مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

زهور وردية واغنية عشق وبعض الوجع ( الجزء الثالث )



 ( 14 )
1962
منيل الروضة

مازال السراي مزدحما بالمعزيات ، الصوان الكبير الذي اقامه شقيقها واعمامها في حديقه السراي مازال مكتظا بالمعزين، النسوة لم تبارح السراي ينتظرن الرجال الصاخبين في الصوان ، مازالت نبيلة جالسه علي مقعدها ، تتمتم بكلمات غير مفهومه ترد بها علي كلمات التعزيه التي تهمس بها المعزيات في اذنها ، تمسح دموعها ، تشعل سيجارة من اخري وتتابع المعزيات وهن يرمقنها بنظرات ذات مغزي كبير ، هي بطله حفلات النميمة في سرايات منيل الروضه والزمالك ، هي التي سيحطمن عظامها ويلتهمن لحمها في امسياتهن الطويلة ،سيتحدثوا عن ملابسها وسجائرها ونظراتها الباردة وحزنها المكتوم ، كل هذا لايهمها ، لم تعد تكترث بكل مايحدث حولها ، منذ فضحها الاناضولي بعلاقته المنحطه مع الخادمه وسيره في نادي الجزيره مع الارتيستات والنسوة الساقطات ، ورفضه تطليقها وتعليقها لسنوات طويله ، منذ ذلك الوقت لم تعد تكترث باي شيء يحدث حولها ، كل مايشغلها حريتها من ذلك المنحط الذي مازال يملك عليها قول وكلمه ، يقترب منها في النادي ويسخر من عندها ويطالبها بالرجوع لطوعه وعصمته ، يحرض عليها صديقاتها ليتكلمن معها ، يلاحق اخيها برغبته في ردها لعصمته ويدعوه ليجبرها علي الرضوخ لصلحه ، يحرق دمها كل يوم الف مره ، بلزوجته بملاحقته لها بعنده معها ، نزوه ياهانم وكل الرجاله ليهم نزوات حتي اسالي الباشا باباكي ، صرخت في وجه امام كل الناس في النادي ، اخرس ، ماتجيبش سيره ابويا علي لسانك الزفر ، ضحك ساخرا منها وتركها تحترق بقوله ، لم تجروء تسال ابيه ولم تجروء تفاتح امها في الموضوع ، هل خانكي ابي وسامحتيه ، هل له نزوات مع الخادمات والساقطات وغفرتي له ، لم تجروء تسال امها ولا ابيها ، لكن دمها محروق ويحترق كل يوم اكثر واكثر ، تطفيء سيجاره وتشعل الاخري ، وتنتظر انتهاء المأتم وايام الحداد لتصر علي الطلاق وتفجر غضبها في اخيها وزوجها وليذهب العالم كله للجحيم ...
البقيه في حياتك ياهانم ، اقترب منها احدهم وهمس بتلك الكلمات ، ميرسي ، همست وهي لاتعرف من يكلمها ، لم ترفع عينيها في وجهه ، لكنه لم يتحرك من امامها بسرعه ، نبيلة ، همس اخيها ، المهندس مراد مرعي بيعزيكي، انتبهت له ، قامت من مقعدها ومدت له يدها تصافحه ، قلبي معاكم ياهانم ، شكرا ياباشمهندس ، بالاذن ياهانم ، وعادت لمقعدها لاتفكر الا في طلاقها من الاناضولي الذي صمم اليوم يحرق دمها مره اخري ، اتي منذ اتصلت به وطلبت منه الطلاق ، لم يأتي ليطلقها بل اتي للسرايه ووقف يتقبل العزاء في ابيها ويتجول في السرايه كأبن من ابناءها ، دخل السرايه منذ الصباح الباكر ، انحني وقبل يد امها يواسيها فقد زوجها ، احتضن شوكت بقوه لان الباشا قطع فيه ورحيله احزننا كلنا ، اقترب منها وكأنه لم يخونها ولم يقهرها ولم يعلقها ، اقترب منها وهمس ، البقيه في حياتك يالولو ، يلعن ابو لولو ، ليس من حقك تدللني ايها الخائن ، ليس من حقك تناديني باسمي الخاص لاصدقائي واهلي وانت لست من هؤلاء ولا هؤلاء ، البقيه في حياتك ياحيبتي والله زعلت خالص ، كانت تجلس في صدر الصالون ، وقتما اقترب منها مراد الاناضولي ، سأل الخادمه تأتيه بابنه ، احتضنه بقوه وطالبه يبقي في العزاء مثل كل رجال العائلة ، شاهدته وارتبكت ، هل تجري من الصالون امام المعزيات فتفتح حفله باسمها تمزق سمعتها في جلسات النميمة ، هل تبقي وتنتظره يصل عندها وتتجاهله ، سيمد يده لن تبادله السلام ، سيواسيها ستصمت ولن ترد علي كلماته ، ستعبس جبينها في وجهه وتريه غضبها الجارف ، صاحب رشدي صوبها وطالبه يبقي بجوار والدته يواسيها موت جده ، اقترب رشدي منها باكيا وهمس كما لقنه ابيه ، البقيه في حياتك يامامي ، غمزه مراد فالقي بجسده في حضنها ، ربتت علي ظهر رشدي وهي تتابع اناضولي ونظراته ، غاضبه منه ومن زيجته السوداء ، مد يده يواسيها فلم تقوي تتجاهله ، همس البقيه في حياتك يالولو ، اغتاظت وكادت تنفجر من الغضب لكنها صمتت ، البقيه في حياتك ياحبيبتي والله زعلت خالص ، لست حبيبتك ولست حبيبي ، ليس من حقك ماتقوله ايها المتعجرف الخائن ، تمتمت بكلمات ممضوغه وعيون الجميع تلاحقها بنظراتها ، هل لمحت نظره امل في عين امها فسرتها بامل في عودة المياه لمجاريها ، نعم لمحتها وكادت تمزق وجهها غضبا وحزنا ، حدقت في اناضولي عله يدرك قدر غضبها فيبتعد عنها ، حزن بارد مرسوم علي وجهه ودعها به وانصرف لصالون بقيه رجال الاسرة وجلس وسطهم يتلقي العزاء في حماه الحبيب .... تسمع صوت خطواته في السرايه ، تسمع صوته وهو يرد كلمات العزاء للمعزين ، تسمع امها تأمر له بقهوة وتسمع اخيها يشكره علي تعبه ..... كل هذا تسمعه وتراه وتحترق بغضبها ،وتنتظر نهايه العزاء وطقوسه لتصمم علي الطلاق ، لن يجدي كل ماتفعله يادكتور مراد ، لن يجدي ابدا .. وتشعل سيجاره وتطفيء سيجاره وتزفر انفاس الغضب والجنون ....

( 15 )
2010
جاردن سيتي

انا مش حاسيب بيتي يارشدي ، ومش حاروح اقعد مع مراتك البايخة ، ايه ، انت عايزني اسيب بيتي ليه ، عايز تبيعه ، استني لما اموت وبيع التركه كلها ، يقاطعها رشدي غاضبا ، ابيع ايه وتركه ايه بس يامامي ، حرام عليكي ، انت علي طول شايفاني وحش كده ، انا متضايق انك قاعده لوحدك وقلت تيجي تنوريني وتتسلي مع ليلي بدل قعدتك لوحدك ...
لم يخبرها برأيه في حالتها الصحيه ، لاتثق فيه ولن تثق فيه ، لو اخبرها ان خرف الشيخوخه يحتلها ويزحف صوب عقلها وان النسيان الذي يداهمها والتصورات الغريبه التي تحاصرها ومشاجراتها مع فاطمه لانها تسرقها ومع عثمان لانه سيقتلها ، لو اخبرها ان كل هذا يفصح عن حاله مرضيه تتدهور ومستقبل مبهم مخيف ، لو اخبرها بكل هذا ماصدقته ، بل ان وهن الشيخوخه وخرفها سيزيدوا من شكوكها تجاهه ، هو ابن الاناضولي الذي يذكرها بابيه ولن تصدقه ، يصمت عن صحتها وحالها ويحاول بل يتمني يقنعها تنتقل للاقامه معه ومع زوجته ليرعاها ، يقدم لها الحجج الواهيه التي لاتقنعها وتزيدها اصرارا وعندا وتشبثا برأيها ..
قلتي ايه يامامي ، تنوريني وتيجي تتسلي معانا ....
تضحك نبيلة ، اتسلي مع مراتك ، ليلي عايزه تسرق صيغتي ، ليلي عايزه السجاجيد الحرير والصيني السيفر ، عايزه تورثني بالحيا ، مراتك عمرها ماحبتني ، حتحبني النهارده ليه ..
يقترب رشدي منها وهي مستلقية علي فراشها ، يامامي والله ليلي بتحبك وانا كمان بحبك ، والله قلقان عليكي وانتي قاعده لوحدك ، والله زعلان لاني نفسي تقعدي معانا بدل ماانتي قاعده مع فاطمه وعثمان ، يتمني يقول لها انه يتمني تعيش معه بعدما فرقت بينهما الحياه وزيجاتها المتلاحقة ، يتمني يقول لها انه يفتقدها طيله حياته وان حضنها يوحشه مثلما كانت تفعل وهو صغيرا في بيت ابيه قبل الفضيحة التي افسدت حياته ، يتمني يقول لها انه يحبها اكثر مما تظن ويفتقدها اكثر مما تتصور وانه حرم منها طيله حياته ، يتمني يقول كل هذا لكنه لايقول شيئا ، مهما قال لن تصدقه ، هو ابن ابيه ، ابن الاناضولي وزوج ليلي التي تطمع في مصاغها وسجاجيدها الحرير ، يتمني لو دخل حضنها وبكي ، البكاء المخزون في روحه وقلبه منذ ارسلته لبيت ابيه يعيش معه وحيدا وقتما تزوجت سعاده السفير وغرقت في السعاده وتركته يعيش في الهم ، يتمني يبكي في حضنها ويشعر بحبها الذي وزعته علي ازواجها وضنت به عليه ، يتمني لكنها لم تفعل ولن تفعل ، هو ابن الاناضولي الخائن ، ابن الاناضولي الذي احتجزها وقيد حريتها ورفض يطلقها ، وعليه يسدد كل فواتير ابيه وغضبها منه ، عليه يسدد كل فواتير ابيه ويعاقب بدلا منه ، لم تملك تعاقب ابيه وتوجعه فعاقبته هو واوجعته هو ، نسيت انه ابنها وتذكرت فقط انه ابن الاناضولي !!!
مش حاسيب بيتي يارشدي ومش حاروح اقعد مع ليلي تتحكم فيا وتقولي اكل ايه واشرب ايه وتحط ايديها علي بيتي ومصاغي وتعد عليا النفس ...
لن يدافع عن ليلي ولو دافع ماصدقته ولااكترثت بكلامه ، صمت عاجزا امام عندها واصرارها واحتار غاضبا ، متي ستفتح له حضنها وتمنحه مشاعرها ، متي ستنسي انه ابن الاناضولي وتتذكر فقط انه ابنها الوحيد وقطعه من قلبها وروحها ...
تحدق فيه بملامح غاضبه عنيده ، ويحدق فيها بحيره وانكسار ، وفجأ تقول له ، لو انت بجد مهتم بي ، ابعت لي ناجي يقعد معايا ، يونسني ، ولا مراتك مش حترضي ....
اقوله يامامي وحسب ظروفه بقي ...
اه قوله ، وانا كمان حاقوله ، يونسني ويخلي باله مني ولاحوجه لمراتك ..
يقبلها ويودعها ويوصي فاطمه برعايتها ويخرج من العماره يسير صوب سيارته هائما مع ماضيه الموجع غاضبا انه لم تواتيه الشجاعه يسألها ، انتي بتحبيني يامامي ؟؟ بتحبيني ؟؟؟

 ( 16 )
1963
منيل الروضة

همس الدكتور مراد غاضبا وهو يوقع علي الاوراق امامه انا عملت للست اختك اللي هي عايزاه ، افتكر بس اني عرضت عليها الصلح مره واتنين ، لكن واضح انها راكبه راسها ومحدش منكم بعد الباشا مامات له كلمه عليها ، تقلصت معده شوكت واحس بالغثيان ، مراد يهينه عامدا وهو صامت لايقوي علي الرد عليه ، نعم لااحد يقوي علي نبيله ولا كبح جموحها ، حاول هو وامه وشقيقاتها وفشلوا جميعا ، عنيدة متسلطه لاتكسر لها رقبه ولا ضلع ، ينهي الدكتور مراد التوقيع علي اوراق الطلاق ويلقي القلم بعيدا ويرفع اصبعه في عين شوكت ، اسمع ياشوكت بيه ، لو الست اختك اتجوزت ، رشدي يجيي يعيش معايا ، انا راجل صعيدي مااقبلش ان ابني يعيش مع جوز امه ، همس شوكت ، مفهوم طبعا ولو انه مش حيحصل ، نبيله حتقعد تربي ابنها وبس ، جحده الدكتور مراد نظره ذات مغزي وكأنه يقول له انت لاتعرف شيئا عن اختك ولا كلمه لك عليها !!!
وبسرعه خرج مراد من السراي غاضبا ، القي بعض النقود  هازئا للمأذون وطلب منه يوصل مؤخر الصداق لبنت الحسب والنسب التي كانت زوجته ، تنازل لها عن شقه الجيزة التي كان يعيشا فيها بكل منقولاتها واكد لشوكت ، دي شقه رشدي ، لوحبت الست اختك تعيش فيها مع ابنها ، لو حبت تقفلها ، الشقه شقه رشدي ومش لازماني ، ابتسم شوكت ساخرا منه ، هو احنا برضه عندنا ستات تعيش في شقق لوحدها يادكتور مراد ؟؟ بادله الابتسامه الساخره باخري اكثر سخرية ، اهي شقة رشدي واللي انتم عايزينه اعملوه فيها  ، تعالي الدكتور مراد علي المشهد كله ووقع علي كل الاوراق وصفع باب السراي وخرج مسرعا ، نسي يقبل رشدي الذي اختبأ خلف العمود الرخامي في بهو السراي ينتظر خروج ابيه من غرفه مكتب جده هو وخاله ، سمع خاله يودعه وهو يقول احنا اهل يادكتور ، لم يرد مراد عليه ، خرج مسرعا ، جلس الخال علي المقعد غاضبا ، صرخ في امه ، بنتك فضحتنا ، حاولت الام تدافع عنها ، هي مظلومه ، لاهي اول واحده جوزها خانها ولااخر واحده ، كل بنات الاصول قاعدين يربوا العيال وكافيين علي الخبر ماجور ، وكمان نازله تمضي علي القسيمه والسيجاره في ايدها ، كأننا مش موجودين ، كان مالهاش كبير ، خلاص بقي ياشوكت ، حاضر ياماما خلاص ، اديني عملت لها اللي هي عايزاه ، اما اشوف اخرتها ايه معاها!!!
مازال رشدي مختبأ خلف العمود ، يتابع مايحدث امامه لايفهمه ، سنوات عمره العشر تصعب عليه الفهم ..
لايفهم لماذا تبكي جدته لان بنتها حظها قليل ولايفهم سبب غضب خاله لان نبيله فضحتنا ... ولايفهم سبب سعادة امه وضحكاتها المتلاحقه ودموعها السياله علي وجهها بعدما اخبرها خاله شوكت انها صارت حره ، اخيرا ، صرخت نبيله ، اخيرا ، وتبكي وتضحك ورشدي لايفهم مايحدث امامه !!!

( 17 )
بيت منيل الروضة
يتحدث

من قال ان الجدران لاتشعر والحوائط لاتتوجع ؟؟ الذي قال هذا لايعرف طبيعه الكون وحقيقة الحياة ، كلنا نشعر ونحس ، كلنا نفرح ونحزن ، كلنا نشعر التعاسه والسعادة ، كلنا موجودات في الحياة مسخرين لما مقدر لنا ، لكنا جميعنا نحن الحوائط والجدران ، الارضيات والاسقف ، المناضد والكنب ، المرايات والواح الزجاج ، الحديقه واشجارها ، الزهور والاشواك ، كلنا نشعر بطريقتنا ونتأثر بطريقتنا ، وحين لايفهمنا الاخرين لانكترث ولا نعبأ ، فانتم ايها البشر لاتفهمون بعضكم ولاتشعرون ببعضكم ، وهل هذا ينتقص من انسانيتكم او يغير طبيعتكم ويحولكم مثلنا ، كما تروننا ، هل هذا يحولكم لجماد بليد لايحس ؟؟
من قال ان الجدران لاتشعر والحوائط لاتتوجع والبيوت لاتفرح لاصحابها او تحزن لحالهم ، صدقوني ، نحن نشعر ونتأثر ، وانا كبيت كبير عشت حياه اهلي ، شاركتهم افراحهم واوجاعهم ، سمعت قهقهات ضحكاتهم ونحيب بكائهم ، تأثرت لاحساسهم بالوجع وقهرتهم بالظلم ، وسعدت لانصافهم وفرحتهم ، لكني لااخفيكم سرا ، كل ماعشته كوم وتلك الليلة التعيسة التي عشتها مع نبيلة هانم كوم اخر ، كان الليل اوشك ينتصف والباشا خلع بذلته وطربوشه وارتدي منامته الثقيله ، خلع طاقم اسنانه واسقطه في المحلول الملحي وصلي الركعتين الاخيرتين التي اعتاد يصليهم قبلما ينام ، الهانم الكبيرة في الاوبرا ، الباشا لاينتظرها ان تأخرت خارج البيت عن ميعاد نومه ، الهانم اعتادت علي نظامه وهو قبل ايقاع حياتها ، اخبرته في الصباح الباكر انه ستذهب للاوبرا مع ابنتيها وستعود بعد ميعاد نومه ، سمح لها وابتسم منبها عليها لاتزعجه وقت عودتها ولو استلزم الامر تنام في اي غرفه خاويه من غرف بناتها ، نام الباشا وساد الصمت في السراي ينتظر عوده الهانم وصخبها ، لكن جرس الباب المجنون الاحمق الذي اخذ يدق بعصبيه وحمق في وقت لايتناسب وذلك الاندفاع الاهوج ، جرس الباب ثقب اذن الباشا وايقظه من نومه الهاديء فقفز من فوق فراشه وارتدي في عجاله روبه الحريري وخرج يجري صوب السلم ، دقات الجرس الاحمق تتسارع وتتسارع ، اكف صغيره ترطم زجاج الباب الحديدي الكبير ، الخادمات يهرعن من غرفهن صوب الباب ، الباشا يصرخ في الطارق ليتأدب ، الطارق لايرفع اصبعه عن زر الجرس واكفه الصغيره لاتكف عن رطم الباب ، والله لو احدهم قال لنا قبل الثانيه التي فتح فيها الباب ان نبيله هانم هي التي ترتكتب تلك الحماقات ماصدقنا ، نبيله هانم ابنه ابيها ، راعيه الاصول والتقاليد ، تفهم في العيب والصواب ، ابدا لن تغادر بيتها في منتصف الليل وابدا لن تطرق جرس الباب بمثل ذلك الصخب الا اذا المت بها نائبه ، فتحت الخادمه الباب فهرعت نبيله لصاله السراي وهي تصرخ ، لم يفهم ابيها مابها لكنه اضطرب لرؤيتها ، خير يانبيله فيه ايه ، ربما تصور ان زوجها مات فجأ ، ربما تصور ان ابنها اصابته كارثه ، لم يفهم الباشا سبب صراخها ، وقف علي السلم ثابتا لايعرف كيف يتصرف ، صوته العالي الهادر يدوي في قلب السراي ويوقظ الجيران في الحيء الهادي ، فيه ايه يانبيله ، فيه ايه ، ترمي جسدها علي اقرب مقعد وتنهار في البكاء ، يلاحقها الباشا باسئلته فيه ايه يانبيله ، جوزك فين ، ابنك فين ، انتي مش كنتي في الاوبرا ، امك واختك فين ، ايه اللي بيحصل؟؟ عشرات الاسئله المتلاحقه التي لا تجاوب نبيله اي منها ، تجري الخادمه صوبها بكوب ماء بارد ، اتفضلي ياهانم ، لكن الهانم لاتشرب ، الهانم ترتعش من رأسها لاخمص قدمها ، الهانم تعتصر كالسفنجة الغارقه وتقطر ماءا ازرق من حدقتيها ، فستانها الاحمر صار كممسحه الارض من كثر الدموع والغضب ، فيه ايه يانبيله ، يقترب منها الباشا ، هدي نفسك بس وقولي لي فيه ايه ، مالك ، عامله في نفسك كده ليه ؟؟؟ ياخذ كوب الماء من الخادمه ويصرفها ، يرتبك لان زوجته غائبه عن المنزل في تلك اللحظه الغريبه ، اهدي وفهميني يانبيله فيه ، مالك ، يناولها كوب الماء ، تضع كفيها المرتعشين عليه ولاتقوي تحمله ، تهمس بصوت يأتي من بعيد ، من جوفها المشتعل ، من روحها المحترقه ، عايزه اتطلق يابابي ، عايزه اتطلق وقبلما يستوعب الباشا ونستوعب جميعا ما تقوله نبيله ، تسقط مغشيا عليها ....
تصرخ الخادمه فزعا فينهرها الباشا لتخرس ، اصوات بيته تعلو منتصف الليله وتفضحه وسط الحي الهاديء ، لايعرف ان شكل نبيلة وهي تركن سيارتها في حديقه المنزل ، وقيادتها الغريبه للسياره قبلما تدخل من البوابه ودموعها المنهمرة كالفيضان ، كل هذا لفت انظار الحي لحدث جلل لايعرفه ، نبه الحي لفضيحه مكتومه ستعرف تفاصيلها وقريبا جدا ، قبلما تدخل نبيله من باب السراية ، تناقل البوابين وحراسات السرايات فيما بينهم ان نبيله هانم بنت الكرملي باشا وصلت بيت ابيها تبكي في منتصف الليل ، وبسرعه دارت زوابيع التكهنات والتوقعات والنميمه ، احدهم قال ان زوجها طلقها والاخري قالت انه طردها من المنزل وان الله امر بالستر وصمتت لاتكشف عن سبب طردها ، احد الحراس اقسم انها كانت سكرانه ورائحه الخمر تفوح من فمها وان البوليس كان يطاردها ، الجاره العجوز التي تقطن في السراي البعيده قالت ان زوجها دكتور اناضولي بصباص وانها تعرفه منذ زارته في عيادته ذات مره وعاكسها قبل مايكشف عليها وانها غادرت عيادته منذ ذلك الوقت واقسمت الا تدخل له ثانيه وتفضحه كلما امكن لها وانها كادت تخطر الباشا بسمعته السيئه وقتما تقدم لنبيلة لكن المأذون سبق خطواتها البطيئه وزغاريد السراي اخرستها ...
الفضول نهش قلب الحي واستيقظت الفتيات والجارات يبحثن عن تفسير لسلوك نبيله وبكاءها ، وزاد الفضول اكثر وقتما وصل الحكيم المشهور للسراي بعد منتصف الليل  وخلفه وصلت الهانم حرم الباشا من الاوبرا ، وصلت لاتعلم شيئا عن كل ماحدث ، اضطربت وقتما شاهدت انوار السراي وارتباك الخادمات وغضب الباشا الذي تشاجر معها لانها غائبه لاتعلم عن مصيبتهم شيئا و................... اوصاه الحكيم يتركها نائمه لانها تعاني من توتر حاد في اعصابها يكاد ينقلب انهيار عصبي حاد ، سألته الام عن سببه فاخرسها الباشا بنظره نارية ، تسلل الباشا لغرفه ابنته واطمئن علي نومها ، صرخ علي السفرجي ليأتي بالسائق يذهب مع المربية العجوز بيت الجيزه ليحضر رشدي بيه ، الام لاتفهم شيئا والباشا لايسمح لها بادراك مافاتها ، هي نبيله هنا ليه ؟؟ هو حصل ايه ؟؟ هي روحت تعبانه من الاوبرا ، ايه اللي حصل ، بعدين ياهانم بعدين ، يدخل غرفه مكتبه ويتصل بالدكتور اناضولي ، يأمره يطرد الخادمه الغانيه في منزله ويأمره يأتيه في الصباح الباكر للم الفضيحه التي تسبب فيها ، يأمر الام تلازم ابنتها وتراقب حالتها ، يصرخ في الخادمات ليطفئن انوار السراي ويخلدن للنوم ، يشرح لزوجته وهي تغير ملابسها ان نبيلة ضبطت زوجها يضاجع الخادمه ، يانهار اسود ، ولااسود ولا حاجه ، كل شيء ممكن يتلم ، نزوه وحيتأدب بيها ويعتذر لها ويادار مادخلك شر ، هكذا قرر الباشا وتصور طريقه ادارته للفضيحه التي قرر يؤدها في مهدها ....
بقي يقظا حتي وصل رشدي للسراي فاحتضنه وامر الخادمه تدخله غرفه امه لينام في حضنها ، رشدي كان مرتاعا وحاول الباشا يطمئنه لكنه لم يفلح ، رشدي يبكي وينادي امه وامه نائمه مخدره باقراص الطبيب والجده تبكي حزينه والجد يصرخ في الجميع ليصمت وكفانا فضائح ...
دخل رشدي في غرفه امه ونام علي السرير المقابل لها وهو يبكي ، يناديها فلا تجيبه فيبكي ويبكي حتي سقط صريع النوم والخوف ....
اطفئت انوار السراي وخلد الجميع للنوم الا انا ...
نعم ، لم يأتيني نوم ليلتها وبقيت مستيقظا حزينا علي زهره البيت التي دهستها الفضيحه ومزقت امانها وبعثرت كرامتها ، حزينا علي نبيلة هانم التي لاتستحق تلك الفضيحه ، ليلتها كرهت دكتور اناضولي القاسي ، كرهته وتمنيت موته وحين اتي في الصباح الباكر كما امره الباشا ، لم ارحب به واعطيته ظهري واحس انه غير مرغوب به في السراي مني انا ومن نبيلة ، لم ارحب به ووصلته رسالتي فجلس امام الباشا يؤنبه كالتلميذ الخائب لايطيق نفسه والسراي كلها تطبق علي نفسه ....
احسن ، علشان تبقي تزعل نبيله هانم تاني ......

( 18 )
2010
جاردن سيتي

دخل عليها في الشرفة وهي تحتسي الشاي وقت الغروب وتسمع مطربتها الفرنسية المحببة ، ايديت بياف ، علي جرامافون قديم ورثته عن ابيها ، حياها ، بنجور يامامي .. انتبهت وسط الموسيقي لوجوده ،  رشدي ، جيت امتي ؟؟ لسه حالا !! حيته ومنحته يدها ليقبلها وخدها ايضا ، جلس يغمغم مع صوت الموسيقي وذكريات بيت المنيل وجده الباشا تداهمه ، صمت طويلا وهي ايضا ، وفجأ سألها مرتبكا ، هو الطقم "الكريستوفل" فين؟؟ 
انتفضت غاضبه من سؤاله ومن افساده للحظتها الجميلة التي تعيش دقائقها باستمتاع ، وانت مالك ، بتسأل ليه ، ازداد ارتباكا ، عادي ، اصله مش في البوفيه وقلقت ، بعته ، ازرق وجهه ، ليه يامامي ؟؟ حاجتي وابعيتها زي ماانا عايزه ، ولا انت عايز تورثني بالحياة ..
ارتفع صوتها ، مراتك تلاقيها هي اللي باعتاك ، بتمم علي الحاجه ، بتوز الشغالين يتجسسوا علي ، ينقلوا ليها انا باعمل ايه واتصرف ازاي ، ارتفع صوتها اكثر واكثر ، قول لمراتك يادكتور مالهاش دعوه بحاجتي ، حابيعها كلها ، حارميها من الشباك ، حاديها للبواب ، حاجتي وانا حره فيها ، انا لسه مامتش وبعقلي ، فاهم ؟؟؟؟
وتحول الغناء لطنين يضايقها وتحول وقت الغروب لوحشة تحتلها وكادت تبكي وهي تصرخ وتصرخ ، انا لسه عايشه يادكتور ودي حاجتي انا مش حاجتك انت ولا حاجتها هي !!!
وجهه ازرق ويزداد قتامه ، عاد صغيرا كمثلما كان يقف امامها وهي تصرخ فيه وتنهره ، عاد صغيرا تائها بين الاقدام مثلما اعتاد دائما في وجودها ، زوجته بريئه من كل اتهاماتها السخيفه ، الكبر يتحكم في عقلها الهلامي ، تتصور اشياء لاعلاقه لها بالحقيقه ، زوجته تحبها لكنها هي تكرهها ، زوجته لاتعرف شيئا عن منزلها ، هو دخل حجرة الطعام ليحضر لها صينيه من الفضه المكدسه في البوفيه ، سيعطيها للخادمه لتقدم لها عليها الماء المثلح والعصير ، حزين لانها تكدس اشيائها ولا تستمتع بها ، فوجيء بان طقم الفضيه مش موجود ، خاف وتصور ان الخادمه سرقته ، سألها متوجسا لانه يعلم بشكوكها فيه وفي زوجته ، سألها متوجسا خائفا من انفجارها المرعب وقتما تتصوره يفكر في موتها ويتمناه ليرث ثروتها الطائله التي جمعتها من ازواجها الثلاث ، لاافكر في الميراث واتمناكي تعيشي العمر كله ، لاافكر في الميراث ، افكر في حضن دافيء تمنحيه لي بعدما مر عمري كله وانا محروم من حبك ، تفكري في الاطقم الفضيه وانا افكر في حبك ، تنسيني وتتذكري ثروتك وانا انسي ثروتك ولاافكر الا فيكي !!!
امامها صغيرا حائرا ، وجهه ازرق ، يعتذر هامسا ، خلاص يامامي حقك علي !!! تنظر له اكثر غضبا ، اعتذاره لن يشفي غليلها في شتم زوجته وسبها ، تلمح وجهه الازرق ، تشفق عليه ، مراته مخوفاه !!! تهمس ، اوكي بس قول لمراتك العقربه مالهاش دعوة بي ، حاضر يامامي !!! يتمني يدخل في حضنها ، تتمناه يطلق زوجته العقربه ويعيش معها حتي تموت ، ولما لايفعل ، فهو وريثها الوحيد وستترك له ميراثا ضخما ، الا يستحق ذلك المال ان يطلق زوجته ويمنحها بعض وقته !!!! تسأله عايز تعرف بعته بكام ، يهمس لا خالص ، تسأله ، عايز فلوس ، لا خالص خالص ، والله كنت باتطمن عليكي ، تهمس ماتخافش علي امك ناصحه ، بعت الطقم بيعه كويسه وشلت فلوسه في البنك ، لما اموت حتاخدها هي كمان !!! تهمس بحزن ، ويسمعها بحزن اكتر !!! كل منهما ، نبيلة هانم وابنها الدكتور رشدي ، يقف علي ضفه بعيدة عن التي يقف عليها الاخر ، وبينهما نهر من الاحزان يجري ويجري ، ويفيض ويفيض !!!!!
يودعها ويعطيها ظهره لكنها تناديه فجأ ، يتصورها ستفتح حضنها له ، لكنها تخذله كعادتها وتسأله ، هو ناجي حيجي امتي يقعد معايا ؟؟

( 19 )
منيل الروضة
1964

بص يامراد انت اخويا وصديق عمري وطلبك يشرفني ، لكن انا مش موافق ومش حافاتحها في الموضوع  ، حدقت فيه لااصدق مايقوله ...
ماتفهمنيش غلط ، زي ماقلت لك يشرفني تتجوزها ، لكن احنا كلنا متأكدين انها حترجع لجوزها وابو ابنها ونلم الفضيحه اللي حصلت ..
حدقت فيه لااصدق مايقوله ..
شرح لي مرتبكا كأنه يتمناني اصدقه ويتمني يصدق نفسه ، انا عارف ان نبيله عنيدة وعارف انها رافضه اي كلام في الموضوع ده ومتشبثه برأيها ومصممه ماترجعش للدكتور مراد ، لكن انا واثق وماما كمان ، الحقيقه العيله كلها ، كلنا واثقين انه حيعرف يصالحها ويرجعوا لبعض علي الاقل علشان الولد يتربي بينهم ...
هكذا رفض شوكت طلبي بالزواج من اخته ...
كنت واثق ان مايقوله لن يحدث ، وان نبيله ابدا لن تعود للدكتور مراد ، اعرفها عنيده معتده بنفسها ، لن تقبل تعود له ابدا ، لكني رضخت لرفضه وانسحبت بمشاعري بعيدا واحترمت كلامه ...
نعم فكرت اتصل بها واسالها رايها ، فكرت اقول لها اني احبها وارغب في الزواج بها ، لكني تراجعت سريعا ، لايليق بي ولا بشقيقها هذا التصرف الارعن ، بنات الاصول والاسر العريقه مثلها لايخطبن بتلك الطريقه المنحطه ، كنت فقط اريد اخبرها اني احبها واني اتمني اتزوجها واترك لها حريه الاختيار تعود لابو ابنها ام تتزوجني ، لكني احترمت رغبه شوكت وابتعدت بجراحي العقها بعيدا بأمل يتأكد من رفضها العوده لمطلقها وقبوله عرضي بالزواج منها ، لكن الامل سرعان ماتبدد بقسوة حين وصلتني عواصف النميمة التي شحذت لسانها علي نبيلة وهاجمت رعونتها لانها رفضت التصالح مع مطلقها والعوده لعصمته لتربيه ابنها وتزوجت بالسفير مراد السندسي واتت معه لباريس لقضاء شهر العسل ..
يومها بكيت حزينا وسرعان ماتحول حزني لغضب عارم صببت جامه فوق رأس شوكت الذي كان صديق عمري في مكالمه تليفونه عاصفه انهلت فيها علي رأسه بالفاظ لم يتوقعها مني ، لانه حرمني من حبيبه عمري وفي نفس الوقت لم يقوي يكبح جماح عندها ورضخ لاصرارها علي الزواج من السفير وعدم العودة لابو ابنها ...
سببت شوكت وسببتها ، لانها للمرة الثانيه لم تراني ولم تنتظرني وانا الذي لااري غيرها وانتظرتها طويلا وسانتظرها اطول .....

( 20 )
2010
جاردن سيتي

ادخل عثمان حقائبه في الغرفه البحرية المجاورة لغرفه الهانم الكبيرة بعدما نظفت فاطمة الغرفه ، وقفت نبيلة بنفسها تشرف علي ترتيب ملابسه بالدواليب ، يطالبها ناجي تريح نفسها لكنها تتجاهل برأسها الصلد وعندها التركي مايقوله ، سعيدة لانتقاله للعيش معها ، اخيرا رضخ لالحاحها وقبل ينتقل للعيش معها ، ابتزته قدر ماقويت ، انا قربت اموت وبعدها ياتتجوز صوفي ياترجع لليلي ، براحتك بقي ، لكن خليك معايا لغايه مااموت ، العمر الطويل ليكي ياانة ، يهمس ناجي ..
سأله رشدي ، ايوه ايه سبب قرارك المفاجيء ده ، رشدي طالب ناجي كثيرا بالانتقال للاقامه مع جدته ، راوغه كثيرا ووعده بالذهاب ولم يذهب ، وفجأ قرر يجمع ملابسه وينتقل للاقامه مع جدته ، شرح له ناجي ، انها وحيدة جدا ونفسها تحكي وتتكلم ، حاونسها بالذات في الظروف اللي هي فيها دي ، طيب ماانا بقالي بقولك الكلام ده من زمان اللي غير رايك فجأ ، لم يجيبه ناجي وصمت ، كل حاجه بوقتها ، لم يخبره ناجي بمكالمه نبيلة التليفونية وانهيارها في البكاء ..
اتصلت به في عمله وكانت تبكي ، كلمته باعتباره مراد مرعي ، اخذت تتشاجر معه لانه يتركها وحيده في البيت ولايخاف عليها ، كانت تتشاجر معه وتبكي لانه كف عن حبها ، كانت تلوم نفسها لانها تزوجته وهي علي عتبات الخمسين ، كانت تتشاجر معه لانه وعدها بسعاده لم يمنحها له ، يومها خاف ناجي علي نبيله ، لم يقل لها انه حفيدها وان زوجها مات من عشره سنوات واكثر ، يومها وعدها يأتيها وبسرعه ويترك كل مافي يده ويتفرغ لها ، يومها خاطبها باعتباره زوجها المحب واكد عليها انه يحبها بل يعشقها وانه لايقوي علي تحمل دموعها ، اخذ يدللها في التليفون وهي تهدأ رويدا رويدا ، قالت له احبك فصمت ، انفجرت في البكاء ثانيه ، همس احبك يالولو ، واغلق التليفون وانفجر في البكاء ، خرف الشيخوخه يلتهم عقل جدته ووعيها وادراكها وكرامتها ، يومها حسم امره لينتقل للاقامه معها ، كان يسمع كلام ابيه عن وعيها الضائع ولم يصدقه ، تصور كلام ابيه مبالغات للضغط عليه وابتزازه فقط للانتقال معها ، لكنه اليوم ادرك ان وضعها اخطر مما يظن ، ادرك ان عقلها تأكله الشيخوخه ، احس فقدها ووجعه تصور موتها وحيده خرفه لاتميز بين زوجها وحفيدها ، اخبر صوفي بما حدث وانه سينتقل للاقامه مع جدته ، اتصل بفاطمه ليطمئن منها علي جدته ، قالت له انها كانت تبكي طويلا ثم كفت عن البكاء وانها تجلس في الشرفه تحتسي الشاي الاخضر وتسمع موسيقاها المفضله ، اتصل بها تليفونيا وهو مرعوب ، خاف تناديه بمراد وتنسي انه ناجي ، لكنها عرفته وشتمته بخفه دمها ولامته لانه لم يتصل بها منذ فتره طويله ، اسر لها بانه سينتقل اليوم وفورا للاقامه معه ، صرخت فرحه ، ميرسي ياحبيبي ياناجي ايوه كده ، انا مستنياك من زمان ، انهي معها المكالمه وهو فرح مطئمن نسبيا علي حالتها الصحيه وتمني لو نسي المكالمه الغريبه التي دارت بينهما وهي تبكي، اغلق الخط وانهي المكالمه فلم يسمعها وهي تؤكد عليه ، ماتتأخرش عليا يامراد ...
لم يقل كل هذا لابيه ، يخاف عليها منه ، عاملته بقسوه طيله العمر فلن يحنوا عليها في شيخوختها ، سيودعها مصحه للمسنين ، سيتركها تموت وحيده ، سيترك عقلها يتلاشي وتنسي من هي وتنسي كل تفاصيل حياتها ، لن يخبره بالمكالمه التليفونيه التي دارت بينها ...
يابابي خلاص بقي ، انت طلبت مني اروح اقعد مع انة وانا قررت النهارده اروح ، خلاص مافيش موضوع بقي ، الامر كله لايعجب ليلي ، غاضبه لان ابنها سينتقل للاقامه مع جدته ويتركهما ، تحاول تثنيه عن قراره وشرحت له ماانا ياناجي طلبت منها بدل المره عشره تيجي تقعد معانا في الزمالك ، ضحك ناجي ، ماهي طبعا حترفض يامامي ، والحقيقه لاكانت هي حتستريح ولانتي حتستريحي ، انا حاروح انا اقعد معاها ، خلاص بقي ...وفعلا لملم ملابسه واشياءه ورحل لبيت جدته ، نبيله هانم التي رحبت به وبقدومه ترحيبا كبيرا ،
مازالت فاطمة ترتب ملابسه وترص كتبه وتنظم غرفته ومازالت هي وسط الحجره تصدر اوامراها وتعدل عليها ماتقوم به وتسبها لانها غبيه ومافيش منها فايده ومااتعلمتش منها حاجه خالص ، تنتبه فجأ وتسأل ناجي ، طبعا ليلي حاولت تمنعك ، ولا تلاقيها انبسطت انك جاي تقعد معايا متصورة انك حتكون واطي زيها وتراقبني ، يضحك ناجي ، ترتبك ، بردون ياناجي مش قصدي ، عارفه انها امك ، بس هي واطيه برضه ، يعبس جبينه ، طيب خلاص ، مش حاشتمها تاني قدامك خالص ، ينفجرا في الضحك ...
تعود لفراشها راضية سعيدة ، اخيرا افلحت تخلع ناجي من حضن امه لحضنها ، ليلي لاتستحق حضنه ولاتحبه مثلي ، هو حفيدي واعز من ابوه ومن الجميع ، تمنت لو رشدي كان مثل ابنه حنونا عطوف ، لكن رشدي براوي زي ابوه ، يضحك ناجي ، طيب برضه مش حاشتمه قدامك ، تاخذه في حضنها فرحه وتأمر عثمان يعد لهما القهوه في الشرفه الكبيرة وتأمر فاطمه تجهز الاسطوانات وتنظف المقاعد وتروي الزرع و......... تشعر نبيله وكأن الايام الجميله عادت لحياتها بعد طول وحدة ...
نورت بيتك ياناجي ، منور بيكي ياانة والله ....
وتغني ايديت بياف " الاوراق المتساقطة " وتدندن نبيلة معها وهي تسترجع شرائط العمر الذي صار كله خلف ضهرها ويبتسم ناجي سعيدا لانه افلح يمنح جدته بعض السعاده وبعض الونس و........... نورت بيتك يا مراد والله ..... وتشق كلماتها قلبه وتزيد قلقه وحزنه ووجعه ويتمني لها شفاء وصحه وطول العمر ....


نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع 

هناك تعليقان (2):

manoola يقول...

أميره

وها نحن في الجزء الثالث
هل كانت تحرق السيجاره الواحده تلو الاخرى
ام كانت تحرق ذكرياتها الذكرى بعد الاخرى؟
سؤال حيرني ولا يعرف اجابته الا هي ... وانتي
كم هي موجعه تلك الفواتير التي تخص الاخرين ولابد للبعض من دفعها
اتعلمين لماذا تكون موجعه؟
لانها كما حدث معه نظل ندفعها طوال سنين العمر
لا تنتهي... ولا ينتهي الالم
لحظات لم يستطيع ان ينساها...
سيظل واقفا في ذلك الركن غير مصدق ان امه تخلت عنه ببساطه
فـ "التخلي" موجع حتى لو كان للاب !!
ويظل الطفل يشتاق الى حضن ام خذلته
ويكبر الطفل... يكبر احساسه بالخذلان
لكنه لا يستطيع الا ان ينتظر
هل هو حب ايلام الذات؟
ام هو الحنين لماضي فات؟
غريب... حقيقي غريب يا انسان

أميره
اتعبتني... ابكيتيني...
سطر وراء الاخر يلتهمني
لا استطيع الا ان اعيش احاسيس سطرتيها بصدق
أميره.... الرحمه حلوه
القاكي في الجزء الرابع

منال أبوزيد

Magdy Elsebaiy يقول...

أنفق مع منال
ألرحمه حلوه
ليه كل الحزن والألم ده
وان كنت اري بارقه أمل في الحفيد
نروح نعطي شويه في الجزء الرابع