مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 1 سبتمبر، 2016

تعويذة العشق والدموع ... الفصل الخامس


الفصل الخامس

مَن تحب ليس نصفك الآخر ، هو أنت كُلّك
في مكان آخر ، في نفس الوقت ( 5 )



 ( 26 )
" أشكرك يا سعادة الدكتور "
سنوية رحيم اقتربت، وانشغلتُ مع العائلة بترتيب تفاصيلها، سنذهب للمقابر صباحًا ونعود للمنزل نستقبل المُعزين ، سيُحضِر أشقاؤه سبعة شيوخ ليختموا القرآن على روحه ، أعددت ثوبًا أنيقًا بسيطًا للمناسبة بعد ما بليتْ أثوابي القديمة التي قضيت العام الحزين كله بها ومعها ..
هل سيأتي حَسن ؟؟ لن يأتي !! لقد نسيَني ونسيته !!! هل حقًا نسيَني ونسيته؟؟ سؤال أفر من إجابته كلما هاجمني ، تداهمني صورته أحيانًا ، أرى ملامحه وكأنه يجلس أمامي ، أسمعه وكأنه سيواسيني مجددًا ، وقلبي معاكي ياهانم ، أنتقي كلماتي التي سأرد بها عليه ، أتمنى أن أقول له أبقِ قلبك معك يا دكتور، لا أحتاجه ، سأقول له إن رحيم وقلبه لم يفارقاني أبدًا ، سأقول له إن الأصدقاء الحقيقيين ساعدوني على تهوين مِحنتي ووحدتي ، سأقول له إن الصخب الزائف انتهى وبسرعة، ولم يَبقَ إلا الناس والحقيقية المخلصة ، سيفهم كلامي جيدًا بذكائه المعروف ، سيعرف أني وجدت مَن يواسيني بحق، ويقف بجواري ويساندني، ويواسيني في حزني بإخلاص وصدق وأنه ليس منهم ، سيفهم عتابي ولومي ، لن أترك له فرصة ليشرح لي أي شيء ، لا أحتاج منه شرحًا ، أعرف أنه نسيني ، ومَن أنا ليتذكرني ؟؟ أرملة صديقِه الذي مات ، إنْ كان لم يجد وقتًا لصديقه وهو يعاني سكرات الموت هل سيجد لي وقتًا بعد موته؟؟ إنها الفورة الأولى للحزن، ومشاعر الذنب تجاه صديقه التي دفعته لبعض المجاملات والتليفونات، وسرعان ما عاد لحياته ونسي الحزنَ ورحيم ونسيني، وأنا أيضًا نسيته ، سيأتي ليجامل أشقاء صديقِه وسيرحبون به ، سأصافحه وأنصرف ، سأبقى مع النساء المشغولات في المطبخ والترحيب بالمُعزيات ، سأتجاهله كما يستحق ، وعندما يقول لي تعيشي وتفتكري يا هانم ، سأقول له أشكرك يا سعادة الدكتور!! وأعيد ترتيب كلمات ردّي وأضبطها وأكررها على أسماعي وأحفظها وأنتظر يوم السنوية بفارغ الصبر لأراه، وأقول له ما أعددته وأطوي صفحته والأحلام الصغيرة التي أيقظها معي، وألقي بهم جميعًا مع رحيم في مقبرته  ويا دار مادخلك شر....!!
هامش - حسن
أبلَغَني عبد العليم  أن سنوية رحيم يوم الجمعة القادم ، لم أصدق أن عامًا كاملا مَر على رحيله، عامٌ كامل، اثنا عشر شهرًا مرت على رحيل رحيم ، اثنا عشرَ شهرًا مرت وأنا مرتبِك متوتر أفكر في بشرى، ولم أفلح فيما رغبتُ فيه معها ، السنوية يوم الجمعة القادم يا حَسن ، طبعًا سأكون موجودًا يا عبد العليم ، وأنهيت المكالمة وبقيت مكاني أفكر في رحيم، وذكريات شبابنا، وأيام الكلية والجامعة، ورحيلِه المفاجيء، ومرضه الغادر،  و .... بشرى ، نَعم فكرت في كل شيء وفيها بالأساس !!! هل يتعين علىّ ألا أقول لنفسي إني فكرت وأفكر فيها؟ حسنًا سأفعل ، لم أفكر فيها طبعًا وفكرت في رحيم وحزني على رحيله ، هل هذا ما يتعين أن أقوله وما يتعين أن أشعر به ؟؟؟ ربما يتعين عليّ هذا لكني لن أفعله !!
عامٌ مَر على رحيل رحيم ، الأيام تجري والعمر أيضًا ، سأذهب طبعًا لمشاركة أسرة صديقي حزنهم على مرور عامٍ على رحيله، وسنتشارك الدموع والذكريات والوجع ، سأذهب معهم للمقابر  وأعود معهم للبيت، ولن أغادرهم حتى ينتهي اليوم بكل حزنه ، سأعتذر عن العيادة والعمليات في ذلك اليوم ، سأقضي اليوم كله مع أسرة رحيم نتقاسم الحزن والذكريات !!! هل يعجبك يا حسن ما تقوله ؟؟؟ هل هذا فعلا ما تحب أن تقوله لنفسك ؟؟ هل لديك أقوال أخرى؟؟؟
أسترجِع شريط الصوت والكلمات التي رتبتها وقلتها وأنفجِر ضاحكًا ، انت ابن حرام يا حسن على فكره !!! نعم أنا هذا ، طبعًا لا يعجبني ما أقوله ، لا يعجبني يا حسن هذا الكذب المفضوح الذي تتفوه به لتقنع نفسك أنك ستقضي اليوم مع أسره رحيم ، كُن أمينًا مع نفسك يا حسن ، اعترفْ أنك ذاهب بالأساس لرؤية بشرى ، وأنك تشتاق لها جدا، وأنك تفكر فيها ليلَ نهار، وأنك عصبي ومتوتر بسبب غيابك عنها ومنعِ نفسك من الاتصال بها، أو فرض نفسك عليها ، كُن أمينًا مع نفسك يا حسن ، اعترفْ لنفسك أنك تنتظر ميعاد السنوية بمنتهى الحماس فقط لتراها وتطرق باب وصلها ولتحاول مرة أخرى جديدة فيما فشلتَ فيه طيلة العام الماضي ، اعترفْ لنفسك يا حسن أن حزنك على صديقك الذي كنتَ تحبه توارى كثيرًا خلف إعجابك بأرملته، وأنك تتناساه عامدًا متعمدًا، ولا تتذكر إلا عينيها والدفءَ المنبعث من روحها لروحك ، اعترفْ لنفسك يا حسن وكُن أمينًا مع نفسك أن كبرياءك أوجعتك وقهرتك؛ لأنها صدّتك حسبما أحسستَ منها ، وأنك امتنعتَ عن الاتصال بها طيلة تلك الفترة كما تتمنى عجرفةً وكبرياء، وتمنيتَ بل انتظرتَ أن تتصل هي بك وتسال عنك وترسل لك رسالة جديدة أنها تحتاجك في حياتها مثلما تحتاجها في حياتك وأكثر، اعترفْ لنفسك يا حسن أنك كنت تنتظر مكالماتِها، وأنها لم تفعل مما أغضبك وزاد من غيظك وتوترك وعصبيتك مع مايسة وشيرين وسبابك لكريمة، واعتذارك بعض الأحيان عن العمليات المهمة التي كان يتعين عليك أن تقوم بها لأنك متوتر، قلِق، وأعصابك ترتجف، وأنك تخاف من المشرط الذي فقدتَ أحيانا سيطرتك عليه، اعترفْ لنفسك يا حسن أنك مرات عديدة فكرتَ أن تتصل بها لكنك تعاليتَ عليها وتعجرفتَ غيظًا وحنقًا ، وأنك ألقيتَ التليفون المحمول بعيدًا حتى لا تضعف أمامها وتتصل بها وتقول لها ما تشعر به من أحاسيسَ وأحلامٍ وأمنيات ، صارِحْ نفسك يا حسن أنك اتصلتَ بها مراتٍ قليلةً بصوت بارد سخيف وأنت تتمنى تبثها اشتياقك ، وأن صوتها البارد كتمَ صوتك وأخرس كلماتك واستفزك، فكنت أكثر سخفًا وأقل حماسًا، وجاءت كلماتك مقتضَبة باردة تنهي الاتصال بها قبل أن تبدأه بعد أن تقول كلمتين أو ثلاثًا في منتهى الجفاء والرسمية،  وتسمع ردها  أكثرَ برودةً وسخفًا، وأنك كنت دائمًا تشتاق لدفئها وتتمناه، وأنك ما تزال تشتاق لدفئها وتتمناه !!!!  
كفَاكَ كذبًا يا حسن، وجفّف دموعك على رحيم، وعِش مشاعرك الحقيقية، واعترفْ لنفسك أنك ذاهب لذكرى رحيم لتقابل بشرى، وأنك تتمنى معجزة توصِل بينكما وتمد حبال المودة التي حاولتَ أن تمدها وفشلتَ؛ لأن بشرى أغلقت في وجهك كل الأبواب!!  نَعم، ذاهِب لأراها، وأسمع صوتها، وأشرب قهوتها، وأتدثر بدفئها، هذه هي الحقيقة، وهذه هي مشاعري !!!
وهل تظن أن الفريسة ستقع هذه المرة أيضا في الفخ ؟؟سؤال أوجعني وفاجأني وحيّرني ، لا أراها فريسة ولا أراني صيادًا !!! قهقهات عالية تكسر جدران غرفتي في العيادة ساخرةً مني ومن حديثي ، قهقهات سليمان الوهيب تحاصرني وتسخر مني !!! ألم أقُل لك كفَاكَ كذبًا؟ واللهِ العظيم هذه المرة لا أكذب، أقول الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة!! وتصمت الضحكات الساخرة اندهاشًا لا تصدقني !! وكيف تفعل وأنا شخصيًا لم أصدقني رغم أني أقول الحقيقة؟ لا أراها فريسة .. ولا أراني صيادًا!!
  ( 27 )
" بارع أنت يا حسن !!"
قرر أبوه بصرامةٍ واتفقَ مع أُمه ، وهُما أبدًا لا يتفقان ، أن يتزوج حسن بمايسة وحيدةِ صديقِه العزيز الثري ووريثتِه الوحيدة  ..
حاول حسن أن يفر من تلك الزيجة وأن يتملص من إلحاح أمِّه وصرامة أبيه لكنه لم يفلح ، لا يرغب في الزواج، ويعيش حياته هانئًا بعمله وعلاقاته الكثيرة وحريتِه ، صمم الدكتور سليمان الوهيب على إتمام الزيجة، وحذر حَسن من سُمعتِه السيئة التي تطاردهم جميعًا، وأنهم أُسرَة محترمة لم تَلُكِ الألسنةُ سيرتَهم أبدًا، ابتسمَ حسن مؤدبًا لم يُذكِّر أباه بعلاقاته النسائية وفضائحه ودموع أُمِّه ..!
قال له أبوه إن الصياعة والحرية شيء، والزواج شيء آخر ، وهذا لا يغني عن ذاك، وعليه أن يتزوج ابنة ناسٍ محترمة تنجِب أطفاله وتحمل اسمَه وتشرّفه في المجتمع ، قال له ، بعد ما يتزوج ويستقر  له حريته يعيشها كيفما يشاء، بشرط ألا يهدم بيته وألا يفضح عائلته وألا يشين أولاده لا في حاضرهم ولا في مستقبلهم ، قال له أبوه إن الرجل المحترم يتزوج وينجب أطفالا، ويكوّن أُسرَة، واضاف مبتسمًا ويعرف ما يريد من النساء في السر دون فضائح ، ضحِك حسن ضحكاتٍ عالية وهو يتذكر أباه وفضائحه التي طاردت أسرَته وطاردته سنواتٍ طويلة  ، كاد يقول له لقد فضحتنا يا سليمان بيه ، كاد يقول ذلك لكنه لم يقُل له وهز  رأسه وكأنه يوافقه على كل كلمةٍ يقولها...
 أفصحتْ له أمُّه أن مايسة بنت الدكتور إبراهيم القناديلي ستسعِده وتُفرِح قلبه بجمالها ومالها ونفوذ أبيها ، وإن الخُطَّاب لا يكفون عن طَرْق بابها، لكنها ترفضهم جميعًا لأنها ترفض زواج الصالونات كما تشيع بين كل معارفها ، أوصَته أُمه أن يذهب لها إلى النادي ويحمل لها الورود ، سخِر من أُمه الساذجة وسألها ألا ترغبين أن أركع تحت قدميها  وأتوسل لها لتقبلَني زوجًا لها ؟؟
سنواتٌ عشر مَرت على زواجه بمايسة، وهو لا يعرف كيف رضخ في النهاية لإلحاح أُمه وإصرار أبيه، ولا كيف حملَ باقة الورود وطرقَ باب فيلا الدكتور إبراهيم القناديلي الفاخرة وجلس في الصالون يأكل الجاتوه ويختلس للعروس نظراتٍ فاحصهً، لا يعرف لماذا رضخ لأبيه وأُمه ولم يصارحهما أن قلبه ما يزال مغلقًا في وجودها، وأنها لم تفلح في أن تبعثر دقاته، وأن سُمرتها لا تعجبه، وأن شفتيها الغليظتين لا تستهويانه، وأن كلماتها القليلة لم تأسره، وأنها غبية ومتعجرفة في نفس الوقت، وأنها لن تكون المرأة التي ستطويه تحت جناح حبها وعِشرتها، وأنه لو تزوجها سيصيع أكثر وأكثر  ، كل هذا أَحَسه من مقابلتها الأولى لكنه لم يصارحهما بحقيقة رأيه ومشاعره ، سارَ في قطيعهم سليبَ الإرادة، وكأن أمه أوصت عليه الكاهنَ العجوز أن يعمل له حِجاب بالأسر لتلك الفتاة البليدة التي لو شاهدها في الشارع ما استوقفته ولا لفتت نظره ، لماذا لم يفِر من مايسة ويبقى حرًا طليقًا مثلما كان ؟؟ لماذا حملَ أبوه هَمّ سُمعتِه وسيرة مغامراته في البارات والملاهي الليلية؟ لماذا لم يتركه ينعم بحريته كالفراشة ينتقل من فوق تلك الزهرة لأخرى؟ لماذا لم يمنحه وقته لينتظر مَن تنير قلبه وروحه فتسعده وتعصمه عن غيرها وتكفيه ويخضع لها راضخًا سعيدًا؟؟ لم يقتنع أبدًا باللغو الفارغ الذي قاله أبوه عن نجاحه المِهني واطمئنان المَرضَى وأُسَرهِم له ولسُمعتِه الطيبة ، لم يقتنع بهذا لكنه خضعَ له ، خضع له وتزوج مايسة وصار زوجًا مثاليًا، وأبًا عظيمًا، وطبيبًا ناجحا، وأسيرًا ميتًا يفوح من روحه عطن الموت وأسن الخضوع حتى قرر وبمنتهى التمرد وبعد فشلٍ ذريع في زواجه وعلاقته بالغبية المتعجرفة أن يحلق بعيدًا عن أسرِها وأن يسترد حياته وحريته، ولتذهبي يا مايسة هانم للجحيم !!!
لن يكسر القضبان ويهدم أسرته ، هذه نصيحة أبيه التي اتَّبَعَها ببراعة ، لن يكسر القضبان لكنه سيتسلل منها بمنتهى البراعة مستخدِمًا بعض حيلِه الصغيرة، وأكاذيبه الطيبة، وخِدَعه البريئة، وما الذي يضير مايسة حين أعيش سعيدًا في حضن غيرها ما دمتُ أمنحها أحيانًا حضني ليسعدها ؟؟ ما الذي يضيرها وقتما أكذب عليها وأخدعها ما دامت لا تعرف حقيقة مشاعري وتظن كذبي حقيقة، وخداعي مودة، وكلماتي الجوفاء قصائدَ غزلٍ أختصها بها فقط دون كل نساء الأرض؟!!! لن يضيرها شيء وستعيش كما تتمنى، وتترك لي حياتي أنا الآخر أعيشها كما أتمنى، وهكذا تتوازن المعادلة وتستمر الحياة !!! يبتسم حسن سعيدًا فرِحًا بالمعادلة الأولى التي أفلح في أن يعيش فيها ويعيشها! بارع أنت يا حسن ، يهمس سليمان بيه ، بارع جدًا ، هكذا يقول لنفسه فرِحًا بخديعة مايسة وحياته الزوجية الناجحة جدًا معها !!!
هامش - رقية الكشميري
اسمع يا حسن ، انت لازم تتجوز ، وانا اخترت لك عروسه حلوه وبنت ناس  ولازم تروح تشوفها علشان نحدد ميعاد الخطوبه !!!
دخلتُ عليه غرفته، وفتحت الستائر، واقتربت من فراشه وهو بين أحلام اليقظة والنوم ، صحيت يا حسن ؟؟ هز رأسه ، باصحي ، طيب فوق وتعالي ، عايزه اتكلم معاك ، حصلني على الفرانده وبلهجة حاسمة أمرته ، ما تتأخرش..
سرعان ما لحِق بي في الشرفة ، قبّلَ يدي وجلس أمامي على طرف مقعده قلِقًا متوترًا ، خير يا مامي ، هما كلمتين مش حاعطلك علشان تلحق محاضراتك وتروح شغلك ، انت لازم تتجوز يا حسن ، انفجر ضاحكًا ، طبعا حيحصل ، وهَمّ يقوم ، قبضتُ على ذراعه ، استنى يا حسن ، انا لسه ماخلصتش كلامي، اقعد واسمعني ، عشر دقايق كمان الدنيا مش حتطير !!!
استسلمَ لإصراري، ورجع بظهره في حضن المقعد الوثير،  وأنصتَ بدقةٍ وانتباه لِما أقوله ، انت ما بقيتش صغير لا في السن ولا في المقام، وخلصت الدكتوراه اللي كنت بتتحجج بيها ، ايه اللي معطلنا بقي اننا نفرح بيك ؟؟
تتلاحق كلماتي ولا أترك له فرصة للهروب ولا للرد ، طبعا الاشكال اللي انت بتعرفها مش بتاعت جواز  ولا ايه ؟؟ على وجهه ابتسامة ساخرة وكأنه يقول لي ما انتي عارفه ومتأكده انهم مش بتوع جواز ، أنقضُّ عليه وبحسم ، يبقي خلاص تسمع كلامي وتروح تشوف العروسه اللي انا وباباك اتفقنا عليها ، انفجرَ ضاحكًا ، انتم عمركم مااتفقتم  على حاجه ، ضحكتُ ، اهو المره دي اتفقنا ، حاحدد ميعاد علشان تروح تشوف مايسة وربنا يتمم بخير ، حاقولك لباباك يكلم باباها ، ماانت عارفه ، الدكتور ابراهيم القناديلي صاحب باباك ، عارفه ؟؟ يهز رأسه ، يعني ، مش مهم ، بكره تعرفه ، المهم ، حاقول لباباك يقوله يحدد لنا ميعاد لانك عايز تخطب بنته  ، اخطبها مره واحده ؟؟ يا ست الكل مين دي انا حتي معرفش شكلها ، وحتعرفها منين يا حسن ؟؟ دي بنت ناس ومتربيه مش زي الاشكال اللي انت بتعرفها ولا بتروح الاماكن اللي بتروح فين ، يبقي حتعرفها ازاي ومنين ؟؟
بغضبٍ وعصبية صرختُ فيه ، بقولك ايه يا حسن ، بلاش مناهده وتضييع وقت ، تروح تشوفها يعني تروح تشوفها ، البنت ممتازه وانت بنفسك حتقول كده لما تشوفها ، قلبتُ فنجان القهوة على طبقِه أبحث عن بخت أتمناه سعيدًا ، ضحك حسن ، حتشوفي لي البخت؟ ضحكت ساخرة ، انت مجنون على فكره ، ده فنجان القهوه بتاعي انا ، اشوف بختك فيه ازاي ؟؟ ضحك بطريقة أكثر سخرية ، زي ما بتشوفي لي العروسه كده ، ما هي عروستي انا، ضحك، وضحك، قام ولوّح لي مودعًا ، انزل بقي علشان الحق محاضراتي ، بحسمٍ أوقفتُه ، اتفقنا يا حسن ؟؟ لوّح لي ثانيةً وهو يضحك ، اتفقنا يا ست الكل  ، اتفقنا ، باي ... وتركني وفنجانَ القهوة المقلوب ننتظر الحظ السعيد ، علّ حظه هو أسعد مِن حظي ومِن حظنا جميعًا!!!
 هامش - سليمان الوهيب
طرقتُ باب غرفته المغلق ،أدخلت رأسي وسألته ، ينفع اتكلم معاك؟ ضحك حسن ، اتفضل طبعا ، قلت نتكلم شويه قبل ما تنام ، اتفضل طبعا ، اسمع يا حسن ، انت حتتجوز بكره ، انا شايف طبعا انك مش مبسوط من العروسه وانها مش عاجباك ، ضحك حسن ساخرًا ، ازاي؟ دي عاجباني خالص وبحبها موت ...
ناولته سيجارة وجلست على طرف فراشه ، الكلام ده تقوله لامك الغبيه، وجايز تصدقك، ما تقولهوليش انا ، لاني مش غبي زي امك، وعمري ما حاصدقك ، ضحك حسن ، هي فعلا مش عاجباني ولاعمرها عجبتني ، بس خلاص الفرح بكره تقترح عليا ايه ، افسخ الخطوبه وافركش الفرح واجري ؟؟
واضح انك غبي زي امك !! همستُ ، انا قلت لك افسخ الخطوبه؟ انا جاي اقولك الف مبروك وربنا يتمم بخير ، وعارف انها لا عاجباك ولا حتعجبك ، لانها غبيه زي امك ، ضحك حسن ضحكات متلاحقه وسعل وانهمرت دموعه ، مش اختيارك دي يا بابا؟ ويضحك ويضحك ، طيب ليه تعمل فيا كده يا سليمان ؟؟ الغبيه دي ياجحش تعرف تمشيها ، تاكل بمخها عيش ، اي كلمه تقولها لها تصدقها ، الغبيه سهل تضحك عليها ، مش حتفهمك ابدا وحتعمل فاهماك حتتكسف تقولك انها محتاسه فيك ، حتطاوعك وتطيعك وتعمر لك البيت وتملاه عيال ، اي كلمه تقولها لها تأسرها ولو كشرت في وشها تخاف وترتبك ... فاهم ؟؟
ينصت لي حسن باهتمام شديد ، انا نقيتها لك لانها غبيه من ناحيه ولانها حبيبه ابوها ودلوعته من ناحيه تانيه ومالوش غيرها في حياته وبعد عمر طويل ، الحلوين كتير والبنات الذكيه كتير ، لكن اخاف عليك منهم ، الحلوه حتخليك تلف حوالين نفسك ، اي حد يبص لها تعمل لنا جنايه وتنكد عليها وعلى نفسك ، الحلوة لو عشقتها تتحكم فيك وتركبك وتقول شي حا ، الحلوة وبالذات لما يبقي ابوها تقيل وصاحب ثروة محدش يقدر عليها ، مستغنيه ، ماتعرفش تكسر ضلعها ولا تمشي كلمتك عليها ولا تاكل براسها حلاوة ولا تزعق فيها وانت راجع مبسوط اخر الليل!!
يضحك حسن ، في دي عندك حق ، يسألني مستنكرًا ، يعني يا سليمان بيه الحلوه ماتتجوزش والذكيه ماتتجوزش ؟؟ الغبيه بس اللي تتجوز وتعمر بيوت؟؟ أضحك ساخرًا منه ، انا ماقلتش كده ، انا باقولك انا اخترت لك مايسة لانها غبيه علشان الحياة تمشي ، لو كنت انت حبيت واحده حلوه وذكيه كنت حاقولك ربنا يعينك وانبسط لك واشيل همك ، انت لاحبيت ولااخترت وقعدت تصيع وتنط وتفط والسنين بتجري قلت مابدهاش اتدخل انا بقي ..
يتابعني حسن مبتسمًا ابتسامة يائسة ، انت بتتجوز علشان تعمل اسرة ، تخلف اولاد وتعيش استقرار  ، اوعي تنسي الحكايه دي ، قاطعني ، لا بجد بقي مابقيتش فاهمك ، انت جاي تقولي ايه ؟؟ جاي اقولك الف مبروك وربنا يتمم بخير ، وجاي اقولك انا عارف ان عروستك مش عاجباك ومش مهم ، وجاي اقولك انت حتبني اسره، واللي يبني اسرة لازم يحافظ عليها مايتصرفش بهبل فيهدها ، جاي اقولك انت حتبني اسرة ، ده هدفك وغايتك ، اسره وزوجه واولاد فما تجيش في وسط السكه وتنسي الحكايه وتقول بحبها ما بحبهاش ، جاي اقولك انت وشطارتك معاها ، انت اللي تقدر تبقي سعيد وتخليها سعيده او تبقي غبي واهبل  وتخليها تعيسة وتنكد على نفسك حياتك ، يعني الامر مايسلمش كلمتين حلوين ، تخرجها مره ، هديه غاليه ، وحشتيني بحبك ، كده يعني ، تاكل بعقلها حلاوة وتمشي المراكب ، ادي اللي جاي اقوله يا دكتور واديني قلته وحاقوم انام علشان الوقت اتاخر ، وانت كمان قوم نام بقي علشان تصحي مستريح بكره ، وغمزتُ له ، وراك بكره شغل كتير !!!
ألقيت بدَني على فراشي وأغمضت عيني  ، كنت بتقول ايه لحسن يا سليمان؟؟ حرمنا المصون رقية هانم الكشميري النائمة بجواري سألتني ، ولا حاجه كنت باقوله عايز فلوس؟؟ وأغمضت عيني أُنهي الكلام ، تصبحي على خير  ... و ....... نمتُ أحلم أحلامًا سعيدة!!!
( 28 )
" احكي ياحسن احكي "
بنبراتٍ متهدجة، وصوتٍ مرتعش أهمس ، الحكايه طويلة  يا جَدتي ، تسايرني ، وما له يا حسن هو احنا يعني ورانا ايه ؟؟ اليوم طويل وخلصنا اللي ورانا وفضينا للحواديت والتياترو  وصندوق الدنيا ، احكي يا حسن احكي ...
الحكاية طويلة يا جَدتي، والنساء كثيرات، كنت أظنهن بطلاتٍ فاكتشفت أخيرًا أن جميعهن كومبارس، يلعبن أدوارًا ثانوية، وأني كنت أقتل الوقت وألهو معهن وبهن حتى تظهر البطلة الحقيقية التي تأخر ظهورها كثيرًا ، الحكاية طويلة عنوانها الحقيقي  " كل الرجالة كده " هذا هو عنوان الحكاية ومعنى الدرس الأول الذي علّمه لي أبي سليمان الوهيب بتصرفاته وسلوكه واختياراته التي تسعده وتغضب أمي وتبكيها ، حتى أنتِ يا جَدتي همستِ لأمي تطيبين خاطرها وتهوّني عليها الصعب وهي تشكو لكِ أبي وانفلاته وسوءَ سلوكِه بأن "كل الرجالة كده " ..فاكره ياجدتي يومها ؟؟ ولايفرق فاكره ولامش فاكره ، المهم كمل انت حكايتك يا حسن ، حصل ايه بعد كده ؟؟
سمعتكِ تهمسين لأمي كل الرجاله كده ، وفي نفس اللحظة نهرني أبي لأني حزين على بكائها وحذرني من أن أنصت لها وأتأثر بدموعها، وهمس في أُذني  كل الرجاله كده يا حسن ، وإمّا أن تكون رجلا ترفع راياتك فخرًا ، وإما أن تكون خرقة تمسح بك النسوةُ أرض بيتهن ، وكأني سمعته يهمس لي زاهيًا ، انا اخترت ياحسن اكون رجل وسيد الرجال الدور والباقي عليك انت .. وكأنه يحذرني ويعلّمني !!
أبي يقول: كل الرجال كده ، وانتي تقولي كل الرجال كده ، وأنا صغير، تقاطعني جدتي، ومسير الصغير يكبر واديك كبرت يا حبيبي ، وقتَها يا جَدتي وأنا صغير ، تمنيت اسالك كده ازاي ياجدتي ؟؟ لكني لم أفعل ، وفهمت وحدي بعد سنوات كثيرة ، كل معنى الرجاله كده ، لا تكفيهم امرأة ولا يقنعون بها ، لا يسلمون روحهم لامرأة، ولا يشاركونها وجودهم ، كل الرجاله كده ، تلتمس لهم النساء الأعذار، ويقبلن تصرفاتهم وجموحهم وانفلاتهم، ويبررن لهم قسوتهم بأن " كل الرجالة كده " !
وماذا عن النساء يا جَدتي ؟؟ تمنيت أسألك ، لكني لم أفعل وفهمت وحدي ، فهمت منك أنت منصفة هانم السبيلي ومِن أمي رقية هانم الكشميري أن بعض النساء مثلكن خُلقن للبكاء والإنجاب وعَمار البيت وتكوين الأسرة ، وفهمت من رضا بك الوهيب ومن الدكتور سليمان الوهيب أن بعض النساء خُلقن للمتعة والبهجة والفرحة ، نساء في الظل لا يَستغني عنهن الرجال ولا يجاهرن بعلاقتهم بهن، وهُن قابلات راضخات سعيدات يعرفن دورهن في الحياة، وما عليهن يقدمنه لها وللرجال كي تصبح أكثر بهجة وفرحة!!
وبعدين يا حسن ؟؟؟
قولي لي أنتِ يا جدتي ، اعمل ايه في نفسي ؟؟ اكون راجل زي كل الرجاله ولااكون ايه ؟؟ راجل طبعا وسيد الرجاله ياحبيبي ، همست جدتي ، أكملتُ الحكاية ، الدرس الثاني الذي علّمه لي أبي سليمان الوهيب ، أن الرجل  إمّا حُر وامّا عبد ذليل ، طبعا ويا زين ما علمك ، همست جدتي ، الرجل الحر هو الذي لا تملكه امرأة، ولا تتحكم فيه، ولا تُفرحه ولا تشقيه ، لا يسلمها قلبه ولا روحه، ويمُن عليها ببعضٍ منه لتشكره وتتمنى الرضا ترضى !!! ضحكت جدتي، اهو كلام ابوك كان بيقوله وخلاص ، بس انا صدقته ياجدتي ، صدقته وخفت اكون عبد ذليل تحت رجلين الحبيبه تتحكم في وتشقيني !! مالكش حق ياحسن الحب عمره مايشقي الحب يسعد ياضنايا ، لم تقولي هذا لأمي يا جدتي ، كنت باهوّن عليها واصبرها ياحسن امال يعني اخرب عليها ؟؟ لكني صدقتكِ يا جدتي صدقتك !! حقك علىّ يا حسن !!
وصرتُ يا جدتي مثلما صرتُ رجلا من ضهر رجل، من ضهر رجل، لا تتحكم فيّ امرأة ولا أسلمها روحي، ولا أكتب اسمها على قلبي، ولا أربط فرحتي بابتسامتها ، صرت ألعب  ببراعة مثلما علّمني أبي وعلّمه أبوه ، أسير على كل الحبال ولا أتعثر ولا أقع ، نساء يسعدنني ويمتعنني لا أجهر بهن و" أقِل قيمتي " بمعرفتهن، وسيدة تعمر البيت وتنجب الأطفال وتبكي لا أهرب منها ولا أهدم البيت !! شاطر يا حبيبي ، همست جدتي ، بس مش سعيد يا جدتي ومش فرحان ، عشت على قد ماعشت لا سعيد ولا فرحان !!
ازاي ياحسن و لي؟؟ ماهي دي الحكايه يا جدتي ، ضحكت جدتي ، احكي احكي يا حسن واحنا يعني ورانا ايه ، احكي الحكايه !!  وأحكي وأحكي، وتنصت جدتي وتنصت ، تهمس لي،  هو ده اللي انت فاكره بس ؟؟ وكأنها تلومني ، آه يا جدتي!   انت كنت صغير يا حسن ونسيت كلامي وما افتكرتش الا كلام ابوك وجدك ، انا يا ما قلت لك اوعي تسيب ايدي ياحسن و خليك دايما جنبي ، طول عمري انبه عليك يا حسن باللي مفروض يكون،  وانت صغير كنت بتسمع كلامي ، لما كبرت واشتد عودك اديت ودنك لابوك ولجدك ، الحق هما عايزين مصلحتك لكن محدش قلبه عليك زيي ، شفت بقي ايه اللي حصلك ؟؟ اديك لما كبرت وسبت ايدي وسلمتهم ودنك ودماغك خدوك لسكه الندامه والتوهة  ، تعبت وعايز ترجع سكه السلامه ياضنايا ؟؟ اسمع صوت قلبك وامشي وراه لا كلام ابوك ولا كلامي ، اسمع صوت قلبك وامشي وراه ، قلبك دليلك ياحسن ، قلبك دليلك ولااحن عليك منه ابدا ، ربنا ينور بصيرتك ياحسن ويهون عليك الصعب !
تدعو لي جدتي بالخير والفرحة، وتطرد بصوتها الطيب وحنانها الحُمّى والهذيان وأشباح الحزن ، تهدهدني وتهمس نام يا حسن واستريح ، نام وبكره يحلها الحلال !!
وأستيقظ من النوم غارقًا في عَرَقي وكأني محموم، أبحث عن حضن جدتي ودفئه فلا أجد إلا صقيعًا باردًا يلفني في فراش جدي وسرايته، وصدي صوتها الطيب في أذني يهمس ، بكره يحلها الحلال ، بكره يحلها الحلال !! وأخرجُ من الغرفة مخنتقًا أبحث عن نسمة هواء منعشة ، أُلقي بدني المتعَب على أقرب مقعد يقابلني في صالة منزلي الواسعة، وأتمنى أن تعود جدتي لأسألها، هو بكره حيجي امتي يا جدتي حتي يحلها الحلال؟؟ لكن جدتي وروحها الطيبة فارقاني وتركاني في الظلام الموحش أبحث عن إجابات كل الأسئلة الصعبة التي تلاحقني ولم أعثر على إجاباتها بعدُ !!
هامش -  الحاجه منصفة
العمر جري يا حسن وانت ياحبيبي لسه مادخلتش عليا بقمرايه تليق بيك وقلت لي باحبها يا جدتي !! هل تتذكر يا حسن حوارنا هذا ؟؟ جلستُ بجوارك في الشرفة وأنت عائد من عملك تعِبًا ، سألتك مش ناوي تريح قلبك وقلبي؟ لم تفهم سؤالي ، شرحت لك، العمر جري يا حسن ، هل تذكر ؟؟ يومها قلتَ إنك لم تقابل بعدُ فتاةَ أحلامك، وأنك تظن أنك لن تقابلها أبدًا ، هل تذكر حوارنا ؟؟  يومها قلتُ لك حتقابلها بس استني ، قلتَ لي ان ابوك جاب لك عروسه وانت وافقت ، قلت لك استني اللي تهواها ، قلت لي ما يفرقش كلهم زي بعض ، هل تذكر حوارنا يا حسن ؟؟ قلت لك لا ، اللي تهواها وتهواك تسعدك ، واللي تتجوزها وبس تقضي الايام معاها كلها شبه بعض وده غير ده ، هل تذكر حوارنا يا حسن ؟؟؟ يومها قلت لك ماتتجوزش والسلام ، وان الحب يحلي العيشه والجواز اللي من غير حب يمررها ، هل تذكر حوارنا ؟؟؟؟ يومها قلت لي مايفرقش ، قلت لك اللي ماجربش مايحكمش ولما تجرب حتعرف الفرق ، نفسي اسالك ياحسن واديك عشقت وجربت الحب وقلبك نور بنوره وبتنام تحلم بحيبتك وتصحي تنادي عليها وانا اللي باقعد جنبك طول الليل وانتي بتتقلب في سريرك وكأنك نايم على قزاز مكسر لامستريح ولا تعرف الراحه ، انا اللي باسمعك بتنادي عليها ، نفسي اسالك واقولك ، عرفت الفرق؟؟
ياريتك استنيت ياحسن ، ياريتك استنيت لما قلبك ينور ، اهي العتمه كبست عليك وعلى روحك والعيشه بقت مرار !! ابقي اسمع كلامي ياحسن ، ابقي اسمع كلامي بعد كده ، محدش بيحبك قدي ولايحب هناك وسعادتك قدي!!
فاكر كلامنا ياحسن؟ اقولك بامارة ايه؟ بأمارة ماقليت ادبك وسألتني هو انتي كنت بتحبي جدي يا ستي؟ فاكر؟ ساعتها اتخضيت من سؤالك وسكت ، وانت قمت وحبيت على راسي وقلتي لي انتي بتتكسفي يامنصفة ودخلت نمت! فاكر يا حسن ؟؟ الحق ياحسن كنت باحبه قوي وهو كمان كان بيحبني ، ده بقي اللي ماقلتوش لك اصلي استحيت اقوله !!
ابقي اسمع كلامي يا حسن ، ابقي اسمع كلامي !!
 ( 29 )
" لن يحضر !!! "
همست بشرى ، لن يحضر السنوية ، طوى الصفحةَ القديمة بموت صديقِه ورحل!!!  لن يحضر ولن أكترث !!!!
هامش - حسن
ما الذي تريده منها يا حسن ؟؟ سؤال بسيط وعليك إجابته قبل أن تذهب لمنزلها ومقبرةِ زوجها ، ما الذي تريده منها يا حسن ؟؟ سؤال سخيف يطاردني، يلاحقني، يحيرني، والغريب أني لم أجد إجابته بعدُ !!!

( 30 )
الطوخي
جالسٌ صامتٌ مهموم  في طرف الشرفة البحرية ، الشمس تغيب والليل يقترب ، الظلال تلوّن وجهه بلون الحيرة مثل روحه ، أقتربُ منه ، سلام عليكم يا دكتور ، وعليكم ياعم الطوخي خير ، عندي كلمتين والنبي ونفسي اقولهم لك ، رفع حاجبيه دهشة لا يصدقني ، كلمتين ايه؟ خير؟ واقفٌ أمام سخيفٍ مزعج ، هكذا أُحس نفسي ولا أتراجع عما نويتُه وقررته ، كلمتين اسمعهم ورزقك علي الله ، قول يا طوخي ، أقتربُ منه خطوتين ، اسمعني يا سعادة الدكتور ، اسمع عمك الطوخي العجوز ، اللي انت فيه باين وواضح ومفهوم ، تخبي وماتخبي ، تنام وتغطي وشك ، تشرب قهوة كثير وتمسك راسك وتقول صداع ، تسيب الاكل لان نفسك مسدودة ، تفضل طول الليل صاحي وتلضم يوم بليلة وليلة بيوم ، كل ده مفهوم ...
يحدق فيّ الدكتور حسن، لا يعجبه اقتحامي لخلوته ووحدته ، انا شايفك كويس يا دكتور ، اصل الحاجّة منصفه وصتني عليك والوصيه دين اللي مايسددوش ابن حرام وعمره مايورد علي جنه، الحاجّه منصفه قالت قبل ماتروح ، خلي بالك من السرايه وشجر الجنينه والدكتور حسن ياالطوخي ، يومها استغربت وقلت وايش جاب الدكتور حسن بجلاله قدره للطوخي ومين اللي يخلي باله من مين ، زعقت فيا وانت عارفها لما تزعق كانت ترعب العفاريت ، زعقت فيا وقالت ، خلي بالك منه يالطوخي ، لو احتاجك ولو في سابع ارض مد ايدك وانجده ، قالت الكلمتين دول لااكتر ولا اقل وسكتت ، الحق انا نسيت كلامها ، معذور لازم انساه ، انت الدكتور المشهور المتصيت ابن مصر اللي نسيت السراية ونسيتنا ولاعمرك طليت علينا ولا قلت انتم عايشين ولا ميتين ، افتكر ازاي بقي وصية الحاجه منصفة اني ارعاك واخلي بالي منك ، نسيت الحق وكمان كبرت وراسي بقت علي قدها وبتنسي اكتر مابتفتكر ، بملل وعصبيه سألني ، وبعدين يعني ؟؟ قولي اقعد يادكتور علشان نتكلم ، الكلام ماينفعش علي الواقف ، ابتسمَ رغم ضجره وأشار لي على المقعد أمامه وهمس ، اقعد يا طوخي لما نشوف اخرتها ايه ؟؟
اخرتها فل وياسمين ان شاء الله ، ابتسمَ ابتسامة حنونة وصمتَ ينصت لي ، ماتستغربش مني ولا تخاف ، قلت لك من اول يوم سرك في بير ، انت عاشق يا سعاده الدكتور ، والعشق وبا مالوش ترياق ولا اخترعوا له دوا ، ولا يريح الحبيب الا الحبيب، اسمع عمك الطوخي العجوز ، انفجر ضاحكا ، ياعيني علي الحكم ، ماتضحكش علي والنبي ياسعادة الدكتور اهو باسليك واخد حسك ولو طلع كلامي فاضي ارميه وارجع اسكت براحتك ، ولو طلع له معني يبقي كتر خيرك انك سمعته واعقله بقي براحتك !!!
جلستُ أمامه وشرحت له ، الراجل الحق مايهدش حيله الا الجنية ، الجنية طول عمرها في البحيرة وطول عمرنا واحنا صغار نخاف منها ، اهلنا قالوا ماتقربوش من الشط لتخطفكم ، ضحك الدكتور حسن ، دي حكايه طويله بقي وباديه من زمان ، ضحكت ، سايرني والنبي ومش حتندم ، الجنيه طول عمرها في البحيرة ، يعدي عليها جدعان ياما ، ماتختارش الا الزين ونقاوتها مافيش زيها ، اللي عليه العين والكل بيجري وراه ، تختاره وترمي قلبه بسهمها ، هو اللي يجري وراها وعقله يشت ولايتمني من الدنيا الا وصلها ورضاها ، يسألني ضجرا ، وانا مالي بده كله يا طوخي؟  اصبر يا دكتور ان الله مع الصابرين ، الجنية ساعات تخرج من البحيرة ، تطوف في بلاد ربنا تدور علي رزقها علي حظها ، اصل ساعات الجدعان الزين يهجروا شطها ومايقربوش منها ومايفضلش الا العويل اللي مالوش عازه ، ساعتها تخرج من البحيرة وتلف الدنيا تدور علي اللي يستاهل ، تلبس ميت وش وترسم ميت ضحكه ، مره تطول شعرها ومره تكحل عينيها ، مره تلبس افرنجي ومره تلبس ملس ، تخرج من البحيرة وتدور علي الجدع الزين اللي يليق لها ، ولما تلاقيه ترمي شبكتها عليه وترجع البحيرة تاني وهي عارفه انه حيجي لغايه عندها يدور عليها ويقعد يستني منها الرضا ترضي !!! لا يالطوخي الحكايه طولت قوي ، اضحك واشاكسه ، يعني العيانين واقفين بالطابور مستنيك وانا معطك ، يعني الست الحاجه رايحه معاك تزور الاوليا وانا اخرتك عليها ، ماانت قاعد يادكتور معايا والسرايه خرسا والليل دخل وطويل وماوراناش حاجه وانت لابتاخد ولابتدي واللي بتقوم فيه بتنام فيه ، اصبر عليا واخرتها لو كلامي فاضي قولي قوم يالطوخي وماتجيش هنا تاني ، حاقوم ومش حارجع لك خالص ...
أشعلَ سيجارة وزفر دخانها بعصبية وكأنه ضاق فعلا بحديثي ، كمّل يا طوخي اما اشوف اخرتها ، اعمل دور شاي ونكمل كلامنا. هي فيها كمان دور شاي؟ اعمل !!!!
أعود له بصينية الشاي وأحكي ، لما الجنيه تختار الجدع الزين ، ترجع البحيرة وتجيبه وراها ، رجليه تجيبه ، قلبه يجيبه ، سهر الليالي يجيبه ، دمع العين يجيبه ، المهم بيجي وراها ، تتدلل عليه وهو مستني ، تعمل مش واخده بالها منه وهو مستني ، واخرتها ياالطوخي ، اخرتها امي الله يرحمها قالت مايفك العمل الا العمل ، واللي يقعد يستني قليل الحيله يفضل اسير لا منه فايده ولا رجا ، فيه جدعان دخلت البحيره برجليها وقالت مش حافضل استني ، بيقولوا شافوا سعدهم ومارجعوش تاني ، فيه جدعان زهقت وداست علي قلبها ورمته في البحيره للجنيه وعاشوا لاعايشين ولا ميتين وقالوا احسن من الانتظار وقسوته ، يا سلام.  يضحك الدكتور ويضحك ، دي ولاحاجه الف ليله وليله ، اهي حاجه شبهها وادينا بنتساير ، واخرتها ؟؟ حاقولك اهو يادكتور ، انت من يوم ماجيت مخطوف ، جيت وماجيتش ، جيت وروحك مش معاك ، قلبك بيدق قلب ويسرح التانيه ، ده العشق يادكتور ، العشق !!!
سألني ، وانت ايش عرفك بالعشق؟ اللي ماعرفش العشق يا دكتور ميت ، العشق هو الحياة ، هو اللي تحب الحياة علشانه ، واسال مجرب ولا تسال طبيب ، وانا المجرب وانت الطبيب ، واضحك وملامحه تهدأ وروحه تنتظر بقيه حديثي ، انا جربت العشق وطفت بلاد الله ومكان ماقلبي قالي سكنت ورميت هلبي ، عرفت حريم ياما الا واحدة ، متهيالي كده انها الجنية ، رمت شالها علي كتفي واتمسيت ومابقيتش شايف في الدنيا الواسعة الا هي !!!
أنتبَه لحديثي أكثر وأكثر ، لا بانام ولا باصحي ولا عارف اعيش ، بافكر فيها هي وبس ، مشيت وراها ، جابتني هنا ، علي البوابة دي اللي ماغيرهاش الزمن ، ضحكت لي ومشيت ، وبعدين يا طوخي؟ ماقلت لك يا سعاده الدكتور ، اتمسيت ، ما بقيتش افكر الا فيها وصممت احاجي عليها واقرب منها وادفع مهرها ونكتب الكتاب ونعلي الجواب !!!
أحدق فيه وهو مشدود مخطوف لحكايتي ، اتجوزتها ؟؟ تعبت قوي قوي يا دكتور علي ما اتجوزتها ، مهرها كان غالي ورضاها صعب وانا راسي صوان ولا تنساها ولا تكل عنها !!!
وبعدين ؟؟؟ لا ، مش مهم بقي وبعدين يا دكتور ، المهم اقولك اني كنت زيك كده ، ممسوس بيها ولا بافكر الا فيها ، امي قالت مايفك العمل الا العمل ، وقالت لي ان كنت عاشقها وريها شطارتك ، انت بقي يادكتور ، عاشق وممسوس ومالكش غيرها دوا وهنا ، حاقولك زي امي ماقالت ، مايفك العمل الا العمل وان كنت عاشقها وريها شطارتك ، ادفع مهرها الغالي !!!
الليل دخل والشاي برد والصمت ساد والدكتور حسن لا ينطق ، يفكر فيما أقوله ولا يرد عليّ ، أتأمل الشجر المتراقص في الحديقة وأصمت حتى يكلمني ، واذا ماكنتش عارف مهرها يا طوخي ؟؟ اعرفه يا دكتور ، اتعب راسك واعرفه ، قلبك حيدلك عليه. ولو غالي يا طوخي ؟؟ الغالي للغاليه وعلي قد المعزة علي قد التعب ، كنا زمان بنكتب حجاب المحبة ، يكتبه راجل مجذوب ، بيقول عليه تعويذه من المعبد ، كلام لايتفهم ولا يتقري ، لكن يقرب الحبيب من حبيبه ، انت ابن مدارس طبعا والكلام ده مايلدش عليك ، اجيب المجذوب لحدك وتكلمه وترسيه علي برك ويعمل لك حجاب ؟؟؟
ينفجر ضاحكًا ويصفق بكفيه متعجبًا لا يصدق كلامي ، كمان حجاب يا طوخي ، تعويذه ؟؟؟ هي وصلت لكده ؟؟ ماانا قلت لك انت ابن مدارس وكلامنا مايلدش عليك ، انا كنت عارف قبل مااتكلم بس برضه قلت وصيه الحاجه منصفه اني اقولك لعل وعسي تدورها في راسك وتقول وماله مايضرش !!!
يضحك ويضحك ويصمت، وملامحه تهدأ لينفجر ضاحكًا أكثر وأكثر ، تعويذة؟؟!! هو انا جيت سرايه الوهيب ليه ، ليه بالضبط؟  علشان الجنّيه اللي مسّتك سيبتك كل اللي وراك وجابتك وراها ، ماانا قلت لك الحكايه لحقيت نسيتها !!!
طيب يا طوخي ، فيه حاجه تاني عايز تقولها لي ؟؟ لا يا سعاده الدكتور بادعي لك والله بهدو السر وراحه البال في كل فرض ، وربنا قادر علي كل شيء !!!
وتركتُه وهو يضحك ويضحك ، يصمت ويضحك ، يضحك ويصمت!!! ما أنا قلت ممسوس يا سعاده الدكتور وانت مش مصدقني!!!!
هامش - حسن
جلستُ أحدق في البحيرة المظلمة وكتلتِها السوداء، وكأني أنتظر الجِنيّة تَخرج مِن جوفها وتخطفني ، أفكر في الطوخي وحكايته ، أهمس ساخرًا ، وفيها ايه يعني ، لو مانفعتش مش حتضر !!! اعقل يا دكتور حسن ، عايز تعمل تعويذة ، حجاب محبة ؟؟؟ تمشي ورا الطوخي المخرف وتعمل تعويذه ، ياراجل عيب عليك!
أحدق أكثر في البحيرة ، وكأنها ستلقي بين يدي تعويذتها السحرية التي تقرّب البعيد، وتهني العاشق، وتسعد القلب الحيران، أنتظر الجنيّة تَخرج وتمنحني تعويذتها لتشفيني من العشق الذي يزلزلني، وما يفك العمل إلا العمل ، أنتظر بشرى تخرج من البحيرة وتخطفني لحضنها وترمي شالها على كتفي وترضى عني وباب السعد يُفتَح!!!
أضحك وأضحك ، انت اتجننت يا حسن ، اتجننت فعلا ، أضحك وأضحك، وكلمات الطوخي تدوّي في أُذني ، الغالي للغاليه ، والمعزة علي قد التعب !!! والله هي الغاليه واغلي الغاليين ، بس مهرك ايه يا بشرى؟ دلّيني يا غاليه وهوّني عليا الصعب !!! مهرك ايه يا بشرى؟؟

نهاية الفصل الخامس
ويتبع بالفصل السادس


ليست هناك تعليقات: