مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 1 سبتمبر، 2016

تعويذة العشق والدموع ... الفصل السادس

الفصل السادس

عندما يوميء إليكم الحب اتبعوه
حتى لو كانت طرقاته وعرةً وشائكة ( 6 )


( 31 )
" شيري يا ابن الـ ....... "
مرت الساعاتُ طويلة وهو مكانه على المقعد، وبجواره شيرين تتلوى على مقعدها، تقترب منه وتلتصق به، وتسير بطرف إصبعها على كفه، وتكاد تمزقه شوقًا ورغبة ، الخمر ذهبت ببقايا عقلها، وأخرجتْ مِن خلف فستانها الأنيق القحبة المفضوحة التي يراها دائمًا مهما تجمّلت، ولا يرى غيرها أبدًا ، الخمر ذهبت ببقايا عقلها وفضحتها، وأظهرت عليها وعلى ملامحها قهرًا وفُحشًا لا يليق أبدًا بصحبته ، تركل ساقها بقدمه ، تقترب بوجهها من وجهه، وأنفاسها الساخنة المتهدجة تلفح شفتيه ، تقترب منه وكأنها ستخبره بشيء ، تمنحه نظراتِها الجوعى النهِمة علّه يفهم ويطاوعها ويريحها ، تهمس وتدعوه ليغادرا المكان بعدما استبدت بها رغبتها فيه ، يتجاهلها عامدًا ، لست هذا الأرعن يا قحبة، لست ذاك الذي تجذيبنه من شاربه لفراشك فيسيل لعابه عليكِ وتحت قدميك ، لست هذا الأحمق ولن أكونه أبدًا، وأنتِ كثيرًا حاولتِ معي وفشلتِ ، هذا ليس مفتاحي ولن يكون أبدًا ، لن تموئي لي فأهز ذيلي خلفك ، لست أنا كما تتصورين، ولن أكون أبدًا ...
يحدق فيها حسن ويُملي عليها محاضرته صامتًا بعينيه يأمرها ، سيطري على نفسك ، هكذا قلتُ لك مراتٍ ومرات ، عليكِ أن تكفي عن الشراب وقتما تشعرين أن العاهرة داخلكِ خرجتْ من تحت جلدك وتحكمتْ فيكِ ، عليكِ أن تسيطري عليها وعلى نفسك...
حَسن ، همست وعيناها تجحظان من الرغبة ، يالا بينا ، ماليش مزاج اقوم ، بصوتٍ باردٍ يعيدها لرشدها، أو يحاول غير واثق من محاولته منتظرًا انفجارها وليلة سوداء جديدة تجمع بينهما ، يبعد عينيه عنها ويحدق في أي شيء آخر ، يركز مع الشابة الراقصة على الحَلَبة وفستانها الضيق يعلو ويعلو عن فخذيها المرمرييْن ، تلفحه غيْرتها المتفجرة تكاد تحرق ظهرَه الذي يعطيه لها عامدًا متعمدًا ، ينظر لها مبتسمًا ببرود ، كفايه شرب يا شيري ، شيري يا ابن .... تتمنى أن تلكمه في وجهه ، تدللني بكلماتك وتقهرني تجاهلا ببرودك وتعاليك ، انت فاكر نفسك مين يا ابن ال .... الخمر تتلاعب برأسها، والكلمات ثقيلة على شفتيها ولا تنطق، وتكاد تجذبه من ذراعه لحلبة الرقص تراقصه وتتمايل عليه لتعرّفه معنى أنوثتها وهو المنشغل عنها بالعروس الحلاوة التي تتقصع بلا موهبة ولا جمال أمامه ...
يلا يا حسن عايزه اروّح ، تهمس بصوت مخنوق وكلمات متعثرة، يلف برأسه صوبها ويحدق في عينيها، وبصوت بارد قاتل يهمس انا مش حاقوم دلوقتي لو تعبانه قوي خلي السواق يروحك ، هل ما يراه فعلا يحدث ؟؟ هل هذه دموعها تتساقط على وجنتيها ؟ هل تلك الأصوات الغريبة هي شهقاتها المكتومة بعدما أحرجها وتجاهل رغبتها ووجودها كله؟ هل تقوم فعلا وتعود لمنزلها مع السائق ؟ هل تقوم كسيرةً ذليلة وهو يعطيها ظهره ؟ هل تبقى وكأنها لم تسمعه؟ هل تبقى كسيرة ذليلة وهو يعطيها ظهره؟ ارتبكتْ لا تعرف كيف تتصرف ولا كيف ترد عليه بالمناسب من الكلمات ، انفجرتْ دموعها وارتفع نحيبها خجلا مرتبكة غضبى متوترة ...
نظر إليها لا يصدق ما يراه ، همس انتي بتعيطي يا شيري ؟؟ مش لايق عليكي الدور ده خالص ، قلت لك اتعلمي تبطلي شرب امتي ، شكلك بقي وحش قوي والناس كلها بتبص عليكي !!!
من اين أتتك تلك القسوة يا حسن ؟؟ سؤال ساذج يسأله لنفسه وهو يمزقها بكلماته كالأنصال الباردة ، سؤال ساذج يا حسن لا يليق بك ، عليك أنت أيضًا أن تكف عن الشراب وقتما تتلاعب الخمر  برأسك، ويخرج منك أحد أقنعتك المتوارية في مكان ليس مكانه ووقتٍ ليس وقته ، أفِق يا حسن ، يهمس لنفسه غاضبًا منها حانقًا عليها؛ لأنه سأل سؤالا ساذجًا في غير محله وغير مكانه ، أفِق يا حسن، مع شيرين العاهرة لا يوجد إلا القسوة، والقسوة دائمًا، القسوة وأنت تجلس معها تبعثر كرامتها ووجودها مؤكدًا لها أنك تنازلتَ ونزلتَ من عليائك ومقامك الرفيع لأنك تجالسها، وعليها أن تشكرك لأنك أتحتَ لها الاقتراب منك ومجالستك وملامستك ، القسوة وأنت تعتليها على فراشها، تمزقها بأسنانك، وترسم بأظافرك على جسدها علاماتٍ زرقاءَ، وتترك بصماتِك على رقبتها كدماتٍ سوداء، رسائلك لها في لحظة القُرب أنك أبدًا لم ولن تقترب منها  ، القسوة وأنت تُشعِرها طيلة الوقت أنها أقل منك، ولا تليق بك، وأنها فضيحتك التي تتوارى منها وبها من أعين الغرباء ، القسوة وأنت تثيرها وتتركها كحبات الذرة تتقافز على صفيح ساخن لا ترويها ولا تهديء روعَها، ولا تمنحها إلا كلماتك كالشفرات المسنونة تمزقها ، مراتٍ سألتَكَ وهي تبكي وتصرخ لماذا لا تتركني ما دمتَ تحتقرني؟ في تلك اللحظة كنتَ تهجم عليها وتمزق شفتيها بأسنانك، توجعها، وتبكيها، وتثيرها، وتعذبها، وتهمس ولماذا لا تتركينني أنتِ إذا كنتُ أعذبك؟ تعرف إجابتها ، كلبة .. أنا كلبة  لأني أحبك ، تعرف رد فِعلك ، تضحك وتضحك، وهي تبكي وتمزق شَعرها ووجهها، وهي تصرخ كلبة .. كلبة .. لأني أحبك ، تكاد تقول لها وأنا أحبكِ يا كلبة  ، لكن الكلمة لا تخرج من فمك لأنك لا تحبها، ولن تفعل أبدًا ....!
ما تزال تبكي وهي جالسةٌ مكانها حيرى، لا تعرف ما الذي يتعين عليها فِعله ، وما يزال حسن يحتسي كأس خمرِه ويتمايل مع الموسيقى، ويتابع الأفعى تتلوى على حَلَبة الرقص، وما يزال ليلُه طويلا لن ينتهي على فراشها ، ما تزال تبكي وما يزال يتجاهلها واثقًا أنها كلبة أبدًا لن تتركه، وأبدًا لن تبتعد عنه، وأبدًا لن تستغني عنه، وستبقى تحت قدميه تلعقهما وتتمنى منه الرضا والقرب اللذيْن يضن عليها بهما طيلة الوقت ، كلبة  ستبقى تحت قدمي تلعقهما وتنبح، تناديني ولن أجيبها إلا وقتما أرغب، والآن أنا لا أرغب ولن!!!
عايزه اروّح ياحسن ، روّحي يا شيري وكفايه فضايح ...! وأعطاها ظهرَه وانشغل عنها، وكأنه يجلس وحيدًا في البار الأنيق المزدحم، لكنها لم تذهب، وبقيت مقهورة لا تعرف لماذا لا تلكمه في وجهه وتمزقه بأظافرها وتلعن أباه وأهله، وتعود لمنزلها حرةً من عشقه الذي يأسرها .. كلبة  تلعق قدميه كل ليلة !!!!
هامش - شيرين
لماذا لا تحبني يا حسن؟؟ يا ابن ... لماذا لا تحبني؟؟ الخمر تتلاعب برأسي، والدموع تكتم صوتي، وغثيان رهيب يلف بي المكان، فلا أشعر برأٍسي ولا بقدمَي ، أفكاري مبعثرة متناثرة ، لا أعرف في أي شيء أفكر ، أفكار وصوَر تداهمني وتطرق رأسي وتفزعني ، متى تعرفت على حَسن ؟؟ تعرفت عليه هنا ، في تلك القاعة الكبيرة بأضوائها الشاحبة وموسيقاها الصاخبة ، كنت أجلس مع بعض المعارف ، كنت أبكي ، نعم كثيرًا ما تريني الخمر وجهَها الشرير وتستجلب دموعي ، في ذلك اليوم كنت أبكي ، كنت أرتدي ثوبًا أسودً عاريًا، وأعقف شَعري الأحمر خلف رأسي، وأرتدي حَلَقًا ماسيًا ساطعًا، وأُزيّن شفتَي المكتنزتين بروج أحمرَ ساطعٍ وأبكي ، هذه هي اللحظة التي شاهَدَني فيها حسن للمرة الأولى ، امرأة مثيرة لعوب تبكي ، تناقُضٌ استفزّه  وحرّك الصيادَ القابع في روحه ليصطادني ، الحق منذ اللحظة الأولى التي شاهدته يقترب من المنضدة التي نجلس عليها مبتسمًا وسيمًا وأنا التي قررت أن أصطاده ، كنت أبكي لسبب لا أتذكره الآن من الأسباب الكثيرة التي تبكيني ، كنت قد طُلِّقت للمرة الثالثة من الزوج المقزز الذي تزوجته زواجًا قصيرًا ، لا أتذكر اسمَه الآن زوجي الثالث ، كل ما أتذكره أنه كان مقززًا ، وعَدني بأشياءَ جميلةٍ لم يحقق منها شيئًا ، يعاملني بغلظة وسفالة طيلة الوقت ، يذكّرني كما كان يصِفني بأني بغي عاهرة، وأنه تزوجني لأنه قذر يحب العاهرات ، في البداية ضحكتُ وتصورته يداعبني بسفالة، لكني اكتشفت وبسرعة أنه لا يداعبني ولا يمزح، بل هذا رأيه الحقيقي  ، في مشاجرةٍ عاصفة ذات ليلةٍ ضربني ومزق شَعري وكاد يحطم رأٍسي وهو يصرخ أني بغي وعاهرة، وأنه تزوجني من "كباريه" امرأة رخيصة متاحة مشاع، وأنه قذر يهوى النساء الساقطات، وأني لا أمتعه في فراشه كما توقّع مني، وأني امرأة باردة رخيصة لا أجيد الحب، ولا فنون العشق، ولا غنج العاهرات، تذكرتُ اسمَه ، كان اسمه الحاج سعيد ، أحد تجار وكالة البلح وأثريائها ، تعرفتُ عليه عن طريق صديقة اكتشفتُ بعد الطلاق منه أنها قبضت عمولتَها منه وقتما أوقعتني في شِباكِه، في الليلة الأولى التي شاهدتُ فيها حسن كنت أبكي لأن هذا الحاج سعيد طلَّقَني وصرت مُطلّقة بالثلاثة ، كان الرجال على المنضدة يضحكون ساخرين من حزني ومن أن الطلاق الأول مثل الطلاق العاشر، وأن خيرها في غيرها ، أعرف معنى قهقهات ضحكهم ، يَسخرون مني ويرونني مثلما كان يراني الحاج سعيد ، امرأة ساقطة ، لم أكن امرأة ساقطة إلا بسببكم جميعًا أيها السفَلة المُنحطين ، بسبب زوجي الأول والثاني والثالث ، بسبب أمي وزوجِها ، بسببكم جميعًا صرت ساقطة !!!
ولأني ساقطة، ولأن حظي أسود جلستُ في تلك الليلة السوداء أبكي حظي ونصيبي وما عشته ، في تلك الليلة قابلت حسن وصار  ما صار .....الصداع يفتك برأسي، والخمر تتلاعب بوعيي، والغثيان يقلب معدتي، وكل ما أريده أن نام !!! لماذا لا تحبني يا حسن؟؟ سؤال لا أجد له إجابة الآن بالذات !!!
( 32 )
" مَن أنت؟؟ "
على حافة البحيرة، وقبل الغروب، وعلى ذات المنضدة التي أحبتها جدتي ، جلستُ احتسي قهوتي المُرة  ، أحدق في الأفق البعيد  ـ وحيدًا تعيسًا ـ صوتها الغاضب المهزوم يحاصرني ، مَن أنت يا حسن ؟؟ عتابها المرير يلاحقني ، مَن أنت ؟؟ أنا حَسن يا بشرى ، حسن مين ؟؟ السؤال الأول صعب يا حبيبتي ، والسؤال الثاني أصعب ، أتعثر في الكلمات والشرح ، تنصت مرتابة لا تصدقني ، إجاباتي المرتبكة لا تطمئنها ، ترحل وتتركني وحيدًا تعيسًا علّني أعثر على الإجابات الحقيقية فأطمئن وأطمئنها ، مَن أنت ؟؟ أنا الذي عاش لا يعرفني حتى سألتِني مَن أنت !!! وكأن جدتي جلست على المقعد المقابل لي وطلبتْ قهوتَها وصمتت طويلا وهي تحدق في عينَي المتعبتيْن ، وكأنها همست ، كثير النط قليل الصيد يا حسن !!!
أفتحُ عينَي وكأني غفوت مكاني ، أفتح عينَي أبحث عنها، لكن المكان خاوٍ إلا مِني وبقايا قرص الشمس، وبرودة الليل الآتي، وصوتها اللائم يهمس ويهمس ، كثير النط قليل الصيد و..... وما زلت أحدق في البحيرة، وصوت الحاجّة منصفة يطن في أُذني ..!
هامش - الحاجّة منصفة
وكأنها تجلس على المقعد الخشبي أمامه، كأنها تراه وتفهم عذابه، كأنها تسكن قلبه الممزق بالصد ، كأنها ستمسح دموعه التي لو أطلق أسرها لانهمرت ، كأنها تشاركه وحدتَه وتعاسته ، كأنها تحتله وتحتويه وتعرف ما يدور في عقله وقلبه، كأنها تنتحب وتبكي حزنًا لحاله وشفقةً عليه، وصراع متوحش ينهش روحَه ووجوده ، يا مُرّك يا حسن ، نصيبك حتشوفه وحظك حيجري وراك ، لو الفرحه من نصيبك حتيجي لغايه عندك ، ولو مش من نصيبك ولا ميت دعا يديك اللي مش لك ، ربنا يهوّن عليك يا حسن ربنا يهوّن عليك ..!!
وتغادر خياله وتتركه وحيدًا أمام البحيرة يخفي عنها وعن الكون كله دمعة صغيرة انسلّت من عينيه ومكتوب عليها اسمها  (بشرى) ....!
( 33 )
" وَنَس "
  وصارت سنوية الرحيل مثلما تخطط لها، ذهبنا للمقابر  واستقبلنا المُعزين، وختمنا القرأن، ودعونا لرحيم، وبكينا من قلوبنا نفتقده، وأتى حَسن يواسينا ويقاسمنا حزننا ويشاركنا فجيعتنا و........ تبدّل حزني وَنَسًا، وتلاشت الكلمات الباردة التي أعددتها، ومحوت من ذاكرتي كل أسىً وقتما تلاقت العيون بالعيون و..... كُلي يقين ستبدأ الحكاية التي طالما حلمتُ بها  وستتحرر روحي من خوفها للأبد..!
هامش - حسن
وحشتيني قوي على فكرة ، لم أقُل شيئًا آخر ، اقتنصتُ لحظة مناسبة وسط الصخب والضجيج والحزن ، وهمستُ وحشتيني قوي على فكرة ، وسطعتْ عيناها بالرد الذي كنت أنتظره واثقًا أني سأجده لديها منتظرًا مني خطوتي الأولى ... وحشتيني قوي علي فكرة ، هذا ما قلته ،  كل شيء آخر كنت أفكر فيه وأنتويه لها ومعها نسيتُه منذ فتحتْ لي باب بيتها بثوبها الأسود الأنيق، وفي عينيها نظرة لومٍ  ولهفة ، هي نظرةٌ واحدة فقط كنت أحتاجها، ومنحتها لي بمنتهى العفوية، فكان بيننا ما يجب أن يكون ..!
( 34 )
" آلو .. مين معايا ؟؟؟ "
سأتصِل بأمِّه ، رقية هانم ، ربما تعرف شيئَا لا أعرفه ، سِره معها ، يزورها كثيرًا متحججًا بمرضها ، يبقى معها ساعاتٍ طويلة  يتحدثان أحاديثَ غريبةً غامضة لا يفهمها سواهما ، رقية هانم الكشميري التي ذهب الألزاهيمر بعقلها واتزانها ، تعود طفلةً صغيرة أحيانًا، وتتحول لعجوز خرِفةٍ أحيانًا أخرى ، حاولتُ أن أجامله وأرعاها بعض الوقت لكني عجزت ، جنونها، عصبيتها، صراخها، كلامها الغامض، بكاؤها الدائم، انفجاراتها المفاجئة، كل هذا أعجزني ، اعتذرتُ له ، ابتسمَ ببرود وقال لي لم أطلب منك شيئًا ، يزورها كل يوم ويقضي معها كل الوقت الذي يستطيع منحه لها ، تشاجرتُ معه لأنه يهملني ويهمِل منة الله ، سخِر منها ومِني، قسوتي عليها وهي المريضة قليلة الحيلة، وخاصمني وتجاهلني وظل على عهده معها وزياراته الدائمة لها، والوقت الطويل الذي يمنحه لها ، سأتصل بها ، ربما مَر عليه قبل رحيله، ربما أخبرَها سِره وستخبرني به، لا تعرف هي بسبب مرضها أنه سِر يتعين عليها كتمانه عني ...
آلو ازيك يا طنط وحشتيني ، انا مايسة ، ازيك يا طنط  ، صوتها رتيب، وردودها بطيئة، ولا تبدو أنها تخفي شيئًا، منة كويسة يا حبيبتي ؟؟ بقولك ياطنط هو حسن عندك ؟؟ لا طبعا ، وبسرعه سألتها رقية ، هو حسن فين يا مايسة ؟؟ ارتبكت مايسة ، والله ما اعرف يا طنط ، نزل امبارح الصبح ومن ساعتها ما اتصلش بيا ومش عارفه عنه حاجه ، صرخت رقية في التليفون ، من امبارح ماتعرفيش عنه حاجه ، وبتكلميني النهارده ؟؟ ارتبكت مايسة ، هو اتصل بحضرتك من امبارح يا طنط؟ تصرخ رقية ، لا ، بقالي كذا يوم ماسمعتش منه وكنت ناويه اتخانق معاه اول مايجيي ، هو فين يا مايسة ليكون جرا له حاجه ، يا حبيبي يا ابني ؟؟ ارتبكت مايسة أكثر وأكثر ، لا لا ان شاء الله خير ، تقاطعها رقية، خير ازاي يا مايسة يعني؟ هو  فين ؟؟ والله ما اعرف يا طنط ..!
أدركت مايسة الخطأ الكبير الذي ارتكبته، ولامت نفسها لتصرّفها الأرعن وقت أن قررت أنت تسأل عجوزًا خرِفة مريضة عن ابنِها الغائب ، حاولت تطمئِنها ، ما تقلقيش يا طنط والله هو كويس !!!
صمتٌ طال أَربَك مايسة ، آلو ، آلو يا طنط ، أتاها صوت رقية هاديء رتيب ، آلو  ، مين معايا  ؟؟  ارتبكت مايسة أكثر وأكثر ، انا مايسة يا طنط ، بصوت حانٍ فرِح رحبت بها رقية ، اهلا اهلا ازيك يا مايسة وحشتيني يا حبيبتي ومنة كمان ، طمنيني عليكم ، منة حلوة ؟؟ آه يا طنط ، طيب وحسن كويس؟؟ ابتسمت مايسة رغمَا عنها  ، آه كويس يا طنط ، تضحك رقية ، خلي بالك منه ده حبيب قلبي ، حاضر يا طنط ..
صوت عصبي يأتيها فجأة ، آلو مين معايا ؟ مش حتبطلوا قله أدب ومعاكسات ، آلو آلو ، مين معايا؟ و....... أنهت مايسة المكالمة، وأغلقت التليفون، وانفجرت في البكاء، يا حرام يا طنط!  
ويزداد القفص الضيق ضيقًا، وتزداد ارتباكًا وعجزًا ووحدةً ورعبًا،  يا ترى انت فين يا حسن ؟؟؟؟
هامش -  رقية
في زيارته الأخيرة التي لا أعرف متى كانت ، همستُ له وهو في حضني يواسيني غيابَ عقلي وخرفي وشيخوختي المهينة ، لم تفهمني أبدًا يا حسن ، ولم تفهم سر بكائي ودموعي الهادرة ، لا يُبكِي قلبَ المرأة يا ابني إلا عشقها لرجلٍ لا يراها ولا يقدّر حبها ومشاعرها ، كنت أعشق أباك، وهو أبدًا لم يحبني ، كنت زوجته والإطار الاجتماعي البارد الذي يحرص عليه ، لكن قلبه كان موصدًا لم ينبض أبدا باسمي ، كنت أعشقه وكان لا يقدّر حبي، وكان يستهين بي وبمشاعري ، كنت أعشقه وكان يستخف بي وبقلبي ، حاولت كثيرًا أن أشرح له ما أعانيه وأن أجذبه لحضني وأُسمِعه قلبي نابضًا بحبه واسمه فيعاند ويكابر ويبتعد خائفًا من العشق والحب وضعف القلوب، كان يسخَر مني بمنتهى البلادة والتجبر، ويتهمني بالأنانية والرغبة المريضة بالاستحواذ عليه وخنقِه بمشاعري ودموعي ، لا يُبكِي الحبيبةَ يا ابني إلا صد الحبيب ..!
يتصورني حسن أهذي، ويتصور وجعي الذي أقصُّه عليه خرفًا يسكبه وهن عقلي في أذنيه هراءً لا معنى له ، أقبض عليه بذراعي بقوة وأُبقيه في حضني ونسًا وطمأنينة لروحي المشتتة، وأشرح وأزيد ، ربما يا حسن لن تفهم ما أقوله الآن ، لكنك ستفهم يومًا هولَ ما عانيتً منه ومن وجعه، وكيف دهس أبوك قلبي كل يوم، وكيف قتله فتروي دموع ليلي بذرة حبّه لتثمر في الصباح قلبًا جديدًا يعشقه ويحبه، ويتحطم راضيًا كل يوم تحت قدميه ...!
يلوّح لي مودعًا فأصرخ ، ستفهم يومًا ، ستفهم يومًا ، وكُلي ثقة أنه سيفهم يومًا كل ما قلتُه له وشرحته ، هو ابني، وجزءٌ من روحي ، وكُلي ثقةٌ أن بعض حناني ورِقة قلبي يسكنه ولو لم يدرِ،  وخلي بالك من نفسك يا حسن يا حبيبي ...!
 ( 35 )
" انتي كويسة ؟؟ "
اتصلتُ به ، مساء الخير يا حسن أنا بشرى ، ينتفض وكأنه لا يصدق ، يسألني بقلق ، انتي كويسة ؟؟ أطمئنه ،آه بس كنت عايزه اتكلم معاك ، يضحك ، يا ريت !!!! ونتفق أنه سيمُر علىّ غدًا في الحاديةَ عشرةَ بعدما ينتهي من عمله ، أؤكد عليه حاستناك نتعشى سوا ، يضحك بصوت فرح ، اتفقنا ...
ثلاثة أيام مرت بعد سنوية رحيم ، يومَها تأكدت أن القدر يربط بيني وبين حسن ، وأني لا أقوى على نسيانه، وأنه أبدًا لم ينسَني، لكن الطمأنينة التي شعرت بها والفرحة تبدلت خوفًا وتوترًا ، كيف سيربط بينا القدر وسط كل الظروف المعقدة التي نعيشها؟ وقررت أن أتصل به لنتكلم ، كيف يرى ما بيننا ؟ أقصد ما سيكون بيننا؟!!! فكرت أن أنتظره حتى يتقدم صوبي خطوة أكثر وضوحًا ، لكني فجأة تمردتُ على دور المفعول به قليلِ الحيلة المنتظِر  و..... ها هو غدًا لناظره قريب !!!
هامش  - حسن
اعتذرتُ لشيرين عن ميعادنا غدًا ، تشاجرتْ معي لأني دائمًا لا أحترم مواعيدي معها ، سخِرتُ منها ولعنت أباها لأنها نسيت نفسها ، ورايا عمليه مهمه .. هو انا مايسة حتسرح بيها ، تمنيتُ لو أنها أمامي لألطمها على وجهها هذه الساقطة ، كيف تتجرأ وتتحدث معي بتلك الندية؟ هو انتي سكرانه يا شيرين ، سكرانه الصبح كده ؟؟ ولعنتُ أبأها وأهلَها كلهم هذه المرة وأغلقت الخط في وجهها و....... تمنيتُ لو أنهي علاقتي بها ، شيرين يا حسن لا تليق بك ولا لك !!!
انتابَني الفزع فجأة، أحسستُ وكأن بشرى تتلصص علىّ في عيادتي وتخبيء عينيها خلف الجدران، وتعرف عني كل شيء، وأنها حين سنتقابل غدًا ستطردني من بيتها وتسبّني لأني كاذبٌ مراوِغ منحَط أتلاعب بمشاعرها مثلما تلاعبت بمايسة وشيرين وغيرها كثيرات ، انفجرتُ ضاحكًا ، أنت جُننتَ يا حسن ، بشرى في بيتها لا تعرف شيئًا، ولن تعرف شيئًا ، تمالكت نفسي خجلا من رعونتي وظنوني الحمقاء ، اتصلت بشيرين أُراضيها ، يا شيرين مش فاضي والله ، بعد بكره اكيد حاشوفك ، وهمستُ ، وحياتك!! أنهيتُ المكالمة راضيًا عن نفسي ، لا أرغب في أن أقطع علاقتي بها ، امرأة ساقطة  أعرف، لكنها مثيرة وبضة وتقدِّم لي متعة لا تقدمها الأُخريات !!!!
و.... الولد يقُش !!!
( 36 )
"ما تعيطش يا حسن "
أجلِس في الصف الأول ، والمعلم يمسك عصاه ويشير لبعض العبارات المكتوبة على اللوح الأسود الكبير المعلق في صدر الفصل ، أتابعه ولا أفهم ما يقوله ، هل هذه حصة قراءةٍ أم حصة حساب؟ المعلم يعطينا ظهره وصوته خافت لا نسمعه جيدًا ، أسأل  زميلي بجواري ، فاهِم حاجه ؟؟ يهز رأسه نفيًا..
يلتفت المعلم فجأة ويحدق بعينيه الواسعتين المخيفتين في عيني ويسألني غاضبًا بتتكلم ليه ؟؟ أصرخ فزعًا ، هذا ليس المعلم ، هذا أبي الدكتور سليمان الوهيب ، ما الذي أتى به للمدرسة؟ وما الذي أدخَلَه الفصل وأجلسه على مكتب المعلم ومنحه عصاه الطويلة؟ التفِتُ حولي لا أجد زملائي ولا أجد الفصل ، الدكة الخشبية التي أجلس عليها تتأرجح على أرض الحديقة، وذرات التراب الخشِن تتبعثر تحت قوائمها ، أرى السراية الكبيرة وألمح جدتي تجلس في الشرفة، أصرخ لأناديها، لكن صوتي لا يخرج من حلقي ، يشير أبي للوح الأسود ويشرح ، أنت كبِرتَ يا حسن وصرت رجلا ، وشَتْ بي جدتي وأخبرته بالعصفورة التي زارتني في الحلم ، سألتني جدتي عن الحلم وخجلتُ أن أحكي لها ، فرحتْ بخجلي وهنأتني ، كبرت يا حسن وبقيت راجل ..!
ها هو أبي أيضًا يبدأ الدرسَ بذات الكلمات فخورًا متباهيًا ، انت كبرت يا حسن وبقيت راجل ، سألته ، هي ماما بتعيط ليه ؟؟ ضحك وقال لا تشغل بالك بأمك ودموعها ، هي عايزه تمشّي الدنيا على كيفها وده عمره ما حيحصل ، أشار  لي لأصمت وأنصت لشرحه للحياة والدنيا التي يجب أن تسير مثلما تسير فعلا، لا دموع امك ولا غيرها من النساء ستغير الدنيا ولا حالها ولا نظامها  فاهم يا حسن ؟؟
مش فاهم؟ حافهمك يا حسن بس ركز معايا !!  يشرح ويشرح ، يلقي بأوراق اللعب أمامي، ويعلّمني طريقته البارعة في التقاط الكروت التي تَلزمني ، البنت الحمرا ، البنت السوده ، البنت الحمرا ، البنت السوده ، أراقبه بانتباهٍ وحرص ، انت كبرت يا حسن وبقيت راجل ، فهمت ؟؟ أراجِع تفاصيل الدرس وكروت اللعب والبنات اللاتي أحتجِزهن بين أصابعي ، همّا أربع كروت ، مافيش كوتشينه فيها بنت واحده ، سألته لكن كل كوتشينه فيها اربع اولاد؟ مالكش دعوه بيهم ، المهم الاربع بنات يا حسن !!! ضربني بطرف عصاه على أطراف أصابعي، أوجعني ، بكيت ، ما تعيطش يا حسن ، مافيش راجل بيعيط ، وانت كبرت وبقيت راجل ، الاربع اولاد اللي في الكوتشينه محطوطين علشان تنتصر عليهم وتاخد منهم الاربع بنات ، الاربعة كلهم ، طبعا ولو واحد منهم خد اي كرت منك يبقي انتصر عليك ومافيش لسه راجل انتصر على رجال عائله الوهيب ، فاهم ياحسن ؟؟؟
هي ماما بتعيط ليه ؟؟ علشان غبيه وعبيطه ، فاهمه انها تقدر تبوظ دور الكوتشينه وتقعدني جنبها اسمع كلامها الفارغ ، اسمع يا حسن ، اوعي تسلم ودنك لامك ولا لأي واحده ، الدنيا نظامها انك تتكلم وهمّا يسمعوا ، انك تؤمر وهمّا يطيعوا ، انهم يجروا وراك وانت ماتجريش ورا حد ، الدنيا نظامها انك تسحب كروت البنات من الكوتشينه وتنتصر على الاربع ولاد وتفضل دايما الفايز  ، فاهم يا حسن !!! يسألني بصوت مخيف وإلحاح، وطرف عصاه يكسر أصابعي بضربات متلاحقة كي لا أنسى أبدًا الدرس ولا أنسى أني كبرت وبقيت راجل و...... فاهم يا حسن ؟؟؟؟
وأستيقِظ من النوم فزعًا، ودموع كمثل دموع رقية الكشميري تنهمر على وجهي مطرًا، على فراش جدي وفي عباءته أبكي ، يا لها من فضيحةٍ مدوية لعائلة الوهيب التي يبكي ابنُها فينكس رايتها ويهزمها ويشمّت فيها الأعادي ...!!
أبي يطاردني في الحلم، ويكرر علىّ درسَه اللعين الذي أَفسَد حياتي ، لو كنتَ حيًا يا دكتور سليمان لقصصتُ عليك حكاية بشرى الجميلة الذكية الحنون ، لو كنتَ مكاني لناديتَها، ورجوتَها، وألححتَ عليها، وطاردتَها، ورفعت رايتك البيضاء أمام جمالها وذكائها وحنانها ودفئها، لو كنتَ مكاني لكنتُ لعنتُك بقدر ما ألعنك، ولتبرأتُ منك بقدر ما أتبرأ منك، ولكنت محوت درسك مثلما محوته، وحاولت تصلح ما أفسدته في الحياة، وبحثت عنها حتى تعثر عليها، وتلقي كل الكروت من يدك تحت حذائها ، كنت قبضت على يدها وقلبها لتصالحك على نفسك وعلى الحياة ..
وما تزال دموعي كمثل دموع رقية الكشميري تنهمر على فراش رضا الوهيب، وعظام عائلة الوهيب في مقابرهم تتقلب على جمر النار؛ لأن حسن لا طلع راجل ولا من ضهر راجل !!!
 ( 37 )
             " انت ندل يا حسن !!!"           
ضربَ بابَ غرفتي في العيادة المكتظة بالمَرضَى بقدمِه، ودخل غاضبًا عنيفًا، جلس أمامي على المكتب وأشعل سيجارَه ونفث دخانَه في وجهي، وهمس بصوت خفيض مرتعش ، انت ندل يا حسن ، ندل جدا!!!
حدقتُ في وجهه لا أصدق ما أراه ولا ما أسمعه ، انت ندل يا حسن ، ندل ووسخ كمان!! رحيم مات منذ عامٍ وأكثر  ، وطبعًا لم يدخل علىّ غرفتي، ولا اقتحمَ العيادة، ولا ترك المَرضَى ينتظرون مقابلتي وهو يتشاجر معي بصوته العالي ، كل هذا لا يحدث في الحقيقة ، إنه مجرد كابوس جديد أعيشه مثل مئات بل ألوف الكوابيس التي أعيشها كل ليلة تُسمِّم حياتي ليلَ نهار ..
ما يزال جالسًا أمامي على المكتب ودخان سيجارِه يملأ الحجرة وأنفي ، أتمنى لو أقف بجواره وأربت على كتفه ، أتمنى لو آخذه في حضني ، لكني واثق أني لو تحركت من مكاني لن أجده ، سأجد مقعدًا شاغرًا لا أحد يجلس عليه إلا جنون كوابيسي ، أبقَى مكاني وعلى وجهي بعض الطيبة التي يعرفها رحيم، وبعض الصدق الذي لا يصدقه ، أهمس ، الله يرحمك يا رحيم ، عام وأكثر مَر على غيابك، وحزن فراقك لا يغادرني ، أراك تهمس كاذبٌ .. كاذبٌ، ووجهك محتقِن يكاد ينفجر من شدة الغضب ، لست كاذبًا واللهِ ، ربما مُبالِغ بعض الشيء ، الحق أن حزن فراقك يأتيني بعض الوقت ، بعدما أُنهي عملياتي والكشف على مرضاي، وبعد الخروج مع فاطمة، والسهر مع شيرين، وقبلما أعود لمايسة، وبعدما أفرَغ من معاكسة نبيلة، وأعِد كريمة ببعض الاهتمام الذي يُفقِدها صوابها ، بعد كل هذا ، يأتيني الحزن على فراقك ، لِمَ أراك مبتسمًا ساخرًا ؟؟ أنت صديقي يا رحيم، وأنا أبدًا لم أكذب عليك ، أسمعك تَسخر مني ومن نسائي، ومن هارون الرشيد الذي ألعب دورًه، ومن الضحايا اللاتي أُكدّسهن في قبو رجولتي المغرورة ، ألم تقُل لي كل هذا من قبل وكنتُ أضحك وكنتَ تضحك؟ الله يرحمك يا رحيم ، أوجعني رحيلك ، هذه المرة أنا صادق بحق ، أوجعني رحيلك وأنت واثق من هذا، وأوجعني وقوفي في سرادق عزائك أتلقى المواساة والكلماتِ الباردة ، كل هذا أوجعني بحق ..
أحدق في المقعد الشاغر أمامي، وأتأكد من أن رحيم لا يجلس أمامي، وأني أجلس وحيدًا في غرفتي وصوت "ماريا كالاس" يصدح ويصرخ ويغني ، أتأكد من أن الكابوس المخيف أنقذني من وجودِه وأَذهَبَه من نعاسي مثلما رحل به عن دنيانا ، أُحدق في المقعد الشاغر وأهمس ، كل شيء أوجعني في سرادق عزائك يا رحيم ، فقط هي التي هوّنت علىّ الحزن والوجع، أبتسِم مجنونًا وأنا أحدق في المقعد الخالي وأهمس وكأن طيفَه يحتل الغرفة، ويخفي ملامحه عني، لا أحدثك يا رحيم ولا أتمنى أن تسمع كلماتي ، أنت رحلتَ وأنا ما زلت موجودًا، وهي ما تزال موجودة، حزينة، وحيدة تحتاجني وتحتاج مواساتي وحناني ورقه قلبي ، وغدًا سأتناول العشاء معها وأُنصِت لها، وأخبرها بإعجابي وغرامي وحبي ، لا أخاطبك يا رحيم، ولا أشرح لك مشاعري، ولن أشرح لك شيئًا ، فلتذهب من خيالي ولتخرج من غرفتي ومن كابوسي ولتتركني في حالي ، اذهبْ يا رحيم واتركني، ولا تلُمني ولا تتهمني أني أنتهِك حُرمة بيتِك ، لقد رحلتَ يا رحيم، ولم تعد هي زوجتك، صارت جميلةً وحيدةً تستحق المواساة، ومَن أكثرُ مني يمتلك أن يواسيها ويهوّن عليها وجعها ؟؟؟
كنتُ أُتمتِم بمشاعري وأحاديثي، وأفكر فيها وأتمنى أُذهِب عنها الحزنَ والوجع، وأحتويها بحناني ومشاعري وعطفي ، لكنه فجأة قبضَ على كتفي بذراعيه القويتين ، قبض على كتفي وكأنه سيخلعني من الأرض ويلقي بي من نافذة العيادة للشارع ، هكذا أحسست ، الكابوس ما يزال يسحقني بكل مشاعرة الموحِشة، وأنا نائم عاجز قليل الحيلة، لا أملك منه فرارًا ولا فكاكًا ، يقبض على كتفي ويصرخ فيّ بصوتٍ عالٍ غاضب منفعل ، انت ندل ووسخ وابن كلب يا حسن ، ولا انت صاحبي ولا عمرك كنت ، ولا عايز اشوفك تاني ولا اسمع عنك ، يلومني ويعاتبني، يتهمني أني لم أَصُن العِشرة والصداقة، ولم أحافظ عليها، وأراه مندفعًا وكأنه سيلكمني بقبضة يده ليكسر فكي وأسناني ، وأبتعِد خطوات للخلف وأتعثر وأسقط فوق رأس المقعد الفاخر، ومطفأة السجائر، والأوراق ...... أستيقظُ من النوم لا أعرف أين أنا!! أفتح عينَي فزعًا ، أتحسس رأٍسي التي حطم جمجمتَها المقعدُ الفاخر، وأسمع صوت أنفاسي عنيفًا عاليًا و...... أتحسس مكاني وأنتبِه أكثر وأكثر ، على فراش جَدي في سرايته العتيقة جسدي وعقلي الباطن يصارعان الكوابيس ، أفتح عينَي أكثر وأكثر ، هذا ليس إلا كابوسًا، وهذه ليست إلا ليلةً سوداء مثل ليالٍ كثيرة تحاصرني فيها الكوابيس ، أفتح عينَي أكثر وأكثر ، الجدران المشققة تحاصرني، والسقف العالي وكأنه سيلقي أحجاره فوق رأسي، و.... أنا وفراش جدي والكوابيس و....... أخرج للشرفة أبحث عن نسمة هواءٍ طازجة بعيدًا عن الهواء المسمّم المحتجَز منذ عقودٍ بين الجدران و..... أراه ساطعًا في السماء ينير الحديقة والشرفة ، أراه ساطعًا في السماء يربت على روحي ويبدد خوفها و.... هذا ليس قمرًا في ليلة تمامِه ، هي ابتسامتها الحنون التي طال شوقي لها ، هي ابتسامتها الحنون تنير الليل وحياتي كلها ، آه يا بشرى ليتك تصفحين عني !!!!
وأحتضِن نفسي بذراعي، وأتدثر بشال جدي الصوفي العتيق، وأقضي بقية ساعات الليل أحدق في عينيها الساطعتين في الليل قمرًا، وأتمنى لو تسمعني وتَصفح عني !!!! ليتك يا بشرى تصفحين عني .. ليتك!!!! 
هامش -  الحاجّة منصفة
نهرتني جَدتي غضبَى ، لماذا تجلس في هذه الساعة من الليل وحيدًا في الشرفة؟ بغضب أكثر همستْ ، ليه مابتسمعش كلامي يا حسن؟ سحبتني برقة من كفي لفراشها وحضنِها ، أحاطتني بطيبة قلبها وحنانها ، أمرتني أن أسلمها روحي وقلبي وجروحي، وهي تعرف علّتي ودوائي ، وما فيش صعب على ربنا يا حسن ، قالت إن النصيب غلاب، والوجع على قد الغلاوة، واللي مايتعذبش في عشقه لاعِشِق ولا اتعشق، وبتبقي فورة وتخلص وتتنسي ، تتمتِم بالآيات المُنجيات، وتدعو لي براحة البال وهدوء السر ، أُنصِت لها بانتباهٍ وكأن كلماتِها تنزلق لعروقي حباب عقيق تزيل الحزن والضيق ، ما زلت في حضنها تطمئِنني نغمات قلبها الحنون ، همستْ تعاتبني لو أنك أتيتَ مبكرًا بعض الوقت يا حسن وأنا في صحتي ، لخبزت لك فطيرًا بالعسل يقوي القلب، ويهوّن الوجع، ويصالح العاشق على معشوقه، لصنعت لك مربّى من ورد المحبة الأحمر، تصرِف الأشباح، وتفك الأعمال، وترتق الأرواح المعذبة بخيط الوداد ، لطهوتُ لك سنابل قمح ذهبية وألقمتُها لك ترياقًا للسمّ وعلاجًا للهمّ ، لأمليتُ عليك خطابًا تكتبه بدمع قلبك وأرسلتُه بنفسي لحبيبتك وصالحتها عليك، وشرحت لها حالتك، وقلت لها إنه أَدرَك خطيئته ويرجو الصفح والمحبة، وهو صادق ويستحقها، لكنك يا حسن تأتي دائمًا بعدما يمر الوقت  ، أنتفِض مرتاعًا ، يعني مافيش امل يا جدتي؟ تهمس ، الغاليه للغالي اللي يقدر على مهرها ويقدرها وهي تستحق شوف بقي حتراضيها ازاي ، وتصمت ... ازاي ، اراضيها ازاي يا جدتي ، ازاي ؟؟؟؟
وما تزال الحاجّة منصفة صامتة، وما يزال حسن في نعاسه ويقظته يبحث عن إجابة السؤال الصعب ، ازاي ، اراضيها ازاي؟
( 38 )
" انتي بتعيطي يا مايسة ؟؟ "
قبلَ أن يمُر عام على زواجنا، وفي ليلة باردةٍ سخيفة علمّني حَسن الدرسَ الأصعب، والذي لم أنسَه أبدًا ، علَّمني درسه القاسي بدموع عيني، وخصامه الطويل، واعتذاراتي المتلاحقة التي لم يَقبلها طويلا ، كانت ليلة فارقة لم أنسًها أبدًا !!!
يومَها ، عاد حَسن من عمله مرهقًا ، فلمح دموعي التي كنت أواريها عنه ، سألني وكأنه لا يصدق عينيه ، انتي بتعيطي يا مايسة ، مالك ؟؟ ولا حاجه .. بغضب أكثر كررَ سؤاله ، ما لك يا مايسة؟ فيه ايه؟ بتعيطي ليه؟؟ صارحته بالتليفونات التي تلاحقني، والنسوة اللاتي ينبِّهنني ويحذرنني من زوجي اللعوب وعلاقاته النسائية الكثيرة، و "شوفيه بيسهر فين كل ليلة ؟؟ " وايه طيب ؟؟ بتعيطي ليه ؟؟ همست خجلى حيرى ، مش عارفة، طيب قومي البسي. . بصوتٍ آمِر ولهجة حاسمة ، قومي البسي يا مايسة خليني اوريكي انا باسهر فين ، خلاص يا حسن ، بصوت أعلى مخيف ، قومي البسي يا مايسة!!!!
ونزلنا بعد منتصف الليل ، قادَ السيارة صامتًا صوبَ المستشفى ، كان غاضبًا حزينًا لأني أشُك فيه، وهذا آخر ما توقعه مني، وما لن يَقبله أبدا ، ودخلنا المستشفى في ذلك الوقت المتأخر فانقلب حالها ، هرعَ خلفَه النواب والحكيمات ، أشار إليّ ، المَدام ، وشرح لهم أننا كنا في السينما وقبل أن نعود للمنزل قلبُه وخَزَه على حال مريضٍ فقرر أن يأتي ليطمئن عليه ، شكره المريض بصوته الواهن، وشكرته زوجته وأخذت تدعو له ربنا يبارك له ويسعده ويحفظ له الهانم ، شعرتُ زهوًا بزوجي الجميل، وخجلا من نفسي وشكوكي، وغضبًا على الحاقدات الساقطات اللاتي لا يكففن عن محاولة هدم منزلي، وسرقة زوجي، وإفساد حياتي ..
خرجنا من المستشفة وأنا خجلَى أتعثر في خطواتي خلفَه، وهو يسير أمامي بخطوته السريعة الراسخة ، عُدنا للبيت ونحن صامتان ، أقصد هو صامت وأنا أعتذِر له، وأكرر اعتذاري، وهو لا يرد علىّ .. وخاصَمني حَسن أسبوعًا عقابًا لي على عدم ثقتي فيه ، خاصمَني بعد أن حذرني أنه هذه المرة سيكتفي بخصامي، أمّا لو تكرر الأمر فسيكون له معي شأنٌ آخر ، حذرني بصوت مخيف غاضب من غبائي وشكوكي وعدم احترامه ، حذرني من غضبه، وتركَ فراشي وحضني ونام في الصالة، وقاطعني فلم يتحدث معي ولا كلمة واحدة طيلة الأسبوع، وأنا لا أكُف عن الاعتذار له ، وهو أبدًا لا يَقبل اعتذاري، حتي ظننتُ أنه سيخاصمني العمرَ كله ...!
مِن ليلتها تعلّمت ألا أشك فيه، وألا ألاحِقه بغيرتي، وألا أعطي أذُني للحاقدات اللاتي يحاولن إفساد حياتي حسدًا وحقدًا لأني أنا التي تزوجت الدكتور حسن الوهيب الذي طالما طاردته النساء، ولم يحِب غيري فتزوجني أنا وتركَهن جميعًا يحترقن بالغيرة والغِل !!!
هامش -  رقية
اسمعيني بس يا مايسة، اسمعيني كويس ، لا تبكي أمامه، ولا تخفي دموعك عنه، ستكشفك عيناكِ الحمراوان ووجنتاك المحتقنتان ونظراتك الزائغة ، وسيغضب منكِ ويتشاجر معكِ، ويكرهك وينصرف عنكِ ولن يعود ، تعلّمي مني ما تعلمتُه بعدما مَر العمر والوقت المناسب، ولم يعُد للدرس جدوى ، كنت أبكي حبًا له فكرهني ودموعي ، كنت أبكي غيرةً عليه ففتحت له دموعي بابَ البيت فخرجَ للساقطات ولم يعُد ، كنت أبكي شكًا فيه فتجرأ علىّ وصرخ في وجهي أنه حرٌ يفعل ما يشاء ، كنت أبكي حزنًا على نفسي فأحزنني صدُّه وهجرُه لي أكثر وأكثر ، لا تبكي أمامَه ولا تخفي دموعك عنه ، كلما اشتقتِ له ارسمي على وجهك ابتسامةً جميلة ليسعد برؤيتكِ ، كلما شككتِ فيه اكتمي شكوكك وافتحي له الباب بثقة وكأنك لا تشكّين فيه، سيخجل من نفسه ويعود لكِ ، كلما غرتِ عليه تذكري أنه مهما عبثَ خارج منزلك وخارج حضنِك سيعود في نهاية اليوم لكِ أنتِ، وعليكِ أن تحافظي عليه فلا تخرجيه من حياتك بحزنك ودموعك فلا يعود ..!
حَسن مثل أبيه سيتعِب قلبك ، لا تكوني مثلي فتنفّريه منكِ للأبد ، تحمّلي هفواتِه ونزواته وأخطاءَه ، في النهاية ومهما دارَ ولفّ فلن يجد إلا حضنكِ ليستريح فيه ويطمئن له ، الرجال يا حبيبتي لايحترمون الساقطاتِ اللاتي يقضون معهن الوقت ، يحترموننا نحن الزوجات المصونات ، لا تنفّريه من احترامك، ولا تُلقي به في حضن الساقطات بسهولة، وتحمّلي وِزرَه طيلة العمر لأنك أنتِ التي لم تحافِظ عليه !!!
كل هذا تمنيت أن أنصح به خطيبة ابني قبل أن يتزوجها ، لكني خجلتُ أن تسألني ولِمَ كنتِ تبكين أنتِ؟ وما هو سبب بكائك؟؟ خجلتُ من سؤالها الذي لم تسأله فصمتُّ، وتركتها تواجه قدَرَها مع ابني علّ حظها يكون أسعد مِن حظي، وعلّ ابني يكون أكثر إخلاصًا من أبيه!!!
( 39 )
" عايز إيه يا حسن " 
قدمتْ لي القهوة، وقالت إن العشاء سيكون جاهزًا بعد نصف ساعه، كانت مليحة وذكية ومشرقة، عيناها تسطعان بوهج أعرف معناه ، نفس الوهج الذي سطع في عينَي وأنا أصعد سلّم البناية التي تعيش فيها ، وهج الدفء الحاني ، وهج الوصل والوداد ، وهج ما نعيشه معًا الآن في لقائنا الذي تأخّر كثيرَا ، قلت لها لا أرغب في الطعام الآن ، أمسكتُ ذراعها وطلبتُ منها بلهجةٍ حانية رقيقه أنت تجلس بجواري لنتحدث، وهمستُ ، كفايه اللي ضاع ، جلستْ بثقة وأخذت تتحدث وأنا أُنصِت لها بدقةٍ واهتمام ، أُجهز ردودي التي سترضيها وتهديء روعَها !!!
انتظرتها حتى انتهت، الحيرة التي تلاحقها عن علاقتنا وطبيعتها، خوفها من الناس ومما سيقولونه عليها وهي تقتحم حياة زوجية ناجحة ومستقرة، عجزها عن تجاهل مشاعرها وسعادتها بمشاعري، إ‘حساسها بتأنيب الضمير تجاه رحيم وتجاه مايسة، رغبتها في حلٍ يسعدها ويسعدني طبعا ..
انتظرتها حتى انتهت ، وهمستُ صادقًا ، معنديش أي إجابات على أسئلتك يا بشرى ، كل اللي اقدر اقوله لك اني محتاجك جدا في حياتي ، محتاج حنانك ودفئك ، واني طول الفتره اللي فاتت ومن اول لحظه شفتك فيها وانا باتعذب ببعدك ، اذا كان ده يرضيكي ، فهي دي الحقيقه ، معنديش أي إجابات على أسئلتك ، مافكرتش حاعمل ايه ولا مفروض اعمل ايه ، مافكرتش في مراتي وحياتي البايظه معاها، واللي كان مفروض تخلص من زمان ، تخلص قبل ما تبتدي حتى ، كل اللي بافكر فيه منة الله ، وإن أي قرار حاخده مع امها حيبوظ حياتها هي !!! 
كنت أحدّثها بمنتهى الصدق ، ما قلته كان صادقًا ، أمّا ما أخفيته عني فهي لم تسألني عنه ولا تعرفه، ولم أكذب عليها فيه، سألتني، عايز ايه يا حسن ؟؟ قلت لها أتمني قربك، ووصلك، وودك، وحبك، وقلبك، وروحك، وكل حياتك ، سألتني ومراتك؟ اجبتها بكل صراحة معرفش ، والحقيقه اني معرفش ، لا الحقيقه اني اعرف ، لكن ما أعرفه يخصني أنا ولا يخصها هي ، مايسة زوجتي وأُم منة الله ، هذه منطقة تخصها ولا تخصكِ يا بشرى ، أتمنى أن أقول لها هذا وأتمنى أن تفهمني ، مايسة حسابات، وإطار اجتماعي، وأصول وقواعد، وبيت وبنت، حسابات مالهاش دعوه بمشاعري وعواطفي وروحي اللي حاقدمهم ليكي وليكي لوحدك، امنحيني روحك يا بشرى ، امنحك ما أقوى عليه من روحي ، قطرة الندى النقية التي تشبهك هي لكِ ، حنان القلب وسعادته لكِ أنتِ ، ما سأمنحك إياه لم أمنحه لغيرك أبدًا، ولم أظن أبدا أن هناك جميلة حنونًا تستحق ما سأمنحه لكِ ولكِ وحدكِ ، مايسة لا تعرف حناني ، وشيرين لا تفهم روحي  ، ولا أُشبِههما ولا يشبهانني ، وكل الأخريات عبثت معهن بعض الوقت وانصرفن ومحوت أسماءهن وقصصهن من ذاكرتي ومن حياتي ، فاطمة؟ وهل بشرى هانم ستضع رأسها برأس فاطمة البائعة الفقيرة ؟ هي تقدم لي بعض التوابل الحارة في حياتي التي أفسدتْ مايسة أيامَها ، فاطمة مثل علبة الشطة أحتاجها بعض الوقت لتمنح الأيام الباردة مذاقها ، هل بشرى هانم ستضع رأسها برأس علبة الشطة؟ طبعًا لم أقُل لها هذا كله ، هي لا تعرف شيرين، ولا تعرف فاطمة، ولا تعرف بقية كروت اللعب، فقط مايسة التي تعرف، ولا يرضيها طبعًا أن تشاركها حبي ولا تفسد حياتها وتهدم بيتها ، مَن قال لك إني أحبها لتشاركيها حبي؟ مَن قال لكِ إنك ستشاركينها أي شيء يا بشرى؟ ما سأمنحه لكِ هو لكِ، يخصكِ، يشبهك، طازج لم يمسسه غيرك، ما سأقدمه لكِ ادخرته عبْرَ كل الأيام والسنوات لكِ ، انتظرتُكِ طويلا كي أعيشه ، ما أقدمه لمايسة لن يرضيكِ ولا يشبهكِ، وحياتنا الزوجية العظيمة فاسدة،  خرِبة قبل أن أراك، والبيت مهدوم أنقاضًا ينتظر لحظة لا أعرف متي ستأتي ولا لماذا!! لأنتشل نفسي ومِنة الله منه ونجري قبل أن يقع السقف على رؤوسنا ، ما آخذُه من شيرين لن تعطيه لي ولا أقبلَه منك ، أمّا فاطمة فأنتِ هانم، علبة مارون جلاسيه، لا يمكنني أن أقارنكِ بعلبة الشطة الحارة ، ليتكِ تفهمينني يا بشرى وتقبلين ما أعرضه عليكِ، وتنهلين مما سأمنحه لك ، سأمنحكِ السعادة التي حلمتِ بها ، سنتشارك أحلامنا الصغيرة ، سنعيش حياة لم نعِشها من قبل لا أنا ولا أنتِ ، تجاهَلي مايسة وإطارها الاجتماعي تكسبيني وتكسبي سعادتك !!! كل هذا لم أقُله لها، لكني أتمنى أن تفهمَه وحدَها ، قلتي إيه يا بشرى ؟؟؟
هامش - بشرى
سألتُه .. ومايسة؟؟ قال لي سأُطلِّقها في يومٍ ما ، هذا اليوم ستحدده مِنة الله حينما لا تحتاجها !! تمنيت أن أصرخ فيه ، لا أَقبل ، لكني صمتُّ ، أعرف منذ البداية أن مايسة ستشاركني فيه، هي زوجته وأُم ابنتِه، ولن يطلِّقها مهما كان تعيسًا ، هدم البيوت ليس سهلا، ولن أطالبه أبدًا بهدم بيته ولا بتشريد ابنتِه ، طيب وانا ؟؟ انتي حاجه تانيه خالص ، انتي حبيبتي ، حبيبتي اللي اتعذبت علشان اعرف اقرب منها ، اللي قعدت سنة واكثر اكره حياتي لاني مش عارف اقعد معاها القعده دي بالراحه دي  ، وبعدين؟؟ سألتُه ، انسي مايسة ومش حيبقي فيه اي مشكله في حياتنا ولا علاقتنا ولا سعادتنا ، هززت رأسي نفيًا ، مقدرش انساها يا حسن ، اقتربَ مني وقبض على كفي ، قبَّلَ راحة يدي ، همس بحزن وأسىً ، طيب ايه ؟؟؟ وعدتُه أن أفكر ، حذرني ، فكري معايا ، ما تبعديش عني لاني مش حاسمح لك تبعدي ، همستُ بيأس ، طيب خلينا أصدقاء ، لا ، ماينفعش خالص يا بشرى ، لا احنا اصدقاء ولا حنكون ، حمل تليفونه المحمول وعلبة سجائره وودّعني ، انسي مايسة يا بشرى، وحيبقى كل شيء تمام ، قلتي ايه يا بشرى ؟؟ لم أقُل شيئًا، وبقيتُ طيلة الليل أبكي وكأني كنت أتمنى بمنتهى الأنانية أن يخبرني بأنه سيطلِّق زوجتَه ويمنحني وحدي حبه وحياته .. وبعدين ؟؟؟؟

نهاية الفصل السادس

ويتبع بالفصل السابع 

ليست هناك تعليقات: