مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 20 مارس، 2016

مَوَّال الوَصْل والوَجَع .... الجزء السادس والاخير

مَوَّال الوَصْل والوَجَع

الجزء السادس




( 51 )
الحُكم الشرعي

قرأ الرجُل بإنجليزية طليقة من الورقة التي يمسكها الأحكامَ التي صدرت علينا ، ينادي الأسماءَ، وخلف كل اسمٍ الجريمة التي ارتكبها، والعقوبة التي حُكِم عليه بها ، الموت ...
الموت هو العقوبة الوحيدة التي تَشارَكنا فيها جميعًا ولو اختلفت الأسماء والأعمار والبلاد التي ينتمي لها المجرمون ، أقصد أنا وكل المُلقين فوق أرض العنبر منهكين متعَبون .. الموت ولا شيء غيره ..
الحق أني لم أسمع اسمي، ولم أكترث أن أعرف جريمتي، ولم أخَف من الموت وقتما أوضحَ بصوته العالي أنه عقوبتي العادلة جرَّاءَ ما ارتكبتُه ، كنتُ مسكوبًا داخل نفسي ، روحي أسيرة داخل الجسد المنهَك، وأذناي تطنانِ انزعاجًا بالصخب الذي يحاصرنا بعد طول سكونٍ وصمت، وعيناي ترتجفان وجعًا بعد طول إغلاق، والضوء الباهر يمزقهما بوخز الدبابيس ، كنت ميتًا فعلا ، لذا لم يرتجف قلبي وقتما أعلن عقابي العادل ...
في تلك اللحظة الغريبة ، أسئلة كثيرة حاصرتني بلا إجابات ، مَن أنت لتحكم عليّ بالموت؟ ولماذا أنا؟ لقطات قصيرة سريعة تتسلل من فتحتَي عيني الصغيرة للآخرين الأسرى المتهاوين مثلي علي الأرض ، ملامح مختلفة إفريقية، عربية، أسيوية، أوروبية، أمريكية، وجوهٌ  صفراء، بيضاء، سوداء، مِن كل مكان في العالم ومِن كل الأجناس، جميعنا أسْرى لهؤلاء المجانين الحمقَى الذين سيقتلوننا جميعًا جزاءً عادلا لجرائمنا التي ارتكبناها ولا نعرفها ...
قال الرجُل بإنجليزية طليقة إننا كُفَّار زنادقة، وإننا اعتدينا عليهم، وقتَلنا المؤمنين الصالحين بقنابل طائراتنا الفاجرة، وإنهم ، هكذا قال ، حاولوا إنقاذنا لكن حكوماتنا المتعجرفة رفضت دعمَهم وكَفَّ أذاها عنهم وحاربتهم، وما قَتْلُنَا إلا جزاء جرائمِ حكوماتنا التي تحالفت معًا ضدهم ..
هل ضحكتُ؟ أظنني ضحكت وقتما سمعته يقول هذا الهراء ، وفقًا لأي قواعدَ إنسانية أيها الجلف الأحمق يُقتَل المواطِنون عقابًا لهم على ماا قترفته حكوماتُهم؟ هل سمِع سؤالي الأخرسَ داخلي ولمح ضحكتي؟ اقتربَ مِني وقبض علي كتفَي ورفعني في الهواء وهو يصرخ في وجهي  أننا جواسيس لحكوماتنا أتينا لمحاربتهم وهزيمتهم، وأن خبثنا وكذبنا ومراوغتنا لن تفلح ولن تخدعهم ، وأن الموتَ جزاءٌ عادل لكل ما اقترفته حكوماتنا ولكل ما كنا سنقترفه لو تركونا أحرارًا نعيث في بلادهم فسادًا ، قال إن موعد موتِنا قد تحدد بعد صدور الحكم العادل ، وإنهم سينفذون علينا الأحكام تِباعًا ، وإنهم سيصورون إعدامنا قصاصًا لكل جرائمنا وسينشرون الأفلام علي البشرية حتي تكُف أذاها عنهم علَّهم يتَّعِظون !!!
قرأ الحُكمَ من الورقة ، وسرعان ما سادَ صمتٌ رهيب فوق رؤوسنا ونحن متكومون علي الأرض، متهالكون معذبون لا نَقوَى على فرارٍ ولا مقاوَمة، ولا حتي على إطلاق ألسنتِنا عليهم سبًا وشتمًا ، وبسرعة جَذَبتْ كلا مِنا مِن مكانه ذراعٌ قوية سحبتنا للزنازين زحفًا علي الأرض و..... أُغلِق باب الزنزانة عليّ وحدي بعدما ألقتني الذراع القوية بعزم قوتها لأصطدم بالحائط ، هنا في تلك اللحظة انفجرتُ باكيًا ، ليس خوفًا منهم كما يتصورون، ولا خوفًا من الموت كما يتمنون ، انفجرتُ باكيًا مؤكدًا لنفسي أني ما زلت إنسانًا رغم كل ما تعرضتُ وأتعرض له، وأنهم أبدًا لم يُفلحوا في أن يحولوني لشيء لا يَشعر ولا يَتأثر ، ما زلت إنسانًل وسأظل حتي تَخرج روحي من جسدي تحت نصل إجرامهم ...
في تلك اللحظة أخرجتْ حسناء منديلَها المطرز وجففتْ دمعي، وقالت لا تنسَى ما وعدتني به، لا تنسَ أن  تحكي وتقول الحقيقةَ سيدي المصوّر ..
لن انسي ..لن انسي ..

( 52 )
متى ؟؟

أسيرُ متعثرًا وغربتي وحزني وإحباطي على ضفة دجلةَ، أُحدِّق في النهر..
أسأله وأسأل نفسي ، متى سيحكي دجلةُ قصتَه ؟؟ متى سيفيض بغضبه ويبتلع ذوي الرايات السوداء ويمحو أثرهم ونجاستهم من ضفتَه ومن حضنه ؟؟ متى سيطهِّر المدينة ويعيد لأزقتها وشوارعها بهجتَها وفرحتها ؟؟ متى سيحكي دجلةُ قصتَه وقصة الموصل ؟؟
أحدق في ماء النهر وكأني أنتظره يحكي لي قصة وجعِه وقتما أغرقت مياهه دماء رجاله، وقتما قتلهم مرتزقة الدولة منذ يومين وحزنت المدينة المسكينة كلها عليهم، وحزنت الأزقة والحارات والأسواق والبيوت العتيقة، وبكت النساء وهرمت العجائز أكثر وأكثر ..
قال لي روبرت إن عصاباتِ الدولة قبضت على بضع مئاتٍ من الرجال واتهمتم بأنهم مِن جنود الجيش المختبئين الرافضين التعاونَ معهم والمتربصين بهم ، قيّدتهم بطريقةٍ مهينة ومرغتْ وجوهَهم في التراب، وداس رجالها الغلاظ بأحذيتهم فوق روؤسهم ذُلا وتنكيلا، وفي النهاية ضربتهم بالرصاص وألقت بجثثهم في النهر، ومنعت أهلهم من أي مظاهر حزنٍ أو ليالي عَزَاء ..
حدّقتُ في النهر أسأله عن الرجال الذين غُدِرَ بهم بلا محاكمةٍ وبلا ذنب ، أسأله عن حزنه وموجاته تحتضن الشباب وتخفيهم عن جنون العصابات وتغطس بهم لقاع النهر الحاني علي جثثهم كشاهدٍ يَحفظ ذكرى بطولاتهم ورجولتهم وشبابهم .
حدَّقتُ في النهر ، تصورت أن رجلا سيخرج مِن بين مائه ويمنحني صورة بعثِه للحياة شاهدًا علي جريمة قتلِه وقتْلِ كل مَن كانوا معه ، سيخرج بثقبٍ كبير في الرأس ويحكي لي كيف خطفوهم وقيدوهم وقتلوهم وحرموهم المدفنَ وحرموا أهلهم الحزنَ والعزاء ..
أحدقُ في النهر أنتظر خروج الرجُلِ بالثقب الكبير في الرأس لكنه لا يخرج ، أنتظر أن أسمع دجلةَ وقتَ أن يروي لي حزنَه ووجعه وكل شهاداته علي جرائم ذوي الرايات السوداء منذ أول التاريخ وحتي هذا الزمن، لكنه يجري في مساره صامتًا متحديًا الموتَ والفناء، شاهدًا علي تاريخ المدينة التي عاصرت كل ما عاصرته، وهزمت كل أعدائها وبقيت حيةً شامخة ، وستنتصر هذه المرة أيضا وتبقى حيةً شامخة ، أظنني سمعت صوتًا يؤكد لي أن المدينةَ ستنتصر ، أظنه دجلةَ نَطقَ وتَحدّي وقال .
 أحدِّقُ في النهر أكثر وأكثر ، أنتظره أن يعيد عليّ ما قاله لكنه لا يعيده ..
أُحِس الحرارةَ الساخنة قد ثقبت رأسي وخدّرتني وأفقدتني بعض الوعي وغيبتني، فصرتُ أهلوّس وأهذي وأعيش كوابيس وأحلامًا وأنا مفتوح العينين ، سأعود لمنزل روبرت وأستريح من الحَر والحزن ، وغدًا سأخرج ثانيةً أبحث عن لقْطَتي الحيرى التي ستعيدني لمنزلي وعشيقتي وكلْبي ..
عليكِ اللعنة أيتها اللقْطَة الفارة مِن كاميرتي ، لِمَ لا أعثر عليكِ وأرحل ؟ ما الذي أنتظره ؟ ألَمْ يكفِني كل الحزن الذي تجرعتُه في تلك المدينة التي غادرتُ بيتي  لا أتسمم بحزنها ؟ فكرت أن أتصل بالمحطات الإخبارية التي تحتل تليفزيوناتِنا وأحكي لهم ما رأيته هنا في الموصل ، فكرت أن أقول لهم كيف تصمتون علي كل تلك الجرائم؟ كيف تنامون راضين مستريحي الضمير والنسوةُ هنا يُقهَرن والرجالُ يُقتلون والمدينةُ تُسلَب روحُها والجنون يجتاحها كرهًا وانتقامًا؟ كيف تصمتون علي كل ما يحدث ..؟
فكرتُ كثيرا أن أتصل بالمحطات الإخبارية، وفي النهاية أُسيطِر علي غضبي وحزني وأهز كتفَي بالجملة البليدة وما شأني أنا بكل ما يحدث؟ وأحيانًا أتمرد علي تلك البلادة وأقرر أني حين أعود لمنزلي آمِنًا ، سأُكرِّس بعض وقتي للحديث عن الموصل وعصاباتِ الدولة وكل ما شاهدتُه وسمعتُ عنه ، علَّ ضميرَ البشريةِ يستيقظ، وعلَّ قواتِ التحالف تصمم علي القضاء عليهم وتكُف عن أخطائها المُحيّرة حين تُلقي لهم بالعتاد والأسلحة علي سبيل الخطأ كما تقول التصريحات الرسمية لقادتنا العسكريين !!
أتحرك بخطواتٍ بطيئة صوب المنزل، وقلبي يناشدني أن أبقى واثقًا أن دجلةَ أوشكَ أن يتكلم ويحكي ، أتباطَأ في خطواتي وأنتظِر وأنتظر ، متى ستحكي الحكايةَ يا دجلة ؟ متى ستحكي الحكايةَ مِن أول جحافل المغول وحتى ذوي الرايات السوداء ؟؟ أتباطَأ أكثر وأكثر ، أنتظِر وأنتظِر ...
( 53 )
"" لقطة من مجموعة الصور ""
"" منمنمات شعبية ""

لهذه المدينة تاريخٌ عظيم ، مجموعة الصور التي التقطتُها لجدران الحمَّام الشعبي في السوق تقول هذا ، تلك المنمنمات، والرسومات الدقيقة، والموزايكو، والألوان الشاحبة التي كانت زاهيةً قبلما يمُر عليها الزمن والأيام ، كل هذا يقول إن لهذه المدينة تاريخًا عظيمًا ..
كنت في السوق القديم ، وجلستُ علي أحد الأحجار الكبيرة فيه ألتقِط أنفاسي ، انتبهتُ للحمّام الشعبي أمامي ، قال لي أحد البائعين في السوق إنه حمَّام للنساء فقط ، قال إنه قبل احتلال المدينة بذووي الرايات السوداء كان النساء والرجال يتقاسمون أيامَه ، لكن مع احتلال المدينة منعوا الرجالَ مِن ارتياد الحمّام وتركوه للنسوة فقط ، وأوقفوا علي بابه امرأةً تابعةً لهم تفتش النساءَ الداخلاتِ والخارجات ، قال البائع إن الحركة هدأت في الحماّم وصار التردد عليه قليلا ، ضحكَ وقال لو شاهدتَ الحمّام سيدي الأجنبي وقتَ عِزِّهِ والنسوة الجميلات داخلات وخارجات منه ، لو شاهدتَه لبقيتَ مكانك لا تغادره أبدا ..
تمنيتُ لو أدخل مبنى الحمّام وأصوره مِن الداخل ، حاولتُ أن أتصور تفاصيلَه لكني عجزت ، لم أرَ شيئًا مثلَه من قبل ، سأعود في وقت آخر بعدما تنتصِر المدينة وأستأذِن لدخول الحمّام وتصويره ، أمّا اليوم فسأكتفي بتصوير جدرانِه وبواباته الخارجية ..
هذه الصور لجدران الحمّام الشعبي في السوق ، المنمنمات الصغيرة، والرسومات الدقيقة، وتراكيب حَجر الموزايكو، كل هذا يعطي إحساسًا أصيلا ، يقفز مِن تفاصيل الصورة ، لو رَصصتَ الصور بجوار بعضها ، لأمكنك مشاهدة الجدران الخارجية والبوابة العتيقة بينهم ..
سأعود في وقت آخر لأصور الحمّام الشعبي من الداخل وقتما تنتصِر الموصل ، ها هو يقين زهراء انتقل لروحي وصرتُ موقِنًا بانتصار الموصل وانتصارِ الحياة ..
  
( 54 )
القبو

أستيقِظُ فزِعًا علي صوت عالٍ لطائرات تحلق فوق رأسي بالضبط ، لا أعرف أين أنا ولا لماذا قبضوا عليّ ، عدة أيام مرت عليّ في ظلام القبو ، عدة أيام لا أعرف عددها، فلم تشرق شمس في ذلك القبو، ولم يخترق جدرانَه الأسمنتية الحارة ضوءُ أي نهار ، لا أظنني أعيش ليلة واحدة طويلة ، الأرجح أن عدة أيام مرت وأنا محتجَز في ذلك القبو ، لم يأتِني أحدُهم يشرح لي لماذا قبضوا عليّ، ولم أفهم مَن هُم الذين قبضوا عليّ ، أغفو طويلا ونفْسي تعاف الأكل ذا الروائحِ النفاذة الذي يُلقونه أمامي مرةً كل يوم ، الحرارة تفسِد الطعام بسرعة فأشُم رائحةً تَخَمُّرٍ وعفونة قبلما أمُد يدي عليه ، أغفو طويلا وأستيقظ فجأة، وكأن أحدهم أيقظني ولا أجد إلا أشباحَ القبوِ وأشباحي ..
الليلةَ استيقظتُ فزِعًا علي صوت أزير الطائرات فوق رأسي ، ظننتُها طائراتٍ آتيةً لإنقاذي ، ولِمَ لا تفعل ؟ ألستُ مواطِنًا شريفًا ولم أرتكِب أي جُرم وقَبضَ عليّ  مجهولون لا أعرفهم ؟؟ ألا أستحِق أن تنقذني طائراتُ سلاحِنا الجوي الرابضة فوق حاملة الطائرات في الخليج  ؟؟ ألا أستحِق؟؟
الحرارة الشديدة ووهن الجوع والإعياء تلاعبوا برأسي ، رأيتني بطلَ فيلمٍ هوليوودي أسيرًا لدَى الأشرار، فتنقذه الطائرات التي يهبط منها رجالٌ طيبيون ينتشلون بطلَهم مِن سجنِه بعد معاركَ طاحنةٍ مع الأشرار ينتصر فيها الطيبون ، سمعت صوتَ تفجيراتٍ عنيفة فعرَفت أن القواتِ الخاصةَ هبطت مِن الطائرات وفجّرت الباب الثقيل الذي يغلق القبو، وقتلت المجهولين الغرباءَ وفتحت عليّ زنزانتي ، رأيت ابتساماتِ الرجال وسط الليل ، لامستُ أيديهم القويةَ وهي ترفعني من علي الأرض وتنتشلني من وسط الزنزانة ، غنّينا معًا تحيا أمريكا وجيش أمريكا ، رأيتني في أحد الفنادق وملابسي الجديدة التي اشتروها لي ورائحة العِطر المسكوب في مغطس الماء الدافيء تدغدغ أنفي ، رأيتني في قاعةٍ كبيرة وسط الأضواء المبهِرة وبجواري رئيس الأركان الأمريكي وقائد قوات المارينز في الخليج ، رأيت الصحفيين يتكالبون عليّ وميكروفوناتهم تتراص علي المنضدة أمامي ، سمعت بأُذُنيّ تصفيقًا حادًا لشخصي ، شكرتُ الرئيسَ وإدارته، ورئيسَ الأركان ورجاله، وقائدَ قوات المارينز ورجالَه، وشكرت كل أمريكي صلَّى مِن أجلي، وكل أمريكية تمنت عودتي ، أَدنتُ الإرهابَ الأسود الذي قبضَ عليّ، وتمنيت أن تعُمَّ الديمقراطيةُ ربوعَ البلاد البعيدة لتنقذهم مِن الذقون الشعثة ، ونِمتُ هانِئًا على فِراشي المريح في الفندق الكبير الذي أُقيم فيه انتظارًا لمقابلة السيد الرئيس!!
كل هذا رأيتُه، والانفجارات العالية تحيط بي، وأزير الطائرات يصم أُذُني ، لكنّ باب القبو لم يُقتحَم، ورجال المارينز لم يأتوا، والرئيس لا ينتظرني، وأحدًا لم ينقذني وما زلتُ أسيرَ القبوِ المظلِم والغموضِ الرهيب الذي يحيطني منتظِرًا أحدهم ليشرح لي لماذا قبَضوا عليّ !!

( 55 )
الرسالة

السيد الرئيس .. رئيسَ الولاياتِ المتحدة الأمريكية ...
وافر التقدير والاحترام ...
أكتب إليك سيدي لأخبرك أن عصابات الدولة وذوي الرايات السوداء اختطفت صديقي ومواطِنَك السيد "مارك ريجريت" المصور الفوتوغرافي مِن السوق الكبير بالموصل ..
أكتب إليك لأخبرك سيدي أن السيد "مارك ريجريت" طالما منحَكَ صوته وسدد ضرائبه، وكان مثالا للأمريكي الصالح ، لأخبرك أنه لم يفعل شيئا يؤذي أو يضايق عصابات الدولة ، وجريمتُه التي سيعاقبونه عليها أنه أمريكي الجنسية وهي جريمة لو تعلم سيدي عظيمة في تلك البلاد ، لماذا؟؟ أنت تعلم سيدي أكثر مني ومِن الجميع ...
أكتب إليك لأخبرك  أن السيد ريجريت مواطن صالح، ولم يرتكب أي ذنب، وأتمنى لو أن إدارتك تحاول إنقاذه ، كيف ؟؟ عن طريق عملائك المحليين سيدي، وعن طريق قيادات ذلك البلد المَرضِيّ عنهم منك ومن إدارتك، وعن طريق دبلوماسِييك الذين يحكمون ذلك البلد، ويتحكمون فيه مِن خلف الجدران وأنت أدرَى وأعلم يا سيدي ..
أكتب إليك يا سيدي لأؤكد لك أن السيد "مارك ريجريت" لم يرتكب أي ذنبٍ، وأنه صديقي، وأنه صالِح، وأنه يستحق الحياة ولا يستحق القتل علي يد تلك العصابات، فلتعقِد مؤتمرًا صحفيًا سيدي الرئيس الآن حالا وتخبِر العالَم بما جرى لصديقي وتحذِّر عصاباتِ الدولة من المساس به ، لتعقِد اجتماعًا طارئًا للمَعنيين بالأمن القومي ولتخبرهم أن مواطِنًا أمريكيًا بريئًا مهددٌ بالإعدام بلا ذنب ليتصرفوا ويُصدِروا أوامرهم لكل قواعدنا العسكرية في العالَم كله أن تستعد للحرب دفاعًا عن مواطِنك البريء ، لتستدعِ رئيسَ الأركان ليأمر قائد حاملة الطائرات الرابضة في الخليج أن يوجِّه صواريخه صوْب سجون عصاباة الدولة وأن يهددهم بقصفها فوق رؤوسهم جميعًا لو لم يُفرِجوا عن السيد ريجريت ، لا تخبرني سيدي الرئيس أنك لا تعرف مكان سجون عصابات الدولة ولا الزنزانةَ التي يُحتجَز فيها صديقي فزِعًا مرعوبًا ، طبعا تعرفها سيدي ، ابحثْ عنها عن طريق برنامج جوجل مابس ، سيشير سهمه الأزرق علي مكانها ، اقصِفها فورًا يا سيدي ، اقصِفها فورًا سيدي ولا تتردد ، اقصِفها فورًا وأنقِذ صديقي !!!
سيدي الرئيس ، أنقِذ صديقي وحافِظ علي صوته في انتخاباتك القادمة، وأعطِ عصاباتِ الدولة درسًا ألا تتجرأ علي الدولة الأعظم في الكوكب ، ألَسْنا الدولةَ الأعظم سيدي ؟؟؟
مع خالِص تحياتي واحترامي ..
المواطِن الأمريكي ، روبرت متشيجان ...
وانتظرتُ أيامًا وأيامًا، لم يعقِد الرئيس مؤتمرًا صحفيًا ، ولم يقصِف سجون عصابات الدولة، ولم يَستدعِ مجلس الأمن القومي لاجتماعٍ طاريء ..
انتظرتُ أيامًا وأيامًا، وكُل شيء ساكنٌ والرايات السوداء ما زالت تحلق في سماء الموصل ، وما زال الرئيس قابعًا في مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض وما زال صديقي مارك في سجون عصابات الدولة لم ينقِذه الرئيس بعد !!!

( 56 )
الليلة الأخيرة

هذه ليلتي الأخيرة في قبو عصابات الدولة، وربما في الحياة ، كيف عرفتُ ؟؟ لم يخبروني طبعًا ، ولم أستنتِج ذلك مِن مَنحي البذلة البرتقالية التي ألقوها بجانبي من يومين ، لم أستنتِج ذلك أيضًا وقتَما سألوني عن رسالتي الأخيرة التي أُحِب أن أكتبها ولمن سأكتبها ، لم أستنتِج شيئًا لكني عَرَفتُ ..
كيف عرفت ؟؟
عرَفت وقتَما ازدحم القبو بالزائرين الذين تسللوا مِن تحت الباب الكبير ومِن شقوق الجدران ، اعتلوا الأسوار وقفزوا فوق البوابات وتسللوا من خلف ظَهْر الحرّاس الأشداء وأسلحتهم القاتلة وحضروا لزيارتي ..
روبرت وماريان ، انطونيو ، حسناء وزهراء ، أحلام وأحمد ، مديري مِن جينيف ، العجوز التي صوَّرتها ، الأطفال الصغار الذين كانوا يلعبون النرد علي أرض الزقاق،  مارلي وفون ، حتي أُمِّي حضرت بصحبة السيد فريد ، أُختي التي لم أرَها منذ سنوات بعيدة حضرتْ أيضًا ..
القبو ازدحم بالزائرين ، جميعهم أتَوْا في وقتٍ واحد وكأنه احتفال بموْتي أقاموه قبل ميعاده بوقت قصير لأشاركهم الحفلَ والحزن وكلماتِ الرثاء..
قالت مارلي بصخبٍ وكأنه فَرِح ، مارك مفاجأة ، صنعنا لك مفاجأة سعيدة بزيارتنا جميعًا ، نبح فون وهز ذيله فرحًا والتصق بي ، اعتذرتْ لي أُمي لأنها لم تعبِّر لي عن حُبِّها بالدرجة الكافية طيلةَ حياتها ، قالت إنها تعِبت في العمل وفي تربيتنا وإن قلبَها تحطم وقتَما رحل أبي، وحين اختفت أُختي مِن حياتنا ، قالت إنها انشغلت في تدبير العيش ونسيت أن تحتضنني ، وها هي اليوم أتت لتعتذر لي وبشكلٍ عملي ، احتضنتني حضنًا كبيرًا دافئًا وأحكمت ذراعيها علي جسدي ، رائحتها التي كنت أطمئن لها صغيرًا أينعتْ في روحي فنسيتُ أني في القبو وأحسست بفرحة وطمأنينة ، وعَدَتني أُمي أن تزورني دائمًا وأبقتني في حضنها طويلا ، ودَّعَتني ورحلت مبكرًا وقبلما تبدأ الحفلة لأن بيت المُسنِّين الذي تعيش فيه يغلق أبوابَه مبكرًا ، دَعَتْهَا مارلي لتقضي الليلةً معها ، لم تصدِّق أُمي ولم أُصدِّق أنا ، مارلي صممت ، أُمي وعدت مارلي أن تزورها وتقضي معها بعض الوقت بين كل حينٍ وآخر ، مارلي شكَتْ لها وحدتها في غيابي ، وعَدَتها أُمي أن تزورها وتهوِّن وحدتها ، احتضنتها أُمّي بقوة ، مارلي بكت وارتبكت وسألتني ، كيف تغيرت أُمك ؟ لا أعرف الإجابة، لكني وعدتها أن أحاول أن أعرف إذا ما بقيتُ حيًا  ..
هذه الجميلة الشقراء التي تتوارى خلف روبرت هي أُختي ، نَعَم أُختي ، لم أعرفها في البداية ، غادرتنا مراهِقةً صغيرة وحَبَّ الشباب يزركش وجنتيها، وعادت لي اليوم سيدةً جميلة أنيقه ، قالت إنها تحبني ولم تنسَني أبدا ، قالت إني كنت سنَدَها الوحيد في الحياة بعدما رحلَ أبي ، قالت إنها غضِبت مِني وقتَما تخليتُ عنها حين تشاجرتْ مع أُمي ، قالت إنها عانت في حياتها كثيرًا ، لكنها في النهاية تزوجتْ وأنجبت مارك الصغير وصوفيا ، لصقتْ صورةَ مارك الصغير وصوفيا علي جدران القبو ، قالت إنهما يعرفاني جيدًا ويُحباني ، وإنها وعدتهما أن يزوراني ذاتَ يوم ، قلت لها لم يعُد هناك اأيام ، قالت لا تكُن أحمقَ كعادتك ، الأيام كثيرة ، سيكبر مارك وتكبر صوفيا ويزورانك دائمًا ووقتَما يشاءان ووقتما تشاء ، قالت إن الحياة علَّمَتها ألا تسكن لمخاوفها ولا تَقبلهاـ وأنه لا بُدّ مِن التمرد والتصميم ، وقالت إنها صممت أن تزورني وها هي أفلحت، وغدًا سيصمم مارك وصوفيا أن يزوراني وسيفلحان ، قالت إنها تحتفظ بصورتي صغيرًا ، سألتها العجوز أن تشاهد الصوره ، قلت لها هذه العجوز صديقتي ، ابتسمتْ العجوز للصورة وقالت إني أُشبِه ابنَها الذي تركها وقتما احتل ذوو الرايات السوداء المدينةَ ، قالت إنه سيعود في يوم قريب منتصرًا، وإنه سيأتي ويحرِّرني ويحطم جدران القبو ويُخرجني لمنزلي، قالت ألا تصدقني ؟ قلت تعلمتُ هنا في الموصل أن أصدقكم ، وسأنتظره أن يأتي منتصرًا ويحرِّرني !!!
صفقت العجوز فرحًا، وصفق الجميع أيضًا ..
وما زال الاحتفال في بدايتِه ...

( 57 )
"" لقطة من مجموعة الصور ""
"" الأزقة العتيقة ""

هذه الصور لمجموعةٍ مِن الأزقة العتيقة في الجانب القديم من المدينة ، الظلال المتساقطة علي أرضيات الأزقة هي ظلال الأسوار الشاهقة للبيوت القديمة ، أُحِب هذه الصور، وتعمدتُ أن أصورها أبيضَ وأسودَ بلا ألوان ، الإضاءة وانعكاسات الضوء والظل علي الأزقة الضيقة والانحناءات الكثيرة وبلاطات الأرض ، كل هذا مع الأسود والأبيض يعطي تلك الصور عراقةً وقِدَمًا ، حين تراها ستتأكد مما أقوله ، ربما تُحِسها مِن مائة سَنَة أو مِائتيْن ..
أعجبتني الصورة التي ترامت فيها بعض الزهور علي أرض الزقاق ، وبعضها بقي معلقًا علي سور أحد البيوت القديمة ، التشكيل الجمالي الذي صنعه تناثُرُ الزهور مع انعكاسات الظل والخيال علي الأرض والسور منحَ الصورةَ قيمة ..
انظرْ لهذه الصورة ، هل تعرف هذا الشيء الذي يتوسطها ؟ وأنا أسيرُ في الزقاق ألتقِط صورة وقفتُ أمام بوابة حديد عتيقة، وسطها تلك الكُرة المنقوشة بالحفر، ووسط الكُرة مكان لدخول مفتاح البوابة ، نَعم هذه الكُرة المنقوشة التي تتوسط الصورة بداخلها ثقب يوضَع فيه مفتاح البوابة ، يبدو أنه مفتاح كبير كما يظهر من الثقب المخصص لدخوله ، ويبدو عتيقًا قديمًا أيضًا مثل الكُرة التي صوّرتها .. كنت أعرف أن تلك الصورة ستبدو غامضةً للكثيرين ، لذا شرحتُ ما بِها في سطريْن لأنشرهما مع الصورة إيضاحًا للغموض ، أليست جميلة ؟؟

 ( 58 )
النصل

يَسطع نصل الخنجر كشمس أغسطس في صحراءِ الربع الخالي ، أبتسِم ، أُحِسها صورةً فوتوغرافية غريبة فرت مِن عدستي التواقة للقَطات المتفردة ، يهتاج الرجُل وكأن ابتسامتي ألقت وقودًا فوق النار المستعِرة في روحه ، يهتاج الرجُل ويرتبك ، ينتظر مِن عيني نظرةَ رجاءٍ وتوسلٍ أو نظرةَ ذُلٍ وضعف ، ينتظر مني أي شيء في لحظتي الأخيرة إلا ابتسامةً يراها ساخرة مستفزة ...
يُحرك النصلَ بين أصابعه وكأنه يتوعدني بقتلٍ موجِع ، تتسع ابتسامتي أكثر ، خيالي الغريب يرى نجومًا وهاجة تتقافز مِن حد النصل للرمال الساخنة فتسطع ذراتها وكأن مِرآة ضخمة جمعت أشعة الشمس المبعثرة فوق اللحظة الغريبة وألقت بها تحت قدمَي الرجل البليد ، نَعم هذا الرجُل بليد ، حدقتاه خلف قناع الوجه الداكن لا تقول شيئًا ، كأنه لن يقتلني بعد لحظة، وكأني لست أسيرَه وهو سجاني المتوحش ، بليد ، صدره يصعد ويهبط بانتظام يشير لجلافةٍ وبَلادةٍ تمنعان عنه الإحساسَ والانتباه ، بليد لا تتقافز فوق جبهته قطرات عَرق صغيرة تفصح عن توتره مِن اللحظة التي سيقبض فيها علي روحي ويزهقها بنصلِه الحاد ، بليد لا تتسارع دقات قلبِه ولا ينزلق العرق بين أصابعه فيسقط النصل ارتباكًا علي الأرض تحت قدميه الثابتتين بلا ارتعاش ولا انتفاض، ولا أية حركة تؤكد إنسانيتَه التي لا يعرفها ....
أقِف أمامَه علي بُعد بضعة خطوات ، بيني وبينه مسافة النصل الذي سيجز رقبتي التي تتأرجح انتظارًا للحظة الأخيرة التي لا أعرف إحساسها، لكني أوشك أن أعرفها، بيني وبينه خطوات تكفيه ليقبض علي ذقني ويرفعها لأعلى ويسقط بنصله يمزق الجلد الرقيق واللحمَ والشرايين والأوردة وروحي ويلقيني تحت قدميه جثةً هامدة ، بيني وبينه مسافة صغيرة تكفيه ليقتلني بلا مجهود، وتكفيني لأموت بغير مشقة .....
أقِف أمامَه وعلي بُعد بضعة خطوات منه ، يرتدي بذلتَه السوداء ويغطي وجهه بقناعٍ أسودَ لا يخفي حدقتيه البليدتين ، وأرتدي أنا البَذلة البرتقالية التي جلبوها لي منذ ليلتيْن، وفي عيونهم نظرةُ تَشَفٍ وشماتة وتركوها بجواري مُلقاةً مثلي يوميْن علي الأرض في محبسي، وفي النهار الثالث خلعوا عني كل ملابسي وارتديتها ، يومَ اعتقلوا البذلة البرتقالية بجواري في محبسي قلت لنفسي أعرف هذه البَذلة ، هي كالتي كان يرتديها المجرمون أعداءُ الأمن القومي في بلادي ، أسال نفسي هل كان هذا البليد القاتل واحدًا منهم ؟ هل اُحْتُجِز سنواتٍ في أسْر رجال الأمن القومي الأمريكي ليستجوبوه مرةً تِلو الأخرى بحثًا عن إجابات تكمل لوحه النواقص أمامهم ؟ هل هذا البليد ارتدى تلك البَذلة سنواتٍ وهو يَكرهها ويَكره نفسه ويَكره جلاديه فقرر أن يقتَص منهم ومِن العالَم الصامت علي كل الجرائم التي ارتُكِبت في حقه ويعيد إحياءَ وجعِه بمشهدٍ سينمائي يبدل فيه الأدوار مِن ضحية منتهكة آدميته لقاتلٍ مجرم يَنتهك أدميةَ ضحاياه بنفس البلادة والجلافة والقسوة التي عاشها وتَجرع سُمَّها ثانيةً ثانية في كل السنوات الطويلة التي احتُجِز فيها خلف جدرانهم الفولاذية المشحوذة ...؟؟
بيني وبين البليد القاتل مسافة النصل وفقط، وأنا أرتدي البَذلة البرتقالية التي طالما رأيتها في بعض الصور الفوتوغرافية ولم أُعِرها انتباهًا ، وقتَها لم أكترث بمن يرتديها ولا لماذا يرتديها ، هل هذه جريمتي التي عاقبوني مِن أجلها ؟ هل هذه جريمتي التي يقتلونني بسبب ارتكابي لها ببلادةٍ لا تَقِل عن بلادتِهم وغِلَظةٍ كمثل غلظتهم ...؟
مِن يومين ، فتحوا باب الزنزانة ، ألقوا لي بكيسٍ مغلَق ، ابتسموا في وجهي يزفون لي قُرب موتي وعتقي مِن أسرِهم  ، بإنجليزية أوكسفوردية أخبرني حارسي بضرورة تغيير ملابسي وارتداءِ بَذلتي الجديدة كما وصَفها ، أغلق الباب برفقٍ وكأنه لا يتمنى إزعاجي ، أُحدِّق في عينيه المحجوبتين خلف القناع الأسود، وأبحث عن إجاباتٍ كثيرة لأسئلة ما تصورتُ قَط أنها ستحتل ذهني لوقت طويل ، نسيتُ عشيقتي وكلْبي ، نسيت بيتي وماكينة القهوة ، نسيت الكاميرا وأُمي الخَرِفة ، نسيت كل شيء وسقطَ عقلي في جُب الأسئلة التي احتلتني ولا أجِد لها إجابات ، هل سأموت قبلما أعرف الإجابات التي أعيتني وهدَّت حيلي بحثًا عنها ؟ لماذا يحدث كل ما يحدث ؟؟؟
وقتَها وأنا أسير القبوِ كنت أسأل نفسي ، أمّا الأن فلا أكترِث ، كنت أسال نفسي أسئلةً بسيطة أو هكذا كنت أظنها ، لماذا يحدث كل ما يحدث ؟؟ ومَن أنتم ؟؟؟ ومِن أين أتيتم ؟؟؟ وقتَها تمنيت أن أسألهم  هل أخبرتم الرئيسَ أنكم ستقتلون أحد مواطنيه مِن دافعي الضرائب ؟ هل أخبرتم الرئيسَ أنه سيخسر صوتًا في جولته الثانية مِن انتخاباته لأني أحد مُصوِّتيه ؟ سأموت علي أيديكم وبخنجرٍ أعرفه جيدًا ورأيته مِن قبل في أيدي قوات المارينز وقتَ عاصفةِ الصحراء، وفي جيوبهم وقتَ تحرير أفغانستان مِن الإرهابيين ساكنِي الكهوف ، هذا الخنجر الذي ستقتلونني به سدَّدَ الرئيسُ ثمنَه للمصنع الذي أنتجه مِن أموالي أنا وغيري مِن دافعي الضرائب ، هل أخبرتم الرئيسَ بما تنوون عليه ؟؟
يومَها هرعتُ صوبَ الفتحة الصغيرة في باب الزنزانة أنادي حارسي وأصرخ فيه أُنبِّههُ وأحذِّره ، أنتم لا تعرفون ما الذي أنتم مُقدِمون عليه ، ستحررني قوات المارينز ، سيقبضون عليكم ويُلقون بكم في أحد السجون مشددة الحراسة ، سترى هيئة المُحلِّفين الكبرى أنكم مذنِبون وستجلسون جميعًا فوق المقاعد الكهربية ، سيدعونني لأحضر حفلاتِ موتكم ، أنا الضحية التي أسَرتموها وأهنتموها وروعتموها وكِدتم تقتلونها لولا قبضوا عليكم واقتصوا منكم علي كل جرائمكم ، سيدعونني لأحضر حفلاتِ موتكم ، سآخذ عشيقتي وكلْبي ليحضرا الحفل ، سأشرح لها ما ارتكبتموه في حقي ، لن تتعاطف معكم وستبكي حزنًا ووجعًا على كل ما مررتُ به ونجوتُ منه ، سأراكم مقيدين علي المقاعد المعدنية، وأرجُلكم وأذرعتكم مربوطة بالقيود الجِلدية ، سأرى رؤوسَكم مغطاةً بأغطيةٍ سوداءَ كمِثل التي ترتدونها اليوم ، سأصرخ اكشِفوا وجوههم ، المجرمين القَتَلة ، أتمنى أن أرى ملامحكم الصخرية والكهرباء تفتِّتها وترسم علي وجوهكم رعبًا وفزعًا وضعفًا ومهانةً كالتي أشعر بها الآن  ، سأراكم تتبولون وتتبرزون في سراويلكم وتفوح رائحة قذارتكم ورائحة رعبكم وشواء لحمكم، فوق رؤوسكم سُحُبٌ سوداء ملوثة بالسُّم ، سأرى الكهرباءَ تَسري في أجسادكم فتتشنج وتتمزق عضلاتها ويحترق لحمها ويرتفع دخانه عاليًا كمثل انفجار قنبلةِ هيروشيما وصورتها الشهيره فوق رؤوسكم المتأرجحة رعبًا ويأسًا ، أفيقوا لأنفسِكم قبلما تقتلون مواطِنًا أمريكيًا صالحًا فيجتمع مجلس الأمن القومي ويأخذ قراره بإجماع الآراء بضرورة محاربتكم وقتلِكم وأَسرِ تعسائكم وإعدامهم فوق المقاعد الكهربية ، أصرخُ وأصرخ ، صوتي وصداه يرتطمان بالجدارن العالية ويرتدان لي كالحَصى الصغيرة تحطم رأٍسي بقوتها وعنفها ، أصرخ أعلى وأعلى ، أفيقوا أفيقوا ... وأُحدّق في البَذلة البرتقالية وأنفجِر في البكاء ، لن أرتديَها ، لن أرتديَها وليحدث ما يحدث، وأصرخ بصوتٍ أعلى وأعلى ، أخبِروا السيدَ الرئيس ، أخبِروا السيدَ الرئيس .....
لكنهم لم يخبِروا السيدَ الرئيس، وأنا ارتديت البَذلة البرتقالية، وها أنا أنتظر لحظةَ ذبحي بنصل قوات المارينز في يد المجرم البليد الذي لا أعرف مَن هو وما الذي يريده وما الذي سيستفيده مِن قتلي بتلك الطريقة السينمائية المُهينة ؟!!! بيني وبينه مسافة نصلٍ ما زال في جرابه ولم يتحرك صوب رقبتي المتشنجة تنتظر لحظتَها الأخيرةَ في الحياة الغريبة التي أعيشها ....

( 59 )
"" لقطة من مجموعة الصور "" 
"" الخوف ""

للأسف الصورةُ جاءت مهتزةً ، لو تريثت قليلا وضبطت العدسة وصوبت بدقةٍ ناحيةَ النافذة ، لجاءت الصورة واضحه معبّرة ، الخيال الذي يتحرك خلف الزجاج السميك لم يَظهر بالوضوح الذي رأيته فيه ، هذا خَطأي ، النافذة بعيدة وأمامَها أغصان كثيرة، وفي نفس الوقت التقطت الصورة بسرعة ، كنتُ خائفًا وأرغب في التقاطها والجري بعيدًا ، كل شيء حذرني منه روبرت تكالبَ علي رأٍسي وقتَ التقاطِ تلك الصورة ، ربما يعتبرني أحدُهم أتلصص علي البيوت، وربما تطرّفَ آخر واعتبرني أخدش خصوصيةَ النساء ، لذا التقطتُ الصورة وجريتُ مسرعًا بعيدًا عن مسرح جريمتي، وكأني لِص مرتبِك ولستُ مصورًا أبحث عن لقطةٍ مميزة ..
يحزنني الاهتزازُ في تفاصيلِها ، لكني أُحِسها جميلةً رغم كل شيء ، أليس كذلك؟؟


( 60 )
المَوّال

أيقظتني حسناءُ بصوتها الرخيم ، جلستْ بجواري ، مسحت وجهي مِن حزنِه ، غسلت روحي مِن همِّها ، قبضتْ علي يدي تقوّيها ، قالت لي إن ذوي الرايات السوداء جبناءُ لا يهزمهم إلا إرادةُ التحدي والقلب الفولاذ ، دُعاة موتٍ لا يهزمهم إلا التشبثُ بالحياه والدفاع عنها ، قالت لي وقت الأسئله التي حطمتْ رأسك وأربكتك انتهى يا مارك وحان وقتُ الغناء ، لا يليق بك أن تأتي للموصل وتكاد ترحل عنها ولا تحفظ موّالها، ولا تغنّي أهازيجَها، ولا تتمايل على نغماتِها ..
احفظْ هذه الكلماتِ جيدًا مارك ، احفظِ النغماتِ ، وحين يسحبونك لساحة موتِهم حارِبهم بالحياة وانتصِر عليهم بالتشبث بها ، غنِّ وبصوتٍ عالٍ فيغنّي الكون كله معك ، يساندك في التشبث بالحياه انتصارًا على الموت ، غنِّ بصوتٍ عالٍ ، سيشاركك الطير في السماء، والزهر في الروضة، وموج دجلةَ والعجائز في السوق، والصبايا في ليالي الحِنّة والأطفال في رياض المَدارس ..
غنِّ وبصوتٍ عالٍ سنشاركك جميعًا ، روبرت وماريان وانطونيو ، زهراء وأحلام ، أحمد الذي لا يعود له وجوده إلا وقت الغِناء ، تمثال مريم ، الثور المجنّح ، المَلك سنحاريب ، أطلال الحسينات المدمرة ، بقايا المتاحف المفجرة، الأديره المحتلة ، الآثار المسروقة ، الأزقة القديمة ، البيوت العتيقة ، كُلّنا .. كُلّنا سنشاركك الغناءَ، كُلّنا .. كُلّنا سنتشبث معك بالحياة ونهزم معك الموت ونرفع راياتِ نصر الموصل على نخيل نهرها وأسوارها وأسواقها وأرواح أبنائها وعُشّاقها ومُحبّيها ...
لم يعُد لَدِي وقتٌ لأحفَظ الموال يا حسناء فكيف أُغنّيه؟؟ بحزنٍ همستُ ، ابتسمتْ بحنان ، الموّال يسكنك يا سيدي المصوّر ، يسكنك ، حين شربتَ ماءَ دَجلةَ تسلل الموال في روحِك ، حين حَلّيتَ فمَك بخضر الياس تسلل الموال لقلبك ، حين تنسَّمتَ عِطر فَجْر الموصل تسلل الموال لوجدانك ، حين أحببناك وأحببتَنا تسلل الموال لنفسك وحفظتَه مثلما نحفظُه جميعًا ...
غنِّ يا مارك غنِّ ...
قَدُّكَ المَيَّاسُ يَا عُمري ... يا غُصَيْنَ البَانِ كاليسري     
أنتَ أحلى الناسِ في نظري ... جَلَّ مَن سَوَّاكَ يَا قَمَري
قَدُّكَ المَيَّاسُ مَدَّ مَــــــــــالَ لَحْظُكَ الفتَّان قتالا       
هـــــــــــل لوصل خلدك لا لا فاقطع الآمالَ وانتظري
أَنَا وحبيبي فـــــــــــي جنينة ... والورد مخيم علينا       
إنْ طلب مِنّـــــــــــــــــــــــــي وصالو ... يا رب تستر علينا
عيونك سود يا محلاهم ... قلبي تلوع بهواهم          
صار لي سنتين بستناهم ... حيرت العالم فــــــي أمري

وأُعيد وأُكرر ، وتُعيد حسناء وتكرر ..

ونطيل الآهاتِ ونصفّق ، ونتمايل ونتثنّي .. وأعيد وأُكرر ، وتُعيد حسناء وتكرر
قَدُّكَ المَيَّاسُ يَا عُمري ... يا غُصَيْنَ البَانِ كاليسري     
أنتَ أحلى الناسِ في نظري ... جَلَّ مَن سَوَّاكَ يَا قَمَري
قَدُّكَ المَيَّاسُ مَدَّ مَــــــــــالَ لَحْظُكَ الفتَّان قتالا       
هـــــــــــل لوصل خلدك لا لا فاقطع الآمالَ وانتظري
أَنَا وحبيبي فـــــــــــي جنينة ... والورد مخيم علينا       
إنْ طلب مِنّـــــــــــــــــــــــــي وصالو ... يا رب تستر علينا
عيونك سود يا محلاهم ... قلبي تلوع بهواهم          
صار لي سنتين بستناهم ... حيرت العالم فــــــي أمري

وتَخرج الصغيراتُ مِن قاعات الباليه بفساتينِهِن المنفوشة ويُغنّين معي..
وتَنزل الجميلاتُ مِن فوق سيارات الزهور يومَ النيروز ويُغنين معي ...
وتَضحك النساءُ في الحمّام الشعبي ويُغنين معي ..
وتبتسِم الموصل وأراها تتزين وتستعد ليوم الانتصار القريب على أعداء الحياة والإنسانية والحضارة والتاريخ .. 
وتُغنِّي معي 
:قَدُّكَ المَيَّاسُ يَا عُمري ... يا غُصَيْنَ البَانِ كاليسري     
أنتَ أحلى الناسِ في نظري ... جَلَّ مَن سَوَّاكَ يَا قَمَري
قَدُّكَ المَيَّاسُ مَدَّ مَــــــــــالَ لَحْظُكَ الفتَّان قتالا       
هـــــــــــل لوصل خلدك لا لا فاقطع الآمالَ وانتظري
أَنَا وحبيبي فـــــــــــي جنينة ... والورد مخيم علينا       
إنْ طلب مِنّـــــــــــــــــــــــــي وصالو ... يا رب تستر علينا
عيونك سود يا محلاهم ... قلبي تلوع بهواهم          
صار لي سنتين بستناهم ... حيرت العالم فــــــي أمري
وأُغنِّي، وأُغنِّي .. ومعي حسناء تغنِّي، وتغني .. والحياة .. والكون كله يغنِّي ..!

( 61 )
فقاعات ملونة

ليس مُهمًا اسمي أو موطِني أو كيف عِشتُ .. المُهم كيف قُتِلتُ؟؟
هذا الجزء الأخير مِن حكايتي هو الذي سيهم الجميع ، كيف قُتِلتُ؟؟
أَمّا كيف عشتُ وكيف كانت حياتي فأحدٌ لن يهتم ، والحق لا يوجد في حياتي كلها أي شيء خاص يشد الانتباهَ والاهتمام إلا لحظة موتي، وربما ما قبلَها بقليلٍ مِن الزمن والتفاصيل ، كيف قُتِلتُ ، هذا هوَ المُهم!!
قُتِلتُ في البلاد الغريبة التي لا أعرفها ، البلاد الفلكولورية التي وشمَ التاريخُ ضفافَ نَهرَيْها بالقصص والأساطير وحكايات التراث ، البلاد الغريبة التي جئتُ إليها لأموت على أرضها غريبًا لا أحد يعرفني ولا أحد يَبكيني ولا أحد يتذكرني ، لستُ إلا أجنبيًا غريبًا مات في أرضٍ لا تعرفه ولا يعرفها ..
كيف قُتِلتُ؟؟
قُتِلتُ وأنا أرتدي بَذلة برتقالية بقماشٍ خشِن بعد ما خلعوا عن جسدي كل ملابسي الداخلية الرثة وسخِروا مِن بطْني المُدَلاة أمامي ومن ساقَيّ الرفيعتيْن وركبتَي المتيبستيْن مِن طول الرقاد ، سخِروا مِني وكأنهم بَشر يتضاحكون، وكانت مفاجأتي كبيرة لأنهم استردوا – فجأةً - بعضَ ملامح الإنسانية التي كنت أعرفها قبلَما أُحتَجَز في جُبِّهم طويلا ناسيًا مَنسيًا ، سخِروا مِني ولمعتْ عيون بعضِهم بالابتسامات المتوارية التي سرعان ما أطفأوها خجَلا مِن بقايا المشاعر الإنسانية التي داهمتهم وأسقطت عن وجهوهِهم الأقنعةَ السوداء المخيفة التي طالما أرعبوا الآخرين بها، لكنهم سرعان ما وَأَدوها إنكارًا وغِلَظَة ..
في الصباح الباكر أجبروني أن أرتدي تلك البَذلة البرتقالية بعدما بقيتْ بجواري يوميْن أُهمِلُها مِثلما يهملونَني ، والحارس يمُر صباحًا ومساءً يأمرني بارتدائها فأتجاهله ساخِرًا مِنه، فما الذي سيفعله بي أكثر مما بي؟ لكن اليوم وقت الهزل مَر وأتي الجِد ووقته ، أجبروني أن أرتدي البَذلة البرتقالية الكريهة ، وقبلَ أن يُحكِموا أزرارَها على أنفاسي وَخَزوني بحقنةٍ صغيرة تحت جِلدي ، تأوهتُ مِن ألمِ الوخزة وسرعان ما اجتاحَتني السعادةُ الجارفة وتقافزت أمام بَصَري فقاعاتٌ ملونة، وانسابت موسيقى غريبة في أُذُني وكِدت أحلّق فرحًا في السماء، بل وأكاد أقول إني تمايلت على نغمات تلك الموسيقى أطارِد الفقاعاتِ الملونةَ التي تومِض في عيني ...
هل ما أسمعُه هو الموّال الموصلي الجميل الذي طالما غمغمَ روبرت بنغماته وهو يحكي لي موت الموصلية الجميلة حسناء، وبقية الموال علي شفتيها وأطراف حنجرتها؟ لا أعرف ، كل ماا أعرفه أن موسيقى ملائكيةً جميلة لفَّتنِي ولفّت الكونَ كله حولي وأنا بالبَذلة البرتقالية أنتظِر الموت ...
في تلك اللحظة، والمادة الكيميائية الساحرة تَسري في روحي ، حدقتُ في عيونهم،  في عيون القتَلَة المُجرمين ، وجدت أرانِبَ فزِعةً فارّة مِن رصاص الصيادين الذين يحاصرونهم في الغابات الشاسعة بالموت ، رأيت بعض الإنسانية المختبئة خلْف العيون الزجاجية والغِلَظة والصرامة ، ضحكتُ وضحكتُ وانعقدت الابتسامة على ملامحي وكأني سعيدٌ لأنهم سيقتلونني ، الحق كنتُ سعيدًا لأني وفي النهاية وبعد طول عذابٍ سأُغادِرهم وأُرحَم مِن وجوههم وملامحهم القاسية ولو بالموت ....
الحق كنت سعيدًا أنهم سيقتلونني ، المادة الكيميائية الغريبة التي سرتْ في عروقي حوّلتني مِن أسيرٍ غاضبٍ لحُرٍ متمردٍ أرعنَ وكأني مهرّج السيرك يجري على ذراعيه، وساقاه تتأرجحانِ في الهواء ، تلك المادة التي لا أعرف اسمَها وأتمنى أن أعرفَه ، أبعدتْ عن قلبي الانقباضَ الموحِش الذي أدمنته منذ ذلك اليوم الأغبر الذي وقعتُ فيه في قبضتِهم ، أبعدتْ الانقباضَ وطهرتْ روحي من الرعب المخيف الذي تَملّكها، وحرَّرَتْني فصِرتُ قتيلا حُرًا مستعدًا للموت الجميل بدلا مِن الانتظار الصدِيء الرتيب الذي رسخَ على قلبي طويلا ...
لماذا لم تحقنوني بتلك المادة مِن البداية؟ بل لماذا لم تقتلوني مِن البدايه؟ لا تقولوا لي أعذارًا واهية ، أُحدّثهم بصمْتي وأضحك وكأنهم يسمعون صوتَ خرسي ، لا تقولوا لي إنكم احتجزتموني متصورين أنكم ستفلحون في أن تُجبِروا السيدَ الرئيس ليتفاوضَ معكم، فهو أبدًا لم ولن يتفاوض مع إرهابيين ، لا تقولوا لي إنكم استبقيتموني متصورين أن عشقيتي البليدةَ مارلي ستبيع البيتَ والكَلب وتمنحكم ثمنهما ليعوضكم خسائركم التي تَكَبدتموها وأنتم تطعمونني وتحرسونني وتضربونني وتدفعون للقَتَلة والحُراس والمجرمين أجورهم ورواتبهم لينكِّلوا بي وليحتقروني وليهدِروا إنسانيتي وكرامتي ، لماذا لم توخِزوني بتلك المادة العجيبة منذ البداية؟  ولماذا لم تقتلوني منذ البدايه؟ ظللتُ أُحاورهم في تلافيف رأسي والجُمَل والعِبارات تتطاير وتصطدم بين جنبات جمجمتي، والفقاعات الملونة تطاردهم وتلوّن وجوهَهم وتفسِد أقنعَتَهم السوداء ورعبها ، وابتسامة معقودة علي وجهي تستفِزهم .. أو هكذا ظننتُ ..
كيف قُتِلتُ؟؟
قُتِلت بطريقةٍ بسيطة كما سأقُص عليكم ، مَن أنا لأُقَص عليكم إذا كنتُ قُتِلت؟؟ أنا الذي فررتُ مِن نَصلِهم فلم يُمِتْني وبقيتُ حيًا بعد قتْلي ، مزقوا الجسدَ الذي كنت أرتديه، والملابس البرتقالية تلطخت بالدماء الساخنة، وملامحي انبعجت أكثر وأكثر، والابتسامة المعقودة على وجهي سقطت على الرمال الساخنة تحت قدمَي بعدما تهاوَى الجسد النحيل حينما انفجرتْ شرايين رقبتي بدمائها وقتما وخَزَها هذا المبتدئ بنصلِه وشَقَّهَا مِن الوريد للوريد ، في تلك اللحظة التي ذبَحني فيها هذا المتوحش القاتل ، تحررتْ روحي وحلّقت بعيدًا عن مسرح جريمتِهم وتهاوَى الجسدُ النحيل على الأرض ومعه ابتسامتي وبقايا المادة الكيميائية التي أبقتني خانعًا راضيًا راضخًا لأنصالِهم وكأني أستحِق الموتَ الذي يعاقبونني به ، هذه هي الصورة التي يصدّرونها للعالَم كله عنهم وعنّا ، نحن - أقصِد هُم - نحن القتَلَةَ العادلين وأنتم - أقصِد نحن - المقتولين الراضين المستحقين للعقاب والموت ، نحن الذين ننفّذ الموتَ العادل، وأنتم الذين تلقون مصيرَكم الذي تستحقونه ، نحن علي حق وأنتم علي باطل ، لذا نحن نقتلكم بمنتهى الزهو، وأنتم تموتون بمنتهى الخنوع ، هذا كله يفرضونه عليّ  وعلى كل مَن قتلوهم بتلك المادة الكيميائية الرائعة التي ادَّخَروها بمنتهى البُخل للحظة الأخيرة لحياتي، وكنت أتمنى أن أعيش كل أيامهم وأنا أهذي فرحًا بتلك الرأس العالية التي منحوها لي مكأفأةَ قتْلي ...
قُتِلتُ وأنا أُغنّي الموَال الموصلي الجميل ، والكونُ كله يغنّي ، وابتسامة ساخرة على وجهي، والموت لا يخيفني ولا هُم أيضًا .. في تلك اللحظة قُتِلتُ وتحررتُ للأبد ...
مَن الذي يَحكي عني؟ أنا الذي أحكي عني بعدما فررتُ مِن نَصلِهم فلم يقتلوني ، أنا الروح التي فرت من الجسد النحيل الذي كان لي، ولاحظت وقت فرارها بعيدًا عن عبث الجنون ، لاحظت الكاميرات التي كانت ترصد وتسجّل قتْلي ثانيةً بثانيةٍ وشاهدت العدسات تقترب مِن الشرايين المتفجرةِ بالدماء، وتسجّل انتفاضاتِ الجسد النحيل وأنا أنسحِب مِنه وبسرعةٍ قبلَما يأٍسرني معه وسط الرمال المتحركة ، شاهدت المُخرِج وهو يصرخ في القاتل ليسرِع وينتهي مما يفعله ، ويصرخ في عُمّال الديكور لأنهم لم يلطخوا الأرض بدماء كافية تثير الرعبَ في نفوس المتفرجين الذين يهدف المُخرِج لإرعابهم ودَبِّ الخوفِ في قلوبهم ، أنا شاهدتُ كشّافاتِ الإضاءة تسلّط علي ابتسامتي التي تهاوت على الأرض تلتقط آخر ملامحها قبلَما تدفنها الرمال الدامية تحت ذراتها المشحوذة ، كل هذا شاهدته وأنا أُحلّق بعيدًا عن كل هذا الجنون والرعب ..
علِّي أعترف لكم أن أسعد لحظات حياتي كانت تلك اللحظة التي اندسّ فيها النصل المشحوذ بيدِ البليد المبتدئ بين طبقات جِلدي ولحمي ووسط عروقي وشراييني وأوردتي ، كانت تلك لحظةَ السعادة ، تحررتُ مِن جنونهم وعبثِهم وإجرامهم ، ونسيتُ عشيقتي وكَلْبي والسيدَ الرئيس ، ولم أَعُد أكترث باللقطة التي فرت مِني، ولا بالجائزة الأولى التي حلُمتُ بها ولم أحصل عليها، ولا تذكرت كاميراتي الأنيقة التي سرَقَها المجرِمون وقت اختطافي، وتحررتُ مِن حزني على النساء الأسيرات في الجنازير الحديد، والأوشحة السوداء تُخفي جمالَهن البريء المتوحش، ونسيتُ حسناءَ وزهراءَ وأحلام وكلَّ الموصليات الجميلات اللاتي صادفتُهنّ في رحلتي الغريبة ، كل هذا نسيتُه ولم أعُد أرغب إلا في اللحاق بالفقاعات الملونة التي انبعثت مِن خلف مقلتَي لأمامِهَا تلوّن الحياةَ بألوانٍ مبهِجة بعد طول سوادٍ واصفرار وكأبة ، كانت هذه أسعدَ لحظاتِ حياتي وقتَما قُتِلتُ وانتهى الأمر حينما صرخ المُخرِج  ستوب ، فتوقفتْ الحياةُ وشريط الفيلم واللحظة ..
دَعوني أُخبِركم سِرًا ، إن قاتِلي وبعدَما انتفض جسدي النحيل تحت يديه وفَر مِن قبضته، وتساقَط تحت قدميه وحنجرتي تحشرجت بأصوات غريبة، ولعابي سالَ على نصْلِ سلاحِه، ومقلتايَ جحظَتَا وكادتا أن تسقطَا بين أصابعه ، في تلك اللحظة ارتبَكَ قاتلي وكأنه تمنّى أن يقذِف النصلَ بعيدًا ويفِر ، لكن المادة الكيميائية التي حُقِن بها هو الآخر مثلما اكتشفتُ الآنَ وأنا حرٌ أُحلّق في الفضاء، المادة الكيميائية التي حُقِن بها ثبتَّته على الأرض كأنه منتصِر فخور، ووشمت ملامحه الظاهرة تحت القناع الأسود بقسوةٍ ليست له وغِلَظة غريبه عنه وكأنه قاسٍ وبليد يقتل بلا قلبٍ ولا وجَل ، هو حُقِن بمادة كيميائية ليصبح أكثر غِلَظةً وقسوةً وبَلادة وأنا حُقِنتُ بمادة كيميائية لأُصبِح أكثرَ سعادةً ورِضا ورضوخًا ، وجميعُنا - يمكنني أن أقول الآن ذلك بمنتهى الأريحية والسعادة - جميعُنا مفعولٌ به كبير في عالَمٍ مجنونٍ يستخدمه ليقتلني، ويستخدمني لأقتله، لنموت معًا كل يومٍ وكل ساعة، ويبقَى آخر حيًا زاهيًا سعيدًا منتصِرًا فرِحًا بموتِنا معًا !!!
سعادةَ الرئيس ، رئيسي ورئيسَ البلادِ التي وُلِدتُ فيها ولم أَمُت على أرضها ، رئيسَ العالَم كما كنتُ أظن ، رئيسَ النظام العالمي الجديد كما تظن أنت ، سعادةَ الرئيس: باللهِ عليك اشكرْ لي مَن صنعوا المادةَ الكيميائية التي حُقِنتُ بها في اللحظات الأخيرة السعيدة التي عشتُها قبلَ قتلِي ، اشكرْهم سيدي الرئيس وبلِّغهم حُبّي واحترامي، ولو شئتَ التقِطْ ابتسامتي الدفينةَ تحت الرمال الداميةَ ونِظِّفْهَا وعلِّقْهَا على جدران معملهم ثناءً ومدحًا لكفاءَتِهم وبراعتِهم في اختراع شيء عظيم يجعل القتلَ مناسَبةً سعيدةً تُفرِح القتيلَ وتمنحه وروحَه البراحَ والخلود وتُطلِقه في الفضاء حرًا طليقًا ، اشكرْهم سيدي الرئيس .. لماذا أنت؟؟ ولماذا هُم؟ لأني أعرف سيدي أن ذلك التفوقَ العلمي ممهورٌ بتوقيع أُمّتِنا العظيمة وعلمائها العظماء ، أعرفُ أن تلك البراعةَ لا تصدر إلا مِن علمائنا الأجِلاء الذين يسخِّرون عِلمَهم لصالح انتصاراتنا العسكرية الرائعة مِن أول القنبلةِ النووية وحتى ذلك السحر الكيميائي العظيم ، اشكرْهم يا سيدي الرئيس وامنحْهم ابتسامتي وسامَ تفوّقٍ لأنهم أفلَحوا وسيفلحون دائمًا في أن يجعلوا القتلَ شهيًا لذيذًا مبهِجًا كما شَهِد وسيشهد لهم كلُّ المَقتولين والضحايا ، اشكرْهم يا سيدي الرئيس أيضًا لأنهم أفلحو في أن يحوّلوا أُناسًا بُسَطاءَ جهلاءَ لا يحلمون إلا بقوتِ يومِهم البسيط ، أفلحوا أن يحوّلوهم لعصاباتٍ مرتزَقة مِن القَتَلة المجرمين يشيعون الرعبَ على ذلك الكوكب البائس الخجِل مِن كل قاطنيه وعلى رأسهم حضرتك سعادةَ الرئيس!!  نَعَم كانوا أُناسًا بُسَطاءَ حتى جلبتَ لهُم سيدي الرئيس المدرِّبين والمموّلين والخناجرَ والبِدل البرتقالية وسياراتِ الدفع الرباعي والأعلام السوداء ، كانوا أُناسًا بُسَطاءَ حتى جهزتَ سيدي الرئيس أنت وإدارتك ومعاونوك لهُم المسرحَ والديكور والملابس وكتبتَ لهم السيناريو والحوار فصاروا أدواتٍ لتنفيذ فيلمِك الهوليوودي القبيحِ في مدينة الحياة وعلى ضفاف دَجْلةَ ، أنتَ سيدي الرئيس مَن صنعتَ إجرامهم ودرَّبتَه وموَّلتَه ومنحتَهم الخنجرَ الذي قتلني وسيقتل كل مَن بَعدي ، هل تشعر بالفخر سيدي الرئيس؟ هل تشعر بالفرحة؟؟ افرحْ أكثرَ وأكثر فقدْ نجحتَ تمامًا في تحقيق ما تمنيتَه ، نَعَم لم ترغب في موتي ، لكنك تلومني أنا لأني ذهبتُ لهُم وعندَهم ، لم تقُل هذا طبعًا وأنت جالِسٌ على مكتبِك البيضاوي ولا أمامَ الميكروفونات في المؤتمرات الصحفية ، لكن هذا ما تشعر به في أعماق نفسك ، تلومني لأني ذهبتُ هناك ومنحتُهم رقبتي ليذبحوها ، كنتَ تتمنى أن يذبحوا كل أسراهم عَدَاي ، لأني مواطنك الذي ربما يزعجك قليلا موتُه ، افرحْ أكثرَ سيدي الرئيس ولا تعبسْ جبينَك كذبًا وكأنك حزينٌ عليّ ، لستَ حزينًا ولن تكون ، أنت فرِحٌ أن عصاباتِك التي درَّبتَها وموّلتَها ومنحتَها الخناجرَ تُحقق لك كل النجاحاتِ الاستراتيجية التي حلمتَ بها وسعيتَ إليها ، أنت سعيدٌ وانا ميت ، قتيلٌ تحتَ أقدامهم ، لا تجعل موتي يحزنك ولا يفسد فرحَك ، وافرحْ أكثرَ وأكثر سيدي الرئيس بنجاحاتك العظيمةِ في البلاد البعيدة التي تلعنك كل يوم ألفَ مرة، وستظل تلعنك مثلما لَعنتْ هولاكو، وتيمورلنك، وبدر الدين لؤلؤ، وكل القَتَلة والخونة والعُمَلاء، وكل مجانين العالَم الذين مَرّوا علي ضَفتَي نَهريْهَا وأراقوا دماءَها وسعَوْا لخرابِها ..
أُخبِرك سِرًا سيدي الرئيس ، البلادُ البعيدة بقيت وستبقى، والموصل مدينة الحياة بقيت وستبقى ، ستحارب وتنتصر ، وكل هؤلاء المجانين القَتَلة الخوَنة وُصِموا بعارِها في كُتُبِ التاريخ ، هنيئًا لك صفحتك الملطخة بدمائي ودماءِ البلاد البعيدة التي جلبتَ لها بديمقراطتينا العظيمة كل النحس والشؤم والخراب ....
كيف قُتِلتُ؟؟ سؤالٌ بريء لطيف ربما يتمنى أحد المراسِلين في أي مؤتمرٍ صحفي يُعقَد بعد موتي سؤالَه لي ، لكنه لا يعرف كيف يسألني وأنا ميت ، ها أنا أُجيب له عن سؤاله المُحير ، قُتِلتُ يا سيدي بسعادةٍ وابتهاج وأنا أُحلّق خلف الفقاعات الملونة بنصلِ مبتدئٍ بليدٍ حوّلته المادة الكيميائية التي حُقِن بها ويحقن بها كل يوم ، حوَّلته لمتوحشٍ أَشِر يَقتل وهو لا يعرف قضيتَه ولا يكترث بفهمِها ولا يَفهم لماذا يَقتل ولا مَن الذي يقتلُه، قالوا له اقتُلْ لتنتصِر فقَتلَ وانتصَر حسبما تصوَّر !!
مَن أنا؟؟ أنا المواطِن الأمريكي الذي تصوَّرَ أنه ابنُ أُمةٍ عظيمة ستحميه أينما كان وإلا فما فائدة الجيوش والطائرات وقوات المارينز؟؟ فاكتشفَ أنها قتَلَته وبلا سبب ولا ذنب ، الحق لا ألومُها لأنها قتلتني؛ لأن تلك الأُمة العظيمه قتلتْ كثيرًا مِن أبنائها ولم أكترث وقتَها ولم أَلُمْهَا ، كنت أتابِع بليدًا مبارياتِ الكُرَة وأعبث بِشَعر عشيقتي، وكلْبي يلعق قدمَي وأنا في منتهى الرضا والسعادة لا أكترِثُ بمَن مات ولماذا مات ، ولم أفكر كيف لتلك الأمة أن تقتل أبناءَها، ولم أُفكر أبدًا أن الدور سيأتي عليّ، ولم أَلُمْهَا طبعًا وقتَها ، فكيف ألومُهَا اليوم ..؟!
الأُمة العظيمة تدافِع عن مصالحها العظيمة ولو بقتل أبنائها ، وما الضرر الذي سيلحق بنا ونحن نُقتَل بنصل الأُمة العظيمة مِن أجل الأُمة العظيمة نفسِها؟ ونحن جيَفٌ ستموت على أية حال وفي أي وقت ، أُمّتنا العظيمة نظَّمتْ موتنا وحددت موعدَه مِن أجل مصالحنا جميعًا، وقتلتنا بمنتهى الفخر وتَقَبَّلنَا ولم نعترض فكيف أعترِض اليوم؟ أنا المواطن الأمريكي الذي قَتلَته أُمتُه مِن أجل مصالحَ تتصورها، الأُمة العظيمة تستحق قَتْلَى مِن أجلها ، ونحن ، أنا وملايين الأمريكيين لا نفهم في مصالح الأُمة، ولم نشغل رأسنا بها أبدًا وترَكنا تلك المهمة للسياسيين والسيناتورز والمعارك الانتخابية ، والحق أنهم أفلحوا دائمًا في أن يقتلونا من أجل تلك المصالح ولم نعترض ولم نكترث ولم نسألهم ما هي المصالح العظيمة الأغلى مِن حياتنا التافهة؟!! فلِمَ أفعلُ اليومَ؟؟
أنا المواطِن الامريكي الذي قُتِلتُ بيد قَتَلة مجرمين حقنتهم مختبرات الجيش الأمريكي بمادةٍ كيميائية أعطبتْ قلوبَهم وعفّنت أرواحهم وألهَتهم عن لقمة العيش والحياة البسيطة ورحمة الرب، وشغلتهم بحروبٍ دامية ومعاركَ طاحنةٍ لم يفهموها، لكنها قتلوا وسيقتلون مِن أجلها، وفي النهاية سيموتون أيضًا مِن أجلها ..
أنا المواطِن الأمريكي الضحية الذي قُتِلَ بسعادةٍ بنصلِ ضحيةٍ أخرى للمصالح الأمريكية، وجميعُنا راضون راضخون لا نعترض ولم نعترض!!!
المَجد لمصالح الأُمة العظيمة التي قُتِلتُ مِن أجلِها ..
المَجد للمادة الكيميائية التي حوَّلت قتلِي للحظة سعادة ..
المَجد سيادةَ الرئيس يتمناه لك القاتلون والمقتولون .. فلتعِشْ أنت يا سيدي والأُمة العظيمة .. ولنُقتَل جميعًا ببساطٍة ... وفي ستين داهية !!!

( 62 )
القلب المُحِب

هل ترون هذا الزحام ؟؟ هل تسمعون مثلي الصخبَ الفرح والغناء السعيد والتصفيق المبتهج وأصواتَ ونغماتِ البهجة ؟؟ هل ترون الابتساماتِ المنيرةَ علي الوجوه؟ والعيونَ الساطعة بالسعادة؟ والوجوهَ المشرقة بالقوة والتحدي ؟؟ هل ترون كل هذا ؟؟ إنه وقت الاحتفال بالانتصار في مدينة الحياة !
إنه الوقت الذي كان يتعين عليّ العودة فيه للموصل .. إنه الوقت الذي حدثوني عنه وكلهم ثقة بقربِه واقترابه ..إنه الوقت الذي دعوني كلهم للعودة إليهم ومعهم لحضور احتفالاته واقتسام فرحته ومشاركتهم سعادته ..
إنه الوقت الذي كان يتعيّن عليَّ عيشُ لحظاتِه السعيدة في الموصل ، وكمْ كنت أتمنى أن أعيشه هناك فعلا ... كنت سألتقط صورًا عظيمة رائعة جميلة حميمة ، صورٌ تسجل لحظة انتصار الإنسانيه علي أعدائها ، انتصار الحضارة علي الهمج الأجلاف ، انتصار الموت علي الحياة ، كنت سأصور لحظة انتصار الموصل علي ذوي الرايات السوداء، ويا لها مِن لحظةٍ عظيمة دفعت الموصلُ مِن أجلها ثمنًا غاليًا واثقةً أنه انتصار قريب ... وقد أتى ..
ليتني كنت هناك معهم ... ليتني كنت هناك معكم ...
هذه الاحتفالات التي ترونها كُلكم ، كنت أتمنى أحضُرها وأصور بهجتَها وأعلامها الخفاقة فوق نخيل دجلة ، والنساء الجميلات اللاتي يتثنين علي نغمات المواويل الموصلية الأصيلة، وابتسامات الأطفال الصغار وهُم آمنون يلهون ويلعبون في الشوارع بطمأنينةٍ بلا خوف ، والرايات السوداء وهي تحت الأقدام وفي حُفَر النار كأصحابها ومجرميها ..
هذه الاحتفالات التي ترونها ، والبيوت المفتوحة كرمًا واحتفاءً وبهجةً، والضيوف والغرباء الذين يشاركون أهل مدينة الحياة فرحتَهم وانتصارهم ، والأزِقة المُزيّنة بالرايات والأعلام والورود، وأسماء الأبطال والشهداء ، والأسواق المزدحمة بالمُشترين والرواد والمناضد الخشبية المفروشة بالمأكولات تدعو الأحِبّاء للمشاركة واقتسام العيش ، هل تسمعون اجراس الكنائس احتفال وفرحة ، كل هذا كنتُ أتمنى أن أكون جزءًا مِنه ، ألتقِط صورَ فرحتِه وأرقص مع الراقصين وأصفق مع المصفقين، وأحرق الراياتِ السوداء مع المنتصرين ، كل هذا كنت أتمني أن أكون جزءًا مِنه لكني رحلتُ مبكرا وقبل ميعاد العودة، وحين صرخ المنادِي بالفرحة شاركته فرحتَه لكني عجزت أن ألبِّي نداءَه بالعودة ..
هل ترون دجلة وماءه الُّلجَيني الساطع ، وموجاتِه الراقصات ، ضفافَه الأنيقة ؟ هل ترون سطحَه لامعًا وماءه رقراقا ونخيل ضفافه منتشيًا أبيًا ؟ نَعم دجلةُ يحتفل بانتصار الحياة وانتصار أهله وشَعبه علي الموت وأعداء الحضارة .. كنت أتمني أن أعتلي قاربًا شراعيًا يجري فوق مائه احتفالا رافعًا راياتِه وأشرعتَه ابتهاجًا يتراقص ويغني انتصارا ، كنت أتمني لكني لم أفعل ..
هل ترون تلك الابتسامةَ الساطعة التي تخايلكم في كل مكان في أزقة وحارات وشوارع وساحات الموصل ؟ إنها ابتسامةُ حسناءَ توزعها هديةً علي كل أحِباء الموصل ومَن قرروا أن يشاركوها فرحتَها ، إنها تدسُّها بين جدائل الفتيات، وعلي أكتاف الأولاد، وعلي عباءات العجائز، وعمائم الكبار، وفي عين الشمس، وحنان دجلة، ابتسامةُ حسناءَ تزيّن بها الموصل، تشاركها الانتصارَ والفرحة ..
أهنِّئهَا ، نبوءتُكِ تَحققتْ يَا حَسنَاء ..
تضحك وتضحك ، لم تكن نبوءةً يا سيدي المصوّر ، إنها بصيرةُ القلب المُحِب الذي يدرك، ومهما اشتدت الصعاب وخيَّم الغيم الأسود على روح الوطن ، لن تَسطعَ في سمائه إلا راياتُه الملوّنة الخفَّاقة ، إنها بصيرةُ القلبِ المُحِب يا سيدي المصوّر ..
سَلِمَ قلبكِ يا حَسنَاء ..
سَلِمَ قلبك ...

تمت



نهاية الجزء السادس والحدوتة

ليست هناك تعليقات: