مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 أبريل، 2014

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الاول

الجزء الاول

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود




( 1 )
2014

في لحظات النهار المبكر في الحي الذي كان هادئا وانيقا وصار عشوائيا ومكدسا بالسيارات ومغروسا بالابراج الخرسانية القبيحة ، في تلك اللحظات ، ستري الشمس تلقي اشعتها علي الميدان الكبير فترسم صفاء وجمال تتصوره حقيقيا واقعيا حتي يستيقظ الحي وابناءه وتثور عواصف الصخب لترسم الملامح الحقيقية لصورة مزيفة خادعة رسمها النهار المبكر للمكان وملامحه وتفاصيله ...
في تلك اللحظات ، تلقي الشمس بعض اشعتها علي البنايه الصغيرة القديمه التي تحاصرها ابراج عالية قبيحه تجاورها وتلاصقها وتخنقها ، تلقي الشمس بعض اشعتها فيظهر علي واجهه البناية القديمة بقايا الاصفر الذي كان لونها وبقايا الوردي الذي كان يزين شرفاتها فتبتسم الشمس لان دوام الحال من المحال ولان تلك البنايه كانت ذات يوم البنايه الاكثر اناقه وسط البيوت الصغيره التي تجاورها في الحي الجديد الذي قررت الحكومه التي لانعرف اسم رئيسها ضمه للقاهره العاصمه بعدما تكدست بسكانها فكان البائعين والماره يشيرون اليها باصابعهم وباعتبارهم علامه مميزه في الحي الهادي ، واكم من مرات سخرت نجية من ذلك الاعجاب لانهم لايعرفون مالذي يحدث خلف تلك الجدران الانيقة ..
هذا كله لايهمنا ، مايهمنا هو الصباح الذي يبدو هادئ والسكون مازال مخيما علي الميدان الكبير الذي تحاصره الابراج القبيحه العاليه ووسطها البنايه الصغيرة التي لم يفلح ملاكها في هدمها مثل بقيه المباني فصمدت وسط الابراج تصارع سطوتهم وظلالهم التي اغلقت نوافذها وارتفاعاتهم التي منعت موجات الاثير تصل لتلفزيونات قاطنيها وحكمت عليهم بفقر مهين وسط كل محدثي النعمة الذي اشتروا شقق الابراج القبيحه وجاوروهم في الحي الذي كان انيق ، مايهمنا ذلك الصباح الذي يبدو هادئ ..
لن نبقي طويلا وسط الميدان ، ولن نحدق كثيرا في الابراج القبيحه ولا بقايا الاشجار التي كانت وارفه وعاليه حتي خنقتها الابراج الاسمنتية العالية ، سنترك الميدان ونعطيه ظهرنا ونتسلل للبنايه الصغيرة ، سندخل من السور الحديدي ونصعد ثلاث او اربعه درجات مالت استقامتها تحت وطأة الضيوف الكثر الذين صعدوا وهبطوا طيله عقود متلاحقه يشاركوا اصحاب البنايه حياتهم فرحهم حزنهم ايام عمرهم ..
سندخل من السور الحديدي ونصعد السلم ونتسلل بخطوات بطيئة علي اطراف اصابعنا فوق الارض الخشبيه التي كانت " ارو " انيق حتي تسللت تحتها قطرات المياه وقت مسحها علي ايدي خادمات غير مؤهلات لاي شيء الا افساد كل شيء ، المياه ركدت تحت اصابع " الارض الخشبيه " فحركتها من ثباتها وراكمت تحتها الهواء العطن وبعض الحشرات الصغيره فصارت الخطوات فوقها انين مكتوم مزعج يوقظ النائمين في الحجرات البعيده من اعمق نومه واحلاها ، سنسير فوق اطراف اصابعنا علي الارض الخشبيه وننحرف يسارا ، سيصادفنا علي الجدران المشققه الكالحة بعض الصور الباهته لافراح الابناء وصور الاحفاد ، صور مر عليها وعلي فرحتها زمن طويل ففقدت معالمها وفرحتها وصارت ذكريات معلقه علي جدران الزمن ، من مات ومن رحل ومن اختفي وبقيت الصور ذكريات توجع !!!
سنسير علي ارض الممر المظلم يقودنا لغرفه النوم القبلية الدافئة ، سنتسلل من تحت عقب الباب ، لن نطرقه فنوقظ السيدة التي كانت صاحبه البيت والحياة وتراكمت سنوات العمر فوق كاهلها فنسيت اين تحيا ولماذا وتحولت لكومه هشمه فوق الفراش العتيق الذي سقطت مرتبته ونحل وبرها وبرز من بعض اطرافها قطن عطن ثقب الزمن له طريقا خارج بطنها لنراه ونتوجع ونتحسر علي الايام الجميله التي كانت ....
فلتكتم انفاسك سيدي سيدتي ، صرنا الان فوق خشبه المسرح الذي سيقص علينا  احداث حكايتنا ، نعم فوق خشبه المسرح ، لاتتعجب ، فانت جزء من الحكايه حتي لو كنت لاتعرف ابطالها ، نعم انت جزء من الحكايه ، مادمت صبرت معي كل تلك الصفحات وسايرتني وسرت علي اطراف اصابعك وكتمت انفاسك وصمت ، مادمت طاوعتني صرت اسير الحكايه وبقيتها وجزء منها وانت وانا وجميعنا الابطال ...

( 2 )
نجية

تصرخ وتصرخ وتصرخ ...
صوت صراخها مخيف يحرق القلب ، تتمني لو تملك تريحها من الالم فيهدأ صراخها لكنك مثلي تماما عاجز لاتملك لها شيئا الا الدعاء والبكاء والفرار من صوت صراخها المخيف الذي يحيطك في شرنقة وجع تؤكد لك ان الحياة عابثة قاسية لامعني لها ....
عجوز في التسعين من عمرها ، كوم من العظام المفتته تحت الجلد المشقق وبينهما بعض نثرات من لحم وشبكه اعصاب تحترق فتصرخ وتصرخ ، كل هذا امامك وانت لاتملك لها شيئا ..
تتأوه تتوجع تستغيث ، حرام عليكم حرام عليكم ، تلوح باذرعتها الواهنتين وكأنها تبعد وحوش عقوره تنهش في اعصابها وتشعل فيها الالم دفقات متلاحقة وكأنها موصولة ببرج كهرباء الضغط العالي ، تتأوه تتوجع تستغيث ، حرام عليكم حرام عليكم ، تستجدي وحوش الالم ترحل عن بدنها الهش تستجديهم يرحموها ، تلوح باذرعتها كأنها تتمني تقبض علي كف حانيه تشعرها ببعض الادمية الانسانيه الحنان في تلك اللحظات الصعبة ...
عجوز في التسعين من عمرها ، طال بها العمر حتي اصبح لا معني له ، الشيخوخه تبعثر كرامتها باوجاع لاتعرف مبررها ، الشيخوخة تمزق روحها فتتمني الرحيل عن ذلك العالم الموحش الموجع ، لكن ساعه الرحيل لم تأتي بعد وقدرها تستنفذ طاقات تحملها بين اوجاع مستعصيه علي العلاج والفهم ، قدرها تصرخ وتصرخ وكأنها ترسل رساله للحياة ارحميني واتركيني ، كأنها ترسل رساله للوحوش العقور استقوي عليا اكثر واكثر واحمليني بعيدا عن تلك اللحظه الموجعه ، اعقريني اقوي واقوي فارحل معك حيث براح لاوجع فيه ولاالم ولاصراخ ....
لكن ساعة الرحيل لم تأتي بعد واعاصير الالم تفتك بها وستفتك بها اكثر واكثر ....
وكأن كل ماعاشته لايكفي ...
وكأن كل مامرت به لايكفي ..
وكأن كل ماخاضت فيه لايكفي ...
انها نجية ......

( 3 )
نجية

لماذا تقسو الحياة علي بعض ابناءها لهذا الحد ؟؟؟ سؤال سألته لنفسي كثيرا وقتما اكتشفت علتي ، عرفت من جدتي الحاجة العجوز ان ابي ابنها البكري تزوج من امي ابنة خالته ، شرحت لي جدتي بالاشاره وبصوت مرتفع عالي وصل لاذني هامسا ممضوغا ، شرحت لي ان ابي وامي اقارب واولاد خالة وانها حين انجبت ابنها القمر خطبته خالتي لابنتها التي لم تنجبها ووافقت امي وصار الصغير الرضيع موعودا للصغيرة التي لم تأتي للحياة وحين انجبت خالتي بعد سبعه سنوات واربع ذكور ابنتها الاولي صارت عروسه ابي وخطيبته والوعد المكتوب نفذ وصار ..
شرحت لي جدتي وانا التصق بها واكاد اجلس علي ساقيها لاسمع صوتها واضحا ، شرحت لي جدتي ان امي صارت عروس ابي وهي في اللفة وحين خرطها خراط البنات وصارت عروسة وست العرايس قروا الفاتحه للنبي ليكمل فرحتهم وقبلما يمر حولين زفت امي لابي في فرح مهيب وسط فرحه طاغيه من الاختين الذي نفذ وعدهما وصارت ست البنات عروسة زين الشباب وعاشوا في تبات ونبات فترة قصيرة جدا ثم عاشوا فقط وخلفوا صبيان وبنات ، كنت انا الابنة البكرية لتلك الزيجة التي افسدت حياتي كلها بسبب الوعد والمكتوب ...
تأخرت في الكلام ، هكذا قالت لي جدتي ، تأخرت في الكلام وصرت كالبلهاء وسط اطفال العائله الذي يتكلموا " كالبربنت " وانا خرساء ابكي واصرخ طيله الوقت لان لااحد يفهمني ولا يلبي طلباتي ولانهم تركوني وحيده خرساء صامته لايتكلموا معي ولا يهتموا بي ..
هكذا كنت اشعر وانا صغيره جدا ، اشعر اني معتقله خلف سياج عاليه تبعدني عن العالم الصاخب المحيط بي ، كنت صغيرة اصرخ كثيرا ، هذا مااتذكره عن طفولتي ، اصرخ كثيرا ، احاول اعبر عن نفسي لكن احد لايفهمني ولانهم لايفهموني اصرخ اكثر واكثر ...
خرساء معزوله لااحد يهتم بي ولايكترث بحالي ، هذا مااذكره عن بيت ابي وامي وسنوات عمري الثلاث الاولي ، هذا مااذكره ويوجعني رغم الشيخوخه التي تحاصرني الان وتقبض علي وجودي ، يوجعني ذكريات سنواتي الثلاث الاولي ..
قصت علي جدتي ، اني تأخرت في الكلام وان صمتي وخرسي اوجع قلب امي واغضب ابي فتشاجرا كثيرا بسببي واتهم ابي امي انها السبب لانها لاتهتم بي ودافعت امي عن نفسها واتهمت ابي انه لايهتم بها ولا بمعاناتها مع صغيره بلهاء خرساء لم تنطق حرفا وكل اقرانها يغنون ويضحكون ويقصون الحواديث ، تشاجرا كثيرا بسببي حتي قررت جدتي في احد زياراتها لبيت ابنها اني منظورة ولساني معقود ولابد من زيارة للشيخ المبروك حتي يفسد العمل ويفك عقدة لساني ويرفع الغم والهم من بيت ابي وامي التي ماكانت تكف عن البكاء حتي مل منها ابي وتوعدها يتزوج باخري تسعد قلبه الحزين يؤكد عليها انها كئيبة وعرف هذا من يوم ماتزوجها وانها نكدت حياته وافسدتها ، توعدها ابي يتزوج غيرها في مشاجره كبيرة انفجرت بينهما في حضور جدتي ، قال لها انها افسدت حياته ، صغيره مدللة ، وحين حملت تمكن منها الوحم والوهم والغثيان فنامت التسعه شهور علي فراشها تتوجع وتركت بيته مقلوبا وملابسه مبعثره ومعدته خاويه حتي افسد اكل السوق مزاجه وصحته ، قال لها انها افسدت حياته وقتما انجبت الصغيره التي لاتكف عن الصراخ ، هي تصرخ وانتي تبكي وانا صارت حياتي سوداء ، هكذا صرخ ابي فبكت امي فكسر مرأة الدولاب بطفايه السجائر وترك لها الغرفه والبيت وهي تبكي وتولول ..
امي شكت ابي لجدتي وانه يهددها بالزواج عليها وانه لايراعي انه ابن خالتها وفي مقام اخيها الاكبر وانها لحمه الذي يتعين عليه يراعيه لايهدده ويلقي به علي قارعة الطريق ، وعدتها جدتي - بعدما حضرت المشاجره وسمعت الصراخ والبكاء وصوت الزجاج المهشم - وعدتها جدتي بانصافها وانه يهذي كلاما فارغا لن يحدث وانه لن يجد ولو بليت قدميه ارهاقا ، لن يجد اخري في جمالها و في ادبها واكدت لها جدتي ان " البت " الصغيره هي السبب في النكد المعشش في البيت وان الصغيرة - تقصدني جدتي - ملبوسة وان عين الحسود فيها عود وان اولاد الحرام لم يتركوا لاولاد الحلال حاجه وانهم اتحسدوا لانها قمر وهو قمرين ، وانها - اي جدتي - ستجد حلا للعين المدورة التي تخيم علي بيتهم وسعادتهم وتفسد عليهم ايامهم وحياتهم ... وقد كان وحاولت جدتي تنقذ الاسرة التي تعصف بها اعاصير الحمق والغضب ..

( 4 )
2014

يبدو اننا نعيش جنونا غريبا ، الجدران تهمس بقصص وحواديت ، الجدران تهمس بما يعتمل في روح السيدة العجوز وهي نائمه فوق فراشها وكأنها ميتة ..
نعم اننا نعيش جنونا غريبا ..
كنا تسللنا لنطمئن علي السيدة العجوزة في لحظه صمتها قبلما تحتل الشمس غرفتها من النافذة الشرقية ويوقظها صخب البائعين الجائلين في الميدان واصرار الممرضه لتعطيها ادوية النهار ، كنا نظن الغرفة هادئه وكنا نظن اننا سنطمئن علي العجوز ونرحل بسرعة ، لكن الجدران بدأت تحكي وتروي ، الجدران ناشدتنا نبقي صامتين مكتومي الانفاس لتحكي لينا سيرة تلك العجوز ورحلة حياة القاسية ..
ظننت في البدايه ان عقلي يطن بخيالاته الرعناء وان السيدة العجوز نجية صامتة نائمه والجدران ايضا وبقيه موجودات الغرفة ، لكن همسا واضحا يتسلل لاذني وروحي ، تصورت السيدة تتحدث ، لكنها لاتدري مافيها ولا بما حولها ، غارقة في نوم كالغيبوبة وربما غيبوبة كالنوم ، من اين يأتي الهمس ؟؟..
وسرعان ماادركت ان الغرفه تتحدث والجدران تحكي والمفروشات تقص وكأنهم جميعا كانوا يسجلوا ماعاشوه مع صاحبة البيت ، كأنهم سجلوا تاريخها ونقشوه علي صفحاتهم ، كأنهم خشوا عليها تغيب ووعيها يتلاشي وعقلها يتحول هلاميا فقرروا يسجلوا حياتها وكل ماعاشته في البيت وحضروه معها ...
واصبح الجنون مطبقا ، كل شيء يتكلم ولايتكلم ، كل شيء يحكي ولا يحكي ، شككت في نفسي ، تسللت للغرفه نعم ، تلصصت علي السيدة العجوز نعم ، لكني هل اعرف مالذي عاشته وانا لااعرفها ، هل احكي تاريخها الذي لااعرفه ولااعيشه ، يامثبت العقل والدين يارب العالمين ، من الذي يحكي لنا حكايتها ؟؟؟
من يعرف قصه السيدة العجوز ليحكيها لي ولكم ؟؟
لاتفزعوا وتهرعوا خائفين من الغرفه ، لاتجروا وتتكالبوا للخروج من بابها ، الجلبه التي تحدثوها وصرير الخشب تحت اقدامكم وصفير خطواتكم عليها ، كل هذا يحدث جلبه ستوقظ العجوز ، ستوقظ الممرضة فتأتي لتعطيها دواءها ، ستراكم متلصصين علي مريضها فتبلغ الشرطه عنكم ، تضحكوا ، الدور علي انا لاضحك ، لن تراني ولن تبلغ البوليس عني ، انتم من تسللتم للغرفه اما انا فكنت ارشدكم لتدخلوا ومعكم ولست معكم ، لاتفزعوا وتجروا ، اهدءوا واسكنوا اماكنكم ، فماستسمعوه يستحق صمتكم وكتم انفاسكم ....
كأني اسمع ضحكا ينبعث من الجدران ، كأن المرتبه البالية تحكي ، كأن الاطار المعووج علي الحائط المشقوق يقص ، كأن السجادة البالية تئن ، اسمع ضحكا ، اسمع همسا ، لن تسمعوا شيئا ، ستروه ، نعم ستروه ، لاترفعوا حواجبكم اندهاشا ولا تختلج قلوبكم خوفا فلسنا في حضرة العفاريت كما تتصوروا ولا توهمنا الاشباح بخرافات لاتعيشوها ، نحن نحيا لحظة خاصه جدا ، لحظه استعداد العجوز للرحيل ، لن ترحل قبلما تقص عليكم حكايتها ، نعم هذا اختيارها وسيمنحنا ملاك الموت وقتا لتقص وتحكي ، هذا طلبها الاخير ورغبتها التي لارغبه بعدها ، وكأنهم سألوها قبل الرحيل عن رغبتها الاخيرة ، ارادت تترك بصمه علي وجه الحياه التي عاشتها كلها دون بصمة كما تصور الاغبياء وبليدي القلوب واعمياء البصيرة ، ستترك بصمتها علي وجه الحياه وترحل ، لاتخافوا ولاتجزعوا ، يبدو انها طقوس الموت الهاديء التي لانعرفها ، فاحدا لايحكي ولم يحكي ابدا لحظته الاخيرة ، لكن السيدة العجوز نجية ارادت تحكي فكان لها ماارادته ، ستروا قصه حياتها امام اعينكم ، كأنكم صغار تجلسون تحت الملاءه السوداء تتفرجون علي صندوق الدنيا وصوت الراوي يقص عليكم معني ماتروه من مشاهد ، الجدران والمرتبة والاطار المعوج والسجادة البالية والمرتبه الهشة والمقعد العتيق وزجاجه العطر الخاوية والمشط المكسور وفرشاة الشعر السلك ، كل هذا سيحكي ويتكلم ، كل هذا سيقص عليكم ماشاهده بأم عينه عن حياة تلك السيدة العجوز قبلما تصبح كذلك ، هل صدقت ان الجماد سيحكي ، صدقوا ، ستمنحهم نثرات من روحها ليتكلموا ويضحكوا ويبكوا ، جسدها بلا روحها مثلهم ، ساكن اخرس ، روحها التي خزنت في تلافيفها تفاصيل حياتها وحكايتها ، ستمنح روحها لكل الجماد الذي شاركها رحلتها ليحكي وتحكي ، قفوا انتباه ايها السادة ، نحن من وقع اختيارها العشوائي علينا لنسمع حكايتها قبل الرحيل الاخير ...
ومازال النهار ساكنا والحي الذي كان هاديء لم يستيقظ بعد !!!
حدقت في السيدة العجوز فلمحت علي وجهها بقايا ابتسامة وكأن روحها سعدت لاننا منحناها تلك الفرصة ، ان تحكي وتقص هي وكل الجماد المحيط بها حكايتها التي لم يعرفها احد ....  

( 5 )
نجية

ابي يتشاجر مع امي لانها كثيرة البكاء وامي تتشاجر معي لاني كثيرة الصراخ وجدتي تتشاجر مع ابي لانه يقسو علي امي بلا مبرر ، البيت يشتعل من كثرة الصراخ والمشاجرات التي ماتنتهي حتي تبدأ وما تبدأ حتي تطول ..
امي خائفه يرميها ابي علي قارعه الطريق ويطلقها ويتزوج غيرها ، وابي ضجر من بكاءها والنكد الذي يعيش فيه وانا اصرخ وابكي طيله الوقت لاني عاجزه عن التعبير عن نفسي لاانطق وكأن عفريتا قص لساني ومزق حنجرتي واحبالي الصوتيه وترك لي بعض الاصوات العشوائيه التي لا تقول معني ....
ابي يشكو امي لجدتي ، لااحبها ولاتسعدني ، ابنة اختك نعم لكني لست مجبرا لافساد كل حياتي والعيش معها ، جدتي توصيه يصبر عليها فهي صغيره وبلا خبرة وحمل البيت ثقيل و " في ايدها عيلة صغيرة وممسوسة " ومسيرها- اي امي -  تتعلم وتعقل .. فيصمت ادبا لكن مافي قلبه ونيته في قلبه ونيته .
جدتي مصممة ان البيت مسكون باشباح الكراهية التي قص عليها الشيخ المبروك قصتها ، تلك الاشباح التي تلبد في الشقوق وتبث سمها في الهواء فيتسلل لارواح اهل المنزل يأسرهم ، اشباح بائسه تغير من اهل البيت وحياتهم فتبدل فرحهم شقاء وسعادتهم حزن وغم ، جدتي تبخر البيت وتقرأ ايات القرأن وتاخدني انام معها في فراشها وتخرس بكائي بحلوياتها ورشاويها الصغيرة ، فتهدأ الاحوال في البيت يومين وربما ثلاث حتي تناديني امي لتحممني او تصفف شعري الاكرت او تبدل ملابسي فتصرخ في واصرخ فيها فتشتعل الحرائق ثانية ، جدتي افصحت لامي اني ملبوسة وان العمل مربوط بثقل غارق في قاع البحر وان الشيخ المبروك هو الذي سيفك العمل ويرفع العكوسات ويحل لساني الذي ربطته اشباح الكراهيه لتفسد حياة امي وابي ، اقسمت جدتي برأس الغاليين لتعالجني واستأذنت ابي تعود لقريتها وتصحبني معها ، وافق ابي وكأنه ماصدق يتخلص من عبيء وصراخي ... 
حسمت جدتي امرها ورتبت حقيبتي واخذتني في حضنها ونمنا اخر ليلة في البيت الذي تهدم فور رحيلنا ، ايقظتني فجرا فودعت ابي وامي وسافرنا لقريتنا التي عالجتني بهواءها النقي وطيبه اهلها واصرار جدتي ...
مازلت اذكر صورا ضبابية لتلك الزيارة التي اخذتني فيها جدتي للشيخ المبروك ليحل عقد لساني ويفك النحس والاعمال السلفية واذكر بعض الصور الضبابية للايام التي سبقتها ، اخذتني جدتي معها للقريه ، ودعت امي واحتضنها وبكيت خائفه لااعرف لماذا ساتركهم واذهب مع جدتي بعيدا عن حضنها ، وتعلقت بحضنها رافضه اودعها واتركها ، كنت اصرخ كالمجنونه بل كنت مجنونه فعلا ، انتزعتني جدتي من حضن امي ووعدتها تعود بي سليمه معافيه وغمزت لها لتصلح مابينها وبين ابيها وتمنت حين تعود تجدهم سمنه علي عسل ..
نمت طيله الطريق في السيارة الكبيرة التي تقاذفتها المطبات والثقوب الكبيرة وسط الطريق تجري علي المدقات الترابيه بين القري والنجوع ، استيقظت في بيت جدتي بالقرية ، كان الظلام دامس والوقت ليل و" الكلوبات " تتراقص شعلتها علي الجدران مخيفه مرعبه ، التصقت بجدتي النائمه بجواري فاخذت تهدهدني بين ذراعيها حتي نمت ثانيه في حضنها ، استيقظت ثانية وسط الظلام لاجد الفراش خاويا منها ، هبطت منه ارتطم بالاثاث الذي لااعرفه ، وصلت للمطبخ ، كانت جدتي تجلس امام ماعون كبير تضرب في عجينه ، كان الفجر يشقشق بنوره الخافت والظلام ينسحب باشباحه وخوفه ، ابتسمت جدتي واحتضنتي بذراعيها الكبيرين ، رائحه الخبيز في ملابسها هدتء روعي ، ابقتني علي حجرها بضعه دقائق ثم افسحت لي فجلست بجوارها علي السجاده الصغيرة ، سمحت لي جدتي اعبث معها في الماعون ، ضحكت ، ضحكت جدتي واحتضنتي ، تشفق عليا مما صابني واثقه ان الشيخ المبروك حيهون الصعب ويحل المعقود ..
في الفجر الثاني ، ايقظتني جدتي وحممتني بالماء الدافء ورائحه الزهر وتشاهدت فوق رأسي والبستني ملابس جديده وقبضت علي كفي وسارت بي في طريق مظلم وخلفنا خادمتها انصاف تحمل قفصا كبيرا تفوح منه رائحه الفطير الذي خبزته مع جدتي ، قالت جدتي للشيخ المبروك الذي استقبلنا بعدما فرغ من صلاه الفجر ، قالت له اني خبزت الفطير معها ، وان الفطير فيه " اثري " وسلمته بؤجه فيها ملابسي ليقرأ في نسيجها تاريخ العمل السفلي ويكتشف طريقه حله ، ابتسم الشيخ ومسح بكفه علي راسي واخذ يتلاعب بشفتيه بحركات لاافهمها يتلو كلمات لم اعرف الا بعد سنوات بعيده انها ايات من القرأن مبروكه طاهره  ، غفوت تحت اصابعه الثقيله وهي تهدهد رأسي وكفه التي تجري علي كتفاي وظهري وتقبض علي اذناي وتكاد تمزقهما وتربت علي شفتاي طويلا ، ايقظتني جدتي فرحة تتمني شفائي السريع بعدما اكد لها الشيخ المبروك ان علتي ثقيله وهمي كبير وان العمل الذي اخرسني مشبوك في قاع مركب تتقاذفها الرياح في البحر العاتي البعيد ، طلب منها تكرار الزياره سبعه ايام ، فوعدته واوفت ، تراقبني وقتما نعود من عنده ، كففت عن الصراخ لان جدتي تركت لي الحبل علي الغارب ، الهو في الحديقه واطارد الفراشات وابو مقص والعب في القناه الصغيرة وتتوسخ ملابسي فاخلعها وتحممني وتترك شعري الاكرت طليقا لاتمزقه تحت قبضه فرشاتها الخشنه كأمي ، منحتني جدتي حريتي وعينها وعين انصاف يراقباني خوفا علي من خطر لااعرفه ، فقط يحمياني من الخطر ويتركا لي كل الحريه لاعبث في الحديقه والعب بالطين واتقاذف المياه من القنايه الصغيره مع خيالاتي والهو مع العصافير واقع واقف واجرح في ركبتاي فتطهر انصاف الجرح وتكتم دماءه السائله بقبضه بن وتحتضني وتتركني اعود لحريتي التي منحتها لي جدتي عامدة متعمده ، احستني حبيسه ولم تفهم سر اسري وعقده لساني فحاولت بفطرتها تطلق حريتي عل لساني يحلق معها واغرد مثل كل الاطفال الاخرين ...
احببت جدتي اكثر واكثر ، انقذتني من صارم اوامر امي وشجار ابي والهواء المكتوم الثقيل والدموع التي تنهمر علي وجنتي امي لاتكف ، انقذتني ومنحتني حريتي وتركتني الهو براحتي ، اكتشف الدنيا حولي والهو معها ، لاحقتني جدتي بالابتسامات المطمئنه ولم تنهرني في اي لحظه طيله اقامتي معها ، فلم اصرخ ، تركت لي الحياة الهوا معها براحتي فتحررت روحي وسقطت الجدران الفولاذيه التي تحبسني خلفها بعيدا عن الحياة ، اجتاحت روحي سعاده ، اول مره منذ ولدت لااشعر اني محبوسه في غرفه زجاجيه محظور علي كل شيء ولااحد يفهمني ، كففت عن الصراخ فاتصلت جدتي بابي تزف اليه شفائي وان امارات الشيخ المبروك ظهرت علي ورجته يدلل امي ويعتني بها وانها العروس التي اختارته له قبلما تولد وان النصيب وعد ومكتوب ، وحذرته لو تزوج غيرها ستقاطعه حتي تموت ولن تسمح لها يقف علي قبرها وياخد عزاها وانها لاتقوي علي غضب اختها ولا كسره قلب ابنتها ، انصت لها ابي صامتا وهو يعدها بأن يفعل الخير ولم يصارحها انه تزوج فعلا بست الستات التي اسعدت قلبه بعدما نكدت عليه ابنة اختها حياته ، رجاها تبقيني معها حتي نهايه الصيف ، شكرته لان هذه امنيتها لاني اؤنس وحدتها في البيت الكبير وجعلت لحياتها هدف وانهت مكالمتها الطويله معها وهي توصيه خيرا بامي لا تتصور ابدا مافعله فعلا فيها ...

( 6)
حياة

الهو مع اختي الكبيرة في الشرفة القبلية ننتظر المولود الجديد لابينا ، نعم اليوم زوجة ابي تصرخ وتتوجع وآلام الولادة تداهمها وبجوارها الحكيمة تساعدها وجميعنا يدعو لها تقوم بالسلامة ..
جدتنا طردتنا من صالة المنزل الذي يدوي فيها صراخ زوجه ابي عاليا ، طردتنا من الصاله للشرفه القبليه البعيدة وطالبتني ابقي مع نجية نلعب حتي يأتي المولود بفرحته ، اخذت نجية وخرجنا للشرفة ، هي اختي الاكبر مني بثلاث سنوات لكني وكأنني الاكبر ، فانا اتحدث بطلاقة وبكلمات مفهومة واسمع تعليمات امها وابي وجدتنا واشرحهم لها بطريقه تفهمها بالاشارة واللعب والضحك والكلمات ،
جدتنا تجلس في الصالة تقرأ في المصحف واصابعها تجري بسرعه علي السبحة الكهرمان تدعو لزوجه ابي ليهون عليها وتنصت السمع وسط الصراخ العالي علها تلتقط صرخة الصغير الاولي في الدنيا وبشاره ميلاده ، تدعو لابي يأتيه ابنا ذكرا بعد البنتين ليحمل اسمه ورايته ويمد جذور شجرته في ارضها الطيبة ..
نجلس انا ونجية علي ارض الشرفه نلهو بعرائسنا القطنيه التي فصلتها لنا جدتنا ، نصفف جدائلها الطويله التي صنعتها انصاف من بقايا الخيط الاسود الذي شغلت به شال جدتي الكبير ، عروستي وعروسة نجية يتراقصا علي صوت غنائي وتصفيق نجية ،  ارفع صوتي انادي علي اختي لتغير لعروستها ثوبها ، مازالت تصفق وكأني مازلت اغني ، ارفع صوتي اكثر واكثر ، تلتف لي ، اخيرا سمعتني ، نعم نجية اختي الكبيرة تعاني من مشكله في سمعها ، هذا ماسمعته من الحديث الهامس بين ابي وجدتي وقتما جلس امامها يقص عليها مااخبرها به الطبيب ، الحكيم قالي ان سمعها تقيل وان ده سبب كلامها الملخبط ، ضربت جدتي بقبضه يدها علي صدرها حزنا لان علاج الشيخ المبروك لم يثمر في الارض المالحة الا وجع لن يفلح يشفيه احد الا الشافي المعافي ، ساخرة من ابي واهتمامه بالحكيم وكلامه  ، شرح لها ابي ان الحكيم سيداويها ويمنحها بعض النقاط الشافيه في اذنها واخبرها ان الطبيب اوصاه يتحدثوا معها كثيرا حتي تعتاد سماع الاصوات والكلمات وتتعلم نطقها وتجتاز حظها العثر الذي افسد اذنيها فربط لسانها وقسي الاخرين عليها فتعاملوا معها وكأنها بلهاء عبيطه لانها لاتسمعهم جيدا ولا تجيب بكلمات مفهومه علي حوارهم معها ..
في ذلك اليوم ارسلت جدتي مرسالها ليحضر انصاف وابنتها زبيده من البلدة وخصصت زبيده لترافق نجية وتتكلم معها طيله الوقت ، قالت لابي انها لاتصدق كلام الحكيم لكنها ستسايره علها تشفي وبركه الشيخ المبروك وسيدنا النبي تحل ..
صارت زبيدة كظل نجية لاتفارقها ، تحدثها طيله الوقت بصوت عالي ، ويوما بعد يوما اخذت الكلمات الممضوغه والاحرف المكسرة تنسكب من بين شفتي نجية تقدما في حالتها الصحية لاحظه الجميع ، واكم من مرات ضحكت جدتي حينما تنطق نجية كلماتها بذات الطريقة القروية التي تتحدث بها زبيدة ، تضحك وتتمني ربنا يتم شفاءه عليها ..
مازالت زوجه ابي تصرخ ومازالت جدتي تنتظر الوليد الذي تتمناه ذكرا ومازلت العب في الشرفه مع نجية ، اغني وتصفق وتتراقص عرائسنا ونبدل لها الاثواب وانا اغير الاغنيات وكانهم في مسرح المدرسه التي اذهبها انا ونجية ..
لم افهم ابدا لماذا زوجة ابي ليست امي ، مازلت اذكر اللحظه التي اتي ابي لبيت جدي ليصحبني اعيش مع اختي وزوجته ، لم تكن امي في البيت ، فقط جدي وجدتي وانا ، كنت صغيرة جدا لكني اذكر تلك اللحظة جيدا ، بل واذكر ايضا لحظه رحيل امي مع زوجها لبيتها الجديد ودموعها وهي تودعني ووعودها لي بان ترسل لي من يذهب بي لبيتها الجديد وحضنها ، الغريب اكثر واكثر اني اذكر ابتسامه زوجها وصمته الطويل متجاهلا سؤالها ، مش كده يافتحي ؟؟ صمت طويلا ولم يجيبها فتصورت صمته قبولا لحلمها بضم صغيرتها لحضنها مره ثانية ، نعم امي رحلت مع زوجها الجديد الذي خطبها بعد انقضاء العدة وتزوجها خلال شهرين بعدها ، فحين طلق ابي امي وغدر بها كم يقولوا جميعا ، اقسم ابيها برأسه اجداده ان يزوجها فور انتهاء العدة ، وقتها لم اكن قد اكملت سنتين من عمري ، قضيت منهم سنه في بيت جدي وامي غاضبه لان زوجها اعاد زوجته الاولي لعصمته او سيعيدها لاتعرف بالضبط وقتها مالذي يحدث وجدي يفرض سياجه الحديدي عليها يمنعها تتصل بزوجها وتعرف اخباره ، طيله تلك السنة كانت امي لاتكف عن البكاء علي حظها الاسود الذي يحرمها من ابي زوجها الذي تحبه دون ذنب او جريرة ، تبكي علي حظها الاسود الذي اوقعها في بدايه عمرها في الزوج المدلل الذي تركها في البيت تعوي وانصرف للغانيات يعبث بفجر وفحش طاردتها سيرته في كل مكان ، طلقت من زوجها الاول وعادت لبيت ابيها تنتظر الحظ الذي سيطرق باب ابيها ويطلبها للزواج ، ولم يطول انتظارها ،  طرق ابي الباب وشرح لابيها ظروفه وانه سيطلق زوجته ويتمني القرب منه ، وافق جدي بسرعه وزغردت جدتي وكيف لاتفعل والعريس الذي سيصلح حظ ابنتها المائل رجل قيمه وسيمه ووظيفه ميري واملاك واطيان وزينه الرجال وبسرعه تزوج ابي بامي وغير منقولات الشقه التي عاشت فيها زوجته الاولي وكانت ايام هناء لابي وامي الذي صالحهما الزمن بعد ان مال حظهما في الزيجه الاولي لكل منهما ، حملت امي بسرعه فزغردت جدتي وفرح ابي وتمني ذكرا لكني الحكيمه اخبرته وهي تخرج من غرفتها بعد صراع طويل مع انقباضات رحمها المتعثرة ، اخبرته الحكيمه انه زرق بفتاة زي القمر ، سمتني امي حياة ، كانت تراني حياتها وحياة ابي وتصورتني ربطت بينهما رباطا ابديا ، كنت زي القمر ، هكذا قالت امي وهي تصفني وقت ميلادي ، قمر وشعري اسود ناعم وعيوني زرقاء ناعسة وتصورت امي ان الحياة ابتسمت لها وصالحتها ، لكن جدتي ام ابي لم تترك امي في هناءها ، عرفت امي قبلما تلد ان جدتي اتت من القرية بصحبتها حفيدتها البكريه وانها زارت ابنة اختها وتوسلت لها تفتح الابواب الموصده وانها لحمهم ودمهم والي يوجعها يدبحهم ، عرفت امي ان جدتي ترفض زيارتها وترفض التعرف عليها ودعت امي تلد ذكرا يشفع لها عند جدتي ويكسر الحواجز بينهما ، بكت امي خوفا علي زوجها وتأثير امه عليه ، طمئنها ابي انه يحبها ولن يحب غيرها وانه لم يعش حياته الا معها ، حاول يطمئنها لكنه فشل ، جدتي ايضا لم تترك امي في حالها ، اتصلت بها في التليفون وعابت عليها انها خطفت ابنها من زوجته وانهم اهل وان الظافر لايخرج من اللحم ولن يخرج واللي يتكسر يتصلح ، وامرتها ترسل ابي لتراه في بيت اختها ، اتصلت به امي في عمله واخبرته وهي مقهورة من كثره البكاء ان الحاجه اتصلت وتنتظره في بيت خالته ، لم تبلغه ببقيه كلامها حزينه مقهورة لان الحاجة ستخرب بيتها ، فهم ابي الرساله وان امه التي تصورها صفحت عنه مازالت تحمل في نفسها مرارة تطليقه لابنة اختها ، يومها عاد ابي للمنزل مرهقا تعبا ونام بعمق وحين ايقظته امي ليذهب لامه قبله رأسها وقبلني وانا جنين صغير في بطنها ووعدها سيذهب ولن يتأخر وسيقضي معها بقيه الليلة ، لم يكن يعرف الذي تضمره له جدتي ولاامي ايضا تعرف ...


نهاية الجزء الاول ويتبعه الجزء الثاني 

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الثاني

الجزء الثاني

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود




( 7 )
الاطار العتيق

كنت زاهيا جميلا حين اشترتني حياة لتمنحني لنجية هدية زواجها ، اذكر اني خرجت من محل الخواجه الارمني في حضن حياة ، وقفت في المحل طويلا تحدق في الاطارات المختلفة ، تسأل الخواجه عن اسعارها وجودتها ، اخبرته ان اختها الاكبر تزوجت وانها ترغب في اطار بديع لتضع فيه صورة زفافها ، اشار الخواجه علي وقال لها ان الخشب الجوزي الذي صنعت منه وماء الذهب الذي جمل حوافي يمنحا صور الزفاف جمالا فوق جمالها ، اقتنعت حياة بحديث الخواجة واشترتني ، اخذتني في حضنها وخرجنا معا صوب الحسين لبيت نجية ، طرقت حياة الباب ففتحت لها نجية مبتسمه ، احتضنتها حياة وتعانقا وانا في حضنهما معا ، تركتني حياة لنجية وهي توصيها تضع بين دلفتي زجاجي صورة زفافها وتعلقني سريعا في صدر الصالون ...
بقيت ملقي علي الحائط باهمال موجع عدة ايام ، سمعت نجية تخطر زوجها بأن حياة اشترت لها اطارا لصورة الزفاف وسألته عنها ولماذا لم يحضرها من الاستديو ؟؟، همس الزوج كي لاتسمعه بأنه لن يحضر الصورة فهو لايحب الصور ، سألته بتقول ايه ، ضحك ساخرا منها وكأنه قاصد يحرجها ، بقول حاضر ، يكذب عليك ياسيدتي ، كدت ابصرها لكني قررت الا اتدخل فيما يعنيني ، انتظرت ايام واسابيع وشهور وانا ملقي خلف مقعد الصالون علي الارض بجوار الحائط ، الخادمه كثيرا ماترفعني من مكاني وتلقي بي علي الكنبة ، مره كادت تكسر الزجاج ، مرة مسحت الارض بماء كثير تسلل من اللفة التي تحيطني للخشب الغالي بللته ، خفت يتفتت الخشب وتتفكك اوصاري ، ذات يوم اندلعت في البيت مشاجرة كبري ، صرخت نجية تطالبه بصورة زفافها ، سخر منها ومن جمالها ومن نظرتها البلهاء ليلة الزفاف ، قال لها بوضوح انه لايرغب في " تعليق " صورتها في صدر الصالون ، خيل لها انه يغير عليها ، تدللت عليه وسألته ليه بتغير علي؟؟ ، جحدها بنظرة غريبه وهمس ، علي ايه ..
مشاجرة والثانية ، صراخ وصراخ اعلي ، وفي النهاية انتصرت نجية واحضر زوجها صورة الزفاف ، كشفت اللفه التي تخنق انفاسي وفتحت المشابك النحاس ووضعت الصورة بين دلفتي الزجاج وتركتني ثانيه علي منضدة الصالون حتي يأتي البيه كما تناديه ويعلقني فوق الكنبة الكبيرة ..
انتظرت شهورا وثقل حجم "البيه" في الصورة ونظرتة الرخامية يطبقا علي انفاسي وانا ملقي علي المنضدة الرخام تتراكم فوق خشبي الاتربه وتتسلل بداخلي تطمس ملامح الصورة ، تتراكم فوق الزجاج المحتضن للصورة الاتربه وذرات رمال الخماسين ، ينطفيء الزجاج وسطوعه ونشعر جميعا انا والخشب والزجاج والصورة المحتجزة بالاختناق ، كدت ذات يوم اتشاجر معه لانها تنتظره ، وعليها تتصرف وتأتي بنجار يدق مسماره اللعين لتعلقني علي الحائط ، كدت انصحها لاتنتظره لانه لايكترث اساسا لا بها ولا بالصورة ، لكني تذكرت الدرس الذي لقنه لي الخواجه يوم انهي صنعي وابتسم راضيا عن صنعة يديه ، يومها قال لي محذرا باني سأدخل بيوتا كثيرة ويتعين علي الادب وعدم التدخل فيما لايعنيني حتي لاالاقي مالايرضيني وانه اكم من اطارات تحطمت في مشاجرات زوجية بسبب تدخل الاطارات فيما لايعنيها وانحيازها لاحد الطرفين ضد الاخر ... وظللت انتظر واختنق وهي تنتظر وتنتظر ..
في النهاية اتت حياة يبارك الله لها لطيبتها ورقه قلبها ، وتشاجرت مع نجية علي انتظارها المقيت البارد وعلقتني علي مسمار صلب انيق دقته علي الحائط بكعب حذائها .. اخيرا فك اسرنا ورفعت الاتربة المقيته من فوق قلوبنا انا وخشبي والزجاج واحتفت بنا حياة كما يليق لنا وبالعروس الطيبة التي تزين الصورة  ..
ربما بعد سنه من تاريخ شرائها لي افلحت حياة تعلقني في صدر الصالون ، اتأملها وهي تتحدث مع نجيه وتشير لها علي جمالها واناقتها في الصورة ، اراها صارت كالكورة كامله الاستدار ، حامل في شهرها الاخير ، شعرها الاكرت يتناثر فوق جبهتها ، وجنتيها ارتفعتين حتي جفونها التي انتفخت ، انفها كبر وصار ضعفي حجمه ، هل هذه الكورة هي العروسة ذات الفستان الانيق الذي تحتلني وتتباهي بي ، نعم هي ، بعد عام من الزواج وخدمه الزوج الغاضب ، نعم غاضب ، طيله الوقت وهو غاضب ، منذ دخلت ذلك البيت وانا اسمع صوت صراخه وهو يؤنبها ومرات سمعته يسبها ولاحظت حركه يديها الخفيفه التي اندست تحت شعرها واطفئت السماعه وحلقت بعيدا عن جنونه في عالمها الذي اتمني اشاركه فيه ولم افعل ابدا ...
العروسة علي وشك الولادة ، هذا مافطنت اليه وقتما حدقت فيها ، تقترب مني وتحدق في صورتها وكأنها لاتصدق ان تلك العروسه الصغيرة هي التي ماصارت عليه ككورة بشرية متهالكه ، تطمئنها حياة انه ستعود مثلما كانت واجمل بعدما تضع بالسلامه ، هل ستخبر حياة بتفاصيل حياتها الكيئبة ، لن تفعل وانا ايضا لن افعل ...
مازال الاطار يحكي قصته مع نجيه ، بل يحكي قصة نجية معه ، سمع مرات عديده سب الزوج له ، لان الصورة تزين الصالون وتخجل ، ذات يوم طلب منها تخلعني من علي الحائط ، رفضت ، نهرها ، رفضت واغلقت السماعة وقطعت البث من غضبه لروحها ، سمعته انا وهو يقسم برأس امه انه سيخلع الصورة " اللي مالهاش لزمة " ويحطمها ، وسرعان مااوفي بنصف قسمه ولم تمكنه نجيه من تحطيمي ، خلعني من الحائط وكاد يلقي بي بعيدا ، خطفتني نجية من يده ، دستني تحت ملابسها بجانب علبة الصيغة التي منحتها لها جدتها ، دستني ونسيتني ، بقيت سنوات طويله علي الرف في قاع الدولاب ، احيانا تتذكرني فتختطف نظره حسرة علي وجهها النضر الذي حفر فيه الهم والغم اخاديد عجز فحمل فوق سنين عمره الف سنة اخري ، وسرعان ماتغلق الدولاب واغرق في الظلام وانام كاهل الكهف ثلثمائه عام واكثر حتي تتذكرني مرة ثانية ..
اليوم وبعد كل هذه السنوات ، ملقي انا خلف " الشوفينيرة " العتيقة مركون علي الحائط المشقق في غرفه نومها ، هي عجزت وانا ايضا ، وهنت وانا ايضا ، تسلل المرض لجسدها وتسلل السوس لبدني ، انا وصاحبه الصورة نستعد للرحيل ..
كنت اظن مجنونا ذات يوم سيفك مشابكي الحديدية ويخرج الصورة التي حافظت عليها كل تلك السنوات ويمزقها ويفكك اواصري وربما يلقيني في المدفأه ذات شتاء ، او يسند بي المقعد المتراقص ، لكن " يوسف  " حفيد السيدة العجوز افلح يعثر علي وسط ركام الغرائب التي تمتلأ بها حجرتها ، عثر علي و" الشوفينرة " تكاد تخنقني وتحطمني تحت ثقل ظهرها المتراقص ، صرخ يوسف فرحا بالصورة ، اقترب منها وهمس يتمناها تسمعه وهي تنازع سكرات الموت وتستعد للرحيل ، حلوة قوي الصورة ياانة ، قمر ياربي قمر ، ابتسمت وكدت اصرخ نعم كانت قمر ، حدق يوسف في الصورة وعاتبها لانها تزوجت جده في عمر ابيها واكبر ، وافقته لاني انا ايضا تعجبت وقتها لكني صمت انفذ درس الخواجه ووصيته ، وعدها يوسف يصلح الاطار ويعلقه فوق فراشها ، اخيرا سيصالحني يوسف ويصالحها و................ الان انا ازين الحجرة التي تنام فيها العجوز ، اعد عليها انفاسها واخشي يخرج احدهم ولايعود لصدرها ثانيه ، اسمع صراخها وهي حبيسه نفسها تصارع مصيرها ، ابتسم ، هي هي السيدة العنيدة التي سمعت صراخها طيله حياتها تصارع الاسر والقهر والحكم القاسي عليها بالعزله والانحباس داخل نفسها ، هي هي ، عنيدة حتي وقت رحيلها ، اتمني اوصي يوسف عليها ، لكنه لايحتاج توصياتي فهو حنون حنون ، يقبل يدها كلما زارها ويوصي الممرضه عليها ويهمس في اذنها بأنه موجود وتحت امرها وانه يحبها جدا جدا ، والله وانا كمان يايوسف ، اهمس فيبتسم يوسف لي وابتسم له ، اكاد ابكي لان رفيقه حياتي اوشكت علي الرحيل ويوسف ايضا يكاد يبكي ...

( 8 )
نجية

اعتدت الاقامة في القرية مع جدتي ، بل واحببت ايامي فيها ، ذكريات ضبابيه تأتيتي بدفقات من السعادة كلما استعدت تلك الايام وتفاصيلها ..
تكررت زياراتنا للشيخ المبروك ، كنت فرحه بالملابس الجديده التي اشترتها لي جدتي وكانت تمنحني كل فجر جديد ثوب جديد وتلملم شعري الاشعث بشريطه ستان من دولابها ، تقبض علي كفي ونسير للشيخ المبروك الذي يحتفي بنا وبقفص الفطير ويملس علي راسي بكلماته فاغفو واستيقظ وجدتي فرحه وهي تقص عليه اني كففت عن الصراخ فيطئمنها ان العمل يخبو وقوته تنهار وسره يتكشف وان اسبوع اخر من الزيارات سيشفيني تماما ...
تصحبني جدتي للبيت وتتركني في الحديقه اطارد الفراشات ، شمس القريه منحت وجهي الشاحب بعض الاحمرار والصحه ، افلحت جدتي تطعمني مافشلت امي فيه ، كانت تترك لي الاطباق امامي وتتركني اعبث في الاكل باصابعي ، لم تمنحني المعلقه لاكل بها ولم تضربني علي طرف اصابعي لاني اسقطت بضعه نثرات من الاكل علي ملابسي الجديده ، تترك لي الاطباق اعبث فيها وحين انتهي من طعامي تحممني وتحدثني احاديث طويله تصلني اصوات ممضوغه غامضه لكنها تطمئني وتهدء روعي ..
في ذات فجر ايقظتني فتحركت شفتاي واخرجت صوتا كصوت العصفور الصغير الذي اطارده في الحديقه ، صلت جدتي ركعتين لله لانه منحني شفاء تصورته عزيزا ، كافئت الشيخ المبروك بربع جنيه فضه وقصت عليه مانطقت به ، حاولت تستنطقني امامي لكني صمت وجلة ، طمئنها ان شفائي صار قريبا وطلب منها لاتصمت ابدا وتكلمني طيله الوقت ، قال لها ان صوتها سيخترق حجب العمل وقوته ويصل لقلبي فانطق بعد طول صمت ، طالبها تأتيه بعد اسبوع وتقص عليه مالذي سيحدث لي بعدما تكلمني وتتركني الهو مع العصافير والفراشات حره كما استحق ..
كنت في الحديقه والعصفور الصغير يحلق في السماء وانا ارفرف باذرعتي مثله وشفتاي تتراقصان وتنطقا باصوات لاافهمها ، كنت فرحه لاني صرت قادره اكرر ماتنطق به شفتاي ، دخلت لصحن البيت لافرح جدتي ، وجدتها تبكي ، انتابني الرعب وخفت عليها ، جدتي التي احبها تلك السيدة المهيبه تبكي وتتشحتف ، احتضني باسي وصمتت ، همست في اذني بكلمات ممضوغه بنحيبها ، عرفت ان ابي طلق امي ، استجابه لطلبها ، عرفت امي انه تزوج اخري فصممت علي الطلاق ، لمت ملابسها وعادت لبيت ابيها ، اتصلت امها بجدتي تتشاجر معها لان ابنها الناقص كسر قلب البت وانه ماكانش العشم ، لطمت جدتي وصرخت حزينه مقهوره لان ابنها قصر رقبتها ولم يصن ابنة اختها ولم يشرفها ، اخبرتها اختها ان ابنتها عادت لبيت ابيها مكرمة معززة وانها ستتزوج سيد سيده وان البت الملبوسه مش لازماها ، دعت جدتي لامي علي وتمنت لي الموت لاني بوز الاخص ووش النحس  ، كانت ترغي وتزبد غاضبه ساخطه علي اختها وابنها - جدتي وابي - وتمنت جدتي لو " بركت " امي عليا يوم ولدتني فاستراحت من همي وغلبي والنكد الذي افسد حياتها وقطعت الصلة بينها وبين زوجها الخائن الذي لم يصون العشره ولا صله الرحمه ولا كلمه الكبار ....
لطمت جدتي طويلا واتصلت بابنها تتوعده بانه لاابنها ولاتعرفه وانه ناقص ودون و انه افسد علاقتها باختها وكسر قلب ابنه اختها وانه يتمني علي حياة عينيه وانها ستبقيني معها اؤنسها ، طال صمت ابي حتي " فشت " جدتي غلبها وغضبها فيه وفي النهايه طلب منها تدعو له براحه البال ووافق علي بقائي مع جدتي واكد لها ان الصغيرة التي عندها لاتلزمه لانها ابنة النكد وان زوجته الجديده ستنجب له اولاد اصحاء اولاد الحب والهيام وانه لن يعود لابنة اختها لو قتلته ووعدها بأنه سيتكفل بمصاريفي ويمنح امي نفقاتها الشرعيه وطلب منها الاذن ليزورها وزوجته الجديده ليطمئن عليها وعلي ، سبته واكدت عليه انها لاتحتاج نقوده وانها ستتكفل باليتيمه التي حرمها من بيتها وامها وانها ابدا لن توافق علي زواجه ولن تأذن له يأتيها باللعوب خطافة الرجاله التي هدمت بيت ابنة اختها وجدرانه فوق راسهم جميعا ...
تبكي جدتي وتبكي وتاخذني في حضنها ودموعها تنهمر علي وجهها حزينه غاضبه ، اسكن في حضنها وحين تصمت احاول اسعدها ، فاجري من حضنها الوح بذراعي كالعصفور الصغير الذي كنت اطارده واخرج من شفتاي اصوات متلاحقه كصوت العصفور ، تضحك جدتي وسط دموعها وتستعيذ بالشيطان الرجيم الذي افسد حياة ابنها وزوجته وتقرر تاخذني في زياره لهما للقاهره بعدما يمن عليه الله بشفاءه لاسعد قلبيهما ولاجمع شملهما ثانيه ..
منذ عدة ايام قلدت صوت العصفور العالي في السماء وبعدها بعدة ايام ناديت جدتي ، تي تي ، كانت تهمس " قولي ستي " صوتها هذه المره وصل لاذناي رائقا واضحا ، همست ، تي تي ، زغردت جدتي وصفقت بايديها وفتحت دولاب الخزين واخرجت لي ارواح ملونه مكافأه لاني احاول انطق وانطق فعلا ..
مازالت اعبث في اطباق الاكل وصحتي تتحسن بسرعه ومازالت الشمس تلون وجنتاي اللتي كانا شاحبتين بحمرة لطيفه ومازالت شفتاي تتدفقان باصوات ممضوغه ، بو ، تي ، ما ، صو صو ، كل صوت يسعد جدتي ويضحكها ، اوصت خادمتها الشابه انصاف لتاتي بأبنتها الصغيرة لتلعب معي ، تحكي لها ان البت صارت يتيمه في حياة ابوها المجنون وامها الرعناء التي لم تحافظ علي بيتها وتشبثت بكرامتها فهدمت البيت فوق رأسها  ، تبث لانصاف حزنها وحكايه اول فرحتها اللي كسر قلبها وتزوج علي ابنة اختها وشرد ابنته الصغيرة ، اتت انصاف بزبيدة لتلعب معي ، كانت صغيره اكبر مني قليلا ، كنت وقتها في الثالثة وزبيدة في الخامسه وربما في السادسه ،كانت تأتي من اول النهار مع امها وتغادرني في الليل ، كثيرا كنت اتشبث بها فتحممها جدتي وتبقيها معي في البيت وننام معا في الفراش ، نشبك كفوفنا برقه ودفء ونحتضن بعضنا ونضحك حتي ننام ، صارت زبيدة الابلة وصرت تابعتها ، جدتي فرحه بالتحسن الذي يبدل حالتي من خرساء بكماء لصغيره فرحه تلهو خلف الفراشات وتنطق بعض الحروف الممضوغه وتزيد كل يوم عن الاخر اكثر واكثر ، زبيده تصرخ بصوت عالي ياامه فاقلدها ، زبيده تقلد صوت الحمار فاصرخ مثلها وتضحك جدتي ....
والايام تجري والكلمات ايضا علي لساني وبين شفتيي ..
و........ مر عام وانا في القريه مع جدتي وعقده لساني اتفكت وصرت انطق بعض الكلمات التي تفهمها جدتي وتفهمها زبيده ، جدتي كافئت زبيده باثواب جديده ومنحت امها جنيه فضه حلاوة شفائي وقررت تصحبني لامي في زيارة بعدما علمت بانهيارها لان ابي انجب صغيرة جميله من زوجته المطلقه ، نعم عرفت جدتي اخيرا السر الذي اخفاه ابنها عنه ، تزوج بمطلقه غريب وانجب منها صغيرة استغني بها عني وعن امه ، فهمت جدتي اخيرا السر في تلك الزيجه السريعه ومبررها ،  وعرفت لماذا قبل ابو الزوجه الجديده يضع يده في يد ابي وهو وحيدا بلا اسره ولااهل ولا عزوه ، عرفت ان ابو الزوجه الجديدة ماصدق تخلص من ابنته المطلقه وعبئها والصقها بابنها وهدم بيته وشرد ابنته الصغيرة التي هي انا ..
البستني جدتي ثوبا جديدا وشرحت لي اننا سنزور امي وابي وطلبت مني اقبض علي كفيهما ولااتركهما ابدا وتمنت لو افلحت اعيد المياه لمجاريها واعيد بناء البيت الذي تهدم ، ودعت زبيدة بالاحضان والدموع واوصتني انصاف احترس لنفسي ووضعت المصحف تحت يد جدتي لتعدها تعيديني لحضنها بعدما صرت ابنتها مثل زبيدة ، وعدتها جدتي تعود بي الا لو افلحت اعيد الوصل بين امي وابي ...
سنة قضيتها مع جدتي في القرية الهو مع العصافير ، لم اري امي ولا ابي ، لم افتقدهما ، بل كدت اقول اني نسيتهما ، حريتي التي منحتي لها جدتي وشفتاي اللتين نطقتا بكلمات بسيطه مكنتي من التواصل مع زبيدة وانصاف وجدتي والحياة كلها وهدوء القرية مكنا اذناي من التقاط الاصوات والكلمات وفهمها ، سنه قضيتها مع جدتي وبركه الشيخ العجوز حولاني من صغيرة بلهاء كما كان يصفني ابي وامي بقمراية كما تصفني جدتي وتغني لي وهي تحممني وتصفف شعري وتهدهدني وقت النوم ...
ووقفت بجوار جدتي وهي تقف شامخه امام بيت اختها التي اوصدت قلبها في وجهها عام كامل ، وقفت بجوار جدتي وكفي في كفها وهي تردد علي سمعي بحنان ، اول ماتشوفي امك يانجية تترمي في حضنها وتقولي لها ماما ، اهمس ببطء مااااااااامااااااااا تبتسم جدتي وتدعو للشيخ المبروك وتتمني تحل بركته علي البيت الذي تهدم فيعيد الشتيتان بعدما تفرقا و.... تدق جدتي الجرس وخلفها انصاف تحمل اقفاص الزيارة الكبيرة التي حملتها جدتي لشقيقتها وزوجه ابنها وام الغالية كما تطلق علي امي ..

( 9 )
عبد الهادي

اتصلت بي رجوات شقيقتي واخبرتني انها عثرت لي علي عروسه طيبة وابنة حلال ، طلبت مني استعد لزيارة منزلها يوم الجمعة ، انفجرت في البكاء ورجتني استجيب لرغبتها لان العمر جري ولم يعد فيه مايسمح لي بالمرواغة ويكفيني ماعشته واغلقت الخط ..
اجلس علي مقعدي المفضل اقرأ في كتاب عن تاريخ القبائل العربية التي تنتمي لها جذور عائلتي بالبحيرة ، عبرت من البحر الاحمر في غزوات حربية متصورة انها ستقهر المصريين وحين هزمت في المعركه اعجبها الحال ونصبت خيمها وبقيت واستقرت في الارض التي طمعوا فيها غازين فهزموا وجردتهم من اسلحتهم وحين فتحوا لها احضانها احبتهم كأبناءها ، في اخر صفحات الكتاب قائمه بأسماء القبائل التي غزت وطننا وهزمت ، ابحث عن اسم عائلتي ، صفحه والثانية والثالثة ولم اعثر عليه بعد ، القيت الكتاب مللا واعددت كوب شاي لاحتسيه وحيدا علي صوت المذياع مثلما فعلت مئات الايام التي عشتها وحيدا بعدما تزوج كل اشقائي وشقيقاتي ..
يتردد في اذني صوت رجوات وهي تؤكد علي ميعاد زياره العروس ، ابتسم ساخرا منها ، فمن هي الشابة الصغيرة التي يقبل ابيها يزوجها لمن في سنه واكبر ، رجوات تحلم بالمستحيل ، حاولت مرات كثيرة افهمها ان العمر مضي واني راضي عن حياتي واني اولادهم اولادي واحفادهم احفادي وكفي المؤمنين شر القتال ، لكنها ابدا لم تستسلم ، صممت تبحث لي عن عروس تعوضني الوحدة والتضحيات التي قدمتها لها ولاخوتها بعدما منحتهم عمري لاربيهم وانفق عليهم وازوجهم بعدما مات ابي ولحقت به امي وتركتهم لي كالقطط الصغار وانا في السنة الاخيرة من التوجيهية ، فكرت اتركت الدراسه لاعمل وانفق عليهم ، لكن رجوات بكت وهددتني بالانتحار وصممت اكمل دراستي ، رضخت لها وصرت اعمل مساءا في وظيفه صغيرة يكفي راتبها لنأكل عيش حاف وباب بيتنا مغلق علينا يسترنا من الفضيحه واذهب للمدرسه نهارا واذاكر دروسي بعد العمل ، طبعا لم احقق نجاحا باهرا يمنحني مكانا في المهندسخانه كما كنت اتمني ، التحقت بكلية الزراعه لاتخرج بعد سنوات صعبه مهندس زراعي واهي كلها " هندسة " علي راي رجوات ..
كنت اعمل في وظيفتين وانفق علي اخوتي الصغار حتي تخرجوا من المدارس والتحقوا بالجامعات والوظائف التي منحت اسرتنا راتبا يكفي لزواج البنات وسترتهن و........... وحين عدت من كتب كتاب اصغر اشقائي ووجدت البيت خاليا صامتا كئيبا ، انتبهت لسنوات العمر التي مرت ، حدقت في المرأة ، وجدت ملامح مخيفة شحذتها الايام الصعبة والمسئولية ، وجدت شعيرات بيضاء تمنح بشرتي سمرة كالارض المروية ، وجدت الثمانيه واربعين عاما الذين عشتهم متكالبين فوق جبهتي ورأسي يؤكدوا ان العمر مر وعدي وان حياتي انتهت مثلما بدأت ، سأعيشها وحيدا ارعي اخوتي واولادهم ، ثمانية واربعين عاما ياعبد الهادي وانت تكد وتسعي لتربيه اولادك ، اقصد اخواتي ، نعم صاروا اولادي بلا زوجة حنونه تمنحني حبها ورحمها وبلا دنيا ادخلها واخرج بهم منها ، صاروا اولاد اليتم ومسئوليتي ...
رجوات تعذبت مثلي واكثر ، حين ماتت امي كانت في الرابعة  عشر وانا في السادسة عشر ، كانت تذاكر وتطبخ لاخوتها وتنظف البيت وتسمع دروسها وتأكل لقيمات صغيرة وتزعم سدة نفسها وشبعها وحين حصلت علي التوجيهيه ، اكتفت من الدراسة وقررت تتفرغ لرعايتنا جميعا ، خمسه اخوة صغار غيرها وغيري ، مشوارنا طويل يارجوات ، ربنا يقدرنا ياعبد الهادي ...
كنا نعيش في مدينة صغيرة في الدلتا ، تقاليدنا تجبرني ازوج رجوات والا فاتها القطار وعنست وضيعت حظها واملها في الحياة ، قررت ابع الستة قراريط التي تركتهم لنا امي ، لن ابيع فدان ابي ، فهذا عيب كبير في حقي وحق عظام التربة ، قررت ابع السته قراريط لازوج رجوات ، رفضت العرسان الرجل تلو الاخر وحين صممت قبلت تتزوج بشرط اجبرت عريسها علي قبوله ، حاعيش مع اخواتي ، جهز لها بيت وفرشته بالمنقولات المبهجة لكنها بقيت تخدم اخوتها وتخدمني حتي تزوج اصغرهم ، وقتها عادت عروس لبيت زوجها وفي يدها اربعه اولاد انجبتهم في بيت ابيها وربتهم مع اخوتها وصارت الاسرة كبيرة والحمل ثقيل عليها وعلي زوجها وعلي ...
رجوات لم تنسي ابدا اني ضحيت بشبابي من اجل اخوتها وسترة البنات ومستقبل الرجال ، حملتني فوق رأسها واعتبرتني صاحب جميل يلزم رده وان طال الزمن ، مرات كثيرة عرضت علي فتيات للزواج ، جميلات اثرن لعابي وذكروني بنفسي التي نسيتها ، لكني رفضت اوافقها ، لن ااتي بزوجه لتنضم الي قبيلتنا الكبيرة وانا عاجز عن رعايتها فكل ذهني وقلبي لاخوتي واولادهم ، رفضت اسايرها اكثر من مرة فيأست مني او هكذا ظننت ، لكنها ابقت امنيتها حبيسة قلبها واجلتها لوقت مناسب حسبما تري ، وهاهو الوقت المناسب قد اتي ..

( 10 )
حياة

مازلت الهو مع نجية في الشرفة وصراخ امها يصم اذني ولا يحرك في رأسها شعرة واحدة ، ومازالت جدتي تقرأ ايات القرأن لييسر لزوجه ابي عسيرها ، ومازالت الذكريات الضبابيه تلاحقني وكأنها شريط سينما اعيش احداثه مجددا ..
خرج ابي وقت العصر وترك امي تتلظي علي جمر من نار خائفه من زيارته لامه ، عاد في الليل المتأخر مرهقا حزينا ، حدق في وجه امي بحزن ونام مقهورا ، جدتي امرته يعيد ابنة اختها لعصمته ، امرته يلم الشمل ويصلح الغلط ويعيد للصغيرة اليتيمة دفء منزلها ، امرته جدتي يصالح زوجته كما تصف ابنة اخيها ، شرحت لها ان البنت اتقهرت وقعدت مكفية علي حزنها ورفضت كل العرسان اللي اتقدموا لها وكلها امل يعود لها ، شرحت له جدتي انه مدين لها باعتذار لانه تزوج خطافة الرجاله بدون اذنها وانها ستموت غاضبه عليه ولن تصالحه ابدا ، اكدت له جدتي ان اختها كسيرة النفس بعدما طلق ابنتها واول فرحتها وكسر نفسها وقلبها وانها لن تقوي علي غضب اختها وخصامها وقطيعتها ، اخبر ابي جدتي ان امي علي وشك الولاده وربما تأتي لها بالذكر الذي تتمناه ، اكدت له جدتي ان زوجته ستنجب فتاه وان الذكر ستنجبه له ابنة اختها زوجته الاولي ، سخرت جدتي منه لانه يعمل خاطر لخطافة الرجاله علي حساب بنت الاصول التي اشترته وصانت غيابه وانتظرته ، تشاجر ابي وجدتي ولم يهتم بوجود نجية التي وقفت تائهه لاتعرفه حتي امرتها جدتي تسلم عليه وتدخل في حضنه ، هل لم يحب ابي نجية اختي ، لااعرف لكني اظنه حملها سبب اجباره علي ارجاع امها لعصمته ، جدتي امرته يعيد امها لعصمته وان مش ذنب البت الصغيره تعيش يتيمه وانتم الاتنين عايشين ، احس ابي ان نجية الطوق الحديدي الذي طوق رقبته وكسر ارادته وكرامته امام زوجته الحبيبه ، احتضنها ببرود وكأنه يعاقبها مثلما تعاقبه امه ، تشاجر ابي مع جدتي وهي مصممه تعيد المياه لمجاريها ، اوضح لها انه لن يكسر خاطر زوجته التي علي وشك الولادة وان الحزن وحش عليها وعلي اللي في بطنها ، سمع جدتي وكأنها تدعو علي امي وعلي بالموت ، همهمت بكلمات ممضوغه لم تفصح له عن معناها لكن رسالتها وصلته داميه كالخنجر المسموم في قلبه ، فاوضته جدتي ليعيد زوجته ام نجية لعصمته الليلة وحين رفض قبلت علي وعد يعيدها لعصمته بعدما تلد خاطفه الرجاله بالسلامه ، قالت جملتها الاخيره وهي تبتسم ساخره ، شرحت له جدتي انها متسامحه واجبرت ابنة اختها علي التسامح والغفران وانهما لن يطالباه يطلق امي ، كان تكذب وتعرف انها تكذب لكنها في البدايه كانت تجر رجله كما شرحت لابنة اختها ، اوضحت جدتي لابي انهما لن يجبراه يطلق زوجته واكم من رجال قادرين يتزوجون امرأة واثنين ، وقالت لابي انهما سيتركاه في الشقه التي تعيش فيها خطافة الرجالة وعليه يشتري شقه جديده لزوجته يصالحها بها ويقضي معها خمسه ليالي ويترك اثنتين لخاطفه الرجاله واكدت له جدتي انها ستكتب باسمه حديقه المانجو لينفق من ايرادها علي بناته وانه لولا الصغيرة القادمه - التي هي انا - لولاها لاجبرته يطلق خاطفه الرجاله وفورا ، لكنها لن تفعل لان قلبها طيب ولن تصلح كوب وتكسر الاخر ولن تلم صغيره وتشرد الاخري وانفجرت في البكاء كأنها تتوسل اليه الا يصغرها امام اختها التي وعدتها باصلاح الموضوع وحله والصلح خير  ، استسلم ابي لسطوة جدتي ووعدها يفكر وعاد لمنزلنا عبوسا حزينا لايجد كلام يشرح به لامي التي يقترب ميعاد ولادتها رغبه امه وتهديداتها ..
فهمت امي ماينتظرها من جدتي وسطوتها علي ابنها ، لكنها طردت اشباح الخوف من خيالها وتصورت ان حياتها الهانئه ستستمر للابد ، وسرعان مااتي الطلق عاصفا عنيفا واتيت اني طفله كالبدر الجميل ، يوم السبوع طرقت جدتي الباب وفي يدها نجية اختي الاكبر ، نقطت امي بكردان ذهب بندقي ومنحتها حلق صغير لاذني وحملتني من يدي واجلستني في حضن نجية وهي تشرح لها اني اختها الصغيرة ، قبلت امي نجية مرتبكه واحست خوفا يداهمها ، جدتي ام امي سارعت لجدتي تحتضنها وتحييها وتشكرها علي خطوتها العزيزه ، جدتي لابي لم تبادلها الحفاوة ولا الحب وسلمت عليها ببرود وتعالي وسرعان مااخذت نجية وملبس السبوع والشمع ورحلت وهي تؤكد علي ابي انها تنتظره ليفي بوعده الذي اتي ميعاده وحان وقته ... ولم يطل انتظارها وكان ماكان ..
مازالت زوجه ابي تصرخ وانا ونجية نلعب في الشرفه وجدتي تنتظر البشارة وسرعان ماتعالت الزغاريد وجرينا انا ونجية للصاله لنجد جدتي فرحه بحفيدها حامل اللقب الذي منحته ابنة اختها لابنها ، جريت ونجية صوب باب الغرفه التي يتعالي منها صراخ المولود ، خرج ابي فرحا بابنه الذكر حامل اللقب والاسم  ، احتضننا وصرخ بصوت عالي لتسمعه نجية ان اخينا علي قد شرف الدنيا و............... دقت انصاف الهون ورقصنا انا ونجية وزبيدة وزغردت جدتي واحتفل ابي بابنه الذكر بذبح عجل وزع لحمه علي اهل الشارع و..... طبعا لم تاتي امي ولا جدتي امها ولااحد من اهلها ليبارك لابي علي ابنه فلم تنسي جدتي لهم ابدا تلك القطيعه وعايرت ابي بالكردان البندقي الذي اهدته لامي يوم سبوعي وانها تصرفت معها كبنات الاصول وهن تلك العيله الناقصه تصرفن معها بخسه غير مقبوله وكانت القطيعه الابديه بين جدتي وبين امي واهلها وتهت انا بين العائلتين لااجد لنفسي وسطهم مكان ، فقط نجية كانت تحبني واحبها وترافقني كظلي فارعاها حتي نسيت انها اختي الكبيرة ....

( 11 )
2014

مازلنا في ساعة النهار المبكرة ... لتتأمل سيدي سيدتي ماتراه حولك في الغرفه المغلقه التي تسللنا لداخلها من تحت عقب بابها ، لتتأمل ماتراه  وانت حابس انفاسك داخل رئتيك ، افتح عينيك جيدا وشاهد مايحيط بك ، فكل تفصيله صغيره لها دور كبير في الحكاية ...
بعض اشعه الشمس تتسلل من بين فتحات الشيش الخشبي ترسم لوحات غريبه علي الارض التي كانت خشبيه ومحت الخطوات الكثيرة عبر العقود الطويله التي سارت فيها علي تلك الارض معالم وملامح الخشب فبقت الارض شاحبه كمثل اللحظة ..
غرفه واسعه كانت تطل علي ميدان هاديء قبلما تحتل ارصفته مقاعد المطاعم والكافيهات وقبلما تحاصر طرقه الضيقة سيارات لاتجد مكانا لتنتظر اصحابها حتي ياخذوها لاعمالهم ، غرفه كانت واسعه في عقار صغير بناه رجل عصامي بني نفسه بنفسه ، عبد الهادي  ، قرر يبني بيت لابناءه حتي لا يحتاجوا لاولاد الحرام ، انتقي منطقه جديده تسعي الحكومه لتعميرها لتصبح حيا يضاف للقاهره التي كانت قديمه عريقه ثم صارت عشوائيه مفزعه كرأس العبد الذي يزيل خيوط العنكبوت من الاسقف البعيده العالية وهو مركونا علي حائط مشروخ في لحظه عتمه تتمايل خيالاته علي الحائط فيبدوا وكأنه عفريتا خرج من عالمه السري لعالمنا ليخيفنا ويخلع قلوبنا ، هكذا صارت القاهره التي كانت عاصمه جميله تضاهي المدن الاوربيه وتفوقها جمالا بحضارتها ، صارت القاهره كرأس العبد ، لكن الحكومه - وقتها ومن ستين عاما تقريبا - قررت تضيف للمدينه العريقه حيا جديدا ، اختارت منطقه زراعيه علي تخوم المدينه وقسمتها شوارع واراضي وباعت الارض بالقسط للراغبين في سترة الاولاد والعيش الهاديء في الاحياء الجديده ، الرجل العصامي الذي غادر القريه وهو يحمل في اعماق روحه تقاليدها وحنين لها اشتري قطعه ارض من الحي الجديد واختارها بواجهه بحريه لترد الروح وواجهه قبلية تفيض فيها وعليها الشمس بدفئها وحنانها ، الرجل العصامي اشتري قطعه ارض وبني عليها بيتا صغيرا وانتقي لاسرته الدور الارضي محاطا بحديقه زرع فيها اشجار المانجو والجوافه والسبوتة والقشده الخضراء واللمون وعاش حتي مات في ذلك البيت.
عبد الهادي ليس بطل حدوتنا ولا يهمنا ، سيطل برأسه احيانا يقص علينا مانراه وماسنقرأه ، سيطل احيانا بسيرته تفسر وتحكي مالانفهمه في حكايه تلك السيدة التي هي البطلة  ، نجية هي البطلة ...

( 12 )
زجاجة العطر

قطرات صغيرة ترقد في جوفي تنتظر اصابعها لتتسلل من خلف اذنها لروحها تنبهها للحياة التي تتسلل من بين يديها وترحل وهي ايضا ..
قطرات صغيرة باقية في تلك القنينة التي كانت مليئة بالعطر المعتق وقتما منحتها لها جدتها ليلة زفافها ، سبعون عام ويزيد وقنينه العطر رفيقتها في رحلة حياتها منذ اللحظة التي دخلت فيها دنيا تصورتها ستمنحها بعض السعاده فاذا باحلامها تتبخر كمثل ماء العطر الذي تبخر عبر السنوات الطويلة منذ اشترته الجدة وحتي بقيت تلك القطرات ثقيله لزجة مكثفة كوجعها الذي تعيشه الان ..
كانت عروس جميله ، هكذا رأيتها ، تحكي قنينة العطر ، حدقتيها يسطعان بوهج جميل ، تفكر خفرة في ليلتها الاولي مع زوجها ، في البداية خافت منه ، وقت تقدم لخطبتها خافت من شعره الاشيب وتجاعيد وجهه الكثيرة ، احسته ابيها وخجلت من مجرد التفكير فيه كرجلها الذي ستمنحه رحيقها فيمنحها شهده وتتبعثر حبوب اللقاح علي وريقات الياسمين في موسم الربيع ، خجلت تفكر فيه ، وتمنت لو كان شابا كالذي تراهم في شارعها وفي طريقها للمدرسه وطريق عودتها منها ، تمنت لو كان شابا من هؤلاء الذي يشاكسوا فتيات الحي ويلقوا في طريقهم كلماتهم الجميله كحفنات الورد تحت اقدامهن ، تمنت لكن امنيتها هذه ايضا بقيت حبيسه روحها ككل امنياتها ، فرحة ابيها وامها بخطبتها ومشاكسات حياة ودعاء الجدة ، كل هذا ازاح مخاوفها وخجلها واثمر مكانه ورود الامل لحياة اجمل من تلك التي عاشتها تعاير صمتا بعلتها التي لاذنب لها فيها ، تصورت العريس سيكون احن عليها من قسوة ايامها السابقه ، تصورته سيمنحها حنانا تطيب  جروح زمانها بعدما حرمت من الجامعه واحتجزت في البيت كحمل ثقيل تتمني امها تتخلص منه ..
في ليلة زفافها ، اخرجتني جدتها من خزانتها العتيقة وفتحت غطائي ونهلت باصابعها من عطري الفواح وملست علي شعرها وخلف اذنيها ومنابت الشعر ، فاحت الرائحه منعشه مثيرة ، اغلقت الجدة غطائي ومنحتني لها في كفها وهي تغمر لها بعينيها وتبتسم كأنها توصيها بوصايا الانوثة التي تثمر فرحة ، كأنها تشرح لها متي تفتحني وتنهل من مائي واين ترصع جسدها بوهجي وانتعاشي و................ مازلت بين اصابعها تقبض علي تثمن هديه جدتها وحبها ، بحب واهتمام تدفني وسط ثيابها وتحكم اغلاقي ...
لم احضر الفرح ولم اري تفاصيله ، لم اتراقص علي نغمات الدفوف ولم اشاركها الفرحة ، غفوت انتظر ندائها لافتح لها غطائي وانسكب راضيه علي كفيها وخلف اذنيها وعلي كتفيها ، غفوت متصورة اني لن ابقي مدفونه وسط طيات الثياب في الحقيبه الثقيله كثيرا ، كنت اشعر بهزات وحقيبه الملابس تتأرجح بين اصابع قويه تحملها ، اغفو وانتبه ، انتبه واغفو وامني نفسي بتحرر من ضغط الثياب الثقيله علي نفسي ، لكن النوم طال والظلام ايضا ، ربما ليلتين ثلاث وانا بين طيات الملابس لاتعيرني اهتماما ولاتبحث عني ... اخيرا اخرجتني والقت بي بعدم اكتراث علي المرأة وسط ادوات تجملها ، اصبع الروج المغلفه بشفافها واقلام الكحل المحتجزة خلف متاريس غطائها ، كنت اشعر غثيانا بعدما غفوت علي جانب واحد عدة ايام ، تمنيت لو فتحت غطائي ومنحتي فرصه لابعثر عبيري علي جسدها وفي غرفتها ، لكنها لم تفعل ، انزويت خلف اقلام الروج اتأمل مايحدث امامي في تلك الحجرة من البيه العجوز زوج الصبية التي قهرت انوثتها فوق جسده المتيبس الغاضب ، نعم هذا مايمكني اصفه لكم بعد تلك السنوات ، صوره لقاءات الحب بينهما ، هكذا اصفها لقاءات الحب لاني لاجد وصفا اخر وليفسر كل منكم مااحكيه كما يحلو له ، كانت علي طرف الفراش تبكي وكان علي عاريا نائما يكاد شخيره العالي يكسر لمبات النجفة الكريتسال التي تزين سقف حجرة النوم ، كان عاريا كما ولدته امه ، ضخم الجثه مترهل البدن جلده متشقق كالجدران المتهالكه ، يزفر انفاسا عاليه من بين اسنانه صريرا مزعجا وصوت شخيره يعلوا عليها ويعلو ، لماذا تبكي؟؟ من مخبئي خلف اقلام الروج اتسائل واتمني اسالها ، احبطها الرجل وكسر فرحتها ، اعتصرها والقي بها بعدما افرغ فيها رغبته ونام ، محتاسه لاتفهم مالذي جري ولاتعرف كيف تشعر ، تجري للحمام ، الاحقها ببصري وحين تغيب اعود له ، اتمني اوقظه واساله يصالحها يرأف بها يدللها ، لكنه لن يفعل ، جسده يتصبب عرقا وهو نائم مكانه كأنه غارق في البحر ، المجهود الذي بذله ارهق قلبه العجوز فتسارعت دقاته ، انتهي مما بدأه بسرعه ، استخدمها والقاها ونام ...
عادت من الحمام والدموع تنهمر انهارا علي جسدها المتيبس قهرا ، مرتبكه لاتعرف مالذي يتعين عليها تشعر به ، لم تفرح ولم تسعد مما فعله فيها ، احست انفاسها تختنق تحت ثقل جسده ، اصابعه مرت علي جسدها المرتعش خجلا بقسوة وكأنه يكره مايفعله ، اغمضت عينيها بقوة وتمنت لو لاتشعر بما يأتيه ، اطبقت شفتيها علي بعضهما لتبعد شفتيه الهرمتين عما يفعلاه في وجهها ، تشعر شوكا يمزق وجنتيها من لمسات وجهه ، انفاسه عاليه توترها رغم سماعتها المغلقه ، انتفض وتعالي لهاثه وسكن ، مازالت تغمض عينيها بقوة تنتظر مالذي سيحدث لكن شيئا لم يحدث ، سرعان ماهدأت انفاسه وعلي شخيره ، هل هذا هو الزواج الذي تحلم به الفتيات ، هل هذا هو الزواج الذي تصادر من اجله الفتيات علي كل احلامها ، اسئله لاتجد اجاباتها فتتجاهلها كاكل شيء يستعصي عليها ،ارتدت ثوبا قطنيا مريحا والقت جسدها بجوارها ، جف شعرها المبلل قبلما تجف دموعها ، غفت وهي تبكي لتداهمها الكوابيس وتجري ورائها الاشباح وتتقافز علي بدنها الثعابين وتمزق وجنتيها بانيابها المسمومه وتصرخ بصوت حبيس لايخرج من جوفها وترتعد رعبا وتستيقظ لتجده مازال صنما بجوارها وكأن ساعات لم تمر عليه ، كل هذا اراقبه من مخبأي البعيد ، اراهما متلاصقين علي الفراش الكبير ، هي تلتصق علي طرفه وتكاد تسقط ، بعيده عن جسده المترهل القبيح النائم براحته علي كل مساحه الفراش ، يتقلب ويتقلب وكأنه وحيدا لاتجاوره عروس جديده لم يمض علي زفافهما عدة ايام قليلة ، اراهما متلاصقين علي الفراش ، لم يأخدها في حضنه قبلما ينام ولم تلقي بذراعها علي كتفه قبلما تغفو ، غريبين في فراش بغيض ، مازالت تبكي ومازال يزفر انفاسه صريرا ومازالت الكوابيس تداهمها ومازال النوم يحتجزه ومازال كل شيء كئيب...
وتمنيت لو رحلت من ذلك البيت ، تمنيت لو حملت عطري واثيري وحلقت بعيدا ، تمنيت لو كسرتني الخدامه والقت ببقايايا في صفيحه القمامة ، تمنيت لو سرقتني الماكرة العجوز اخت زوجها وهي تتفرسني بنظرات مخيفه وكأنها تحقد علي العروس بما تملكه ، اه لو تعرفي قدر تعاستها ، لو تعرفي لبكيت عليها رغم قسوه قلبك وانحيازك المخيف لاخيك الفظ الذي لم تعلمه الحياه كيف يشعر بالسعاده فعجز عن اسعاد الاخرين واولهم زوجته المسكينة ...
بقيت في مخبأي سنوات كثيرة نستني فيها العروسه التي لم تعد ، حملت وانجبت ثم حملت ثانيه وانجبت ثم حملت ثالثا وانجبت ، وهي تبكي بعدما يفرغ منها وتسأل نفسها السؤال الذي ابدا لم تجد له اجابه ، هل هذا هو الزواج الذي تتمناه الفتيات ؟؟ وامتلأت الغرفه بصراخ الصغار ورائحه بولهم وعرقها النفاذ وقتما تستلقي ذبيحه علي فراشها بعدما ينام اطفالها في غرفتهم ويعود الكهل ليلا من الخارج ليناديها من الصالة بنبرة صوته تفهمها ، انه وقت استباحتها الحلال علي فراش الزوجيه الكريه ، يناديها فتكاد الدموع تنهمر من عينيها لكنها تدخرها لنفسها بعدما يفرغ منها وينام متلاهث الانفاس ، يخلع ملابسه وتطفيء النور و............... تبكي وتبكي ...
سنوات في مخبأي لاتمد اصابعها تجاهي ولا تعطر روحها باثيري ولا تتذكرني ، ذات يوم عثرت علي صغيرتها الشقية ثريا  ، مدت اصابعها الرفيعه صوبي ، تشد الغطاء الملتصق ببدني من طول الاهمال ، تعجز عن ازاحته ، تبكي وتصرخ مثلما تفعل دائما عندما يستعصي عليها ماترغب فيه ، تأتيها هرعه خائفه عليها من شقاوتها ، تجدني امامها واصابعها الرفيعه محتاره في الغطاء ، تبتسم ، تجلس علي الكرسي القصير امام المرآة ، تحكم اصابعها التي صارت قويه من كثره شغل البيت وغسيل الاطفال ، تفتح الغطاء ، تنثر بعض قطراتي علي طرف اصابعها ، تعطر صغيرتها فتجري فرحه ، تبقي تحدق في وكأنها تلوم نفسها لانها نسيتني كما نسيت نفسها ، تسكب نصف عطري علي صدرها وكفيها ، تستنشقني بعمق ، كأنها تغسل روحها من تكلسات الايام الصعبه ، تبتسم ، تتذكر جدتها ونظرتها الموحيه بالسعاده ، تضحك وتبكي ، ليتك ياجدتي تري حقيقه مااعيش فيه ، امتزج مع رائحه بدنها واتسلل لثنايا جسدها وتحت جلدها وتنتشي ، كأنها زهرة ذبله سقطت عليها قطره ندي لتوقظها من موت محتم ، انتشت سعيده ، مازالت تحس ومازالت تفرح ومازالت تشعر بكونها انثي حتي لو تجاهل العالم كله انوثتها ، انثي ، وكأنها اكتشفت نفسها ، انثي حتي لو تجاهل الزوج البليد احاسيسها وعجز عن اكتشافها وفهمها وادراك مفاتيح سعادتها ، هي الان في هذه اللحظه بالذات ، اكتشفت نفسها وسعدت بها و...... احكمت اغلاق الغطاء واخفتني بعيدا عن اصابع ابنتها الشقية وصرت سرها الاجمل ، كل بضعه شهور تفتح خزانتها وتزيح ملابسها وتخرجني من مكاني ، ارقد علي كفها فتعاملني بدلال واهتمام ، تنهل بعض قطرات مني وتنعش روحها وكأنها تكافئها لانها مازالت صامده وحية وانثي ... وتعيدني لمخبأي وكأنها تخشي علي يكتشفني الزوج البليد فيهينني مثلما اهانها الف الف مرة ...
سبعون عام واكثر وانا اتأرجح بين اصابعها وامنحها بعض الفرحه ولو بقطره صغيرة تعلق باصابعها ايام وايام ، كنت اراها تستنشق رائحتي وتبتسم كأنها تؤكد لنفسها انها مازالت حية ....
اليوم وبعد كل تلك السنوات ، لم يبقي في جوفي الا بضعه قطرات لزجه ثقيله ، قطرات تنتظر اصابعها لتنثرني علي بدنها اصرارا علي عيش الفرحه ولو لبضعه لحظات قليلة ، لكنها اليوم نائمه ، غائبه ، خدره ، يعلو صوت شخيرها علي صوت زوجها في السنوات البعيدة ، اكاد اهمس لها استيقظي ، اتمني لو فتحني يوسف وقرب فوهتي من انفها واثقه ان عطري سيعيد لها بعض الحياه التي تتسلل منها بهدوء ، لكن يوسف لايقترب مني وينكفأ عليها يحتضنها ويبكي ويتمناها تعود للحياه ، هي لم تمت بعد ومازالت انفاسها تعلو وتهبط لكن روحها التي طالما ارتوت برحيقي غادرتنا وتركني وبضعه القطرات الاخيره ننتظر لحظه الوداع الحتمي ....
تتمني زجاجه العطر يفتحوا غطائها ويسكبوا قطراتها الاخيره علي جسدها لتودعها ، لكنهم لاينتبهوا اليها ولا يفطنوا لوجودها ، حتي يوسف !!!!


نهاية الجزء الثاني ويتبعه الجزء الثالث  

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الثالث

الجزء الثالث


فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود




( 13 )
نجية

صممت امي وانحازت لها جدتي ان يطلق ابي زوجته الجديده خطافة الرجاله ، امي اعتبرت ان طلاق ضرتها الامر الوحيد الذي تقبله لتوافق علي عودة ابي لها ، انحازت جدتي لامي ولامت ابي علي تأخره في طلاق زوجته خطافة الرجاله ورد زوجته بنت الاصول التي صبرت سنتين بعد الطلاق حتي عاد وتأسف لها كما تزعم جدتي وهو لم يفعل ابدا وصبرت سنة ثالثة حتي ولدت خطافة الرجاله وفطمت صغيرتها ، اوضحت جدتي لابي ان العرسان لم يكفوا عن طرق باب اختها ليخطبوا ابنتها زوجته وكأنها تستثير غيرته ..
صعق ابي من كلمات امه وانفجر ضاحكا ، ليست زوجتي منذ ثلاث سنوات وهي حره تتزوج من تريد لو شاءت ، لطمته امه علي وجهه لانه احمق يتفوه بما لايقصده واقسمت برأس ابيها تقاطعه ليوم الدين ، رضخ ابي لابتزاز امه وتهديداتها بقطيعته ، دخل يوم علي زوجته واخبرها برغبته في رد ام نجية لان نجية صغيره ومريضه بثقل اذنها وتحتاج امها ورعايته ، لم تبكي زوجته ولم تعترض وصمتت وكأنها رضخت لرغبته ..
في الصباح لم يجدها في منزله ، اتصل ابيها به وطالبه يطلقها ولامه لانه عابث ارعن هدم البيت واخبره ان ابنته لاترغب في ابنتها الرضيعة وستقطع علاقتها بها لانها تذكره بنذالته وخسته ، وعليه يأتي بالماذون ليطلقها ويحمل ابنته - يقصد حياة - لزوجة ابيها لتربيها ، وحدد ميعاد ليزورهم في السادسه وينهي الموضوع ..
 حاول ابي يثني زوجته ذات الاصل التركي من ركوب رأسها وانه يحبها وانه سيعيد زوجته ام نجية من اجل نجية لكنه يحبها هي ولن يحب غيرها ، ابت السيده ورفضت وصممت علي الطلاق ، بقي في الصاله حائرا وابيها مصمم علي الطلاق وهي ايضا ، تناهي لسمعه صوت امها تبكي في الحجرة البعيده تنتحب وتتوعده بأنها ستزوجها سيد سيده وانه لا يستاهل ظفرها الصغير وكان ماكان ، طلقت الزوجه الثانيه وتركت له ابنتها ليربيها هو وزوجته واغلقوا الباب في وجه ابي للابد .. وسرعان عادت الزوجه الاولي منتصرة لبيت الزوجيه مدعومه بقوه حماتها وسطوتها العاطفيه وحديقة المانجو وعدت انا لبيت ابي وامي ليربياني وسطهما ، انتصرت امي واستسلم ابي وانطفأت الفرحه في عينه للابد..
هل يكرهني ابي لاني السبب الذي اجبره يطلق حبيبته ويعيد امي لعصمته ، هل يحب حياة اكثر مني ، وكيف لايفعل وحياة جميله وخفيفه الظل وشقيه وتتكلم بطريقه طبيعيه وتسمع دبيب النمله في جحرها ، وانا صماء لااسمع الا بصعوبه ، نعم انا صماء ، هذه هي مشكلتي التي لم يكتشفوها الا اخيرا ، اعاني ضعف في سمعي حال بين طلاقه لساني وادراكي لمعني الكلمات ، لااسمع مايقولوه فكيف سانطق ، كنت اراهم يحركوا شفاههم ويصرخوا في وجههي غاضبين وانا لاافهم لماذا لاافهم مايقولوه ، كنت اتمني اعبر عن كل مااشعر به حبيسا بداخلي ، لكني لااسمعهم الا بصعوبه وتأتي الاصوات من بين شفاههم السريعه ممضوغه لاتحمل لي معاني واضحه ، لااسمعهم وايضا احاول دائما وافشل اخرج من جوفي مايعتمل فيه من معاني واحساسيس ورغبات ، احرك شفتاي لانطق لكن مايخرج من بينهما لايوضح لهما ماارغب فيه فاصرخ بعصبيه اصرخ واصرخ ، وحين تعييهم الحيل معي يصرخون في وجهي ، بل وتجذبني امي من ذراعي وتلقي بي في حجرتي وتغلق الباب كأنها تتمني تنساني وادخل الحجره ولااخرج منها ابدا ، صحبني ابي للحكيم كثيرا ، حدق في اذني بلمباته الساطعه واسقط في تجاويفها نقاط كثيره بعضها بارد وبعضها حارق ، كنت اخاف منه واتمني افر خارج عيادته ، كان يقبض علي ذراعي فكأني شللت مكاني ويمسك اذني باصبعيه بقوه ويعبث فيهما وانا ابكي واصرخ ، يربت علي ضهري ويهمس بمالااسمعه ، اسكتي ياشاطره ، كلمته التي ظل سنوات طويله يقولها لي ولااسمعها ، كنت في السادسه ويتعين علي الالتحاق بالمدرسه لكن الطبيب شرح لابي ان ضعف سمعي سيعوقني عن متابعه الدراسه وقد يعرض نفسيتي للتدهور ، لو اني اسمعه وقتها لضحكت كثيرا ، نفسيتي تدهورت ياحكيم وانتهي الامر ...
بعد عدة شهور من طلاق ابي لزوجته ، دخل المنزل يحمل حياة في حضنة ، سلمها لامي وقال لها تربيها زي بنتك ، كادت امي تلقيها علي الارض ، لن تربي ابنة ضرتها ، اتصلت بجدتي تشكو لها فامرتها جدتي تعقل وتصبر حتي تأتيها ، وسرعان ماانتقلت جدتي للاقامه في بيتنا لرعاية حياة ولرعايتي واحضرت انصاف وزبيده واوصت البت كما تسمي زبيده تلاعبني وتتحدث معي ..
تشاجرت جدتي مع امي لانها ترفض رعايه حياة ، تشاجرت معها لانها ابنة زوجها واخت ابنتها ولانها صغيرة لاذنب لها في كل ماحدث ويحدث ، والافضل تتربي في عز ابوها بدل مانرمي لحمنا في الشوارع للغرب ، انصاعت امي لجدتي وصارت حياة ابنتها الصغري دون قرار او ارادة ...
الايام تسير في بيتنا غريبه ، جدتي ترعي حياة وزبيدة لاتكف عن الكلام معي وامي تصرخ من الصخب الذي لايصمت في البيت وجدتي تنهرها لانها " دلوعة " ولن تصمت عن نفسها الا وتخرب البيت ثانية ، وابي صار غريبا يدخل ويخرج صامتا ، مرات نادره يحتضني وكأنه يحبني ومرات كثيرة يحمل حياة ويحتفي بها وكأنه يعوضها غياب امها وخطئيته معها ، ومازالت زبيدة تتكلم وتتكلم حتي انطقتني بشكل اوضح ،  انسابت الكلمات في فمي اكثر واكثر وصارت الاصوات الغريبه صور ومعاني ، كنت احمل حياة وقتما تضجر منها امي واهدهدها ، كنت احبها ، فهي الوحيدة ، بل هي وزبيده وانصاف وجدتي الذين لايصرخون في وجهي ، امي فقط تصرخ في وجهي طيله الوقت وكأنها تحملني مسئوليه طلاقها وابي يتجاهل وجودي اساسا كأنه يحملني مسئوليه اجباره علي اعاده امي لعصمتها  ..
جدتي ترعي حياة اكثر من امي ، امي كانت غاضبه لان ضرتها القت لها بحمل جديد غير ابنتها ، وتلوم ابي دائما بنظراتها الحزينة الغاضبه لانه احضر ابنته من ضرتها لتربيها ، لكن جدتي نهرتها بقسوة ، فحياة ليست ابنة ضرتها بل هي ابنة زوجها واخت ابنتها وصغيره تحتاج رعايه ، همست جدتي لامي لاتتركي الفتاه بلا رعايه فيعود الرجل لزوجته لترعي صغيرته ، لاتجعليها تستخدم نفس السلاح الذي اعدناه به لبيته وحضنك ، خليكي عاقله وناصحه يابنت اختي ، هكذا كانت جدتي تنصح امي تقبل حياتها ولاتتمرد عليها وكفايانا خراب ، رضخت امي وتعايشت وكأن الجرح في قلبها طاب وبرء وكأنها سعيدة ، رضخت لكنها ابدا لم تصفح عنه ولم تكن سعيدة ، رضخت واعتبر حياة ابنتها الاصغر ، اعتبرتها كذلك وهي ابدا لم تكن ، تركت امي حياة وتفاصيل حياتها اليوميه لجدتي وانصاف ، حياة كانت كثيره البكاء وهي صغيرة لاتصمت الا وقتما تحتضنها جدتي وتهدهدها ، ربما تشعر بيتمها الذي لاتفهم معناه لانها صغيره عاجزه عن الادراك ، ربما تفتقد امها التي لاتعرفها ، ربما تشعر بكراهيه امي الدفينه لها وكيف لاتكرهها وهي ابنة السيدة التي خطفت زوجها وهدمت بيتها ، لكني كنت احب حياة ، احبها جدا ، واشعر تجاهها بمشاعر لااقوي افسرها حتي كبرت وصرت مثلما انا الان ، نعم كنت اشفق عليها طيله الوقت ويحزنني بكاءها المستمر ويحرقني النظرات الغاضبه التي تلاحقها بها امي ، كنت وانا صغيرة في البيت اتابعها وارعاها وحين تنفطر من البكاء ، اسحبها من يدها واجلسها علي ركبتي واهدهدها وكأني جدتي ، قالوا لي ان صوت صراخها رهيب وانه يشبه صوت صراخي وقتما كنت صغيره ، لم اكن اسمع من صراخها الا هديل كهديل الحمام ، كنت ااخذها في حضني واتمايل بها واغني لها فتصمت واحيانا تبتسم وكثيرا ماتنام ، سعدت جدتي بحبي لها واوصتني عليها لانها شقيقيتي الصغيرة ولم اكن احتاج توصية ..

( 14 )
2014

مازلنا في ساعة مبكرة في النهار نتجول في الغرفه ونحكي عن عبد الهادي الذي بني البيت وعاش فيه اخر ايام عمره واصيب في شيخوخته بأمراض كثيرة ابقته قعيد فراشه طويلا حتي رحل ، طيله سنوات مرضه خدمته نجية غير مشكورة علي اي شيء تفعله ، خدمته وهو متأفف من وجودها نفسه حتي مات فبكت لان كان له في قلبها مكانة لم يفلح عنفه وصراخه ومرض شيخوخته في محوها ، بكت وارتدت ملابس الحداد وصارت ارملته وعليها عبء سداد بقيه ديونه وتربيه اولاده ومصارعه الحياة حتي تسمح لها تعيش ايامها القادمه والمتبقيه من عمرها في سكينه وهدوء وربما بعض الفرحه..
طبعا خدعتك الكلمات الاخيره فظننت نجية زوجه الكهل العجوز الذي انهت عمره امراض الشيخوخه ، ظننتها هرمه وربما عجوز مثله ، عفوا سيدي سيدتي ما ظننته خطأ كبير ، فارمله الشيخ العجوز نجية كانت في عز شبابها ونضوجها ، نعم ، فحين تزوجته كان يكبرها بثلاثة وثلاثين عاما ، لاترفع حاجبيك دهشه ولا تلوي شفتيك انزعاجا ، هذه حقيقه واقعيه في الحياة الغريبه التي نعيشها ، نجية ارمله الشيخ العجوز تزوجته وهي صبية لم يتجاوز عمرها سته عشر عاما وكانت سنوات عمره الخمسين ترسم ملامحها علي وجهه ترهلات مخيفه ، خافت منه اكثر مما خافت من مدرس العربي الذي طالما كسر اصابع زميلاتها في المدرسه الفرنسية لانهن لم يحفظن القصائد الصعبه ، خافت منه اكثر من مسيو اللغة الفرنسيه بانفه الحمراء وصلعته الساطعه وشتائمه المتلاحقه علي رأسها ورأس زميلاتها لانهم عجزن طويلا عن فهم الفارق بين " فيرب اتر " و" فيرب افوار " وكيف يفعلن وهن صغيرات في " الجاردان داانف " ولايعرفه مالذي يقوله هذا الخواجه بلسانه المعووج ، خافت منه اكثر من التمرجي البدين الذي كان يكتفها ويضرب في مؤخرتها سرنجته الموجعه وهي صغيرة بعدما تعثرت في الشارع وجرحت ركبتها وكتب لها الحكيم سته " ابر" لتقيها شر التيتانوس وتلوث الشارع المزركش بروث الحمير التي تجر العربيات الكارو وتتجول بين ابنيه الشارع المزدحم في شبرا تبيع الخضروات والفاكهه وسط صرخات البائعين ونغمات ندائاتهم ...
نعم خافت منه جدا منذ اللحظه الاولي احضرته خالتها ام ياسين لزياره منزلها ، يومها طلبت منها امها بلغه ساخرة تهذب شعرها الاكرت وتقرص خدودها لتمحي شحوب البياض الشاهق الراكد علي وجنتيها ووجهها ، يومها فهمت من شقيقتها الاصغر حياة ان عريسا محترم سيزور منزلهم اليوم ليراها علي الطبيعه بعدما اعجبته صورتها التي اخذتها خالتها ام ياسين من امها لتبحث لها عن عريس يتزوجها خوفا تلتهم العنوسه فرصتها وهي التي لافلحت في التعليم ولا فالحه في حاجه خالص !!!! يومها طردت امها "علي" شقيقها الوحيد وصفيه شقيقتها الاصغر من البيت وتركتهم عند جارتها الست ام محمود التي اقرضتها طقم الشاي الصيني والصينيه الفضة ودعت لنجية ليكرمها ربنا ويعوض عليها عوض الصابرين وربنا يتمم بخير ... طردت "علي" وصفيه واوصت حياة تلازم غرفتها ولاتغادرها ، هل كانت ام نجية خائفه لو رأي العريس حياة لاعجبته وتمناها زوجة بدلا من  اختها الاكبر ، ربما راودها الهاجس فحبست حياة في غرفتها وامرتها لاتخرج منها حتي يغادر الضيوف المنزل ولو اتطربقت السما علي الارض ، تصورت ام نجية ان رجوات ستصاحب اخيها في زيارته الاولي لمنزلهما ، لاتعرف ان عبد الهادي تشاجر معها وصمم يذهب وحده ليري العروس ويتعرف عليها وانه ليس صغير او قاصر وهي ليست امه ولا ولية امره ورضخت رجوات لاصراره غاضبه من صلابة رأسه لكنه قبلما يغادر اكد لها انها حبيبته وتاج رأسه وانها وكل الاسرة ستصاحبه لبيت العروس لو فيه نصيب يوم الشبكه وكتب الكتاب ...
يومها ايضا حبست ام نجية ابنتها العروس في غرفتها وامرتها الا تخرج منها الا اذا نادها ابيها ، وقتها ستدخل علي العريس ليراها تحمل صينيه القهوة ، ولم يطل انتظار نجية واتاها صوت ابيها عاليا لتأتي بالقهوه للضيف ، كانت مرتبكة وهي تغادر غرفتها تتمني لو صاحبتها حياة في كل خطوة صوب المجهول الذي لاتعرف شكله ، وارتبكت اكثر وهي تسير من المطبخ صوب الصالون تحمل صينيه القهوه وكفيها يرتعشان فيتأرجح الفنجان فوق الصينيه ويكاد وشه الثقيل ينسكب فوق اذن الفنجان وكوب الماء الممتليء لحافته تتساقط منه بعض القطرات كدموع ثقيلة علي جسد الكوب البارد ، جسدها يرتعش من الخوف والفضول ، تسال نفسها لماذا منحوه صورتها ليراها ولم يعطوها صورته لتقول رايها فيه ، ربما يعدوا لها مفاجأة سعيده حين تراه شخصيا ، بداخلها بعض الفرحه لانها صارت عروس يأتيها عريس ستقدم له القهوة ، بداخلها بعض الخوف من العريس المحترم الذي لم يصفوه لها الا بكلمتين قاصرتين عن شرحه لها ، سيأتيك عريس محترم ، اختها حياة تداعبها وتسخر منها ، قيمه وسيمه ووظيفه ميري ، تضحك مرتبكة وقت تتذكر كلمات اختها فيتأرجح الفنجان فوق طبقه وتتسارع دقات قلبها خوفا ، مازالت في طريقها الذي طال من باب المطبخ الملاصق لباب الصالون حيث يجلس ابيها وعريسها ، خطواتها صغيره بطيئه تخشي علي وش فنجان القهوه اكثر من اي شيء ، طالما سمعت سخريه خالتها ام ياسين من عرائس خرج العرسان من منازلهم غاضبين لانهن خائبات فاشلات لدرجة عجزن عن حمل صينيه القهوه والحفاظ علي وش الفنجان ، لن تكون مثلهم ، ستحافظ علي وش القهوه وامتلاء كوب الماء البارد وستكون رابطه الجأش وستضعهم امام العريس بكل ثقه وستشرف امها التي ستوصف بانها عرفت تربي وستسعد العريس الذي سيهنوءه علي اختيارها ويازين مااختار ....
و.... وضعت الصينيه وارتبكت لثانيه حتي امرها ابيها بصوته العالي لتجلس ، جلست خفرة وعينيها منكستين في الارض ، تسمع حوار بين ابيها وصديقه كلمات ممضوغه لاتكترث بفهمها غائبه مع افكارها تتصور وجه العريس الذي سيأتي ليطلب يدها ، نعم تصورت نجية الجالس في الصالون صديق ابيها وربما يكبره سنا ، تصورته ابو العريس وغضبت لثانيه لان العريس لم يأتي بنفسه ، لكن ابيها كشف الغموض في لحظه وقتما امرها تسلم علي عريسها و......... ومات الكهل العجوز وتركها ارمله في ريعان شبابها ...
هذه ليست بدايه حكايتها ، حكايتها لم تبدأ وقتما مات الكهل العجوز الذي انجبت منه ثلاث اطفال تركهم في رقبتها ومات ... ايضا حكايتها لم تبدأ في اللحظه التي بدأنا الكتابه نحكي عنها .. حكايتها بدأت في لحظه صعبه جدا عليها وعلي امها وعلي ابيها وعلي الجميع ، لماذا صعبه هذا ماسنعرفه ونحكيه ونعيشه انا وانتم وهي !!!!

( 15 )
حياة

كنت في اولي ثانوي وقتما صممت امي ، اقصد زوجة ابي ، علي حرمان نجية من دخول الجامعة بعدما تخرجت من المدرسه الثانوية وحصلت علي الشهادة ، صممت امي وتشاجرت مع ابي ومع جدتي لان البنت مالهاش غير جوزها وبيتها ولانها مش فالحة في التعليم ولان اللي قدها اتجوزوا وخلفوا ، صممت امي وقهرت نجية التي حاولت بكل قوتها وضعفها ودموعها وتذللها تغيير موقفها لتسمح لها بالجامعة مثل بعض زميلاتها ، حاولت نجية لكن امي رفضت وقالت ان الجامعه للبنات الصايعة اما بنات الناس مثلك ومثل اخوتك لا ليهم تعليم ولا " تمقيق " عنين والجواز هو الشهادة الكبيرة اللي بتفرح البنت واهلها ، وبكت نجية وبكت لكن امي لم تغير رايها وصمتت تبقي معها نجية في البيت تتعلم شغله والطبيخ واشغال الابره حتي يحملها ابن الحلال علي حصانه الابيض لبيت زوجيتها وسترتها وفرحها ... وقهرت نجية واستسلمت لمصيرها وقدرها مثل الف مره قبلها مكسورة حزينة ..
سمعت همس امي - اقصد زوجه ابي - لابي ان نجية لابتاعت تعليم ولا فالحه فيه وخدت الشهاده بالعافية والزق ، وربنا يرزقها بعريس يقبل بيها وهي لابتسمع ولا بتعرف تتكلم ، رضخ ابي لاصرار امي وحكم علي نجية بالانتظار في البيت تطبخ وتغسل وتشتغل بالابرة حتي يأتيها فرج ربنا والعدل ..
تشاجرت امي مع جدتي لانها تأخذني معها في " الرايحة والجاية " لان الجيران سيروا جمالي وعيوني الزرقاء ويقارنوني بنجية وبشرتها الشاحبه وشعرها الاكرت واتهمتها انها السبب في ميلة بخت نجية وان العرسان لم يطرقوا ابوابها ليخطبوها واقسمت برأس ابيها اني لن اتزوج ابدا قبل نجية ان شالله تتحرق الدنيا وتتطربق سماها علي ارضها ، اوضحت لها جدتي انها هرمت وان نجية لن تفلح تساعدها في السير في الشوارع وشراء حاجياتها وهمست ، ماانت عارفه السبب ، ازدادت عصبيه امي وجنونها ، وطردتني من الحجرة التي بقيت اتلصص السمع علي بابها وهي تصرخ في جدتي ، ماهو لاني عارفه السبب عايزه اخلص وطول ماانت دايره ببنت ضرتي في الشوارع تقولي حفيدتي القمر طول ماانت السبب في ان البت التانية قاعدة زي الحيل لاليها بخت ولا ليها حظ ، بكت جدتي واقسمت انها تحب نجية وتتمني لها الخير ولاتقصد ابدا مافهمته امي ، ووعدتها ستصحب "علي" معها وقتما تخرج ولن تأخذ اي من الفتيات معها وكل واحدة بقي يجيي لها حظها لغايه عندها ..
وحرمت من الخروج مع جدتي وسماع حواديتها اللطيفه وهي تسير ببطء تتكيء علي ذراعي وتقص علي ذكريات العائله وزوجها وابيها وطفولتها ، حرمت من الخروج مع جدتي حتي لااغلق طريق العرسان في وجه اختي التي احبها واتمني لها الفرحه والخير من كل قلبي ..
اوصت امي خالتي ام ياسين تبحث عن عريس لنجية ، اغرتها بنفحة كبيرة وقتما يتم المراد من رب العباد ، اعطتها صورة لنجية لتعرضها علي العرسان الباحثين عن عرائس ولاد اصول ، تشاجرت امي مع خالتي ام ياسين وقتما طالبتها " تلحلح " نجية شوية وتذهب بها لمقابلات نساء الحي كل يوم ثلاثاء لترقص وتغني وتضحك مثل كل الفتيات ، تشاجرت امي مع خالتي ام ياسين لان نجية "خايبة وستفضحها وبدل مااحنا كافين علي الخبر ماجور حتبقي الفضيحه بجلاجل" لان الحي كله سيعرف ان نجية بنت الاستاذ ابراهيم صماء فتبور زي الارض الشراقي ، اوصت امي خالتي ام ياسين تبحث عن عريس طيب وابن حلال ولازمه اللي تخدمه وتحاجي عليه ، وضحكت امي وقالت "حيحطها زي الحجرة ويخرج ويرجع يلاقيها مكانها" وعدتها خالتي ام ياسين تبحث عن عريس يشرف تحسد نجية عليه كل البنات وانه " يابخته ونصيبه اللي يناسب الاستاذ ابراهيم وياكل من مانجة الجنينة اللي مالهاش اول من اخر ويعيش في العز وياكل الوز " فهمت امي تلميحات ام ياسين واكدتها لها بأن زوجها سيتكفل بكل تكاليف الزواج ولن يدقق لا علي شبكه ولامهر وانه سيفرش البيت من اوله لاخره لان كله لابنته ورنت ام ياسين ضحكتها الصاخبه وهي توعدها بالخير "وارمي حمولك علي الله وام عبد الله " ..


نهاية الجزء الثالث ويتبعه الجزء الرابع