مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 20 مارس، 2016

مَوَّال الوَصْل والوَجَع .... الجزء الثالث



مَوَّال الوَصْل والوَجَع


الجزء الثالث 




( 21 )
"" لَقطة مِن مجموعة الصور ""
"" حزن أحمد  ""

بكيتُ كثيرًا بعدما التقطتُ هذه الصور ، ذهبتُ لساحة سوق باب الطوب أبحث عن المكان الذي انجذب فيه أحمد وفقدَ صوتَه وعقله ، دخلتُ السوقَ في الصباح الباكر وقبلما تبدأ حفلات الإعدام وتقطيع الأيدي وجبروت الجنون ، عطن الدماء الساخنة التي تجلطت علي أرض الساحة وجدرانها خنقني فكدت أن أفر ولا أعود لولا أحمد وما أصابه ، حفزني أن أحتفظ بلقطةٍ لذلك المكان الموحش حيث يفقد الناس عقولهم وإنسانيتهم ، أحمد ، اُشفِق عليه مما أصابه ولا أملك له ولا لغيره حلا ..
لففت في الساحة ألتقط صورًا لأبواب الحوانيت الصغيرة والنقوش التي تزينها ، رفعتُ كاميرتي لأصور الساحة الخاوية ، خيالي اللعين رسم لي عينَي أحمد الجاحظتين وقتما شاهد الرؤوسَ تطير والدماءَ تتناثر ، تصورته أمامي والصراخ محبوس في حنجرته لا يخرج ، شاهدت عروقه تنفر تحت جِلده، ورقبتَه تكاد تنفجر من شده الانفعال ...
هربًا مِن نظرة الفزع في عينيه لففت في الساحة علَّني أعثر علي لقطة مختلفة عن صور الحزن التي التقطتها  ، شاهدت شابًا يجلس أمام أحد الحوانيت منكسرًا ، نَعم هذه هي صورته التي أحدق فيها الآن ، اقتربت منه وسألته ، اتسمح لي أن أصورك ؟؟ هز رأسه ، الصورة الأولى كانت له وهو في مكانه منكسرٌ حزين ، سألته هل تعرف أحمد ؟؟ هنا جاءت الصوره الثانية ودمعتان تقفزانِ من عينيه ، صاحَبَني في الساحة وأخذ يشرح لي ما الذي حدث لأحمد ، هنا كان يقف ، أصور المكان ، هنا كانوا يَقتلون الرجال ، أصور المكان حيث يشير ، هنا تدحرجت الرأس الكبيرة  وتدحرجت بعيدا عن جسد صاحبها  ، أتصور الرأس الذبيحة وهي تفر مِن قاتلها ، الدماء تناثرت علي هذا الباب ، أحدق في الباب فأجد خطوطًا تجريدية وبُقعًا متناثرة باللون البني الداكن ، هذه الدماء سقطت علي الباب وعلي وجه أحمد، أصور الخطوط والبُقَع ، أحمد قفز من الفزع ، لا أعرف كيف يكون ملمس الدماء الساخنة لو سقطت علي وجهي ، أحمد مسكين لأنه شاهد كل ما شاهد و..... أشكرُ الشابَ بعدما صورته أكثر من صورةٍ وهو يشرح ويحكي بمنتهى التأُثر والانفعال ...
خرجتُ من السوق مخنوقًا وأنفاسي متلاحقة سريعة كأنها تحاول أن تقتنص نسمةَ هواء خالية من رائحة الدماء الساخنة التي خيَّمت علي قلبي فخنقتني ...
سيطرتُ على دموعي بصعوبة طيلة طريق العودة للمنزل ، وحين دخلت غرفتي انفجرت في البكاء إشفاقًا على أحمد وعلى الشاب الذي صاحبَني وهو يحكي عن مأساة ذلك اليوم وكَلِمته لا تبارح خيالي ، لا أعرف كيف يكون ملمس الدماء الساخنة لو سقطت على وجهي !! أبكي وأبكي، وأردد وأنا أيضًا لا أعرف ولا أتمنى أن أعرف أبدًا ..
مسكين أحمد ...


( 22 )
القَدَر 

استيقظتُ مِن النوم مرهَقًا ، صداع يفتك برأسي ، فتحت عيني وشحذت عقلي ليخبرني أين أنا ؟؟؟ أنا في الغرفة الصغيرة التي منحها لي صديقي روبروت في منزله الموصلي القديم ، مستلقٍ علي فراشه الصدِيء القديم وفوق رأسي تطن المروحة القديمة، تلف الهواء الساخن دواماتٍ تخنقني.
تحذيرات روبرت تدور في رأسي ، مارك هناك كثير من الأشياء عليك أن تعرفها قبلما تَخرج مِن باب ذلك البيت ، أنت هنا بخير وستكون بخير، أمّا خارج الباب فلا أحد مهما علا شأنه آمِن أو بخير ، أنت مهما تصورتَ وجمحَ خيالك لن تتصور أبدا مايحدث خارج هذا الباب ، قال لي لي هذا وتصورتُ أني فهمته، وفهمت مايقوله حتي عشته وبالتفصيل،فعرفت أني لم أفهم ولا كلمة واحدة  من كل حديثه ..
روبرت يَخرج في النهار حزينًا ويعود في المساء أكثرَ حزنًا ، سألته لماذا هذا الحزن روبرت ؟انفجر غضبه في وجهي ، لماذا أتيتَ مارك هنا ؟؟ مَن الأحمق الذي قال لك إنك ستعثر علي لَقطَةٍتمنحك فوزا في مسابقة تصوير ؟ هنا لن تصور إلا القتلَى والجثث والمجاذيب ، مجاذيب ؟؟ سألته ولم أفهم مايقصد ، نَعم مجاذيب ، أُناس كانوا عقلاءَ وفقَدوا عقولهم وإدراكهم بسبب كل ما يحدث هنا ، لماذا أتيتَ مارك ؟؟
دعْكَ مِني روبرت، واحكِ لي عن حزنك وعن المجاذيب !!
سأحكي لك عن أحمد ، صغير ابن ثلاثةَ عشرَ عامًا ، علت وجهَ روبرت ملامح غريبه تحتاج كاميرتي ، لو أخبرته سيطردني مِن منزله، وربما يسلّمني بنفسه لرجال الدولة ليقتلوني ويريحوه مِني ...
لو كنتَ في الأسابيع الماضية ، نزلتَ سوق باب الطوب القديم في أي وقت من الصباح الباكر ، كنتَستصادف أحمد ، بائعَ الفطائر المُحلاة ، شاب لطيف مهذب ، يحمل علي ذراعيه صندوقًا خشبيًا نظيفًا تفوح منه رائحة الفطائر الشهية التي تصنعها أُمّه كل فَجر ، كل رواد السوق وزوّاره يعرفونه ويحبونه ، جميعنا نشتري منه فطائره ، يمنحنا الفطائر وابتسامته البريئة فرحًا بمساعدة أُمّه وأُسرته ، أحمد ...
ماذا حدث له ؟؟ رجال الدولة حوّلوا ساحة باب الطوب لساحة يقتلون فيها ضحاياهم باسم الدين والتقوى ، كل نهار يُحضِرون أَسرَاهم وينفذون فيهم أحكام الإعدام ، هذا يذبحونه ، هذا يرجمونه ، هذا يضربونه بالرصاص ، السوق خلا مِن زوّاره والمترددين عليه ، مَن يتحمل كل يوم دماءً وصراخا وتكبيراتٍ ولعنات ؟؟ مَن يتحمل مارك ؟ مَن يتحمل ؟؟ ومالِأحمد الصغير وكل هذا ؟؟
جدران سوق باب الطوب وُشِمتْ بدماء الضحايا التي رُسِمت عليها تعبيرات وملامح فزع ، الجدران في الليل تئن وتبكي كما يقول أهل المنطقه حزنًا علي الأهل الذين قُتِلوا وقُطعت أوصالهم ، وما لأحمد الصغير وكل هذا ؟؟
في نهارٍ موحِشٍ ، دخل أحمد السوقَ حاملا فطائره كَكُل نهار ، وقبلما يدرك أن رجال الدولة سيفتتحون حفل إعدام وحشيًا ، أغلق حراسهم كل أبواب السوق واحتجزوا كل مَن فيه جمهورًاليشاهدوا إعدام عشرين أسيرٍاتّهمهم رجال الدولة بموالاة الجيش الرسمي، وحَكم عليهم شيخهم بالإعدام عقابًا لهم علي دعم الكفَرة الزنادقة والإساءة للمؤمنين الأطهار ، أحمد احتُجِز وسط الزحام ولم يفلح في أن يغادر السوق ولا أن يعود لمنزله ، زُجّ به في الصفوف الأولى دونما إرادته ليجد نفسه وجهًا لوجه مع الضحايا ورؤوسهم الطائرة ودمائهم المتناثرة ، فزعَ، خافَ، صُدِمَ، وأخذ يصرخ بجنون ، يرتعش ويصرخ ، رجال الدولة القائمون علي التنفيذ حدّجوه بنظرة مخيفة ، لا أحد يعرف كيف أدركها أحمد ولا كيف أحس بها،وهل تصور أنهم سيقتلونه مع بقية الرجال أم سيضربونه تأديبا وردعًا ، لا أحد يعرف ، كل ما نعرفه جميعا أن صراخ أحمد استمر ساعاتٍ طويلة ، عيناه جحظتا، وفكُّه تدلَّى، وصرخاته الممضوغة تلاحقت حتي سقط مغشيًا عليه ...
حملوه لبيت أُمّه، وحين أفاق لم يعُد أحمد الذي كنا نعرفه جميعا ، صار مسخًا غائبَ الذهن والإدراك ، استدعوني لعلاجه ، حاولتُ مارك حاولتُ ، الصدمة التي تَعرّض لها الصغير أصابته في عقله ، فقدَ النطق والقدرة علي الكلام ، حين يَفتح فاه يصرخ ويصرخ كحيوانٍ أسيرٍ ، لم يعُد يَخرج مِن منزله، ولا يحمل صندوق الفطائر، ولا يساعد أُمّه ، ينام طيلة النهار وحين يُفيق يصرخ ويصرخ وتتحجر الدموع في مقلتيه ، يخلع ملابسه بعصبية وجنون وكأن الدم الذي تناثر عليها في ذلك النهار المشئوم مازال عالقًا عليها قابضًا علي روحه وأنفاسه ، يتهدج صوت روبرت وتتعالى أنفاسه ، كثيرًا ما نقف عاجزين مارك أمام المَرضَى والضحايا ، نقف عاجزين لا نملك سبيلا لعلاجهم ، أحمد فقد عقله وصوته ووجوده، وصار مجذوبًا يُهمهِم بصراخ مكتوم ولا ينطق ، ليس أحمد وحده مارك ، مثله كثيرون ...
الحزن يغشى قلبي علي الصغير الذي فقدَ وطنه وبعدها عقله ووجوده ، لكني سأنساه مثلما نسيت كل الحكايات الموجعة التي سمعتها منذ وطئت قدمي تلك المدينة ، لو صوّرته ..لو صوّرته في يوم من الأيام ، سأضم صورته لمجموعتي "دموع المدينة" ذكرى هذه الرحلة الغريبة،وذكرى ماحدث له ...
روبرت ، انتبِه لي ، ما الذي يجبرك علي هذه الحياة ؟؟ ابتسم بحزن ، قدرٌ  بلا اختيار ؟؟ اخترتُ طبعًا لأكتشف في النهاية أن قدري كل هذا الوجع ، سألني ، وأنت مارك ما الذي أتى بك هنا ؟؟ قلت الجائزة والمسابقة واللقطَة الضائعة ، ضحكَ ساخِرًا مِن سذاجتي ، الجائزة والمسابقة واللقطة الضائعة .. كل هذه أفكار ساقتك راضخًا لقدرِك ، وقدرُك ساقَكَ لِهُنَا ، انتبِه لقدرِك !!
لكني لم أنتبِه ! لم أنتبِه !!

( 23 )
عُد في وقتٍ آخر يا سيدي
 " الدار "

رأيتُه مرتبِكًا يحدق في السور العالي ، شاهدته يلقي عينيه وفضولَه خلف السور وكأنه يتمنى أن يتسلل للداخل ويرى ما تحجبه الأسوار عن عينيه وقلبه ، أراه مرتبكًا يتلصص بين الشقوق علي ما يقبع خلف السور ، كدت أن أناديه ، كدت أن أقص عليه قصتي وماعشته ومُلَّاكِي أصحاب الدار وما أحتفظ به عنهم ولهم مِن قصصٍ وحواديت ونوادرَ وضحكات ودموع ، لكني لم أفعل ...
أعجبني إصراره علي الاقتراب من السور ولمساته المرتعشة لنقوش البوابة العالية ، كدت أن أناديه لكنه غريب ولا أعرفه ولا أملك أن أرحب به في غياب أهلي ، أهل الدار ، لستُ منبوذًا كما قد يتصور هو والغرباء ، لستُ مهجورًا من أهلي ، فبالرغم من أن معظم أهلي وقاطنِيّ رحلوا عن جدراني وعبروا النهر وعاشوا في الفيلات الأنيقة التي بنوها ، لكن جميعهم ما يزالون يحتفظون بالمفتاح الحديد الصديء الذي يَفتح بواباتِ أسواري وأبواب غُرَفي وبوابة السطح الذي قضوا طفولتهم مستلقين فوق "الدواشك  " بعد العَصاري ..
رغم أن الفيلات الحديثة التي انتقلوا إليها أكثر حداثةً ، لكني في حياة الموصلين كجذر أشجارهم المنغرسة في الأرض لا يقطعونها أبدا ..
طابقان، وسطح واسع، وغُرَف كثيرة، وسلّم حجري، وساحة واسعة سقفها السماء وبراحها ، هذا أنا وحالي ، هذا أنا ومثلي كثيرون ، نتراص بجوار بعضنا البعض في الأزقة الضيقة ، نتساند كأهل الموصل بمنتهى الحُب والسعادة  ..
 أرى الغريبَ يتحسس طريقة ويحدق في أسواري وكأنه يتمنى لو يقتحمني ويدخل يستكشف ما خلف الأسوار العالية، وما وراء النوافذ المُطلة علي الزقاق مِن طابقي الثاني ...
لو أن أهل الدار هنا سيدي الغريب لفتحوا لك البوابة واستضافوك ورحبوا بك وصاحبوك في جولة يتباهون بي وبفن العمارة الحميم الذي شُيدت بروعتِه ، لو أن أهل الدار هنا سيدي ، وفتحوا لك البوابة وأدخلوك دارهم ، لوجدتَ في وجهك حوشًا فسيحًا ترسم السماء الزرقاء بغيماتها الساطعة البيضاء سقفَه الجميل ، لسِرتَ فوق الحجر الآجُر الكلسي شاهق البياض المكسوة به أرض الحوش، مزركش بخطوات الأحبة ، لشاهدتَ الحديقة الدائرية الصغيرة تتوسط الحوش وتحدها الزهور والورود ، لشاهدتَ في وجهك سلّم "مَحجرة " خشبية عتيقة مشغولة بالمنمنمات الدقيقة تحمِلك للطابق الأعلي وللسطح ، لشاهدتَ حولك غُرفًا كثيرة مخصصة لأغراض مختلفة ، ولو أَحبَّك أهل الدار واطمأنوا لك وصرتَ منهم لأقسموا عليك أن تقضي الليل في ضيافتهم وفرَشوا لك " الديوة خانة " ومنحوك ليلة سعيدة في ضيافة الكرم وأهله
لو أن أهل الدار هنا سيدي الغريب لفتحوا بوابة السور وسمحوا لك أن تكتشف تاريخهم المدوّن علي جدراني وأسمعوك صوت ضحكاتهم ورحبوا بك بكرمهم الموصلي، ولاستضافوك لتناول " التغيوقة " معهم علي المنضدة الخشبية الكبيرة  في "حوش" المنزل ولأجلسوك جوارهم علي "الكرويتات " الخشبية،  ولقَدّمت لك ربةُ البيت صنعَ يديها من أشهى الأطعمة التي بذلتْ مجهودًا محببًا لصناعتها في مطبخها العامر ، لو أن أهل البيت هنا ، لقدَّمتْ لك ربة البيت " القيمغ "، والمربّى المنزلية، والزبد، و" القلية " ولتناولتَ علي منضدتها أشهى " قوصة الخبز " الموصلي المزركش بحبة البَركة السوداء ..
لكن أهل الدار سيدي غادروه، فلا أملك أن أفتح لك البوابة ولا  أن أرحب بك ، ستبقى غريبًا سيدي تتلصص مِن خلف السور العالي، ولن تري شيئا فليس مسموحًا لي أن أفتح بواباتي للغرباء، ولا مسموح أن أتركهم يلتقطون صورًا للمكان في غيبة أصحابه ...
عُد في وقت آخرَ يا سيدي ، حين تسمع الضجيج يملأ الزقاق ، وترى الأضواء تسطع وسط الليل ، ورنين الضحكات والصخب يناديك ، عُد وقتَها لأرحب بك أنا وأهل الدار ، وحتي ذلك الوقت لا تقترب أكثر من البوابة وارحلْ ..
عُد في وقتٍ آخرَ يا سيدي ..

( 24 )
تحذيرات أَمنية

وعزمتُ علي السفر لهناك ، للموصل ، أنا وكاميرتي وعدساتي وكروت الذاكرة ، سنكون جميعا هناك علي موعد مع المجد والشهرة....
كنتُ أظن الأمر سهلا ، سأتصل بالسفارة وأحصل علي تأشيرة الدخول، وأحزم ملابسي وأسافر ، كنت أظن الأمر سهلا ، لكنه لم يكن أبدا ، كلما قلت لأحدهم أنوي السفر لهناك يفتح فاه رعبًا وكأني سألقي بنفسي في التهلكة، وكأني قررت الانتحار ، لا أحد يعرف بالضبط ما الذي يجري هناك ، لكنهم جميعا يحذرونني من الذهاب لهناك ، لا يعرفون أنه كلما ازداد خوفهم ازداد تصميمي ، ما الذي يحدث هناك ؟؟ سؤال سألته باستخفاف مَقيت حتي عشته وواجهته فعرَفت وأدركت ، لكن بعد فوات الأوان ...
تعقيدات كثيرة، وإجراءات كثيرة، وموافقات أَمنية .. وانتهى الأمر بجريدة محلية صغيرة قبِلتْ أن تمنحني وظيفةً مؤقته للسفر هناك ، مراسِلها سأكون ، سأُعِد تحقيقاتٍ عن الشعب الذي تخلَّص من حاكمه المستبد ويسير طريقه الطويل صوبَ ديمقراطيتنا العظيمة ، الجريدة لا تنتظر مِني تحقيقاتٍ بحق، ولا أنوي أنا أيضا ، كل ما هنالك أني دفعت مبلغًا من المال للمسؤول عنها بعدما نصحني الرجُل ذو الوظيفة الخطيرة في الجهاز الأمني المخيف ، نصحني بضرورة تسجيل نفسي كمراسِل صحفي، ووصف لي تلك الجريدة التي يعرف المسؤول عنها والتسعيرة التي حددها لمنح بطاقات التوظيف للهواة مثلي ليأخذوا فرصتهم التي يبحثون عنها في الحياة ......
سأسافر غدًا لهذا المكان البعيد من العالم ، سأسافر للعراق ، أرض الحضارة القديمة والتعايش الديني والعِرقي ، البوابة الشرقية للعالم الذي طالما ناصبَنا العَداء ، سأسافر غدًا لألتقِط صوَري التي سأتقدم بها للمسابقة ، هذا ما كنتُ أظنه ببراءةٍ وسذاجة !!
اتصلتُ بأُمّي لأودِّعها في بيت المُسنين حيث تعيش ، حذرتني بعباراتٍ بلهاءَ لأن الأرض التي سأذهب إليها خطيرة، والحياة هناك مستحيلة ، ضحكتُ من بلاهتها ، كِبَر السن والخرَف أفسدا روحها ، ما لي والخطورة؟ سأذهب مواطِنًا صالحًا مسالِمًا بكاميرتي لألقتط بعض الصور وأعود ، السفارة هناك ستحميني لو تعرضتُ لأي خطر، ومَن يجرؤ أن يقترب مني أنا المواطِن الأمريكي الصالح؟ ضحكتْ أُمي وهي تصفني بالأبله العبيط ، سألتُ أمي ساخرًا وما فائدة وجدوى وجود قوات المارينز هناك؟ كادت تبكي وهي تسألني وهل أُرسِلتْ قوات المارينز لحمايتك أيها الأبله؟؟ بمنتهى الصدق واليقين رددتُ بسرعة ، نَعم لحمايتي وحماية كل أمريكي صالِح يسيرُ في أي مكان علي ظهر هذا الكوكب، ولم تسمع أُمي بقية حديثي  وأغلقت الخط وأنهت المكالمةَ وهي تَسخَر مني ومِن سذاجتي وحُمقي وأني عبيط سأعيش وأموت لا أفهم شيئا ، مارك ، نَعم يا أُمي ، تذكَّرْ أني حذرتك ، ضحكتُ ووعدتها أني سأتذكّر!!!
ودَّعتُ عشيقتي بحضنٍ ساخن وقُبُلاتٍ متلاحقة، وودَّعت كلبي الذي بدأ اكتئابه فورَ إحساسه بسفري وتركِه مع عشيقتي التي لا تهتم به ولا تكترث لحاله ، وعدتُ كلبي أن أعود سريعا وليتني أقوَى أن أفي بوعدي ، اليومَ أتمنى أن أكتب له هو شخصيًا خطابًا أعتذر له لأني لن أعود، ولأنه سيبقى مكتئبًا مع عشيقتي إلا إذا اتصلتْ بدار الكلاب وسلَّمَته لهم وأراحت رأسها،  ليتَه يعرف القراءةَ والكتابة لكنتُ أرسِل له خطابي الأخير ، ليتني أستطيع أن أتحدث تليفونيًا معه وأشرح له الظروفَ الغريبة التي أعيشها ، كان سيبكي لحالي وينزوي على نفسه وذيلُه بين ساقيه وربما يموت كمدًا ، أعتذر لك فون يا كلبي العزيز ، سأغيب عن الحياة مجبرًا وسأتركك مقهورًا، لك الله، ولو تعرف تدعو لي ادعُ لي علَّ دعوتَك أنت الصادقة، أنت تحبني، وأنا طالما رعيتك وأطعمتك واهتممت بك ، لو دعوتَ لي ربما يتقبل الله منك ويرأف بحالي !! لكنك لا تقرأ ولا تكتب ولا تتكلم، ولا تجيب علي التليفون، وقلبك لا يعرف كيف يدعو لي ولا لغيري ....
وها أنا سافرت لهناك، للموصل .. لتبدأ رحلتي الموحِشة التي ما خطر على بالي أبدًا أني سأمُر بها وأعيشها وأموت فيها وبسببِها .....
وهناك يا أُمي ، تذكرتُ تحذيركِ ، تذكرته بعد فوات الأوان !!!

( 25 )
السهرة

في المساء سهرنا طويلا، وتحدّثَ روبرت وزملاؤه طويلا متوترين غاضبين ، الحرارة شديدة والحالة النفسية في الحضيض ، تحدثوا طويلا أحاديثَ مبعثرةً متناثرة ، أسمع أحاديثهم ولا أشاركهم فيها معظم الوقت ، أجلِس وسطهم صامتًا أخرسَ لا رأي ولا وجهة نظر كمثل المِقعَد الذي أجلس عليه لا أفهم بدقةٍ ما يحدث ...
أدور مع روبرت طيلةَ النهار في أماكنَ فقيرةٍ مزدحمة برائحةٍ نفاذة وذبابٍ كثير وحَرٍ قاتل ، أعود للمنزل نهايةَ اليوم ورأسي يطن بدوار قاتل؛ فالنسوة لا يكففن عن النواح والشكوى ، لا يكففن عن سرد قصصهن وبيوتهن التي كانت، وقُرَاهن التي هجروها، وأشجار التوت ونخيل التمر ، النسوة لا يفكفن عن الحديث ، المترجِمة التي تصاحِبنا ، زهراء ، تلاحِق علي حديثهن بصعوبة ، تحكي وتحكي ، أسأل روبرت هل أصورهن ؟ يسألها، تستأذنهن ، تخبرهن زهراء أني مصور في جريده كبيرة وأسعى لحمل شكواهن جميعا للعالَم الأصم عن مأساة حياتهن ..
يبتسمن ارتباكًا ويوافِقن خجلا ، يُحكِمن الأغطيةَ السوداء علي رؤوسهن، وبعضهن يغطين نصف وجوهِهن ، لا يتركن لي ولا لعدستي إلا عيونًا باكية صدئة أنهكها الفرار وأطفأ وهجَها الخوف والفزع ، أصورهن صورة وعَشرًا ، أخطف ابتسامةً تبتسمها صغيرةٌ قبلما تواريها ، أصور كفًا غاضبه تنهال علي وجه صغيرٍ مد أصابعه صوبي يسألني شيئا، لم أفهم لغتَه ، أصور عجوزًا وتجاعيد الزمن والهمَّ ... ترسم على وجهها ملامح لم أرَها من قبل ...
كل هذه الصور جميلة ومعبّرة لكن لقْطَتي الضالة ما زالت بعيدة ، أدور طيلةَ النهار في الأزقة والحارات الصغيرة، وأسمع لأحاديثِ زهراء وروبرت والعجائز ،  وأفض مشاجراتِ النسوة مع روبرت وزملائه يسألن الطعامَ والدواء وتحقيق الوعود التي لم يحققوها ، وفي النهاية وفي آخر اليوم أعود للمنزل مرهَقًا تعِبًا محبَطًا، والآلام تكاد تحطم رأسي الساخن ...
أُبرِّد رأٍسي تحت الماء وأحلم بزجاجة بيرة مثلجة، وأجلس معهم علي منضدة العشاء صامتًا لا أرغب في الحديث ، أُجامِلهم ببعض الابتسامات وأنا لا أحلم إلا بالنوم واللقْطَة الضالة ..
جميعهم وعلي اختلاف جنسياتهم وأعمارهم ساخِطون غاضبون، يسبون ويلعنون في الظروف القبيحة التي تُشرِّد شعبًا داخل أرضه ووطنه، وتتركه نهْبًا للعصابات والمرتزقة والطائفية والعربات المفخخة ..
يقصون عليَّ بأسىً وحزنٍ ماعاشوه قبل حضوري وما يعيشونه الآن وهُم يقدمون المساعداتِ للشعب الشريد علي أرض وطنه ، احتللنا المدينةَ باسم الديمقراطية ، يقُص عليّ روبرت ، قالوا فتحنا المدينة وحررناها ، قوات المارينز قالت هذا، لكن أهل المدينة لم يصدقوهم وانتظروا أن يروا معنى الفتح والتحرير ، عشرُ سنواتٍ من الديمقراطية أفسدت حياتهم ودمرت وطنهم ، وفي نهاية المَطاف جاء رجال الدولة ليدمروا بقية حياتهم أكثر وأكثر وليزيدوا معاناتهم أكثر وأكثر ..
يحكون عن تفجير الكنائس والأضرحة ، عن تخريب الآثار القديمة، وتدمير المتاحف وسرقة الآثار والتماثيل والأيقونات القديمة ، عن القتل والموت والمحاكمات الزائفة ، عن العوز والفقر ونقص الأدوية ، عن موت الأطفال وسوء الخدمات ، يحكون ويحكون ...
قال روبرت إن إداراتِنا المتعاقبةَ هي السبب في كل الكوارث التي تعيشها تلك البلاد ، سألته مستنكرًا ، هل صرتَ شيوعيًا روبرت ؟؟ ضحك ساخرًا مِن جهلي لأني لا أعرف شيئا عن الشيوعية ولا عن أي شيء ، خجلتُ وصمتُّ ..
قال إنه أتى مِن ولايته ساذجًا أحمقَ يتصور أن كارثة ضربت بالبلاد، زلزال ربما، بركان احتمال، فيضان جارف ، تصوَّر أنه سيقدم الطعامَ والدعم لضحايا الكارثة الطبيعية ويعود لفراشه وكأن شيئا لم يحدث ، قال لي إن هذه البلاد لم تتعرض لكارثة طبيعية، بل عصفت بها كارثةٌ سياسية ، غزوٌ وحروب ومؤامرات وعصابات مرتزقة وطائفية وخيانة ، كل هذا حط علي البلد فتبدل حالها وتشرد أهلها في شوارعها، وصارت مثلما نراها ونعيش فيها ..
ألقيتُ بجسدي علي الفراش في غرفتي الضيقة منهَكًا تعِبًا ، والكوابيس تطاردني يقِظًا وتخنقني هي والحرارة الساخنة أكثر وأكثر، وما زالت رحلتي في أولها واللقْطَة الضالة تبعد أكثر وأكثر ، لا أرغب في تصوير الموت، لكنه وحدَه يحاصرني في هذه المدينة ، لِمَ أتيتَ هنا يا مارك ؟؟ وكأن المدينةَ تسألني ، أجيبها إنه القَدَر ، نَعم القَدَر ....

( 26 ) 
"" لقطة من مجموعة الصور ""
"" البحر الأزرق  ""

حين أطالِعُ هذه الصورةَ بالذات ، أفهم قدْرَ العذاب والمعاناة التي عاشهما روبرت في الموصل، وما لاقاه من هَمٍ وما احتله من حزن أسىً ، المنضدة التي يجلس عليها ويسند بمرفقيه علي سطحها ، هي المنضدة التي طالما جلسنا عليها نأكل ونتحدث ونكتب ، هي في صالة منزله ، نَعم هذه النافذة العتيقة التي تَظهر في خلفية الصورة هي نافذ صالة المنزل والتي تُدخِل لها الهواءَ النسيم بعد المغرب ..
الصورة لا تبيّن فعلا كل ملامح روبرت ، لكني اقتنصتُ منه في تلك اللقَطة نظرة لعينين دامعتين ، كان يحدثني عن أحمد وعن حسناء، وعن كل العنف المجنون في المدينة ، يحدثني عن النسوة اللاتي يعالجهن، والعجائز اللاتي يوزع عليهن أجولة الطحين ، كان يتحدث بأسى عن قدره الذي ساقه لدراسة الطب، وبَعدَه ساقَه للمنظّمة الدولية للإغاثة ليأتي به للموصل ليتعذب بكل العذاب الذي عاشه منذ وطئت قدمُه تلك المدينة..
كنا نتحدث بعدما تناولنا طعام العشاء ، والكاميرا أمامي أرى فيها حصيلة اليوم وما صورته فيه ، لمحت دموعا معلقة في عينَي روبرت ، لمحته يحني رأسه ويحملها علي مرفقيه وكأنها يتمناها أن تسقط ولا ترتفع ثانية ، كأن الهمّ الذي عاشه أثقلَ رأسه فأعجز عنقَه عن حملها، بسرعةٍ وقبلَما أستأذنه وقبلَما ينتبِه ، بسرعةٍ اقتنصت منه تلك النظرة ..
لو اخترت أن أطلِق اسمًا علي تلك الصورة لقلت عليها (البحر الأزرق) نَعم ، عيناه الزرقاوان، والدموع المعلقة الرقراقة كل ذلك يشبه البحرَ الأزرق لحظةَ بزوغِ النهار في بداية اليوم ..
عيناه الزرقاوان والدموع المعلقة الرقراقة فيهما تُضفي علي الصورة حزنًا عميقًا لمَن يشعر ويحس ، يمكنني أن أسميها أيضًا الحزن الأزرق ..
لكَ الله يا روبرت فيما تفعله، وفيما ساقك قدَرك له ..
  
 ( 27 )
البَلْهَاء

ربطتُ حزامَ المقعد في الطائرة وتجهزتُ لقتل الوقت في رحلتي الطويلة من ولايتي الصامتة للبلاد البعيدة بحثًا عن اللقطة الضالة والجائزةِ الأولى وطريق المجد والشهرة الذي بدأت خطواته الأولى اليوم، بعدما عبَرتُ من بوابة المطار الأخيرة صوبَ المجهول ...
أخرجتُ مِن حقيبتي مجموعةَ الكتب التي اشتريتها عن الأرض التي أسافر لها لألتقِط صورة الفوز في المسابقة ، أوصيتُ مارلي أن تبحث لي عن كتُبِ تلك الأرض البعيدة التي تحارِب فيها قوات المارينز، وذاهبٌ أنا إليها لألتقِط صورة المسابقة ، كتبٌ عن الموصل وتاريخها وأهم معالمها السياحية ، عن الأسواق والمزارات والعتبات المقدسة ، عن المتاحف والحضارة والفلكولور ، لكن مارلي لم تفهمني كالعادة وتصرفت حسب عقلها الصغير وتفكيره التافه ، بحثتْ علي شبكة الإنترنت عن الكتب الأشهر عن تلك البلاد واشترتها لي بالبريد ودفسَتها في حقيبة يدي التي سأحملها معي علي الطائرة ووعدتني بمفاجأة ستجعلني أُحِبها أكثر وأكثر ...
أخرجتُ الكتب وألقيت نظرة سريعة على أسمائها ، الكتاب الأول شدَّ انتباهي  بعنوانه الغريب Belly of the Green Bird -The Triumph of the Martyrs in Iraq
 فتحتُ الغلافَ وقرأتُ عبارتيْن وألقيته بعيدًا ، أخرجت الكتابَ الثاني
 Night Draws Near: Iraq's People in the Shadow of America's War ومن عنوانه ألقيته بعيدًا ، أمّا الكتاب الثالث فكان عنوانه
 What We Owe Iraq: War and the Ethics of Nation Building 
وهو ما لم أفتح غلافَه البلاستيك ....
تأملتُ الكتب الثلاثة وعناوينها ولعنتُ مارلي وغباءها ، ذاهبٌ لأصور يا امرأة ، لستُ ذاهبًا لأعِد دكتوراه في الشأن السياسي هناك ، ذاهبٌ لأصوّر يا امرأة، ولستُ ذاهبًا للحرب ولا يعنيني السياسة الأمريكية ولا البترول العراقي ، توعدتها بعقابٍ جسيم ، سأوبِّخها وأسب غباءَها ، سأخاصمها وقتما أعود لكنبتي الوثيرة وسأتركها تتلظى بشوقي وتحترق بغضبي منها وهَجْري لها ، أين الأماكن الأثرية يا بَلهَاء ؟ أين التراث والتاريخ ؟ أين العتبات المقدسة ودماء كربلاء والألم المقدس؟ أين النسوة بملابسهن المزركشة؟ والرجال بسراويلهم الملونة في القُرَى الطيبة ؟ أين الأطفال الحُفَاة بملامحهم العربية الأصيلة ؟ أين النسوة المربوطات بالجنزير الحديد ؟ أين أسواق بيع النساء ومزادات البيع ؟؟ هذا ما سأبحث عنه لأحصل علي لقطه الفوز ، ولتذهب كُتُبكِ وبوش الأب والابن للجحيم ، ولتذهب قوات المارينز وسجن "أبو غريب" للجحيم ، وليذهب الحاكم المستبِد والديمقراطية المزعومة للجحيم ، ما لي أنا وهذا كله أيتها البَلْهَاء ؟!!!
وأغمضتُ عينَي في مقعدي وغفوتُ طويلا، وكل اللقطات التي أحلم بها تداهمني وتتقافز أمام عينَي، والجائزةُ الكبرى ... والتصفيق ... والمَجد .. المَجد !!!

( 28 )
الوصية

مِن اللحظة الأولى لوجودي في الموصل أوصاني روبرت بالحذر ، قال لي إن المدينة تمتليء برجال الدولة، وهُم لا يُحِبون الأجانب، ويتوجسون مِنهم، ويَكرهون الأمريكيين حاصةً، ويتربصون بِهم ، قال لي أن أبتعِد عن رجال الدولة ولا أحتك بِهم ولا أقترب مِنهم ، أسير في الطرُق التي وصفها لي آمِنةً دون غيرها من مسالكِ المدينة ، وإذا استوقفني أحدهم أُخبِره أني في زيارة لصديقي الذي يعمل في إحدى منظماتِ الإغاثة ...
أعطاني الكارت الخاص به، وأوصاني أن أبرزَه لأي مواطِنٍ يستوقفني ، قال وقتَها إن الرجُل سيتركني وشأني ، قال إنهم يحتاجون للمنظمة التي يعمل فيها ولمعوناتِها وأطعمة الأطفال والأدوية التي يوزعونها، ولأجولة الطحين التي يأخذونها ويبيعونها بِضِعفَي سعرها للأكثر فقرًا واحتياجًا ، قال لي إنهم يحتاجون المنظمةَ ولا يَقوون علي إغضابها ولا القبض علي أحد رجالها ، منظمة تابعة للأمم المتحدة، وتَمنح العاملين فيها جوازات سَفرٍ دبلوماسية، وتَحميهم من رجال الدولة وعصابات القتل والهجّامين والغاضبين والسياسيين المعارضين ، تَحميهم من كل هذا وتتركهم يوزعون على البؤساء بعضَ الطعام وبعض الدواء وبعضَ الرحمة ..
قال لي أن أُبرِز لهم الكارت الخاص به، وأُخبِرهم أني صديقُه وقريبُه، وأتيت لأطمئن عليه وسأغادر سريعًا ، قال لي إنهم إذا ما شاهدوا الكارت الخاص به فسيتركونني وحالي ..
أوصاني ألا أقترب من التجمعات المزدحمة خوفًا من السرقة وفقدان أوراق هويتي وجواز سفري فأبقي أسيرًا في تلك البلاد حتي ترسِل لي دولتنا العظيمة جواز سفرٍ آخر يسمح لي بالعودة لكلْبي وعشيقتي ..
أوصاني أن أبتعد عن مواطني البلد وأهلها ، فهُم لا يجتمعون إلا وتشاجروا، ولا يتحدثون إلا وصرخوا، ولا يُحِبون الغرباءَ وخاصةً الأجانب مهم ويتوجسون مِنهم ، قاطعتُه ، وسأخبرهم روبرت أني لست جنديًا في المارينز، ولم آتِ لأقتلكم ، أنا هنا لألتقط صورة غريبة، لقطةً نادرة، وأعود لوطني وأنساكم وتنسونني ، ابتسمَ ساخرًا وتجاهَلَ كلامي وأكمل تحذيراتِه ، انتبِه مارك ، نحن أجانب غرباء أمريكيون بملامحنا التي تشبِه ملامح جلّاديهم في سجن "أبو غريب" وعلى معابر النهر وفي كمائن التفتيش وسط الليل ، لو أرادوا ألا يصدقوك وألا يطمئنوا لك فلديهم ألفُ مبررٍ وألفُ سبب وألفُ حكاية مريرة عاشوها بكل تفاصيلها ، انتبِه مارك لِمَا أقوله جيدًا ..
أمَرَني روبرت أن أبتعد عن مواطني البلد وأهلها الحانقين ، وشرحَ لي أن سلوك المواطنين وسط الزحام شرٌ غير مأمونٍ جانِبه قد يفاجِئني بتصرفات لا أفهمها ولا اقوَى على التعامل معها ، قال لي إن رجالَ تلك البلدة دماؤهم ساخنة، وأعصابهم فالتة، وأيديهم تسبق حناجرَهم، وغضبهم حاضر لا يسيطرون عليه ، ربما يصرخ أحدهم بأي كلمة تستعدي الآخرين عليك ..
إنهم يا صديقي يكرهوننا ، هكذا قال لي روبرت بأٍسىً ووضوحٍ  ، يكرهوننا ويعتبروننا سببَ كل المصائب التي حلت ببلادهم ، إنهم يتذكرون كيف حطمت طائراتنا مبانيهَم، وكيف دهست مدرعاتنا شوارعَهم وكرامتهم، وكيف انتهك رجال المارينز شرفَهم ورجولتهم وقتما أركعوهم علي أيديهم وأرجُلِهم كالدواب أمام الجسور والمعابر، إنهم يتذكرون كيف عبثت مجنداتنا مع سجنائهم وطوّقت أعناقهم بقيود الكلاب، وخلعت عنهم ملابسهم وشرفَهم، وكيف التقطوا لهم الصور وهُم يَضحكون ساخرين من الحيوانات الأسيرة خلف قضبان الديمقراطية التي أتت جيوشنا لإجبارهم عليها، إنهم يكرهوننا يا صديقي ، همسَ روبرت وأنا لا أصدقه ولا أصدق تحذيراتِه ...
أمَرني أن أبتعد عن الزحام وأبتعد أكثرَ عن النساء ، بحسمٍ قال لا تقترب أبدًا من النساء وجماعاتهن؛ فالرجال هنا في تلك البلاد لا يسمحون لغريب بالاقتراب من نسائهم ، سيتكالبون عليك ويشبعونك ضربًا، وربما يسلمونك بأنفسهم لرجال الدولة رغم كراهيتهم لهم ، سيقولون كافرٌ زنديق تَحرّش بالنساء ، سيصدقهم رجال الدولة لأنهم يروننا كَفَرةً زنادقة ، سيقبضون عليك ويصبِح أمرا عسيرا بل مستحيلا الإفراج عنك رغم كل الوساطات ، سيستجوبونك في كل شيء إلا اقترابك من النساء ، ٍسينكِرون عليك أنك تجرأتَ واقتربت من نسائهم ، سيسألونك في الدين وفي السياسة ، سينقِّبون بطريقتهم المتوحشة عما تُخفيه ، ربما أنت جاسوس، وربما زنديق تنشر الكُفر، ربما شاذٌ لوطيّ أتيتَ لبلادهم لتمارس فُحشَك ، كل هذا سيأتي في مُخيّلتهم وحسبما يقررون لك دورًا وهدفًا وتُهمة وجريمة سيتصرفون معك، لن يصدقوك أبدا مهما قلتَ ، ولو أقسمتَ فأنت كاذِب، ولو صمتَ فأنت خبيث حذِر، وفي أي حال وكل حال أنت مجرِمٌ تستحق العقابَ الذي سيقرره لك شيخ محكمتِهم ، لا تُحدّثهم عن حقوق الإنسان والمحاكمات العادلة وحق الدفاع ، هذا كله لا يعرفونه ولا يَعنيهم ، فالحُكم الذي سيوقِعُه شيخهم عليك حُكمٌ عادل مِن وجهة نظرِهم وتستحقه أنت جرّاء ذنبِك الذي قرره الشيخ والذي يوافِقونه عليه بالطبع ...
كل هذا قاله لي ولم أهتَم به ، سمعت ثرثرتَه الكثيرة التي عطلتني عن الخروج بعض الوقت وادّعيت أني استوعبت ما قاله وهززت رأسي مراتٍ ومرات وكأني أوافقه ، أُضمِر طبعًا ألا أكترث بكل ما قاله ، سأذهب للأسواق وأبحث عن الأماكن المزدحمة بحثًا عن اللقطة التي غادرتُ بلادي للبحث عنها ، ولن يحدث لي شيء مما قاله ، هو خَرِفٌ مثل أُمّي في بيت المُسنين ، يَخلقون أشباحًا ويخافون منها ، مسالِمٌ أنا، وصحفي حسب الثابت في أوراقي، وشَغِف بالتصوير كما تقول الكاميرا المُدلاة من فوق كتفي والعدسات التي تكتظ بها حقيبتي ، مسالِم أنا لا أبغي بِهم شرًا ولا ببلادهم التي هي في الحقيقة لا تهمني أساسًا ، حين يستوقفونني لو فعلوا ، سيتأكدون وبسرعةٍ مِن براءتي من أي ذنبٍ، وسيطلقون سَراحي وسأعود لصديقي أتشاجر معه علي الشائعات السوداء التي يروّجها ، سيتأكدون أني لا أبغي لهم شرًا، ولا أكترث بأفكارهم، ولا بملابسهم الغريبة، ولا بذقونهم الشعثة، ولا بنسائهم المسربَلة بالسواد، لا أكترث بدينِهم وما يعتقدونه من صواب، ولا حتي بديني وما يعتقدونه فيه من خطأ ، كل هذا لا يعنيني ، فقط تهمني اللقطة الغريبة التي سأحصل عليها بكاميرتي وأحصل بسببها علي الشهرة والمَجد والمال الوفير ...
وكيف أحصل علي تلك اللقطة وأنا أسيرُ سياجِ صديقي وتعليماتِ منظمة الإغاثه وقواعد الأمم المتحدة ؟ كيف أحصل علي تلك اللقطة وأنا أسير المناطق الآمِنة التي يصرَّح فيها للأجانب بالسير تحت الحماية والرعاية؟ عليَّ أن أفر من القواعد، وأن أكسر التعليماتِ، وأن أتسلل للأسواق الشعبية المزدحمة، والأزقة والحارات الضيقة، وأرقب النسوةَ بعيونهن الكحيلة، ورجالَ الدولة بذقونهم الشعثة، وأبحث عن الصخب والضجة والمشاجرات التي تشتعل لأسباب غير منطقية وتنتهي لأسباب غير منطقية أيضًا ، هذا كله يتعين عليّ أن أقوم به حتي أجد لَقطَتي الضائعة، وأُنهي وجودي في تلك البلد الغريبة، وأعود لعشيقتي وكلْبي والشهرةِ التي تنتظرني ....
وليتني انصعتْ لنواهيهِ وأوامرِه، وليتني صدَّقت تخوفاتِه وعملت حسابَها، ليتني .. وليتني  وما كان حدثَ لي ما حدثَ، ولا عِشتُ كل ما أعيشه !!
لكني لم أفعل ، وها أنا أدفع ثمنًا باهِظًا لتمردي وغبائي ..
ثمنٌ باهِظٌ جدًا .. جدًا ..

 ( 29 )
سألتني زهراء

في الصباح الباكر التقينا كعادتنا طيلةَ الشهريْن الذين قضيتُهما هنا في الموصل ، دخلتُ الزقاقَ الضيق بصحبة روبرت ، رحبت بنا وألقت علينا تحية الصباح ، قبَّلَتْها ماريان وشاكَسَها انطونيو لأن ابتسامتها تذكِّره بحبيبته التي تركها خلفَه في مدينته الجميلة التي غادرها من أجل الإنسانية كما يقول دائما ، نصحته أن يعود ويتزوج حبيبتَه ويؤجل عمله الإنساني قليلا ، ضحِكَ وقال لولا راتب الإنسانية ما تزوجت أبدا، ولو عدتُ الآن لفسختْ حبيبتي الخِطبة وقتلني أهلها ، ضحكنا جميعا في عاصفة صاخبة ، متشبثين بالحياة وسط كل الموت الذي يحتل سماء المدينة وأسواقها وأزقتها الضيقة ..
سألتُ زهراء ، ما رأيكِ لو تصاحبينني في رحله لضفاف دجلة ؟ لا أعرف التاريخ هناك ولا الجغرافيا ، لن ألتقط لقطاتٍ صماءَ بلا روح ، امنحي لقطاتي الروحَ يا سيدتي ، ضحكت وقالت بعدما أفرغ من عملي ، ربما أجد للقطاتك بعض الوقت ، تركتني مسرِعةً وهرعت خلف روبرت وزملائه تصِل بينهم وبين النساء والعجائز ..
بقيتُ كعادتي في مدخل الزقاق الضيق ، انتقيتُ حجرا كبيرا وجلست عليه ، أضبط كاميرتي وعدساتي ، سألحق بهم بعد قليل لألتقط للنسوة والأطفال بعض الصور ..
روبرت ، ناديتُه ، ما رأيك في أن أصاحِب زهراء  في رحلةٍ علي ضفاف دجلة؟ علَّني أعثر علي لقطتي الضالة وأعود لوطني؟ كاد يُغشَى عليه ، حدَّق فيَّ غاضبًا وسألني لو كنتَ غبيًا أو مجنون !! وهمسَ أنت فعلا مجنون أو غبي أو كلاهما،  وأعطاني ظهرَه غاضبًا وترك سؤالي بلا إجابة ، شرحتُ له ، سألتها روبرت وقالت ستمنحني بعضًا من وقتها ، انفجر ضاحكًا ، تَسخر من سذاجتك واندفاعك ولا شيء أكثر مِن هذا ، ألا  ترى كل ما يحدث ؟ أترغب زهراء في أن تصاحبك علي ضفاف دجلة كي تُقتَلا معًا وفي نفس الثانية ؟ مَن أنت لتسير معها وحدَكما ؟؟ ألا ترى ما تعيشه المدينة مارك ؟ ألا تراه ؟!! وانصرف لعمله ..
ساعات أراقبه والملل يقتلني ، هذا ما يفعله كل يوم، وهذا ما أشاهده كل يوم منذ أتيت لِهُنَا ، أراقبه وهو يوزع الطحين وعُلَب اللبن علي النسوة والأطفال ، يسير وزهراء معًا ، يحدثها وتشرح للنسوة ، يسألها وتجيب النسوة فتعود له بالإجابات الشارحة عن حالة الأطفال والمَرضَى والعجائز ..
ناديتها وسألتها ، سيدتي المترجِمة أين رجال هؤلاء النسوة ؟ صرخ روبرت لا تُعطلها مارك، عليها أعمال كثيرة ،  اعتذرتْ هي له ، أحتاج بعض الراحىة سأقضيها في حديث مع صديقك المصور ، نَعم سيدي ؟؟ كررتُ سؤالي ، أين رجال هؤلاء النسوة ؟؟ جلستْ علي لوح خشبي أمامي وقالت بعضهم يقاتِل خارج المدينة وفي القُرى الصغيرة ، رفعتُ حاجبي دهشةً ، يقاتِل؟ هزت رأسها بقوة وقالت نَعم، هذه المدينة ستقاتل وتنتصر ، هل تظن الرجال فارين من سطوة عصابات الدولة خنوعًا ؟؟ المدينة ستقاتل وتنتصر ، بعضهم يقاتل خارج المدينة ، يقطع طرق الإمدادات لعصابات الدولة ، يفجر السيارات ، يقبض علي المرتزقة ويقتلهم ، سألتها والبعض الآخر ، قالت غائب في أعمال عظيمة لا أعرفها من أجلنا جميعا وسيعود منتصرا،  وبتحدٍ قالت سيعود منتصرًا وقريبًا جدًا ، أعجبتني الطريقة التي تتحدث بها ...
أواثقةٌ مِن انتصار المدينة يا سيدتي المترجِمة ؟؟ ضحكت ، واثقة من انتصار الحياة سيدي الأمريكي ، الموصل هي الحياة، مدينة الطرب والحضارة، مدينة الأصالة والتراث ، أكدت بقوة  الموصل اليوم تحارِب وغدًا ستنتصر ، وحين تنتصر وترفع راياتِ فرحتها  عِدْني أن تعود لتراها وتتعرف عليها كما يجب أن تكون الموصل حياةً ذات ربيعين ..
قالت ، لو سمعتَ مواويلنا علي ضفاف دجلةَ في ليالي الخريف ، حين يسطع القمر بدرًا علي سطح الماء، وتتمايل الموجات الصغيرات علي نغمات الموال ، لو سمعتَها وأحسستَها وفهمتَها لتيقنتَ أن الموصل هي الحياة، وأنها ستنتصر علي الموت مثلما انتصرتْ طيلة تاريخها عليه ألف مرة ..
تتحدث بانفعالٍ وصِدقٍ، وملامحُ وجهِها الجميل تسطع بيقينٍ وإيمان وتَحدٍ ، أتسمحين لي أن أصورك ؟؟ ابتسمتْ ووافقت ، قلت لها احكي لي عن الموصل ، واتركيني ألتقط ومضاتِ حُبِّك للمدينة ويقينك بالانتصار بكاميرتي ، وافقتْ واتسعت ابتسامتها أكثر ..
تَحكي وتحكي ، أُنصِتُ لها باهتمام ، ألاحِقها بالكاميرا وألتقط لها لقطاتٍ سريعةً تقبض علي كل انفعالاتها وحُبّها وغضبها وحنينها ومشاعرها وهي تحكي لي عن عِشقها ، الموصل ..
قالت الموصلُ مدينة الحياة يا سيدي الأمريكي ، مدينة الحضارة والتاريخ ، هل سمعتَ عن الحضاره الأشورية؟  البابلية؟  الكلدانية؟؟ هززتُ رأسي نفيًا ، قالت ماذا تعرف يا سيدي عن الحياة غير أنكم قتلتم اليابانيين بالقنبلة الذرية؟؟ ابتسمتُ خجلا وقلت لا أعرف إلا بعض الأشياء التافهة التي لا تَعنيكِ ، وكأنها أشفقت عليّ فأخذت تَحكي وتقول ، الموصل يا سيدي الأمريكي بداية الحياة ووجودها ، الموصل القديمة أمَنت بالإلهة عِشتار أُم الخصوبة والحُب، عشتار الحياة ونجمة السماء الساطعة ، هل تعرف الإلهة عِشتار ؟؟ ازددتُ خجلا وصمتُّ ، ضحكتْ ، جهلاء لا تعرفون شيئًا عن بلادنا ، فقط يعرف رئيسكم كيف يدمرها ، وضحكت بمرارة فاحتقن وجهي ارتباكًا وخجلا ..
فجأةً سألتني ، لِمَ لا تكُف عن تصويري طيلة الوقت؟ ما الذي ستفعله بهذه الصور؟؟ لا أعرف بعدُ، لكني لم أعثر علي لقطتي الضالة ، ولماذا تُصوّرني إذن ؟؟ قلت يعجبني حماسك،  يعجبني إصرارك وقوّتك ...
ناداها روبرت لتلحق به ، شكرتني علي صورها وتحركتْ خطوتين ثم عادت وقالت لي ، بدلا من الرحلة الرومانسية علي ضفاف دجلة ، لِمَ لا تذهب عند أطلال بوابة " نركال " التي تركها الآشوريون وحافَظَ عليها الموصليون آلاف السنين، وأتت عصابات الدولة وفجّرتها ودمّرتها؟؟ لِمَ لا تذهب هناك وتصور جريمة رجال الدولة؟؟ ابحثْ عن المَلِك سنارحيب واعرفْ تاريخَه وقيمته، وعندما تعرفه اذهب لعصابات الدولة واسألهم لماذا فجّروا تماثيله وسرَقوا بقيتَها؟ ولِمن سيبيعونها؟ ولماذا هُم أعداء الحضارة والإنسانية؟!! أُكرر عليك سيد مارك ، اسمه المَلِك سنارحيب ، المَلِك الآشوري العظيم ، سنارحيب !!!
ما الذي تقوله تلك المترجِمة؟ وما الذي تحكي عنه؟ جاهل لا أعرف شيئا مما تتكلم عنه؟!! لِمَ لا تأخذ كاميرتك وتنسى المسابقة والجائزة الأولى، وتذهب لمتحف الموصل ونمرود وتصوِّر أطلال تفجيراته التي قامت بها عصابات الدولة ، اعملْ تقريرًا صحفيًا يا سيدي الأمريكي ، اسألْ رئيسَك لماذا تركَ العصاباتِ تدمر المتحف وتسرق آثاره وتماثيله وكنوزه وترتكب جريمتها في حق الإنسانية ، آثار نينوى الآشورية منذ آلاف السنين يسرقونها ويحطمون تماثيلها ويدمرونها ويفجّرون المتحف ، لماذا تركَهم يرتكبون تلك الجرائم؟ اسأل رئيسك أيها الأمريكي ، واجِهه بالصور التي ستلتقطها واسأله هل هذه هي الديمقراطية التي أتى لغرسها في بلادنا ؟؟ وما رأيه في حصاد زرعِه ؟؟؟
وفجأةً انفجرت في البكاء ، دعني أخبرك سيدي عن لَقطةٍ عظيمة ربما هي لقطتُكَ الضالة التي تبحث عنها ، بجوار المتحف الذي فجّروه والتماثيل التي حطموها جثثٌ لأربعةٍ مِن شباب الموصل ، قتلتهم عصابات الدولة حرقًا؛ لأنهم رفضوا أن يشاركوهم في تحطيم حضارتنا وآثارنا ، عاقَبوهم بالقتل حرقًا وتركوا جثثَهم متفحمةً بجوار المتحف رعبًا وانتقامًا ، لماذا لا تذهب وتصور جثثهم المحترقة؟؟ علَّها اللقطة التي ستمنحك الجائزة الأولى في المسابقة التي تسعى للفوز فيها ...
تبكي وتبكي وفجأة تتمالك نفسها وتمسح دموعها وتتحرك خلف روبرت وهي تلوِّح لي ، الموصل ستنتصر يا سيدي الأمريكي، ستنتصر وأنت انتبِه لنفسك ولرأسك من ديمقراطية رئيسك  ، انتبِه لنفسك ...
وتركتني علي الحَجر فزعًا أفكر في الجثث الأربع وما أصابها، أفكر فيما قالته وما حكته لي وما قصَّته عليّ ، لماذا فعلا يدمرون الحضارة وآثارها العظيمة؟ هل هذه هي الديمقراطية التي أرسلنا قواتِنا لنغرسها في أرضهم ؟؟
وعندما عُدنا في المساء للمنزل ، سألتُ روبرت ، لماذا يدمرون آثار الحضارة ويحطمون التماثيل ويفجرون المتحف وتراثه العظيم؟ لماذا يا روبرت؟؟ همس ولماذا يعدمون الشباب، ويقتلون النساء، ويُخرِسون الغناءَ، ويحرقون الأرض الطيبة، وينشرون الموتَ أينما حلوا؟ لماذا يا مارك؟؟ هززت كتفي ، لا أعرف !! عندما تعود لبيتك مارك اسأل السيد الرئيس ، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، لماذا يا سيدي؟ علّه تكون لديه الإجابة التي لا نعرفها لا أنا ولا أنت !!!
نَعم سأسأله ، لماذا يا سيدي ، لماذا ؟؟؟

( 30 )
"" لَقطَة مِن مجموعة الصور ""
"" دفء الشرق ""

هذه صورة بسيطة بلا أي تعقيدات ، أقف علي عتبة الحانوت الصغير وألتقط صورًا للبضاعة الموضوعة علي أرففه بنظامٍ وفَن ..
هذه الزجاجات الصغيرة الملونة لعطور شرقية يصنعها الحانوت ..
هذه العُلَب المعدنية الصغيرة المنقوشة بكتابات غريبة تشتريها النساء ويَضعن فيها أغراضهن الصغيرة ..
هذه الأقمشة الهفهافة ، لأغطيه رأس ملونة ، تُغطي بها النسوة شَعرهن ، نمَّقَ البائعُ تعليقَها بشكل مبهج راعَى فيه درجات الألوان وتناسقها كما تحكي الصورة ..
صورتُ هذه الصورة وأنا لا أعرف ما الذي أصوّره ، إناء صغير بغطاء صغير، وريشة تقبض في غطائه ، سألتُ البائع ما هذا الشيء ؟ قال مِرود ومكحلة لعيون الجميلات ، ابتسمتُ ، وتصورت الجميلاتِ يرسمن عيونهن بالريشة الطويلة بعد غمسها في الإناء وكحلة السائل ، ابتسمتُ وفهمت سر جمال عيون نساء الموصل وسحرها ..
هذه الصور قصدتُ منها الإشارةَ لكنوز الشرق وجمال تفاصيله ، تأملوا الصورَ مرة ثانية ، عطور وعُلَب منقوشة، وأغطية رأس حرير زاهية، وكُحل لعيون الجميلات، إنه عالَم الشرق ودِفئه وسِحره ، تأملوا الصورَ مرة ثانية وثالثة، واغرقوا في هذا السحر ومعناه ..

نهاية الجزء الثالث 
ويتبع بالجزء الرابع


ليست هناك تعليقات: