مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 أبريل، 2014

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الخامس


الجزء الخامس  

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود



( 22 )
ابراهيم

سأرحل اليوم عن الحياة ، لست فقط لاني هرم عجوز ، ولا لاني مريض بامراض الشيخوخة ، بل لاني ايضا لاارغب في الحياة ، لاارغب في مزيد من اوجاعها وثقلها علي قلبي ..
لن اغفر لنفسي ماارتكبته في حق نجية وقتما زوجتها للكهل العجوز متأثرا بالحاح امها بضرورة تزويجها والا بقيت عانس ، اما الكهل العجوز واما العنوسة ، يالها من اختيارات قاسية ، اليوم وبعدما مرت كل السنوات ، لو املك اعيد الحياه من اولها ما اجبرتها تتزوج ذلك الرجل ، لو املك لابقيتها عانس تؤنسني في البيت ، لن اغفر لنفسي ابدا مافعلته فيها ، سألتني ذات يوم حزين ، هو انت ماكنتش قادر تأكلني ، يومها تمنيت لو اخذها في حضني ، لكني شللت ، سؤالها حزين مقهور مثلها ، لاتشكو لي حياتها البائسة ولا معاملة زوجها السيئه ولا عذاباتها ، لاتشكو لي لكني اري كل ماتعيشه دون شكوي ، هي امك ، امك التي خافت عليك تعنسي وتبقي دون زواج كسيرة النفس مقهورة وكل قريناتك يتزوجن وينجبن ويدخلن دنيا ، امك خافت عليكي فاقنعتني ازوجك لذلك الرجل ، تجاهلت مخاوفي وسلمت عقلي لها ، وكان ماكان ، ليتك بقيتي عانس في بيتي بدلا من السم الذي تترجعيه كل يوم في بيته دون شكوي ، انا السبب ، ليس من الرجوله ان القي المسئولية علي عاتق زوجتي الرعناء ، هي ام كمثل كل الامهات وتفكر بعقليه محدوده ، انا السبب ، لست السبب في زواجها من الكهل بل السبب في افساد حياتها ، عندما انجبتها صماء كنت شاب صغير ارعن ، تمللت من ثقل مسئوليتها بل وخجلت منها ، كيف اخجل منها وهي ابنتي ، اليوم اعرف ان مشاعري كانت رعناء حمقاء كمثل الشباب في ذلك السن ، لكني وقتها احسست خجلا منها وضيق من امها لانها انجبتها مثلما انجبتها ، الحق اني لم احب امها ابدا ، ولم ارغب في الزواج منها ، لكن امي لم تترك لي خيارا واجبرتني بنعومه وتسلط علي الزواج من ابنة اختها الموعودة لي ، وحين فررت من اسر امي وابنة اختها ، وتزوجت من احب ، نعم ، ام حياة هي المرأة التي احببتها ، احببتها قبلما اتزوج من ابنة خالتي وكسرت قلبها عندما عجزت افي وعدي معها واتقدم لابيها واتزوجها ، كانت جارة عمتي وقمر بدر ، كنت اراها وقتما ازور عمتي ، تظهر احيانا في الشرفه واحيانا المحها تسير مع امها في الشارع ، اعجبت بها والقيت لها خطابا فردت علي والتهب الحب بيننا ووعدتها اتقدم لخطبتها متجاهلا او ناسيا او رافضا وعد امي وخالتي ، تصورته وقت الجد سيتهاوي امام رغبتي في الزواج بمن اعجبت واحب ، قبلما افاتح امي في الامر اخبرتني بميعاد حفل الخطوبه وقبلما افيق واتمرد كان الزفاف ...
هل كنت ضعيفا ، جدا ، كنت ضعيفا جدا ، ولكني بشر ضعيف مثل الملايين غيري ، ضعيف امام امي ولاارغب في اغضابها ، ضعيف امام حبيبتي التي فررت من حياتها واختفيت وعرفت من عمتي اني تزوجت ابنة خالتي ، سمعت وقتها انها بكت حتي مرضت وان امها اخذتها تزور اولياء الله الصالحين والمقامات وان اول من طرق باب ابيها لخطبتها قبلته ، عرفت بعد زواجي بعدة شهور انها تزوجت ، غضبت يومها وتشاجرت مع زوجتي وكدت اترك البيت لها واختفي ، لم تفهم زوجتي سر غضبي لكنها اخذت تبكي وتبكي فضجرت منها اكثر وكرهتها اكثر ....
حبيبة قلبي تزوجت ، طعنه غادره في قلبي، احدق في زوجتي واكرهها اكثر ، انت السبب الذي اجبرني احطم قلبي بيدي ، عشت ثلاث سنوات اتعذب مع ام نجية واعايرها بأبنتها الصماء ، كنت قاسي جلف ، اعرف ، لن اكذب فانا الان علي فراش المرض ، كنت قاسي جلف معها ومع حبيبة قلبي ، ومع ابنتي ، لكنه الشباب ورعونته عليهما اللعنة ، كنت اتابع شأن حبيبه قلبي واخبارها ، سمعت ان زوجها عربيد سكير وانه يسيء معاملتها ، كيف تجروء تسيء معاملتها ايها الجلف ، اليوم لابد لي اضحك علي حمقي ، هو كان يسيء معامله حبيبة قلبي وانا اسيء معاملة زوجتي ، والكل بائس ، عرفت من عمتي ذات يوم انها طلقت وعادت بيت ابيها كسيرة الخاطر ، هل عدت ذلك اليوم لزوجتي وقبلتها من وجنتيها فخافت مني لاني لم افعلها منذ وقت طويل ، لااتذكر ، كل مااعرفه اني صممت اعيدها لقلبي وادخلها في عصمتي ، طرقت باب بيت والدها ، طرقت الباب وقلت لهم علي كل الحقيقه ، اني متزوج ابنة خالتي التي وعدت ليها لكن الشرف كل الشرف سيكون لي وقتما يقبلوني زوجا لابنتهم ، رحبوا بي فمن الذي في زمننا يتقدم للزواج بمطلقة ، الكل يفر منها ويلومها لانها طلقت مهما كان زوجها معيبا عربيدا فاسقا ، عليها تتحمل ولا تطلق ، اما وطلقت فهي المخطئة المدانة ، رحب بي ابويها وسرعان ماتزوجنا ، سافرت في مأموريه عمل عشره ايام ، هكذا اخبرت زوجتي ، واختفيت من حياتها ، عشت اجمل عشرة ايام في حياتي مع حبيبة قلبي ، عدت من شهر عسلها لقبح حياتي ، نفرت من زوجتي وابتعدت عنها ، يوم والثاني وفي الثالث سألتني فيك ايه وفي العاشر تجرأت وسألتني هو انت اتجوزت ، كنت انتظر هذا السؤال لاصارحها بالحقيقة ، نعم ، لم تصدق ، ثم صدقت وانهارت ، ثم حملت ملابسها لبيت ابيها ، هذا مااريده بالضبط ، اتصل ابيها وطلب اطلقها لاني خائن وتزوجت عليها ، لم اقاوحه ، اطعته وكأني صاغرا ، تحررت منها ومن الوعد والمكتوب ، اعيش مع حبيبة قلبي اسعد ايام حياتي ، لكن امي لم تتركني اهنأ بما احبه ، تدخلت ، هددتني اغوتني اغرتني هددتني ، لماذا ضعفت ، هل اشفقت علي نجية ، هل اشفقت علي امها ، الحق امي افسدت حياتي بتدخلها ، اعدت ام نجية لعصمتي ، فقدت شهيتي للحياة ، استشعرت حبيبة قلبي فكذبت عليها لم اصارحها ولن ، سابقي هكذا زوج المرأة التي لا احبها حتي اهنأ بحياتي مع المرأه التي احبها ، انجبت حياة ، جميلة كمثل حبنا ، اسمتها حياة وكأنها كانت تعرف الغيب ، لن اغيب عن حياتك ، سامنحك حياتي لتعيش معك وفيك ، كأنها كانت تعرف الغيب وسرعان ماعرفته ، ام نجية صممت اطلقها ، وامي ساندتها ، واخبرتها اني اعدت زوجتي القديمه لعصمتي ، لم تتحمل نذالتي للمرة الثانية ، مره هجرتها ومره جرحتها ، عادت بيت ابيها تحمل ابنتي ،وسرعان مااتصل بي ابيها واخبرني برغبتها في الطلاق ، اخبرني انها لاترغب تربي ابنتي ولاتري وجههي ، طلقتها صاغرا ، نذلا للمرة الثانية والاخيرة ، طلقتها واخذت ابنتي واختفت من حياتي ، سألت عنها عمتي فنهرتني لاني خذلتها امام جارة العمر الحبيبة وتزوجت ابنتها لهوت بها وطلقتها بنذاله وتعسف ، اختفت من حياتي ومعها الفرحه ، وبقت حياة جزء منها ينمو امام عيني كل يوم ، هل احبها اكثر من نجية ، الحق لا ، احبهما كمثل بعضيهما لكنها من رائحه الحبيبة الغاليه والثانيه ابنة المفروضه علي بالوعد ، مشاعري لااملك فيها شيئا ...
اليوم هو اليوم الاخير في عمري ، ظلمت نجية وظلمت امها .. وظلمت حياة وظلمت امها ، لن اسامح نفسي واتمني يسامحوني ، هل سيسامحوني ؟؟؟
اغمض ابراهيم عينيه ليرحل ، وسرعان مارحل ... بكته ام نجية وابناءها ، بكته من قلبها ، تعرف انه لم يحبها وانها فرضت عليه ، لكنها احبته الحب الكافي لتبكي عليه حزينه مقهورة لان سندها في الحياة رحل وتركها ....
هل رأي بعينيه نجية وحياة يبكياه حزنا ، هل لو شاهدهما لاستراح في رحلة رحيله الاخير وعرف انهما رغم كل شيء سامحاه ، ام نجية ايضا سامحته ، لم تسامحه اليوم لرحيله ، سامحته منذ زمن بعيد ، بعدما طلقها واعادها لعصمته ، بعدما ربي اولادها وكد عليهم ، بعدما راعاها وقتما مرضت وبذل كل جهده ليرضيها وربما ليسعدها ...
اما ام حياة ، فلانعرف سامحته ام لا ولا هو ايضا ....

( 23 )
2014

مازالنا داخل الحجرة ، كاتمين انفاسنا صامتين ، نشفق علي العجوز الراقدة علي فراشها تتأوه وتتوجع ، قضت ليلة صعبة طويلة ، صوت صراخها شق سكون الليل حتي بكت جارتها العجوز في الدور الثالث ، تمنت لو نزلت لها وجلست بجوارها ، السلم صعب وساقيها واهنتين ولو نزلت لن تقوي تصعد ثانية ، تبكي وتتمني لو نامت بجوارها تقرا لها ايات من القرأن يهدء روعها ويزيح عنها الاوجاع والهم ، نهرتها ابنتها لانها لاتكف عن البكاء ولان حالة نجية متأخرة ولن يفيدها الا الدعاء و.. ادعي ياماما من مكانك رب هنا رب هناك حيسمع دعاكي ويستجيب ، تبكي الجارة العجوز وتمصمص شفتيها تأسيا وشفقة علي الست نجية التي لم تري في حياتها يوم واحد عدل ، هذا ماتحسه الجارة العجوز من وقت سكنت في شقتها عروس جديد وبعدما غادرها زوجها في نهايه شهر العسل ، طرقت نجيه باباها تحمل لها الكعك والبسكويت وهنأتها بالزواج السعيد ، تصورت فريال ان زوجه المالك العجوز الذي قص عليها زوجها تفاصيل مقابلته وقت تحرير عقد الايجار ، تصورتها عجوز مثله ، فوجئت بنجية شابة ربما اكبر منها بضعه سنوات ، لكن الهم الملقي علي كتفها اشاخ روحها فبدت اكبر بعشرات السنوات ، لاحظت فريال ان الست نجية لاتسمع كل كلماتها وتناهي لسمعها في بعض اللحظات وهن يحتسين الشاي صفير مزعج لم تعرف سببه ، لاحظت ارتباك الست نجيه كلما تعالي الصفير ، فهمت فريال ان السماعة الطبية التي تخفيها الست نجية تحت شعرها الاشعث لاتعمل كما يرام ، مازالت فريال تتذكر صراخ نجية بعدما يعود زوجها من نزهته النهارية ، يصرخ فيها لاسباب لاتعلمها فريال ، تسمع صوته مجلجلا فاضحا ، لاتفسر عباراته فهي في الدور الثالث والست نجية في الدور الارضي ، لكن دوي صوت المالك العجوز يكاد يكسر النوافذ وزجاجها ، تهرع علي الشباك لتدرك الامر لكنها لاتري شيئا ، صوت مشاجرتهما يدوي في الشارع الخالي ، نجية تصرخ ، ربما تبكي ، لاتسمع كلماتها الممضوغة وسط الصراخ ، لكنها تسمع صراخها عاليا تدافع عن نفسها من بطش الزوج العجوز الذي يفرغ كل حنقه علي الحياه فيها متصورها قليلة الحيله مستباحه ، هي تدافع عن نفسها بالصراخ في وجهه ،ربما ترفع صوتها علي صوته حتي لاتسمع كلماته الموجعه المؤذيه التي يكيلها لها ببرود ولا كأنه يقتلها ، كل هذا الصراخ تسمعه الست فريال قبلما يعود زوجها من عمله ، كل هذا الصراخ تسمعه الست فريال يوميا ، لم يكف عبد الهادي يوما عن الصراخ في زوجته ومشاجرتها ولم تكف نجيه عن الصراخ في وجهه تدافع عن نفسها .....
واليوم الوحيد الذي تسمع فيه الست فريال صراخ نجية في ميعاده المعتاد ، في ذلك اليوم مات عبد الهادي ....
تبكي فريال وتبكي لانها عاجزة عن مساعدة نجية وهي تصرخ في فراش مرضها صراخا موجعا وكأن عبد الهادي عاد من موته ليعذبها قبل رحيلها ...


( 24 )
حياة

اشترت لي زوجة ابي فستان ستان ورديا لاحمل الذيل الطويل لفستان نجية يوم زفافها ، صفية ارتدت فستان ابيض بشرائط اورجانزا و"علي" ارتدي بذله كحلي ورابطه عنق اشتراها له ابي خصيصا لزفاف نجية  ، جدتي منحت انصاف وزبيدة ابنتها نقودا ليشتروا جلاليب جديدة ، جدتي اخرجت الكردان الذهب البندقي واعطته لنجية لتجربة قبلما ترتديه ليلة العرس ، اربعه ايام متبقيه علي رحيل نجية من بيت ابي ، جدتي تدعو لها بالخير والرفاء والبنين وتوصيها تطيع زوجها وتحفظ غيبته وتراعيه وتراعي ماله ، امها تنزل معها كل يوم لشراء مستلزمات الجهاز ويعودا اخر النهار باكياس وشنط ، زوجة ابي سعيدة وتدعو كل جيرانها لحضور كتب الكتاب ، نعم فابيه عبد الهادي رفض بعنف وقوة حفلة الزفاف الكبيرة التي اقترحتها زوجه ابي ، جدتي قالت له ان محمد قنديل سيغني في الفرح وكارم محمود ايضا ، قالت له انها ستتحمل كل التكاليف توفي ندرا في ذمتها لنجية يوم ولدت ، لكن العريس رفض واخبر ابي انه ابدا لن يقيم حفل زفاف ولم يسير وامامه العوالم يدقوا الدفوف ولن يجلس علي مقعده كالصغار يتفرج عليه المدعويين وينتفوا ريشه بسخريتهم بعد انتهاء الحفل ، ابيه عبد الهادي اوضح لابي انه سنه ومركزه لايسمح له بعبث الصغار ، وافقه ابي صاغرا وحاول يقنع امي التي لم يعجبها الكلام وبكت حانقة علي العجوز الذي سيميل بخت ابنتها وبكريتها واول فرحتها ، كانت تحلم بالفرح الكبير الذي ستقيمه لها ، هددها ابي يرد للرجل شبكته ويفسخ الخطبه واستني بقي براحتك اللي يعمل فرح ، ارتعبت زوجته وخافت من بقاء نجية في بيت ابيها كالماء الراكد ، جدتي نصحتها تتناسي الفرح وذكرتها بقسوة ان سماعة نجيه ستصفر بانينها الموحش حينما يتعالي صوت الصخب كالعاده ، قالت لها جدتي ان الفضيحه حتبقي بجلاجل واللي مايشتري يتفرج ، رضخت زوجه ابي واكتفت بحفل علي الضيق في البيت وعشاء بعد كتب الكتاب ، اشترينا الاثواب الجديدة واستعدينا كلنا لليلة الكبيرة ، زوجه ابي ترتب لنجية حقائب ملابسها وذهبنا جميعا لشقة الحسين لتنظيفها وفرشها بالمنقولات الجديده التي اشتراها ابي لنجية ، العماره قديمه والسلم مظلم والشقة مظلمة حتي في النهار ، زغرطت انصاف وطالبتها تدخل برجلها اليمين ورقصت زبيده علي دقات كفوفنا ونحن نغني فرحين بنجية ، جميعنا فرحين الا هي ، هكذا اتصور واشعر ، سألتها اكتر من مره انتي مبسوطه ترد عادي ، لايعجبني ردها ولا تملك غيره ...
عادي ؟؟
في ليلة كتب الكتاب بكت ، افهمتني زوجه ابي ان كل العرائس تبكي لوداع اهلهن وخوفا من المسئولية الجديدة ، تجمعنا وكل صديقاتها معها في الغرفة نضاحكها ونلهو معها ، فستانها انيق والكردان الذهب البندقي يزين جيدها ، المزين حاول قدر جهده بالمكواة الحديديه يلين اسلاك الصلب السوداء التي تتبعثر فوق رأسها ، فردها ولينها ورفعها فوق رأسها فطيرة ووسط التاج الماسي الزائف حولها ، امرتها زوجه ابي تخلع سماعتها الطبيه لانها ستفسد صورالزفاف ، لكنها رفضت وتعصبت وتلعثمت الكلمات بين شفتيها ، احتقن وجهها ونفرت عروق رقبتها كأنها تسب امها لانها تصمم في كثير من الاوقات تلغي وجودها وتواصلها مع العالم الخارجي ،لو خلعت سماعتها لتلاشت واصبحت غريبه عن الحفل والاحتفال ، اليوم يومي انا وانا من سيقرر ، نظراتها تقول هذا ، رضخت زوجه ابي ، وكأنها خجله من صمم نجية وثقل اذنها ، لم تري جمالها ليلة عرسها ولم تنتبه لرقتها ولا اناقه ثوبها ، فقط شاهدت السماعه الطبية وخجلت منها ، لكن نجيه علمتها درس انها لاتخجل من نفسها ولا من علتها ولو كان يوم فرحها وليذهب العالم كله للجحيم وسخريتهم وضحكاتهم المتواريه المهم بالنسبه لها تقوي تسمع عريسها وكلمات المأذون وتعليقات الضيوف ، المهم ان تبقي موجوده حيه علي قيد الحياة في اهم لحظه في حياتها كما قالت جدتي ....
مرت الحفلة سريعا وتعشي المعازيم وارتدت نجيه شبكتها الانيقة الغاليه التي اكمل ثمنها ابي كما اسرت جدتي لانصاف ، اخوات ابيه عبد الهادي وزوجات اخوته لايعجبهن نجية ، هن لايقلن هذا ، لكن النظرات المتلصصه التي يختلسوها للسماعه تحت الطرحه التل تفصح عن عدم اعجابهن بحالها ، انصاف تقسم لجدتي انها سمعت الاخت الصغري وهي تلوم الاخت الاكبر لانها دبست اخيها في تلك العروس ، ضربت جدتي علي صدرها ، ال رضينا بالهم والهم مارضيش بينا ، ده شايب واكبر من ابوها ولو سليمه وزينه البنات نبليها بعجزه ليه ، جدتي تعرف ان العريس لايليق بالعروسه وسنوات العمر بينهما اكبر من قبولها لكن زوجه ابي وايضا جدتي والحق يقال ارادا التخلص من نجية حتي لاتعنس وتبقي بسبب علتها حجرا راكدا علي قلبهن ... وخرجت نجية من بيت ابيها لبيت الجيران كما تقول الاغنيه التي اخذت زبيده ترددها وهي تطبل علي صينيه الشربات الكبيرة وتزغرد ، كلنا ودعناها وتمنيا لها الخير ، لمحت دمع متواري في عين ابي وعين جدتي ، زوجه ابي كانت مشغوله بذيل الفستان ونهرتني لاني لم احمله كما اتفقت معي وقت خروج نجيه من البيت ، خرج العريس بسرعه من الباب ، سحب ذراعه من ذراعها واوصاها تلحق به لان السلم ضيق لن يسمح لها بالنزول معا ، نزل ابيه عبد الهادي مسرعا علي السلم وخلفه ابي وعائلتي ، وقفت نجية علي باب الشقة مرتبكه ، اظنها تمنت تعود لحجرتها وتخبيء رأسها تحت اللحاف كما اعتاد تفعل وقتما يواجهها واقع قاسي لاتقبله ولاتملك منه فكاكا ، دفعتها امي لتتحرك ، زغردت انصاف ، صفقنا جميعا وارتفعت اصواتنا بالغناء ، صوت الزغاريد ودوي صوتها يرن في بير السلم ، ثابته نجية لاتتحرك ، وفجأ امسكت بذراع جدتي ورجتها ترسل لها زبيده في بيت الزوجيه ، ابتسمت جدتي ، مازالت زبيده امانها وطمأنينتها ، وعدتها ترسلها بعد انتهاء شهر العسل حتي لا تزعجها وتقل راحتها ، غمزت جدتي لنجية وضحكت موحية لها بما ستعيشه مع زوجها والعسل الذي تنهله و................. احتضنت نجية زبيدة وبكيا معا ، تعجبت زوجة ابي  من سلوك نجية التي لم تحتضنها ولم تبكي وهي تودعها والقت  بنفسها بثوبها الانيق في حضن الخادمة ، تعجبت وصمتت ، فاكم من عجائب وغرائب تقوم بها نجية طيلة الوقت وهذا ليس وقت انتقادها ولا تصويب سلوكها و.............. تحركت السيارة بنجية وابيه عبد الهادي وجميعنا يلوح لها يودعها وزغاريد الفرحه تلاحقها و..... يارب تتهني يابنتي ، همست جدتي ....
ومازال صوت نجية يدوي في اذني ، عادي ، مبسوطه عادي !!!
واشعر غصه انكرها قلقا علي نجية في حياتها الجديدة ....

( 25 )
نجية

اتصل عبد الهادي بأبي واخطره اني سقطت من علي السلم ورأسي ارتطم بالافريز الحجري ، اوضح عبد الهادي لامي وقتما هرعت لزيارتي في المنزل ، اني كنت عائده من السوق واحمل حقائب كثيرة وسامح ومصطفي يمسكا بذيل ثوبي وانا احمل ثريا  فتعثرت ووقعت ..
سالتني حياة عما اصابني كررت عليها نفس القصه التي حكاها البيه لامي ، لم تصدقني حياة ، اغلقت عيني الشمال باصبعي فرارا من ذكائها وبصيرتها ، الحق اغلقت عيني لاني كنت اراها اربعه وربما سته ، من تلك اللحظة التي لكمني فيها البيه بكل قوته وارتطمت رأسي بضلفه الدولاب ، من تلك اللحظة صار كل شيء امام اربعه وربما سته ..
لماذا لكمني ، هذه المرة ام كل المرات السابقة ؟؟ هذه المرة لكمني لان مذاق الحساء الذي اعددته له لايعجبه وان طهي رجوات بطهي كل عائلتي الفاشله التي لم تعلمني شيئا ، رفع صوته يسبني لاني فاشله وخائبة واخذ ينعي حظه لانه افسد بقيه ايام حياته وقتما تزوج تلك الصماء - يقصدني انا - فجلب لنفسه المتاعب بدلا من زوجة تسعده وتريح قلبه ، رفع صوته يسبني ، رجوته يخفض صوته لان سامح كبر وسيفهم انه يسبني ، رجوته يكف عن الصراخ ويخفض صوته فانا اسمعه جيدا ، سخر مني لاني صماء لااسمع اساسا ، سخر من اهتمامي بكرامتي امام ابني الصغير اكثر من رضاءه وتلبيه رغباته ، اخذ يهذي ويصرخ بأني فاشله وايضا قليله الربايه ولو كان تزوج في شبابه لانجب من اكبر مني ، كل هذا وانا صامته لااكترث بما يقوله ، مالفائدة في الرد عليه ، سيزداد غضبا وجنونا ، نعم عبد الهادي مجنون ، ربما عاقل في عمله ومع اسرته وامام ابي ، لكنه معي ومنذ الليلة الاولي وهو مجنون ، نعم مجنون ، وهذا ليس وقت الحديث عن جنونه ، فصاروخ النار المنبعث في عيني الحمراء ككاسات الدم يوجعني ، لاحظت حياة ان دموعي تنهمر علي وجهي دون بكاء ، سالتي عينك مالها ، لااعرف فلم اجيبها ، صرخت امي ، عينيك حمرا زي كاسات الدم ، اقتربت مني وقبضت علي راسي الملفوف بالشاش وهي تلح علي وريني راسك فيها ايه ، اقتربت منها حياة وهمست لها ببعض كلمات ممضوغه لم اسمعها ولم اكترث بها ، صرخت امي مالها عينك فيها ايه ، الحقني ياابراهيم و........................
صارحهم الحكيم بأن الارتطام العنيف الذي دهس رأٍسي اثر علي شبكيه عيني الضعيفه اساسا ، وان شنبر النظارة ارتطم بالنني فجرحه واني احتاج لراحه تامه وعلاج طويل وصبر وتمني لي السلامة ..
نقلني ابي لبيته ، تمني لو يترك الاطفال لابيهم وعمتهم ، لكني صرخت ولطمت وبكيت وصممت لااتحرك خطوه بغير اولادي ، جمعت زبيده ملابسهم ولحقت بي علي بيت والدي ، شهور ثلاث نائمه في السرير وكل الاشياء حولي اربعه ، قطرات ومراهم وظلام دامس يحيطني بناء علي تعليمات الطبيب وهدوء ، لكن عيني طارت ، هكذا همست جدتي لامي ، ال بيكم هم ولا ازيده ، البت عينيها طارت !!!
حياة مصممه تعرف مالذي حدث ، استجوبتني فحكيت لها القصه المتفق عليها اكثر من مره ، استجوبت زبيده ، تلعثمت في بعض التفاصيل لكنها رواغتها فعجزت تكذبنا ، حياة عنيدة كجدتي لا تيأس ولا تصمت ولا تستسلم ، اخذت سامح ومصطفي للحديقة ، اوصتها جدتي عليهما ، تركت لها ثريا لانها صغيره لاتفهم شيئا ولم تمنحها ما تتمني تعثر عليه ، اصطحبت سامح ومصطفي للحديقة ، لاعبتهم واشترت لهم الحلويات والمياه الغازيه وعرفت منهم الحقيقه كلها ، طفولتهم البريئه لم تقف امام براعتها وذكائها ، قصوا عليها كل مااعيشه مع البيه ابيهم ويعيشوه معي ، قصوا عليها صراخه وسبابه وبكائي و............ كرهت حياة زوجي للابد ، غضبت منه ولم تصفح عنه ابدا ، عادت بالاطفال سعداء وتسللت لغرفتي ، فتحت عيني السليمه لاجدها تبكي فوق رأسي ، سألتني ليه قبلتي ، لم تنتظر اجابتي فهي تعرف كل شيء ، تعرف مالم اقوله لها ولم اخبرها به ، ليه سكتي ، وهو الكلام كان حيعمل ايه يعني ، يطلقني وارجع البيت بعيالي وخيبتي ، تنتحب بائسه وتربت علي رأسي برقه وحنان ، طيب ليه عمرك ماقولتي ليه ، انت مش ناقصه همي ، همست فانفجرت في البكاء ، مين قالك كده ، انا بحبك يانجية باحبك ، طيب كنتي فضفضي كنتي اشتكي كنتي فكي عن نفسك ، احتضنتي فاحتضنتها واخذنا نبكي ونبكي ، عرفت حياة السر الذي اخفيته عنه سبعه سنوات ، عرفت ان البيه الذي زوجوني له مجنون مندفع ، اعتبرني رضيعه يلزم اعاده تربيتها وتأديبها ، اعتبرني تلميذه في الفصل الذي هو مدرسه يلزم تعليمي وتهذيبي ، بقسوه وجلافه وغلظة ينتقدني ويسخر مني ويعايرني بصممي ، ينعي حظه لان الحياه في اخر ايامه لم تكافئه بحوريه من الجنه بل منحته دميمة قبيحه ام اربعه واربعين كما يناديني ، لم نكن ازواجا في يوم من الايام ، كان ابا متسلطا وكنت الابنة الضحية التي قرر يمحو كل ايامها ويعيد تربيتها من جديد ، عرفت حياة السر وبكت معي عاجزة عن مساعدتي ، لاتملك لي نصيحه ، اتطلقي ومين يصرف علي عيالي ومش جايز ياخدهم ، ماتسكتيش له ، ولو رديت عليه يعني حيحصل ايه ، حيحرق البيت ويحرقني انا والعيال ، اشتكيه لبابا ، حيتخانقوا ولو بابا زود عليه حيطلقني وهو بيتلكك علشان يخلص مني ، وتبكي حياة وتبكي وابكي انا وعيني لاتتحسن ونظري لايعود ، وصار كل شيء اربعه وربما سته ويأس الحكيم مني وكذا ابي وامي ، عبد الهادي لايسأل علي ولا علي الاولاد ، سألت عنه جدتي مره واثنين وفي الثالثه حسمت امرها وقررت ان اللي بينا اتفضح وان الحكايه لا سلم ولا افريز حجر ، هو ضربك وبيضربك ، انكرت وانكرت لكنها مصممه تستجوبني ، مالذي ستجنيه ياجدتي لو عرفتي الحقيقه ، ساحطم قلبك واحزنك ، لااحد يملك شيئا ، لن يتغير طبعه ولن يتبدل حاله ، اما ابقي زوجته واربي اطفالي واما يطلقني ويأخدهم مني ونخلق مأساة جديده في حياتنا وكأنه لايكفينا كل المأسي التي عشناها ، تبكي جدتي وابكي معها وتتصل به جدتي ليأتي ويأخذني واولادي يعيدني لبيته ، الا هما الاولاد مش وحشوك يابيه هما ولا الست امهم ؟؟ سؤال ساخر لاذع تؤنبه به عن غيابه الطويل، مستنياك يابيه بكره تشرفنا وتجيب عربية وتاخد مراتك وولادك ، عينها ، بتسأل علي عينها دلوقتي ، بعد ثلاث شهور ، عينها كويسه واللي رايده ربنا يكون ..
تشاجرت معها امي لانها اتصلت به وعبرته ، لامتها جدتي لانها مش واخده بالها ان البيه راماها عندنا ونسيها ، ولو سبناه براحته حيطلقها والاسم عند ابوها ومحدش قاله تعالي ، نهرت جدتي امي وحين عاد ابي من عمله تشاجرت معه لانه بيخرب علي بنته ، وامرته يتصل بالبيه ويدعوه لزيارتهم ليصحب زوجته واولاده لمنزله ، قادت جدتي الموقف وتدخلت بقوتها وحين وصل البيه لبيت ابي ، قابلته جدتي واخبرته اني حزينه وهي ايضا وانه ماكنش العشم وان نجية كانت تنتظره طيله الوقت واولاده ايضا ، قال عبد الهادي لها كما قصت علي حياة ، انه كان سايبني استريح ، خبطت جدتي علي صدرها واكدت له اني عمري مااستريح الا في بيتي ، لم تقل له انه اهانني وقتما القاني في بيت ابي ولم يسأل فيا ، ولم يقل لها انه استراح في غيابي وتأكد ان زواجي غلطه عمره الوحيده ، ابتسما بدبلوماسيه وصمتا يحتسيا القهوة وكأن شيئ لم يحدث ، وبعد يومين كنت في البيت واولادي معي ومعنا زبيدة ، السماعة تصفر وقتما يعلو صوت عبد الهادي فاغلقها واتشرنق بعيدا عن صراخه وغضبه ، ارتدي نضاره نظر بزجاج قاتم بعدما صمم الحكيم علي اغلاق عيني اليسار عنوة بشريط لاصق لمنع الضوء عنها حتي لاتزداد حالتها انهيارا ، وصارت الحياة حولي اقل وضوحا ، احيانا اري اشباحا بعيني السليمة فارتعب خوفا من عاهه جديده ، صارت الحياه اقل وضوحا ، فحين تطرف عيني اليمين او اهرسها باصبعي دون قصد تظلم الدنيا فجأ واحس وكأني سقطت في جب عميق مخيف لااري جيدا ولااسمع ايضا .... ومازال عبد الهادي يصرخ والاولاد تكبر وانا احاول دائما التظاهر امام الجميع اني مثلهم جميعا ، اسمع جيدا واري جيدا ....

( 26 )
حياة

سخرت مني زوجة ابي لان علي رأسي ريشة ولاني ارفض العرسان المتلاحقين يطرقوا باب بيت ابي ، اردهم بمنطق واضح ، لن اتزوج قبلما اتخرج من الجامعة ولن اتزوج الا من يقبل عملي ووظيفتي ، سخرت مني زوجه ابي لاني بنت قنصل الوز واسير كمثل الشريك المخالف للناموس الاجتماعي المقبول في شبرا حيث نقطن ونعيش ..
ابي لايوافقها علي سخريتها مني ، لكنه لا يجادلها ولايرد عليها ويؤثر راحة الرأس والبعد عن الصداع ، تشكو له مني لاني لااطاوعها واقبل مصاحبتها في لقاء النسوة جيرانها كل اسبوع لتعاينني النساء التي تبحث لابناءها عن عرائس مناسبه ، قالت له ان البنات في مثل عمري انجبن مره واثنين وثلاث ، واني صرت كالبيت الوقف وان اخرة البطران قطران واني سأبقي كمثل " البريزة الممسوحة " بايرة وعانس وقتما لايجدي الندم ، تضغط زوجه ابي علي مخارج الفاظها وهي تؤكد لابي انها تراني كمثل ابنتها وانها ابدا لم تعاملني ابدا معامله مختلفه وان لها علي حقوق واهما اطيعها وااخذ بشورتها واقابل العرسان والين رأسي الحجرية العنيدة ، ابي يخبرها ان الزواج قسمه ونصيب وعندما يأتي نصيبي لن املك منه فرار ، تصرخ امي فيه ان صفيه تردد كلماتي وتتمني تدخل الجامعه مثلي وان سلوكي المعوج سيفسد صغيرتها ، يبتسم ابي ويطمئنها ان نصيب صفيه سيأتيها كما هو مكتوب لها ، وان الجامعه لاتفسد حياة البنات وان الوظائف قد تمنحهن ميزه لاتمنحها لهن اشغال الابرة وطهي الطعام وتتشاجر معه فيصمت واصم اذني واحسد نجية التي تملك تغلق سماعه اذنها فلا تسمع شرور العالم الخارجي ولا تتأذي بصراخه ، اجسد نجية التي منحها زواج الاقارب ميزة التقوقع والانفصال عن العالم الخارجي ، احسدها ثم اخجل من نفسي لان نجية عانت ومازالت بسبب علتها ، لم تكن ميزه بل علة ونقيصه دفعت نجية ثمنها فادحا ...
ومازالت زوجي ابي تسخر مني ومازلت ارفض العرسان حتي شاع في الحي وبين الجارات اني مغرورة ومابيعجبنيش العجب ولا الصيام في رجب و..... مازلت اذاكر دروسي وانجح بتفوق وافرح قلب ابي  واجنن زوجته التي تري اني احرث في البحر وان البنت مالهاش غير بيتها وزوجها ودي سنة اهلنا كانت وستظل ...


نهاية الجزء الخامس  ويتبعه الجزء السادس 

ليست هناك تعليقات: