رياضيه بارده تعملي عقلك في فهم مجاهيلها ، حكمي قلبك في حياتك مهما توجعت مهما تعذبت ستكسبي نفسك وتكسبي الحياه ذاتها .......... وماتت العجوز !!!

عادت طفله صغيره بجسد ناضج وعقل متمرد وقلب حساس ...تنتظر الامطار لترقص تحتها !!!

تبتسم وحين لايفهموها تشفق عليهم من غبائهم الانساني وتتسع ابتسامتها اكثر تحب باندفاع وتدفق وحين لايقدروا مشاعرها تبتعد وتبكي وتؤمن اكثر بان وقت حبها لم يحن بعد تتكلم بصوت عالي لاتكترث باحكامهم المسبقه ، تعيش بقلبها في عالم موحش لونته بابيات الشاعر وحكمه المجنون وخلاصه الحياه التي منحتها لها العجوز لحظه موتها!!!

تعيش بقلبها في عالم موحش لكنه حقيقي ، تحس في المه وسعادته وعذاباته وجماله بانها انسان حي موجود!!!

ومازالت تنتظر الامطار لتصالح بدنها المرهق ونفسها الموجوعه !!!!!

ومازالت ترقص تحت المطر ... ترقص تحت المطر !!!!


نشرت في مدونه ياما دقت علي الراس طبول

http://marmar18359.blogspot.com/2009/11/blog-post_776.html

لكني نشرتها هنا لانها حدوته من الحواديت


هناك تعليق واحد:

شيرين سامي يقول...

ما أجمل كلام العجوز لكنه السهل الممتنع الذي يصعب تنفيذه في حياه مليئه بالتضاد
لا استمتع بقراءة حواديت سوى في مدونتك الراقيه
اقبلي تحياتي و احترامي