مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 أبريل، 2014

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الاول

الجزء الاول

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود




( 1 )
2014

في لحظات النهار المبكر في الحي الذي كان هادئا وانيقا وصار عشوائيا ومكدسا بالسيارات ومغروسا بالابراج الخرسانية القبيحة ، في تلك اللحظات ، ستري الشمس تلقي اشعتها علي الميدان الكبير فترسم صفاء وجمال تتصوره حقيقيا واقعيا حتي يستيقظ الحي وابناءه وتثور عواصف الصخب لترسم الملامح الحقيقية لصورة مزيفة خادعة رسمها النهار المبكر للمكان وملامحه وتفاصيله ...
في تلك اللحظات ، تلقي الشمس بعض اشعتها علي البنايه الصغيرة القديمه التي تحاصرها ابراج عالية قبيحه تجاورها وتلاصقها وتخنقها ، تلقي الشمس بعض اشعتها فيظهر علي واجهه البناية القديمة بقايا الاصفر الذي كان لونها وبقايا الوردي الذي كان يزين شرفاتها فتبتسم الشمس لان دوام الحال من المحال ولان تلك البنايه كانت ذات يوم البنايه الاكثر اناقه وسط البيوت الصغيره التي تجاورها في الحي الجديد الذي قررت الحكومه التي لانعرف اسم رئيسها ضمه للقاهره العاصمه بعدما تكدست بسكانها فكان البائعين والماره يشيرون اليها باصابعهم وباعتبارهم علامه مميزه في الحي الهادي ، واكم من مرات سخرت نجية من ذلك الاعجاب لانهم لايعرفون مالذي يحدث خلف تلك الجدران الانيقة ..
هذا كله لايهمنا ، مايهمنا هو الصباح الذي يبدو هادئ والسكون مازال مخيما علي الميدان الكبير الذي تحاصره الابراج القبيحه العاليه ووسطها البنايه الصغيرة التي لم يفلح ملاكها في هدمها مثل بقيه المباني فصمدت وسط الابراج تصارع سطوتهم وظلالهم التي اغلقت نوافذها وارتفاعاتهم التي منعت موجات الاثير تصل لتلفزيونات قاطنيها وحكمت عليهم بفقر مهين وسط كل محدثي النعمة الذي اشتروا شقق الابراج القبيحه وجاوروهم في الحي الذي كان انيق ، مايهمنا ذلك الصباح الذي يبدو هادئ ..
لن نبقي طويلا وسط الميدان ، ولن نحدق كثيرا في الابراج القبيحه ولا بقايا الاشجار التي كانت وارفه وعاليه حتي خنقتها الابراج الاسمنتية العالية ، سنترك الميدان ونعطيه ظهرنا ونتسلل للبنايه الصغيرة ، سندخل من السور الحديدي ونصعد ثلاث او اربعه درجات مالت استقامتها تحت وطأة الضيوف الكثر الذين صعدوا وهبطوا طيله عقود متلاحقه يشاركوا اصحاب البنايه حياتهم فرحهم حزنهم ايام عمرهم ..
سندخل من السور الحديدي ونصعد السلم ونتسلل بخطوات بطيئة علي اطراف اصابعنا فوق الارض الخشبيه التي كانت " ارو " انيق حتي تسللت تحتها قطرات المياه وقت مسحها علي ايدي خادمات غير مؤهلات لاي شيء الا افساد كل شيء ، المياه ركدت تحت اصابع " الارض الخشبيه " فحركتها من ثباتها وراكمت تحتها الهواء العطن وبعض الحشرات الصغيره فصارت الخطوات فوقها انين مكتوم مزعج يوقظ النائمين في الحجرات البعيده من اعمق نومه واحلاها ، سنسير فوق اطراف اصابعنا علي الارض الخشبيه وننحرف يسارا ، سيصادفنا علي الجدران المشققه الكالحة بعض الصور الباهته لافراح الابناء وصور الاحفاد ، صور مر عليها وعلي فرحتها زمن طويل ففقدت معالمها وفرحتها وصارت ذكريات معلقه علي جدران الزمن ، من مات ومن رحل ومن اختفي وبقيت الصور ذكريات توجع !!!
سنسير علي ارض الممر المظلم يقودنا لغرفه النوم القبلية الدافئة ، سنتسلل من تحت عقب الباب ، لن نطرقه فنوقظ السيدة التي كانت صاحبه البيت والحياة وتراكمت سنوات العمر فوق كاهلها فنسيت اين تحيا ولماذا وتحولت لكومه هشمه فوق الفراش العتيق الذي سقطت مرتبته ونحل وبرها وبرز من بعض اطرافها قطن عطن ثقب الزمن له طريقا خارج بطنها لنراه ونتوجع ونتحسر علي الايام الجميله التي كانت ....
فلتكتم انفاسك سيدي سيدتي ، صرنا الان فوق خشبه المسرح الذي سيقص علينا  احداث حكايتنا ، نعم فوق خشبه المسرح ، لاتتعجب ، فانت جزء من الحكايه حتي لو كنت لاتعرف ابطالها ، نعم انت جزء من الحكايه ، مادمت صبرت معي كل تلك الصفحات وسايرتني وسرت علي اطراف اصابعك وكتمت انفاسك وصمت ، مادمت طاوعتني صرت اسير الحكايه وبقيتها وجزء منها وانت وانا وجميعنا الابطال ...

( 2 )
نجية

تصرخ وتصرخ وتصرخ ...
صوت صراخها مخيف يحرق القلب ، تتمني لو تملك تريحها من الالم فيهدأ صراخها لكنك مثلي تماما عاجز لاتملك لها شيئا الا الدعاء والبكاء والفرار من صوت صراخها المخيف الذي يحيطك في شرنقة وجع تؤكد لك ان الحياة عابثة قاسية لامعني لها ....
عجوز في التسعين من عمرها ، كوم من العظام المفتته تحت الجلد المشقق وبينهما بعض نثرات من لحم وشبكه اعصاب تحترق فتصرخ وتصرخ ، كل هذا امامك وانت لاتملك لها شيئا ..
تتأوه تتوجع تستغيث ، حرام عليكم حرام عليكم ، تلوح باذرعتها الواهنتين وكأنها تبعد وحوش عقوره تنهش في اعصابها وتشعل فيها الالم دفقات متلاحقة وكأنها موصولة ببرج كهرباء الضغط العالي ، تتأوه تتوجع تستغيث ، حرام عليكم حرام عليكم ، تستجدي وحوش الالم ترحل عن بدنها الهش تستجديهم يرحموها ، تلوح باذرعتها كأنها تتمني تقبض علي كف حانيه تشعرها ببعض الادمية الانسانيه الحنان في تلك اللحظات الصعبة ...
عجوز في التسعين من عمرها ، طال بها العمر حتي اصبح لا معني له ، الشيخوخه تبعثر كرامتها باوجاع لاتعرف مبررها ، الشيخوخة تمزق روحها فتتمني الرحيل عن ذلك العالم الموحش الموجع ، لكن ساعه الرحيل لم تأتي بعد وقدرها تستنفذ طاقات تحملها بين اوجاع مستعصيه علي العلاج والفهم ، قدرها تصرخ وتصرخ وكأنها ترسل رساله للحياة ارحميني واتركيني ، كأنها ترسل رساله للوحوش العقور استقوي عليا اكثر واكثر واحمليني بعيدا عن تلك اللحظه الموجعه ، اعقريني اقوي واقوي فارحل معك حيث براح لاوجع فيه ولاالم ولاصراخ ....
لكن ساعة الرحيل لم تأتي بعد واعاصير الالم تفتك بها وستفتك بها اكثر واكثر ....
وكأن كل ماعاشته لايكفي ...
وكأن كل مامرت به لايكفي ..
وكأن كل ماخاضت فيه لايكفي ...
انها نجية ......

( 3 )
نجية

لماذا تقسو الحياة علي بعض ابناءها لهذا الحد ؟؟؟ سؤال سألته لنفسي كثيرا وقتما اكتشفت علتي ، عرفت من جدتي الحاجة العجوز ان ابي ابنها البكري تزوج من امي ابنة خالته ، شرحت لي جدتي بالاشاره وبصوت مرتفع عالي وصل لاذني هامسا ممضوغا ، شرحت لي ان ابي وامي اقارب واولاد خالة وانها حين انجبت ابنها القمر خطبته خالتي لابنتها التي لم تنجبها ووافقت امي وصار الصغير الرضيع موعودا للصغيرة التي لم تأتي للحياة وحين انجبت خالتي بعد سبعه سنوات واربع ذكور ابنتها الاولي صارت عروسه ابي وخطيبته والوعد المكتوب نفذ وصار ..
شرحت لي جدتي وانا التصق بها واكاد اجلس علي ساقيها لاسمع صوتها واضحا ، شرحت لي جدتي ان امي صارت عروس ابي وهي في اللفة وحين خرطها خراط البنات وصارت عروسة وست العرايس قروا الفاتحه للنبي ليكمل فرحتهم وقبلما يمر حولين زفت امي لابي في فرح مهيب وسط فرحه طاغيه من الاختين الذي نفذ وعدهما وصارت ست البنات عروسة زين الشباب وعاشوا في تبات ونبات فترة قصيرة جدا ثم عاشوا فقط وخلفوا صبيان وبنات ، كنت انا الابنة البكرية لتلك الزيجة التي افسدت حياتي كلها بسبب الوعد والمكتوب ...
تأخرت في الكلام ، هكذا قالت لي جدتي ، تأخرت في الكلام وصرت كالبلهاء وسط اطفال العائله الذي يتكلموا " كالبربنت " وانا خرساء ابكي واصرخ طيله الوقت لان لااحد يفهمني ولا يلبي طلباتي ولانهم تركوني وحيده خرساء صامته لايتكلموا معي ولا يهتموا بي ..
هكذا كنت اشعر وانا صغيره جدا ، اشعر اني معتقله خلف سياج عاليه تبعدني عن العالم الصاخب المحيط بي ، كنت صغيرة اصرخ كثيرا ، هذا مااتذكره عن طفولتي ، اصرخ كثيرا ، احاول اعبر عن نفسي لكن احد لايفهمني ولانهم لايفهموني اصرخ اكثر واكثر ...
خرساء معزوله لااحد يهتم بي ولايكترث بحالي ، هذا مااذكره عن بيت ابي وامي وسنوات عمري الثلاث الاولي ، هذا مااذكره ويوجعني رغم الشيخوخه التي تحاصرني الان وتقبض علي وجودي ، يوجعني ذكريات سنواتي الثلاث الاولي ..
قصت علي جدتي ، اني تأخرت في الكلام وان صمتي وخرسي اوجع قلب امي واغضب ابي فتشاجرا كثيرا بسببي واتهم ابي امي انها السبب لانها لاتهتم بي ودافعت امي عن نفسها واتهمت ابي انه لايهتم بها ولا بمعاناتها مع صغيره بلهاء خرساء لم تنطق حرفا وكل اقرانها يغنون ويضحكون ويقصون الحواديث ، تشاجرا كثيرا بسببي حتي قررت جدتي في احد زياراتها لبيت ابنها اني منظورة ولساني معقود ولابد من زيارة للشيخ المبروك حتي يفسد العمل ويفك عقدة لساني ويرفع الغم والهم من بيت ابي وامي التي ماكانت تكف عن البكاء حتي مل منها ابي وتوعدها يتزوج باخري تسعد قلبه الحزين يؤكد عليها انها كئيبة وعرف هذا من يوم ماتزوجها وانها نكدت حياته وافسدتها ، توعدها ابي يتزوج غيرها في مشاجره كبيرة انفجرت بينهما في حضور جدتي ، قال لها انها افسدت حياته ، صغيره مدللة ، وحين حملت تمكن منها الوحم والوهم والغثيان فنامت التسعه شهور علي فراشها تتوجع وتركت بيته مقلوبا وملابسه مبعثره ومعدته خاويه حتي افسد اكل السوق مزاجه وصحته ، قال لها انها افسدت حياته وقتما انجبت الصغيره التي لاتكف عن الصراخ ، هي تصرخ وانتي تبكي وانا صارت حياتي سوداء ، هكذا صرخ ابي فبكت امي فكسر مرأة الدولاب بطفايه السجائر وترك لها الغرفه والبيت وهي تبكي وتولول ..
امي شكت ابي لجدتي وانه يهددها بالزواج عليها وانه لايراعي انه ابن خالتها وفي مقام اخيها الاكبر وانها لحمه الذي يتعين عليه يراعيه لايهدده ويلقي به علي قارعة الطريق ، وعدتها جدتي - بعدما حضرت المشاجره وسمعت الصراخ والبكاء وصوت الزجاج المهشم - وعدتها جدتي بانصافها وانه يهذي كلاما فارغا لن يحدث وانه لن يجد ولو بليت قدميه ارهاقا ، لن يجد اخري في جمالها و في ادبها واكدت لها جدتي ان " البت " الصغيره هي السبب في النكد المعشش في البيت وان الصغيرة - تقصدني جدتي - ملبوسة وان عين الحسود فيها عود وان اولاد الحرام لم يتركوا لاولاد الحلال حاجه وانهم اتحسدوا لانها قمر وهو قمرين ، وانها - اي جدتي - ستجد حلا للعين المدورة التي تخيم علي بيتهم وسعادتهم وتفسد عليهم ايامهم وحياتهم ... وقد كان وحاولت جدتي تنقذ الاسرة التي تعصف بها اعاصير الحمق والغضب ..

( 4 )
2014

يبدو اننا نعيش جنونا غريبا ، الجدران تهمس بقصص وحواديت ، الجدران تهمس بما يعتمل في روح السيدة العجوز وهي نائمه فوق فراشها وكأنها ميتة ..
نعم اننا نعيش جنونا غريبا ..
كنا تسللنا لنطمئن علي السيدة العجوزة في لحظه صمتها قبلما تحتل الشمس غرفتها من النافذة الشرقية ويوقظها صخب البائعين الجائلين في الميدان واصرار الممرضه لتعطيها ادوية النهار ، كنا نظن الغرفة هادئه وكنا نظن اننا سنطمئن علي العجوز ونرحل بسرعة ، لكن الجدران بدأت تحكي وتروي ، الجدران ناشدتنا نبقي صامتين مكتومي الانفاس لتحكي لينا سيرة تلك العجوز ورحلة حياة القاسية ..
ظننت في البدايه ان عقلي يطن بخيالاته الرعناء وان السيدة العجوز نجية صامتة نائمه والجدران ايضا وبقيه موجودات الغرفة ، لكن همسا واضحا يتسلل لاذني وروحي ، تصورت السيدة تتحدث ، لكنها لاتدري مافيها ولا بما حولها ، غارقة في نوم كالغيبوبة وربما غيبوبة كالنوم ، من اين يأتي الهمس ؟؟..
وسرعان ماادركت ان الغرفه تتحدث والجدران تحكي والمفروشات تقص وكأنهم جميعا كانوا يسجلوا ماعاشوه مع صاحبة البيت ، كأنهم سجلوا تاريخها ونقشوه علي صفحاتهم ، كأنهم خشوا عليها تغيب ووعيها يتلاشي وعقلها يتحول هلاميا فقرروا يسجلوا حياتها وكل ماعاشته في البيت وحضروه معها ...
واصبح الجنون مطبقا ، كل شيء يتكلم ولايتكلم ، كل شيء يحكي ولا يحكي ، شككت في نفسي ، تسللت للغرفه نعم ، تلصصت علي السيدة العجوز نعم ، لكني هل اعرف مالذي عاشته وانا لااعرفها ، هل احكي تاريخها الذي لااعرفه ولااعيشه ، يامثبت العقل والدين يارب العالمين ، من الذي يحكي لنا حكايتها ؟؟؟
من يعرف قصه السيدة العجوز ليحكيها لي ولكم ؟؟
لاتفزعوا وتهرعوا خائفين من الغرفه ، لاتجروا وتتكالبوا للخروج من بابها ، الجلبه التي تحدثوها وصرير الخشب تحت اقدامكم وصفير خطواتكم عليها ، كل هذا يحدث جلبه ستوقظ العجوز ، ستوقظ الممرضة فتأتي لتعطيها دواءها ، ستراكم متلصصين علي مريضها فتبلغ الشرطه عنكم ، تضحكوا ، الدور علي انا لاضحك ، لن تراني ولن تبلغ البوليس عني ، انتم من تسللتم للغرفه اما انا فكنت ارشدكم لتدخلوا ومعكم ولست معكم ، لاتفزعوا وتجروا ، اهدءوا واسكنوا اماكنكم ، فماستسمعوه يستحق صمتكم وكتم انفاسكم ....
كأني اسمع ضحكا ينبعث من الجدران ، كأن المرتبه البالية تحكي ، كأن الاطار المعووج علي الحائط المشقوق يقص ، كأن السجادة البالية تئن ، اسمع ضحكا ، اسمع همسا ، لن تسمعوا شيئا ، ستروه ، نعم ستروه ، لاترفعوا حواجبكم اندهاشا ولا تختلج قلوبكم خوفا فلسنا في حضرة العفاريت كما تتصوروا ولا توهمنا الاشباح بخرافات لاتعيشوها ، نحن نحيا لحظة خاصه جدا ، لحظه استعداد العجوز للرحيل ، لن ترحل قبلما تقص عليكم حكايتها ، نعم هذا اختيارها وسيمنحنا ملاك الموت وقتا لتقص وتحكي ، هذا طلبها الاخير ورغبتها التي لارغبه بعدها ، وكأنهم سألوها قبل الرحيل عن رغبتها الاخيرة ، ارادت تترك بصمه علي وجه الحياه التي عاشتها كلها دون بصمة كما تصور الاغبياء وبليدي القلوب واعمياء البصيرة ، ستترك بصمتها علي وجه الحياه وترحل ، لاتخافوا ولاتجزعوا ، يبدو انها طقوس الموت الهاديء التي لانعرفها ، فاحدا لايحكي ولم يحكي ابدا لحظته الاخيرة ، لكن السيدة العجوز نجية ارادت تحكي فكان لها ماارادته ، ستروا قصه حياتها امام اعينكم ، كأنكم صغار تجلسون تحت الملاءه السوداء تتفرجون علي صندوق الدنيا وصوت الراوي يقص عليكم معني ماتروه من مشاهد ، الجدران والمرتبة والاطار المعوج والسجادة البالية والمرتبه الهشة والمقعد العتيق وزجاجه العطر الخاوية والمشط المكسور وفرشاة الشعر السلك ، كل هذا سيحكي ويتكلم ، كل هذا سيقص عليكم ماشاهده بأم عينه عن حياة تلك السيدة العجوز قبلما تصبح كذلك ، هل صدقت ان الجماد سيحكي ، صدقوا ، ستمنحهم نثرات من روحها ليتكلموا ويضحكوا ويبكوا ، جسدها بلا روحها مثلهم ، ساكن اخرس ، روحها التي خزنت في تلافيفها تفاصيل حياتها وحكايتها ، ستمنح روحها لكل الجماد الذي شاركها رحلتها ليحكي وتحكي ، قفوا انتباه ايها السادة ، نحن من وقع اختيارها العشوائي علينا لنسمع حكايتها قبل الرحيل الاخير ...
ومازال النهار ساكنا والحي الذي كان هاديء لم يستيقظ بعد !!!
حدقت في السيدة العجوز فلمحت علي وجهها بقايا ابتسامة وكأن روحها سعدت لاننا منحناها تلك الفرصة ، ان تحكي وتقص هي وكل الجماد المحيط بها حكايتها التي لم يعرفها احد ....  

( 5 )
نجية

ابي يتشاجر مع امي لانها كثيرة البكاء وامي تتشاجر معي لاني كثيرة الصراخ وجدتي تتشاجر مع ابي لانه يقسو علي امي بلا مبرر ، البيت يشتعل من كثرة الصراخ والمشاجرات التي ماتنتهي حتي تبدأ وما تبدأ حتي تطول ..
امي خائفه يرميها ابي علي قارعه الطريق ويطلقها ويتزوج غيرها ، وابي ضجر من بكاءها والنكد الذي يعيش فيه وانا اصرخ وابكي طيله الوقت لاني عاجزه عن التعبير عن نفسي لاانطق وكأن عفريتا قص لساني ومزق حنجرتي واحبالي الصوتيه وترك لي بعض الاصوات العشوائيه التي لا تقول معني ....
ابي يشكو امي لجدتي ، لااحبها ولاتسعدني ، ابنة اختك نعم لكني لست مجبرا لافساد كل حياتي والعيش معها ، جدتي توصيه يصبر عليها فهي صغيره وبلا خبرة وحمل البيت ثقيل و " في ايدها عيلة صغيرة وممسوسة " ومسيرها- اي امي -  تتعلم وتعقل .. فيصمت ادبا لكن مافي قلبه ونيته في قلبه ونيته .
جدتي مصممة ان البيت مسكون باشباح الكراهية التي قص عليها الشيخ المبروك قصتها ، تلك الاشباح التي تلبد في الشقوق وتبث سمها في الهواء فيتسلل لارواح اهل المنزل يأسرهم ، اشباح بائسه تغير من اهل البيت وحياتهم فتبدل فرحهم شقاء وسعادتهم حزن وغم ، جدتي تبخر البيت وتقرأ ايات القرأن وتاخدني انام معها في فراشها وتخرس بكائي بحلوياتها ورشاويها الصغيرة ، فتهدأ الاحوال في البيت يومين وربما ثلاث حتي تناديني امي لتحممني او تصفف شعري الاكرت او تبدل ملابسي فتصرخ في واصرخ فيها فتشتعل الحرائق ثانية ، جدتي افصحت لامي اني ملبوسة وان العمل مربوط بثقل غارق في قاع البحر وان الشيخ المبروك هو الذي سيفك العمل ويرفع العكوسات ويحل لساني الذي ربطته اشباح الكراهيه لتفسد حياة امي وابي ، اقسمت جدتي برأس الغاليين لتعالجني واستأذنت ابي تعود لقريتها وتصحبني معها ، وافق ابي وكأنه ماصدق يتخلص من عبيء وصراخي ... 
حسمت جدتي امرها ورتبت حقيبتي واخذتني في حضنها ونمنا اخر ليلة في البيت الذي تهدم فور رحيلنا ، ايقظتني فجرا فودعت ابي وامي وسافرنا لقريتنا التي عالجتني بهواءها النقي وطيبه اهلها واصرار جدتي ...
مازلت اذكر صورا ضبابية لتلك الزيارة التي اخذتني فيها جدتي للشيخ المبروك ليحل عقد لساني ويفك النحس والاعمال السلفية واذكر بعض الصور الضبابية للايام التي سبقتها ، اخذتني جدتي معها للقريه ، ودعت امي واحتضنها وبكيت خائفه لااعرف لماذا ساتركهم واذهب مع جدتي بعيدا عن حضنها ، وتعلقت بحضنها رافضه اودعها واتركها ، كنت اصرخ كالمجنونه بل كنت مجنونه فعلا ، انتزعتني جدتي من حضن امي ووعدتها تعود بي سليمه معافيه وغمزت لها لتصلح مابينها وبين ابيها وتمنت حين تعود تجدهم سمنه علي عسل ..
نمت طيله الطريق في السيارة الكبيرة التي تقاذفتها المطبات والثقوب الكبيرة وسط الطريق تجري علي المدقات الترابيه بين القري والنجوع ، استيقظت في بيت جدتي بالقرية ، كان الظلام دامس والوقت ليل و" الكلوبات " تتراقص شعلتها علي الجدران مخيفه مرعبه ، التصقت بجدتي النائمه بجواري فاخذت تهدهدني بين ذراعيها حتي نمت ثانيه في حضنها ، استيقظت ثانية وسط الظلام لاجد الفراش خاويا منها ، هبطت منه ارتطم بالاثاث الذي لااعرفه ، وصلت للمطبخ ، كانت جدتي تجلس امام ماعون كبير تضرب في عجينه ، كان الفجر يشقشق بنوره الخافت والظلام ينسحب باشباحه وخوفه ، ابتسمت جدتي واحتضنتي بذراعيها الكبيرين ، رائحه الخبيز في ملابسها هدتء روعي ، ابقتني علي حجرها بضعه دقائق ثم افسحت لي فجلست بجوارها علي السجاده الصغيرة ، سمحت لي جدتي اعبث معها في الماعون ، ضحكت ، ضحكت جدتي واحتضنتي ، تشفق عليا مما صابني واثقه ان الشيخ المبروك حيهون الصعب ويحل المعقود ..
في الفجر الثاني ، ايقظتني جدتي وحممتني بالماء الدافء ورائحه الزهر وتشاهدت فوق رأسي والبستني ملابس جديده وقبضت علي كفي وسارت بي في طريق مظلم وخلفنا خادمتها انصاف تحمل قفصا كبيرا تفوح منه رائحه الفطير الذي خبزته مع جدتي ، قالت جدتي للشيخ المبروك الذي استقبلنا بعدما فرغ من صلاه الفجر ، قالت له اني خبزت الفطير معها ، وان الفطير فيه " اثري " وسلمته بؤجه فيها ملابسي ليقرأ في نسيجها تاريخ العمل السفلي ويكتشف طريقه حله ، ابتسم الشيخ ومسح بكفه علي راسي واخذ يتلاعب بشفتيه بحركات لاافهمها يتلو كلمات لم اعرف الا بعد سنوات بعيده انها ايات من القرأن مبروكه طاهره  ، غفوت تحت اصابعه الثقيله وهي تهدهد رأسي وكفه التي تجري علي كتفاي وظهري وتقبض علي اذناي وتكاد تمزقهما وتربت علي شفتاي طويلا ، ايقظتني جدتي فرحة تتمني شفائي السريع بعدما اكد لها الشيخ المبروك ان علتي ثقيله وهمي كبير وان العمل الذي اخرسني مشبوك في قاع مركب تتقاذفها الرياح في البحر العاتي البعيد ، طلب منها تكرار الزياره سبعه ايام ، فوعدته واوفت ، تراقبني وقتما نعود من عنده ، كففت عن الصراخ لان جدتي تركت لي الحبل علي الغارب ، الهو في الحديقه واطارد الفراشات وابو مقص والعب في القناه الصغيرة وتتوسخ ملابسي فاخلعها وتحممني وتترك شعري الاكرت طليقا لاتمزقه تحت قبضه فرشاتها الخشنه كأمي ، منحتني جدتي حريتي وعينها وعين انصاف يراقباني خوفا علي من خطر لااعرفه ، فقط يحمياني من الخطر ويتركا لي كل الحريه لاعبث في الحديقه والعب بالطين واتقاذف المياه من القنايه الصغيره مع خيالاتي والهو مع العصافير واقع واقف واجرح في ركبتاي فتطهر انصاف الجرح وتكتم دماءه السائله بقبضه بن وتحتضني وتتركني اعود لحريتي التي منحتها لي جدتي عامدة متعمده ، احستني حبيسه ولم تفهم سر اسري وعقده لساني فحاولت بفطرتها تطلق حريتي عل لساني يحلق معها واغرد مثل كل الاطفال الاخرين ...
احببت جدتي اكثر واكثر ، انقذتني من صارم اوامر امي وشجار ابي والهواء المكتوم الثقيل والدموع التي تنهمر علي وجنتي امي لاتكف ، انقذتني ومنحتني حريتي وتركتني الهو براحتي ، اكتشف الدنيا حولي والهو معها ، لاحقتني جدتي بالابتسامات المطمئنه ولم تنهرني في اي لحظه طيله اقامتي معها ، فلم اصرخ ، تركت لي الحياة الهوا معها براحتي فتحررت روحي وسقطت الجدران الفولاذيه التي تحبسني خلفها بعيدا عن الحياة ، اجتاحت روحي سعاده ، اول مره منذ ولدت لااشعر اني محبوسه في غرفه زجاجيه محظور علي كل شيء ولااحد يفهمني ، كففت عن الصراخ فاتصلت جدتي بابي تزف اليه شفائي وان امارات الشيخ المبروك ظهرت علي ورجته يدلل امي ويعتني بها وانها العروس التي اختارته له قبلما تولد وان النصيب وعد ومكتوب ، وحذرته لو تزوج غيرها ستقاطعه حتي تموت ولن تسمح لها يقف علي قبرها وياخد عزاها وانها لاتقوي علي غضب اختها ولا كسره قلب ابنتها ، انصت لها ابي صامتا وهو يعدها بأن يفعل الخير ولم يصارحها انه تزوج فعلا بست الستات التي اسعدت قلبه بعدما نكدت عليه ابنة اختها حياته ، رجاها تبقيني معها حتي نهايه الصيف ، شكرته لان هذه امنيتها لاني اؤنس وحدتها في البيت الكبير وجعلت لحياتها هدف وانهت مكالمتها الطويله معها وهي توصيه خيرا بامي لا تتصور ابدا مافعله فعلا فيها ...

( 6)
حياة

الهو مع اختي الكبيرة في الشرفة القبلية ننتظر المولود الجديد لابينا ، نعم اليوم زوجة ابي تصرخ وتتوجع وآلام الولادة تداهمها وبجوارها الحكيمة تساعدها وجميعنا يدعو لها تقوم بالسلامة ..
جدتنا طردتنا من صالة المنزل الذي يدوي فيها صراخ زوجه ابي عاليا ، طردتنا من الصاله للشرفه القبليه البعيدة وطالبتني ابقي مع نجية نلعب حتي يأتي المولود بفرحته ، اخذت نجية وخرجنا للشرفة ، هي اختي الاكبر مني بثلاث سنوات لكني وكأنني الاكبر ، فانا اتحدث بطلاقة وبكلمات مفهومة واسمع تعليمات امها وابي وجدتنا واشرحهم لها بطريقه تفهمها بالاشارة واللعب والضحك والكلمات ،
جدتنا تجلس في الصالة تقرأ في المصحف واصابعها تجري بسرعه علي السبحة الكهرمان تدعو لزوجه ابي ليهون عليها وتنصت السمع وسط الصراخ العالي علها تلتقط صرخة الصغير الاولي في الدنيا وبشاره ميلاده ، تدعو لابي يأتيه ابنا ذكرا بعد البنتين ليحمل اسمه ورايته ويمد جذور شجرته في ارضها الطيبة ..
نجلس انا ونجية علي ارض الشرفه نلهو بعرائسنا القطنيه التي فصلتها لنا جدتنا ، نصفف جدائلها الطويله التي صنعتها انصاف من بقايا الخيط الاسود الذي شغلت به شال جدتي الكبير ، عروستي وعروسة نجية يتراقصا علي صوت غنائي وتصفيق نجية ،  ارفع صوتي انادي علي اختي لتغير لعروستها ثوبها ، مازالت تصفق وكأني مازلت اغني ، ارفع صوتي اكثر واكثر ، تلتف لي ، اخيرا سمعتني ، نعم نجية اختي الكبيرة تعاني من مشكله في سمعها ، هذا ماسمعته من الحديث الهامس بين ابي وجدتي وقتما جلس امامها يقص عليها مااخبرها به الطبيب ، الحكيم قالي ان سمعها تقيل وان ده سبب كلامها الملخبط ، ضربت جدتي بقبضه يدها علي صدرها حزنا لان علاج الشيخ المبروك لم يثمر في الارض المالحة الا وجع لن يفلح يشفيه احد الا الشافي المعافي ، ساخرة من ابي واهتمامه بالحكيم وكلامه  ، شرح لها ابي ان الحكيم سيداويها ويمنحها بعض النقاط الشافيه في اذنها واخبرها ان الطبيب اوصاه يتحدثوا معها كثيرا حتي تعتاد سماع الاصوات والكلمات وتتعلم نطقها وتجتاز حظها العثر الذي افسد اذنيها فربط لسانها وقسي الاخرين عليها فتعاملوا معها وكأنها بلهاء عبيطه لانها لاتسمعهم جيدا ولا تجيب بكلمات مفهومه علي حوارهم معها ..
في ذلك اليوم ارسلت جدتي مرسالها ليحضر انصاف وابنتها زبيده من البلدة وخصصت زبيده لترافق نجية وتتكلم معها طيله الوقت ، قالت لابي انها لاتصدق كلام الحكيم لكنها ستسايره علها تشفي وبركه الشيخ المبروك وسيدنا النبي تحل ..
صارت زبيدة كظل نجية لاتفارقها ، تحدثها طيله الوقت بصوت عالي ، ويوما بعد يوما اخذت الكلمات الممضوغه والاحرف المكسرة تنسكب من بين شفتي نجية تقدما في حالتها الصحية لاحظه الجميع ، واكم من مرات ضحكت جدتي حينما تنطق نجية كلماتها بذات الطريقة القروية التي تتحدث بها زبيدة ، تضحك وتتمني ربنا يتم شفاءه عليها ..
مازالت زوجه ابي تصرخ ومازالت جدتي تنتظر الوليد الذي تتمناه ذكرا ومازلت العب في الشرفه مع نجية ، اغني وتصفق وتتراقص عرائسنا ونبدل لها الاثواب وانا اغير الاغنيات وكانهم في مسرح المدرسه التي اذهبها انا ونجية ..
لم افهم ابدا لماذا زوجة ابي ليست امي ، مازلت اذكر اللحظه التي اتي ابي لبيت جدي ليصحبني اعيش مع اختي وزوجته ، لم تكن امي في البيت ، فقط جدي وجدتي وانا ، كنت صغيرة جدا لكني اذكر تلك اللحظة جيدا ، بل واذكر ايضا لحظه رحيل امي مع زوجها لبيتها الجديد ودموعها وهي تودعني ووعودها لي بان ترسل لي من يذهب بي لبيتها الجديد وحضنها ، الغريب اكثر واكثر اني اذكر ابتسامه زوجها وصمته الطويل متجاهلا سؤالها ، مش كده يافتحي ؟؟ صمت طويلا ولم يجيبها فتصورت صمته قبولا لحلمها بضم صغيرتها لحضنها مره ثانية ، نعم امي رحلت مع زوجها الجديد الذي خطبها بعد انقضاء العدة وتزوجها خلال شهرين بعدها ، فحين طلق ابي امي وغدر بها كم يقولوا جميعا ، اقسم ابيها برأسه اجداده ان يزوجها فور انتهاء العدة ، وقتها لم اكن قد اكملت سنتين من عمري ، قضيت منهم سنه في بيت جدي وامي غاضبه لان زوجها اعاد زوجته الاولي لعصمته او سيعيدها لاتعرف بالضبط وقتها مالذي يحدث وجدي يفرض سياجه الحديدي عليها يمنعها تتصل بزوجها وتعرف اخباره ، طيله تلك السنة كانت امي لاتكف عن البكاء علي حظها الاسود الذي يحرمها من ابي زوجها الذي تحبه دون ذنب او جريرة ، تبكي علي حظها الاسود الذي اوقعها في بدايه عمرها في الزوج المدلل الذي تركها في البيت تعوي وانصرف للغانيات يعبث بفجر وفحش طاردتها سيرته في كل مكان ، طلقت من زوجها الاول وعادت لبيت ابيها تنتظر الحظ الذي سيطرق باب ابيها ويطلبها للزواج ، ولم يطول انتظارها ،  طرق ابي الباب وشرح لابيها ظروفه وانه سيطلق زوجته ويتمني القرب منه ، وافق جدي بسرعه وزغردت جدتي وكيف لاتفعل والعريس الذي سيصلح حظ ابنتها المائل رجل قيمه وسيمه ووظيفه ميري واملاك واطيان وزينه الرجال وبسرعه تزوج ابي بامي وغير منقولات الشقه التي عاشت فيها زوجته الاولي وكانت ايام هناء لابي وامي الذي صالحهما الزمن بعد ان مال حظهما في الزيجه الاولي لكل منهما ، حملت امي بسرعه فزغردت جدتي وفرح ابي وتمني ذكرا لكني الحكيمه اخبرته وهي تخرج من غرفتها بعد صراع طويل مع انقباضات رحمها المتعثرة ، اخبرته الحكيمه انه زرق بفتاة زي القمر ، سمتني امي حياة ، كانت تراني حياتها وحياة ابي وتصورتني ربطت بينهما رباطا ابديا ، كنت زي القمر ، هكذا قالت امي وهي تصفني وقت ميلادي ، قمر وشعري اسود ناعم وعيوني زرقاء ناعسة وتصورت امي ان الحياة ابتسمت لها وصالحتها ، لكن جدتي ام ابي لم تترك امي في هناءها ، عرفت امي قبلما تلد ان جدتي اتت من القرية بصحبتها حفيدتها البكريه وانها زارت ابنة اختها وتوسلت لها تفتح الابواب الموصده وانها لحمهم ودمهم والي يوجعها يدبحهم ، عرفت امي ان جدتي ترفض زيارتها وترفض التعرف عليها ودعت امي تلد ذكرا يشفع لها عند جدتي ويكسر الحواجز بينهما ، بكت امي خوفا علي زوجها وتأثير امه عليه ، طمئنها ابي انه يحبها ولن يحب غيرها وانه لم يعش حياته الا معها ، حاول يطمئنها لكنه فشل ، جدتي ايضا لم تترك امي في حالها ، اتصلت بها في التليفون وعابت عليها انها خطفت ابنها من زوجته وانهم اهل وان الظافر لايخرج من اللحم ولن يخرج واللي يتكسر يتصلح ، وامرتها ترسل ابي لتراه في بيت اختها ، اتصلت به امي في عمله واخبرته وهي مقهورة من كثره البكاء ان الحاجه اتصلت وتنتظره في بيت خالته ، لم تبلغه ببقيه كلامها حزينه مقهورة لان الحاجة ستخرب بيتها ، فهم ابي الرساله وان امه التي تصورها صفحت عنه مازالت تحمل في نفسها مرارة تطليقه لابنة اختها ، يومها عاد ابي للمنزل مرهقا تعبا ونام بعمق وحين ايقظته امي ليذهب لامه قبله رأسها وقبلني وانا جنين صغير في بطنها ووعدها سيذهب ولن يتأخر وسيقضي معها بقيه الليلة ، لم يكن يعرف الذي تضمره له جدتي ولاامي ايضا تعرف ...


نهاية الجزء الاول ويتبعه الجزء الثاني 

هناك 3 تعليقات:

rasha farouk يقول...

حلوة جداا الحدونة
بين العجوز ونجية وحياة وفتاة تتلعثم , اسكنتينا الحياة مع هذه الاسرة يا استاذة ..
وكأنكى تسردين الروح والحياة المصرية , التى افتقدنا رؤيتها والوانها ورائحتها فى كل الكتابات

rasha farouk يقول...

. بعد التهنئة على التميزوالطرح الهائل الذى لمس قلبي وجال بعقلى فى مشاهد سينمائية متلاحقة ودى مش مجاملة واقسم بالله على ذلك , ولكننى سأخبرك بما استثرنى للمواصلة , تلك الجزئية "السكون مازال مخيما علي الميدان الكبير الذي تحاصره الابراج القبيحه العاليه ووسطها البنايه الصغيرة التي لم يفلح ملاكها في هدمها مثل بقيه المباني فصمدت وسط الابراج تصارع سطوتهم وظلالهم التي اغلقت نوافذها وارتفاعاتهم التي منعت موجات الاثير تصل لتلفزيونات قاطنيها وحكمت عليهم بفقر مهين وسط كل محدثي النعمة الذي اشتروا شقق الابراج القبيحه وجاوروهم في الحي الذي كان انيق" .. هى واقع اعيشه بنفس الوصف الدقيق والذى نقل لى احساس وثيق بأنكى تعيشين فيه معنا , وشعرت كأنك تكتبين عنى وعن بنايتى التى مازالت مستمرة فى الحرب من اجل البقاء ..... مازلت أقرأ ومازالت حواسي مشدودة بسردك , فشكرا لكى على هذا الصباح الجميل الذى اهديتينى اياة ........

Emad Khalaf يقول...

في كل مرة أقرأ فيها نصاً لك أستاذة اميرة أعود محملاً بالكثير من الحقائب التي تفيض عذوبة ونشوي ورومانسية وحكاية أمراة محظوظة مزيج من الروحانية والصدق والوحدة والرضا والحنان فمنذ أن وقعت عيوني علي أول حرف وكلمة وعبارة ـ ومع توالي الأحداث وتتابعها أذهلني سحر الأسلوب وشاعرية الكلمات فهذا النص أعتمد في الاساس علي " اسلوب السينما " الفلاش باك " حيث يعود بالذات من خلال الذاكرة والاعتماد علي نجيه ومن تحكي علي اسلوب الاسترجاع من خلال لوحة جميلة تشكلت في الذاكرة بكل تفاصيلها وكأننا أمام مستقبل يعود بنا للماضي لرسم الحاضر ـ لحظات من الشوق والألم ـ ورغم قبح المكان الذي تحول مع مرور الوقت والزمن الي علب سردين معبأة بالبشر فكل هذا لا يهم ولكن مايهمنا هو الصباح الذي يبدو هادئ والسكون مازال مخيما علي الميدان الكبير الذي تحاصره الابراج القبيحة العالية ووسطها البنايه الصغيرة التي لم يفلح ملاكها في هدمها ـ منذ اللحظة الأولي نحس أننا أمام لوحة جميلة ـلن نبقي طويلا وسط الميدان ، ولن نحدق كثيرا في الابراج القبيحه ولا بقايا الاشجار التي كانت وارفه وعاليه حتي خنقتها الابراج الاسمنتية العالية ، سنترك الميدان ونعطيه ظهرنا ونتسلل للبنايه الصغيرة ، سندخل من السور الحديدي ونصعد ثلاث او اربعه درجات مالت استقامتها تحت وطأة الضيوف الكثر الذين صعدوا وهبطوا طيله عقود متلاحقه يشاركوا اصحاب البنايه حياتهم فرحهم حزنهم ايام عمرهم ــ لنجد أنفسنا أمام رائعة من روائع أميرة بهي الدين النفس البشرية التي تتفنن في قراءتها ــ لترسم لنا لوحة رائعة من لوحاتها التي اعتادت علي نقشها بريشتها ـ نجية قصة لم تكتمل حال الفراق وهكذا الدنيا لن تصل النهاية المرسومة لها أنها لعبة القدر والناس كالعادة تنسي تتغيير والحياة تستمر ـ دمت لنا كاتبة رائعة متميزة استاذة اميرة وتحياتى لحضرتك