مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

زهور وردية واغنيه عشق وبعض الوجع ( الجزء السابع والاخير )






( 43 )
2010
جاردن سيتي

حدق ناجي في الورقة التي اعطتها له جدته وانفجر ضاحكا ، غضبت من ضحكه ، خنزائور قليل الادب صحيح ، اعتذر مرتبكا ، والله ياانة مش قصدي بس اللي انتي كاتباه ده مش معقول ابدا ، خطفت الورقه من يده وقالت بحسم وعصبيه ، دي وصيتي ، لما اموت تنشروا النعي اللي انا كاتباه زي ماانا كتباه بالضبط ، انت اللي تعمل كده ، ابوك مش حيفرق معاه موتي ، حيستريح مني اساسا ، امك حتيجي تشوف الصيغه في مكانها ولا لا ، نظر لها نظره عتاب ، بردون ياناجي مش قصدي بس انت عارف ان امك لابتحبني ولا انا بحبها وكل اللي خايفه عليه الصيغه والسيفر والسجاجيد الحرير ، يحدق فيها بعتاب اكثر ، مش موضوعنا امك دلوقتي ، مش مهمه خالص ، مش حتي وانا باكتب نعيي حتفرض علي نفسها وانت كمان تفرضها علي ، وصمتت كأنها تعتذر له فقبل اعتذارها ...
نرجع للنعي ، تكتب اللي انا كاتباه بالضبط ، والدة الدكتور رشدي الاناضولي زوج السيدة  ليلي  عبد الغفار ، ابتسمت ، ده علشان خاطرك والله ، لو علي مااكتبش اسمها في نعيي ، لكن علشان خاطرك انت ، وجدة ناجي الاناضولي ، تصدق بازعل قوي ان اسمك اناضولي ، كان مفروض يبقي اسمك كرملي ، انت حفيدي انا مش حفيد اناضولي ، لكن اعمل ايه ، اهو حتي وانا ميته اسمه حيطلع في النعي ، رشدي الاناضولي ، ناجي الاناضولي ، جدك مصمم ينكد عليا حتي وانا ميته ، ماعلينا وضحكت فضحك ناجي ..
يجلس بجوارها في السرير ،ارسلت فاطمه تناديه قبلما يذهب عمله  ، تعالي ياناجي ، تصورها تعبه ، خاف ترحل دون وداعه ،اعتذر عن الذهاب لعمله ودخل غرفتها ليجدها في فراشها صحوة كنهار جميل ، امرت له بالكرواسون والقهوه الامريكيه السوداء ، اخرجت من درج " الكومود " ورقه مطويه بعنايه ، ده النعي بتاعي ، انتفض ، بعد الشر ، ماتبقاش اهبل زي ابوك ، ماانا لازم حاموت ، مهما اعيش لازم حاموت، انا مرتبه كل حاجه ولازم انت تفهم مني كل الترتيبات ، حاول يسكتها فلم يفلح ، ياان ، اسكت ياناجي واسمعني كويس ، اعطته الورقه ، ده النعي بتاعي ، يتنشر زي ماانا كاتباه كده ، قرأ سطرين ثلاثه وانفجر في الضحك ...
اكمل لك ، وجدة ناجي الاناضولي ، نظرت له بلوم ، لو كنت اتجوزت صوفي البنت الحلوه كنت كتبت اسم عيلتها في النعي ، لكن انت بطيء ومقرف ومسير البنت تطفش منك ، ولو مت قبل ماتطفش مش معقول اكتب في النعي واقول جدة ناجي الاناضولي وصاحبته صوفي ، ضحك بصوت اعلي واعلي ، والله حنتجوز قريب بس مش علشان النعي لا علشان باحبها ، ضحكت ، طيب اتجوزها وحبها وسيب النعي علي ، المهم ، اكمل لك ، وجدة ناجي الاناضولي وارملة السفير مراد السندسي وارملة رجل الاعمال مراد مرعي ، قاطعها ناجي بصوت ضحكاته العاليه ، ياان ماينفعش ، ماينفعش ، الناس تضحك علينا ، ضربت علي كتفه برقه وغضب ، مش ده نعيي انا ، اكتب فيه اللي انا عايزاه ، جدك الاناضولي عمري ماحبتيه ، وكفايه اسمه في نعيي غصبن عني خلاص مافيش حل ، جدك مراد السندسي كان حبيبي وعشت معاه اجمل ايام حياتي وكمان جدك مراد مرعي كان حبيبي وعشت معاه اجمل ايام حياتي ، ازاي اساميهم ماتتكتبش في نعيي ، صوتها يرتفع غاضبا ، ده نعيي انا وانا حره ، وتكتب نسيبه وقريبه عائلات الاناضولي والسندسي ومرعي ، انا عشت مع كل العائلات دي وكلهم اصحابي وحبايبي ولازم ارعيهم ...
صمتت واغمضت عينيها وكأنها تفر من اللحظه التي قررت تعيشها ، لحظه نعييها لنفسها بعدما تموت ، تسمع صوت ضحكات ناجي ، مش قادر اصدقك ياانة بجد ، لا صدقني وتسمع كلامي وتعمل اللي بقولك عليه ، تكتب في النعي اللي بقوله ده ، انا كاتباه بالتفصيل في الورقه ، ياانة بابي ينتحر ، ليه ، هو ماله هو ، مراد السندسي كان جوزي وبحبه ومراد مرعي كان جوزي وبحبه ، ابوك ماله ومالهم ، يضحك ويضحك ، يتمني يقول لها انها ستحطمه لحظه موته مثلما حطمته طيله حياتها ، الم يكفيها كل مافعلته فيه وقت تزوجت كل ازواجها غير مكترثه بمشاعره ونظرات التشفي التي تلاحقه واحيانا السخريه وهو رجل كبير وامه تتزوج وتتزوج ، الم يكفيها كل هذا ، ستذكرهم بهم في نعيها وقت موتها ، ستفسد حزنه عليها ...
علي فكره ، الميتين بيحسوا بكل حاجه ، لو ماعملتش اللي بقولك عليه ده ، حازعل منك جدا ، وصمتت ، ياناجي انا حره جدا وعشت حياتي بمنتهي الحريه ومن حقي اموت بحريتي ويكون نعيي ملخص لحياتي وعلاقاتي ومشاعري ، وانا حريصه جدا جدا علي ان اسم جدك مراد السندسي وجدك مراد مرعي يكونوا في النعي ، ارواحهم حتتبسط في السماء وروحي كمان ...
وطوت الورقه وسلمتها له في يده واغمضت عينيها وكأنها نامت تفصح له عن انتهاء الحديث بينهما ، صمت طويلا ثم ربت علي وجهها وقبلها علي وجنتيها وتسلل من غرفتها والورقه في جيبه مرتبكا لايعرف اذا مااتي ذلك اليوم كيف سيتصرف في تلك الكارثه التي اوصته بها جدته وصممت عليها وبقي بقيه اليوم سارحا في امرها الغريب لايعرف كيف سيصارح ابيه به في اللحظه الموعودة ....

( 44 )
1987
جاردن سيتي

لازم نروح يانبيلة هانم ، هي دي الاصول ..
نظرت له بغيظ لاتصدق مايقوله ، ده ابو ابنك ومايصحش نسيب رشدي في العزا لوحده ..
عايزني اروح عزا الاناضولي يامراد ، تتمني تسأله لكنه لايترك لها فرصه ، لازم نروح ، ده ابنك الوحيد وده ابوه ، والماضي والتاريخ خلصوا ، حنروح سوا ، احنا ناس كبار ومحترمين ، نعمل الواجب ونمشي ، الا بقي اذا كان فيه حاجه انا مش فاهمها ، صرخت بعصبيه ، حاجه ايه ، زعلانه عليه متأثره بوفاته فاكره اللي كان بينكم و.......... لازعلانه عليه ولا فارق معايا ، راجل خاين غار في داهيه ، مايفرقش معايا اساسا لاعايش ولا ميت ، ابتسم مراد مرعي ، خلاص يالولو ، يبقي ياحبيبتي نروح ونعمل الواجب ونقف جنب الولد وتوته توته خلصت الحدوته ... وذهبت نبيلة في ذراع مراد مرعي لتعزي ابنها في وفاه ابيه ، زوجها الاول الدكتور مراد الاناضولي ....

( 45 )
بيت جاردن سيتي
يتحدث

سنوات طويله قضتها السيدة وحيدة بعدما رحل زوجها وحبيبها عن الحياة ..
انا التي كنت اؤنسها واهون عليها الوحدة ، اصدح لها الاغاني التي اعتاد يسمعها معها ، وتفوح جدراني بانفاسه ورائحه عطره ، اقتحم احلامها وأأتيها بخيالاته وقتما يداهمها عائدا من عمله ويحتضنها ويغمرها بقبلاته ، انا التي كنت اؤنسها واهون عليها الوحدة ..
غرفه نومها طالما حنت عليها وهونت الوحدة وحلقت بها لسحب الخيالات الطيبة واتت بزوجها يزورها في منامها ويمنحها ورودا ورياحين ، النسيم البحري طالما اجتاح شرفتي وهي تجلس وحيدة يهون عليها كمد الوحدة وقسوتها ، طالما اسقطت الشجره زهورها الورديه علي ملابسها ووسط خصلات شعرها مثلما اعتاد حبيبها يفعل ..
هل اوصاني مراد مرعي ارعاها ، لم يوصيني ، لكن حبه ومشاعره المتراكمة فوق جدراني وعلي جنباتي حملتني امانة رعايتها بعد غيابه والاهتمام بها والتهوين عليها ..
كنت شريكهما في السعاده منذ اللحظه الاولي التي بدأت فيها حياتهما معا ، كنت افهم وادرك واقدر معني مشاعرهما وغرامهما ، انه حب الايام الاخيرة ، حب النضج والرزانه ، بعدما ولي الشباب وطيشه واوائل العمر ورعونته ، انه حب النضج العميق الهاديء ، حب المشاركه والونس ، كنت اراهما صغيرين مراهقين وقتما يغلق عليهما باب حجرة النوم ، يتخففا من كل العمر والاحمال والوجع ويتحررا عاشقين صغيرين ، طالما اغمضت عيني رافضا خدش حيائهما وهتك سترهما محترما الخصوصيه التي من حقهما الاستمتاع بها دون تلصص من غرباء ولو كان بيتهما وسكنهما وحضنهما معا ، كنت افهم احتياجها لوجوده ،  طمأنينه وامان بعد كل ماعاشته من بعثرة لمشاعرها وافهم احتياجه لحبها ، منحها الحب انتظارا وحان وقت البهجه ..
عشت معهما حياة البهجة والعشق وشاركتهما كل لحظاتها الجميلة ..
مازلت اذكر يوم رحيله ، يومها لم تبكي السيدة دمعه واحده وارسلت سائقها اشتري كل زهور الزنبق البيضاء وملئت بها الشقه وجلست في شرفتها تستمع لاغنيتها المفضلة ، يومها تصورها الخادمين جنت ، تصوروها فقدت عقلها من شده الحزن ، لكنها رفضت موته ورحيله وتشبثت به وبكل الفرحه التي كان يمنحها لها ، فتحت ابوابي للعزاء وارتدت الملابس السوداء لكني وحدي كنت اعلم مالذي تفعله وقتما يرحل الغرباء وتبقي وحدها مع الحبيب ، تجلس في الشرفه وتسمع الاغنية وتبتسم وكأنه مازال يجالسها ويبثها غرامه وحبه ...
طريقه غريبه جدا للحزن علي الحبيب ، زهور بيضاء وايديت بياف وجاتوه شوكولاته في الشرفة وابتسامه حقيقية لاتخفي حزنا ولا وجع ... انا وحدي اعرف انه لم يرحل ولم يتركها ، انه سرنا الصغير ....
وحين رحل الحبيب ، اقصد رحل عن عالمنا ، راعيت الحبيبة واليوم سترحل الحبيبة ولن يبقي لي منههما الا الوجع ...
واه من وجع البيوت حين تحرم من اصحابها ومن ونسهم ومن دفئهم ومن بهجه حيويتهم ، اه من وجع البيوت ....
حينما استلقت فوق فراشها واغمضت عينيها وتباطئت دقات قلبها وفاحت رائحه الزنبق عرفت انه ينتظرها في البراح بباقه الزهور التي تحبها والتي طالما اعتاد يقدمها له مع حبه وغرامه ، فاحت رائحه الزنبق وصدحت الاغنيه وارتسمت الابتسامه الجميله علي وجهها ، عرفت ان السيدة نبيلة الكرملي قررت الرحيل لحضن الحبيب ...
وبكيت وبكيت ....

 ( 46 )
2010
جاردن سيتي

خرج ناجي من الغرفه واغلق الباب خلفه وجلس علي المقعد الوثير في الصالون ، وانفجر في البكاء ، آنة نبيلة ماتت !!!
تنتحب فاطمه ويتمتم عثمان بايات القران التي يحفظها ودموعه معلقه في حدقتيه يمنعها من السقوط !!!
الو ، ايوه يابابي ، آنة ماتت !!!
الو ياصوفي ، آنة نبيلة ماتت !!!
الو يامامي ، آنة نبيلة ماتت !!!!
الو ياجدو شوكت ، آنة نبيلة ماتت !!!
ويبكي ويبكي ويبكي ويبكي .....................
وهكذا طويت صفحة نبيلة .. ولم ولن يبقي منها الا ذكريات وسيرة !!
طويت صفحه "آنة نبيله" كما يسميها ناجي ، "مامي" كما يقول عنها رشدي ، "الست هانم" كما تناديها فاطمة و...... "لولو"  كما كان يدللها ازواجها الثلاث !!!!

( 47 )
2010
جاردن سيتي

تسلل من الفتحة الصغيرة للباب وقفز بعزم لايتناسب وسنواته الست وتسلل تحت الغطاء واحتضن بذراعه الصغيرة جسدها البارد ، انهمرت دموعه حارقة ، همس في حضنها مامي مامي ، لاترد عليه ولن ترد ، يعرف هذا ، ناداه الرجل الاشيب خلف الباب ليتركها ورحيلها الهاديء ويخرج من الغرفه ، تجاهل الصغير نداءات الاشيب ، تجاهله كأنه لايعرفه ، اغلق عليها ذراعيه بقوه ، تصور لو منحها بعض انفاسه ستعود لها الحياة ، تصور دفء بدنه وروحه سيتسللا لبدنها وروحها فتدب فيها الروح ، تصور لو دعا ربه في تلك اللحظه بالذات يبقيها له لبقيت ، تصور انه لو صارحها بحبه المقهور طيله سنوات حياتهما لعادت للحياه وبثته حبها ، تمناها تؤكد له انها تحبه ، تحبه اكثر من اي شخص في الدنيا ، تحبه اكثر من اي شيء ، تحبه اكثر من نفسها ، اغلق عينيه وتصورها تغلق عليه حضنها ، تصورها تمنحه بعض حبها الذي بخلت عليه به طيله حياته ، يناديه الرجل الاشيب بصوت اعلي ، بطل شقاوة يارشدي ، لكن رشدي لايكف عن الشقاوة ويبقي مغلقا ذراعيه علي جسد امه وكأنه سيفلح يعيدها للحياة ...
يقترب شوكت من باب الغرفه ، يربت علي كتف رشدي الواقف علي بابها امام فتحته يراقب جسد امه المسجي علي فراشها ، البقيه في حياتك يارشدي ، يرتمي رشدي في حضن خاله ويبكي ، يبكي شوكت رحيل اخته ، الله يرحمها استريحت ، يتمتم شوكت ، الله يرحمها ، يسأله شوكت متعجبا ، مابتخشش الاوضه ليه يارشدي ، كاد يهمس الصغير في حضن امه انا جوه فعلا ياخالي ، لكن الصغير يتواري عن نظرهم جميعا ، يتمتم رشدي ، كده كويس ، يهز شوكت رأسه تعجبا من سلوك ابن اخته ، طول عمرك براوي يارشدي وبعيد عنها ، يضغط شوكت بقسوه علي الجرح الغائر في روح رشدي ، تقفز الدموع من عينيه وتنهمر امطارا سوداء تحرق جروحه القديمه المتقيحه وتحرقها ، انا برضه ياخالي ؟؟ يرتبك شوكت ، مش وقته علي العموم ، مش وقته خالص ، يالا نشوف حنرتب الاجراءات ازاي ، يغافل رشدي خاله وينادي الصغير من حضن امه ، يالا رشدي ، يرفض عنيدا ، لا روح انت مع خالك وسيبني مع مامي ، يغلق عينيه بقوة ويستعيد وجهها الجميل الصبوح وضحكتها الجميله قبلما تتوراي خلف فضيحه ابيه ووجعها وقهرتها ، يغلق عينيه علي امل تشعر بحبه ولو لحظه قليله قبل رحيلها ، باحبك يامامي ، باحبك قوي قوي ، يهمس رشدي الصغير النائم في حضن جسد امه المسجي بالرحيل ، يغلق رشدي الباب علي امه وعلي طفولته الحزينه ويتبع خاله بخطوات بطيئه مرتعشه ليرتبا اجراءات جنازة ورحيل نبيلة هانم الكرملي ، يتبع خاله وهو يهمس كبقيته النائم في حضنها ، باحبك يامامي ، باحبك قوي قوي ، وينفجر نحيبه موجعا مقهورا .....

 ( 48 )
2010
جاردن سيتي

وكأنه طفل صغير حائر ، تتقاذفه الاقدام الكثيرة في الشقه المزدحمة بينها ، وكأنه كرة صغيره لايراها احد وسط الزحام والحزن ، يتسلل رشدي بخطواب بطيئه لباب الحجرة ، يراها من شق الباب مسجاه فوق فراشها ، يري ناجي يغطي وجهها بالملاية الحريرية ، تنهمر دموعه وتتساقط القطرات المالحه من انفه ، يمسح وجه وانفه في كم القميص الابيض ويرتعش ، يلمح ناجي يبكي بجوارها علي الفراش ، يسمع خطوات عثمان ثقيله صوبه ، يسمع نحيب فاطمه وعويلها ، الكل يتحرك بسرعه في البيت الواسع الفاخر التي ماتت صاحبته الان حالا ، الكل يتحرك ولااحد ينتبه لوجوده كالعادة ، لكنها امه هو ، امه هو وهو ابنها الوحيد ، يتمني لو يتسلل من فتحة الباب لفراشها ، يتمني يلقي بدنه المرتعش في حضنها ، يتمني لو قال لها ماتسيبنيش يامامي ، يتمني لو سمعته ووعدته انها ابدا لن تتركه ، لكن قدميه تسمرتا في الارض فلم يتحرك ولم يدخل حضنها ولم يرجوها بامنيته الوحيده طيله الحياه ، الا تتركه ، بقي يبكي ويرتعش وهي ترحل عنه للمرة الاخيرة ، هل هي المره الاخيرة ، اما سترحل عنه وتتركه مره ثانيه وعاشره والف مثلما فعلت طيله حياتها !!!!
كانت تموت ، وكان يبكي علي عتبة بابها .. كهل يبكي موت امه العجوز ، كهل يظن ان العمر مر وانتهي بكل اوجاعه ويتمني لها المغفره والرحمة ، لكن الطفل الصغير القابع في اعماقه مكبوتا طيله الحياة لن يصمت ولن يسامح ، في تلك اللحظة فتح الباب واطل منه صغير شقي باكي ، نظر لهما وقرر يبدأ الحساب الذي تأخر ميعاده طويلا ...
هي افسدت حياته فصار هذا الكهل الذي يبكي امامها حزنا لفراقها ، هذا الكهل لن يحاسبها ، لن يلومها ، لن يعاتبها ، لكنه سيفعل ، صغير عمره لايتجاوز ست سنوات ، لكنه هو الذي سيتحاسب معها علي كل مافعلته في حياته صغيرها فصنعت منه ذلك الكهل الشقي الباقي امامها !!!! 
يقف الطفل الصغير ابن السادسة رشدي امام باب حجرة امه المتوفاه مسجاه الجسد علي فراشها الوثير يبكي ، يتمني لو قال لها انه يحبها وكان نفسه ان تحبه ، لكنها ماتت ونفذ الوقت الذي كان يمكنه يقول لها اي شيء ويسمع منها اي شيء !!! لن يقول لها احبك لانها لم تهتم ابدا بحبه ، لكنه سيتحاسب معه علي كل مارسمته في صفحه حياته فصار هذا الكهل المعذب بحبها ووجعها وبعدها ...
مامي ماتت ، همس لنفسه وهو يبكي وكأنه لايصدق موتها ويتمناه مجرد رحيل عابر مثل كل ماسبقه وماسيلحقه !!!!
مامي ماتت و...................... يبكي ويبكي ويبكي ويبكي !!!
يفتح شوكت باب غرفتها ، ويدخل ، يقترب من فراشها مرتكنا علي عصاه وجسده الوهن يرتعش من الشيخوخه والحزن ، دموعه متحجرة في مقلتيه ، يراه رشدي من مخبأه خارج الحجرة ، يتمني يقفز في حضنه ويبكي ، مامي ماتت مامي ماتت ياخالو !!!
لكنه كالعادة يبقي صامتا وكالعاده لااحد ينتبه لوجوده !!

 ( 49 )
2010
جاردن سيتي

فتح ناجي " شكمجية " جدته نبيلة ، ومنح صوفي القلب الماسي وقبل يديها وطلبها رسميا للزواج ، نعم الوقت مش مناسب ، لكن انا حاسس بالذات في اللحظة دي ، اني عايزك تبقي مراتي وتعيشي معايا وماتسيبينش ابدا ... واخذها في حضنه وانفجر في البكاء وهي ايضا ، ابتسمت نبيلة سعيده بأن ناجي سيتزوج صوفي اخيرا ....

( 50 )
2010
جاردن سيتي

البيت مليء بالزائرين ، صوفي تجلس في الصالون صامته ، تجحدها  ليلي  بنظرات نارية تتفحصها من رأسها لطرف اصابعها ، تعرفها وتعرف علاقتها بناجي ولاتعجبها ، تتمني تتشاجر مع ناجي لانه سمح لصديقته تشاركهم لحظات الحزن العائلي وقت وفاة الجدة نبيلة واحضرها وسط شقيقاته وكأن الدنيا سايبة ، لكن تربيتها تمنعها ، فلايتشاجر في المعازي الا الغجر وقليلي التربية ، صوفي تلحظ نظراتها الناريه وتتجاهلها ، تحدق في لوحه جوبلان كبيرة علي الحائط امامها ، تهمس صوفي لنفسها ، كأني وحدي ، انا وناجي بس ، كأنها مش موجوده ، تسخر منها صوفي ،  ليلي  هانم مش عارفه حتي تمثل انها زعلانه علي حماتها ،  ليلي  هانم نفسها تقوم تاكلني لاني تجرأت وقربت من ابنها وقرة عينيها ناجي ،  ليلي  هانم قاعده بتغلي زي البركان الموشك علي الانفجار!!!
اقترب ناجي بعيون حمراء واخاديد لهب علي وجنته ، احتضن امه وقبلها من وجنتيها ، همست البقيه في حياتك ياناجي ، مرسي يامامي ، اقترب من صوفي ، فتحت ذراعيها واحتضنته ، انفجر في البكاء للمرة العاشرة ، تربت علي ظهره وهي تواسيه بكلمات لاتسمعها  ليلي  التي ترهف السمع ورغم هذا لاتسمع من حديثهما شيئا ، بقي ناجي في حضن صوفي التي احتوت حزنه وسالت دموعه علي كتفها ، انتبه لوجود  ليلي  ، مامي انا طلبت صوفي للجواز النهارده ، لم تصدق ليلي ماتسمعه ، عارف ان الوقت شكله مش مناسب ، لكن هو مناسب جدا ، انة نبيلة ياما قالت لي اتجوزوا بسرعه والنهارده بالذات عايز احقق رغبتها دي ...
صمتت ليلي ولم ترد عليه وانشغلت ببقيه المعزين تجاهلا لحديثه الذي لايعجبها ولا يعجب احد ، تجاهل ناجي سلوكها  وسحب صوفي للشرفه من وسط المعزين الذي تابعوهما وسط الحزن والاندهاش ، اجلسها علي مقعد جدته وهمس وهو يقبل يديها ، حبيبتي ماتزعليش من ماما ، مش زعلانه خالص والله ... واحس انه يسمع صوت ايديت بياف واغنتيها الحياة الورديه ، ابتسم لجدته التي رحلت بجسدها وبقيت روحها معهما ...
طال جلوسهما في الشرفه حتي ارسل الدكتور رشدي فاطمه لتنادي عليه ،  عادا للصالون وكل العيون تتابعهما ،جلست صوفي بالقرب من ليلي وهمست البقيه في حياتك ياطنط واقتربت منها وقبلتها من وجنتيها وعادت لمقعدها وكأنها لم تلحظ غضب  ليلي  من ناجي وكراهيتها لها .... ومازالت نبيلة جثه مسجاة علي فراشها تنتظر تصريح الصحه لتبدأ اجراءات وطقوس رحيلها الاخير !!
ومازال الطفل الصغير رشدي تائة بين الاقدام ، لاينتبه لوجوده احد ، تائه بين الاقدام ، يقف علي باب حجرتها المغلق وهو يبكي وانفه يسقط قطرات مالحه ويتمني لو دخل في حضن امه ويودعها وداعه الاخير !!! ويبكي ويبكي ويبكي ويبكي !!!!





























نهاية الجزء السابع والحدوته





هناك 4 تعليقات:

manoola يقول...

أميره

لماذا؟
نعم لماذا يختزل الموت سنوات عمرنا كلها لتصبح بضع سنوات
ولنرجع اطفالا رغم اللون الرمادي الذي لون خصلات من شعرنا
لماذا؟
هل هو الخوف من الوحده؟
وهل تكون الوحده الا بغياب الام ؟

سبعة اجزاء
نعم سبعة اجزاء
كل جزء سرق مني دمعه
وكل دمعه كانت تختلف عن ما سبقتها
وبقى بداخلي بعد كل هذا
حنين جارف .....الى آمي

أميره
ابدعتي........
واوجعتي قلبي ....
وابكيتي روحي


منال أبوزيد

Nonna Ahmed يقول...

جده الباشا يهتم بابنته ، والابنة تهتم بالطلاق ، والاب يرفض تطليقها ولااحد يفكر فيه
رشدي..وجع قلبي قوي..انهرت وكان نفسي اخده في حضني..
مراد السندسي..راقي عدي وسلم علي قلبي بمتهي الرقي..اخلاق سفير فعلا..

مراد مرعي...ااااه واااهه من مراد مرعي..هو في كده!!..اهه في.
وربنا فيه...وشم قلبي دخل السعاده لروحي زي ما ادخلها في حياه نبيله...
اااه وااه من راجل زي مراد مرعي..
كان نفسي اعتب علي نبيله وقسوتها علي رشدي..رشدي ما كنش محتاج اكتر من حضن..بس حضن..

ابدعتي سيدتي الجميله..اسعدتي يومي..
ولسه في امل..

يا مراكبي يقول...

الله! الله بجد!
أحب أقول إن المرة دي تعتبر قمة النضج الفني ليكي وفيه اختلاف نوعي عن معظم الكتابات السابقة اللي قرأتها ليكي بلا استثناء، وإن السلسلة دي تصلح لأن تكون رواية صغيرة بذاتها.

أولاً من ناحية الفكرة، فهي واضحة وسلسة وفيها بناء جيد جداً للشخصيات من ناحية، وبناء منطقي للعقد وردود الأفعال من ناحية أخرى، ما فيش شخصية كانت بتتصرف بشكل بعيد عن الصفات اللي رسمتيها لكل واحد فيهم.

ثانياً، تسلسل الأحداث بطريقة الإنتقال بين الحاضر والفلاش باك طول فترة الرواية لم يفقدها التسلسل ولا التشويق، كنتي ماسكة بزمام الأحداث كويس جداً بحيث إن القارئ مش ممكن يتوه ولا يشعر بالملل.

ثالثاً، وضوح تام للقيم الجميلة والنبيلة وإن كان الإطار العام للشخصيات – كونهم أولاد بشاوات – بيفرض ده بالتبعية، لكن طريقة عرض الأمور الخارجة عن الإطار ده (لما بتحصل في الرواية يعني) برضه بيتم عرضها برقي.

رابعاً، برغم وجود بطلة محورية في القصة، إلا إن باقي الشخصيات كانت لا تقل عنها أهمية في الرواية وهو لا يعني أنها بطولة مطلقة لأحد، والأجمل هو الشخصيات الغائبة اللي كانت حاضرة بنفس القوة كالأب الباشا والأخ والأزواج الثلاثة اللي ماتوا.

خامساً، حب الحياة، ده أجمل درس في القصة وده اللي حببني فيها، وزي ما بيقولوا It is never too late

هناك ما هو جميل في الحبكة القصصية وهناك ما هو أجكل، الجميل هو التأكيد بطرق متعدددة عبر حوارات مختلفة عن العقدة التي أصابت رشدي وكانت نبيلة تعلل كل ذلك بما فعله أبوه من خيانتها، أما الأجمل فهو تكشف وجة الطرف الآخر في الفصل السادس حيث كانت المرة الأولى التي نستمع فيها للقصة من وجهة نظر مراد الأول، والسبب الذي دفعه للخيانة، لقد كانت تلك النقلة مفاجئة ورائعة. أما روح الدعابة والطرافة في شخصية نبيلة فقد كانت طوال الرواية ممتعة وتسر قلب القارئ.

Magdy Elsebaiy يقول...

عندي احساس قد يكون غريبا ان ال ٣ مراد هم شخص واحد شكلتهم بطلتك وفق مامرت به وما حبت ان تمر به
حتي حفيدها هو من وحي أملها في الحياه
.........
كتابتك هذه المره مختلفه تماماً
التفاصيل عاداك طول عمرك في كتابتك
لكن هذه المره أراها اكثر عمقاً ودفئ
المشاعر والأحاسيس ملتهبه جدا وبالتناقض هادئة ورزينه
استمتعت جدا وسعدت رغم كم الحزن
اسعدينا بالمزيد