مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 5 أغسطس، 2014

زهور وردية واغنية عشق وبعض الوجع ( الجزء الاول )


La Vie En Rose الحياة بلون الوردي
Des yeux qui font baisser les miens العيون التي تنظر إلي
Un rire qui se perd sur sa bouche البسمة التي اختفت عن وجهه
Voilà le portrait sans retouche هذا وصف بدون تجميل
De l’homme auquel j’appartiens للرجل الذي أنتمي اليه
Quand il me prend dans ses bras عندما يضمنى بين ذراعيه
Il me parle tout bas ويحدثني بنعومة
Je vois la vie en rose أرى الحياة باللون الوردي
Il me dit des mots d’amour يقول لي كلمات عن الحب
Des mots de tous les jours كلمات كل الأيام
Et ça me fait quelque chose وهذا يجعلني شيء ما
Il est entré dans mon coeur لقد دخل إلى قلبي
Une part de bonheur جزء من السعادة
Dont je connais la cause الذي منه أعرف السبب
C’est lui pour moi, moi pour lui dans la vie هو لي ,أنا له طول العمر
Il me l’a dit, l’a juré pour la vie هو أخبرني بها, أقسم بها لأجل الحياة
Et dès que je l’aperçois و من الأشياء التي ألاحظها
Alors je sens en moi الآن أستطيع ان أشعر به فى
Mon coeur qui bat قلبي الذي يخفق
Des nuits d’amour à plus finir في ليالي الحب التى لا تنتهى
Un grand bonheur qui prend sa place سعادة هائلة تأتي إلى مكانه
Les ennuis, les chagrins s’effacent الألم والإنزعاج ينمحان
Heureux, heureux à en mourir سعادة سعادة حتى الموت
Quand il me prend dans ses bras عندما يضمنى بين ذراعيه
Il me parle tout bas ويحدثني بنعومة
Je vois la vie en rose أرى الحياة باللون الوردي
Il me dit des mots d’amour يقول لي كلمات عن الحب
Des mots de tous les jours كلمات كل يوم
Et ça me fait quelque chose وهذا يجعلني شيء ما
Il est entré dans mon coeur لقد دخل إلى قلبي
Une part de bonheur جزء من السعادة
Dont je connais la cause الذي منه أعرف السبب
C’est toi pour moi, moi pour lui dans la vie هو لي ,أنا له طول العمر
Il me l’a dit, l’a juré pour la vie هو أخبرني بها, أقسم بها لأجل الحياة
Et dès que je l’aperçois و من لأشياء التي ألاحظها
Alors je sens en moi الآن استطيع ان اشعر به في
Mon coeur qui bat قلبي الذي يخفق




 ( 1 )
2010
جاردن سيتي


انه مشهد عادي جداااا
السيدة العجوز ذات الثمانين عام تموت !!!
مستلقاة علي فراشها الوثير ، شاحبة بطيئة الانفاس وكأنها تستعد للرحيل !!!
مشهد عادي جدا ، يجلب الحزن للقلوب ، يفجر الدموع في العيون ، يدمي الارواح ، مااقسي الرحيل ووجعه !!!
لماذا تموت ؟؟ هذا ليس مهم الان ، مريضة ربما ، شاخت روحها وتاقت للرحيل ربما ، هرم جسدها وتحللت اجهزته ربما .... لماذا تموت ، هذا ليس امر نقف عنده الان بالذات ، المهم انها تموت ، مدام نبيلة تموت !!!
همست الخادمه فاطمة للسفرجي العجوز عثمان ، شكل الهانم بتودع ، هز السفرجي العجوز رأسه تأسيا ، ايه ، كلنا لها ...
اطلب الدكتور ياعثمان ، لاتفهم كلام الخادمه مثلما فهمته ، لاتفهم كلامها باعتبارها تنتظر طبيبا يداوي سيدتها او يحضر لحظه خروج السر الالهي ، هي لاتتحدث عن اي طبيب ، هي تأمر عثمان ليطلب ابنها الوحيد الدكتور الكبير الدكتور رشدي الاناضولي ، الدكتور الكبير المشهور ، تأمر عثمان يطلبه ليترك كل مافي يده وياتي ليعايش امه لحظه احتضارها وربما يشهد نفسها الاخير يغادر جسدها الوهن!!!
حزينه فاطمه ، نعم ، رغم كل شيء حزينه ، صحيح نبيلة هانم تسبها طيله الوقت وتسخر منها ولايعجبها العحب ولا الصيام في رجب ، لكنها روح برضه يعز عليها فراقها ...
دخلت اليوم عليها غرفه نومها ، وجدتها شاحبه صامته ، صباح الخير ياهانم ، لم ترد ، اجيب القهوه ، لم ترد ، افتح الستاير ، لم ترد ، حضرتك سامعاني ياهانم ، لم ترد ، اقتربت فاطمه ببطء صوب فراشها ، الجسد النحيل الهرم مستلقي علي ظهره وعينيها مغلقتين وكأنها ماتت فعلا ، همست ، نبيله هانم ، لم ترد عليها ، انفاس بطيئه تمزق الصمت بوهن مخيف ، تصورت فاطمه ان الست نبيله هانم حتمشي خلاص ، ارتبكت ، خرجت بخطي مسرعه واغلقت الباب وهرعت لعثمان ، المدام شكلها حتودع ياعثمان ، وانفجرت في البكاء !!!
يحدق عثمان السفرجي النوبي العجوز في فاطمه فتنهره ، ياعثمان ، اتصل بالبيه الدكتور ، نخلص ذمتنا من ربنا ، ماهي مش يتيمه حتموت فطيس كده ولا حد يعيط عليها غيرنا ، احنا حياله خدامين لامن دمها ولا من لحمها ، اتصل بالبيه الدكتور ، قوله يجيي ينهضنا ويلحق الست الهانم وهي بتلاقي ربها !!!
جلست علي المقعد الخشبي وعقدت كفيها فوق رأسها الصغير ودموعها تنهمر بحيرة صغيرة فوق سطح المنضده ، حاضر حاكلمه يافاطمه ولو اني يعني مش خايل علي اللي بتقوليه !!!
وامسك التليفون وبعصبيه يلف قرصه العتيق وهو يسترجع في ذاكرته الارقام المحفوظه منذ زمن بعيد للحظه عصيبه كالتي يعيشاها والست الهانم بتموت !!!
ينهي المكالمه ويجلس علي مقعد امامها ينتظرا مالا يعرفاه !!!
جرس طويل حاد يمزق صوته سكون اللحظه ، جرس طويل طويل ، وكأنها تصرخ بصوتها الوهن المسرسرع انت يابنت يافاطمه ، انت يافاطمه ، ترتبك فاطمه ، توصي عثمان وهي تجري ، كلم البيه الدكتور يلحقنا ، تجري صوب غرفه المدام لتنقذها او تنجدها او تلقنها الشهادتين ، تفتح الباب وجله تصرخ فيها السيدة ، مش تخبطي يابجمه ، اتجننتي ، تفتحي الباب فجأ كده ازاي وتخشي زي الجحش الصغير كده ازاي ، ترتبك فاطمه ، بردون ياهانم افندم ، ترفع مدام نبيله رأسها الصغيره من فوق المخدة الوثيرة وتهمس ، هاتي المراية وافتحي الستاير !!!!

( 2 )
1949
ميامي

تجلس بجوار امها تحت الشمسية كاكل البنات المهذبات كريمات البيوت الراقية  ، تتابع الامواج الصغيرة التي ترطم الشاطيء ورماله اتية محملة برسائل الحب الصيفي من صخرة العشاق الرابضه وسط البحر وتبتسم وكأن الامواج ستأتي لها برساله من فارس احلامها الذي سرعان ماسيحملها علي جواده الابيض للسعادة والحب ، جميلة انيقة ملفته للنظر مثيرة للاعجاب ، هي نبيلة الكرملي ، زهره شاطيء ميامي ومحط انظاره هذا الصيف ، شقيقتها الاكبر تزوجت في بدايه الشتاء واتي دورها حسب تقاليد الاسرة واوامر الباشا لتتقدم طابور العرائس والمرشحات للزواج في الاسرة العريقة الثرية ، من الذي سيفوز بها وبقلبها وبنسب الباشا ومصاهرة تلك الاسرة العريقة ، سؤال يدور في الكبائن وتحت الشماسي علي الشاطيء الراقي ، تلحظ امها الزيارات المفاجئه علي الشاطيء من نسوة الكبائن المجاورة سيدات سرايات المنيل والزمالك وقصور الحلمية يعاين جمالها وادبها ويتحدثن بتلقائيه عن اولادهن الشباب الذين يبحثون عن نسب يشرف وعروس تزين البيت وتسعد الروح ، تستقلبهن الام بتحفظ وابتسامه صغيرة دون وعود ودون ترحيب زائد يفسر بشكل خاطيء ويوقف سوق ست البنات وسط العرسان المعجبة المتمنيه منها نظرة الرضا ، الشباب يحوم حول الشمسية وكأنه لايقصد اعجابا ولا غزل ، امها توصيها توزع الابتسامات الشارده علي الجميع وكأنها لاتقصد ولا تعني ، توصيها  تتجاهل نظراتهم المعجبة واعجابهم المفضوح فبنات الاسرة الاصيلة لايخطبن من البلاج ولا يردن نظرات الاعجاب للشباب...
يقترب شوكت من الشمسيه ومعه مجموعة  اصدقاء ، يقبل يده امه ووجنة شقيقته ، ترحب امه به وباصدقاءه ، بنسوار ياهانم ، يهمس احدهم فترد الام له التحية دونما تحول عينيها صوبه ، يشرح لها شوكت انه مراد ابن مرعي باشا وطنط عزيزة  ، تبتسم الام وتمد له يدها ليقبلها وتسأله عن امه وتحمله سلامها وتحياتها لها ، يشرح لها شوكت ان مراد مسافر بعثه لفرنسا في نهايه الصيف ، تتمني له الام التوفيق والنجاح وتصمت مأخوذه بخبر سفره و كأنها كانت تتمناه يبقي في مصر ويتعرف علي ابنتها الجميلة ، يودعهم شوكت وبقيه اصدقاءه ، يلوح مراد مرعي لنبيلة مودعا ، ترتبك لانه خصها بوداعه ، ترد له امها التحية والوداع وتتمني له الخير و............... تجري شهور الصيف بسرعه ونبيلة تزداد تألق وجمال والعرسان يحوموا حول شمسيتها وشرفة منزلها ويتوقع الباشا ان تزف نبيلة لعريسها قبل الصيف القادم وسرعان مااتي الدكتور اناضولي مسرعا ليحقق للباشا توقعه وامنياته.....

( 3 )
2010
جاردن سيتي

جرس طويل يرن في المطبخ ، تجري فاطمه صوب غرفه نبيله هانم ، تطرق الباب وتفتح ، اؤمريني ياهانم ، اندهي عثمان وتعالي معاه ، امرك ، تخرج فاطمه مسرعه وتنادي عثمان ، الهانم عايزاك وعايزاني!!
يسألها ناجي جالسا بجوارها ، عايزه عثمان ليه ياآنة ، حتعرف حالا ، تضحك وهي تقبض علي ذراعه ، هات حضن ياروح آنة اصلك علي طول واحشني ، يضحك ، كعادتها تحاول صرف انتباه عما ستفعله ، اكيد في مصيبه ، همس لنفسه وهو يأخدها في حضنه ..
طرق عثمان الباب ، خش ، اؤمريني سعادتك ، اشارت لفاطمه لتدخل ، هي المخبله فاطمه قالت لك اني حاموت صح ؟؟ يرتبك عثمان وترتعد فاطمه ، طيب كلمت ناجي ليه ، ماكلمتش ليه الدكتور رشدي ؟؟ يرتبك عثمان ، كلمته وماردش عليك ، يصمت عثمان ، تنظر لناجي ، ولا رد وقالك مش جاي تموت في ستين داهيه ، ينتفض عثمان ، لايافندم ، ماردش ، عادي عمره ماحيرد عليك ، مش عايز يحضر لحظه موتي ، مستني اموت علشان يجيي ويورث ، طيب يالا امشي بره واقفل الباب وراك ، يهرعان عثمان وفاطمه بعيدا ويغلقا الباب ..
تبتسم لناجي ، شفت ابوك الناقص ، انا عارفاه وحافظاه ، وعارفاك وحافظاك انت كمان ، لو كنت سالتك عن ابوك ، كنت كذبت زي كل مره وقلت لي مشغول مش فاضي مايعرفش ، قلت اتأكد من عثمان انه عرف وماجاش !!!
يربت ناجي علي كفها العجوز ، ياآنة ماانت عارفه ابنك ، ضحكت وهي تسعل وعينيها يدمعا قطرات سوداء من كحل سائح ، عارفاه طبعا ، ندل زي ابوه ، لايتحكم في هو وامك يايتجاهلني ، عارفاه طبعا ، عمره ماحبني ولا بيحبني ، اديني حاموت واسيب له البيت والارض والصيغه علشان يستولي عليهم زي مااستولي علي كل حاجه ، يرفع ناجي حاجبيه دهشه ، ياأنة انت متضايقه منه وعارفه انك بتقولي اي كلام بردون يعني ، ليه ، هو لما ابوه مات اداني ورثي ؟؟ يضحك ناجي ، ياآنه انت غريبه قوي النهارده ، جدو لما مات كان مطلقك من عشرين سنه وكنت متجوزة جدو مرعي ، يبقي ميراث ايه بقي ، تضحك نبيله ، انت مش عارف حاجه خالص ياناجي ، انا عشت مع جدك ست سنين وعذبني 4 سنين علي ماطلقني ، كان لازم يعوضني عنهم بثروته كلها ، كل يوم بميت سنه ، ابوك كان لازم يديني الميراث كله ، يعتذر لي نيابه عن ابوه الظالم ، لكن ابوك زي ابوه ظالم ، كلهم زي بعض ، الا انت !!
يضحك ناجي ويضحك ، يربت علي يديها مبتسما ويحسها تهذي ، تضربه بطرف اصابعها ، انا مش بخرف انا لسه عاقله وماسكه راسي كويس ، انا باتكلم بجد ، سيبك بقي من ميراث جدك وخلينا فيك ، انت زيي ، حبيبي ، حته من قلبي ، ابني انا ، طيب زيي ، لكن عارف نفسك ، عارف انك فوق والدنيا كلها تحت ، متواضع اه ، زيي ، ينفجر ناجي ضاحكا ، اه انا كمان متواضعه بس مش قوي يعني ، انت متواضع ، لكن عارف نفسك ، ومش ظالم ، اوعي ياناجي تظلم صاحبتك ، اوعي تعاملها وحش ، اوعي تبخل عليها بحبك ، دلعها ياناجي ، الستات زي الورد يموت من العطش وميته الكلمه الحلوة ، انت زيي ، انا دلعت كل راجل اتجوزته ، كنت احبهم وادلعهم وهما طبعا يدلعوني ، انت زيي ، تحب الدلع والحنية ، بقولك ايه!!
ينصت لها ناجي وهو مبتسما ، المره الجايه لما عثمان يقولك اني بموت ، ماتكلمش ابوك ، تعالي اقعد جنبي علشان اموت في حضنك ، وابقي قوله بعدها علشان يجيي يورث !!! اتفقنا ، يحتضنها ناجي ويدعو لها بطيله العمر ، اتفقنا ، لا طبعا ، ولد خنزائور صحيح !!! ويضحكا ويضحكا !!!!

( 4 )
1950
منيل الروضة

النهارده جاي لينا ضيوف مهمين يانبيلة ، هكذا اخبرتها امها بطريقه موحية لتفهم منها مالذي عليها عمله في تلك الزياره ، عريس جاي يخطبك ، شرحت لها المربية العجوز ، تخليكي مؤدبه ، همست امها بصوت خفيض توصيها بسلوك لائق تعلمت نبيلة طريقته طيله حياتها للحظه هامه مثل التي ستعيشها بعد ساعات قليله ، لو ماعجبكيش ارفضي ، اوصتها المربية وشرحت لها ، بكره ييجيي احسن منه ، اهم حاجه يعجبك انت !!!
ضيوف مهمين !!! اخيرا فهمت نبيلة معني  الهمس الخفيض الذي تبادلته امها مع ابيها علي مائده الافطار ، فهمت سبب زياره مدام تهاني الخياطه لمنزلهم بفستان جديد انيق ، فهمت سر صناديق الجاتو التي دخلت المطبخ يحملها رجالا اشداء يرتدوا قبعات مسيو جروبي الحلواني ، فهمت سبب صراخ امها في الخدم لان الصالونات لاتسطع كما تريد من شده النظافه ، فهمت النظرات الغريبه التي كان يرمقها بها ابيها الباشا منذ صبحت عليه وقبلت يده صباح اليوم ، كأنه لايصدق ان صغيرته الجميله كبرت ويأتيها الخطاب !!
ضحكت الخادمه العجوز وهي تجهزها لمقابله الضيوف المهمين ، خراط البنات خرطك ياست نبيلة من زمان واستويت وطلبت الاكاله ، خجلت نبيله من كلمات مربيتها العجوز لكنها فرحت لان عريسها سيخطبها ، ستتخطب وتتزوج ، تضحك سعيدة وخجله  ، صار عريسها رغم انها لم تراه ولاتعرفه ، صار عريسها وصارت عروسته ، واحبته قبلما تراه ، سيخطبها و.........سرعان مايتزوجا ، لاتعرف معني الزواج لكن الكلمه تسعدها وطقوس الفرحه تسعدها اكثر واكثر ، فستان ابيض انيق وطرحة دانتيل وحذاء ستان وخاتم ماسي كبير وحفل زفاف انيق وضيوف ومعازيم ودقوا المزاهر يالا يااهل البيت تعالوا !!!
استعدت نبيلة لمقابله العريس واسرته ، سمعت كلام متناثر عن عائلته الحسيبة وثروتها الكبيرة ومركزه المرموق واعجابه بجمالها وقتما شاهدها في فرح ابنة عمتها ، اعجب بها وبسرعه طرق السراي من بابه الكبير يطلب يدها !!!
تحممت وصففت شعرها وحين اقتربت الخامسه ارتدت الثوب الانيق ومنحتها امها قلاده ماسيه زينت بها صدرها ، قطرات عطر رقيقة خلف اذنيها وعلي معصميها وعلي صدرها و........... بقيت في غرفتها تنتظر نداء ابيها واذنه لها لتقابل العريس الذي احبته قبلما تراه !!!
تسمع الصخب في منزلها ، اوامر امها ، صوت الصيني " الليموج " الانيق يرص علي منضده الشاي الفضية ، الطقم الفضة "المارلي " خرج من ادراجه القطيفه ونظم باناقة بجوار الفناجين ، امها ، تستعد بكل انتباه وحرص لتلك الزيارة ، الضيوف مهمين والعريس " مناسب" وظيفه مرموقة واسرة ثرية ومستقبل باهر ووسامه ستتأكد منها نبيلة بنفسها وقت المقابلة ..
ومازال الصخب عاليا هي في حجرتها تنتظر اذن ابيها لتهبط سلم القصر وتقابل العريس واسرته ، جالسه مرتبكه امام المرأة تحدق في وجهها ، عيون عسليه واسعه ونمش برتقالي يزين خديها الورديين ، طلاء شفاه لامع يزيد شفتيها المكتنزتين جمالا ، خصلات شعرها البنية تتطاير في عبث انيق وجميل علي كتفيها ، فستانها الزهري يزيد لون وجهها جمالا ، حزامه الستان يفصح عن خصر مغري بالرقص والاحتضان،..
طرقات صغيرة علي باب حجرتها ، المربيه العجوز تهمس ، ياهانم ، الباشا بينده عليكي ، بيقول لحضرتك اتفضلي انزلي ،تهمس ، يالا قومي ، تتحرك ببطء صوب الباب ، تسألها شوفتيه ، تضحك المربيه وتحضنها ، قمر ، ربنا يتمم لك بخير ياحبيبتي ..
تهبط نبيلة علي السلم مبتسمه جميلة بخطوات راقصة وكأنها فراشه ملونه تلهو وتتقافز علي الزهيرات الحمراء في حديقة السراي  ،يحتلها الفضول وهي تقترب من بهو القصر ، في الصالون يجلس الضيوف الذي استعدت لاستقبالهم طويلا والعريس القمر كما وصفته المربية العجوز و......... تعالي يانبيلة ، يهمس ابيها الباشا ، تقترب منهم وتراه بجوار ابيها ، الدكتور مراد الاناضولي يانبيلة ، سلمي عليه ، سلمي علي عريسك وتتعثر وتكاد تسقط علي الارض من شده الخجل ، فيضحكوا جميعا وتتمتم المربية العجوز، من شر حاسد اذا حسد وصدحت الزغاريد تملأ سماء السراي الكبير الرابض بشموخ واناقه علي شط النيل في منيل الروضة !!!

( 5 )
2010
جاردن سيتي

تحكي نبيلة لحفيدها ، علي السرير ده اتجوزت ثلاث مرات ، ده سرير نحاس بتاعت جدتي ، ادته لي لما اتجوزت جدك وفضل معايا في الجوازتين التانيين ، يبتسم حفيدها في خجل ، تضربه باصابعها الهشه في صدره ، بتتكسف ليه ، امال انت راجل ازاي ، ماهي الست الحلوه اللي زيي ماكانش ينفع ابدا تفضل من غير جواز ، كانوا الرجاله بيجروا ورايا ، بس كله كوم وجدك مراد مرعي كوم ...
صمت ناجي وانتظرها تكمل كلامها لكنها صمتت طويلا واكملت في موضوع اخر ، جدك مراد السفير ، وجدك مراد المهندس كانوا رجاله جميله ، بس خساره ماتوا وسابوني لوحدي ، وتنهدت تنهيده موحية...
يحمر وجه حفيدها ، تلكمه مره ثانيه في صدره ، فيه ايه بتحمر وتخضر كده ليه ، انا باقولك عن الحياه اللي بجد ، سيبك من ابوك والجبس اللي حاشر نفسه فيه ، انا اللي حاحكي لك عن الحياه ، بس استني جنبي واسمعني قبل مااموت وترجع تتقهر وتقول آنه ماتت قبل ماتخلص حواديتها ...
يتمتم الحفيد بكلمات ممضوغه يتمني لها طيله العمر !!!
انت بتحب ، قصدي يعني مصاحب ؟؟
يضحك الحفيد ، حلوة ولا اي كلام ، ماتعملش زي ابوك لما راح اختار امك ، ال ايه بنت ناس ال ايه مؤدبه ، انفجرت في الضحك والسعال معا ، هي مامتك صحيح ، لكن بالنسبه لي مرات ابني الوحشة ، انا عرضت عليه عرايس كتير ، بنات قمرات اصل وفصل ورجلين صب وصدر رمان ، لكن هو استغبي وراح اتجوز امك ، ماعلينا ، صاحبتك حلوه ولا زي امك!!!
يضحك الحفيد ، حلوه ياآنه قوي ، ورجليها ، ينفجر في الضحك ، رجليها صب وملفوفه ولا عصاعيص ؟؟ يرتبك ، طيب صدرها رمان ولا لمون دبلان؟؟
يحدق الحفيد في جدته الممددة علي فراشها تتحدث وتضحك صاخبه مليئه بالحيوية ، اتاها مرتاعا وترك كل مافي يده وهرع لها وقتما كلمه عثمان وشرح له ان الست الكبيره بعافيه قوي وان الدكتور مابيردش وانه فكر يكلمه يلحقها ، تعالي بسرعه يابيه قبل مالسر الالهي يخرج ، ترك ناجي كل مافي يده وانهي الاجتماع الذي عقده في شركته وقفز في تاكسي صوب بيت جدته في جاردن سيتي!!!
دخل البيت هرعا ، فتح له عثمان مرتبكا ، فاطمه بتقول ان الست الكبيره بعافيه زياده النهارده ، خفنا السر الالهي يطلع وانتم مش موجودين ، قلت نكلمكم ، يربت ناجي علي كتفه ويجري صوب غرفه جدته ، وهو يتمني يفتح الباب فيجدها مازال حية ، يتمناها تموت بين ذراعيه حتي لاتقابل ملاك الموت في لحظه الشده وحيدة ، فتح الباب ، وجدها جالسه علي فراشها ، تسب في فاطمه التي تهتز يديها فتهتز المرأة ايضا ، كانت تسرح شعرها وبجوارها قلم روج ، ابتسمت وقتما شاهدته ، ناجي ياروحي ايه اللي جابك دلوقتي وسبت شغلك ؟؟ يرتبك ناجي ولايكذب عليها ، وحشتيني ، يابكاش هو انا تايهه عنك ، تلاقي فاطمه المخبله وعثمان المجنون قالوا لك اني تعبانه ، تنظر لها فاطمه وتتمني تصرخ ماانتي كنتي تعبانه ياستي ، يضحك ، لا ماقالوش حاجه ، تضحك نبيله ، مابتعرفش تكدب علي ياناجي ، انا فعلا كنت تعبانه شويه الصبح ، مش تعبانه ، لا زهقانه قوي ، قلت انام شويه واقفل علي الباب ، البت المخبلة تصورتني حاموت ، ضحكت ضحكات كثيرة ، لسه قاعده علي قلبك يابت ومش حاموت دلوقتي ، ربنا يديكي الصحه ياهانم ، تمتمت فاطمة ، يطول لنا في عمرك ياانة ، يهمس ناجي ، تشير لفاطمه بيدها ، بره ، اطلعي بره واقفلي الباب وراكي ، هات قهوه ناجي بيه واخرجي وسبينا !!!
يسب عثمان في سره ، انهي الاجتماع الهام وهرع لجدته ليجدها تتزين وتسرح شعرها ، يتمني يتركها ويعود لعمله ، لاتتركه ، بدام جيت تعالي اقعد جنبي بقي ، تعالي نتكلم مع بعض شويه ، تتحرك عن طرف السرير وتترك له مكانا ليجلس بجوارها ، تعالي جنبي علشان مايسمعوش بنقول ايه ، ماهي فاطمه بتفتن علي كل حاجه بتحصل في البيت لامك ، تضحك نبيله ، امك جايبه جاسوسه علي ، متصوراني حابيع الصيغه ولااوزعها علي الشغالين ، عايز تنقذ الصيغه مني ، امك فكراني باخرف ، اخص عليها امك ، وبعدين صيغتي وانا حره فيها ، مالها امك ومال صيغتي !!!
تنفجر ضاحكه وانفاسها المتلاحقه تتابع بسرعه ، تسعل وتضحك وتدمع عينيها ، بردون ياناجي ، عارفه طبعا انك بتحب مامتك ، بس الحقيقه هي ماتتحبش ، بارده كده وسمجه جدا ، تضحك وتضحك ، معرفش ابوك كان اتعمي في عينيه ولا ايه ساعه ماقرر يتجوزها !!!
تهمس ، ابوه كان خلبوص ، جدك يعني ، ابوك بقي قفل !! وتضحك ، معرفش طلع لمين ، تحدق فيه وتنفجر ضاحكه ، مش لي طبعا و.............. وتضحك وتضحك وتضحك ....
يتابعها ناجي صامتا ادبا ، نعم جدته لاتحب امه ، لم تحبها ابدا ، هي السيدة التي خطفت ابنها الوحيد وحاولت بكل الطرق تبعده عن امه ، لم تحبها ولم تغفر لها ابدا انها اوصت الخادمه السابقه علي فاطمه ان تخبرها باحوال الهانم الكبيرة وتصرفاتها ، يومها طردت نبيله الخادمة وتشاجرت مع زوجه ابنها واعلنت بصوت عالي حاسم ، انا لسه عايشه وحره في حياتي وبيتي واللي حيتدخل في شئوني حاضربه بالبنتوفلي!!!
 ليلي  ابتعدت عن ام زوجها وصارحته ، مامتك اتجنتت خالص يادكتور ، تشتمني قدام الشغالين والسفرجيه ، انا ماليش دعوه بيها بعد كده ، وخاصمتها ، حاول الدكتور بلطف ورقه ، ان تعتذر امه لزوجته ، لكن الام العنيده باصولها التركيه الرعناء ، سبت ابنها وزوجته وكادت تطرده من المزل لانه دلدول لمراته الوحشه وحذرته ، لو فتحت كلام معايا في الموضوع ده تاني لاانت ابني ولااعرفه ، فاهم ، سؤال القته علي مسامعه بصوت رعد لايتفق ابدا والجسد الوهن الشاحب الملقي فوق فراشه الوثير !!!!
انت ياناجي حبيي ، حبيب آنه وانت عارف ، طبعا ياأنه ، تعالي نرغي بقي ، فطرت ؟؟ هز رأسه ، اجيب لك كرواسان ، دانش ، يهز رأسه نفيا ، فطرت ياآنه ، جاي من شغلك ، يهز راسه ، حمار عثمان ده ، لكن لطيف برضه خلاني اشوفك ، هو قالك ايه ، قالك اني مت ، يضحك ناجي لا بعد الشر عليكي ، هو حمار تلاقيه قال لك كده فعلا ، بس انا اهو زي ماانت شايف اوكي جدا ، اوكي طبعا علي سني ده ، يابختك ياناجي ، لسه شباب والدنيا لسه قدامك ، عارف اصعب حاجه بتحصل لي ايه ياناجي ، ايه ياانة ، اني عجزت وقربت امشي ، الدنيا حلوه قوي ياناجي بس اللي يفهمها ويعرف يتعامل معاها ، انا خلاص مروحه ، رايحه لنينه وبابي وبقيه العيله ، انت بقي لسه شباب ، تعيش وتنبسط ، بالطول والعرض ، تتجوز بنت حلوه رجليها صب وصدرها رمان وعينيها طيبه وابيحه ، تضحك ، طبعا الست تبان من عينيها ، اللي مش عينيها ابيحه تبقي بارده قوي ، تضحك وتضحك وتضحك فيضحك ناجي ويقهقه ، فاهمني طبعا ، فاهمك !!!
يتسلل الاسي بين كلماتها الصاخبه ، تشعر قرب رحيلها وتحزن علي فراق الحياه التي عاشتها بالطول والعرض لكنها لم تفرغ من متعها ، وتصمت فيصمت ناجي وينتظرها تبدأ حديثا جديدا تفاجئه به ...
تدخل فاطمه بالقهوه ، تضعها امام ناجي ، يحيي العظام وهي رميم ، تهمس وهي تغلق الباب عليهما ، وصوت نبيله وشتائمها تلاحقها حتي وصلت المطبخ !!!
روحها رجعت لها تاني ياعثمان ، وانا الي خيالي سرح وقلت حنطبخ ايه ونعمل علشان لما الناس تهل علينا في العزا ، يضحك عثمان ، انا طاوعتك وكلمت الدكتور وناجي بيه كمان ، من باب تخليص الذمه ، لكن عمري ماصدقت ان الست نبيله ماشيه ، لسه عمرها طويل يافاطمه ، همست ، شكلها كده والختمه ، شكلها حتموتنا كلنا الاول !!! وتضحك بصوت خافت يطغي عليه رنين ضحكات ناجي ونبيله يحطم الجدران الساكنه ويحطم الصمت الثقيل في صاله المنزل الواسعه !!!

( 6 )
1962
منيل الروضة

في صالون قصر ابيها ، تجلس نبيلة متشحه بالسواد ، تمسح دموعها ، تحيطها النسوة بملابسهن السوداء ، صوت القرأن المنبعث من حنجرة الشيخ المشهور تتعالي فوق رؤوس المعزين ، الخدم يوزعون القهوة في الفناجين السيفر علي الصواني الفضه ، الماء البارد المزهر في الاكواب الكريستال الفاخره ، السراي مزدحم بالمعزيات وهي جالسه وسطهن ، تنفث دخان سيجارتها ونظرات الاستهجان تحرقها وهي لاتكترث ، امها تجلس بعيدا وهي تبكي ، مات الباشا مقهورا بعدما اممت الحركه المباركه التي صارت ثورة شركاته ، لم يصدق ماحدث وقبلما يستوعبه ، مات كمدا!!!
استيقظت نبيله علي صوت نحيب ، خرجت من حجرتها لتجد امها تبكي والخادمات يلطمن وجوههن ، الباشا مات ، تنفست الصعداء ، اخيرا ستطلق من مراد الاناضولي ، اخيرا ستحصل علي حريتها بعد سنوات طويله هجرته فيها وطالبته بالطلاق ، رفض وتركها في بيت ابيها تحترق خجلا من سمعته الحقيرة وفضائحه في مطاردة الصغيرات والنسوة الساقطات ، كأنه يغيظها ، كأنه يتعمد يحرجها ، يصاحب الساقطات ويدخلن بهن نادي الجزيره ، يمر امام منضده صديقاتها حيث تجلس معهن ويضحك بصوت عالي ، يشعل سيجاره الفاخره وينفق رائحته الخاصه في الهواء حولها ، تتظاهر باللامبالاة ، تفسد فرحه الشامتات فيها ، وحين تعود منزلها تبكي وتمزق وجهها الجميل باظافرها الحمراء ، تصرخ لابيها تطالبه يتدخل ويجبره علي الطلاق ، تحكي لابيها علي فضائحه ، لو الكلية عرفت حترفده ، لو هددته حيطلقني فورا ، يحتضنها الباشا ويطبطب علي ظهرها ويهمس لها ، عمر مافي حد في عيلتنا اتطلق ، ده ابو ابنك ، مش عايزين فضايح ، صمت ابيها وحكمته في التعامل مع زوجها العابث زاده عبثا ، يجهر بفضائحه وكأنه يقول لها وريني حتعملي ايه ، في لحظات كثيره اسودت الدنيا في وجهها ، تصورت انها ستموت وهي علي ذمته وانه سيأخذ عزاءها ويرث مصاغها ويحرقها بالغيظ حية وميته ، لكن الباشا مات فجأ مقهورا وهو في عنفوان صحته وبأسه وصار حلمها المستحيل في متناول يديها وممكن ، الطلاق!!!
مات ابيها فجر اليوم بعدما صلي الفجر ، مات طاهرا الا من ذنبها ، تركها معلقه ولم يجبر زوجها العابث علي تطليقها ، حافظ علي سمعه العائله وكرامتها وتقاليدها علي حسابها وحساب عمرها المهدرة ايامه في الانتظار والغيظ والقهرة ، تمنت لو تسامح ابيها وهو بين يدي ربه ، همست وهي تمسح دموعها ، لما اتطلق حاسامحك ، لكن دلوقتي لا!!!
حزنت علي ابيها طبعا لكن فرحتها بالحريه فاقت حزنها ، نهرتها امها لان عينيها جافتين بلا دمعه واحده ، حتفضحينا ، ضحكت نبيلة ، صرت انا والفضائح صنوان في عرف تلك العائله العريقه وحواديت نميمتها ، اتصلت بمراد ، انا عايزه اتطلق ، ضحك مراد ساخرا منها ، خلي الباشا ابوكي يكلمني ويطلب مني اطلقك وانا اطلقك ، ضحكت بصوت اكثر سخريه ، بابي مات الفجر النهارده ، واللي حايشني عنك خلاص خلص، لاتطلقني ياانت حر ، اغلقت السماعه في وجهه وهي سعيده ، تتمني تخلع الثوب الاسود وترتدي فستانها الانيق الاحمر ، ذلك الذي كانت ترتديه في الليله السوداء اياها ..
( 7 )
2010
شارع النيل

وهو في طريقه لجاردن سيتي ، اتصل ناجي بأبيه الدكتور ، آآنة نبيلة تعبانة شويه ، لسه عثمان مكلمني ، اتصل بيك وانت مارديتش عليه ، صمت الدكتور طويلا ، يابابي انت سماعني ؟؟ اه ، انت مارديتش علي عثمان ، كنت باكشف علي مريضه ومعرفتش ارد ، لايصدقه ناجي لكنه يمتنع عن مجادلته ادبا ، طيب حتروح جاردن سيتي ؟؟ انا رايح علي هناك ، حتيجي ؟؟ حاخلص العياده واجي ، يصمت ناجي طويلا ، يابابي ماينفعش ، سيب اللي في ايدك وتعالي ، اهو ده بقي اللي ماينفعش ، بقولك ايه اتصل بالدكتور بتاعها يشوفها علي مااجي ، يابابي انا مابكلمش باعتبارك دكتور بكلمك باعتبارك ابنها ، صمت الدكتور اكثر واكثر ، سامعني ، ايوه سامعك بس مش حاقدر اجي دلوقتي ، قلت لك حاخلص العياده واجي...
ابنها ؟؟؟؟ سؤال سأله رشدي لنفسه طويلا ، هل انا فعلا ابن تلك السيدة العجوز نبيلة هانم ؟؟ هل احبتني يوما كابنها ، هل تورطت في يوم انجبتني من ابي الذي تركته لانه لم يقدر قيمتها ،  هل انا الورطه الكبري في حياتها ، طلبت الطلاق من الدكتور الكبير بعد فضيحته التي صارت بجلاجل ، هجرته وصممت علي الطلاق ، رفض وعلقها ، فعاشت في بؤس لم يخلصها منه الا وفاه ابيها الباشا وتمردها علي تقاليد الاسرة واصولها !!!
طلقت السيدة الجميلة نبيله هانم من الدكتور المهيب مراد الاناضولي!!!
طلقت وفي يديها طفل صغير ، ابن الدكتور ، ابنها طبعا لكنها رأته طيله العمر ابن الدكتور ، شبهه واخلاقه وصفاته وقسوته وصرامته ، هو الابن الذي يذكرها بالزوج الذي لم يسعدها ، لم يسعدها ابدا وخانها واهان انوثتها وفضحها وفضح اسرتها وتحدي تكبرها فمرمغ انفها الجميل في التراب فصارت موضوع كل جلسات النميمه بسببه ، مابين شفقه علي خيانات لاتستحقها وهجر لا يليق بمن في جمالها وحسبها واهانات تطاردها تفاصيلها قبيحه مخجله ، ومابين انتقادات حاده لتمردها علي الاصول والتقاليد وتصميمها الا تغفر لها نزوته التي غفرت مثلها واكثر كل النمامات ، انتقادات حاده لانها طلقت وتزوجت وحين ترملت عادت وتزوجت وكأنها سيده خلقت للمتعه وليست ابنة اصول تنكفيء علي ابنها تربيه وتقهر شبابها وجمالها في سجون العائلات واصول السلوك القويم والاحترام الصارم ، رشدي يذكرها بابيه ، الرجل الفاجر السافل الخائن الذي اوجعها واهانها وفضحها ، عاشت كل حياتها تتمني تنساه ، لا تتمني تمحوه من حياتها وكأنها لم تتزوجه ولم تنجب منه  ، وتمنت دائما لو محت ايامه السخيفه من عمرها ، تمنت وافلحت ، محت كل ذكراه من حياتها ، وكأنها ابدا لم تتزوجه ، لكن ابنها الذي صار الدكتور الكبير رشدي الاناضولي افسد عليها دائما محاولاتها لنسيان الدكتور المهيب الذي تزوجته !!!! هو ابنه وابنها ، وهي امه وعليها تحبه ، كيف تحبه وهو ابن الرجل الذي سامها العذاب واحتجزها اسيره نزواته وجبروته وفضائحه ، احبه لانه ابني ، لكنه ابنه ، وصار الابن صراع حياتها الصعبه ومشكلتها الاكبر الذي لم تفلح ابدا في حلها ، صار الورطه التي تجرعت حزنها طيله حياتها !!!!
يابابي انت لسه معايا ، ايوه ياناجي ، زفر الدكتور رشدي انفاسا ساخنه ، ايوه معاك ، قلت لك حاخلص العياده واجي ، قبل مااروح حاجي !!!
واغلق الدكتور رشدي التليفون بغضب وعصبيه متجاهلا مايقوله ابنه ، متجاهلا كل المعاني الموجعه في الكلام البسيط الذي يقوله الابن وكل الوجع المتفجر من تلك اللحظة !!!
نبيلة هانم بتموت !!! وكأنه يقرأ خبرا في جريده الصباح ، احس المعني باردا مثل علاقته بها !!! نبيله هانم بتموت !!!ا
وقفز الطفل بسنواته الست امامه يبكي ويرتعش ، يشده من طرف البالطو الابيض ليخلعه ويلحق بامه التي يحبها ، يرتعد شكري وينهره ليرحل ويتركه يكمل عمله والكشف علي مرضاه و........ قبل مااروح حاروح اشوفها ، لكن الصغير لايرحل ويقبع في ركن مظلم من غرفه الكشف يبكي ويتوجع ، كأن كل البكاء الذي بكاه طيله حياته انفجر الان ، يوم شجره المانجو ، ويوم ذهب لخالته ويوم عاد لابيه في بيته المظلم البارد و............. كل الايام الكثيرة التي بكي فيها وحدته لان نبيله هانم والدته قررت تنساه مثلما ارادت تنسي ابيه ووجعه و............يدق الجرس لمساعده ليدخل المريض صاحب الدور ويغلق عينيه واذنه ليقتل الصغير الباكي في الركن المظلم ويكمل حياته مثلما اراد وقرر يعيشها !!!

نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني 

زهور وردية واغنية عشق وبعض الوجع ( الجزء الثاني )


 
( 8 )
1962
منيل الروضة

هائمة مع افكارها وذكرياتها وسط المعزيات ، تشرب القهوة بارده وتتمتم بكلمات ممضوغة ردا علي كلمات المواساة والتعزية التي تلقيها الصديقات علي اسماعها ، تدخل في احضانهن كالعمود الخشبي ذراعيها يتحركا بتلقائيه علي ظهورهن وكأنها التي تواسيهن ، ظنن ان صدمه موت ابيها الباشا افقدتها صوابها ، لايعرفن ماتشعر به من فرحه دفينة ، لو يعلمن انها تتمني لو ارتدت ثوبها الاحمر الفاخر الذي كانت ترتديه في تلك الليله السوداء لظننها جنت ، ربما هي جنت ، جنت منذ ذلك اليوم البعيد وازداد جنونها عنفا وهي في بيت ابيها معلقه تنتظر طلاقا بعيد لن تحصل عليه لانه يفضح العائله ويخالف القواعد والاصول التي حرص ابيها الباشا طيله عمره علي الحفاظ عليها ، معندناش حد اتطلق قبل كده يانبيله ، جمله رددها عليها كثيرا ، تاره برقه وتاره بعنف وهو يصرخ ويكسر الاكواب الكريستال ، تاره وهي في حضنه تبكي ، وتاره وهي في مكتبه تتوسل اليه يفك اسرها ويطلقها من الزوج العابث الذي اثبتت الايام انه لا ابن اصول ولا محترم كما تصوروا جميعا!!!
تشعل سيجاره فترتفع كل الاعين صوبها ويكاد قلب امها يقف من الرعب ، نبيلة الاناضولي بتشرب سجاير زي "الارتيستات" في مأتم ابيها الباشا ، همست النسوه لبعضهن وتناقلن الخبر في جلسات النميمه ، لاتكترث بنظراتهن القاسيه ، تغرق في ذكرياتها البعيدة والعذاب الذي عاشته بعد تلك الليلة البعيده ...
 في ذلك اليوم الاسود ،  كانت في الاوبرا مع امها واختها ، زوجها كالعاده لم يرافقها لانه مشغول في عيادته وزوج اختها خارج مصر في عمله الدبلوماسي وابيها في اجتماع هام في شركته ، ذهبت هي وامها واختها ، كانت متوترة ، تتمني زوجها المشغول دائما يصاحبها ويشاركها اي شيء تحبه ولو كانت مجرد حفله باليه مدتها ساعتين ، لكن مراد تحجج كعادته ، مشغول جدا ، قذف علي خدها المحتقن قبله بارده واعطاها ظهره وانشغل بنفسه كعادته ، في الاوبرا لفت برأسها علي كل المقاعد حولها ، النسوة كلهن يجلسن مع ازواجهن ، تعرفهن وتعرف ازواجهن ، رجال في وظائف واعمال مرموقه وربما اكثر انشغالا من زوجها ، لكنهن يمنحن نساءهم بعض الوقت الا هي ، زوجها لايمنحها وقت ولا حب ولا اهتمام ،احست دوار وصداع ، غثيان وتقلص في معدتها ، اعتذرت لامها واختها وقررت تعود لمنزلها تبكي براحتها ، لم تكمل حفل البالية الذي حجزوا تذاكره بصعوبه ، عادت لمنزلها في ميعاد ابكر من ميعاد عودتها المتوقع ، بحثت عن مفتاحها لم تعثر عليه في قاع حقيبتها ، ضربت الجرس فلم تفتح الخادمه ،عاودت البحث وهي تتأرجح من الدوار وتقلصات المعده ، اخيرا عثرت عليه وفتحت الباب ، الشقه مظلمه الا حجره الخادمه ، تصورت رشدي نائما والدكتور مراد مازال في العياده والخادمه تسمع الراديو في غرفتها كالعادة ، لكن فأرا شرسا تلاعب في عبها يخبرها شيء اخر غير كل ماتتوقعه ، عكس مااعتادت عليه لم تذهب لحجرتها وتخلع ملابسها ومصاغها ، وقفت في الصاله ونادت الخادمه القبيحة ، نبوية ، لم ترد عليها ، شيء ماهمس في قلبها بأن شيئا مريبا يحدث في منزلها، كررت النداء بصوت اعلي ، نبوية  ، لم ترد عليها فتحول الفأر في عبها لتمساح نهاش ، تسللت علي اطراف اصابعها لغرفه نبوية ، لمحت من الفتحه الصغيره الدكتور الكبير عاريا يمتطي الخادمه القبيحه ، يفح باصوات مقززه ويعوي مهتاجا، تبادله الخادمه الفحيح والعواء والغنج ، تلمح قسمات وجهه وهو مغمض العينين يفح بجسده الثقيل فوق جسد الخادمة ، ملامحه مخيفه مثيرة للغثيان ، لمحت يديه يمزقا جسد الخادمه ، الجسد الاسود العجف ، لمحت لعابه يسيل فوق صدرها ، فزعت ، تقلصت معدتها اكثر واكثر ، كادت تفتح الباب وتضربهما معا بالشبشب ، لكن كرامتها منعتها ، لن تواجه الخادمه وزوجها الذي هجر فراشها وهو يمتطيها ويفضل جسدها القشف علي جسد زوجته المرمري المخملي الانيق ، لن تواجه الخادمه ، لم تمنحها انتصارا عليها ، لن تواجهه وهو عاري يعوي من الرغبه فوق الخادمه القشفه ، لن تواجهه ولعابه يسيل فوق ثديها الذبل ، لن تواجهه هو يفح ويفح ، و............... حلقت فوق الارض تشعر جنونا يمزق روحها ، تشعر الارض قذره وجدران المنزل والهواء الذي يدخل جوفها ، كل شيء حولها يشعرها بالقذاره والتقزز ، الهواء مر فوق جسديهما وحمل رائحه شهوتهما لانفها ، الارض سارا عليها متعانقين للحجرة القذره وفراشها الحديدي والرغبه تكوي بدنيهما فيتلويا ويتلويا ، جدران المنزل قذره لانها صمتت وقبلت خديعتها واخفت عنها حقارة الدكتور الكبير ، لم تنهدم فوق راسه والخادمه ، لم تهوي فوق جسديهما ، لم تنهار تكتم انفاسهما الحقيرة ، حلقت فوق الارض تجري صوب باب الشقه ، تسللت منه وهبطت السلم بسرعه ، حين وقفت علي الرصيف امام سيارتها ، مادت بها الارض ، تحاملت علي نفسها ، لن تفقد الوعي امام شقتها فيحملها البوابين للشقه ويكتشفوا الفضيحه ، قادت سيارتها كالسكاري ، دموعها تنسكب في جوفها تحرقها ، فهو احقر من ان تبكي عليه ، وطبعا لن تبكي علي نفسها ، لن تشعر بالاهانه ولا الهزيمه لان خادمه دميمه قبيحه افلحت تجعل الدكتور الكبير يعوي كالكلب الجرب وهو يعبث باصابعه القذره فوق جسدها القشف !!!
و...................... عايزه اتطلق !!! همست لابيها وفقدت الوعي !!!!
وتتساقط دموعها ، ربما حزنا علي ابيها وربما قهرا علي مامرت فيه وبه ، حزينة نعم لكن في داخلها احساس غامض بالسعاده ربما لان حريتها صارت اقرب اليها مما تتصور ....و.......... الله يرحمك يابابي!!!

( 9 )
2010
جاردن سيتي

نامت فاطمه بعدما اعطتها ادويتها واغلق عثمان غرفته عليه بعدما تناولت العشاء وانتهي عمله اليومي ، اطفئت فاطمه انوار الشقه وسألتها قبلما تحكم اغلاق باب حجرتها ، تؤمري بحاجه ياهانم ، اشاحت لها بيدها لتنصرف ، تأملت جدران حجرتها والوانها ، الستاره فوق النافذه الكبيرة ، المرآة التي كانت لامعة ، كل شيء حولها شاخ مثلها ، كل شيء طمس الزمن جماله مثلما محت الايام جمالها ، كل شيء مثلها ينتظر الموت ، لايملك غدا ، فقط يملك ماضي كان سعيد ، كل شيء حولها لايملك الاذكريات مثل ذكرياتها التي تعود اليها بين كل حين واخر لتشعر انها عاشت وانها مازالت حية ...
نزلت من فوق فراشها وسارت كمثل معظم لياليها صوب خزانتها العتيقة ، مدت اصابعها المدربة تحت ملابسها واخرجت اطاراتها الذهبية العريقة ، مسحت علي زجاجها الباهت باطراف اصابعها وابتسمت ، ثلاث صور وثلاث ازواج والعمر مر كله وهاهي وحيدة ، تحدق في الصور وتبتسم ساخرة من الاسم الذي لاحقها عمرها كله وكأنه مكتوب علي جبينها .. وكأنه ؟؟ بل هو فعلا مكتوب علي جبينها ، شربت من كأسه مر وشهد ، فرحة وحزن ، عشق وغضب ، حياة وموت ...
صورتها الاولي ، هي والدكتور مراد اناضولي ، لوت شفتيها غضبا وكرها ، تتذكر يوم تزوجت صاحبة العصمة الانسة نبيلة الكرملي من الدكتور مراد بك الاناضولي ... تتذكر يوم زفافها ، 20 ابريل 1951 وتزداد غضبا ، صارت تكره اليوم والشهر والعام الذين ربطوا مصيرها بالاناضولي ، تسبه صامته باقذع الالفاظ ، تتمني لو امامها لتمزق وجهه المتعجرف باظافرها ، تحدق في صورة زفافها والدكتور مراد !! وتهيم مع ذكرياتها !!!!
فستانها دانتيل طويل قضت تهاني الخياطه ايام وليالي تشغل في ورداته بخرج النجف الفضي ،  يزين جيدها عقد ماسي اهداه له ابيها الباشا يوم زفافها ، اوصي زوجها الدكتور مراد بها خيرا لانها حبيبة قلبه واخر العنقود ، لكن مراد لم يسمع وصيه ابيها ومسح بها التراب وجعل سيرتها كقطعه الماستيكة تلوكها كل الالسن في جلسات النميمة في نادي الجزيرة وعند بول الكوافير وفي لقاءات الثلاثاء الاول من كل شهر والتي تعقدها نسوة حي منيل الروضه ليتسامرن !! صارت هي مادة الحديث الاولي والدائمه بعدما هجرت بيت زوجها وحتي دخنت السجائر المتلاحقة في مأتم ابيها وحتي طلقت من الدكتور مراد بفضيحه صممت تعايره بها ولم تحفظ سره وتتحمل نزواته ككل بنات الاصول والعائلات الراقية !!!!
همست ، ربنا يرحمك يااناضولي ، ماتجوزش عليك غير الرحمه ، ترفع عينيها للسماء ، بس عمري ماسامحتك ولاحاسامحك ...
صورتها الثانية ،هي والسفير السندسي ، ابتسمت وطلبت له الرحمة والجنه ونعيمها ، الله يرحمك ياحبيب قلبي ، قطبت جبينها خوفا من المهندس مراد مرعي الذي امرها في حياته وبعد موته بالاخلاص له ومحو كل تاريخها ، 5 اغسطس 1966 ، تزوجت السيدة نبيلة الكرملي من سعاده السفير مراد السندسي ...تحدق في صورة زفافها ومراد بك ، سفير جلاله الملك في فرنسا ، تزوجته بعدما تقاعد قبل بلوغ الستين بسنوات كثيرة لقيام الثورة المجيدة باحالته للمعاش هو وكل اطقم وزاره الخارجيه ممن عملوا تحت سلطان التاج الملكي وعلم مصر الاخضر ، ترتدي فستان ستان قصير عاري الاكتاف وطرحه قصيرة علي كتفها مزينه ببعض الوردات اللولية الساطعه ، في الصورة يحتضنها سعادة السفبر بمنتهي الوله ، يلف ذراعه حول وسطها وكأنها يراقصها بمنتهي العشق ، ضاربا بكل التقاليد الصارمة عرض الحائط ، تحدق في الصورة وتبتسم ، رجل ابن اصول ويعرف التقاليد  ويعشقها ، لكن داء القلب اللعين لم يمهلها تعيش معه بقيه عمرها ، فرحل في عام زواجهما الثالث عشر وتركها مقهورة تبكيه طويلا ... الله يرحمك ياسندسي ياحبيبي وسامحني يامرعي والنبي اصل ده سندسي ...
مازالت تحدق في الصور وتبتسم ، كل ذكريات حياتها تجري امام عينيها ، ايه دنيا ، دنيا يانبيله هانم ، عشتي بالطول وبالعرض وادي اخرتها ، برضه وحيدة وكل حبايبك فاتوكي ، تداهمها ذكريات مرعي وتبتسم ، تتذكر عشقه وحبه وحنان قلبه وغرامه ، تتذكر غيرته القاتله ، انا بحبك انت يامرعي ، تهمس له لتطمئنه ، لكنه يغار من تاريخها ، يغار من السندسي لانها احبته ويغار من الاناضولي لانه اختطفها منه ، وازاي رضيت ياهانم تتجوزي واحد زي اناضولي ، ازاي قبلتي راجل حيوان زي ده يلمسك اساسا ، ايام زباله وخلصت يامرعي ، خلصت ياهانم بس عمري ماحاسامحك عليها ، تبتسم ، الله يرحمك يامرعي ، ياحبيب قلبي ياغالي ، كأنه يراقبها ، يلومها لانها تتذكر سندسي واناضولي ، يلومها لانها مازالت تعترف بهما ازواجا لها وهم خاطفيها ومعذبيه ، مايصحش يانبيله هانم تفتكريهم وانتي مراتي ، تضحك بصوت عالي ، الله يرحمك يامرعي كنت حمقي وعصبي وغيور ، تحدق في الصورة مبتسمه ، وكأن كل ايام حياتها مع العاشق المحب تجري امام عينيها تذكرها بالشهد وانهاره التي غرقت فيها مع مرعي وفي حضنه ، تتذكر يوم زواجهما ، الاول من يناير 1981 ، مرعي اختار اليوم ، نبتدي سنه جديده واحنا مع بعض ، وكل سنه جديده نحتفل مع بعض ، طول عمرك رومانسي يامراد يامرعي ، تحدق في الصورة وتبتسم ، في هذا اليوم السعيد ، تزوجت السيدة نبيله الكرملي من رجل الاعمال المرموق المهندس مراد مرعي ..تحدق في الصورة وهي ترتدي التايير السكري الشانتونج وتبتسم ، رفضت ترتدي ثوبا ابيض ، سيسخر منها الجميع وبالذات ابنها ، مراد صمم يذهبا ل"فليب" ويتصورا صورة تذكاريه لزواجهما السعيد ، شرح لها بعدها ان الثالثه تابته وان تلك الصورة هي صورة زواجها الاخير لانه قرر يعيش معها حتي تموت ، اكد لها انه يحبها لدرجه طيله حياته وانها حبه عمره وانه لايتحمل معها فكره ان تتزوج بعدما يموت ، سيتحرق بنار الغيرة في قبره ، تصورته يهزر ويضحك ويمازحها ، لكن غيرته العمياء ارهقتها ، اسعدتها نعم لكن ارهقتها ، تزوجته وهي علي اعتاب الخمسين لكنه كان يحبها ويغير عليها وكأنها ابنة السادسه عشر ، تحدق في الصورة الملونه ، تاييرها شانتونج سكري وبذلته رماديه والكرافته والمنديل قانين كلون النبيذ الفرنسي الذي احتسياه معا يوم زفافهما ، يقبض علي اصابعها وكأنها ستحلق وتتركه فيحكم وثاقها اسيرة حبه ، الفص الماسي الكبير الذي اهداه لها وقت زواجهما يسطع في الصورة فوق المانتير الصغير الذي انتقاه بنفسه من عند "بايوكي" الجواهرجي ، ياحبيبي يامرعي والله ولا يوم من ايام حبك ، تبتسم نبيلة وكأنه يسمعها ، تشعر نشوة وكأنه امطرها بقبلاته من حيث يحلق ، كأنه مازال بجوارها يحميها ويراعاها ويغير عليها ويتشاجر من اجلها ومعها ، ياحبيبي يامرعي ....
علي فراشها جالسة وصور زفافها الثلاث مبعثرة حولها فوق لحافها الستان الوردي ، تحدق فيهم وتبتسم ، هاهو كل العمر مر وبقيت وحيدة ، تهمس وكأنها تذكر نفسها ، مراد الاناضولي ، مراد السندسي ، مراد مرعي ، تهمس وتسأل نفسها ، يعني هي الاسامي خلصت ، التلاته مراد ؟؟؟؟؟ سؤال يحيرها كثيرا والذي يحيرها اكثر والعمر كله خلف ظهرها ، هل عاشت سعيدة ؟؟؟؟؟ اه والله سعيده قوي ، لا مش قوي يعني ، ايام اناضولي كانت زفت ، زفت خالص !!!! ..
انزلقت في فراشها واغمضت عينيها وحياتها تطاردها بكل تفاصيلها .... مراد .... مراد ..... صور ومشاهد وكلمات ودموع وفرح وحزن ، مراد ..... مراد ....... مرااااااااااااااااااد .....

( 10 )
1962
منيل الروضة

مازال السراي مزدحما بالمعزيات ، الصوان الكبير الذي اقامه شقيقها واعمامها في حديقه السراي مازال مكتظا بالمعزين، النسوة لم تبارح السراي ينتظرن الرجال الصاخبين في الصوان ، مازالت نبيلة جالسه علي مقعدها ، تتمتم بكلمات غير مفهومه ترد بها علي كلمات التعزيه التي تهمس بها المعزيات في اذنها ، تمسح دموعها ، ابيها الباشا مات ، ياحبيبي يابابي ، كانت تحبه وتشعر طمأنينه في وجوده ، نعم لم يسمح لها بالطلاق من الزوج العابث وهو ماافسد ايام حياتها ، لكنها بقيت تحبه مع غصه في القلب ، كان رجلا مهيبا ابن اصول يعمل حساب التقاليد وسمعة العائله اكثر من مراعاه لابنته وحياتها ، كل الرجاله "بتعك" ويرجعوا يعتذروا ، وكل الستات بتسامح ، يقنعها لتصفح عن زوجها ، لكنها ورثت منه العند التركي والرأس الصلده ، خلاص مش حاتطلق بس مش حارجع ابدا اعيش معاه ، لم يقوي الباشا يقهرها وتركها تعيش معهم في السراي الواسع ...
تستعيد بقيه تلك الليله السوداء ، فقدت الوعي ، احضروا لها طبيب الاسرة ، ضغطها واطي ونبضها سريع بس اتطمن ياباشا ، افاقت وقصت علي ابيها والطبيب ماشاهدته في حجرة الخادمه ، انفجرت تبكي وتمزق شعرها ، عايزه اتطلق ، لم يوافقها الاب طبعا ، نهرها لتصمت ، ابنك فين ، انتبهت ان رشدي نائما في منزل الفضيحه ، عايزه اتطلق ، همست لابيها ، جحدها الباشا بنظره ناريه ولم يوافقها ، بلاش كلام فاضي وطبعا لم يوافقها ، ارسل المربيه العجوزه لتأتي برشدي بيه ، البيه الصغير الذي نسيته نبيلة وهي تفر من الفضيحه ، نائم في فراشه فلم يشعر بكل ماحدث حوله ، ارسل الباشا المربية لتأتي برشدي للسرايه الكبيرة ، استيقظ رشدي من عز نومه وسط الليل وحمل ملابسه ولعبه لبيت جده الباشا ، لم يعترض الدكتور علي امر الباشا له بارسال رشدي عندنا لغايه مااعصاب نبيلة تهدي !!!
افاقت وابنها بسنوات عمره الست يجلس مرعوبا علي طرف فراشها وحولها الطبيب والمربيه العجوز ، حين شاهدته جن جنونها ، ابنها نعم ، لكنه ابن ابيه ، يحمل اسمه القذر ، يذكرها بكل عذاباتها معه ، صرخت ومزقت شعرها ، خرج رشدي من الحجره مع المربيه بعدما امر الباشا ان يرسل لبيت خالته يلعب مع اولادها ، لكن رشدي لايرغب في اللعب ويرغب في النوم في حضن امه ،  لكن امه تبكي وتصرخ وهو خائف مرعوب ...
تفتح عينيها وترجو ابيها ، عايزه اتطلق ، اعتبرها الاب الباشا مجنونه طائشه ، هي نزوه ، مجرد نزوه ، لاتخرب البيوت ولاتهدمها ، امر الباشا زوجها الدكتور بطرد الخادمه ، اتصل به بعد منتصف الليل فادرك مراد الاناضولي ان شيئا غريب يحدث ، حابعت السواق تبعت لي رشدي وتطرد الخدامه دلوقتي حالا وبكره تيجي نشرب القهوه سوا ، ادرك الدكتور ان نبيله عرفت نزوته مع الخادمه ، لم يتصور انها شاهدته يعوي فوق جسدها ويفح بفجر ، اطردها ياباشا ولو انها ماعملتش حاجه لكن امرك ياباشا ، بكره تجيني يادكتور نشرب القهوه سوا ، امرك ياباشا !!!
منحها الطبيب بعض المهدئات واوصي بمنع الزياره عنها ، الهانم عندما انهيار عصبي ، امر الباشا الطبيب بتكتم الامر ، دي سمعه عائلات وانت عارف طبعا ، طبعا ...
ارسل الباشا رشدي لخالته ، اتصل بابنته الصغري ، رشدي جايلك ، خليه عندك ، يلعب مع اولادك  علي مانهدي اختك الرعناء ، هي مالها نبيلة ، سألته الابنه فلم يجيبها الباشا ، ولا حاجه مافيهاش حاجه ، بكره حتبقي كويسه ...
وصل رشدي بيت خالته فزعا ، وحيدا في منتصف الليل في السيارة التي تنهب الطريق من جاردن سيتي للمعادي ، وحيدا في الظلام علي الكنبه الخلفيه ،  لايجد حوله لاامه ولا ابيه ولا مربيته التي يحبها وهي تحكي له حواديت امنا الغوله والنداهة وست الحسن والشاطر حسن ، لم يسأل رشدي مالذي يحدث ولو سأل مافهم ، فقط بقي الاحساس بالفزع محتلا روحه طيله العمر ، انها اللحظه الاولي التي تعلق فيها في الهواء بلا جذور ، لايعرف مالذي سيحدث له ومالذي يحدث اساسا !!!
ومازالت نبيلة جالسه وسط المعزيات والصخب ونم النساء ، تبكي ابيها وتتذكر كل تفاصيل الليلة السوداء !!!

( 11 )
2010
جاردن سيتي

تصبحي علي خير يامامي ، تمتمت وكأنها ترد عليه وهي تمضغ الكلمات لتصبح بلا معني ، لايعجبها انه سينام وزوجته التي لاتحبها في غرفه الضيوف ، لايعجبها وهو يعرف ويتجاهل مشاعرها الموحشة ، تمنت لو اخذ زوجته العقربة وعاد لمنزله ، لكنه قرر خوفا عليها وهي متوعكه كما اسرت له خادمتها ، قرر خوفا عليها ينتقل للاقامه المؤقتة معها هو وزوجته التي قبلت علي مضض خوفا من كراهيه امه ومشاعرها الكريهة، تصبحي علي خير يامامي ، همس وقبلها علي رأسها وتسلل خارج غرفتها وهو يؤكد عليها ، لو احتجتي اي حاجه اندهي عليا ، لم يسمع ردها بأنها لاتحتاج منه اي حاجه ولن تناديه ابدا ...
القي ببدنه المتعب علي الفراش واغمض عينيه وسرعان ماغرق في النوم ، استيقظ فجأ وجري من الغرفه صوب الحديقه ، جري صوب شجره المانجو الكبيرة واحتضنها واختبيء خلفها ، صمت طويلا حتي لايعثروا عليه كاكل مرة ، صمت طويلا حتي ظن انه نام ، يري نفسه نائما ويري نفسه يراها ، كأنه انقسم شخصين ، نعم يري نفسه راقدا خلف شجرة المانجو الكبيرة يختبأ ، يحفر في الارض الطينيه باصابعه الصغيرة وكأنه يتمني تبتلعه فيستريح من كل مايعانيه ، لماذا يتشاجرا ؟؟ لماذا تبكي طيله الوقت ؟؟ لماذا لايعودا لمنزلهما لغرفته لكتبه لعرائسه الخشبيه للكورة التي اشتراها له جده يوم عيد ميلاده ؟؟ لماذا ستبقي في السراية وحدها وترسله للشقه الخاويه الباردة المخيفة ؟؟ لماذا ستعاقبه وهو الذي يطيعها ويسمع اوامرها وينفذها ؟؟ نعم حينما ترسله لبيت ابيه الخاوي تعاقبه علي ذنب لايعرفه ، يحفر في الارض الطينيه اعمق واعمق ، يحفر اخاديد صغيرة وكأنه يبحث عن دوده صغيره يلعب معها ، يبثها همومه ، يشكو لها كل العبث المروع الذي يعيش فيه ، مازال يختبيء خلف شجرة المانجو ، يخاف الظلام كاكل ليله لكنه يخاف يعثروا عليه اليوم اكثر من خوفه من الظلام ، سيحمله السائق العجوز للشقه الخاويه لاشباحها المخيفه لصدي الصوت الذي يخلع قلبه في الحمام الكبير لصوت الخطوات المخيفه التي يسيرها ابيه وقت عودته من الخارج قرب الفجر ، لماذا تفعلي بي ماتفعليه ، لم اختر لك زوجك ولم ادفعه ليخونك وربت علي كتفيك وقت بكيتي وخاصمته وقتما اغضبك ، لماذا تفعلي بي ماتفعليه ، الست ابنك ؟؟ الستي تحبيني كمثل كل الامهات اللاتي يحببن اطفالهن ، كيف تحبيني وتعاقبيني بالطرد من حضنك مثلما تفعلي بهذه القسوة ، ساكرهك ، نعم ، لو ارسلتني للشقه الخاويه ساكرهك ، ساخاصمك للابد ، لن ااتيك وقت الاجازات ، لن احبك ، لن اطيع اوامرك ، سازعم لاصدقائي انك متي ، واني صرت يتيما ، ينفجر في البكاء ، لكني احبك واخاف تموتي وتتركيني صغيرا يتيما لاينتبه لوجوده احد ، لماذا تعاقبيني بهذه القسوة ؟؟ ويحفر في الارض الطينيه ويحفر وتعوي الذئاب بصوت مخيف ، ينتفض في مخبأه ، متي احتلت الذئاب حديقه جدي ، يرتفع صوت الذئاب اكثر واكثر ، تحاصره في مخبأه ، تلتفت حول شجره المانجو وعيونها الحمراء تسطع مخيفه في الظلام ، تقترب منه وهي تعوي وتعوي ، يتصبب عرق ويشل مكانه ، سيصرخ يناديها ، مامي مامي ، ستهرع له وتاخذه في حضنها وتبعد عنه الذئاب الجائعه ، يصرخ ، مامي مامي ، لكن صوته لايخرج من حلقه ، يتحشرج فوق احباله الصوتيه ويبقي اسيرها ، يصرخ بصوت اعلي واعلي ، مامي مامي ، مازال صوته حبيسا وصوت عواء الذئاب اعلي واعلي ، يتصبب عرقا ويتصور جسده الصغير ممزقا بين الانياب المتوحشه  يتصبب عرقا وتنهمر دموعه مرتاعه فزعه ، مامي مامي ............... وتهزه  ليلي  لتوقظه من كابوسه المخيف ، رشدي ، اصحي يارشدي ويتسلل صوتها الحاني لكابوسه المفزع يعلوا علي صوت الذئاب المخيف وعواءها المرعب ، اصحي يارشدي ، تربت علي كتفيه وتمسح بكفها علي وجهه الغارق تحت طوفان العرق البارد يتصبب من جسده ، اصحي يارشدي ، و.......... يفتح عينيه مرتبكا يبحث عن مكانه وعلي اي فراش ينام ، هل مازال خلف شجره المانجو ؟ علي الفراش البارد في الشقه الخاويه المسكونه بالاشباح والكراهيه ؟ في حضنها الموصد في وجه بنوته ؟ يلمح وجه  ليلي  وسط الليل مرتاعة خوفا عليه ، اصحي يارشدي ، يفتح عينيه الوجلتين ، تناوله كوب ماء بارد ، يتجرعه دفعه واحدة ، يتمتم وكأنه يعتذر لها لانه يزعجها وسط نومه كمثل كل ليلة ، تربت علي وجهه بحنان كأنها تقول له لامبرر للاعتذار ، تشفق عليه من ماضيه الذي يلاحقه ويفسد حاضره ومشاعره ، تشفق عليه من ماضيه الذي يؤرق لياليه ويحيلها لعذاب موحش ، يصمت خجلا ، تقترب من جسده وتغلق عليه ذراعيها ، تأخده في حضنها وتهدهده وكأنها تغني له ، يغلق عينيه فارا من كوابيسه ومن خجله منها ، يتمني لو حلم بها يراقصها في لحظه فرح بدل شجره المانجو التي صارت وعذابه قرينان لايفارقا خياله وقت النوم الذي كرهه ، هالات سوداء تحيط بعينيه الجميلتين ، ماضي يرسم ملامحه علي وجهه هالات سوداء وارق ووجع لم يبارحه و............... مازالت تهدهده لكنه يتمني للاسف لو كانت هي التي تهدهده ، امه ، التي لم تهدهده ولم تسعده ولم تمنحه الا عذاباته يقظا ونائما والتي احالت حياته لكوابيس لاتنتهي ، ومازال  ليلي  تهدهده ومازال يتمناها هي التي تهدهده و.......... يغلق عينيه بقسوه كأنه يطردها من حجرة نومه وحضن حبيبته ويتوعدها بأنه سيأتي يوما ولو تأخر سيتحاسبا علي كل الوجع الذي منحته له ولم تمنحه غيره ، وناااااااااام وانفاسه منتظمه هادئا راضيا لانه يوم الحساب سيأتي حتما ....

 ( 12 )
1958
منيل الروضة

انتي عايزة الناس تاكل وشنا ، يقولوا ايه ، انك مش طايقه ابنك ، بترمية في الشارع ، همست لامها ، تاكل وشنا احنا ، ليه ، وبعدين ارميه في الشارع يعني ايه ، هو لما اوديه لابوه ، ابقي بارميه في الشارع ؟؟
قررت نبيلة ترسل رشدي لابيه ليعيش معه ، مش راضي يطلقني ال ايه علشان اربي الولد ، طيب بلاش تطلقني لكن مش حاربي الولد ، خلي الخدامين اللي انت مرافقهم يربوا ابنك ومش مهم الطلاق !!!!
سنتين في بيت ابيها تطالب زوجها بالطلاق ولايستجيب لها ، ينهرها ابيها وتتشاجر معها امها لانها تخرج عن التقاليد العريقه ولانها لاتعود لمنزل زوجها وتقبل الصلح الذي يعرضه عليها كثيرا ولانها عنيده وجلابه فضائح ، سنتين تبكي وفي النهايه قررت وفي لحظه حمق تعاقب زوجها وترسل له ابنه ليعتني به ويربيه بدل الوقت الطويل الذي يبدده في مطارده الغواني والنساء الساقطات والفضائح المستمره وكسر نفسها ، سترسل له رشدي ليعتني به ويربيه !!
لايفهم رشدي مالذي سيحدث له ، امرته امه يستعد للذهاب لبيت ابيه ، حتروح تعيش مع بابي ، يتمني يسألها ، حتيجي معايا ، لايقوي ينطق ، الخادمه ترتب ملابسه في الحقيبه وامه تبكي وجدته ايضا ، لن ابقي معها ، لن انام في حضنها ، لن العب في حديقه القصر ، لن يمنحني جدي مصروفا كبيرا ولن اقبل يده كل نهار ، بابي ؟؟ لايتذكر رشدي ابيه ، الدكتور مراد ، شاهده مرتين في السراي ، يأتي لجده ويغلقا عليهما غرفه المكتب ، يتهامسا ، يخرج ابيه من السراي غاضبا بعدما يقبله قبله بارده ويودعه ، تبكي امه بحرقه بعدما تعرف ان المقابله بين ابيها الباشا وزوجها الحقير لم تفلح تنهي اسرها وان الدكتور يرفض تطليقها وان الاب وعده يقنعها تعود لمنزلها ، جده الباشا يهتم بابنته ، والابنة تهتم بالطلاق ، والاب يرفض تطليقها ولااحد يفكر فيه !!!
يعني مش جايه معايا يامامي ، لا يارشدي ، يعني حاعمل ايه ، حتعيش مع بابي ، لوحدي ؟؟ يرتعد رشدي ويجري باكيا بعيدا عنها ، يختبيء خلف شجرة المانجو الكبيرة في الحديقه الشاسعه للقصر ، لن تحضنه وقت النوم ولن تقص عليه الحكايه ، لن توقظه بقبلاتها ولن تحممه وهي تغني ، ستتركه مع ابيه الذي لايتذكر الا صراخه فيه ومشاجراته معها ، يبكي رشدي ، يتمني يموت قبلما يذهب لابيه ، البيت هناك خالي مخيف والاب في العمل طيله النهار ، سيبقي مع الخادمه التي تنهره طيله الوقت لانه لايهمد ، وفي الليل سينام وحده في الظلام بعدما يغلق عليه ابيه باب الحجره والنور ويتركه يتصارع مع اشباح الخوف ، يختبأ خلف شجره المانجو الكبيرة ، لن يعثروا عليه ليرسلوه لابيه ، سيبقي خلف الشجره حتي ينسوه ، نعم ينسوه ، لن يعثر عليه الخدم النوبيين ولا المربيه الهرمه ولاجده الباشا ، امه لن تكترث بالبحث عنه ، هي تبكي طيله الوقت وستظل تبكي ، تشتمه وتشم ابيه وستظل تشتمه ، و............... نام رشدي مكانه ، في الحلم ضربه ابيه لانه كتب علي جدران الصاله اسم امه ، نهره وامره الا يأتي بسيرتها مره ثانيه ، هي سابتك ومشيت وانت عمرك ماحتجيب سيرتها ، ضربه ثانيه لانه قال له انه يحب امه ، ضربه ثالثا لانه قال له انه لن ينساها ابدا و............... بال رشدي علي نفسه وهو نائم رعبا من كثره الضرب وحين حملته المربيه الهرمه علي ذراعيها لفراشه اغمض عينيه بقوه خائفا من جده وعصاته السوداء التي طالما ضرب بها الخدم ، اغمض عنيه بقوه خائفا من بيت ابيه الذي سيرسلوه له وحيدا يتيما ، نام طيله الليله والكوابيس تنهش في روحه ، يبكي وكأن امه ماتت ، يبكي وكأنه ابيه لايكف عن ضربه ، يبكي لانه ملابسه في الحقيبه التي سترسل لبيت ابيه ، تصور الخادمه ستحبسه في الحقيبه وتغلق عليها اقفالها الكبيرة ، و................... في الصباح ، عرف من المربيه انه لن يذهب لابيه وان جده نهر امه وسبها لانها جنت وترمي ولدها ضناها في الشارع ، عرف انه سيبقي معه ، وبقي فعلا ، لكن احساسه بالضياع لم يفارقه ابدا منذ اختبأ خلف شجره المانجو وحتي يومنا هذا وقتما ماتت امه ورحلت عن الحياة ، كان ومازال ضائعا يتمني يسألها سؤال واحد يلح عليه طيله حياته ، انت بتحبيني يامامي ؟؟؟

( 13 )
2010
جاردن سيتي

انه وقت الغروب ، والشمس تنزلق صوب وجه النيل الفضي لتحيل ماءه سبائك ذهب مصهور ، انه وقت "ايديت بياف" والشاي الاخضر والسكينه في الشرفه الهادئه ، انه وقت الذكريات الحميمه التي تستدعيها كل يوم لتؤنسها في وحدتها الموجعة ، تدندن مع النغمات وتسترجع تفاصيل قصتها مع مراد ، تقصد مراد مرعي ....
في البدايه لم تصدقه عندما اتصل بها يعزيها في التليفون ، البقيه في حياتك يالولو ، انزعجت واحست نفسها تخون زوجها الحبيب الذي لم يمضي علي موته الا اياما معدودة ، كادت تتشاجر مع المهندس مراد الذي منح نفسه حقوقا لايستحقها ، لست زوجي ولا حبيبي ولا من اصدقائي حتي تدللني ، الحقيقه انا لااعرفك اساسا حتي تقول لي يالولو ، اجابته ببرود وصلادة ، متشكره لحضرتك يافندم ، تبني جدرانا عاليه بينها وبينه ، هي لاتقصده شخصيا ، لكنها تبني جدرانا عاليه بينها وبين كل الغرباء مثلما تربت وكبرت ووعيت تعاليم اسرتها وابيها الباشا ، بصي يالولو ، انا حاوصل مصر الاسبوع الجاي وعايز اتكلم معاكي ضروري ، افندم حضرتك بتقول ايه ؟؟  وقطع الخط وانتهت المكالمه ولم يعاود الاتصال بها ...
تضحك نبيلة وتحتسي شايها الاخضر وذكرياتها تلفها في دوامات من الونس والبهجة ، مازالت تتذكر احساسها وقتها بذلك الفضولي المتطفل الذي ينتهك خصوصياتها ويدللها بغير اذن ولا حق ، ويطلب رؤيتها وهي لاتعرفه ويلح عليها بالحديث معها غير عابيء باحزانها ووجع رحيل زوجها الحبيب ، يومها احست غيظا وغضب ، لاتعرف رقم تليفونه حتي تعيد الاتصال به وتتشاجر معه وتمنحه مايستحقه ، مين ادي حضرتك الحق تقولي لولو ، وتكلمني في وانا مالي تيجي ولا ماتجيش ، لو تعرف رقمه لاتصلت به وكيلت له فوق راسه كل غضبها ، لكنها لاتعرف رقمه ولاتطاله يديها لتفش فيه غضبها ..
تغير الاسطوانه وصوت ايديت بياف مازال يصدح والشمس تسقط ببطء ببطء في النيل والسماء تكتسي بالوان الاحمر والبنفسجي والازرق المتوهج ، شكته لشوكت ، صاحبك قليل الذوق اتصل بيا وقالي يالولو ، حقك علي يانبيله انا حاكلمه واقوله يلم نفسه ، احست بموضوع لاتعرفه يتواري خلف رد شوكت عليها ، هو فيه ايه ماله صاحبك ده ، ممالوش يانبيله ، خلينا في حزننا لما نروق نبقي نتكلم ...
تبتسم ابتسامه واسعه وهي تتذكر مراد مرعي وحبه وغرامه وعشقه ، تبتسم ابتسامه واسعه فرحمه الله عليه منحها السعاده التي لم تعشها مع غيره ، لكن وقتها ، وقت تلك المكالمه الغامضه لم تكن تعرف عنه اي شيء ، لم تكن تعرف حكايته وروايته ، لم تكن تعرف قدرها عنده وكيف تعرف وبينها وبين فارق توقيت باعد بينهما رغم انفه ...
تتذكره علي شاطيء ميامي وهو يلوح لها وتبتسم ، تتذكره في ليله مأتم ابيها وتبتسم ، تتذكره يوم التليفون الغريب وتبتسم ، تتذكره في كل تلك المواقف وغيرها وتتعجب من غباءها وعدم فهمها لرسائله التي حاول يوصلها لها عبر كل تلك السنوات الطويله ، ياحبيبي يامراد ، ويجتاحها الشوق له والحزن لرحيله ، عشره سنوات واكثر مات مراد مرعي وهي مازالت حزينه عليه ، فعلا كنت الاخير يامراد ياحبيبي الله يرحمك وتبتسم وتبتسم ، وتحسه في جنته سعيدا لانه فعلا كان الاخير ، نعم تمني يكون الاول والاخير ، لكنه ليس كل مايتمناه المرء يدركه ، الله يرحمك ياحبيبي الله يرحمك ...


نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزءالثالث 

زهور وردية واغنية عشق وبعض الوجع ( الجزء الثالث )



 ( 14 )
1962
منيل الروضة

مازال السراي مزدحما بالمعزيات ، الصوان الكبير الذي اقامه شقيقها واعمامها في حديقه السراي مازال مكتظا بالمعزين، النسوة لم تبارح السراي ينتظرن الرجال الصاخبين في الصوان ، مازالت نبيلة جالسه علي مقعدها ، تتمتم بكلمات غير مفهومه ترد بها علي كلمات التعزيه التي تهمس بها المعزيات في اذنها ، تمسح دموعها ، تشعل سيجارة من اخري وتتابع المعزيات وهن يرمقنها بنظرات ذات مغزي كبير ، هي بطله حفلات النميمة في سرايات منيل الروضه والزمالك ، هي التي سيحطمن عظامها ويلتهمن لحمها في امسياتهن الطويلة ،سيتحدثوا عن ملابسها وسجائرها ونظراتها الباردة وحزنها المكتوم ، كل هذا لايهمها ، لم تعد تكترث بكل مايحدث حولها ، منذ فضحها الاناضولي بعلاقته المنحطه مع الخادمه وسيره في نادي الجزيره مع الارتيستات والنسوة الساقطات ، ورفضه تطليقها وتعليقها لسنوات طويله ، منذ ذلك الوقت لم تعد تكترث باي شيء يحدث حولها ، كل مايشغلها حريتها من ذلك المنحط الذي مازال يملك عليها قول وكلمه ، يقترب منها في النادي ويسخر من عندها ويطالبها بالرجوع لطوعه وعصمته ، يحرض عليها صديقاتها ليتكلمن معها ، يلاحق اخيها برغبته في ردها لعصمته ويدعوه ليجبرها علي الرضوخ لصلحه ، يحرق دمها كل يوم الف مره ، بلزوجته بملاحقته لها بعنده معها ، نزوه ياهانم وكل الرجاله ليهم نزوات حتي اسالي الباشا باباكي ، صرخت في وجه امام كل الناس في النادي ، اخرس ، ماتجيبش سيره ابويا علي لسانك الزفر ، ضحك ساخرا منها وتركها تحترق بقوله ، لم تجروء تسال ابيه ولم تجروء تفاتح امها في الموضوع ، هل خانكي ابي وسامحتيه ، هل له نزوات مع الخادمات والساقطات وغفرتي له ، لم تجروء تسال امها ولا ابيها ، لكن دمها محروق ويحترق كل يوم اكثر واكثر ، تطفيء سيجاره وتشعل الاخري ، وتنتظر انتهاء المأتم وايام الحداد لتصر علي الطلاق وتفجر غضبها في اخيها وزوجها وليذهب العالم كله للجحيم ...
البقيه في حياتك ياهانم ، اقترب منها احدهم وهمس بتلك الكلمات ، ميرسي ، همست وهي لاتعرف من يكلمها ، لم ترفع عينيها في وجهه ، لكنه لم يتحرك من امامها بسرعه ، نبيلة ، همس اخيها ، المهندس مراد مرعي بيعزيكي، انتبهت له ، قامت من مقعدها ومدت له يدها تصافحه ، قلبي معاكم ياهانم ، شكرا ياباشمهندس ، بالاذن ياهانم ، وعادت لمقعدها لاتفكر الا في طلاقها من الاناضولي الذي صمم اليوم يحرق دمها مره اخري ، اتي منذ اتصلت به وطلبت منه الطلاق ، لم يأتي ليطلقها بل اتي للسرايه ووقف يتقبل العزاء في ابيها ويتجول في السرايه كأبن من ابناءها ، دخل السرايه منذ الصباح الباكر ، انحني وقبل يد امها يواسيها فقد زوجها ، احتضن شوكت بقوه لان الباشا قطع فيه ورحيله احزننا كلنا ، اقترب منها وكأنه لم يخونها ولم يقهرها ولم يعلقها ، اقترب منها وهمس ، البقيه في حياتك يالولو ، يلعن ابو لولو ، ليس من حقك تدللني ايها الخائن ، ليس من حقك تناديني باسمي الخاص لاصدقائي واهلي وانت لست من هؤلاء ولا هؤلاء ، البقيه في حياتك ياحيبتي والله زعلت خالص ، كانت تجلس في صدر الصالون ، وقتما اقترب منها مراد الاناضولي ، سأل الخادمه تأتيه بابنه ، احتضنه بقوه وطالبه يبقي في العزاء مثل كل رجال العائلة ، شاهدته وارتبكت ، هل تجري من الصالون امام المعزيات فتفتح حفله باسمها تمزق سمعتها في جلسات النميمة ، هل تبقي وتنتظره يصل عندها وتتجاهله ، سيمد يده لن تبادله السلام ، سيواسيها ستصمت ولن ترد علي كلماته ، ستعبس جبينها في وجهه وتريه غضبها الجارف ، صاحب رشدي صوبها وطالبه يبقي بجوار والدته يواسيها موت جده ، اقترب رشدي منها باكيا وهمس كما لقنه ابيه ، البقيه في حياتك يامامي ، غمزه مراد فالقي بجسده في حضنها ، ربتت علي ظهر رشدي وهي تتابع اناضولي ونظراته ، غاضبه منه ومن زيجته السوداء ، مد يده يواسيها فلم تقوي تتجاهله ، همس البقيه في حياتك يالولو ، اغتاظت وكادت تنفجر من الغضب لكنها صمتت ، البقيه في حياتك ياحبيبتي والله زعلت خالص ، لست حبيبتك ولست حبيبي ، ليس من حقك ماتقوله ايها المتعجرف الخائن ، تمتمت بكلمات ممضوغه وعيون الجميع تلاحقها بنظراتها ، هل لمحت نظره امل في عين امها فسرتها بامل في عودة المياه لمجاريها ، نعم لمحتها وكادت تمزق وجهها غضبا وحزنا ، حدقت في اناضولي عله يدرك قدر غضبها فيبتعد عنها ، حزن بارد مرسوم علي وجهه ودعها به وانصرف لصالون بقيه رجال الاسرة وجلس وسطهم يتلقي العزاء في حماه الحبيب .... تسمع صوت خطواته في السرايه ، تسمع صوته وهو يرد كلمات العزاء للمعزين ، تسمع امها تأمر له بقهوة وتسمع اخيها يشكره علي تعبه ..... كل هذا تسمعه وتراه وتحترق بغضبها ،وتنتظر نهايه العزاء وطقوسه لتصمم علي الطلاق ، لن يجدي كل ماتفعله يادكتور مراد ، لن يجدي ابدا .. وتشعل سيجاره وتطفيء سيجاره وتزفر انفاس الغضب والجنون ....

( 15 )
2010
جاردن سيتي

انا مش حاسيب بيتي يارشدي ، ومش حاروح اقعد مع مراتك البايخة ، ايه ، انت عايزني اسيب بيتي ليه ، عايز تبيعه ، استني لما اموت وبيع التركه كلها ، يقاطعها رشدي غاضبا ، ابيع ايه وتركه ايه بس يامامي ، حرام عليكي ، انت علي طول شايفاني وحش كده ، انا متضايق انك قاعده لوحدك وقلت تيجي تنوريني وتتسلي مع ليلي بدل قعدتك لوحدك ...
لم يخبرها برأيه في حالتها الصحيه ، لاتثق فيه ولن تثق فيه ، لو اخبرها ان خرف الشيخوخه يحتلها ويزحف صوب عقلها وان النسيان الذي يداهمها والتصورات الغريبه التي تحاصرها ومشاجراتها مع فاطمه لانها تسرقها ومع عثمان لانه سيقتلها ، لو اخبرها ان كل هذا يفصح عن حاله مرضيه تتدهور ومستقبل مبهم مخيف ، لو اخبرها بكل هذا ماصدقته ، بل ان وهن الشيخوخه وخرفها سيزيدوا من شكوكها تجاهه ، هو ابن الاناضولي الذي يذكرها بابيه ولن تصدقه ، يصمت عن صحتها وحالها ويحاول بل يتمني يقنعها تنتقل للاقامه معه ومع زوجته ليرعاها ، يقدم لها الحجج الواهيه التي لاتقنعها وتزيدها اصرارا وعندا وتشبثا برأيها ..
قلتي ايه يامامي ، تنوريني وتيجي تتسلي معانا ....
تضحك نبيلة ، اتسلي مع مراتك ، ليلي عايزه تسرق صيغتي ، ليلي عايزه السجاجيد الحرير والصيني السيفر ، عايزه تورثني بالحيا ، مراتك عمرها ماحبتني ، حتحبني النهارده ليه ..
يقترب رشدي منها وهي مستلقية علي فراشها ، يامامي والله ليلي بتحبك وانا كمان بحبك ، والله قلقان عليكي وانتي قاعده لوحدك ، والله زعلان لاني نفسي تقعدي معانا بدل ماانتي قاعده مع فاطمه وعثمان ، يتمني يقول لها انه يتمني تعيش معه بعدما فرقت بينهما الحياه وزيجاتها المتلاحقة ، يتمني يقول لها انه يفتقدها طيله حياته وان حضنها يوحشه مثلما كانت تفعل وهو صغيرا في بيت ابيه قبل الفضيحة التي افسدت حياته ، يتمني يقول لها انه يحبها اكثر مما تظن ويفتقدها اكثر مما تتصور وانه حرم منها طيله حياته ، يتمني يقول كل هذا لكنه لايقول شيئا ، مهما قال لن تصدقه ، هو ابن ابيه ، ابن الاناضولي وزوج ليلي التي تطمع في مصاغها وسجاجيدها الحرير ، يتمني لو دخل حضنها وبكي ، البكاء المخزون في روحه وقلبه منذ ارسلته لبيت ابيه يعيش معه وحيدا وقتما تزوجت سعاده السفير وغرقت في السعاده وتركته يعيش في الهم ، يتمني يبكي في حضنها ويشعر بحبها الذي وزعته علي ازواجها وضنت به عليه ، يتمني لكنها لم تفعل ولن تفعل ، هو ابن الاناضولي الخائن ، ابن الاناضولي الذي احتجزها وقيد حريتها ورفض يطلقها ، وعليه يسدد كل فواتير ابيه وغضبها منه ، عليه يسدد كل فواتير ابيه ويعاقب بدلا منه ، لم تملك تعاقب ابيه وتوجعه فعاقبته هو واوجعته هو ، نسيت انه ابنها وتذكرت فقط انه ابن الاناضولي !!!
مش حاسيب بيتي يارشدي ومش حاروح اقعد مع ليلي تتحكم فيا وتقولي اكل ايه واشرب ايه وتحط ايديها علي بيتي ومصاغي وتعد عليا النفس ...
لن يدافع عن ليلي ولو دافع ماصدقته ولااكترثت بكلامه ، صمت عاجزا امام عندها واصرارها واحتار غاضبا ، متي ستفتح له حضنها وتمنحه مشاعرها ، متي ستنسي انه ابن الاناضولي وتتذكر فقط انه ابنها الوحيد وقطعه من قلبها وروحها ...
تحدق فيه بملامح غاضبه عنيده ، ويحدق فيها بحيره وانكسار ، وفجأ تقول له ، لو انت بجد مهتم بي ، ابعت لي ناجي يقعد معايا ، يونسني ، ولا مراتك مش حترضي ....
اقوله يامامي وحسب ظروفه بقي ...
اه قوله ، وانا كمان حاقوله ، يونسني ويخلي باله مني ولاحوجه لمراتك ..
يقبلها ويودعها ويوصي فاطمه برعايتها ويخرج من العماره يسير صوب سيارته هائما مع ماضيه الموجع غاضبا انه لم تواتيه الشجاعه يسألها ، انتي بتحبيني يامامي ؟؟ بتحبيني ؟؟؟

 ( 16 )
1963
منيل الروضة

همس الدكتور مراد غاضبا وهو يوقع علي الاوراق امامه انا عملت للست اختك اللي هي عايزاه ، افتكر بس اني عرضت عليها الصلح مره واتنين ، لكن واضح انها راكبه راسها ومحدش منكم بعد الباشا مامات له كلمه عليها ، تقلصت معده شوكت واحس بالغثيان ، مراد يهينه عامدا وهو صامت لايقوي علي الرد عليه ، نعم لااحد يقوي علي نبيله ولا كبح جموحها ، حاول هو وامه وشقيقاتها وفشلوا جميعا ، عنيدة متسلطه لاتكسر لها رقبه ولا ضلع ، ينهي الدكتور مراد التوقيع علي اوراق الطلاق ويلقي القلم بعيدا ويرفع اصبعه في عين شوكت ، اسمع ياشوكت بيه ، لو الست اختك اتجوزت ، رشدي يجيي يعيش معايا ، انا راجل صعيدي مااقبلش ان ابني يعيش مع جوز امه ، همس شوكت ، مفهوم طبعا ولو انه مش حيحصل ، نبيله حتقعد تربي ابنها وبس ، جحده الدكتور مراد نظره ذات مغزي وكأنه يقول له انت لاتعرف شيئا عن اختك ولا كلمه لك عليها !!!
وبسرعه خرج مراد من السراي غاضبا ، القي بعض النقود  هازئا للمأذون وطلب منه يوصل مؤخر الصداق لبنت الحسب والنسب التي كانت زوجته ، تنازل لها عن شقه الجيزة التي كان يعيشا فيها بكل منقولاتها واكد لشوكت ، دي شقه رشدي ، لوحبت الست اختك تعيش فيها مع ابنها ، لو حبت تقفلها ، الشقه شقه رشدي ومش لازماني ، ابتسم شوكت ساخرا منه ، هو احنا برضه عندنا ستات تعيش في شقق لوحدها يادكتور مراد ؟؟ بادله الابتسامه الساخره باخري اكثر سخرية ، اهي شقة رشدي واللي انتم عايزينه اعملوه فيها  ، تعالي الدكتور مراد علي المشهد كله ووقع علي كل الاوراق وصفع باب السراي وخرج مسرعا ، نسي يقبل رشدي الذي اختبأ خلف العمود الرخامي في بهو السراي ينتظر خروج ابيه من غرفه مكتب جده هو وخاله ، سمع خاله يودعه وهو يقول احنا اهل يادكتور ، لم يرد مراد عليه ، خرج مسرعا ، جلس الخال علي المقعد غاضبا ، صرخ في امه ، بنتك فضحتنا ، حاولت الام تدافع عنها ، هي مظلومه ، لاهي اول واحده جوزها خانها ولااخر واحده ، كل بنات الاصول قاعدين يربوا العيال وكافيين علي الخبر ماجور ، وكمان نازله تمضي علي القسيمه والسيجاره في ايدها ، كأننا مش موجودين ، كان مالهاش كبير ، خلاص بقي ياشوكت ، حاضر ياماما خلاص ، اديني عملت لها اللي هي عايزاه ، اما اشوف اخرتها ايه معاها!!!
مازال رشدي مختبأ خلف العمود ، يتابع مايحدث امامه لايفهمه ، سنوات عمره العشر تصعب عليه الفهم ..
لايفهم لماذا تبكي جدته لان بنتها حظها قليل ولايفهم سبب غضب خاله لان نبيله فضحتنا ... ولايفهم سبب سعادة امه وضحكاتها المتلاحقه ودموعها السياله علي وجهها بعدما اخبرها خاله شوكت انها صارت حره ، اخيرا ، صرخت نبيله ، اخيرا ، وتبكي وتضحك ورشدي لايفهم مايحدث امامه !!!

( 17 )
بيت منيل الروضة
يتحدث

من قال ان الجدران لاتشعر والحوائط لاتتوجع ؟؟ الذي قال هذا لايعرف طبيعه الكون وحقيقة الحياة ، كلنا نشعر ونحس ، كلنا نفرح ونحزن ، كلنا نشعر التعاسه والسعادة ، كلنا موجودات في الحياة مسخرين لما مقدر لنا ، لكنا جميعنا نحن الحوائط والجدران ، الارضيات والاسقف ، المناضد والكنب ، المرايات والواح الزجاج ، الحديقه واشجارها ، الزهور والاشواك ، كلنا نشعر بطريقتنا ونتأثر بطريقتنا ، وحين لايفهمنا الاخرين لانكترث ولا نعبأ ، فانتم ايها البشر لاتفهمون بعضكم ولاتشعرون ببعضكم ، وهل هذا ينتقص من انسانيتكم او يغير طبيعتكم ويحولكم مثلنا ، كما تروننا ، هل هذا يحولكم لجماد بليد لايحس ؟؟
من قال ان الجدران لاتشعر والحوائط لاتتوجع والبيوت لاتفرح لاصحابها او تحزن لحالهم ، صدقوني ، نحن نشعر ونتأثر ، وانا كبيت كبير عشت حياه اهلي ، شاركتهم افراحهم واوجاعهم ، سمعت قهقهات ضحكاتهم ونحيب بكائهم ، تأثرت لاحساسهم بالوجع وقهرتهم بالظلم ، وسعدت لانصافهم وفرحتهم ، لكني لااخفيكم سرا ، كل ماعشته كوم وتلك الليلة التعيسة التي عشتها مع نبيلة هانم كوم اخر ، كان الليل اوشك ينتصف والباشا خلع بذلته وطربوشه وارتدي منامته الثقيله ، خلع طاقم اسنانه واسقطه في المحلول الملحي وصلي الركعتين الاخيرتين التي اعتاد يصليهم قبلما ينام ، الهانم الكبيرة في الاوبرا ، الباشا لاينتظرها ان تأخرت خارج البيت عن ميعاد نومه ، الهانم اعتادت علي نظامه وهو قبل ايقاع حياتها ، اخبرته في الصباح الباكر انه ستذهب للاوبرا مع ابنتيها وستعود بعد ميعاد نومه ، سمح لها وابتسم منبها عليها لاتزعجه وقت عودتها ولو استلزم الامر تنام في اي غرفه خاويه من غرف بناتها ، نام الباشا وساد الصمت في السراي ينتظر عوده الهانم وصخبها ، لكن جرس الباب المجنون الاحمق الذي اخذ يدق بعصبيه وحمق في وقت لايتناسب وذلك الاندفاع الاهوج ، جرس الباب ثقب اذن الباشا وايقظه من نومه الهاديء فقفز من فوق فراشه وارتدي في عجاله روبه الحريري وخرج يجري صوب السلم ، دقات الجرس الاحمق تتسارع وتتسارع ، اكف صغيره ترطم زجاج الباب الحديدي الكبير ، الخادمات يهرعن من غرفهن صوب الباب ، الباشا يصرخ في الطارق ليتأدب ، الطارق لايرفع اصبعه عن زر الجرس واكفه الصغيره لاتكف عن رطم الباب ، والله لو احدهم قال لنا قبل الثانيه التي فتح فيها الباب ان نبيله هانم هي التي ترتكتب تلك الحماقات ماصدقنا ، نبيله هانم ابنه ابيها ، راعيه الاصول والتقاليد ، تفهم في العيب والصواب ، ابدا لن تغادر بيتها في منتصف الليل وابدا لن تطرق جرس الباب بمثل ذلك الصخب الا اذا المت بها نائبه ، فتحت الخادمه الباب فهرعت نبيله لصاله السراي وهي تصرخ ، لم يفهم ابيها مابها لكنه اضطرب لرؤيتها ، خير يانبيله فيه ايه ، ربما تصور ان زوجها مات فجأ ، ربما تصور ان ابنها اصابته كارثه ، لم يفهم الباشا سبب صراخها ، وقف علي السلم ثابتا لايعرف كيف يتصرف ، صوته العالي الهادر يدوي في قلب السراي ويوقظ الجيران في الحيء الهادي ، فيه ايه يانبيله ، فيه ايه ، ترمي جسدها علي اقرب مقعد وتنهار في البكاء ، يلاحقها الباشا باسئلته فيه ايه يانبيله ، جوزك فين ، ابنك فين ، انتي مش كنتي في الاوبرا ، امك واختك فين ، ايه اللي بيحصل؟؟ عشرات الاسئله المتلاحقه التي لا تجاوب نبيله اي منها ، تجري الخادمه صوبها بكوب ماء بارد ، اتفضلي ياهانم ، لكن الهانم لاتشرب ، الهانم ترتعش من رأسها لاخمص قدمها ، الهانم تعتصر كالسفنجة الغارقه وتقطر ماءا ازرق من حدقتيها ، فستانها الاحمر صار كممسحه الارض من كثر الدموع والغضب ، فيه ايه يانبيله ، يقترب منها الباشا ، هدي نفسك بس وقولي لي فيه ايه ، مالك ، عامله في نفسك كده ليه ؟؟؟ ياخذ كوب الماء من الخادمه ويصرفها ، يرتبك لان زوجته غائبه عن المنزل في تلك اللحظه الغريبه ، اهدي وفهميني يانبيله فيه ، مالك ، يناولها كوب الماء ، تضع كفيها المرتعشين عليه ولاتقوي تحمله ، تهمس بصوت يأتي من بعيد ، من جوفها المشتعل ، من روحها المحترقه ، عايزه اتطلق يابابي ، عايزه اتطلق وقبلما يستوعب الباشا ونستوعب جميعا ما تقوله نبيله ، تسقط مغشيا عليها ....
تصرخ الخادمه فزعا فينهرها الباشا لتخرس ، اصوات بيته تعلو منتصف الليله وتفضحه وسط الحي الهاديء ، لايعرف ان شكل نبيلة وهي تركن سيارتها في حديقه المنزل ، وقيادتها الغريبه للسياره قبلما تدخل من البوابه ودموعها المنهمرة كالفيضان ، كل هذا لفت انظار الحي لحدث جلل لايعرفه ، نبه الحي لفضيحه مكتومه ستعرف تفاصيلها وقريبا جدا ، قبلما تدخل نبيله من باب السراية ، تناقل البوابين وحراسات السرايات فيما بينهم ان نبيله هانم بنت الكرملي باشا وصلت بيت ابيها تبكي في منتصف الليل ، وبسرعه دارت زوابيع التكهنات والتوقعات والنميمه ، احدهم قال ان زوجها طلقها والاخري قالت انه طردها من المنزل وان الله امر بالستر وصمتت لاتكشف عن سبب طردها ، احد الحراس اقسم انها كانت سكرانه ورائحه الخمر تفوح من فمها وان البوليس كان يطاردها ، الجاره العجوز التي تقطن في السراي البعيده قالت ان زوجها دكتور اناضولي بصباص وانها تعرفه منذ زارته في عيادته ذات مره وعاكسها قبل مايكشف عليها وانها غادرت عيادته منذ ذلك الوقت واقسمت الا تدخل له ثانيه وتفضحه كلما امكن لها وانها كادت تخطر الباشا بسمعته السيئه وقتما تقدم لنبيلة لكن المأذون سبق خطواتها البطيئه وزغاريد السراي اخرستها ...
الفضول نهش قلب الحي واستيقظت الفتيات والجارات يبحثن عن تفسير لسلوك نبيله وبكاءها ، وزاد الفضول اكثر وقتما وصل الحكيم المشهور للسراي بعد منتصف الليل  وخلفه وصلت الهانم حرم الباشا من الاوبرا ، وصلت لاتعلم شيئا عن كل ماحدث ، اضطربت وقتما شاهدت انوار السراي وارتباك الخادمات وغضب الباشا الذي تشاجر معها لانها غائبه لاتعلم عن مصيبتهم شيئا و................... اوصاه الحكيم يتركها نائمه لانها تعاني من توتر حاد في اعصابها يكاد ينقلب انهيار عصبي حاد ، سألته الام عن سببه فاخرسها الباشا بنظره نارية ، تسلل الباشا لغرفه ابنته واطمئن علي نومها ، صرخ علي السفرجي ليأتي بالسائق يذهب مع المربية العجوز بيت الجيزه ليحضر رشدي بيه ، الام لاتفهم شيئا والباشا لايسمح لها بادراك مافاتها ، هي نبيله هنا ليه ؟؟ هو حصل ايه ؟؟ هي روحت تعبانه من الاوبرا ، ايه اللي حصل ، بعدين ياهانم بعدين ، يدخل غرفه مكتبه ويتصل بالدكتور اناضولي ، يأمره يطرد الخادمه الغانيه في منزله ويأمره يأتيه في الصباح الباكر للم الفضيحه التي تسبب فيها ، يأمر الام تلازم ابنتها وتراقب حالتها ، يصرخ في الخادمات ليطفئن انوار السراي ويخلدن للنوم ، يشرح لزوجته وهي تغير ملابسها ان نبيلة ضبطت زوجها يضاجع الخادمه ، يانهار اسود ، ولااسود ولا حاجه ، كل شيء ممكن يتلم ، نزوه وحيتأدب بيها ويعتذر لها ويادار مادخلك شر ، هكذا قرر الباشا وتصور طريقه ادارته للفضيحه التي قرر يؤدها في مهدها ....
بقي يقظا حتي وصل رشدي للسراي فاحتضنه وامر الخادمه تدخله غرفه امه لينام في حضنها ، رشدي كان مرتاعا وحاول الباشا يطمئنه لكنه لم يفلح ، رشدي يبكي وينادي امه وامه نائمه مخدره باقراص الطبيب والجده تبكي حزينه والجد يصرخ في الجميع ليصمت وكفانا فضائح ...
دخل رشدي في غرفه امه ونام علي السرير المقابل لها وهو يبكي ، يناديها فلا تجيبه فيبكي ويبكي حتي سقط صريع النوم والخوف ....
اطفئت انوار السراي وخلد الجميع للنوم الا انا ...
نعم ، لم يأتيني نوم ليلتها وبقيت مستيقظا حزينا علي زهره البيت التي دهستها الفضيحه ومزقت امانها وبعثرت كرامتها ، حزينا علي نبيلة هانم التي لاتستحق تلك الفضيحه ، ليلتها كرهت دكتور اناضولي القاسي ، كرهته وتمنيت موته وحين اتي في الصباح الباكر كما امره الباشا ، لم ارحب به واعطيته ظهري واحس انه غير مرغوب به في السراي مني انا ومن نبيلة ، لم ارحب به ووصلته رسالتي فجلس امام الباشا يؤنبه كالتلميذ الخائب لايطيق نفسه والسراي كلها تطبق علي نفسه ....
احسن ، علشان تبقي تزعل نبيله هانم تاني ......

( 18 )
2010
جاردن سيتي

دخل عليها في الشرفة وهي تحتسي الشاي وقت الغروب وتسمع مطربتها الفرنسية المحببة ، ايديت بياف ، علي جرامافون قديم ورثته عن ابيها ، حياها ، بنجور يامامي .. انتبهت وسط الموسيقي لوجوده ،  رشدي ، جيت امتي ؟؟ لسه حالا !! حيته ومنحته يدها ليقبلها وخدها ايضا ، جلس يغمغم مع صوت الموسيقي وذكريات بيت المنيل وجده الباشا تداهمه ، صمت طويلا وهي ايضا ، وفجأ سألها مرتبكا ، هو الطقم "الكريستوفل" فين؟؟ 
انتفضت غاضبه من سؤاله ومن افساده للحظتها الجميلة التي تعيش دقائقها باستمتاع ، وانت مالك ، بتسأل ليه ، ازداد ارتباكا ، عادي ، اصله مش في البوفيه وقلقت ، بعته ، ازرق وجهه ، ليه يامامي ؟؟ حاجتي وابعيتها زي ماانا عايزه ، ولا انت عايز تورثني بالحياة ..
ارتفع صوتها ، مراتك تلاقيها هي اللي باعتاك ، بتمم علي الحاجه ، بتوز الشغالين يتجسسوا علي ، ينقلوا ليها انا باعمل ايه واتصرف ازاي ، ارتفع صوتها اكثر واكثر ، قول لمراتك يادكتور مالهاش دعوه بحاجتي ، حابيعها كلها ، حارميها من الشباك ، حاديها للبواب ، حاجتي وانا حره فيها ، انا لسه مامتش وبعقلي ، فاهم ؟؟؟؟
وتحول الغناء لطنين يضايقها وتحول وقت الغروب لوحشة تحتلها وكادت تبكي وهي تصرخ وتصرخ ، انا لسه عايشه يادكتور ودي حاجتي انا مش حاجتك انت ولا حاجتها هي !!!
وجهه ازرق ويزداد قتامه ، عاد صغيرا كمثلما كان يقف امامها وهي تصرخ فيه وتنهره ، عاد صغيرا تائها بين الاقدام مثلما اعتاد دائما في وجودها ، زوجته بريئه من كل اتهاماتها السخيفه ، الكبر يتحكم في عقلها الهلامي ، تتصور اشياء لاعلاقه لها بالحقيقه ، زوجته تحبها لكنها هي تكرهها ، زوجته لاتعرف شيئا عن منزلها ، هو دخل حجرة الطعام ليحضر لها صينيه من الفضه المكدسه في البوفيه ، سيعطيها للخادمه لتقدم لها عليها الماء المثلح والعصير ، حزين لانها تكدس اشيائها ولا تستمتع بها ، فوجيء بان طقم الفضيه مش موجود ، خاف وتصور ان الخادمه سرقته ، سألها متوجسا لانه يعلم بشكوكها فيه وفي زوجته ، سألها متوجسا خائفا من انفجارها المرعب وقتما تتصوره يفكر في موتها ويتمناه ليرث ثروتها الطائله التي جمعتها من ازواجها الثلاث ، لاافكر في الميراث واتمناكي تعيشي العمر كله ، لاافكر في الميراث ، افكر في حضن دافيء تمنحيه لي بعدما مر عمري كله وانا محروم من حبك ، تفكري في الاطقم الفضيه وانا افكر في حبك ، تنسيني وتتذكري ثروتك وانا انسي ثروتك ولاافكر الا فيكي !!!
امامها صغيرا حائرا ، وجهه ازرق ، يعتذر هامسا ، خلاص يامامي حقك علي !!! تنظر له اكثر غضبا ، اعتذاره لن يشفي غليلها في شتم زوجته وسبها ، تلمح وجهه الازرق ، تشفق عليه ، مراته مخوفاه !!! تهمس ، اوكي بس قول لمراتك العقربه مالهاش دعوة بي ، حاضر يامامي !!! يتمني يدخل في حضنها ، تتمناه يطلق زوجته العقربه ويعيش معها حتي تموت ، ولما لايفعل ، فهو وريثها الوحيد وستترك له ميراثا ضخما ، الا يستحق ذلك المال ان يطلق زوجته ويمنحها بعض وقته !!!! تسأله عايز تعرف بعته بكام ، يهمس لا خالص ، تسأله ، عايز فلوس ، لا خالص خالص ، والله كنت باتطمن عليكي ، تهمس ماتخافش علي امك ناصحه ، بعت الطقم بيعه كويسه وشلت فلوسه في البنك ، لما اموت حتاخدها هي كمان !!! تهمس بحزن ، ويسمعها بحزن اكتر !!! كل منهما ، نبيلة هانم وابنها الدكتور رشدي ، يقف علي ضفه بعيدة عن التي يقف عليها الاخر ، وبينهما نهر من الاحزان يجري ويجري ، ويفيض ويفيض !!!!!
يودعها ويعطيها ظهره لكنها تناديه فجأ ، يتصورها ستفتح حضنها له ، لكنها تخذله كعادتها وتسأله ، هو ناجي حيجي امتي يقعد معايا ؟؟

( 19 )
منيل الروضة
1964

بص يامراد انت اخويا وصديق عمري وطلبك يشرفني ، لكن انا مش موافق ومش حافاتحها في الموضوع  ، حدقت فيه لااصدق مايقوله ...
ماتفهمنيش غلط ، زي ماقلت لك يشرفني تتجوزها ، لكن احنا كلنا متأكدين انها حترجع لجوزها وابو ابنها ونلم الفضيحه اللي حصلت ..
حدقت فيه لااصدق مايقوله ..
شرح لي مرتبكا كأنه يتمناني اصدقه ويتمني يصدق نفسه ، انا عارف ان نبيله عنيدة وعارف انها رافضه اي كلام في الموضوع ده ومتشبثه برأيها ومصممه ماترجعش للدكتور مراد ، لكن انا واثق وماما كمان ، الحقيقه العيله كلها ، كلنا واثقين انه حيعرف يصالحها ويرجعوا لبعض علي الاقل علشان الولد يتربي بينهم ...
هكذا رفض شوكت طلبي بالزواج من اخته ...
كنت واثق ان مايقوله لن يحدث ، وان نبيله ابدا لن تعود للدكتور مراد ، اعرفها عنيده معتده بنفسها ، لن تقبل تعود له ابدا ، لكني رضخت لرفضه وانسحبت بمشاعري بعيدا واحترمت كلامه ...
نعم فكرت اتصل بها واسالها رايها ، فكرت اقول لها اني احبها وارغب في الزواج بها ، لكني تراجعت سريعا ، لايليق بي ولا بشقيقها هذا التصرف الارعن ، بنات الاصول والاسر العريقه مثلها لايخطبن بتلك الطريقه المنحطه ، كنت فقط اريد اخبرها اني احبها واني اتمني اتزوجها واترك لها حريه الاختيار تعود لابو ابنها ام تتزوجني ، لكني احترمت رغبه شوكت وابتعدت بجراحي العقها بعيدا بأمل يتأكد من رفضها العوده لمطلقها وقبوله عرضي بالزواج منها ، لكن الامل سرعان ماتبدد بقسوة حين وصلتني عواصف النميمة التي شحذت لسانها علي نبيلة وهاجمت رعونتها لانها رفضت التصالح مع مطلقها والعوده لعصمته لتربيه ابنها وتزوجت بالسفير مراد السندسي واتت معه لباريس لقضاء شهر العسل ..
يومها بكيت حزينا وسرعان ماتحول حزني لغضب عارم صببت جامه فوق رأس شوكت الذي كان صديق عمري في مكالمه تليفونه عاصفه انهلت فيها علي رأسه بالفاظ لم يتوقعها مني ، لانه حرمني من حبيبه عمري وفي نفس الوقت لم يقوي يكبح جماح عندها ورضخ لاصرارها علي الزواج من السفير وعدم العودة لابو ابنها ...
سببت شوكت وسببتها ، لانها للمرة الثانيه لم تراني ولم تنتظرني وانا الذي لااري غيرها وانتظرتها طويلا وسانتظرها اطول .....

( 20 )
2010
جاردن سيتي

ادخل عثمان حقائبه في الغرفه البحرية المجاورة لغرفه الهانم الكبيرة بعدما نظفت فاطمة الغرفه ، وقفت نبيلة بنفسها تشرف علي ترتيب ملابسه بالدواليب ، يطالبها ناجي تريح نفسها لكنها تتجاهل برأسها الصلد وعندها التركي مايقوله ، سعيدة لانتقاله للعيش معها ، اخيرا رضخ لالحاحها وقبل ينتقل للعيش معها ، ابتزته قدر ماقويت ، انا قربت اموت وبعدها ياتتجوز صوفي ياترجع لليلي ، براحتك بقي ، لكن خليك معايا لغايه مااموت ، العمر الطويل ليكي ياانة ، يهمس ناجي ..
سأله رشدي ، ايوه ايه سبب قرارك المفاجيء ده ، رشدي طالب ناجي كثيرا بالانتقال للاقامه مع جدته ، راوغه كثيرا ووعده بالذهاب ولم يذهب ، وفجأ قرر يجمع ملابسه وينتقل للاقامه مع جدته ، شرح له ناجي ، انها وحيدة جدا ونفسها تحكي وتتكلم ، حاونسها بالذات في الظروف اللي هي فيها دي ، طيب ماانا بقالي بقولك الكلام ده من زمان اللي غير رايك فجأ ، لم يجيبه ناجي وصمت ، كل حاجه بوقتها ، لم يخبره ناجي بمكالمه نبيلة التليفونية وانهيارها في البكاء ..
اتصلت به في عمله وكانت تبكي ، كلمته باعتباره مراد مرعي ، اخذت تتشاجر معه لانه يتركها وحيده في البيت ولايخاف عليها ، كانت تتشاجر معه وتبكي لانه كف عن حبها ، كانت تلوم نفسها لانها تزوجته وهي علي عتبات الخمسين ، كانت تتشاجر معه لانه وعدها بسعاده لم يمنحها له ، يومها خاف ناجي علي نبيله ، لم يقل لها انه حفيدها وان زوجها مات من عشره سنوات واكثر ، يومها وعدها يأتيها وبسرعه ويترك كل مافي يده ويتفرغ لها ، يومها خاطبها باعتباره زوجها المحب واكد عليها انه يحبها بل يعشقها وانه لايقوي علي تحمل دموعها ، اخذ يدللها في التليفون وهي تهدأ رويدا رويدا ، قالت له احبك فصمت ، انفجرت في البكاء ثانيه ، همس احبك يالولو ، واغلق التليفون وانفجر في البكاء ، خرف الشيخوخه يلتهم عقل جدته ووعيها وادراكها وكرامتها ، يومها حسم امره لينتقل للاقامه معها ، كان يسمع كلام ابيه عن وعيها الضائع ولم يصدقه ، تصور كلام ابيه مبالغات للضغط عليه وابتزازه فقط للانتقال معها ، لكنه اليوم ادرك ان وضعها اخطر مما يظن ، ادرك ان عقلها تأكله الشيخوخه ، احس فقدها ووجعه تصور موتها وحيده خرفه لاتميز بين زوجها وحفيدها ، اخبر صوفي بما حدث وانه سينتقل للاقامه مع جدته ، اتصل بفاطمه ليطمئن منها علي جدته ، قالت له انها كانت تبكي طويلا ثم كفت عن البكاء وانها تجلس في الشرفه تحتسي الشاي الاخضر وتسمع موسيقاها المفضله ، اتصل بها تليفونيا وهو مرعوب ، خاف تناديه بمراد وتنسي انه ناجي ، لكنها عرفته وشتمته بخفه دمها ولامته لانه لم يتصل بها منذ فتره طويله ، اسر لها بانه سينتقل اليوم وفورا للاقامه معه ، صرخت فرحه ، ميرسي ياحبيبي ياناجي ايوه كده ، انا مستنياك من زمان ، انهي معها المكالمه وهو فرح مطئمن نسبيا علي حالتها الصحيه وتمني لو نسي المكالمه الغريبه التي دارت بينهما وهي تبكي، اغلق الخط وانهي المكالمه فلم يسمعها وهي تؤكد عليه ، ماتتأخرش عليا يامراد ...
لم يقل كل هذا لابيه ، يخاف عليها منه ، عاملته بقسوه طيله العمر فلن يحنوا عليها في شيخوختها ، سيودعها مصحه للمسنين ، سيتركها تموت وحيده ، سيترك عقلها يتلاشي وتنسي من هي وتنسي كل تفاصيل حياتها ، لن يخبره بالمكالمه التليفونيه التي دارت بينها ...
يابابي خلاص بقي ، انت طلبت مني اروح اقعد مع انة وانا قررت النهارده اروح ، خلاص مافيش موضوع بقي ، الامر كله لايعجب ليلي ، غاضبه لان ابنها سينتقل للاقامه مع جدته ويتركهما ، تحاول تثنيه عن قراره وشرحت له ماانا ياناجي طلبت منها بدل المره عشره تيجي تقعد معانا في الزمالك ، ضحك ناجي ، ماهي طبعا حترفض يامامي ، والحقيقه لاكانت هي حتستريح ولانتي حتستريحي ، انا حاروح انا اقعد معاها ، خلاص بقي ...وفعلا لملم ملابسه واشياءه ورحل لبيت جدته ، نبيله هانم التي رحبت به وبقدومه ترحيبا كبيرا ،
مازالت فاطمة ترتب ملابسه وترص كتبه وتنظم غرفته ومازالت هي وسط الحجره تصدر اوامراها وتعدل عليها ماتقوم به وتسبها لانها غبيه ومافيش منها فايده ومااتعلمتش منها حاجه خالص ، تنتبه فجأ وتسأل ناجي ، طبعا ليلي حاولت تمنعك ، ولا تلاقيها انبسطت انك جاي تقعد معايا متصورة انك حتكون واطي زيها وتراقبني ، يضحك ناجي ، ترتبك ، بردون ياناجي مش قصدي ، عارفه انها امك ، بس هي واطيه برضه ، يعبس جبينه ، طيب خلاص ، مش حاشتمها تاني قدامك خالص ، ينفجرا في الضحك ...
تعود لفراشها راضية سعيدة ، اخيرا افلحت تخلع ناجي من حضن امه لحضنها ، ليلي لاتستحق حضنه ولاتحبه مثلي ، هو حفيدي واعز من ابوه ومن الجميع ، تمنت لو رشدي كان مثل ابنه حنونا عطوف ، لكن رشدي براوي زي ابوه ، يضحك ناجي ، طيب برضه مش حاشتمه قدامك ، تاخذه في حضنها فرحه وتأمر عثمان يعد لهما القهوه في الشرفه الكبيرة وتأمر فاطمه تجهز الاسطوانات وتنظف المقاعد وتروي الزرع و......... تشعر نبيله وكأن الايام الجميله عادت لحياتها بعد طول وحدة ...
نورت بيتك ياناجي ، منور بيكي ياانة والله ....
وتغني ايديت بياف " الاوراق المتساقطة " وتدندن نبيلة معها وهي تسترجع شرائط العمر الذي صار كله خلف ضهرها ويبتسم ناجي سعيدا لانه افلح يمنح جدته بعض السعاده وبعض الونس و........... نورت بيتك يا مراد والله ..... وتشق كلماتها قلبه وتزيد قلقه وحزنه ووجعه ويتمني لها شفاء وصحه وطول العمر ....


نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع