مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 20 مارس، 2016

مَوَّال الوَصْل والوَجَع الجزء الرابع



مَوَّال الوَصْل والوَجَع



الجزء الرابع  






( 31 )
الكاميرا

طيلةَ حياتي لم أكُن أحلم بشيء أضعه هدفًا نصبَ عيني  وأسعى لتحقيقه ، ملايين مثلي ، مواطنين أمريكيون صالحون لا يحلمون بشيء ، نسير حسبما يتقرر لنا ، نعيش حسبما يمكننا ، نشتري تذاكر اليانصيب ونتظر الحظ السعيد والثراء السهل والصدفة السعيده التي ستغيّر حياتنا التي نعيش عاجزين عن تغييرها ...
كان أبي عامِلا بسيطًا في مطعَم ، اشتغل كثيرا ليُرضِي أُمي، لكنه لم يفلح فهجرَها وهجَرنا واختفى من صورة حياتنا ، نَعم ، الصورة التي تسطع في بدايات الذاكرة هي صورة أمي وهي تبكي وتنهال علينا ضربًا بمنتهى العصبية أنا وأُختي ..
أُختي أتعبت أُمي وتمردت عليها فمنحتها أمي هالاتٍ زرقاءَ كثيرة علي وجهها أحرجتها أمام زميلاتها في المَدرسة وأمام الجيران ، أُختي هددت أمي أن تبلِّغ عنها الشرطةَ ، سخِرت منها أمي وقالت ليتَها تفعل، وليتهم يأتون ويأخذوننا لأُسَرٍ بديلة تتحمل عِبئَنا الذي فر منه أبي ..
أختي لم تبلّغ الشرطة، لكنها اختفت من المنزل ، استيقظنا يومًا فلم نجدها ، أمي صرخت في وجهي تلومني لأني لم أَهرب مثلها وأرحمها مِن عِبئي ، لم أفكر أبدا في الهروب وترك أمي ، ليست أمي - في الحقيقة - مَن كنت أفكر فيها ، لن أترك منزلي وأصدقاء الحي وزملاء المَدرسة ، سأبقى ولترحل هي لو أرادت ..
طلبتْ أختي مِن أمي قبل اختفائها من حياتنا ألا تأتي بصديقها في منزلنا ، ذلك الرجُل الفَظ السخيف الذي يخلع ملابسه أمام أختي ويحرجها ويسب أمي بألفاظٍ  بذيئة تضايقها وتحزننا، أختي تتشاجر معه كلما أتى لمنزلنا ، وتتشاجر مع أمي بعدما يرحل ..
ضاقت أمي بتحكُّم أختي في حياتها ، قالت أنا التي أُنفِق علي المنزل وصاحبة القرار فيه ، أختي تقول إنها شاهدت صديقَ أُمي مديرها في العمل ، يسرق نقودَ أمي مِن حقيبتها ، أمي اتهمت أختي بسرقه نقودها لتشتري الماريجوانا التي تدخنها ..
أختي فرت من البيت بعدما سرَقت حقيبه أمي ، وصديق أمي اختفى وهجرها بعدما تَشاجَر معي لأني لا أترك له البيت حين يأتي ليزورها، وبعدما تشاجرتُ معه لأن المنزل منزل أبي ومنزلي وعليه ألا يخلع ملابسه في الصالة، ويَكف عن شتيمة أمي وأني لست صغيرًا ولن أقبل ما يفعله بعد الآن، وعليه لو أراد منذ هذه اللحظة ، أن يأخذ أمي وقت لقائهما ويرحل بعيدا عن منزلي ومنزل أبي ...
خرجَ الرجُل الفَظ مِن منزلنا ولم يعُد ، وبقيتْ أمي تسبّني وتشتمني وتلعن  الأيام التي تعيشها مع ابنٍ متمردٍ قليل الأدب عديم التربية مثلي، خائفة علي وظيفتها التي تشغلها لو قرر المدير الانتقامَ مِني علي سفالتي وطردَها من عملها ، قلت له لو فعلَ سأحطم وجهه ، لم يطردها من عملها لكنها أبدا لم تغفر لي تَدَخُّلي في حياتها وإفساد علاقتها مع الرجُل الفَظ ، هذه طفولتي ومراهَقتي وحياتي التي عشتُها....
حصلتُ علي الشهادة الثانوية بصعوبة، ودرجاتي لم تؤهلني إلا لكنس الشوارع القذرة كما تقول أمي ، لن أكنس الشوارع القذرة ولن أعمل ، توعَّدتني أمي ألا تُطعِمني لو بقيتُ عاطلا عن العمل، وأنها ستطردني من المنزل ، بعد يومين أخبرتني بأن السيد فريد صاحب استديو التصوير المقابل للمَطعم الذي تعمل فيه ينتظرني للعمل معه ، أخبرتني أنه كان صديقَ أبي وقبِلَ أن يوظِّفني علي مضض، وحذرتني من أن أفقِد تلك الفرصة فلا أجد عملا آخر وأبقى عاطلا بلا فائدة في الحياة ، لتشجعني علي قبول الوظيفة الحقيرة التي وجدَتها لي، منحتني كاميرا أبي التي كانت تخبِّئها طيلة حياتنا عن يدي ، قالت إن أبي كان يهوي التصويرَ، وكان يصورها كثيرا وقت شبابهما وقبلَ أن يتزوجا ، قالت إن هذه الكاميرا قيّمة وغاليةُ الثمن، وإن السيد فريد صاحب الاستديو سيعلّمني التصوير مقابِل عملي معه أُنظِّف الاستديو وأقابِل الزبائن وأُنظِّم المواعيد ، أمسكت الكاميرا بسعادة ، الشيء الوحيد الذي تركه لي أبي بعد اختفائه من حياتنا ، أمسكت الكاميرا بسعادةٍ وقررت أن أتعلم التصوير في الاستديو الصغير الذي وجدتْ لي أمي فيه فرصةَ عمل، وقررت أن أقبض علي الوظيفة بكُل طاقتي، وقررت أن أبحث عن جميلةٍ أُصورها مثلما كان يصور أبي أُمي ، قررتُ، وقررتُ، وقررت ...
أخبرني السيد فريد صاحب الاستديو وهو يرحّب بي أنه كان صديق أبي، وإنهما طالما خرجا للغابات القريبة في رحلات تصوير كثيرة ، بل أخبرني أنه يحتفظ ببعض اللقطات التي صورها أبي ، قلت له لم أسمع مِن أبي أبدا أنه مصور فوتوغرافي ، ضحِكَ السيد فريد وقال إن أبي تنازَلَ عن كل أحلامه وقتما تزوَّج أمي صغيرا وانشغلَ بأعباء الأسرة والوظيفة التي عمل فيها ومصاريف أختي التي أنجبتها أمي فور زواجهما ، قال السيد فريد إن أبي نسِي نفسَه وسط الظروف الصعبة التي عاشها بسبب حُبِّه لأُمي ، ضحكتُ ، وهل كان يُحِب أمي؟ قال السيد فريد كان يحبها لدرجة أنْ أهملَ دراسته وترك أسرته وتزوجها فتغيرت حياته للأبد ، سألتُه وأين أبي الآن؟ قال استردَّ حياتَه بعيدا عن أمي وصعوبات الحياة، لكنه وكما أكد لي لا يعرف مكانه ، أحسست أنه يعرف ولن يخبرني ، لم أُلِح عليه ونسيتُ أبي مثلما نسيني ..
قال السيد فريد ، لا تفعل مثل أبيك ، لا تتزوج صغيرا وتتحمل أعباء أسرة ، لا تُكرر خَطَأه ، استمعتُ لنصيحته جيدا ولم أكرر خطأ أبي ، ومرت سنوات وسنوات ولم أتزوج حتي الآن وربما فاتني ميعاد الزواج ، عمومًا لم أكترث للأمر، ولا أكترث به فعلا حتي الآن ..
تعلمتُ التصوير سريعًا ، سُرَّ مِني السيد فريد ، وأحضر عاملا لنظافة الاستديو وكلّفني بمعاونته في عمله ، أرسلني لأعياد الميلاد واحتفالات الزواج ، منحني راتبًا كان يكفي لاحتياجاتي ، راتبًا أمنح بعضَه لأمي التي هدأت وكفّت عن شجارها معي ، وأُنفِق بقيتَه سعيدًا راضيًا في أي شيء أُحِبه وأَرغب فيه ..
أحببتُ التصوير ، أحببت أن أرى العالَم مِن خلف الثقب الصغير الذي أحجبه بعيني وأنتقي اللقطةَ التي تستهويني ، السيد فريد قال لي إني فنان وكان يتعين عليّ دراسة الفن والتصوير، ضحكتُ وقلت له إن أمي كانت ستقتلني لو طلبتُ منها مصاريف الكورسات، وستقتله هو شخصيًا لو أخبرتها بنصيحته ، قال ادَّخِر مِن راتبك ما يسمح لك بدفع مصاريف التعليم ، سيتغير شأنك ، هكذا قال لي السيد فريد ..
سنوات طويلة أعمل في الاستديو مع السيد فريد راضيًا قانعًا ، ولم ادَّخِر شيئًا مِن راتبي، ولم أتعلم التصوير ولا الفن ، وعشت كما جرفتني الأيام أمامَها ، قابلتُ مارلين ذات يوم في أحد الأفراح التي كنت أصورها ، جميلةٌ مشاكِسة أغوتني لأقابلها ، أغوتني وأعجبني إغواؤها ، وسرعان ما انتقلتُ للحياة معها في منزلها الصغير ، وقبلما تتشاجر معي لأني أعيش في منزلها استأجرتُ منزلا صغيرًا وانتقلت أنا وهي فيه ، منزل أنا سيده وصاحبه ومَن يدفع إيجاره ، عثرت ذات يوم علي كلبٍ صغير يقف علي سلّم منزلي ، كلب أسود أعجبني شكله، في البداية صوّرته كثيرا ونسيته ، لكن ذيله الذي لا يكف عن الترحيب بي كلما قابلني في الشارع، وخطواته المتعثرة التي يسير بها خلفي جعلني أفتح له بيتي وحضن مارلين وطرف فراشي ، وصار فون كلبي الجميل، وصرتُ سيده ..
اشتريت كاميرا جديدة واشتركت في بضع مسابقات محلية للتصوير، وفشلت طبعًا في الحصول علي أي مركز متقدم ، قال لي السيد فريد إن كل ما أصوره لا يصلح للمسابقات ، فتاة صغيرة في احتفال بالكنيسة ، عَلَم صغير يتطاير في يد طفل في احتفال عيد الاستقلال ، عروسة يوم عرسِها ، شموع علي كعكة ميلاد أحد الصغار ، كل هذه صور لا تصلح للمسابقات ، قال لي تَعلَّم التصوير يا مارك ، تَعلّم التصوير ...
ووعدته أن أتعلّم التصوير و... بعد شهور قليلة التحقت بقِسم الدراسات الحُرة بأحد المعاهد المتخصصة في تعليم التصوير ، نَعم الشهادة الكبيرة المعلقة في إطار خشبي علي جدران صالة منزلي هي الشهادة التي حصلت عليها بعد انتهاء الكورس ، أقامت مارلين حفلَ عشاءٍ ودَعت السيد فريد وأُمي ، أُمي تشاجرت معها لأنها لا تجيد الطهي، وطلبت مني أمامها أن أتزوج وأكوِّن أُسرة وأُنجِب أطفالا ، السيد فريد التقط لي ولمارلين صورةً جميلة علقتها بجوار الشهادة ، قضيت الليل كله أعتذر لمارلين عن كلام أُمي السخيف ، تظاهرتْ أنها قبِلت اعتذاري وهي أبدا لم تَقبله ..
ها أنا ذا قد تعلّمت التصوير يا سيد فريد ، أين هي المسابقة التي سأشارك فيها وأحصل على جائزتها الأولى ، أين هي ؟؟
انتبهتُ فجأة أنه قَد صار لي حلمٌ أسعى لتحقيقه !! أين المسابقة؟ وأين الجائزة؟ وكيف أحقق الحُلم ؟؟!!!

( 32 )
خضر الياس

أيام وراءها أيام ، وأنا في القبو وحيدٌ صامت ، تداهمني ذكريات الشهور الثلاثة ، أستدعيها تؤنسني ، أتذكّر ضحكاتِ زهراء ، غناءَ حسناء ، ابتساماتِ أحلام ، مداعباتِ العجائز وضحكَهن وقتما يَشعرن معنا بالطمأنينة ، كل هذا أستدعيه للقبو يؤنسني ، أستدعي صوري ومجموعة "دموع مدينة" ، أفكر كثيرا في تغيير الاسم ، ليست كلها دموعًا ، ضحكات كثيرة تتساقط من الصور فوق روحي تطهرها من الحزن والغم ، عليّ أن أفكر في اسم آخر لمجموعة الصور ، ربما "حياة مدينة" ، ربما "مدينة تقاوِم" ، نَعم هذا اسم أجمل ، فالمدينة وهي حزينة تبكي لا تكُف عن الضحك والتشبث بالأمل والحياة ، نَعم سأُسمّي مجموعة صوري  "مدينة تقاوِم"  ..
وحيدٌ صامت يقتلني الوقت وأقتله ، أتذكّر وجهَ روبرت موشومًا بالتحدي ، أتذكّر ماريان وحزنها ، أتذكر قوة الموصلية التي سبّتني في سوق السراي ، أتذكر مشاجرة زهراء معي غضبًا مِن جهلي كما تقول دائمًا ، كل هذا أتذكره وأكثر ، يؤنسني في القبو ...
اليوم لم أستدعِ الصور، ولا صوت زهراء، ولا غناء حسناء، اليوم جاءتني زيارة لم أتوقعها ، زيارة أسعدتني وحطمت جدران القبو وخرجت بي علي ضفاف دجلةَ حُرًا سعيدًا ، سأطالب كل أحبائي أن يزوروني كل يوم ، فحين يأتون ، تتحطم الجدران وأتحرر من أسر ذوي الرايات السوداء ولو لبعض الوقت ، وما أجمله من وقت ..!
اليوم زارني انطونيو في القبو المظلِم ، تِسلل مِن تحت الباب الثقيل ومِن خلف ظهر الحارس،  أيقظَني مبتسِمًا وقال لي إنه سيقضي معي بعض الوقت في النهار قبلما يعود لعمله ، رغم ابتسامته الودودة كان حزينًا ، لم أسأله عن سبب حزنه لأنه سيخبرني وحدَه كعادته ، احتضنني بحرارة وأخبرني أنه أحضر له بعض نسيم الصباح المعطر برذاذ دجلةَ ليُحمِّمني به،  قال إنه سيترك بقيتَه في القبو لينظف رئتَي ويطهر روحي من سموم ذوي الرايات السوداء ، أُحِبه هذا الانطونيو وأُقدِّر جدًا زيارته المفاجِئة لي ...
سألني عن أخباري وكيف حالي ، لم ينتظر إجاباتي لأنه يعرفها ، سألني لو أشاركه طعام إفطاره، وأَخرجَ مِن حقيبته حلو موصلي "خضر الياس" ، أخذتُ واحدة وشكرته، وتركت له بقيته ، قال إنه يدَّخِر منه لعروسِهِ في طليطلة ليُطعِمها منه نهارَ زفافهما حين يعود لها قريبًا ..
يتحدث انطونيو بانفعالٍ كعادتِه ، كَم مِن مرات صوّرته وهو يحكي ويتشاجر ويحتد ويغضب ويضحك ويفرح ، كُتلة من الانفعالات هذا الانطونيو، الدماء العربية الحارة التي تجري في شرايينه، شَعره الفاحم، وعيونه السوداء، وشاربه الأسود الكث .. كل ذلك يشير للجذر العربي الذي غُرِس في أرض بلاده ..
تعرفتُ عليه مِن ضمن زملاء روبرت ، كان أكثرَهم حيويةً وحياة ، وأكثرَهم غضبًا وانفعالا ، وأكثرَهم حزنًا ودموعًا ، وأكثرَهم حنانًا ورِقةً مع اللاجئات والعجائز والأطفال المَرضَى ، لاحقتُه بكاميرتي وأخذت له صورًا كثيرة ، أحسستُه مختلِفًا عن كل الذين قابلتهم من العاملين مع روبرت في منظمة الإغاثة، وأحببت تصويره وصوَره ..
سألته ذات يوم وهو يبكي بحرقة عن سبب حزنه ، قلت له أنت تختلف عن الآخرين انطونيو،  تبكي بوجعٍ وقَهر وكأنك ابن لهذه المدينة ، ما هو السر انطونيو ؟ ماهو السر ؟؟ انفجر غاضبًا ، اللعنة علي الأيام الموحِشة التي تطاردنا ، اللعنة علي الملوك الكاثوليك وأحفادهم القِرَدة ذوي الرايات السوداء ، اللعنة علي المصالح والمال والنفوذ والنفط ، لم أفهم قصدَه ولا مبرر غضبِه  ، ألا تعرف مارك أن المسيحيين هُجِّروا من الموصل ، أُخرِجوا من بيوتهم ، عَرضتْ عليهم العصاباتُ المرتزقة إمّا  الدخول في الإسلام، وإمّا دفْع الجزية ، وحين رفضوا أجبروهم علي الرحيل من المدينة والتيه في الصحاري لاجئين مشرّدين ، علّموا أبواب بيوتهم بحروف مشينة تَسمح للعصابات والسراقين باستباحة البيوت ومقتنياتها لأنها بيوت المسيحيين ...!!
أسمعه مندهشًا ، لم أعرفه كاتوليكيًا متعصبًا لهذا الحد، يستوقفه تهجير المسيحيين دون كل ما يتعرض له بقية المواطنين من عنفٍ وقهر ، سألته وجِلا ، ألا يشغلك إلا المسيحون انطونيو وما يجري فيهم ؟؟ انفجر يسبًّ غبائي ، لأني لا أفهم شيئا ، سألني ما الذي علّموه لكم في المدارس مارك ؟؟  أي تاريخٍ قرأتموه ودرستموه ؟؟ ما الذي تَعلَمونَه وتَعلَّمتمونَه في مدارسكم عن بقية العالم خارج حدود أمريكا وخارج بيوتكم ؟؟ أحسستُه يهذي ، ينتقل من حديث لحديث بلا سياق ولا رابط ، ما علاقة أي شيء تقوله بأي شيء انطونيو ؟؟
يحدِّق فيّ طويلا ويصمت، ما يحدث في مسيحيّ الموصل اليوم مارك، تهجير وإجلاء واستتابة وإجبار على التأسلُم، وهو ذاته ما حدث في مُسلِمي الأندلس أمس مارك حين أحرقوا كُتُبَهم ومنعوهم من لُغتِهم وأخرجوهم من دينهم، وعمَّدوهم قهرًا وأجبروهم علي التنصر،  ما أعيشه اليومَ هنا مارك هو نفسه ما عاشه أجدادي أمسِ، بالأمس طليطلة وغرناطة، واليوم الموصل ودمشق !! وكأن الدائرة تدور علي رقابنا الأمس واليوم ولا أعرف إلى متى ؟؟
قال لي إن المصالح والنقود والنفوذ كل ذلك يرفع رايات الدين، ويقتل باسم الدين، ويحرق بأسم الدين، ويُهجِّر الآمنين باسم الدين ، قال إن مُسلِمي طليطة هُجّروا من منازلهم واستُولِىَ علي دورهم، وتحولت مساجدهم لكنائسَ، وحرمت لغتهم العربية، وأُجبِروا علي التنصر وإلا الرق، ليكون عقابًا طيلة الحياة، وحاكمَتهم محاكم التفتيش تنقّب في الضمائر والوجدان ، واليوم ذوو الرايات السوداء يُهجِّرون مَسيحي الموصل مِن بيوتهم، ويرفعون تمثال مريمَ من كنيسته، ويخيرون بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، وبين الطرد والمغادَرة من المدينة وقَص جذورهم منها ...
ألا ترى مارك ما الذي حدث أمس؟ وما الذي يحدث اليوم؟ ألا ترى العلاقة بينهما؟؟ وتسألني لِمَ تهتم بأمر مَسيحي الموصل؟ لا أهتم بهم أيها الأمريكي ،أهتم بالموصل مثلما أهتم بطليطلة ، لا أهتم لِمَسيحي الموصل تحديدًا دون بقية مُسلِميها ، لكني أرى ما يحدث فيهم هو ذاته ما حدث لأجدادي ، همستُ هل أنت مُسلِم انطونيو؟ ضحِكَ وسط دموعه ، لا مارك ، لكني إنسان أرى ما حدث مع أجدادي مُسلِمي طليطلة، حدث اعتداءٌ علي إنسانيتهم، وأرى ما يحدث في مَسيحي الموصل اعتداءً علي إنسانيتهم ، حدَّجني بنظرة مخيفة وسألني ، كيف ترى الأمر أنت مارك؟ كيف تراه؟؟ كدت أقول له لا أرى شيئا ، لكني صمت ُّوجِلا أفكر فيما قاله ...
منذ ذلك اليوم العاصف، ورغم الحزن والغضب والدموع والشجار، منذ ذلك اليوم تصادقت أنا وانطونيو، كان يحكي لي كثيرا عن تاريخ العرب في الأندلس، ويحكي لي عن محاكم التفتيش والحملات الصليبية، يحكي لي عن المغول والتتار وجرائمهم في الموصل وفي بلاد الشرق، أمّا ذوو الرايات السوداء وما حدث منهم فلم يَحكِه لي، فقدْ عشتُه وأعيشه بكل جنونه وعنفه وعبثيته ..
تصادقنا أنا وانطونيو ، صوّرته صورا كثيرة في أوقات مختلفة وحالات انفعالية متناقِضة ، صورُه كلها زارتني معه في القبو ، تبعثرت علي الجدران تسطع بابتسامته ودموعه ، أحالت ظلمة القبو لأملٍ وتَحدٍ ..
أكلنا وضحِكنا واطمأننت علي أني ما زلت إنسانًا يعيش رغم كل الموت الذي يحاصرني ، لماذا أتيتَ انطونيو لزيارتي ؟؟ هاتِ ماعندك ، همسَ ألقت أمسِ قواتُ التحالف التي يرأسها رئيسك مارك ، ألقت لعصابات الدولة ذوي الرايات السوداء أسلحةً وعتادًا ومؤنًا عسكرية ، أهل الموصل كلهم شاهدوا بالونًا كبيرًا ضخمًا انشقت عنه السماء يحمل صناديق يحط في الأرض الخاضعة لذوي الرايات السوداء ، الكُل عرَف أن قواتِ التحالف تدعم ذوي الرايات السوداء وتمدهم بالأسلحة والمؤن ، أنت فقط لم تعرف لأن عصاباتِ الدولة اعتقلوك في قبوِهم وأخفوْا عنك الحقيقة التي نعرفها جميعًا ...
قررتُ أن أزروك مارك في القبو خلسةً مِن خلف ظهورهم وأُعرّفك ما الذي يفعله رئيسك في أهل الموصل وفينا جميعا ، هو المَلِك الفونسو الذي بطشَ بمُسلِمي طليطلة وحاصرها حتي أكل أهلُها الجيفَ والقطط والكلاب ، هو نفسه هولاكو الذي حاصر الموصل حتي مات الناس جوعًا وأكلوا الحَصى والرمال ، هذا هو رئيسك مارك ، هذا هو رئيسك ..
ولماذا تخبرني ؟؟ ذوو الرايات السوداء سيقتلونك مارك ، أنا واثق أنهم سيقتلونك ، ضحكتُ ضحكاتٍ صاخبة ، هل أتيتَ لتخبرني أنهم سيقتلونني ؟؟ لا ، أتيتُ لأخبرك أن مَن سيقتلك هو رئيسك مارك ، هو الذي يدعمهم ويمدهم بالأسلحة والعتاد والمؤن العسكرية ، لو قتلوك فاعرفْ أن رئيسك هو الذي قتلك بنصلِهم ، ضحكتُ أُداعِبه ، ولو أطلَقوا سَراحي انطونيو ؟؟ ابتسمَ ، سيكون عليك عبءٌ أكثر مارك ، عليك أن تمنع رئيسك من قتل الأبرياء هنا وفي طليطلة !!!
ورحلَ انطونيو مسرعًا قبلَما أودِّعه ...
وبقيتْ ابتسامتُه علي جدران القبو تنيره لي وقتما تشتد الظلمة ، أفكر فيه وفي طليطلة وفي الرئيس وذوي الرايات السوداء !!!
لا تتأخر عليّ انطونيو ، لا تتأخر عليّ !!!

 ( 33 )
انتبِه لرأسِك

عندما شاهَدَتني أسير في سوق السراي المزدحم بروّاده وزائريه ، عندما شاهدتني أمام الحوانيت الصغيرة أقلب في البضائع وأفحصها وأمازح البائعين وأصورهم ، استُفزت مني وتمنت لو اشتبكت معي ومزقت وجهي بأظافرها وأسنانها ، هكذا أحسستُ من نبرات صوتها العالي المحتدم المرتعش الغاضب،  صرخت في الموصلية مِن خلف حجابها الأسود الثقيل وبصوت مليء بالتحدي والغضب بإنجليزية فصيحة واضحة ، أيها الأمريكي الطاووس المُتبَاهي بحاملة طائراتك، والمُحتمي بعصابات المرتزقة السائر علي أرض بلادي وكأنك آمِن مطمئن، وصواريخك العابرة للقارات فوق رأسك وكأنها تحميك ، أيها الأمريكي ، اسمعني جيدا، أحمل رسالة امرأة عراقية موصلية من مدينة الحياة لرئيسك ، قُل له السيدة العربية التي لا تعرفها تُحذِّرك ، انتبِه لرأسك ووجودك ، فمَن الذي حاول أن يخلع أشجار النخيل من ضفاف دجلة وأفلح ؟؟ قُل له السيدة العراقية تقول لك ، أنتم لا تعرفون عنا شيئا، ولا تعرفون عن بلادنا شيئا ، تتصورون ومِن شدة جهلكم أن بلادنا فقط براميل نفط تطمعون فيها وتستبيحون أعراضنا وتاريخنا وحضارتنا من أجل تدفئة أمسياتكم الرومانسية مع العشيقات ، تتصورونأن صواريخكم ستنتصر علينا وتمحونا وتاريخنا وحضارتنا ووجودنا من وجه الأرض تاركين لك النفط وآباره تنعمون بها وتنهلون منها ، قل له السيدة الموصلية تقول لك إنكم جهلاء ، لا تعرفون عنا شيئا ، لكننا وللمرة الألف ، سنعرّفكم مَن نحن ومَن أنتم ، ولنرى ويرى العالم كله ما ستسفر عنه المواجهة بين الحضارة والتاريخ وقدم الوجود وبين حاملة الطائرات والصواريخ الباليستية وبراميل النفط والأطماع ، لنرى ما ستسفر عنه المواجهة ولمن ستكون الغلبة ، اليوم ربما لكم، لكن التاريخ كله والمستقبل كله لنا ، والأيام بيننا.
وقبلَما أستوعِب ما قالته لي ، اختفت من أمامي ، تلاشت وطيفها وكأنها لم تكن هنا أبدا ، بقيت في الساحه الكبيرة حائرا مرتبكًا هل ما سمعته منها حقيقة أم كابوس يطاردني حتي في يقظتي؟!!!
انتبِه لرأسك ووجودك !!!
للمرة الثانية أسمع هذا التحذير من سيدة موصلية ..
انتبِه لرأسك ووجودِك ... ربما عليَّ أن أنتبِه فعلا ...
ربما عليَّ أن أنتبِه ....  

( 34 )
"" لَقطَة مِن مجموعة الصور ""
"" العشق ""

هل تُظِهر الصورة سطوع العينين؟ لو أنها لا تُظهِرهما لاعتبرتها صورة فاشلة لا تستحق حتي الاحتفاظ بها ، نَعم ما يميز هذه الصورة هو سطوع حدقتَي زهراء وحماسها ، كانت تَسخر مني ومِن جهلي وتحكي لي عن الإلهة عشتار والمَلك سنحاريب ، تحدثني عن الانتصار الحتمي للمدينة والهزيمة المؤكدة لذوي الرايات السوداء ...
كانت تتحدث عن الموصل وتاريخها ، في هذه اللحظة بالذات توهجت عيناها بسطوع غريب، سطوع يشبه ضوء القمر في ليلة تمام البدر ، سطوع فضي وهّاج ، ما بين الفرحة والفخر ، هذا ما نطقتْ به عينا زهراء وهي تتحدث عن مدينتها ..
الصورة الأخرى لا تُظهِر إلا تحديًا عصيًا علي الهزيمة ، نَعم ، وقت تلك الصورة كانت تقسِم لي أن الموصل ستنتصر ، كيف غيَّرَ التحدي ملامحها وشكلها؟ كيف قفزت ملامح المقاتلين وإصرارهم علي وجه الفتاة الرقيقة فتبدلت مثلما تراها في الصورة ..
نَعم هاتان الصورتان لزهراء ، الأولى تتحدث عن مدينتها بالحُب الذي يحتلها، والثانية تتحدث عن الانتصار الحتمي لأهلها ومدينتها ، وما بين الحُب والتحدي ، كان اختلاف القسمات والملامح، وبقي وهج العينين قاسمًل مشتركًا بين الصورتين ..
أحببتُها هذه الفتاةَ الموصلية قدْرَ ما تَعشق مدينتَها وتؤمِن بها ..
أحببتُها جدًا ..
  
( 35 )
ما الذي يَحدث هُنَا ؟؟

في المساء عاد روبرت من عمله يبكي ، قلتُ له ما هذا العمل الذي لا يمنحك إلا الحزنَ والدموع ؟ لملِم ملابسك وجهِّز أشياءك وانتظِر معي لقْطَتي الضائعة، ولنرحل معًا ولنعُد لوطننا ونترك هذا الجحيم كله خلفَنا ..
حدَّقَ فيّ روبرت ، هذا عملي الذي لا أعرف غيره وأحبه، وأحِب ما أقوم به مع الناس ، لذا أنا هنا ، أمّا أنت فلماذا أتيتَ؟ وأي لَقطَةٍ تبحث عنها وسط هذه النيران المشتعلة ؟ وقبلما أجيبه حدَّجني بنظرة خائفة وقال لي ، لو الأمر بيدي مارك لأجبرتك علي الرحيل والعودة للوطن ، أنت خائف روبرت ؟؟ طبعًا، طيلةَ الوقت خائف، لكني اليوم أشعر حزنًا جارفًا ، نَعم مارك الحزن يقتلني ...
ألقَى بدنه علي المقعد المتهالك ينتحِب ، وسط نحيبه أخبرني أنه لا يقوَى علي الرحيل ولا يتحمل البقاء، ونصحني أن أعود لبيتي وأُنهِي تلك المغامرةَ الغريبة التي أعيشها ...
سأرحل حينما أعثر علي لقطتي الضالة ، منذ شهرين وأنا أخبرك بنفس الإجابة التي لا ترضيك ، ينتحِب وينتحِب ، دعك مني اليوم روبرت وأخبرني لماذا تبكي وتنتحب ؟؟ سألته ، متصورًا أنه سيخبرني عن معاناته اليومية التي يعيشها مع الأطفال والعجائز والنسوة في الأزقة الضيقة والبيوت الفقيرة ..
قتلوها مارك، وجميعنا عجزنا عن إنقاذها ، قتلوها وهُم يهللون فرِحين، والحزن عليها يحرق قلوبنا جميعا ، مَن هي روبرت؟ وَمَن أنتم ؟؟
هي الموصلية الجميلة ، حَسنَاء ، مُدرِّسة المَدرسة الابتدائية التي أُجبِرتْ على أن تترك عملها خضوعًا للجنون الذي يحكم المدينة ، أغلقوا المَدرسة وقالوا لا نريد للصغار أن يتعلموا فنون الكُفر الذي تغرسونه في عقولهم ، أغلقوا المَدرسة وسرَّحوا المُدرِّسات ومنهن حسناء ، شاهدتها ذات صباح تساعد النسوةَ العجائز في المعسكر الكبير ، تُعامِلنا بحذر ، هي تَشُك فينا ونحن لا نقترب منها ، ابتسامات متحفظة وكلمات قليلة ، بضعة أيام استمر الحال بيننا هكذا ، اقتربتْ منها ماريان وعرَّفتها بنا ، أجانب نَعم لكنا لسنا مِن قوات المارينز ولا من حراس السجون ، زهراء المترجِمة أخبرتها عن منظمتنا ودورنا الإنساني ، اطمأنت لنا ولم تعُد تخاف من عيوننا الزرقاء، ولا مِن شَعرنا الأشقر، ولا من احمرار وجوهنا الذي يشبه احمرار وجوه المجرمين علي المعابر ورؤوس الجسور كما تصف هي قواتَ حفْظ النظام والأمن في العاصمة ..
حسناء ،  كل يوم تأتي لمساعدة العجائز ، تُحمِّمهن وتنظِّف أماكنهن ، توزع الطعام الذي تحمله من منزلها علي الأطفال الصغار وتصفق لهم وتغني معهم بصوتها الخفيض أغاني الفلكولور القديمة ، تذكِّرهم بالموصل وجمالها وكيف كانت وتاريخها ، وتَعِدُهم وقتما يكبروا مثلها أن سينتهي كل الجنون الذي يعيشونه وستعود ذات الربيعين أبهى وأبهى ..
في صوتها بحة حزنٍ، وفي نغمات أغانيها عبق قديم وشجن جارف، يبكي روبرت ، آه لو رأيتَها مارك ، لو رأيتَ حسناء الموصلية الجميلة، الشابة ذات العيون الحوراء والجسد الممشوق كنخيل دجلةَ، هي التي كانت تغني وتضحك وتعِد الأطفال بالمستقبل ، لو رأيتَها لالتقطتَ لها عشرات الصور وهي تساعد العجائز وتهتم بالأطفال وتمازح النسوةَ المكلوماتِ وتساعد أطباءنا ، لو رأيتَها .. لو رأيتَها ..
صارت هي وماريان وزهراء صديقاتٍ حميمات ، أفلحن في أن يخترقن سياج الخوف التي أحاطت بها القرويات أنفسَهن وأولادهن ، فتَحْنَ لنا الطريق للرعاية والعناية والمساعدة وتوزيع الدواء والأمل ...
سألتُه وماذا حدث لها روبرت؟ يكمِل حديثه وكأنه لا يسمعني ، ماريان حذرتها من الغناء وصوتها الشجي ، قالت لها إن رجال الدولة حرّموا الغناءَ ومنعوا الموسيقى ، أخبرتها أن التعليماتِ الجديدةَ التي وصلتنا من المقر الرئيسي للمنظمة حظرت علينا تشغيل الموسيقى أو سماع الأغنيات ، وأن رجال الدولة يتوعدون مَن يخالف أوامرهم ، طالبتها ماريان أن تكُف عن الغناء خوفًا عليها ، سخِرت مِن رجال الدولة ، قالت عليهم أن يمنعوا العصافير من أن تغرد، وحفيفَ سعف النخيل من أن يتمايل، وأمواج دجلةَ من أن تصدح، وأسرابَ الطيور من أن تضرب بأجنحتها في السماء ، قالت لا يملكون تحريم الغناء ولا كتْمَ حناجرنا ، قالت إن مواويل الموصل بقيت ملامحها الأصيلة كدجلةَ وشارع النجفي والعتبات المقدسة وعيون الصبايا الكحيلة ، قالت إنها ستغني ولن يُفلِحوا أبدا في أن يخرسوا صوتَها ، زهراء  حذرتها ذات يوم وهي تصدح في الأطفال بآهات الموّال ، قالت لها لو سمِعوكِ سيقتلونكِ ، قالت ساخِرةً منهم وماذا سيقولون لأُمّي التي ستأكل بطونَهم؟ هل سيقولون لها غنت وأطربت فأذنبت وقتلناها ؟؟ وتَضحك حسناء وتضحك !!!
يصمت روبرت ويرتفع نحيبه ، وماذا حدث روبرت؟ لماذا تبكي وتنتحب والحزن يقتلك؟ ماذا حدث؟؟ عرَفتُ في الصباح الباكر أن رجال الدولة قبضوا عليها بالأمس وهي عائدة ليلا لمنزل أُسرتِها ، قبضوا عليها بعدما أبلغت فيها إحدى الحارسات في المدينة أنها تغني طيلةَ الطريق وصوت زندقتها يطرق الأسماع فُحشًا وكُفرًا ، هكذا قالت الحارسة، فانتظرَها الرجال وحين لمحوها وتغريدها يسبق خطواتِها انقضوا عليها وقبضوا عليها ...
ارتبكت ُ.. ألأنها تغني ؟؟ فعلا هذا حدث روبرت ؟؟ لأنها رغم كل شيء تعيشه في المدينة لم تمُت ، لأنها تقاوِم الموتَ بالحياة مثل مدينتها ، لأنها تساعد الآخرين وتمشي في الطرقات واثقةً مِن نفسها، لم تَخَف منهم ولم تَخضع لهم ، لأنها عصفور طليق يغرد فوق قمة النخلة العالية علي ضفة دجلة ، قبضوا عليها لأنها لم تَخَف منهم مارك، وكانت تتحداهم وتتحدى أوامرهم الجائرة ، لو تركوها لشجعت الآخرين على أن يتحدوهم ويواجهوهم ، بمواويلها كانت تحارب كل الجنون ، فقتلَها الجنونُ وأخرسَ مواويلَها ..
قتلوها فعلا؟؟ ينتحِب روبرت ، عرَفنا جميعا في معسكر اللاجئين أنهم قبضوا عليها ، رَثَتها العجائز وبكى الأطفال غيابها ، ولولت النسوةُ حزنًا عليها ، وبكينا جميعا، نتمنى أن يطلِقوا سراحَها، والأمر لا يتجاوز أنه خطأ ليتداركوه ، كنا نُمنِّي أنفسنا بمستحيلٍ نعرف أنه لن يحدث ..
في الظهيرة ، أتوْا بها إلى الساحة الكبيرة وسط المدينة متسربلة بالأسود ، تتعثر في خطواتها وكأنهم حطموا ساقيها ، اتهموها بالكُفر والزندقة والفُجر، وأمروها أن تنتظر الشيخ الذي سينظر في جريمتها ليصدر حُكمَه العادلَ عليها ، صرخت وهي تحاول أن ترفع الغلالة السوداء مِن فوق وجهها أن حُكم موتِها قد صدر فعلا وساعتَها حانت، وأنها لا تخاف من الموت ولا منهم  ، صرخت بصوت أعلى تخاطِب المارة والعابرين ألا تخافوا منهم ، وغدًا تتحرر الموصل ونتحرر جميعًا ، صرخت وقالت انهضي يا موصل ، انهضوا يا أهل الموصل وكفاكم خوفًا ..
أُنصِتُ لروبرت ولا أصدق ما يقوله ، انهالت عليها الحارسات باللكمَات علي وجهها وجسدها، سحَبوها أمام الشيخ لتسمع الحُكم بإعدامها ، تصرخ في العابرين والمارة ألا تخافوا منهم ، لا تخافوا ، حاولت الحارساتُ تكميمَ فمِها ولم يُفلحن ، قررت حسناء أن تموت وهي تغني موالًا قديمًا كانت تحبه كثيرا ، لم تسمع ما قاله الشيخ ولم تُجِب عن أسئلته ، رفعت عقيرتَها بالغناء تحديًا له ولأحكامه الجائرة ، صرخت في المارة البُلداءِ لا تستلموا لإرهابهم ..
هل شاهدتَ ما حدث روبرت ؟ أخبرونا في المعسكر أنها في الساحة الكبيرة ، حين وصلتُ للساحة تواريت خلف بنايةٍ قديمة، وشاهدت بعينَي التي تمنيتُ فقأَهما في تلك اللحظة بالذات،  شاهدت الحارساتِ ينهلن عليها بالضرب، وصوتها يعلو ويعلو ، شاهدت الشيخ يلوِّح بيده لأحد الأشداء بجواره ليخرسها ، اقتربَ منها ضخم الجثة ولطَمَها علي وجهها بعنف وغِلٍ لتخرس وتحترم القاضي الشيخ ، تأرجحت وكأنها ستسقط علي الأرض لكنها تماسكت وتحدتهم جميعا ، سخِرت مِن ضخم الجثة ومِن الحارسات وصوتها كان عاليًا يتحشرج وقالت ليس شيخًا وليس قاضيًا ، رفعت عقيرتَها بالغناء أكثر وأكثر ..
ينتحِب روبرت وينتحِب ، قتلَها مارك، قتلَها، ولم نَقوَ أن نمنعه ولا أن ننقذها ، النسوة في الساحة وقعن مغشياتٍ عليهن، وأنا تخشبت مكاني كصنمٍ بليد ، شاهدته يقبض بكفيه الغليظتين علي رقبتها ، شاهدت قدميها تتأرجحان في الفضاء بعدما رفعها وجسدَها الهزيل عن الأرض وهو يضغط علي عنقها يكسره ، سمعت صوته يتحطم تحت أصابعه ، سمعت آخر كلمةٍ في موالها تسقط مِن حنجرتها، وروحها تفلت مِن بين أصابعه وظلمِه، وترحل للبراح ، شاهدته يرفعها عن الأرض حيةً ويعيدها بعد ثوانٍ مقتولةً ميتة، ويلقيها متكومةً فوق بعضها وسط الساحة ، لم أحاول إنقاذها مارك ، جَبنتُ ، خِفتُ ، لم أحاول أن أدافع عنها ، ولم يحاول أحد ... ويبكي..  ويبكي ...
صمتٌ ثقيل يخيم علي صالة المنزل ، حصار يحكم قبضتَه علي أرواحنا ، ليتَكَ روبرت لم تقُص عليّ قصة حسناء، وليتَك لم تَحكِ لي عنها ، ليتَك لم تشاركني حزنَك ، ليتني لم آتِ هنا أصلا وبقيت في منزلي الآمن لا أكترث بالعالَم الخارجي كله، وطبعًا لا أكترث بهذه المدينة ولا بحَسنَاء !!!
وماذا حدث بعد هذا ؟؟ لا أسأله وأنتظر يمسح دموعَه ويصمت نحيبه ويقص عليّ يوميات حزنِه في هذه المدينة ، هل تعرف ماذا حدث مارك بعد موتها؟؟ ارتفع صوت الموّال الجميل عاليًا من وسط الساحة، وكأن الملائكةَ زَفَّت جسدَها للسماء علي نغماته الجميلة ، أُقسِم لك أن جسدها كان يغني، والمباني القديمة كانت تغني، وبلاطات الساحة كانت تغني، أُقسِم لك مارك أن المدينة كلها كانت تبكي وتغني الموالَ القديم الذي حوَّلته حسناء مِن مجرد نغمات طرب لرايةِ مقاومة وتَحَدٍ ...
بقيتُ مكاني خلف البناية أبكي وأبكي ، لا أصدق أن حسناء الموصلية الجميلة خُنِقتْ وتحطم عنقها لأنها تغنت بمواويل الموصل القديمة ، ولا أن الغناء صار جريمة تستحق هي عليها الإعدامَ خنقًا!! كان يبكي ويبكي ويتمايل بجذعه ويتأرجح وكأنه يتراقص علي صوت غنائها الذي لم يخرسه حتي فزع الموت !!!
هل لو أخبرتُ روبرت عن أُمنيتي في تصوير تلك اللقطة الموجِعة للموصلية الجميلة وهي تغني آخرَ مواويلها، وساقاها ينتفضان في الهواء، وعنقها الجميل يتكسر، وأحبالها الصوتية تتمزق تحت قبضة الإرهابي القاتل ،  سيغفر لي برودي ؟ هل كان سيسامحني ؟؟؟
في تلك اللحظة فكرت أصوره هو ، أصور دموعَه المنهمرة سيلا ، وتمنيت لو شاهدتُ النسوةَ الباكياتِ النائحات وصوّرتهن وضممت صورهن لمجموعتي التي التقطتُها هنا ، دموع مدينة ، هذا اسم المجموعة التي لم ألتقِط غير صورٍ لها ، كل شيء ينتحِب ، المباني والنهر والبشر والتاريخ والحضارة ، الكُل يبكي ويبكي ويبكي ...
كنت أتمنى ألتقط صورة قتْل حسناء ، ليس مِن أجل المسابقة ، بل تخليدًا لوجودها، وتحديًا لعصابات القَتَلة التي تحكم المدينة ، كنت أتمنى أن أصورها عصفورًا مغردًا فوق النخلة العالية علي ضفة دجلة ، لكني لم أفعل للأسف ...
تسللتُ مِن الصالة وتركته وحيدًا ينتحِب وألقيت جسدي علي الفراش وغطيت وجهي بالغطاء القطني وتكومت حول نفسي ، أفكر في دموع المدينة وحزنها الجارف ومتي سينتهي ؟؟؟ تركته يبكي في الصالة وأغمضت عينَي تحت الغطاء مرتعشًا، وتصورت أن كل ما قَصَّه عليّ كابوس لم يحدث ، وأن الموصليةَ الجميلة ما تزال تغني وستظل تغني، وأبدا لن يفلحوا في إخراسها ..
هل صورة حسناء هي اللقطة الضالة التي كنت أبحث عنها ؟؟ هل أتيت هنا من أجل المسابقة ؟؟ أم أتيت لأخلِّد ذكرى الضحايا الذين رفضوا الخضوع لعصابات المرتزقة القَتَلة وأحتفظ بصورهم في دفتر تاريخ المدينة ؟؟ ما لك أنت يا مارك بالمدينة ودموعها ودفتر أحزانها ؟ أنت غريبٌ أجنبي أتيتَ من أجل المسابقة وسترحل قريبًا مهما طال بقاؤك ، دعِ الدموعَ والحزن لأهل المدينه وناسها ، ما لك أنت مارك ؟؟؟
كل هذا يدور في عقلي، وطنين المروحة يسكن أُذُنَي كسلكِ الكهرباء العاري يحرق ولا يميت، هل أعود لعشيقتي وكلْبي وأترك كل هذا خلفي؟ ما لي أنا وكل هذا ؟؟
ما لي أحزن علي الموصلية التي لا أعرفها ؟ ما لي بتلك البلاد ؟؟؟ هل أعود لبيتي وأُعلِن لعشيقتي فشلي ؟ لم ألتقط أي صورة، فهناك الموت، والموت فقط، وفشلت في تصويره !!!
طنين المروحة يرتفع ويرتفع يحطم رأسي فوق الفراش وكأنه أزير مروحيةٍ طائرة تقبض علي رأسي ، أخبِرْني يا مارك بالله عليك لماذا تركتَ كل الدنيا خلفَك وأتيتَ لهذا الجزء الموحِش من الكُرة الأرضية ؟؟ قدَرٌ ، أسمعُ روبرت يهمس ولا أصدقه !!! لكنه يبدو فعلا أنه قدَرٌ ، قدَري أن أكونَ هنا !!
وما زال غناء الموصلية الجميلة حسناء يتردد في أُذُني بمواويلَ بهيجةٍ تملأ المدينةَ المسكينة بالبهجة والتحدي، وتسكنها بروح المقاومة ... وغفوتُ أو ربما مِتُّ ، لا أعرف ولم أَعُد خائفًا، ولم أَعُد أكترث .....!

( 36 )
عُد في وقت آخر يا سيدي
"حمَّام السوق"

علمتُ مِن عجوزٍ هرِمة أتتني في الصباح ، أن أجنبيًا يسير حائرًا تائهًا وسط السوق ، مرتبكًا يتأمل بعيون مندهشة كل جنبات السوق والحوانيت والدكاكين الصغيرة ووجوه البائعين، قالت العجوز إنها شاهدت كاميرا معلقةً علي كتفِه، وخافت منه بسببها، لا تعلم ما الذي سيفعله بالصور التي يختلسها مِن خلف أهل السوق وزائريه ,,
قالت العجوز وجسدها في الحوض الكبير الذي يتصاعد منه البخار ، إنها صارت تخاف الأجانب وتخشي شرهم علي المدينة وأهلِها بعد كل ما عاشته وشاهدته من شرهم وصواريخهم ..
انتبهتُ للأجنبي وسيرِه الحائر بين جنبات السوق ، حين اقتربَ من بابي ، تجهزتُ للمشاجرة معه ، هذا حمّام للنساء فقط أيها الأجنبي ، ابتعِدْ ولا تهتِك سِتر النساء ، ابتعِد وإلا اجتمع عليك الرجال وقتلوك لأنك تتلصص علي حريمهم وهو ما لا يجوز ولن يُقبَل أبدا ..
الحق أن الأجنبي لم يقترب من البوابة، ولم يحاول التلصصَ علي ما يحدث بين جدراني ، الحق أنه جلس علي حجر كبير علي بُعد خطوات من البوابة وأخرج كاميرته وأخذ يلتقط صورا للجدران والمنمنمات التي تزركشها والكتابات التي تزينها ، هذا ما يبغيه ويسعي إليه ، بعض الصور للحمّام الشعبي في السوق القديم ، هذا ما فهمته وعرَفته وتيقنت منه ..
أشفقتُ عليه من ظنوني السيئة وشكّي فيه وكدت أعتذر له ، كدت أسأله أن تصاحِبه زوجته في رحلته داخل السوق ، لو كانت معه كنت لدعوتها لتعيش أجواء الموصل القديمة وحمّامها الشعبي ، وتتعرف علي ما لن تراه في بلادها، وتستمتع بكرمنا وطقوسنا الجميلة ....
هل تصاحبك زوجتك يا سيدي ؟؟ سأسأله ، وعندما يخبرني بأنها في صحبته ولكنها في محل القماش تشتري بعض الأثواب المنقوشة ، سأقول له إني أدعوها ساعتيْن في رحابي للتحمُّم والاستمتاع، وعليه أن يرسلها لي فورَ عودتِها ..
لو أتتني زوجة الأجنبي ، لن أطلب منها أن تحضِر مستلزمات الحمّام الخاصة بها ، سأُهديها من عندي اللوف الذي ستفرك به جسدَها، والحَجر الخشن الذي ستنعِّم به كعبيها، والزيوتَ العِطرية برائحتها الشرقية الجميلة لتنعيم بدنها وترطيبه، وأمشاط الشَّعر العاجية ، وربما أمنحها عُلبةً فِضية منقوشة لتحتفظ بتلك الأشياء وهي خارجة مِن ضيافتي ، كل هذا سأمنحه لها هدية كرمًا واحتفاءً بها ..
لو أتتني زوجة الأجنبي ، سأمنحها وحدَها " دكة " من المرمر في ساحتي الكبيرة تضع عليها أغراضها وحقيبةَ يدِها ، وسأصحبها داخل الحمّام وأُخصِّص لها خانةً وحدها لا تشاركها فيها أخرى ، وأُخصّص لها داخل الخانة الحوضَ الكبير تتحمّم وحدَها بمائه الساخن وبُخارِه اللاهب، وأنصحها أن تخلع ملابسها وتغطس بدنها استرخاءً في الحوض، وربما أُرسِل لها سيدة تساعدها في تدليك جسدها وتنعيم كعبيها وتمشيط شَعرها ، وحين تفرغ من حمّامها سأمنحها إبريقًا من "الجاي" الساخن وصحنًا من "الكليجة" الذي أعددتُه بيدي احتفاءً وترحيبًا.
انتظرتُ بعض الوقت أن تأتي زوجة الأجنبي لتطرق بابي فأفتح لها بمنتهى الترحيب ، لكنها لم تأتِ، وعرَفتُ من النسوة اللاتي أتين صاخباتٍ من السوق أن الأجنبي وحيدٌ لا تصاحبه زوجته في رحلته للموصل، وأنه كثيرا ما يَظهر في السوق والأزقة القديمة برفقة رجال منظمة الإغاثة الدولية ، عرفت كل هذا فتأسيتُ لحاله أكثر بعدما شككتُ فيه وأسأت الظن، وتركته لخيالي الموحِش ينتظر منه ما ليس فيه ، لو عاد غدًا أو بعد غدٍ سأرسِل واحدة من العاملات معي تناديه، وسأمنحه عُلبةً فِضية منقوشة هديةً لزوجته يعود لها بها بعد انتهاء زيارته ورحلته، ومع العلبة كارت اعتذار لأننا صرنا نشك في الأجانب ونخاف منهم بعدما دُمِّرت بلادنا علي أيديهم ، سأعتذر له وفي نفس الوقت أُوصيه أن يوصي هو أبناءَ دمِه وعمومتِه أن يكفوا أذاهم عن بلادنا الجميلة، سأطالبه أن يأتي يزورنا مرة أخرى ومعه زوجته ليمنحني فرصةَ تدليلِها والاعتناء بها ..
عُد في وقتٍ آخرَ يا سيدي، ومعك زوجتك لتستمعا بالموصل وجمالها بعدما تنتهي الحرب وترفع رايات الانتصار وتستعيد الموصل وجهَها القديمَ الجميل ..
عُد في وقتٍ آخرَ يا سيدي ...

 ( 37 )
الحقيقة

اتصلتُ بمدير الجريدة المحلية الصغيرة التي منحتني هويتَها ووظيفتَها قبل المجيء هنا  ، للموصل ،  سألني لاهيًا ، هل ما زلتَ حيًا ؟ ضحكتُ ، حتي الآن ما زلت حيًا، لكني لا أعرف ما الذي سيحدث غدًا ، دوَّى في أذُني صوتُ الموصلية وتحذيرها وتهديدها ، انتبِه لرأسك ، انتبِه لرأسك..
ما الذي يحدث عندك ؟؟ ألا تعرفون يا سيدي ؟؟ ضحكَ وقهقَه ، نعرف بعض الأخبار المتناثرة ، بلاد غريبة دموية يَقتل أبناؤها بعضهم البعض طيلةَ الوقت ، ليست هكذا يا سيدي،  ليست هذه الصورةَ الحقيقية ، هذه الصورةُ التي تروِّجها شبكات الأخبار ومحطات التليفزيون والصحف الكبرى ، إنهم لا يقتلون بعضهم البعضَ طيلةَ الوقت ، صمتَ مدير الجريدة وسألني بصوتٍ بارد ، ماذا تريد مارك ؟؟ أريد أن أكتب لك عما أراه هنا ، سلسلة تحقيقات ومعها صور فوتوغرافية ، هل تنشرها يا سيدي ؟؟ صمتٌ طويلٌ طويل حتى ظننت أن الاتصال قُطِع ، وما الذي يفيدنا مارك حين نرى أبناء تلك الأرض وهُم يَقتلون بعضَهم ؟؟ وكأنه لم يسمعني ، لا يَقتلون بعضهم يا سيدي ، لا يقتلون بعضهم ، عصابات الدولة مرتزقة وليسو مِن شعب الأرض، أجانب ومِن جنسياتٍ مختلِفة ، جيش مرتزقة يا سيدي ..
ضحِكَ ضحكاتٍ ساخرة ، تتحدث في السياسة مارك وكأنك سيناتور في مجلس الشيوخ ، ما لك والسياسة ؟ هل التقطتَ صورتك التي سافرتَ من أجلها ؟ دعِ السياسةَ لأهلها مارك ولا تشغل بها رأسك ، أتحدث بعصبيةٍ وغضَب ، يا سيدي هذه ليست سياسة ، أتحدث عن الحياة،  عن النساء الأُمهات والأطفال الصغار الذين يختفون ، أتحدث عن العجائز اللاتي أُخرِجْن من ديارهن ويُمارَس عليهن قهرٌ ديني لتغيير إيمانهن وعقائدهن ، أتحدث عن النسوة اللاتي مُنِعن من العمل وفُرِضَ عليهن احتجابٌ في الملابس والوجود ، هذه ليست سياسة سيدي ، أتحدث عن الحياة ، أنتم  أقصد نحن لا نعرف ما الذي يجري علي هذه الأرض ، أتتني الفرصةُ سيدي لأعرف وأحكي ، هل تَنشر ما أُرسِله لك ؟ حكايات وقصص موثقة بصورها ؟؟؟ آلو .. آلو ... صمتٌ وطنين ، الاتصال قُطِع !!!
حاولت الاتصال مرةً وعَشرًا ولم أُفلِح ، أغلَق هاتفَه ، لن ينشر ما أرسِله لو أرسلتُه ، لن ينشر الصور ولا الحكايات الموثقة ، لا يكترث، وجميعنا لا نكترث ، أنا أيضًا أبدا لم أكترث ، لم أشغل رأٍسي إلا بما يقوله الرئيس وإدارته ، لم أشغل رأسي أبدا بما يحدث في كل العالم ، كل ما يهمني أقصد ما كان يهمني ، كل ما كان يهمني كان حياتي ومارلي وكلْبي فون ، حتي أُمّي أودعتها دارًا للعَجَزة بعدما أرهقتني بتخريفها وصراخها وطلباتها وكراهيتها لمارلي ، لم أشغل بالي إلا بمارلي وفون ..
ولِمَ ألومُه ؟؟ الحق أنا وكلنا وهو مدير التحرير لا يشغلنا إلا مارلي وفون ، ما يحدث في العالَم الآخر لا يعنينا ، إنْ قال الرئيس أشرار فهُم أشرار، وإن قال أخيار فهُم أخيار، وحسبما يقول الرئيس نتركه يتصرف ونحن نثق فيه ، تشغلنا الضرائب وهل سيرفع قيمتَها ، تشغلنا المنازل وهل سيخفِّض أسعارها ، تشغلني الوظيفة التي أتمناها وجدول الرواتب والزيادة السنوية ، أمّا ما يهتم به الرئيس فأبدًا لم يشغلني ، هو الرئيس وعليه أن يهتم بالعالَم الآخر، أمّا أنا فمجرد مواطِن عليّ أن أهتم بحالي وشؤوني ..
كنت مثل مدير التحرير وملايين غيرنا ، لكني اليوم ، وبسبب لقطةٍ ضالة ومسابقةٍ وهمية والقَدر ، بسببهم جميعا أتيت هنا ، وشاهدت ما يحدث ، شاهدته بعينَي ووثقته بكاميرتي وسمعت نحيبه ودموعه بأُذُني ، لم أعد أنا مثلما كنت ، شاهدت بعينَي فكيف أفقأهما وأصمت؟ ، ألا ترغبون في أن تروا وتسمعوا الحقيقةَ ؟ ألا ترغبون في أن تعرفوا ماذا يحدث ، ألا ترغبون ؟؟
وأحاول الاتصال مرةً وعَشرًا ، اليوم وأمسِ وغدًا ، سأظل أحاول ، سأستجديه ، انشرْ لي يا سيدي ما أُرسِله لك وسأتحمل أنا المسؤوليةَ كلها ، انشرِ الحقيقةَ بلا مبالغة، بلا تهوين، بلا خداع، بلا موارابة ، الحقيقة كما شاهدتها بعينَي ووثقتها بكاميرتي ، انشروا الحقيقة وكفاكم كذبًا وخداعًا ، مِن حق الأمريكين أن يعرفوا ماذا يحدث ، مِن حقهم أن يعرفوا كيف يتصرف الرئيس وهل هذا ما يبغونه ويسعون له ؟ مِن حقنا أن نعرف ، مِن حقنا أن نعرف ، يا مدير التحرير، يا رؤساء تحرير الصحف والمجلات، يا أصحاب المحطات التليفزيونية ومُقدِّمي البرامج انشروا الحقيقة التي رأيتها بعينَي، وكفاكم كذبًا وخداعًا ، انشروا الحقيقة !!
ولم أُفلِح في أن أصل إليه، ولم يكلمني، وغالبًا اعتبرني جُنِنتُ ونسيني، وربما ندِمَ علي التصريح الذي منحه لي والكارنيه الذي قال إني أعمل معه ، لم أفلح في أن أصل إليه، وبمعنىً أدق لم يسمح لي أبدا أن أصل إليه ، وبقيت الحقيقةُ التي شاهدتها بعينَي ووثقتها بكاميرتي دفينةَ حقيبتي حتى الآن .. ولا أعرف لمتى ؟؟؟؟

( 38 )
قالت أحلام

قالت لي أحلام بمنتهى التأثر والأسى إن ذوي الرايات السوداء دمروا مزار "قبر البنت " ، لم أفهم ، قالت إنه مزار لنسوة الموصل يتبركن به ويؤمِنّ أن زيارتهن له تعالج العقمَ وتمنحهن الخصوبة والأطفال ، ضحكتُ كثيرا ولم أصدقها ، اتركي أخرى تقول ما تقولين ، أنتِ حكيمة تؤمنين بالطب والعلاج بديلا عن الخرافات والشعوذة ، تقولين لي إن النسوة يزُرن أحجارًا لتشفيهم بدلا من الطب والعلاج ! تقولين هذا وأنتِ متأثرة يا سيدتي الحكيمة!! اتركي أخرى غيركِ تقول هذا !!!
نظرتْ لي أحلام نظرة لوم وعتاب ، هذه هي مشكلتكم أيها الغربيون عن بلادنا ، مشكلتكم أنكم لا تفهموننا وأبدا لن تفهمونا ، مشكلتكم أنكم تفسروننا تفسيراتٍ فلكولورية وتصدقونها وتسخرون مِنا وتتعالون علينا باعتبار أنكم تفهمون في العِلم والتقدم بينما نحن غارقون في أوهام الشعوذة والخرافات ، هذه مشكلتكم سيدي المصوّر ...
أُخرِج الكاميرا وأضبط العدسة وألتقِط لها صورا متتابعة وهي تحاضرني بمنتهي الغضب والجدية عن مشكلتنا في فهمهِم وفهْم بلادها ، تلوِّح بكفيها في الهواء ، ترفع إصبعها في وجهي ، تزمُّ شفتيها وتعبس جبينَها وتحاضرني، بل الحق تحاضِر كل الغرباء عن بلادها في شخصي ...
دعك مِن تصويري وفكِّر فيما أقول ، أبتسِم ولا أترك الكاميرا ، ما زالت تحاضرني ، أسمعها صامتًا لا أرغب في استفزازها ، نحن شعوب تملك كنوزَ الحضارة والتاريخ سيدي ، ولحضارتنا أسرارها ومعانيها التي تستعصي عليكم ، ودعني أريحك وأقول لك إن زيارة النسوة للمَزار لا تشفيهن ، بل هو اليقين ، اليقين يا سيدي يصنع المعجزات ، اليقين ، ضحكتُ وقلت لها ، اليوم تقولين كلاما غريبا حتي لا أفهمه وترجعين تلومينني وتقولين لا نفهمكم !!!
اليقين يصنع المعجزاتِ يا سيدي ، النسوة اللاتي يترددن علي المَزار يؤمِنّ أن زيارتهن للمكان والدعاء سيعالجهن ويشفيهن ويمنحهن الطفل الذي يتمنينه ، يقين النسوة وإيمانهن هو الذي يعالجهن ويشفيهن ، النسوة اللاتي يترددن علي المَزار يذهبن للزياره والدعاء وكلهن أمل متفائلات وهذا كله يتضافر ويمنحهن ما يتمنينه ، إنه اليقين يا سيدي !!!
هل قرأتَ كتاب السر يا سيدي ؟؟ ارتبكتُ وخجلت وهززت رأسي نفيًا ، لا أُحِب القراءة!! ضحكتْ ، كتاب السر يا سيدي ، كتاب شهير كتبته استرالية تؤمِن بالعِلم والتقدم مثلك ، وهناك فيلم يحمل نفس الاسم أيضا ، هل شاهدتَه يا سيدي ؟؟ أهز رأسي نفيًا ، كتاب السر ، اقرأه يا سيدي عندما تعود لبلادك ، اقرأه واعرفْ أثر اليقين في تغيير العالم ، مَزار " قبر البنت " كان يمنح النسوة يقينًا وحالة نفسية سعيدة وأملا ، كل هذا يساعدهن علي الحَمْل والإنجاب ، هل معنى هذا أنه لا فائدة مِن الطب ؟؟ مَن قال هذا؟ لكن حتي في الطب ، لو أني لا أصدق الطبيب ولا أطمئن إليه وأثق فيه ، لولا كل هذا ما يشفي المَرضَي ، الطبيب والثقة فيه عامِلٌ كبير، والراحة النفسية والطمأنينة كل هذا يساعد علي الشفاء ، مزار " قبر البنت " كان يمنح نساءنا سعادة ويقينًا وأملا ، لكن أعداء الحياة والحضارة والتاريخ هدموه ليمنعوا عن قلوبنا الفرحة والراحة والأمل !!!
طبعًا لا تفهم ما أقول، وتعتبرني جاهلة غارقة في الشعوذة والخرافات ، وتعتبر بلادي غارقة في الجهل تنتظر أيديكم لتنتشلها وتنقذها وتنقذنا !!! لا فائدة فيكم يا سيدي المصور ، لا فائده فيكم !!!!
الحق أن هذه مِن أجمل مجموعات الصور التي التقطتُها منذ قدمتُ للموصل ، كدت أصدق أحلام وما تقوله ، مِن شدة حماسها وتصديقها لِمَا تقوله ويقينها فيه وبه كدت أصدقها ، وقررت أن أبحث عن مكان المزار وأصور بقاياه وأطلاله وأكتب عن يقين أحلام ، هذه قصة خاصة جدا ، أبدًا لن أصادفها إلا هنا ، في الموصل !!!
شكرتني علي الإصغاء لمحاضرتها وشكرتُها علي الصور ، وقررتُ حين أعود لبلادي ، أشتري كتاب السر علّني أفهم ما تقوله أحلام وما تصدّقه!!!
لكني لم أَعُد ....


( 39 )
"" لَقطَة مِن مجموعة الصور ""
"" أحباب الموصل ""

عندما جلستُ لأول مرةٍ علي الحجر الكبير علي مدخل الزقاق الضيق أراقِب روبرت وزملاءَه وهُم يؤدون عملهم لمساعدة اللاجئين والمُهجّرين والمحتاجين من النسوة والأطفال ، لم أعرف أني قد ملكتُ ناصية الزقاق وجثمت عليه وكشفت حركة أهلِه فصاروا هدفًا يسيرًا لعدساتي وكاميرتي..
هذه الصور التي أرتِّبها الآن لمجموعة من الأطفال ، أحباب الموصل ، أبناء الزقاق والنسوة القاطنات فيه ، التقطتُها في عدة أيام متلاحقة ، صور تعبّر عن الحالات المتناقضة المتباينة لنفسية هؤلاء الأطفال حسبما هو الحال والحياة حولهم ..
الصور الأربع الأولى ، التقطتها لهم في يومٍ هاديء ، لا انفجارات ولا مشاجرات بين النسوة، ولا صراخ لضياع صغير، ولا إغماء لعجوز ، ثلاثة أطفال يجلسن القرفصاءَ علي أرض الزقاق ، يلعبون بالأحجار الصغيرة ، يتراشقونها بين أصابعهم ، أجمل الصور التي التقطتها لهم ، صور الأصابع النحيلة وهي تختطف الأحجار وتعود وتُلقيها ، يومَها لم أكترث بتعبيرات وجوههم الهادئة الساكنة ، اهتممت أكثرَ بحركة أصابعهم وأكُف أيديهم ، فكانت هذه الصور الأربع ..
الصور السبع التالية ، التقطتُها وسط صراخ وعويل وهَمٍ وغَم ، النسوة يصرخن، وروبرت وزملاؤه يتحركون بسرعةٍ عاجزين عن مساعدة العجوز التي فقدت الوعي ، يومَها صرختْ ابنتها ثم جارتها ثم كل النسوة ، هل ترون حركة الأطفال ؟ الصورة الأولى وهم يقفزون من أماكنَ ، هل ترون الهلع علي وجوههم في الصورة الثانية ؟ هل ترون حركاتِ أجسادهم وهي تجري في الصورة الثالثة ؟ الصورة الرابعة عيونهم مفتوحة فزَعًا وأفواههم أيضًا ، في الصورة الخامسة ركزت علي صبيٍ واحد فقط ، قرر أن يخفي رأسه بين ذراعيه وكأنه يختبيء من كل ما يعيشه ، كأنه يقول أنا لستُ هنا ، الصورتان الأخريان للأطفال الثلاثة بعدما أفاقت السيدة وسكنَ الصراخ ، عادوا لأماكنهم نَعم ، لكن الفزع بقي علي وجوههم شحوبًا ملحوظًا .. أتذكّر جيدًا مشاجرةَ روبرت معي في ذلك اليوم لأني بقيت مكاني لم أساعدهم، والسيدة تكاد تموت ولم أكترث إلا بتصوير اللحظة ..
هاتانِ الصورتان أحِبهما جدا ، كانت زهراء تتشاجر معي وتتهمني بالجهل وتتوعد ذوي الرايات السوداء بالهزيمة وتقسِم بالانتصار القريب للموصل ، كنت أصورها ، لكني في لحظة انتبهتُ لهذا الصبي الجالس بعيدا ينصت لكلامها وكأنه يحفظه حرفًا حرفًا ، تركتُ انفعالاتِها وبدأت أصوره ، كان ينصت لها ويستوعب حديثها وكأنه أرضٌ عطشَى للماء ، كلماتها هبطت علي روحه طمأنينة ، التحدي في عينيها انتقل إليها فارتسمت علي وجهه ملامح المقاتلين وكأنه سيحمل بندقيته ويَخرج من الزقاق يقاتل ذوي الرايات السوداء وينتصر للموصل ، أجمل صورتين له تلك اللتان أبقيتهما ضمن المجموعة ، الصورة الأولى وملامح وجهه تتبدل من التوتر والقهر للطمأنينة واليقين ، وكأن جِنيّةً طيبةً مرت علي ملامح وجهه المعقوفة فبدّلتها، في تلك اللحظة التقطتُ الصورة ، الصورة الثانية وهو يَسمعها تقسِم بأن الموصل تنتصر ، لو حدقتَ في الصورة جيدًا ونظرتَ لوجهه وشفتيه ، لسمِعتَه يقسِم معها بأن الموصل ستنتصر ، كأنه يردد كلماتِها ليحفظها، كأنه يردد كلماتِها ذُخرًا للأيام القريبة التي سيحمل فيها سلاحَه ويقاتل دفاعًا عن مدينته وينتصر لها ، في تلك اللحظة التي رأيتُ شفتيه تتلاعبان بأحرفِ وكلمات زهراء ويرددها اقتنصتُ منه الصورة الناطقة ، نَعم تكاد تنطق بصوته وبإصراره ويقينِه بانتصار المدينة ...
الصورة الأخيرة والنهار يغادر الزقاقَ وقتما كنا نستعد للرحيل ، التقطتُها لصغيرٍ يبكي بلا دموع ، هل ستتصورنه تمثيلا وأداءً بلا حزن ؟ هذا الانطباع الأول الذي داهَمَنا وقتما سمعنا صوت بكائه ، تركَته أُمُّه وسط الأطفال واختفت لشيء لا أعرفه ، الصغير فزِعَ ، ربما تَصورها اختفت ولن تعود ، لا أعرف بالضبط ، كل ما أعرفه أننا سمعنا صراخه كصوت النفير عاليًا في الزقاق ، التفتُّ أبحث عن صاحب الصراخ الموجِع ، وجدته مكانَه ، جسده كله ينتفض وذراعاه في الهواء وكأنهما يحاولان الإمساك بما يطمئِنه ، عيناه تبكيان بدموع حجرية لم تسقط ، أخرجتُ الكاميرا من حقيبتها وبسرعةٍ وقبلَما يعود بذراعيه لجواره ، وقبلَما تنهمر دموعه التي لم تنهمر ، التقطتُ الصورةَ ، هذه الصورة تنطق بصراخ الصغير ، تشكو فزعَه ، هي صورة واحدة التقطتها له ، وبسرعةٍ عادت أُمُّه وحَمَلته لحضنها ودفَنَ رأسه في صدرها وسكن ، حاولتُ أن ألتقط صورة لوجهه بعد الطمأنينة التي سكنته ، لكنه لم يرفع رأسه من حضن أُمّه طويلا حتي سحبني روبرت من ذراعي لنعود للمنزل ..
أُحدق في كل الصور وأسال نفسي ، هل سينسى الأطفال كل تلك المشاعر وقتما يكبرون ووقت أن يمكنهم أن يعيشوا حياة طبيعية ؟؟ وقبلَما أجد الإجابة سخِرتُ من غبائي متسائلا وماهي الحياة الطبيعية مارك ؟؟


( 40)
خَيَال

سِرتُ طويلا علي ضفة النهر تحت بقايا النخيل الذي كان مشرئبًا عاليًا وكأن الحزن قصَمَه فتدلَّى موحِشًا ، التقطتُ بعض الصور ولم تعجبني ، ليست هذه صور المسابقة التي أطمح فيها ، هي مجرد صورٍ تسجّل تفاصيل الرحلة التي أعيشها ، صور ترسم المدينة التي نادتني فأتيت لها وعشت فيها ، صور ترسم أطلال البيوت القديمة وجدرانَها العالية وحدائقها التي كانت غنَّاءَ، وشرفاتها التي كانت قد عاشت سمَر أهلهِا وغناءهم البهيج في ليالي الخريف ..
التقطتُ وباستعجال سخيف بعض الصور للشرفات الخاوية والأشباح التي تتحرك خلف نوافذها ، أرواح وكأنها سجينة في أجسادها، ومنازلها تحتمي من الجنون المطبق والعنف الموحش الحاكم للمدينة الحزينة ، هذه صوره جيدة ، كان يمكنني أن ألتقط أجمل منها لو تريثتُ وضبطتُ عدستي، وقفتُ في مواجهه النافذة ألتقط خيالا للفتاة التي يتطاير شَعرها حُرًا في سجنها ...
قررتُ أنا أن الخيال المتراقص أمام عيني لفتاةٍ، وأن الفتاة أسيرة، وأنها تتمرد علي الأسْر وتتمايل تمردًا وتبعثر شَعرها مقاومةً وتَحديًا ...
أعرف أنه بعدما غزت العصاباتُ المدينةَ وحكموها وتحكموا فيها بالرصاص والأنصال والأوامر الجامحة المستبِدة ، أمروا النساء ألا يغادرن منازلهن إلا للضرورة التي يحدد الشيوخ والذقون وذوو الرايات السوداء معناها وسياجَها ، وأطلَقوا شرطة نسائية مخيفة في الشوارع تطارد النسوة وتضربهن بعنفٍ مخيف، وتجبرهن علي الخضوع والانصياع المهين للأوامر والنواهي؛ فاحتجبتْ نساء المدينة خلف الجدران وفي المنازل يتقين شر الجنون وهراواتِ الشرطيات وتفسيراتِ ذوي الرايات السوداء وكراهيتَهم للحياة ..
ما زال الخيال الطليق يتمايل خلف زجاج النافذة في البيت العتيق الرابض علي ضفه النهر ، قررت أنا أنه خيال لسيدة موصلية متمرده تقاوِم العسف ، أظنها ترقص علي موالٍ موصلي قديم ، أظنها تنثني وتنحني وتحلّق علي مقامات الموال ، أظنها تبعثر شَعرها في الهواء حُرًا غاضبًا ، أظنها ترسم بملامح وجهها الذي لا أراه لقطَةً رائعة لو فزتُ بها لرحلتُ فورًا ، لكني لم أرَ وجهها ولم أميز ملامحها ، ربما هي زهراء أو أحلام ، ربما هي حسناء أو أخرى غيرها، ،المؤكد أنها فتاةٌ موصلية تكسر الأغلال والقيودَ وتطلِق لروحها الحريةَ ، هكذا قررتُ والتقطتُ لها بعض الصور بسرعة أسجل اللحظة وأوثِّقها ...
هذه امرأة جميلة لا شك ، حزينة أكيد ، غاضبة جدًا، هكذا قررتُ ، التقطتُ لها بعض الصور بسرعة أسجل اللحظه وأشهد عليها ، خائفة مرتاعة من العصابات التي تحتل الشوارع وتتحكم في روح المدينة وتخنقها وتخلع نخيلها وتقتل رجالَها ، هذه الخيالات لامرأة جميلة أطلقت الحريةَ لشَعرها وجسدها وأنوثتها المقهورة بعسف وجنون السلطات التي تتحكم في المدينة ، هكذا قررتُ أنا..
لمحتُ الخيالاتِ تتثني فتواريت بعيدا وضبطت بؤرة العدسة قدر ما سمح لي خوفي واستعجالي، التقطتُ صورًا كثيرة لروح تتمرد من خلف النافذة، لو كنت وقفت في مواجهة النافذة واقتربت أكثر لالتقطتُ صورة فنية عظيمة، صورة يمكنني أن أكتب قصتها وحكايتها كبعض الواقع والكثير من الخيال، لكني جبنتُ أن أقترب، وجبنتُ أن أتريث، التقطتُ صوري في عجالة وتحركت بسرعة بعيدا عن المنزل، وكأن ذوي الرايات السوداء سيخرجون لي من تحت ماء النهر ويقبضون عليّ ويخنقونني لأني تجرأتُ علي النساء وعلي المنازل وعلي الأنوثة وعلي تحدي عصابات الدولة، والتقطت صورة خيالٍ يتثني أظنه لامرأة لا أعرفها ولن.
وتتزايد الصور في مجموعتي ، دموع مدينة ، تتزايد الصور وتتلاحق الأيام ولا أحصل علي اللقطَة الضالة، ولا أغادر، وأعيش منتظِرًا ما لا أعرفه!!!


نهاية الجزء الرابع 
ويتبع بالجزء الخامس


ليست هناك تعليقات: