مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 يوليو، 2014

وهج وردي في اخر الليل .... الجزء الرابع


الجزء الرابع  




ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى

  
                                       " هو يعني لقمتي وبنتي هما اللي كانوا حيضلعوك؟؟"
                                                                                       سميحة


صرت خادمة ، نعم ، هذا ماصرت عليه في بيت عمتي نفيسة ، صرت خادمتها وسط كل الخادمات التي يملئن الدار ، تصرخ علي لاراقب الخبيز ثم تأمرني اخبز بنفسي فاخبز ، تصرخ علي لاراقب الخادمات وهن يخللن الزتون واعصفر اللمون وابنجر اللفت وسرعان ماتأمرني اخللهم بنفسي فاخللهم بنفسي ، تصرخ علي لاراقب الخادمات يأكلن الطيور في الحديقه وسرعان ماتأمرني ااكل الطيور بنفسي فااكلهم ....
يوما واسبوع وشهر ولم تعد تحتاج تصرخ علي وتأمرني، صرت اعرف مايتعين عليه افعله فافعله صامته ، يوما واسبوع وشهر وصرت اخبز واطبخ وااكل الطيور واخلل الزتون واجفف النعناع وعقود الويكه واعمل المربي والشربات وامسح الارض واطبق الغسيل ، صرت خادمتها ..
يوما واسبوع وشهر ، وخلي البيت علينا بعدما صرفت الخادمات لاننا اولي باجرهن ولان البيت زحمه علي الفاضي ولان تسلم ايديا وعينيا فصرت مسئوله وحدي عن خدمتها وقضاء حوائجها وتلبيه طلباتها وطلبات ضيوفها وبنتي واحتياجاتها فوق كل شيء ومعه ....
لم اعترض ولااتذمر ، لم ارفض ولم اغضب ، احسست الحياه تقودني لما يتعين علي فعله ، ارمله فقيرة وبيدي يتيمه صغيرة ولاسند لنا في الدنيا ولامورد رزق ولادار ، خالتي تفيده واخوة نادر رفضوا اعطاء منورة مليم احمر من ميراث ابيها ولا نصيبه في الارض ، خالتي تفيده قالت لعمتي ان الفلوس الكتير تفسد النساء وتلم عليها الدبابير واني مش محتاجه الا لقمتي ولقمة بنتي وهدمتي وهدمتها واكتر من كده افسد والصيع ينهشوني ، خالتي تفيده قالت لعمتي نفيسة ان الارض محفوظه للصغيرة وقتما تكبر ، واحنا مستعدين لو كليتم بمصاريف البت تبعتوها لينا نقوم احنا بيها ونتولي امرها ، عمتي نفيسة تكبرت علي خالتي تفيده والقيراطين العره اللي جايه تشتمنا في دارنا بسببهم ، عمتي نفيسة قالت لها اني ابنتها ومنورة حفيدتها والاكل بيتعمل ويترمي من كتره والخير كتير والدار واسع يساع من الحبايب ميه واللي لمنورة عندكم يزيد وبكره تكبر وتستحق ميراث ابوها ولغايه اليوم ده مش عايزين منكم قرش ...
عمتي نفيسة امرتني وامرت ابي نقاطع خالتي وتشاجرت مع امي لانها سمحت لشقيقتها تسبنا في دارنا وعايرتها انها سبب سعدها بزواجها من ابي وان خالتي ميلت بخلتي لما جوزتني لابنها المريض بعدما اخفت علينا مرضه ، عمتي نفيسة اصدرت حكمها النافذ بالقطيعه بيني وابنتي واهل ابيها وقالت بكره الصغير يكبر واللي له حق ياخده ومسيرك ياملوخيه تيجي تحت المخرطه ...
عشت في دار عمتي نفيسة خادمه بلقمتي انا وابنتي ، عمتي ابدا لم تكسر نفسي ولم تذكرني بحالي ولم ترفع طبق الاكل يوما من امامي ، لكني فهمت حالي ووضعي ، اعيش بلقمتي واخدمها جزاء احسانها واقامتي مع ابنتي في بيتها ، والشغل الشريف مايعيبش حد واخدمها واكل بنتي بدل ماادخل عليها راجل غريب يتحكم فيها وبدل ماامشي عوج علشان اكلها ....
الا بالحق ياابويا الحاج ، هو يعني لقمتي وبنتي هما اللي كانوا حيضلعوك ويكسروا ضهرك ويصعبوا الحياه عليك ، الا بالحق ياابويا الحاج ، كليت مني ومن بنتي فرمتني اخدم في بيت اختك وانت ولا كأنك شايف ؟؟ اسئله كثيرة تداهمني فابعدها عن روحي وعقلي واكمل طهي الاكل او نشر الغسيل او كنس عشة الطيور قبلما تزعق عمتي نفيسة تناديني وتأمرني بعمل اخر وتتهمني بالبطء واللوكعية وسرحان العقل ...
في البداية احسست غربه صعبه وانا اعيش وابنتي الصغيرة في حجرة الضيوف التي خصصتها لنا عمتي نفيسة ، احسست غربة صعبه ، حائرة تائهه ، اكتم صوت ابنتي وقت تصرخ خوفا من عمتي وغضبها ، احبسها في الغرفه ولااسمح لها تخرج للصاله تعبث في دار عمتي التي تستضيفنا وانا وهي غرباء كنا وسنظل ...
في البداية احسست غربة رهيبة داخل دار عمتي نفيسة ، كنت مرتبكه ، ليس دار ابي لاشعر براحه وليس داري لاشعر بسعاده ، لكنه دار عمتي التي صممت اعيش معها ، عمتي مات زوجها دونما ينجبا اولادا ، فاورثها الارض والثراء والسطوة ولقب كبيرة العائلة ، بسطت عمتي نفيسة سطوتها علي العائله كلها ، رجالا ونساء، كبار وصغار ، هي صاحبه القرار والكلمه المسموعه ، هي صاحبه المال الذي يفك ضيقه المزنوق وهي صاحبه الواجب الذي يسعد قلب المحتاج ، بسطت سطوتها علي العائله كلها وانصاع لها الجميع ، حتي عمي مصطفي ، نعم خالفها وتزوج خالتي فادية ، لكنه عاد طائعا لسطوتها ، يأتيها من القاهره وقتما تناديه ، ويبقي بجوارها حسبما تأمر ، هو طوع بنانها لكن فادية واولادها لا ، طالبته عمتي كثيرا يأتي باولاده ويتركه معها طوال الصيف ، اعتذر وتحجج بواه الاعذار ، الامر ببساطه ان فادية لاتقبل تترك اولادها في القريه مع عمتي نفيسة ، تخشي عليهم سلو بلدنا وسطوه اعرافها ، تخشي عليهم عوايد اطفالنا وسلوكياتهم ، فادية اقامت حاجز كبير بين اولادها واولاد العائله كلها ، اقامته ولم يفلح احد يجتازه او يجبرها تزيله ، ارسلت فاديه رساله واضحه لقريتنا ولكل العائله ، اولادي ليسوا كاولادكم وساربيهم بطريقتي وطريقه اهلي ، رسالة فهمتها عمتي نفيسة وحاولت بكل الطرق تهدم الجدار وتدخل المالح علي الترعه ونعيش كلنا في تبات ونبات ، لكنها لم تفلح ولم يمكنها عمي مصطفي ، فبقيت حانقة علي فاديه حتي ماتت ، حانقة لانها ابعدت اولاد العائله عن العائله فصاروا غرباء لايعرفوا اولاد عمومتهم لو التقوا في الطريق مصادفة !!!
شهورا طويلا اشعر بغربه داخل دار عمتي، الحق اشعر بغربه في الحياه كلها ، لماذا لم يعيدني ابي لداره لاعيش معه ومع امي ، لماذا انصاع لعمتي نفيسة وحكمها النافذ ، اسئله كثيرة اسألها لنفسي وانا انام تأتيني كالهلاوس تداهمني كالكوابيس المخيفه ، احسني محبوسة خلف قضبان عاليه ، اتمني افر منها واهرب بابنتي ، لكن الكابوس يقبض علي روحي ويتركني محبوسه ساخرا من غربتي وكأنه يقول لي ان ساظل مثلما انا علي حالي ووضعي وانتهي الامر .. وومازلت اخدم عمتي ومنورة تكبر بين اقدامنا لاتعرف لنفسها مكان ولا ارض تغرس فيها جذورها  ....


                                                     "هل احدهم فكر في منورة ؟؟؟؟"                                                                                     رضوي


رغم اقامتنا بالقاهره الا ان صلة ابي بقريتنا لم تنقطع منذ تزوج امي حتي دفناه هناك بعدما حسمت عمتي نفيسة الامر ولم تسمح لامي هذه المره تملي رايها عليها واتت لبيتنا وصاحبت الجثمان بنفسها لمقابر عائله المناديلي في قريتنا ..
منذ تزوج ابي امي ورحل عن القريه وعمتي نفيسة تربط روحه باودتادها كل يوم وكل لحظه ، مرات كثيرة سالت نفسي وكيف تنقطع علاقة ابي بالقرية وعمتي نفيسة صفصافة القرية والعائله تضلل بفروعها الضخمه علي الجميع من بحري لقبلي ولاتسمح لاي فرع شارد من شجرة العائله يضل طريقه ويبتعد عن حضنها ، مدت عمتي نفيسة الوصل بينها وبين ابي ومن بعده بيننا ، ادرك ان امي ضايقتها كثيرا لانها لم تسمح لنا بالاقامه كل اشهر الصيف مع عمتي التي لم تكل ولم تمل تكرر طلبها كل صيف منذ كنا صغارا في المدرسه الابتدائيه وحتي تخرجنا من الجامعة ، عمتي نفيسة مدت الوصل بين ابي وبين القريه ، واكم من ليالي سوداء طلبته في منتصف الليل تبكي لان ابن عم ابيها خطفه الموت او لان ابنة خالتها نقلت للمستشفي ، اكم من ليالي سوداء امرته يرتدي ملابسها ويسرع للقريه حتي اذا مااشرقت الشمس لحق جنازة احد الاقارب ووقف بين الاهل ياخذ العزاء ، امرته يذهب للقريه وهددته بخصامها وغضبها عليه لو تأخر وسرعان ماتلين كلماتها وتشرح لها حرصها علي ذهابه حتي لاينقطع حسه من الدنيا والناس تنساه ، نعم ، عمتي نفيسة لاتعرف ناسا الا في قريتها ، هؤلاء الناس الذين تعمل حسابهم وتراعيهم وتجاملهم وتقوم بالواجب معهم ، عمتي نفيسة تعتبر قريتها مركز الكرة الارضية تلف حولها وفقط ، هي تعتبر ذلك وعلي كل العائله وافرادها يعتبروا مثلها ويتصرفوا فيما يخص القرية والعائله بطريقتها وحسب ماتراه وفقط ....
ابي غادر القرية بعدما تزوج امي ، وعمي بقي في القرية حتي مات ، بقي فيها وايضا اسرته و اولاده ومنهم ابنته سميحة التي صمم زوجها الموظف في الوحدة المحلية بالقرية وقتما انجبت ابنته البكرية ان يسميها منورة رغم غرابه الاسم وندرته فرحا بجمالها وابتسامتها التي انارت حياته القصيرة ...مات نادر زوج سميحه بعدما قصفت  "كرشة " النفس عمره القصير وترك " منورة " مع سميحة ليصارعا في الحياة وتصارع فيهما ويعيشا ماكتب علي جبينهما ....
عمتي نفيسة حكمت علي سميحه تعيش معها في بيتها وتغلق دارها لان بقاءها وحيدة فيه هي وابنتها الصغيرة يخالف سلو قريتنا وعرفها الآمر ، عمي مرتضي فرح لان شقيقته ستتولي امر ابنته الارملة الشابة وصغيرتها  وتخفف عن كاهله حملها بعدما ترملت وبسرعه قبلما تفرح بشبابها ، عمي يعرف القرية وصخب نماميها وحلقات النهش التي تعقد في القهوة الصغيرة علي الجسر وفي ليالي حنة العرائس وفوق شواهد المقابر في ليلة نصف رجب وايام الاعياد ، يعرف ان القريه لن تترك سميحه في حالها ، ارمله شابه جميلة ، ستحوم طبعا حولها الشبهات والاشاعات ، سيغازلها الذئاب وحين تصدهم ينهشوها باكاذيبهم ، سيتقدم لخطبتها الصيع طمعا في الدار و" حتتين الصيغة " ووقت ترفض وتغلق باباها في وجههم سيمزقوها باشاعاتهم ، كل هذا يعرفه عمي ويؤرق لياليه بالهم ، ابنته الجميله سميحه صارت عازبة ، وهي وصمه عار في القريه الصغيرة التي تخاف علي سمعتها وشرفها اكثر من اي شيء اخر ...
عمتي نفيسة ، امرت وحكمت بانتقال سميحه لمنزلها ، واهي تونسني وتاخد بحسي واحميها وتخدمني ، انصاعت سميحة لحكم عمتي وموافقه ابيها وسطوة عائله زوجها الذين هددوها لو فكرت تتزوج وتدخل رجل غريب علي لحمهم لحرموها من صغيرتها للابد ....
عمتي نفيسة فكرت في نفسها واحتياجها لمن يؤنسها ويأخذ بحسها ويخدمها بعدما هرمت والعظمه كبرت والسن صار له احكام واوامر ، عمي مرتضي فكر في نفسه وبقيه اولاده والحمل الذي ستعيده سميحه لكاهله بعدما تصور انه خلص منها ومن مصاريفها ، خالتها وزوجها فكرا في نادر الذي اختطفه الموت من حضنهم فاورث ارضهم العزيزة لصغيرته منورة وارملته الشابه وخافوا علي الارض والطين يخرجوا لغريب تتزوجه سميحة ، سميحة لم تفكر في شيء واستسلمت لسطوة الاسرة واوامرها وسارت مثلما حكموا ، تغلق دارها ، حاضر ، تنتقل للعيش مع عمتها ، حاضر ، تخدمها ، حاضر ، وصارت الايام مثلما صارت ....
هل احدهم فكر في منورة ؟؟؟؟


                                                                  " البت طفشت ياعمتي "
                                                                                      سميحة


انهالت عمتي نفيسة علي وجه منورة بالضرب ، كنت في المطبخ عندما سمعت صراخها ، قفزت مرتاعه ، اجري صوب الصوت وصوت دقات قلبي اعلي منه ، ياضنايا ، اصرخ لاافهم لماذا تصرخ منورة وكأن نهشها ثعبان ، دخلت حجرة عمتي وجدتها تمسك بمنورة من " قبتها " و" تلطش " فيها بعنف وقوة ، القيت ببدني علي منورة الصغيرة انقذها من جنون عمتي ، نعم ، عمتي وقتما تغضب تفقد صوابها وعقلها ، خير ياعمتي فيه ايه بس ، منورة "تفلفص" من بين يديها وتجري تحتمي خلف ضهري ، تتبعثر الكلمات من بين دموعها ، فرطت حبات سبحة عمي المرحوم ، شرحت لي عمتي ان ابنتي الشيطانه لاتكف عن العبث بالمنزل ومحتوياته ، وانها سامحتها يوم رسمت علي الحائط بقلم الكحل ، ولسعتها علي اطراف اصابعها وقتما كسرت برطمان المربي علي ارض المطبخ ، لكن هذا كله كوم وسبحه عمك المرحوم كوم ثاني ، السبحه في الدرج تمد ايدها عليها ليه ، تفتح الدرج اللي مايخصهاش وتطلع السبحه ليه ، ايه قله الربايه دي ، اري حبات السبحه علي الارض ، ادركت فداحه جرم منورة والمصيبة التي افقدت عمتي صوابها ، سحبتها من خلف ظهري ولطمتها علي وجهها ، منورة فزعت وانفجرت في البكاء والصراخ ، اشفقت عليها ، غضبت من نفسي لاني ضربتها ، لكن النظرات الناريه التي تقذفنا بها عمتي تدفعني لضربها اكثر واكثر، تصرخ وتصرخ ، عمتي تبعدها عن يدي ، خلاص ياسميحه عيلة ، لااهدء ولااكف عن ضربها ، تمسكي سبحة عمي المرحوم ليه ، لااستمع لشرح طفولتها البريء وهي تحكي لي انها حاولت ترتديها عقدا ، ادخلت رأسها فيها لكنها لم تمر ، دفعتها فتمزق خيطها الوهن القديم ، هي كانت تلهو ببراءة ، لكن عمتي نفيسه لن تسامحها ولن تسامحني ، هي السبحة التي ورثتها عن عمي المرحوم ، التي تسبح بها بعد كل صلاة ، اضرب منورة وابكي ، تشدها عمتي من تحت صفعاتي وتمسح دموعها وتصرخ فيها ، غوري يابت من وش امك دلوقتي ، تجري منورة وتختبيء منا جميعا ، تختبيء من جنوننا وحمقنا واندفاعنا الاهوج الذي يوجعها صفعات ولسعات علي جسدها الغض ، تختبيء منها وتبعد عن انفجاراتنا الحمقاء ، اجلس علي الارض الم حبات السبحه ، امد ذراعي ااتي بالحبة البعيدة تحت الدولاب وتلك التي تحت السرير ، يمسح ثوبي تراب الارض ويعفر وجهي ببقاياه ، الاهانه تجتاحني ، منك لله يابا ، منك لله ياحاج مرتضي علي اللي عملته فيه ، لما جبرتني اعيش مع عمتي خدامه بلقمتي ، ازحف علي الارض ابحث عن حبات السبحة ،  ساجمعها والضمها في خيط قوي لتسبح بها عمتي عقب كل صلاة ،  تتحرك عمتي بعصبية في الغرفة ذهابا وايابا وهي تشاور لي ، وهنا ، وكمان هنا ، اسمع صوتها واري قدميها يقفزان بعصبيه وكأنها تسير فوق رأسي ، احسني دودة في الارض كمثل التي كنا نمسك بها صغارا طعما في السنارة ، احسني نملة صغيرة تجري بعيدا عن قدم طاغيه تبحث عنها لتدهسها انتقاما وغضبا من لسعه صغيرة لاتقصدها ، اجمع حبات السبحه في وعاء جلابيتي ، تنهمر دموعي ذلا واهانه ، يفيض بي الكيل والقهر ، الطم علي وجهي ، الطم اكثر واكثر ، لاافهم عمتي ولا سلوكها الاحمق، تضرب ابنتي وتبعثر كرامتها وحين اضربها انا تهربها من يدي ، لاافهم مالذي تريده ياعمتي مني انا وابنتي ، هل يعجبك زحفي علي الارض امامك ذليلة منكسرة ابحث عن حبات سبحة عمي المرحوم ، هل يعجبك انفطار ابنتي بكاءا امامك صغيرة قليلة الحيلة ، مالذي تريديه ياعمتي ؟؟؟
اعدها بتصليح السبحه واعتذر واعتذر واعفر وجهي بتراب حجرة نومها وخطوات مداسها واخرج من حجرتها ذليلة ، ابحث عن ابنتي فلااجدها ، اختبئت من جنوننا ، اناديها فلا ترد ، تخاف منا جميعا ، لو لم تخاف منها لخفت عليها ، اظنها فقدت الاحساس والانسانية ، طبيعي جدا تخاف من عمتي العجوز التي مزقت وجهها ضربا ، طبيعي جدا تخاف مني امها الحمقاء قليلة الحيله التي اكملت ضربها ظلما وقهرا ..
اختبئت منورة منا جميعا واعيانا البحث عنها ، في الحديقه ، في عشة الفراخ التي اعتادت تلاعبها ، تحت منضده السفرة ، في حجرة الجلوس ، اختبئت منا جميعا ، كنت ابحث عنها مرتاعه ، وحين مر الوقت ولااجدها ، بدأت ابكي ثم اصرخ ثم الطم ، اتمني امزق وجه عمتي القاسيه ، وجه ابي البليد ، وجه زوجي الذي رحل وتركنا اذلاء ، وجه خالتي مفيدة التي خافت علي الطين ولم تخاف علي الضنا ، وجه امي الصامته كأني لست ابنتها ولاتعرفني ، يامنورة ، يامنورة ، اصرخ وابكي ، البت طفشت ياعمتي ، طفشت ، تنهرني عمتي ، حتروح فين ياهبله ، حتلاقيه مخفيه هنا ولا هنا ، اناديها واصرخ ، بحثت في البيت وفي الحديقه وفي الشارع وعند بائع الارواح وعند الجميزة البعيدة علي المصرف وعلي راس الشارع البعيد فوق الجسر ، اجري حافيه في الشارع ، شعثه الشعر وجهي اسود من الخوف وتراب السكة المعجون فوق وجهي بدموعي ، يامنورة يامنورة ، يجري الاطفال خلفي ، يصرخون معي ، يامنورة يامنورة ، سنه سودة واسود من قرن الخروب ياضنايا ، رحتي فين ياضنايا ، اخاف اذهب لبيت خالتي واسال عن بنتي ، ستتهمني بالاهمال ، ستتهمني اني لااكترث بها واني انجبتها والقيتها كالخرفان الصغيرة في الحديقه وتفرغت لخدمه عمتي ، اخاف اذهب لبيت ابي واسال عنها ، سيلطمني علي وجهي ، ستصوت امي في وجهي لاني ام عار لم انتبه لابنتي وانشغلت بنفسي ، يامنورة يامنورة ................
كم ساعه مرت وانا ابحث عنها ، ساعه اثنين ، يوم اثنين ، سنه اثنين ، احسست الوقت دهرا كاملا ، الف عام فوق الف عام ، احسست ان ابنتي ضاعت للابد واني سأموت بحسرتها ، عدت بيت عمتي متوحشه اتمني انهش رقبتها واشرب دمائها وامزق السبحه وافرط حباتها في الرياح ، حياة ابنتي ووجودها امام سبحة عمي المرحوم ، يلعن عمي المرحوم وايامه السوده ويلعنك ياعمتي وايامك السودة ويعلن ابو العيشه كلها ، الطم وامزق وجهي ، عدت لبيت عمتي ، قابلتني علي السلم تصرخ في ، منورة هنا ياسميحه ، منورة هنا ، تأتيني من داخل الدار للحديقه ، افتح حضني واغلقه عليها ، ابكي واهذي ، كنت فين ياضنايا ، كده ياامه ، كده تعملي في امك كده ، كنتي فين ياقلب امك ، مالها بارده في حضني هكذا ، مالها صامته لا ترحب بي ، مالها تحدق فيا بعينين زجاجتين بلا مشاعر ، تشرح لي عمتي ، لقيناها خافيه في سندرة الحمام الصغيرة ، نايمه علي الارض بتعيط ، نزلتها من فوق وخدتها في حضني واديتها ارواح ، جريت وراكي اندهكي كنتي فص ملح وداب ......
مسحت دموعي وظننت ان منورة عادت لحضني !!! لكنها ابدا بعد ذلك اليوم لم تعد ، وغابت للابد!!!!

                           

                                                         "لن افشي لك ياامي سرنا الصغير"
                                                                                      مايسة


اخرجتني منورة من مصر الجديدة وشوارعها الضيقة لعالم واسع لم اكن اعرفه ولااتصور اني ساراه ، اخرجتني منورة من مصر الجديدة للقاهره الواسعه التي لم اكن اعرفها ، صلينا العيد في الحسين وسرنا وسط القاهره القديمه نهار العيد ، تسحب صغيرتيها في يدها وتضحك بلاسبب ، اكلنا رز بلبن بالقرفة وشربنا " حاجه ساقعة " من كشك مزركش بالبالونات والزينه البراقة ، اشتريت لابنتيها طراطير زاهيه فشكرتني منورة بصدق ، اوصلتها بسيارتي للمطرية ، اقسمت علي ادخل منزلها المتواضع واتغذي معها ، وعدتها بزياره ثانيه ، لمعت الدموع في عينيها وكأني خذلتها ، اقسمت لها بزياره سريعه واني ساقضي معها اليوم ، احتضني تهمس ، ربنا يجبر بخاطرك ، اخرجت زوجها ليعيدني للشارع العمومي خوفا علي من الزحام ...
الشوارع مزدحمه والمراجيح الخشبيه الملونه علي الارصفة والاطفال الصغار صاخبين فرحين يصرخون بلا سبب ، اتأمل الزحام والملابس الملونه البسيطه ، اتأمل جدائل الفتيات والفارق المعووج وسط رأسهن ، اتأمل الصبية الصغار يركبون العجل المزركش بالكريشة الملونة ، يتركون المقود ويلوحون بكفوفهم في الهواء ، يتراقصون بالدراجات وسط السيارات بجراءة واندفاع ، اصرخ خوفا عليهم وخوفا اصدم احدهم بسيارتي الكبيرة ، يطمئني يحي زوجه منورة ، ماتخافيش العيال هنا عفاريت وعمر الشقي بقي ، فجأ تتملكني رغبه اترك سيارتي الكبيرة التي اخجلتني وسط الاهالي الطيبين البسطاء الفقراء واستعر دراجه احدهم واقودها مثله والوح بذراعي في الهواء بمنتهي الحرية ، الشوارع مزدحمه وصاخبة وبائعي غزل البنات ينفخون في ابواقهم وبائع الطراطير يتراقص وهو يغني ويغوي الاطفال بالشراء والبنات الصغيرات يجرين وسط السيارات بجراءة خلف بائع البالونات ليشتروا منه فرحين بالعيد ، ابتسمت يعجبني الجو الحميم الذي تعيشه المطريه ولاتعرفه مصر الجديدة ، ابتسمت وتمنيت لو عدت لمنورة وجلست معها علي الكنبه المريحه تحت الشباك الكبير المطل علي الميدان واحتسيت الشاي بالنعناع الاخضر واكلت من القراقيش المحمرة باللية التي طهتها للفطار قبل الفتة والرقاق ، تمنيت لو عدت لمنورة ، لكني لم افعل ، ساعود لامي واسرتي واحتفل معهم بالعيد ، سازور منورة قريبا ، سابقي معها يوم بحاله ، سازور جارتها الطيبات كمان تصفهن ، ساجلس معها علي السطوح و" نقلي " لب البطيخ ونضحك و" مانحتلش " للدنيا هم ، كنت اتصورها اكثر الناس سعاده ، هكذا كنت اتصور قبلما اقترب منها وتفتح لي سرداب احزانها وتقص عليه كل عذاباتها ...
عدت مصر الجديدة ، الحي مازال نائما ، الشوارع صامته والبنايات العالية ايضا وكأن العيد لم يأتي هنا ولم يمر ببهجته علي الشوارع والسكان ، تركت سيارتي امام باب العماره وصعدت لمنزلنا افتقد الفرحه التي عشت بعض وقتها في المطرية ، سألتني امي اتأخرتي ليه ؟؟ وصلت منورة وبناتها المطرية ... وعرفتي ترجعي لوحدك ، اه ، مالك يامايسه ، سالتني امي ، ولا حاجه ، سالتني بالحاح اكثر ، وايه حكايه منورة هانم معاكي ، ابتسمت مافيش حكايه ، لن افشي لك ياامي سرنا الصغير ، كل منا تفتح ابواب عالمها للاخري ، لن افشي لك مااتفقنا عليه وماسنفعله ، لن اخبرك اننا سنذهب عند جامع الرفاعي لنأكل كباب في الشارع ، لن اقص عليك ماعرفته عن البرنس والملوخيه الجميله التي يصنعها ، لن احكي لك عن حمام السوق في باب الشعريه ، لن اخطرك بنيتنا نذهب لحضرة السيدة نفيسة وحلقه الذكر هناك ، لن اخطركي شيئا ، فهذا عالمي السري الذي سألج اليه مع منورة التي اتت من بلدتها غريبه عن القاهره التي عشت حياتي كلها فيها فاذا بها تعرف القاهره وانا لااعرفها ، طيب يالا اغسلي ايديك علشان نفطر ، ابتسمت ، حاضر ياماما وحلقت بعيدا بخيالي للمطريه اتساءل مالذي تفعله منورة الان ؟؟


                                                                وقالت حبات السبحة ......


اشعر ذنبا فظيعا يتملكني ولااقوي منه خلاصا ، انا التي ناديتها ، همست بصوت خفيض فسمعتني الصغيرة بقلبها ، كان الملل يتملكني وانا راقده تحت اكوام التراب في قاع الدرج العتيق الذي لم تمتد له يد منذ سنوات طويلة ، منذ مات الحاج صاحب المنزل وزوج الحاجه نفيسة وانا ملقاة باهمال موجع في قاع الدرج ، قبلها كنت في يده لاافارقه ، يتحرك بي اينما ذهب ويعود بي وقتما يعود ، اخرج معه للحقول الواسعه تحت الشمس واجلس معه في الدوار اسمع حديثه والاصدقاء والندماء ، في امسيات رمضان يسبح بحمد ربه علي حباتي فاسبح معه واشكر ربي علي كل نعمه ، في نهار العيد اذهب معه للجامع واسمع التكبيرات وارددها ، تسيل قطرات عرقه فوق حبلي تقويه وفوق حباتي تغسلها وتكسوها بروحه ، كنت في يده لاافارقه ، لكنه فارقني ومات ، رحل عن الحياه والدنيا وتركني كأني شيء لاقيمه له وانا التي طالما تسارعت حباتي بين اصابعه استغفارا ورحمة ، الحاجه نفيسه حملتني بحب ورفق والقت بي قاع الدرج العتيق ونستيني ، شكرت ربي انها لم توزعني مثلما وزعت بقيه ملابسه علي الغرباء وعابري السبيل ، نسيتني في قاع الدرج ، يوم اثنين ، سنه اثنين ، وكثرت سنوات الهجر وثقل الظلام وخنقة التراب فنسيت عدد السنوات ونسيت كلمات ربي واستغفاره وبقيت شيئا لامعني له ولاقيمه ...
في ذلك الصباح المشئوم ، سمعت خطواتها تتسلل للحجرة ، شممت رائحتها ، عرفت بوجودها ، بل اقول رأيتها تتراقص امام المرأة وتضحك ، حقدت عليها ، حره هي واسير انا في قاع الدرج ، اشتقت للمسه حب واعجاب ، تمنيت لو فتحت الدرج واخرجتني ، لو لمست حباتي باصابعها الصغيرة ، ربما تمنحني روحها بعض الحياه التي غابت عني وقتما مات الحاج وتركني وحيدة ، ناديتها ، نعم ناديتها ، كنت واثق ان الغرفه تخلو الا منها ، لن يسمع احد صوتي الا هي ، لو افشت سري للكبار سيقولوا عليها صغيرة حمقاء تخرف وتهذي ، لن يشك احدهم اني تحدثت معها فعلا وكيف يصدقوا مايصعب تصديقه ، ناديتها ، رجوتها تفتح الدرج وترفع عني روحي التراب الكثيف وتحتضني باصابعها الرقيقة ، رجوتها تفك اسري ، طاوعتني والفضول يتملكها ، فتحت الدرج بصعوبه ، الدرج ثقيل وعتيق وصرير فتحه مخيف، خافت وكادت تغلقه ، طمئنتها ، صدقتني ، فتحت الدرج وبعثرت اوراقه وعثرت علي في قاع الدرج ، حين لمستني عادت الحياه لروحي ، تشبثت باصابعها ، تسللت خارج الدرج علي اطراف اناملها ، اخذت تحدق في اعجابا وحبا ، مسحت التراب من فوق وجهي بذيل ثوبها المزركش ، سطحت حباتي بوهج العقيق وكأنها جمر من نار تسطع تحت رماد المنقد ، ضحكت وسرت ، اخذت تتقاذفني بين كفيها الصغيرتين ، كنت اطير واحلق سعيدا باللهو معها ، احلق من هذا الكف واحط علي الكف الثاني ، واعود ثانيه واحلق مره ثالثة ، الخطأ خطئي انا ، كيف فات عني ان الخيط الذي يربط حباتي بلي مع الايام وتحللت انسجته مع الزمن ، الخيط لم يسايرنا لهونا ، اتقافز من كفها هذا لذاك مره والثانيه وفي الاخيرة ، تمزق الخيط وانفرطت حباتي تجري في ارض الحجرة ، مازلت اتذكر نظرة الفزع والرعب التي ارتسمت علي وجهها ، كأن ملاك الموت حط علي كتفها ، كان مارد عفريت اشهر سيف في وجهها ، نظره فزع ورعب ، في البدايه لم افهم سببها وسرعان ماانتبهت ، دخلت جدتها العجوز الحجرة وبسرعه وذكاء مخيف ادركت ماحدث ، لاحظت الدرج المفتوح ، تعثرت في احد حباتي الي اختبأت تحت حذائها وكان ماكان ، امسكت منورة من ملابسها وانهالت علي وجهها ضربا ..... فررنا جميعا بعيدا عن ذلك الجنون ، كدت ارجوها تصفح عنها ، كدت انطق واتوسل اليها تعذر طفولتها واغوائي ، كدت وكدت ، لكني صمتت وخرست وتورايت وكأني لم ارتكب جرما ، اغمضنا عيوننا جميعا وتوارينا تحت السرير والدولاب الطويل وخلف المرايه وتحت السجاده وكأننا لسنا هنا ، اغمضنا عيوننا وتجاهلنا مايحدث لمنورة بسببي ، نعم انا شريكه تلك المجرمه في ضربها ، انا شريكة تلك العجوز في وأد براءتها واهدار طفولتها ، كدت اصرخ فيها ، زوجك مات وكدت انا وحباتي نتفتت مللا ، افرجت عنها وفرحتنا ومنحتنا بعض روحها وهاانتي تعاقبيها علي فرحتنا ، يالكي من امرأه شريرة ، كدت اصرخ فيها لكني صمت ، اغمضت عيني ولم اري مايحدث ، لكني بقيت اشعر ذنبا رهيبا لم افلح ابدا اتخلص منه ، كرهتني منورة وهي محقة ، كرهتني وكرهت الدرج ، لم تفشي سرنا لجدتها ولا امها ، لكن الضرب المبرح والوجع والاهانه الذين عاشتهم كرهوها في الي الابد ، ومازلت انا ملقاة في الدرج باهمال موجع والتراب فوقي خانق لروحي ومازالت هي تكرهني .... ليتني لم اناديها ، ليتني قنعت بحالي وتركتها في حالها ... ليتني وليتني ....



نهاية الجزء الرابع

ليست هناك تعليقات: