مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 17 يوليو، 2014

جملة مفيدة ...



اخذ يحكي ويحكي عن امجاده والبلاد المستعصية التي فتحت بواباتها الثقيله تحت قدميه ، وعن فتوحاته وسباياه ، وعن الفرحة التي ينشرها وقتما يحط بالمدن البعيدة والاستقبالات الحافلة وزغاريد النساء اللاتي يسعدهن الحظ ويلقي بهن في طريقه وراياته المرفوعة العالية ....
اخذ يحكي ويحكي وشاربه الكث يطول ويطول وصار كشارب ابو زيد الهلالي تكئة للنسور والصقور والجوارح ..
اخذ يحكي ويحكي 
وحين اغلق ذراعيه وحضنه علي ساذجه صدقته ، لم تجد الجمله المفيدة التي انتظرتها وتوقعتها وتمنتها ....
الحق لم تجد اي جملة من اي نوع .... 
ومازال يحكي ويحكي ....
ويحكي ويحكي .........

الجمعة، 4 يوليو، 2014

وهج وردي في اخر الليل .... الجزء الاول



الجزء الاول




ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى



                                                       " سايبني لمين ياغالي؟؟ "                                                                                      سميحة


خلعت حجابي وانا امزق شعري لاادري بنفسي ، صرخت فوق رأس المقبرة المفتوحه سايبني لمين ياغالي ؟؟ واهون عليك ؟؟ سحبني كثيرين من ذراعي لااتذكر وجوههم ، يبعدوني عن المقبرة التي كدت القي نفسي وابنتي في فوهتها الواسعة المخيفة ، جسده ينزلق لقاعها وروحي ايضا ، لطمني ابي علي وجههي لان شعري تبعثر امام الغرباء ، لم يحترم حزني ولم يكترث بمصيبتي ، جذبني اخي الاصغر بعيدا عن المقبرة وهو يهمس لي ، ادعي له ، ايوه يعني اقول ايه ، كل مافي عقلي من كلمات ومعاني تبخر وتلاشي مع صدمه الحزن علي زوجي الغالي ، سايبني لمين ياغالي ، سايب بنتك لحمة حمرا لمين ياغالي ، يرمقني زوج خالتي بنظرة غاضبه ويتمني لو اني ابنته ليطحن عظامي، خالفت كل اوامرهم ، كسرت تقاليدهم ، النساء لاتخرج للمقابر ولاترفع صوتها بالصراخ ولاتبعثر جدائلها الطويلة ولا تقفز بين المعزين من شدة الحزن ، لم اقرر اتحداهم لكني فعلت ، تسللت من خلف ظهورهم جميعا بجلبابي الاسود وابنتي علي ذراعي حافية اجري صوب المقابر ، اسابقهم واسابق الجسد المسجي الذي كان رجلي وحبيبي وسيدي وتاج راسي ، رمال الصحراء الساخنه تلسع قدماي لااشعر بوجع ولا اشعر بشيء ، النيران المشتعله في جسدي وروحي تحرقني الف مرة اشد من الحر القائظ والرمال الساخنة ، عندما وصل التابوت والمعزين للمقابر كنت هناك ، صعقهم برج الضغط العالي وقتما شاهدوني علي شاهد القبر اصرخ والطم وابنتي تبكي فزعه مخنوقه من التراب المتطاير تحت قدامي المتقافزتان علي الحصي حزنا ، صرخت بصوت عالي اودعه ، يحدق ابي في اخي كأنه يأمره يخرسني ، يخفيني من المشهد الحزين ، لكن اخي لايتحرك من مكانه مدركا استحاله سيطرته علي حزني ، يتحلق كبار العائله حولي وكأنهم سينهالوا علي بالضرب ويتمنوا لو خنقوا صوتي وخنقوني لكني اكسر دائرة سطوتهم وتقاليدهم واجري صوب الجثمان ، يصرخوا في لاصمت احتراما للميت لكني لااصمت ، احترمه واحبه لكن قلبي اشتعل حزنا ، اصرخ واصرخ ، ياسوادي ، ياخرابي ، ياغلبي ، ياحظي الاسود ، يفتحوا الصندوق ويخرجوا جسده صوب فوهه المقبرة ، هل هذا الجسد المسجي بالكتان الابيض هو زوجي وحبيبي وابو منورة ، نعم هو ، اكاد القي بجسدي فوق جسده المسجي ، اصرخ خدني معاك ياغالي ، يلطمني ابي علي وجهي ثانية لاني فضحته وفضحت العائله التي عاشت تحترم التقاليد والاعراف وبقيت نساءها تطهي للرجال العائدين من المقابر بادب وخضوع ، لكني كسرت الاعراف وتركت المطبخ لعمتي نفيسه وامي وخالتي مفيدة ، كسرت الاعراف وسرت خلف النعش كمثل الرجال ووصلت قبلهم للمقبرة وصرخت بالصوت الحياني الذي دوي في الفضاء المحيط بالمقابر ، وحدوا الله ، صرخ الشيخ العجوز لاخراسي ، وحدوا الله ، فصرخوا جميعا وانا معهم ، لا اله الا الله سيدنا محمد رسول الله .....
سحبني اخي بقوة من ذراعي وهو يدفس رأسي تحت طرحتي المخلوعه ويلملم شعري المبعثر علي ظهري ويهمس ، اكتمي ياسميحه اخرسي يابت ، يقرصني في ذراعي لاصمت فاصمت ودموعي تنهمر علي حظي اللي مال وايامي السودة ...
هل كنت اعرف كل ماساعيشه ، هل كنت اعرف ان ايامي السوده ستصبح هي كل ايامي التي لن تعرف اياما اخري ؟؟؟
ياحظك الاسود ياسميحة ...... ياحظك الاسود ...
اكتمي يابت .... فتخرس البت وقلبها يحترق نارا ...

                                 
                                                              " وانا ايضا لم اسال نفسي!! "
                                                                                      مرتضي


حاولت اهديء اختنا الكبري نفيسة واشرح لها ان القلب له احكامه وسطوته ، وان شقيقنا مصطفي حر في اختيار من يرغب في الزواج بها ، لم تهدأ نفيسة ولم تقبل كلامي ، صرخت وهي حزينه انها لن تجبره علي زوجه معينه وانه حر ينتقي من بين فتيات القرية من يريد وكلهن اجمل من بعض وقيمه وسيمة وارض وطين ومصاغ وعائله وعزوة ، قالت ان عائلتنا لم تغادر ارضها ابدا ولم تعطي ظهرها لقريتها ولم ترتحل كالصيع ومجهولي النسب للغربة والاماكن المجهولة ، كانت تشعر عارا ان مصطفي تعلق بابنة المهندس الزراعي وتقدم لخطبتها ، كانت تسمع باذنها لمز نساء العائله علي الابن العاق والفرع الشارد والفرخ المتمرد الذي حط شاله علي كتف الغريبه التي لاتشبه نساء قريته وشرد وترك بنات الاصول وبني عشه علي شجرة شوك ، كانت نفيسة تتألم بحق ، لكن مصطفي لم يكترث بغضبها غير المنطقي ، كان يحترمها ويحبها لانه اخته الكبيرة وفي مقام والدته لكنه لم ينصاع لابتزازها العاطفي وقال لها ان رب هنا رب هناك وانه بيته ووطنه حيث زوجته واسرته ، وقال ان القريه باقيه وسيعود لها وان الوصل ممدود ، قال لها انه احب فادية ولن يتزوج غيرها وقال انه تخرج من كليه الطب ولن يبقي للعمل بالقريه التي ستضيق مستقبله والفرص امامه وان فاديه هي التي كتبت اسمها علي قلبه وجبينه وهي مهرته وهو خيالها وكان ماكان ، تزوج مصطفي فاديه فور تخرجه من الجامعه وبعدما قبض اول راتب كبير من وظيفته وسافر للقاهره وعاش هناك حياته كلها ، وانقطعت صلته بالقرية فلم يعد يعرف طريقها الا وقتما تتصل به نفيسة وتخطره بوفاة واحد من ابناء عمومتنا او اقاربنا وتطالبه بالحضور للقريه ككل اولاد الاصول ....
بقيت نفيسة حزينة لسفر اخيها وقطعه الوصل بينه وبين القرية وبيننا جميعا ، وحين فكرت في اكمال نصف ديني ، اختارت لي بمعرفتها عروس تعجبها ، قطه مغمضه لاتعرف عن الحياه شيء الا رحرحة الخبز وتخليل الزتون ، عروس مصونه في بيت ابيها لادارت ولا لفت ولا عمر رجلها خطت خارج زمام القرية ، قالت لي انها اختارت لي سعيدة ابنة حبيبتها وجارتها لاكمل نصف ديني ، وانها مثل كل نساء العائله وبنات البيوت المحترمة حتصونك في غيابك وترعي مالك وتربي ولادك وتحرص عليك وتشيلك فوق راسها وتهون عليك وتخاف عليك وتشيلك في عينها وتتكحل عليك ، وكان ماامرت به نفيسة وتزوجت سعيدة ، الحق سعيدة كانت بنت حلال وطوع ولابتهش ولا بتنش وعمرت البيت كمثل كل بنات العائلات المحترمة ...
فرحت نفيسة بزواجي بسعيدة قدر ماحزنت علي زواج مصطفي من فادية ، فرحت بسعيدة واولادها وانتهزت كل فرصه لتشيد بسعيدة وبيتها العمران واولادها زينه الرجال وبناتها ستات الناس و...... لم تسالني ابدا عن مشاعري تجاه سعيدة التي تزوجتها وانجبت منها 5 اولاد وعشت معها خمسين عام واكثر حتي رحلت .. لم تسألني نفيسة ابدا عن مشاعري تجاه سعيده وانا ايضا لم اسال نفسي ، فالعشق والحب والوله لايخصوا رجال قريتنا ولايعرفوه ، الا مصطفي ....


                                                                  وقال شاهد القبر .........


اشفقت عليها وقتما لاحظتها صغيرة رضيعة ملقاة باهمال موحش علي ذراع امها التي كانت تلطم وتصرخ وتبكي وتمزق في شعرها ، تمنيت لو انزلتها من فوق ذراعها المرتجف وابقيتها علي الارض تحت شجرة الجميز الكبيرة وفي ضلها الحاني حتي تنهي سميحة طقوس حزنها..
ورحمة كل الاموات الغاليين الراقدين في الارض الطيبه تحتي ان الرضيعه اصابتها الشمس وكثرة الصراخ بغيبوبة وكأنها ستموت ، اعرف هذه النظرات الزائغه ، اعرف ارتجافه الشفاه العطشي ، اعرف الجسد وقتما يخلع الدنيا ويستعد للرحيل ، الصغيرة ورحمة كل الغاليين تستعد للرحيل ، اكاد اصرخ ، انقذوها ، الم يكفيكم الحزن والرجل الذي اختطفه الموت من بينكم ، ستتركوا ابنته ترحل اثره وكأن قدره ينخلع جذره من الارض ويموت بلا ولد صالح يدعو له ، انقذوها ، كدت اصرخ ، ولو صرخت لن يسمعوني ، صراخ سميحه وعويلها وادعيه المعزين كل هذا سيعلوا علي صوتي وصراخ الرضيعه حتي يفيقوا من حزنهم علي حزن اكبر ، الفوهه المفتوحه للمقبرة تنادي الصغيرة التي تتسلل من علي ذراع امها زحفا للموت دون ان ينتبه لها احد  ...
حدقت في الاحجار المتناثرة حول فوهه القبر ، حدقت في العميق البعيد حيث ترقد الاجساد وبقاياها ، حدقت في الكوة الواسعه مفتوحة امام الرضيعة لتفر من الحياه ومن حضن امها ، حدقت في الاحجار المتناثرة رجوتها تتجمع وتوصد الطريق امام الرضيعه تمنعها تنزلق للرحيل في لحظه غفله من الام الملتاعه ، تلك السيدة الملتاعه ، اقصد سميحة ، لن تتحمل حزن جديد بعد كل الحزن الذي باغتها وقتما اختطف الموت زوجها في عز شبابه..
مازالت الرضيعه تبكي وتصرخ وسميحه تصرخ وتمزق شعرها والمعزين يأخذهم جلال الموت بعيدا عن تفاصيل المشهد الموجع امامهم ، ارمله صغيرة تحمل رضيعه تبكي رجلها الذي حانت ساعته فرحل دون اخطار او استئذان ، كسر قلبها ورحل ، ترك علي ذراعها ابنته الصغيرة لتدعو له ، لكن الارمله الملتاعه لاتنتبه للصغيرة التي احرقت الشمس رأسها وكادت الام بعصبيتها المفرطه تسقطها من علي ذراعها ، العطش يكوي جوف الصغيرة التي تبحث عن ثدي امها يمنحها بعض الحياه ، لكن الضرع جف والحزن التهم عافيته وتبدل اللبن الخير للبن نكد سم لايقي من جوع ولا يرحم من عطش ، انتبهي ياامي لابنتك الصغيرة ، ستفقديها يوم فقدت زوجك ، سيكتب علي اليوم اسمك وحزنك ، انقذي ابنتك وانتبهي لها ..
مازلت منشغل  عن كل مايحدث حولي منتبها فقط للصغيرة الباكية ، منشغلا عن عن الجنازة الصاخبة ونحيب الرجال المكتوم وصراخ سميحة الموجع الحزين وسباب ابيها واخيها لها ومشاجرات اهل المتوفي مع ارملته التي فضحتهم جميعا ، انشغلت عن هذا كله ، عن الادعية وتمتمات القرأن وامنيات الجنة وتلقين الشهادتين والتراب المتطاير تحت اقدام المعزين ، انشغلت عن هذا كله بالرضيعة الصغيرة التي مات ابيها وتيتمت مبكرا فوشمتها الدنيا بحزنها قبلما تعرفها وتتعرف عليها ، افكر في الرضيعه وحالها وكيف ستعيش وسندها اختفي قبلما يسندها وعين حنانه نضبت قبلما ترتوي منه  ، اشفقت عليها واحسست دموعا تشق الاحجار الصلدة وتنزلق علي بدني تشققه بوجعها واحسست كأن قلبا اخضر نبت لي تحت جزئياتي الصلبة وتمني لو احتضنها وحماها وطمئن روحها المرتاعة ....
انشغلت عن الجنازة الصاخبة وعن كل شيء وانتبهت فقط لمنورة وكدت اهمس في اذنها الصغيرة اسالها كيف منحتي الاحجار الجامدة حياة وانت رضيعه صغيرة لم تدركي معني الحياة اساسا ؟؟؟
ودعوت لها وسط كل الادعيه للميت بالرحمه ، دعوت للصغيرة بطيله العمر والسعاده !!!
عجبا لشاهد قبر خلق للحزن وتخليده ينشغل بسعاده الصغيرة الرضيعه التي لم يراها الا في لحظه جنازه ابيها ولن يراها ابدا بعد ذلك ...


                                               " لااعترض بل اتساءل "                                                                                     سميحة


انا راضيه بنصيبي والختمة الشريفه ولكني اتسائل احيانا وقتما تضيق الحياه في وجهي وتحكم قبضتها علي روحي وانفاسي ، اتسائل ولااعترض ، لماذا قسم لي هذا النصيب وصارت حياتي مثلما هي ، لماذا لست رضوي ولماذا لااعيش مثلها ، لماذا لست الفت ولماذا لااعيش مثلها ، لماذا انتقي ابي زوجته القروية الست سعيدة  لتصبح امي ، الم تحمله البطن ذاتها التي حملت اخيه عمي مصطفي ، اليسا عمي وابي نبتا من ارض واحده وشجرة واحدة ، كيف فارقت بينهما الايام لهذا الحد ، كيف باعدت بينهما الايام وبيننا مثلما صرنا وعشنا ، فعاش كل منا نصيبه ومقسومه يختلف كليا عن نصيب فروع ذات شجرته ؟؟ لااعترض بل اتسائل ، اليس من حقي اتسائل ، الم يمنحي ربي عقلا لافكر ، ومالذي اجنيه من التفكير الا وجع لااملك امامه فكاكا ولاانكارا .... لماذا انتقي عمي مصطفي خالتي فادية اما لاولاده ، فحملته وحملتهم للسماء السابعة ، خالتي فاديه ابنة البندر المتعلمة ابنه مهندس الزراعه التي سحرت لعمي منذ لحظه وقعت عليها عيناه في زيارتها القصيرة لابيه ، سحرت له كما تقول عمتي نفيسة وخلعته من ارضه وخلعت عنه جلبابه وهيبة عائلته واسكنته القاهره وفتحت امامه شوارعها الفسيحه ودروبها المغلقه فانتمي لعائلتها ولعالمها وصار الابن النابه الفالح الذي غير حياته وحياة اولاده ، فاكملت رضوي وهي ابنته الاصغر تعليمها وتخرجت من كليه الاداب وصارت مدرسه في المدرسه الثانوية في مصر الجديده حيث عاشت واقامت فتزوجت الدكتور صفوت وانجبت اولادها الاصحاء انيقي الملابس والملامح ، كل هذا عاشته رضوي لان امها خالتي فاديه سحرت لعمي مصطفي وياله من سحر عظيم افلح يغير حياتهم جميعا ، من سحر لابي الحاج مرتضي ؟؟  امي القروية الساذجة الست سعيدة ، سعيدة ابنة القريه التي تخاف تعبر جسرها العتيق للضفه الثانيه فتتوه ويزداد فمها اتساعا وحدقتيها ذهولا ، من سحر لابي الحاج مرتضي  ؟؟ امي السيدة الطيبة التي لاتعرف عن الحياه الا الخبيز والطبيخ وتخليل الزتون ، هذه السيدة هي التي اختارها الحاج مرتضي اما لاولاده ، فعلمتنا الخبيز والغسيل والطبيخ ورحرحه الخبز وتخليل الزتون ورحبت بأبن اختها نادر زوجا لي لانه ابن اصول ونايم علي ارض امه وثروتها ولان سندرة دارهم عمرانه بخيرات ربنا ، امي السيدة الطيبه الست سعيدة رسمت لابي ولنا حياتنا ، وخالتي فاديه رسمت لعمي مصطفي وابناءه حياتهم ، فكانت رضوي وكنت انا ....
لااعترض علي نصيبي ولا علي المكتوب ، لكني اتسائل ، اليس هذا من حقي ؟؟؟
الم تكفيني السيدة سعيدة لتأخذ ابي وتأخذنا لمسار حياتنا مثلما سارت ، الم تكفيني السيدة سعيدة التي اعتبرت الخبيز وتخليل الزتون افيد لي من فقء عيني في قراءة الكتب التي يسكنها الاشباح وتذهب بالعقل كالمجاذيب ، الم تكفيني وقتما اخافتنا من الاحجار التي تتحول في الليل لعفاريت تجري كالارانب تعقر البشر السائرين في الدروب المظلمة ، الم تكفيني وقتما اخافتنا من النداهة التي تخرج من الجسر تخطف من يسير علي ضفته بعدما يغيب القمر ، الم تكفيني وقتما اخافتنا من الاخرين حينما ينظرون في عيوننا يسرقوا ارواحنا ويغرسوا في اعماقنا بلادة فنبهت علينا الا ننظر لهم في عيونهم ولا نسير في الدروب المظلمه ولا نخرج للجسر ليلا ونستعيذ من الشيطان الذي يسعي ليفسد اعمالنا الصالحه بوسوسته المخيفة ، الم تكفيني السيدة سعيدة بكل ماربتني عليه لارتبك واتعثر في خطواتي في الحياه ، الا يكفيني هذا ؟؟ ليأتيني نادر ايضا بنصيبه المكتوب علي جبينه وعمره المقصوف مبكرا باراده ربه  ، يأتيني نادر ويخرجني من بيت ابي لداره ويعدني بزراعه حديقة داره  بالاشجار وشرفته بالياسمين ويؤثث لي حجرة نومي بسرير نحاسي ولحاف ستان وستارة مزركشه بالورود وسرعان مايموت ويتركني ارملة قبلما انام علي فراشه واتهني ،  ويترك لي صغيرته تبكي غيابه ولاتفهم مبرره ، الم يكفيني نادر الذي رملني علي عتبه داره قبلما يسكن فيه الفرح فاستحققت معاشه الصغير بدلا من عيدية فرحته ، فيموت بوخزة عنيفة في صدره وقلبي ويترك اللحاف الستان الجديد يطويه القهر ويطفيء بريقه الاهمال والتجاهل ، ويترك السرير النحاس خاويا باردا ويترك لي الستارة امسح دموعي في ورودها ، الم يكفيني نادر ؟؟؟ بل تأتيني الحاجه نفيسة باوامرها الصارمه لتحكم علي اعيش معها اؤنسها واخدمها ، كنت اتمني ابقي في داري واروي رياحين نادر بدمع عيني افتقادا وحبا ، لكن الرياحين ماتت عطشا وذرتها الرياح وبعثرتها في الخواء مثل روحي واحلامي ، حكمت الحاجه نفيسة عمتي وامرت ، واطاع ابي ، وانصعت لارادتها ، فاغلق ابي داري وسلم مفتاح بابه لخالتي تفيدة ام نادر التي ربطت رأسها بالطرحه السوداء وصبغت وجهها بالنيله الزرقاء واقسمت برأس ابنها لو ادخلت غريب علي ابنتي وحللت له ضفائري لحرقت قلبي علي ابنتي مثلما حرقت قلبها بقدمي النحس علي ابنها الذي اختطفه الموت علي فراشي ، حكمت عمتي نفيسة علي بخدمتها وحكمت علي خالتي تفيدة بالوحدة والترمل والثياب السوداء طيله العمر وعشت مثلما عشت ومازلت اعيش ... لااعترض علي نصيبي والمقسوم ، لكن اتسائل ، لماذا ؟؟؟

      
                                                  " بتك مالهاش قعده لوحدها في دارها "
                                                                                      نفيسة


بعدما دفنا نادر وصبغنا وجهنا بالنيلة الزرقاء ولطمنا علي وجوهنا ، بعدما اعددنا الغذاء والعشاء للمعزين والزائرين ، بعدما شققنا القبر بزيارته في منتصف الليلة القمرية والبدر ساطع ، بعد ماذبحنا العجل ليلة الاربعين ووزعنا لحمه علي الفقراء والمساكين ليدعو لنادر بالرحمه صدقه تشفع له  يوم المشهد العظيم  ، بعد كل هذا ،صليت الفجر واستخرت ربي و ارسلت لمرتضي مرساله في داره ليأتيني وشددت علي المرسال لايتركه الا ويأتي به لداري لاني ارغب اتكلم معه في موضوع هام ، كانت سميحه في داره حزينه باكيه علي حظها الاغبر والرجل الذي خطف من حضنها ومات وترك لها رضيعه تقسم ظهرها وتميل بقيه بختها ، ارسلت لمرتضي وانا اعرف مالذي ساقوله له ليقبل مااعرضه عليه ..
اتاني هرعا مرتاعا لايعرف سبب دعوتي والحاحي فيها ، قدمت له القهوة بعدما كسر ريقه بطبق عسل وقشطه ، سألته ، الا هي بتك حتروح عند اهل جوزها تعيش في كنفهم ، لم يفهم ، سميحه ؟؟ شرحت له انها في عز شبابها وترملت بدري وعلي دراعها عيلة تميل البخت المايل اساسا ، ينصت لي وكأني يتمني يعرف نهايه حديثي ، بتك مالهاش قعده لوحدها في دارها ، تجيب لينا الكلام ، البت ورثت عن جوزها طين والدهب في دراعها يلم علينا الصيع والطماعين ، وانت شايفه ايه ؟؟ سألني مرتضي ، قعادها عندك حمل فوق حمولك وانت مش ناقص ، حظي بقي ياحاجه ، متأسيا علي حظه المعووج ، احيل للمعاش مبكرا بسبب اصابته بعلة في ظهره ، دخله انخفض للنصف وظهره يمنعه يفلح في الارض فيستأجر عمالا يأخذوا منه نصف محصولها واكثر ، الدنيا ضاقت عليه وضيقت خناقها ، انت لسه ماجوزتش اخواتها واولادك واحد في الجيش بياخد حسنته منك والتاني لسه بيتعلم وبيتصرف عليه ياما ، اذكره باحواله التي يعرفها جيدا ، ايوه يعني اعمل ايه ياحاجه ، بنتي ارميها ، لا بعد الشر ، اشرح له ، بقاءها لوحدها في دارها عيبة في حق العائلة ، واقامتها في منزل اسرة زوجها عيبة اكبر ، حيقولوا اهلها مش قادرين يأكلوها ، ينصت لي مرتضي ينتظر الحل السحري الذي ساقدمه لها مثلما افعل عادة ، ايوه ياحاجه يبقي خلاص حتقعد معايا ، اربت علي ظهره ، لو تقدر ماكنتش اتكلمت ، احتار حماري ياحاجه ، شوريني انت شايفه ايه ؟؟؟
شرحت له رغبتي في حضور سميحه وابنتها للاقامه في منزلي ، شرحت له ان المنزل كبير وخاوي بعدما مات زوجي ولم يمنحني ربي ذريه من قلبي تودني وتورثني وقتما يحين الحين ، شرحت له اني احتاج سميحه تؤنسني في وحدتي وتراعاني ، شرحت له ان اقامتها معي هي افضل شيء له لان ظهره مقسوم ولن يتحمل احمال اكثر وافضل شيء لها بعدما خرجت من داره وتزوجت ويصعب علي تعود علي فراشها القديم وعلي ذراعها ابنتها الرضيعه ، شرحت له ان داره ضيقه باهلها ويادوبك تكفيهم وان داري واسعه وكبيرة وخاويه وسميحه وبنتها حيعملوا لها حس ، تنفس مرتضي الصعداء مرتاحا ، بكي وقبل يدي لاني افكر فيه وفي ابنته ، بكي ممتنا لاني حللت له المشكله العويصه التي ارقته ليالي كثيرة ، ابنته الجميله ترملت ولو تركها في دارها لنهشتها الذئاب وتندر اهل القريه عليه لقلبه البارد الذي يترك ارمله جميله في دار بعيده علي اطراف البلد لايعرف عنها شيء ، ولو ابقاها في منزله الضيق سيزداد ضيقا ويضج اشقاءها بصراخ ابنتها وستأكل في لحمه الذي نهشته الايام والمعاش المبكر واصابه ظهره ، بكي ممتنا وفجأ سألني محرجا ، وانتي تشيلي حملها ليه ، ضحكت ساخره منه ، لما اقولك كليت تعالي خدهم ، لما اقولك هات عيبني وعيب علي .... ووافق مرتضي واقنع زوجته برغبتي وشرح لها مبرراتها ، تفيدة ام نادر سرت مما سمعته عن اقامه سميحه معي هي وحفيدتها ، تفيده كانت تحمل هم اقامه سميحه معها والبيت كله شباب وماينفعش نحط البنزين جنب النار ونقول الحريقه ولعت ليه ، كانت تحمل هم اقامتها في دار ابنها فتخرج الدار والارض المحيطه به من سيطرتها لتقع في ايد اول ابن حرام يحط عينه عليها وعلي الدار ....
زارتني تفيدة واخبرتني بموافقتها علي اقامه حفيدتها في حضني واني ايضا جدتها وقالت انها مستعده لدفع ما اطلبه مصاريف لمنورة ، يومها نهرتها لانها اتت منزلي وتطاولت علي ، قلت لها ان منورة لحمنا ودمنا واحنا اولي ببناتنا ، قلت لها اني لااحتاج نقودها ووقت اكل واعجز انفق علي حفيدتها سوف ارسلها لها في دارها ، اعتذرت واكدت لي انها لاتقصد المعني الذي فهمته وان الاصول تقتضي تعرض علي ماعرضت وهي تعرف اني لن اقبل واني املك انفق علي منورة واهلها كلهم ، تباسطت معها وقلت لها اني لم اغضب منها واقدر دوافعها لكن الاصول ايضا تمنعها تتفوه بمثل ماقالته في بيتي وانا كبيرة العائلة واني التي اخترت سعيدة شقيقتها لمرتضي واخترت نادر لسميحه ومقامي عالي وكلمتي نافذه علي الكل وقادره انفق علي منورة والف مثلها ....
واتت سميحه لمنزلي ومعها ابنتها الرضيعه فسمعت جدرانه لاول مره بكاء الرضيعه وهدهدات امها لها وقت النوم ، وهي الجدران التي لم تسمع الا بكائي لان ربنا منحني الكثير لكنه حرمني من الاطفال والامومة و.... صارت سميحه ابنتي ومنورة حفيدتي وامتلأت الدار بالصخب والدفء ....
كنت اظنهما سعداء بالاقامه معي مثلما سعدت بوجودهما حتي ذلك اليوم الغريب الذي صرخت فيه منورة تتشاجر مع امها لانها حكمت عليه بالذل وكسرة النفس والاقامه كالمتسولين في بيت الغرباء !!! متسولين ، غرباء ؟؟؟ ياخبر اسود ومنيل !!!! لاهي بنتي ولا هي حفيدتي و يا مربي في غير ولدك يا باني في غير ملكك....




نهاية الجزء الاول 

وهج وردي اخر الليل ..... الجزء الثاني


الجزء الثاني  



ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى





                                                        "وعشت نصيبي المقسوم والمكتوب"
                                                                                      منورة


سألتني جدتي نفيسة عن رأيي في العريس الذي تقدم لي ، سألتني وهي لاتنتظر اجابتي ، فالامر محسوم وهي وافقت علي العريس وامي صمتت كالعاده ، سألتني وهي تنتظرني اشكرها لانها تفضلت علي كعادتها باهتمامها واعتباري ، لطمت ومزقت شعري وصرخت ارفضه ، افصحت لجدتي عن رغبتي في اكمال تعليمي وحصولي علي شهادة كبيرة مثل اقراني من ابناء وبنات العائلة ، زي مايسة بنت خالتي رضوي ، زي مها بنت خالتي الفت وزي كل بنات العيلة اللي عايشين في مصر وانا لااقل منهم ولا اخيب ، لطمت ومزقت شعري وهددتها احرق نفسي بوابور الجاز ، سخرت جدتي مني وشرحت لي اني لست مثلهم وهم ليسوا مثلي وانا عارفه وفاهمه ، وان الطينة غير العجينة ، وان البنات اللي زيي اخرة مشوارها الزواج واللي اخره معروف مالوش لزمه نتبغدد عليه ونتكبر .. رفضت وتمردت وصممت ، كنت اظني ساهزمها ، لم افطن لما اضمرته لي ، لم ادرك كيف ستجبرني علي الزواج من العريس العرة الذي فرضته علي ..
استغثت بامي لتنقذني من مصيري الذي رسمته جدتي نفيسة وامرت وحكمت ، امي صامته كأنها تقول لاقرار لها في شأني ولا في شأنها ، صامتة امي كعادتها منذ تحكمت جدتي نفيسة في حياتها وحياتي ، صامته وكأنها تمثال بجم لاتملك ارادة ولا قرار ...
شكوت جدتي نفيسة لجدي مرتضي ، قلت له اني لاارغب في الزواج ولا لايعجبني العريس الغلبان الباشتمرجي الذي انتقته لي جدتي نفيسة ، بكيت له ورجوته يساعدني اكمل تعليمي كمثل مايسة ومها وبقية بنات جدي مصطفي  ، حدق جدي في وجهي طويلا كأنه يقول لي انهن حفيدات مصطفي ولسن حفيداتي وانا غير مصطفي وانتي غيرهن ، حدق في وجهي طويلا و ربت علي كتفي وقال لي ان نصيبي في الحياه مقسوم ومكتوب ولااحد يهرب من نصيبه وسلو البلد البنات تتجوز وتخلف وتفتح بيوت وتعمرها وسلو البلد علي رقبتي ورقبته واللي رايده ربنا يكون ..
شكوت لجدتي تفيدة ام ابي من جدتي نفيسة المستبدة الظالمة  ، اشاحت لي جدتي تفيده لايعجبها كلامي ونصحتني اطع جدتي نفيسة لانها من ربتني وكبرتني وصرت لها ابنة وعبدة ، تصورت جدتي اني ساطالبها بميراثي من ابي ونصيبي فيه فازاحتني بعيدا عن بيتها وقلبها وتركتني لجدتي نفيسة تحكم وتتحكم ، وحذرتني وانا ابكي ارفض مايقرروه لي ، اني يتيمه وماليش ضهر والزواج يخلق لي ضهر وسند وعيله وعزوة واللي مكتوب علي الجبين لازم تشوفه العين ، و..... زففت ليحيي ابن ابو يحيي الباشتمرجي في عيادة الدكتور المتصيت في القرية و..... وعشت نصيبي المقسوم والمكتوب ....


                                                                  " اه يابت جمدي قلبك "
                                                                                       نفيسة


اتصلت برضوي ، انا عمتك نفيسة يارضوي ، ترحب بي بصوت بارد كمثل صوت امها ، لاتحبني ، امها سرقتها من حضننا مثلما سرقت ابيها ، انا عمتك نفيسة يارب تكوني لسه فاكراني ، ترد بادب يخجلني ، باتطمن عليكي ياحبيبتي اخبارك ايه واخبارك ولادك ايه والست والدتك ، انا قاصداكي في خدمه ياحبيبتي ، منورة ، عارفاها ، ايوه بنت سميحة بنت عمك مرتضي ، البنت غريبه في مصر عندكم ، جوزها اتنقل مصر وهي معاه ، انتي عارفاها خايبه زي امها وعمرها ماخرجت من البلد ، تخاف من خيالها وتغرق في شبر ميه ، حاجي عليها يارضوي ، ماهو يابنتي الدم اللي بينكم مش ميه....
ترد علي بادب ، حاضر ياعمتي ، مالي احسها مرتابه فيما اطلبه منها ، اطمئنها ، البنت مش محتاجه حاجه ، وورثها تحت رجليها ، هي بس محتاجه اللي يحاجي عليها ، الغربه وحشه والغريب اعمي ولو كان بصير ، حاضر ياعمتي ...
مكالمه ثقيله علي قلبي ، مرت الايام لاتصل برضوي اطلب منها ترعي منورة ، لولا امها الغريبه التي خطفت اخي واستأثرت به وقطعت صلة اولادها بنا ماكنت احتجت تلك المكالمه ، كانت رضوي عرفت ماعليها وماهو يتعين عليها عمله دون اتصال ، دم المناديلي بيجري في عروقكم ، كل واحد منكم ملزوم بالتاني ومسئول عنه ، ده سلو بلدنا ، ماغريب الا الشيطان ، وكلنا اهل والمليان يكب علي الفاضي ، ده اللي اتربينا عليه وعلمناه لعيالنا ، بيت اي حد فينا بيت الكل والشجره تفرش ضلها علي اللي الشمس حارقه راسه ، ده سلو بلدنا ، لكن مش سلو مصر ، مصر حاجه تانيه ، مصر ابوابها مقفوله في وش الاهل قبل الغرب ، مصر بتقفل الباب عليها واحنا ابوابنا مفتوحه لعابري السبيل والمحتاجين ، مصر خايفه من اللي واقف ورا الباب ، احنا مابنخافش من حد ..
من يوم تزوج مصطفي بالبندريه وخطفته لمصر صار غريبا ، نسي تقاليدنا واعرافنا ومعني الواجب ، قطعت فرعه من شجرتنا فشرد غريبا ، يأتينا غريبا ويعود غريبا ، غرست فرعه في ارضها فضلل عليها وعلي اولادها ونسي العائله والقريه وصله الرحم واهل الود ، تشاجرت معه كثيرا لكن عيونه البليده الزجاجيه حمته من غضبي ، كان يسمعني من اذن ويخرج كلامي من الاذن الاخري دونما اكتراث او اهتمام ، نعم افلحت احيانا اجبره يأتي باولاده لقريتنا ، اتي بهم لكنهم ظلوا غرباء ، لم يمد حبال الوصل مع العائله ، بناته يختلف شكلهن عن بناتنا ، افكارهن شارده مثل امهن البندريه ، رضوي ليست كسميحه ، سميحه طوع ومكسورة الجناح واللي نقوله يمشي علي رقبتها ورقبه ابيها ، رضوي قويه وعينها بجحه ومحميه بامها ، سميحه تطبخ وتكنس وتغسل وتخبز وترحرح العيش ، رضوي في اجازتها تقرأ الصحف وتجلس مع ابيها والرجال ، رضوي صممت تكمل تعليمها واخذت الشهاده الكبيرة اما سميحه فتزوجت بعد الدبلوم وترملت قبلما يمر حولين علي زواجها ، رضوي تأتيني زياره قصيرة وتعود مسرعه لبحرها الذي لاتعيش الافيه وتموت لو خرجت منه ، سميحه تخدمني برضا وسماحه وترحب بالضيوف وست بيت عن حق بس البخت مايل ..
كل هذا اعرفه واكثر ، لكني لم ارضخ ابدا لفادية راس الافعي ، لم اقبل مافعلته في عائلتنا ، فرقت بين الاخ واخيه ، لم اصمت ولن اصمت ، اطارد مصطفي واحنن قلبه ليأتينا ويمد الوصل مع اهله ...
عندما مرضت منورة والحمي عصفت بها ، صغيرة ابنه خمس سنوات ، كانت تهذي وسميحه تبكي ، يومها طالبتها تندر حسنه لاهل الله وقتما تشفي ابنتها توزعها علي اولياء الله الصالحين في مصر ، ارتبكت سميحه وحاروح فين ، عندنا في مصر بدل البيت عشرة ، اقصد بيت مصطفي واولاده ، وقتما شفيت منورة اتصلت برضوي وامرتها تستقبل سميحه وابنتها لتفي بالندر ، وافقتني ادبا ورحبت بزياره سميحه ، لم اقل لسميحه عن حديثي مع رضوي ، طالبتها تتصل بها وتستأذنها ، اسعي لمد حبال الوصل بينهما ، سميحه اتصلت برضوي فرحبت رضوي ، سميحه سعيده وانا اسعد ، بيت بنت عمك بيتك ، لم ارسلها لفاديه ، رغم كل تلك السنوات اراها غريبه عنا ، رضوي بنتها ودماء المناديلي تجري في عروقها ...
سنوات مرت والجفاء يمزق بيننا وبين مصطفي من تحت رأس امرأته راس الافعي ، هي تباعده وانا اقتحم حصونها وافرض عائله المناديلي عليها ، الحق الست مؤدبه لم تخذلني يوما واستقبلت ضيوفنا واهلنا واتت مع زوجها لاداء واجب العزاء وحضور الافراح ، لم تخذلني لكنها لم تحبني وانا طبعا لم احبها ..
امس اتصلت بي منورة تبكي ، الغربه صعبه ياجدتي ، ماانتي يامايله اللي عملتي في نفسك كده ، معرفش حد والحيطان ضجت من كلامي معاها ، افتحي بابك يابت واسالي عن جيرانك ، جامليهم بطبق كحك ، زغرطي في فرح ، صوتي في ميتم ، افتحي بابك يابت ، مصر صعبه ياجدتي صعبه ، الغريب مالوش مكان ، انتبهت فجأ لما تقوله ، يابت اهلك هناك ، وديهم ، زوري بيت جدك مصطفي ، زوري بناته ومدي حبال الوصل معاهم ، مش حيفتكروني ياجدتي ، مين قالك يامايله ، حيفتكروكي ، فكريهم بنفسك ، قولي لهم انك مناديلي وهما مناديلي والدم عمره مايبقي ميه والضفر مايطلعش من اللحم ، اجرب ياجدتي ، جربي يامايله واللي تقفل بابها في وشك تبقي شربت من امها سم الجفا وماخدتش من المناديلي حنانهم وطيبه قلبهم ، تصرخ منورة في التليفون ، اروح ويردوني ياجدتي يرضيكي ، ارفع صوتي غاضبا ، يابت محدش حيردك ، روحي وجربي وابقي بلغيني ، طيب ياجدتي حاجرب ، اه يابت جمدي قلبك ، خبطي علي ابوابهم بقوة لاانت راحه تشحتي ولا راحه تستجديهم يغيتوكي ، راحه تزوري وتودي ، يردوكي ليه ؟؟؟
انهيت المكالمه مع منورة وبقيت افكر في حديثها ، كله منك ياراس الافعي ، لاانسي لها ابدا انها خطفت اخي من حضننا ، اتذكر مصطفي فاترحم عليه ، مبسوط يااخويا ، بنات العيله صاروا غرب خايفين يزوروا بعض والبركه في مراتك وفيك ....
انادي سميحه ، فنجان قهوه يابت وشوية مية عقبال ماتشربي من زمزم ، تأتيني بالقهوة والمياه المزهره وتنسحب بهدوء ، اناديها بتعملي ايه ، ولا حاجه ، طيب ماتقعدي معايا نتساير ، تجلس امامي صامته ، اشفق عليها من ميله بختها وحياتها الصعبه التي عاشتها ، تحدق في وجهي وتهمس تستأذني ، بافكر انزل اقعد عند منورة يومين تلاته ياعمتي اغير جو ، اخبط علي صدري غاضبه ، وتسيبني ، اهون عليكي ااقعد لوحدي ، لو النوبة جات لي وانا لوحدي مين يغيتني ، اموت محدش يدري بي ، انفجر في البكاء ، اهون عليكي ياسميحه ، بصوت خفيض ، تهمس لاماتهونيش علي ياعمتي ، حاضر امرك ، يحضر لك الخير ...


                                                " انتي مش فاكراني ياخالتي ؟؟"                                                                                        منورة


دققت جرس الباب رنة صغيرة وبقيت انصت بتوجس وارتباك لما يحدث خلفه ، انفاسي متلاهثه توترا وخوفا واملا ، انصت لصوت الخطوات الثقيله التي تقترب من الباب الخشبي الانيق ، الهانم موجودة ؟؟ سألت الخادمه ، قولي لها قريبتك من البلد ، اغلقت الباب في وجهي بسرعه وسرعان مافتح ثانيه وخلفه خالتي رضوي بعيون مليئه بالاندهاش والتعجب ، اهلا ياخالتي ، لاترد علي ، قطعا لاتتذكرني ، سنوات طويله مضت علي زيارتي الاولي لبيتها الانيق ، انا منورة ، حدقت في وجهي وابتسمت مرتبكه ، انا منورة واضفت بنت سميحه بنت عمك مرتضي المناديلي ، ابتسمت خالتي رضوي وفتحت باب شقتها الانيقة ورحبت بي وادخلتني لبيتها وعينيها مليئتين بالتساؤل والحيرة ، مالذي رماني عليها بعد كل تلك السنوات الطويلة التي انقطعت فيها علاقتها بامي واهلها في قريتنا البعيدة ، اتفضلي ...
مادت الدنيا تحت قدمي من الفرحة ، يزيد فضلك ياخالتي ، ظننتها ستغلق الباب في وجهي ، ظننتها ستقول لي من انتي ومن امك ، ظننتها ستطردني بثيابي الرخيصة وحذائي البالي ، ظننتها ستأنف تدخلي منزلها الانيق ، ظننتها ستطلب لي الشرطه لتبعدني عن حياتها التي قررت اقتحامها ، لكنها لم تفعل ، قالت لي تفضلي واتفضلت ..
استقبلتني بتوجس ورحبت بي بتوتر ، اجلستني في صالونها الانيق لتؤكد علي نفسها وعلي اني غريبه ولاتعرفني وانها لم تتعرف علي فعلا حتي الان بحق ، خلعت حجابي واطلقت شعري الناعم براحه وكأني في بيتي ، تتابعني بنظراتها وكأنها تستغربني ، امرت خادمتها تأتيني بفنجان من القهوة ، سألتني عن جدي وجدتي نفيسة وعن امي واخوالي ، قلت لها ان زوجي نقل للعمل بالقاهره ، واني غريبه هنا ومقطوعه من شجرة ، واني لااعرف احد هنا الا حضرتك واني وقعت من السما و... الباقي مفهوم ، حدقت في وجهي طويلا ، ربما تصورتني ساقترض منها ، ربما تصورتني متسولة اتيت لبابها لاشحذ ماتجود به ، ربما تصورتني نصابه انتحل شخصيه قريبه لها من بعيد ولست كذلك ...
انتي مش فاكراني ياخالتي ؟؟ سألتها وانا مرتاعة ، هي املي الوحيد الذي اعتمد عليه لينتشلني مما فيه ومما عشته ، انا بنت سميحه ، فاكره سميحه ، فاكره ياخالتي لما جينا انا وامي من زمان ، كنت لسه صغيره ، لما قعدنا عندك يوم واتنين وتلاته ، امي بتحبك قوي ، بتقول انك اختها واكتر ، بتقول انك كريمه قوي وفتحتي لها دارك وكرمتيها ، اذكرها بأمي ، بزيارتنا البعيدة التي لم تبارح خيالي ابدا ، ابتسمت خالتي رضوي وهي تنصت لي ،انا بالامارة فاكرة لما جيتي البلد انت وبناتك وقعدتي في بيت جدتي نفيسة ، فاكره اياميها اتصاحبت انا ومايسة ، كنا بنلعب سوا السبع طوبات وتماثيل اسكندريه ، فاكره ياخالتي ، ابتسمت رضوي وهي تهز رأسها وكأنها تنتظر نهايه حديثي لتعرف سبب زيارتي لها ، الا بالحق مايسة فيه دي واحشاني موت ، لسه مارجعتش من الجامعة يامنورة ، كويسه اني فاكراني وفاكرة اسمي ،  ياخساره كان نفسي اشوفها ، اكرر ، اصلها واحشاني موت  ، اتحدث واتحدث واحكي واحكي واضحك علي مااقوله واقلد لها جدي مرتضي وهو ينهرني وامي وهي تبكي و.............. طلبت لي قهوه مره ثانية ، خايفه اكون معطلاكي ، لا ابدا ، هل تعاملني ببرود ، اكيد ، اليوم تعاملني ببرود ، لكن غدا ، نعم غدا يوم جديد ، جدتي نفيسة بتسلم عليكي ، قوي والختمه ، تبتسم رضوي ، تتغدي معانا يامنورة ؟؟ لا ياخالتي ولاينفع ، لازم ارجع قبل ماجوزي يرجع من شغله ، مره تانيه ، قلت لها ، مره تانيه تكون مايسة موجوده ، انتبهت لكلامي ، لازم ارجع قبل ماجوزي يرجع من شغله ، سألتني جوزك انت متجوزه يامنورة ؟؟ هززت رأسي بأسي كأني اتمني ابكي ، انت صغيرة قوي علي الجواز ، والختمه الشريفه قلت لجدتي نفيسة الكلام ده قسيت علي وقالت لي البنات اخرتها الجواز ، تهز رأسها غضبا ، مالهمش حق يجوزوكي بدري قوي كده ، مش كده والنبي ياخالتي ، غلبت اشتكي واقول ولا حد جارني ، جدتي نفيسة قالت ده سلو بلدنا ومحدش كبير علي عوايدنا ، هزت رأسها وكأنها غاضبه من جدتي نفيسة ومااجبرتني عليه ، نظرت في ساعتي لاطمئنها اني سارحل وقريبا ، احتسيت القهوه بسرعه ولففت الحجاب علي شعري وقبضت علي كيس نقودي واحتضنتها بقوة وودعتها لارحل ، لازم امشي بقي علشان مشواري بعيد ، لم تسألني عن عنواني ولم اخبرها ، كأنها لاترغب في رؤيتي مره ثانيه ، ودعتني وهي تهمس ، ابقي سلمي علي مامتك ، نبرات صوتها تقول لي لاتأتي لي ثانيه ، فهمت رسالتها لكني لن اطيعها ، سأزورك مره واثنين وعشره ياخالتي ولن اكل ولا امل حتي تمنحيني مكانا بينكم فجميعنا عائلة واحدة ، عائله المناديلي !!!
تقف علي باب شقتها الانيقة تودعني ورأسها مليء بالاسئله والتعجب ، ايه حكايتك ، ابتسم بود ، الوقت طويل بينا علشان احكي لك عن حكايتي ، لاتنطق ولاانطق ومافي رأسينا يعتمل ويفور والصمت سيد المشهد ،  قبلما اخرج من الباب سألتها عن رقم  تليفون البيت ، علشان ابقي اكلم مايسة وهي اكيد حتفتكرني ، كتبت لي الرقم علي ورقه صغيرة قبضت عليها بحرص بين اصابعي وخرجت من بيتها وانا احلق من السعاده واعدها بأني ساكرر الزياره قريبا وهي صامته لاتدعوني لزيارتها ، بقيت واقفه علي خلف باب الشقه تراقبني وانا انزل السلم بسرعه وفي عينيها الف سؤال عني وعن سبب زيارتي ، شاهدتها بعيون ظهري وكدت اعود لها لاهديء من روعها واطمئنها ، لاتخافي مني فلاارغب بك شرا كل مااتمناه منك بعض الخير الذي تعيشي فيه ولااكثر ولااقل ، لكني نزلت بسرعه ودقات قلبي متلاحقه من السعاده والتوتر ... اخيرا يامنورة شكل الدنيا ناويه تبتسم لك!!!!


                                                                     وقال الفستان ..........


انزلني صاحب المحل من علي الشماعه العاليه واخرجني من الفاترينه وطواني باهمال يتناسب وكل الحزن الذي ااعيشه في محله الصغير ، الاتربة نهشت انسجتي وتراكمت عليها اهانتها ، كنت فستان جميل ، نعم كنت فستان جميل انيق راق ، ثوب قماش ستان صنعت منه الخياطه المشهورة ثوب حكت عنه الاوساط الراقيه وتحاكت ، رسمت الخياطه الراقية في اجمل احياء القاهره  خطوطي وقصت ببراعه نسيجي وطرزت بايدي بناتها المدربات ورداتي بالترتر والخرز وخرج النجف ، كنت فستان جميل ، صنع خصيصا لفرح سيدة من الطبقه العليا لااعرف اسمها ، بل كنت اعرفه ونسيت ، بل كنت اعرفه واعرفها وكرهتها يوم اخرجتني من خزانه ملابسها الانيقة وامرت خادمتها ترميني في القمامه  ، نعم ، القتني في القمامه  اكتشفت ان الزوج المحترم يخونها مع خادمه اخري ، يومها كنت نائم في الخزانة المظلمة بعد سنوات كثيرة من ليلة الفرح التي انهكتني رقصا وبهجة ، فتحت الخزانه فجأ ومدت السيدة ذراعيها القتني ارضا وداست علي ورداتي الجميله بقدميها ، امسكتني باصابعها العشر وكأنها تتمني تمزقني ، كدت اصرخ فيها لتهدأ ، كدت اقول لها زوجك الذي يخونك ولست انا ، لكني صمت تماما ، فلو نطقت لجنت ، فمن قال ان الاشياء تتحدث ، صمت تماما واستسلمت للمعركه البائسه التي خاضتها ضدي ، القتني ارضي وهي تصرخ وتمزق شعرها ، نادت الخادمه بصوت عالي وامرتها تلقي بي في اقرب سلة قمامه ، ارتبكت الخادمه كنت اراها لاتطع سيدتها ، سبتها لعنتها ، انتي حماره باقولك ارميه في الزباله ، تصورت الخادمه ان السيدة المحترمه جنت ، وطوتني في شنطه ورقيه كبيرة وخرجت تحلق في السماء لاتصدق الهديه العظيمة التي منحتها لها ، القتني الخادمه في صندوق قديم مليء بالتراب واوراق الصحف القديمه تحت سريرها بعدما دعت جاراتها ليتفرجوا علي قماشي وتطريزي والوردات الساطعه في ذيلي ، كذبت عليهن وقالت ان سيدتها منحته له لترتديه ابنتها يوم زفافها ، عيونهن المفتوحه دهشه تؤكد لي انهن ابدا لم يروا في حياتهن البائسه مثلي ....
بقيت في الصندوق القذر طويلا ، حتي تخرجت ابنة الخادمه من المدرسه وخطبت للسائق الذي شاغلها وطوي قلبها تحت ابطه ، اتت خياطه من الحي الفقير واعملت مقصها في ورداتي وذيلي الطويل لاناسب الفتاه النحيفة ابنة الخادمه ، كنت حزين جدا وهي تمزقني ، تمتمت بالدعاء للخياطه الماهره الانيقة التي فصلتني ، قرأت لها الفاتحه لانها احترمتني ولعنت الخياطه الفقيرة وجهلها ، تعثرت مع العروس النحيف في زفتها الفقيرة في الشارع ، مزق السائق ظهري وهو يفترس عروسه ، القاني تحت السرير وبقيت طيله الليل انصت لما يقوله لها وانا خجل ، فالعريس المحترم لم يسمعني مايخدش حيائي اما هذا السائق فهو لايكف عن الكلام الخارج ولا الاصوات الغريبة ، بعد يومين ثلاث من الزواج اتت الخادمه ولفتني في " بؤجه " وخرجت بي من حجرة ابنتها وسارت طويلا حتي وصلت لسوق الجمعه ، هناك باعتني بعشرين جنيه لاحدهم ، اي اهانات اشعر بها وانا اتنقل بين ايدي جاهله لاتعرف قيمتي ، عشرين جنيه ايتها الحمقاء ، لقد خدعك وسرقك ، اه لو تعرفي ثمني وقيمتي ، العيب ليس عليك ، العيب علي السيدة المحترمه التي كرهتني بسبب خيانه زوجها ، اللعنه علي الزوج الخائن وعلي السيدة المحترمه علي الخادمه ، وبسرعه صرت ثوب معلق في محل صغير في حاره ضيقه معروض للتأجير ، نعم ، عرائس كثيرات يأتين للمحل ويتفاوضن مع صاحبه علي قيمه ايجاري ليله واحده اخرج فيها من المحل واعود اليه ملطخا بالعرق واحيانا بقطرات الدماء وبقايا المكياج الرخيص ، انهكت من كثرة الرقص في القاعات الضيقه والنوادي البعيده والشوارع غير الممهده وقت الزفة ، زفه تلو الاخري ، كرهت الافراح وكرهت نفسي ،سافرت كثيرا بين القري والمراكز والنجوع البعيده ، تستأجرني احداهن وتدفع تأمينا كبيرا وتسافر بي بعيد عن المحل والمدينه اقضي الغرض وانهي الفرح واعود لمكاني في المحل الصغير مهزوما غاضبا ، لم اكن استحق كل هذا ...
مازلت اذكر يوم دخلت منورة المحل لتعاين الثوب الذي ستستأجره لليلة زفافها ، دخلت بصحبة سيدة عجوز متسلطه ، دارت منورة في المحل تستعرض الاثواب الاخري وشفتيها ممتعضتين غضبا ، فهمت من حوارها مع العجوز انها كانت تتمني ثوبا جديدا ، نهرتها العجوز علي قلة عقلها والبذخ الذي لاطائل منه ، دي ليلة وحتتقضي ، وقفت منورة امامي طويلا ، لمست باصابعها الرقيقة الستان الناعم والوردات المطرزة واشارت لجدتها ، ده عاجبني و........ سافرت معهن للبلدة البعيدة ، تصورتها ستلقي بها في الدولاب حتي الليلة الموعوده ، لكنها لم تفعل ، علقتني علي شماعه كبيرة ورفعت ذيلي من الارض ، صممت ترفع عن قماشي البقع واثار الافراح القديمه ، احببتها ، احسستها تفهم قيمتي وتقدرني ، ذات يوم انزلتني من علي الشماعه العاليه واحتضنتني ، اخرجت ابرة وخيط وبعض الخرز والترتر واخذت تكمل بنفسها الوردات الجرداء ، تزينها بالخرز وتبتسم ، هل دبت في الحياة مره اخري ، قضت يومين ترتق في جروحي وتزيني بمنتهي الحب حتي بعثت مره جديده للحياه وكأني الان وحالا خرجت من تحت يد الخياطه الماهره ، احببت منورة ووعدتها دون تدري اجعلها جميلة واجمل من الجمال نفسه ، حين خرجت من الحمام بجسدها اللدن الناعم ورائحه العطور تفوح من مسامها ابتسمت ، تمنيت لو كانت هي الالف عروس اللاتي ارتديني في ليلة العمر ، انزلقت بسهولة داخلي واحتضنتها بقوة واحكام ، وسطها الصغير ظهر وارادافها المستديره ازدادت جمالا ، احكمت اربطتي علي ظهرها فبرز ثدييها الصغيرين في شكل جميل ، بقيت ساكنا حتي زينت شعرها بالتاج والطرحه الطويله وتحركت وهي صوب جدتها وامها ، مازلت اذكر نظره الاعجاب والحب التي رمقتها بها امها ، نعم جمالي منحها جمالا وضيائي اضاء روحها بالبهجه ، جحدتها نفيسة السيدة العجوز بنظرة ذات مغزي وهمست لها ياهناه ياسعده ، كانت تتحدث عن العريس الذي لااعرفه ، بقيت ساكنا وهي ايضا ننتظر اشاره الانتهاء من عقد القران ، فتحت جدتها فمها عنوه والقمتها قالب سكر لتصبح حياتها عسل كما قالت ، رفعت امها قدميها وفرشت تحتهما اعواد خضراء كثيرة لتصبح حياتها خضراء وقدميها قدم السعد مطرح ماتخطي الخير يفيض ، بقيت نفيسه ترقيها بالقرأن وامها مذهوله كأن الفرح لايخصها ، تتساقط احيانا بعض الدموع من مقلتيها لكنها تخفيها وبسرعة ، وسرعان ماانفجر الصخب والضجه والزغاريد ودقات الدفوف واتي العريس ... لااخفي عليكم سري ، لم يعجبني ابدا ذلك الرجل ، هي مهره وهو ليس خيالها ، هي عفيه صبيه وهو علي قد حاله ، هي جميله وتحتاج من يقدر جمالها وهو رجل يتزوج ليفتح بيت وينجب اطفال من اي سيدة تصونه !!!!
عندما اغلقت عليهما الحجرة وتقدم صوبها ليخلعني عنها بعنف ، نهرته ، خلعتني برقه وطيبه ، طوت اطرافي وذيلي الطويل ، ارقدتني في قاع دولابها ، وكأنها قبلما تغلق علي ضلفته في الظلام ارسلت لي قبلة شكر ، وكأني ايضا ارسلت لها قبله محبة ... وعدت مكاني للمحل الصغير انتظر الفتيات اللاتي يحدقن في ويتجاهلوني لاني ثوب قديم وكأني خرجت من المتحف وهن يبحثن عن ثوب رخيص ابن حلال علي احدث صيحات الازياء ... عدت مكاني للمحل الصغير وانا ابدا لم انسي منورة ....




نهاية الجزء الثاني 

وهج وردي في اخر الليل ..... الجزء الثالث


الجزء الثالث



ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى





                                                                    " ياغالية يابنت الغالي "
                                                                                      سميحة


في الظلام الدامس واشباح مرعبة تحتل الغرفة وتخلع قلبي رعبا ، احتضنها محمومة ، صغيرة مريضة تنتفض وتهذي ، الحرارة الشديدة قبضت علي راسها وصبغت وجهها بوشم قرمزي ، تنتفض وتهذي ، عمتي نفيسة تجهزني لموتها ، نعم لموتها ، تتحرك بعصبيه طيلة النهار بين غرفات الدار تبعد شبح الموت وغرابه الاسود ، تأتيني وانا احتضنها ودموعي تمتزج بقطرات العرق البارد التي تنفجر من جبهتها الصغيرة ، تاتيني وتقولي ، ااقري ليها قرأن ربنا يهون عليها ، بعيون فزعه اتمني اسألها ، بتقولي ايه ياعمتي ، لكنها تخرج من الغرفه ولاتترك لي فرصه سؤالها ، الكمادات الباردة تتحرق بنار حرارتها في ثانيه واحدة ، الطبيب غمز لعمتي وكأنه يخبرها بالمصير المكتوب علي صغيرتي ، سنتين ارعاها بعدما مات ابيها وتركنا كالجذع المكسور لاارض لنا ولا ضل ، سنتين اكبرها امام عيني ، تضحك احيانا وكثيرا تبكي بلا سبب ، عمتي ترقيها بالبخور والشبة وتقرأ المعوذتين وتدعو ربي يشحتها لي ، البت ملبوسه ، تؤكد عمتي فلااصدقها ، صغيرة ياعمة وكل الصغار كده ، تتركني غاضبه لايعجبها كلامي ، ايش فهمك انتي في الصغار يابنت امبارح لاربيتي ولا كبرتي ، كدت يوم اقاطعها وانت ياعمتي لا حملتي ولا ولدتي ولا ربيتي ولا كبرتي ، كدت وخفت من غضبها ، الحق اشفقت عليها من قسوتي ، البت ملبوسة من يوم ماابوها مشي وطلعتي بيها المقابر والبت رجعت غير ماكانت ، وكأن كل الحزن وكل البكاء وكل السواد وكل القهرة التي تحيطها لم تؤثر فيها ، والنبي ياعمة البت كويسه ، ياريت يابنت اخويا وانا اكره ، قاوحتها كثيرا وعارضتها كثيرا وهي تؤكد لي ان صغيرتي عليلة وممنهاش امل وبنت موت وابوها فاتح حضنه ومستنيها ، قاوحتها كثيرا ومنورة تجري في البيت وتضحك احيانا وتلتصق بي كثيرا ، حتي ذلك اليوم الكئيب الذي استيقظت وسط الليل علي صوت صراخها ، صراخ ملتاع وكأن عقرها ثعبان ، استيقظت عمتي وهرعت لحجرتي ، مالها بتك ؟؟ لم اجد اجابه ، لااعرف ، تنتفض من السخونه وحرارة جسدها المشتعل ، وكأنها جمرة نار حمراء في المنقد ، كأنها فرع حطب في الفرن المشتعل ، اتت عمتي بالماء البارد وسكبته علي رأسها ، تبكي منورة وتصرخ ولا تنخفض حرارتها ، بقسوة وقوة ، خلعت عمتي عنها ملابسها والقت بها في حوض ماء بارد ، اكدت لي ، لو حمي ومرض الحرارة حتنزل ، لو اشاره وصمتت ، لو اشاره ولا ميه البحر كله حتفرق معاها ، غطست منورة في الماء البارد مرة واثنين وجسدها ينتفض من الحراره ، لاتنخفض ولا تهدأ ، تبكي وتصرخ والحمي تفتك بها وبرأسها ، اشعلت عمتي كل انوار المنزل ، تقرأ القرأن في جوانبه ، ترش ماء وملح علي الارض وتتمتم بادعيه لااعرفها ، سامعه نعيق الغراب ؟؟ لم اسمعه والغربان لاتنعق وسط الليل ، خير يارب عديها علي خير وهون عليها ...
عمتي تدرك في قرارة نفسها ان ابنتي سترحل لحضن ابيها المفتوح ، تحتضنها بحب وشفقه وتهمس في اذنها بالشهادتين ، الطم علي وجهي واكاد اخطفها من يدها ، ده صغيرة ياعمة ولسه قدامها العمر طويل ، اصدق عمتي ، وان ملاك الموت سيخطفها من حضني كما خطف ابيها ، الطم علي وجهي وامزق شعري ، اكتمي يابت خالص الموت له هيبه ورهبه ، اكتم صوتي لكني لااكتم حزني الذي ينفجر ويتملكني ، سترحل ابنتي الصغيرة منورة وتترك حياتي ظلام دامس ، يارب يارب ....
لكن الليل يرحل وتبقي منورة محمومه مريضة ، يأتينا النهار بالامل والطبيب ، يصف لها ادوية كثيرة ويطالبني برعايتها والاعتناء بها وتخفيض حرارتها بكل الطرق ، برشام وكمادات وربنا معاها ومعاكم ، احتجز نفسي معها في الغرفه واحكم اغلاق النوافذ خوفا عليها من تيارات الهواء ، اغرق رأسها بالماء البارد والثلج ، تبكي وتصرخ والحمي لاترحمها وترحل ، اقرأ القرأن واندر لاهل الله عيش ونابت لو صحت وطابت واشحذها من ربي يبقيها لي سند وفرحة ، تصمت بعض الوقت وكأن حرارتها انخفضت ، تنام فانام وهي في حضني ، فجأ تشتعل روحي وجسدي بحرارة مرضها وتصرخ ، اهدهدها ، ننه نام ننه نام وادبح لك جوزين حمام ، ننه نام ننه نام وادبح لك جوزين حمام .... تصمت وكأنها تنصت لي ، احسها تتمناني احكي واتكلم ، شدي حيلك يامنورة علشان خاطري ، علشان خاطر امك اللي اتكسر وسطها علشانك ، شدي حيلك يامنورة علشاني ، اوعي يابت تعمليها فيا وتسيبيني انت كمان ، اوعي يابت تخلي بيا وتكسريني وتروحي لابوكي وتسبيكي ، انفجر في البكاء ، اوعي يامنورة ، واهون عليكي يابت ، اهون عليكي تحكمي علي بالحزن العمر كله ، شدي حيلك يامنورة علشاني ، اه يابت علشاني ، بكره تكبري وتبقي عروسه وتفرحي قلبي وتجبري بخاطري وتهوني علي التعب ياغاليه يابنت الغالي ، شدي حيلك يامنورة ، تكف عن البكاء واكف انا ايضا ، تكف عن البكاء وكأنها تسمعني ، تفتح عينيها الصغيرتين وكأنها تنظر لي ، ياقلب امك ياحبيبتي لااشوف فيكي رضي ولااسمع عنك سو وربنا يحفظك ياقلب امك ... واغيب في هلاوس وكوابيس ونعيق الغربان وصراخ وغرق في بحار باردة ودموع مالحه و..... البكا في الحلم فرج ، افرجها يارب و...... افتح عيني والشمس ساطعه في الغرفة وكأن النهار انتصف وانا غائبه مخدرة ، ابحث عن منورة هلعه وكأنها ماتت وانا لم ادري ، بجواري وفي حضني نائمه  كالملاك الصغير تتنفس ببطء وحنان ، احدق في ملامحها الجميله واحس حبها يجتاحني فيضان ، الحمي رحلت ومعها شبح الموت ومخاوف عمتي ورعبها ، ربي استجاب دعائي وانقذها ، الشكر لك يارب والحمد .. 
اتركها في الفراش واخرج لعمتي ، في المطبخ مشغوله كعادتها ، بركه ان بنتك طابت ياسميحة ، بركه دعائي ياعمتي ، تحدق في وتبتسم وتهمس ، ربنا كريم ماارادش يكسر بخاطرك وخاطرنا ، البت غلبانه ومونساكي والغلب قال عليكي كفايه كده ، اه والنبي ياعمتي كفايه عليكي كده ، تتنمر فجأ وكأن الحنان يوجعها ، طيب يالا يااختي شوفي بقي وراكي ايه لساكي نايمه للضهر وسايباني ، ابتسم ، نعم الحنان يوجعها ، لاترغب تظهر طبيعتها الطيبه التي اوجعتها الايام فواراتها وانكرتها ، عيني ياعمتي ، همست ، ربنا يخليكي ليا ، همست وكأنها لاترغبني اسمعها ، ويخليكم ليا ....
الف حمد الله علي السلامه يامنورة ...
وبقي الندر معلقا في رقبتي ، عيش ونابت لاهل البيت ، شالله يااهل البيت ، شالله...


                                                                   " هل تكرهني امي ؟؟"
                                                                                      منورة


وسط عائلة المناديلي لااجد لنفسي مكانا ، لاانتمي اليهم ولا يعتبروني ، انا ابنة سميحة المناديلي ، لكن جدي مرتضي المناديلي القي بي متخلصا من عبئي ، بل القي باابنته وانا معها رضيعة في بيت جدتي نفيسة ، بيت جدتي تفيدة اغلق في وجهي ووجه امي ، بيت جدتي لابي اغلق في وجهي ، جدتي سعيدة  اعتبرتني سببا في بوار ابنتها ووقف سوقها ،ليست اول ارمله ولااخرهن ، لكن الرضيعه اوقفت حالها وستوقفه اكثر واكثر ، جدتي سعيدة اعتبرني سبب في بقاء امي ارمله انثي مع وقف التنفيذ ، لو كنت مت يوم لفظني رحمها للحياه لاستراحت امي واسترحن جميعا ، لافلحت جدتي تزوجها بزينة الجدعان بعدما رحل زوجها ، لكني اغلقت طريق العرسان وفتحت باب قلة الحظ ، جدتي سعيدة تكرهني ، اري الكراهيه في عينيها ، احس برودتها في حضنها الموصد امامي ,,
جدتي تفيدة ام ابي تكرهني ، قدمي نحس وشؤم ، اتيت للحياه فسحبت الحياه من قلب ابي ليرحل في عز شبابه فتكتوي بحسرته عمرها كله ، تكرهني لاني سرقت بوفاه ابي جزءا من ارض العائله صرت مالكته وغدا زوجي واولادي يشاركوا اسرة ابي ثرائهم وعزوتهم ، تمنت جدتي لابي موتي ، رفضت تفتح لي باب دارها ولا تمنحني ايراد ميراثي ، تجاهلتني كراهية وحنقا ، عندما تسحبني امي لزيارتها ، تبقينا في غرفه المسافرين وتعزمنا علي الاكل تتمنانا نرفض ، وتهلل بصوت رخامي اننا اصحاب البيت ومن ريحه الغالي لكن صقيع كلماتها يوغزنا ويشكك قلوبنا انا وامي ...
هل تكرهني امي ؟؟ هل تحبني ؟؟؟


                                                            "ماسبب الزيارة وسرها ؟؟؟"
                                                                                      رضوي


ساتصل بعمتي نفيسة واخطرها بزياره منورة بنت سميحه ، رحبت بها كما طلبت وكما تقتضي الاصول ، لكني التصقت في مقعدي منذ رحلت اسال نفسي لماذا اتت لزيارتي ؟؟ كدت اتصل بعمتي نفيسة اسالها ، هي جت تزورني ليه ؟؟ لكني تراجعت في اخر لحظه ، ستنهشني عمتي، فانا البراوية بنت البندريه التي خطفت اخيها ، لن ترحمني ، ستشهر بي لاني لم افتح منزلي برضا وسماحه لابنة سميحة ، منورة ، هل هي منورة التي زارتني صغيرة ، نعم هي ، منورة بنت سميحه بنت عمي مرتضي ، هي ، مازلت اذكرها منذ اتت منزلي صغيرة في يد امها منذ سنوات بعيدة ، امها ابنة عمي تعيش في قريتنا الريفية التي هجرها معظم ابناءها الفالحين  للتعليم والسعي للرزق وتركنا بها التاريخ ومقابر الاسرة ، اتت "منورة" مع امها لزيارتنا في العاصمه المزدحمة للوفاء بندر الخبز والنابت في مقام اولياء الله الصالحين بعدما شفيت منورة من دور كان يقصف عمرها قبلما يبدأ ، ارتفعت حراراتها واخذت تهذي وتتصبب عرقا واحتار معها الاطباء وذوي العلم ، يومها ندرت سميحة لاهل الله واولياءه الصالحين " طاولة " خبز ونابت ولحمه لو طالت يديها وقتما تشفي الصغيرة ، وسرعان ماانخفضت الحرارة وصمتت الصغيرة عن هذيانها وانزاحت الغمة ، اتصلت بي سميحه تستأذني تقيم في منزلي يومين لتفي بالندر ، رحبت بها وانتظرتها لتؤنسني هي وصغيرتها الجميلة ، لم اخبرها ان عمتي نفيسة اتصلت بي وامرتني امرها النافذ بقدوم سميحة لمنزلي والاقامه عندي حتي تفي بندرها ، لم اخبرها حتي لاتشعر بالخجل لان عمتي تتصرف في امورها وتلغيها كالعادة ، وسرعان ماأتت سميحة وسرعان ماعادت للقرية بعدما اوفت بالندر وحملت الاقفاص علي رأسها ووقفت علي الارصفه المزدحمه امام الاضرحه والمقامات توزع " المنابات " علي اصحاب النصيب تطالبهم يدعوا لابنتها منورة بالصحه وطوله العمر ....
سميحة ابنة عمي مرتضي تزوجت ابن خالتها نادر ، امها كانت قروية طيبه من قريتنا ، خالتي سعيدة ، لم تفلح ابدا تحلق بزوجها لعالم اجمل مما يعيشا فيه ، ابقته لصيق البيت والدوار والطين والزرع عكس امي كانت ابنة مهندس الزراعة الوافد علي القريه ، "بندرية" جميلة وابنة مدارس كما تصفها عمتي نفيسة ، شاهدها ابي وطارد ابيها حتي وعده يزوجها له بعدما يتخرج من كليته ، امي كانت غريبه علي القريه وقت وصلت اليها وبقيت غريبه عنها طيله الحياه وجميعنا صرنا ايضا...
جميعنا انا واخوتي اعتبرنا قرية ابي مجرد مكان غريب لانعرفه ، ابي انهي دراسته وتزوج امي ورحلا للقاهرة وانقطعت صلتهما بالقرية الا بعض المآتم التي يقف فيها ابي بجوار اولاده عمومته ليأخذ العزاء في كبير من كبار العائلة ، امي والقاهره فصلا ابي عن القرية وقطعا جذوره عن الارض وصار "بندريا" كما تصفه عمتي الحاجة نفيسة كبيرة العائلة ورأسها القوي ، ابي صار "بندريا" ، لكن عمي مرتضي  بقي ابن القرية وسنديانه كبيرة غرست في ارضها ولم يبارحها ابدا حتي لزياره ابي او لقضاء اي مصالح خارج زمامها ، وهكذا انقسمت عائلتنا لفرعين ، الفرع الاكبر بقي هو واولاده واحفاده في القرية يحافظ علي الهيبة والارض واللقب والسطوة المتوارثة تاريخيها ،والفرع الاصغر انتقل للقاهره وعاش هناك وبني مستقبلا مختلفا ... انقسمت عائلتنا فرعين ، لكننا بقينا عائلة واحدة ، نحمل جميعنا لقب " المناديلي " ... وسارت بنا الحياه مثلما سارت وتفرقت بنا السبل وفرقت بنا الايام ، حتي اليوم ، يوم اتت منورة لزيارتي في منزلي ، طرقت بابي دون اذن وخلعت حجابها علي صالوني الانيق وكأنها من اهل البيت ، مالذي ترغبي فيه يامنورة ، ماسبب الزيارة وسرها ؟؟؟ افكر وافكر حتي كسر الصداع رأسي فصرخت علي خادمتي لتأتي لي بفنجان قهوه علني افكر افضل وافهم ، سر تلك الزياره ، زيارة منورة لمنزلي وانا في الحقيقه لااعرفها ولااعرف امها .....


                                                                      " لن ارحل يامنورة "
                                                                                        يحيي


لطمت منورة ومزقت شعرها لاني احب البلدة التي نعيش فيها ولاارغب اغادرها للمدن  الواسعة المخيفة ، لطمت وقتما اخبرتها ان الطبيب الذي اعمل معه وانفق عليها وعلي ابنتها من راتبه الضئيل سيغادر القريه وعرض عليا اصاحبه للقاهره حيث سيعمل ، قال لي الطبيب انه يرتاح لوجودي معه وطالبني الم خلجاتي والحق به للعيادة الكبيرة التي افتتحها في قلب القاهره ، ترك معي ارقام تليفوناته وطالبني اسرع في اللحاق به فوعدته افكر وانا لاانوي اللحاق به ، كيف اترك داري وارضي وعائلتي واتغرب في العاصمة الموحشه المتوحشه واطمئن علي زوجتي وسط نساءها اللعوب الفاجرات القادرات كما تقول امي ...
اخبرت منورة بعدما شربنا الشاي وقت العصاري عن حزني للبعد عن الطبيب الذي عملت في عيادته سنوات طويلة ، اخبرتها اني متأثر لفراقه واني كنت اعتبره ابي وفي مقامه ، تمتمت منورة كلمات ممضوغه تعاطفا مع حزني ، اخبرتها وانا لااعرف اي كارثه اصنعها في حياتي ونفسي ، اخبرتها انه دعاني للحاق به ووعدني بوظيفتي في عيادته الكبيرة وسط العاصمة ، قفزت من مكانها فرحه وزغردت لان اخيرا ربنا استجاب لدعاها تخرج من المخروبة التي لم تعش فيها يوم سعيدا وسألتني متي سنرحل ، كنت احتسي الشاي وصوت العصافير العائده لاعشاشها قبل الغروب تملأ السماء صخبا فلم اسمع كلماتها واضحة وحين كررتها ضحكت بطيبة جننتها وقلت لها لن اغادر داري ولن اخرج من قريتي وسابحث عن عمل جديد والارزاق علي الله ..
كلماتي جننتها وافقدتها صوابها ، صرخت ولطمت ومزقت ملابسها ووجهها ، رجتني نلم ملابسنا ونرحل للحياة المحرومين منها ، رجتني الحق بالطبيب واصنع لي ولها ولبناتنا مكانا تحت الشمس في الحياة ، كنت اسمع كلماتها لااصدق ماتقوله ، بركان من الكلمات انفجر حمما من قلبها ، تبكي وهي ترجوني اقبل الوظيفه الجديدة ، تصرخ وهي تهددني بقتل نفسها لاني ظالم اقهرها واسود ايامها واحكم عليها وعلي ابنائها وسلسالي بالاسر في القرية التي مازالت تخاف من الارانب البيضاء  وتعتبرها اشباحا ضاله من الليل الفائت بعدما سطعت الشمس عليها وحرمتها تعود لطبيعتها احجارا ساكنة ...
مالها تلك الحمقاء تصرخ وتبكي هكذا ، مالها ترجوني وتستعطفني وتتذلل لي ، مالها تهددني بالقطيعه والخصام والهجر ، مالها فقدت صوابها وعقلها وشهيتها للطعام واغلقت حضنها في وجه رجولتي وشحبت ومرضت ، كل هذا لاني رفضت اطاوعها والم خلجاتي والحق بالطبيب الكبير في عيادته الجديدة وسط القاهرة ...
حاولت اشرح لها اسباب رغبتي في البقاء في قريتنا الامنة واللي نعرفه احسن من اللي مانعرفوش ، حاولت اخبرها بسعادتي في القريه وحياتي التي اعتدت عليها وحبي لساعات النهار الصحو بعد صلاة الفجر والسماء المرصعة بنجومها والريح البحري الطازج يملأ روحي بالغبطه طازج صحو برائحة النعناع ساعه العصاري ، قلت لها ان اهلنا وعزوتنا ورفاق حياتنا في القرية التي عاش فيها اجدادنا وماتوا وسنعيش فيها نموت ..
حاولت وحاولت ، هل كنت اسكب الجاز علي بركان الغضب ، هل كنت اشعل الحطب الجاف بكلماتي الهادئه ، نعم كل هذا واكثر ، جنت منورة ، جنت بحق ، انهارت من كثرة البكاء وصحتها تدهورت وفقدت الرغبة في الحياه بكل تفاصيلها ، اخبرتني انها تحلم منذ طفولتها بالعيش في القاهره منذ زارت خالتها رضوي في طفولتها البعيدة ، اخبرتني انها تركت بيت خالتها رضوي بدموع العين ، وتمنت تموت قبلما تعود لقريتها ، اخبرتني ان قلبها تعلق ببيت خالتها رضوي وشارعها الواسع ومحلاته الكبيرة والحديقة الكبيرة التي يلعب فيها اولادها ، اخبرتني انه كان حلم حياتها الذي لم تجد لتحققه فرصه الا اليوم وقتما رحل الطبيب ودعاني للحاق به ، صارت حياتها معلقه بكلمه واحدة تخرج من فمي ، حنسافر ، لكني لم انطقها ، لاافهم جنونها ، لاافهم غضبها ، لاافهم حلمها ولامعناه ، هذا ليس حلم ، بل كابوس شرير ، اقطع جذري من الارض واحلق غريبا حائرا في السماء كاليتامي واولاد السبيل ، اترك داري واقل مقداري واستأجر بيتا في ارض لااعرفها واعيش غريبا وسط الغرباء ...
لماذا افعل هذا ؟؟؟ لن ارحل يامنورة .... هكذا حسمت امري ...
او هكذا تصورت ....


                                                                         " صدقتي ياعمتي "
                                                                                      سميحة


لاتشبهني ولااشبها واللقب  المناديلي ، ثوبها الانيق المزركش بالفراشات الملونة لايشبه ثوبي المبطش بوروده الكبيرة  الذي خاطته لي خالتي ام ميلاد خياطه القرية ، شرائط شعرها الستان الحريرية لاتشبه الحبل الملتوي الذي تربط امي به شعري المتناثر ، خالتي فاديه امها الانيقة وحذائها اللامع واظافرها الطويلة الحمراء لاتشبه امي سعيدة بنت ابو بكر بجلبابها الاسود الواسع المتسخ بتراب الفرن ودقيق الخبيز ....
هي ابنة عمي وانا ايضا ابنة عمها ، هي رضوي المناديلي وانا سميحة المناديلي لكن بيننا مابين السماء والارض ... وليس كل مناديلي مناديلي !!
اتي عمي مصطفي لزياره قريتنا بعد غياب طويل ، نزل في بيت عمتي نفيسه مع زوجته وبناته ، اصطحبني ابي واخوتي لزيارتهم ، دعتنا عمتي نفيسه للغذاء معها ، امي سبقتنا ودخلت المطبخ مع عمتي ليعدوا وليمة الترحيب ، بقيت خالتي فاديه في الشرفه بجوار عمي ، لمزتها عمتي اكثر من مرة بكلمات موجعه لانها صاحبه بيت مش ضيفه ، تجاهلتها خالتي فاديه كأن الكلام لايخصها ، علي منضده الغداء وجميعنا نجلس متجاورين متجاهلين الفجوات الواسعة التي تباعدنا مهما تلاصقنا ، سألتها عمتي نفيسه عما اذا بتعرف تطبخ ، ابتسمت خالتي فاديه بأدب وصمتت ، اشاد بها عمي مصطفي وانها ست بيت ممتازه ، عوجت عمتي شفتيها وقالت ، الميه تكدب الغطاس ، ضحك عمي مصطفي وكأنه لم يفهم ماقالته عمتي ...
استبقني عمتي نفيسه واخوتي لنقيم معها طيله اقامه عمي وبناته ، قالت لابي سيب البنات يلعبوا مع بعض ، وافقها ابي ورحب عمي ..
لم نلعب مع بعض ابدا ، تعارفنا غرباء ، لايلعبن مثلنا ولا نتكلم مثلهن ، جلسنا نتكلم بعض الوقت وصمتنا اغلبه ...
اراقب رضوي ، هي من دوري كما قالت عمتي ، اراقبها ، لاتشبهني ولااشبهها ، الفارق بيننا هو الفارق بين مصر الجديدة التي تعيش فيها مع ابيها وبين قريتنا الصغيرة التي اعيش فيها مع ابي وعمتي وكل العائله ، تحكي لنا عن النادي فاصمت خجلا لااعرف مالذي تتكلم عنه ، اسال عمتي هو احنا ليه مابنروحش النادي ، تضحك عمتي لاني اتخبلت وبنات عمي طيروا البرج المتبقي في عقلي ، تلوم عمي مصطفي لان البنات بتروح النادي ، يضحك عمي مصطفي ويطئمنها ان كل البنات في مصر بتروح النادي وعادي ...
اشرح لها لعبتنا المفضلة ، فرح وعروسة وزفه واغاني ، تتلعثم كلمات اغانينا في فمها ، ترتبك لانها لاتعرف النغمات مثلنا ولاتجيد الرقص مثلنا ، اسالها ، هو حداكم مافيش ليالي حنه وفرش بيت العروسة ، تهز رأسها نفيا وهي لاتفهم مااقوله ..
الطينه غير العجينه ، همست عمتي نفيسه تلوم عمي مصطفي لانه ترك بناته لزوجته تربيهن بعيدا عن عادتنا وتقاليدنا فصرن غرباء ، تلومه وهي تشاور علي وعلي رضوي ، وادي انت شايف ، الطينه غير العجينة !!!! صدقتي ياعمتي ، الطينة غير العجينة ....


                                                                 " وحياه النبي لاحيحصل "
                                                                                      منورة 


ان عشقت اعشق قمر وان سرقت اسرق جمل وقطع لسان اللي قال اللي يبص اللي فوق يتعب ، ويخرب بيته اللي قال عيش عيشة اهلك ومنه لله اللي امرهم يرضوا بقليلهم ويعيشهم ، وحياة ابويا اللي ماشفته ووحياة امي اللي الزمن كسرها وهي عود اخضر ووحياة كل يوم اسود عشته لاحبص لفوق ومش حاعيش عيشه اهلي وحاعشق القمر وحاشب وانط لفوق واجيبه من وسط السما واخبيه في عبي ، وصحيح نقبي مش المناديلي لكن ماعرفليش عيلة غيرهم ومش اي مناديلي لا ، حاشوف الفرع العالي من الشجرة واطير له واحط عليه وكلنا ولاد تسعه ومحدش احسن من حد!!!!
تهذي منورة وتبكي غاضبه من زوجها الذي يرفض ينتقل بها للقاهره ويحكم عليها بالعيش المهين في القريه التي لاتعرف الخرائط اسمها ولااسم ابناءها الطيبين ، تحلم منذ زمن بعيد تكون مثل مايسه ، وليه لا ، مافيش علي راسها ريشه ، لكن بينها وبين مايسه مشوار بعيد وام متعلمه وبيت في القاهره ونادي تتريض فيه ومدرسه لغات تذهب لها ، اين هي من كل هذا وهي اليتيمه بنت سميحه التي حولتها الايام لخادمة عمتها نفيسه ، اين هي من كل هذا والبيت الطين غير العماره الانيقة والاب الغياط غير ابن المدارس المتعلم وسميحة الارملة قليله الحيله غير رضوي بنت الاكابر !!!
تبكي منورة وتبكي ، لن ترضخ لحكم الايام علي رقبتها ولن تقبل ولن تصمت ، ستنبش في الحجر وتشق لحياتها طريقا يختلف عن المرسوم لها ، ستكسر عنق الزمن القاهر وتفلت من بين اصابعه وتغير مصيرها وتعيش !!!
تبكي وتبكي ، محمومه مريضه غاضبه مقهورة وزوجها يرفض ينصت لها ويسمع مبرراتها ويقبل وظيفته الجديده في القاهره ويأخدها ويسافر ...
تبكي وتبكي وتزداد اصرار وشراسه ، وحياه النبي لاحيحصل والايام بينا يايحي ، وحتشوف مين اللي حيمشي كلامه علي التاني ، انت الراجل الدكر سبعي جملي ابو عيالي ولا انا مكسورة الجناح اليتيمه قليلة الحيلة !!!


                                                               " ايوه عايزه ايه يعني ؟؟"                                                                                         مايسة


نادتني امي وقالت لي ان منورة علي التليفون ، ضحكت ، مين ، قالت منورة قريبتك ، سالتها ، ايوه عايزه ايه يعني ، لوت شفتيها كأنها تقول مش عارفه ...
مكالمة قصيرة لم تستغرق دقائق ، الله يسلمك ، اه فاكراكي طبعا ، اه ان شاءالله ، باي ، التفت لامي ، ايه الحكايه ، شرحت لي امي ان منورة قريبتنا من بعيد ، وزوجها نقل للعمل في مصر ، وانها تحتاج لونس لانها غريبه ، ضحكت ، غريبه في القاهره ، هزت رأسها ، بتقول كدة ....
لم تكن المكالمة الاولي من منورة لي ولم تكن المكالمة الاخيرة ، منورة فرضت نفسها علي ، فرضت نفسها علي امي ، فرضت نفسها علي اسرتي ، اتت لزيارتنا في ليلة رمضان تحمل فانوسا جميلا لي ، في ثاني يوم العيد حضرت بطبق كعك وبسكويت تركته لامي وهي تقسم انه من صنعه ايديها ، الحق كان لذيذ ، عرضت علي امي تعلمها كيف تصنع الكعك والبسكويت ، قالت لها انها بتعمل مربي جميله وبتخلل زيتون ، قالت لها انها بتحاول تساعد جوزها لان المعايش صعبه ، اتصلت بي ليلة وقفه العيد الكبير وعرضت علي نذهب للصلاة مع في صحن سيدنا الحسين ، قالت انها ندرت منذ طفولتها تصلي العيد في الحسين وقتما تنتقل للعيش بالقاهره وهاهي امنتيها تحققت والندر دين وتتمناني اشاركها الوفاء بالندر ، ضحكت في البدايه ثم استهوتني التجربه ، ولما لا ؟؟ همست امي ، غريبه قوي منورة دي يامايسه ، لسه مش فاهمه عايزه منا ايه ، لامها ابي ، البنت قريبتك يارضوي وغريبه في القاهره ، وافقت ابي ، الحقيقه هي لطيفه ، نظرت لي امي لاتصدق مااقوله ، غريبه صحيح بس لطيفه ، حاروح اصلي معاها في الحسين ....
وتسللت منورة لحياتنا اكثر واكثر ......




نهاية الجزء الثالث