مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأربعاء، 23 فبراير، 2011

مقدمة كتاب ... سيدة تتارجح علي كرسي هزاز تنتظر فارس لم يأت


مقدمة كتاب

سيدة تتأرجح علي كرسي هزاز تنتظر فارس لم يأت

بقلم الكاتبة والمدونة بثينة محمود

" مدونة طيارة ورق "


هل لي أن أتحدث عن أميرة !!

من أصعب الأشياء على الإطلاق أن تكتب مُحايداً عمّن تحب !!

ولكن مهلاً.. لماذا يتحتم عليّ التزام الحياد؟ أنا أحب هذه الصديقة الحميمة.. هذه الكاتبة والقاصة والمحامية والمدوِنة.. و.. لا أعلم باقي ألقابها الرسمية ولكن ما أعلمه هو كونها "طاقة نور"..

نعم.. هذا هو التعبير الذي يسكن رأسي كلما قرأتها أو تواصلت معها ، إنها نور ينتشر حول كل من تلمسه وما تلمسه فيُضاء بالأمل.. لعلها طاقات أمل تتفجّر على الدوام وتمنحه بلا توقف للآخرين فيُصابون بالعدوى المُزمِنة!!

تتجاور علامات التعجب بجوار بعضها البعض لتشكل أمراً استغلق عليّ فهمه عندما عرفت أميرة من خلال مدوناتها.. علامات التعجب هي أمر خاص بها وحدها.. وكأنها اقتصّت كل علامات التعجب من حروف اللغة واحتكرتها.. وكنت أتعجب لقراءة عنوان قصة لها ينتهي بسبع علامات تعجب وأحياناً تسع!!

لكني بعد قصة أو اثنتين تفهمت مغزى علامات التعجب ...

لقد اتسعت تلك الدنيا ومنحت أميرة براحاً لا حد له فنهلت من الواقع ومزجته بالخيال في كثير من الأحيان ولم يكن هذا ليزيدها إلا تعجباً ، هذا أقل ما يمكن أن يفعله الواقع لقلم مترع بالخيال.. إنه المزيد والمزيد من علامات التعجب!!

إنها تحاول في كتابها هذا أن تُصنِّف خيالها فيصعُب عليها ذلك فالخيالات تتشابه وجميعها تتعدى حد الجنون.. وتحاول أن تُجنّبه أحياناً فتجد الواقع قد دهسه حتى اختلط به فصار واقع الحكي جنوناً مطبق ..

ماذا فعلت إذن؟

لقد منحتني كتاباً تقول في أول أجزائه: إنها حواديت "تبدو" واقعية

التبس علي الأمر.. أهي الواقعية الخيالية؟ ما الذي تفعله بعقلي وحِسي ؟

بدأت أميرة بالحكي فأسلمت رأسي وتفكيري لحواديتها التي تَتَالت مؤرقة لسكوني في دأب واحدة بعد أخرى خدعتني بداية بحدوتة لطيفة اجتاحت كلماتها العامية في حوارات النساء.. عامية حميمة تجعلك تكاد تقسم أن فلانة تتحدث بلسان عمتك أو أن تلك لهجة أختك أو جارتك ..

في حدوتة "اليوم العالمي للبكاء" جاءت الفكرة مجنونة.. صاحبة البيت التي جمّعت صديقاتها ليتشاركن البكاء في حفلة خاصة!! استطاعت الكاتبة من خلال تلك الحفلة التي "بدت" واقعية أن تمسك مشرط الجرّاح وتفتح أوجاع النساء: المطلقة والأرملة والعانس والزوجة المكتئبة.. ببساطة وبحوارات منغمسة في ألم الواقعية بكت كل واحدة قليلاً على حالها الذي تشارك في صنعه ضعفها الإنساني ومجتمعها ظالماً لها او ظالمة هي له.. ظهرت أحشاء الحياة من بين حروف الوجع.. ولم تكتف أميرة بذلك الرصد لكنها طهّرت وتطهرت من لعنة البكاء هي والصديقات..

وفي الحدوتة التالية تركت أميرة حجرة الإستقبال في منزل سيدة متأنقة وذهبت بقلمها إلى طفلة صغيرة.. خادمة ريفية يحملها القدر إلى أسرة في المدينة ..فتحلم.. وتحلم..وكان "الفستان الأبيض" هو سيد الحلم والحدوتة.. مشاعر الخادمة قليلة الحظ والحيلة التي تملؤها الحياة بالحقد على من حولها ويتبدى لها الامل كل الأمل في ثوب أبيض.. مجرد ثوب .. كان السرد قوياً بلسان الصغيرة على ضعفها.. معبراً رغم عجزها.. حزيناً وواقعياً رغم كل شيء

ووصلت إلى "مكالمة الرابعة صباحاً".. وهنا تغزل الحكاية بل الحدوتة منذ البداية البعيدة فتحملك التفاصيل على بساط الريح إلى داخل كل بطل من أبطال حكايتها التي تحولت إلى ألف حكاية بل أن كل هامش صار حكاية.. تصر أميرة على صنع عدة أبطال لحكايتها.. فالجد بطل والأب بطل والأم العاجزة بطلة.. وكلهم كانوا في انتظار مَقدِم وميلاد بطلي القصة الأصليين!! ورغم هذا لا يتوه منها خيط الحكي بل يمتد ليكون النسيج من أروع ما يكون.. هي تحكي قصة حب.. بكل بساطة تحكي قصة حب لكنها سردت من خلالها الحياة ..

كم أسرتني تلك الطريقة المتفردة في حكي ما لا يُحكى أحياناً !!

لقد كان الإبحار في نفسية كل شخصية من شخصيات تلك الحكاية وكأنه البطل الاوحد هو أهم ما ميزها لكون تلك الشخصيات متباعدة الصفات ومختلفة الأفعال.. تمايزهم كان مقصوداً ولكنهالم تتوقف جلاداً يحاكم بل كانت تصف.. تسرد.. تروي وكأانها تروي للأبد وتدع الحكم العادل للقاريء وللزمن .. إن جاز لي التعبير ، إن ما لفت انتباهي في هذه الحدوتة هو صياغتها كحدوتة!! "كان يا ما كان" بينما كانت المفاجأة الأخيرة للقاريء تدع في رأسه سؤالاً بلا إجابة : أهي حكاية محض خيال أم أنها كما أسلفت في العنوان.. حكايا واقعية يتلبسها الخيال!!

"أمومة كاذبة".. كان عنواناً لنص قصير مُفعم بالتعابير الحادة الصارخة الصريحة.. لا مجال للمُجاملة والنفاق.. إنه الصمت إزاء الكذب!! لا تتعاطف أبدا أميرة مع امرأة لمجرد كونها امرأة.. لا تقع في هذا الفخ مَن خَبِرت كثيراً من النفوس.. لهذا ملّت دموع التماسيح لامرأة مُدعية للأمومة.. كذّبتها في صمت.. ووضعت إطاراً مُحدداً للحكم على الناس والأشياء: الأخلاق والمباديء أبداً لا تتجزأ.. لا تسمح به لكتاباتها أو لبطلاتها.. وهي أيضاً لا تتحيّز إلا لما تؤمن به.. تسرده في صراحة وتُشرك القاريء معها بعد أن تُمهد له الطريق للحُكم الصحيح ,,كانت أميرة هي الراوي الخبير والوحيد والشاهد على تيبُّس قلب إحداهن!! ونقلت لي مشاعرها تجاهها بكل وضوح وحسم...

"تبدو واقعية".. استعدت العنوان مُجدداً وأنا أتابع بعيني سطور"يوم حار في أغسطس".. تلك القصة التي أنهكتني وأتعبت عقلي وتسائلت :أصار الجنون واقعنا ؟ هل صار الأمر كذلك؟ بين الجنون والعقل شعرة بسيطة جداً.. هذا ما تريد أن تقوله أميرة ، حيز ضئيل جداً قد يدفعنا إليه "موقف" فنفقد أعصابنا.. نفقد تركيزنا وسيطرتنا على ذاتنا ونعبر حيز العقل إلى المساحة المجهولة البيضاء..فنتدافع عاجزين عن إثبات جدارتنا العقلية ..وعندما تقتنع تماماً بالنظرية المطروحة تلقي بك أميرة في أتون الحيرة حيث عليك أن تُعمل عقلك بشراسة كي تفهم ما حدث للبطلة التي أُوقِن أنها ستضحكك وتبكيك.. إنها براعة القص الذي يتعدى حد ما هو محسوس لما يجعلك تتوحد مع الشخوص وتحتل أماكنهم وتُجنّ معهم وتحزن لهم ..

ولكنها تعود لتطرحني وسط فورة شباب مُتحمس "صدقوا أنهم صناع التاريخ" تعترف أن القصة وهمية.. تؤكد مراراً أن القصة وهمية ولا تمت للواقع بصلة.. وتنجح في هذا الإيهام ببراعة الوصف الغير معقول.. وتصل لما هو حق.. تصل لما هو ليس وهماً : نحن لا نصنع التاريخ بالجُبن والخوف والتراجع والتخاذل بل نصنعه بالقوة والعدل.. القِلة القليلة لا تفعل شيئاً أمام الكثرة الفاجرة.. لكن القِلة يجب ألا تتخاذل وألا ترتعب وتجبُن.. عليها في الأساس ألا تكون قِلة.. عليها الاحتشاد لتصل لغاية المراد التاريخ يصنعه الأقوياء المؤثرون المتحمسون القادرون على حشد الحياة في صفهم وهذا ما يُحيل القصة إلى الواقعية في النهاية.. ويُعطها المذاق المُتفائل الذي لا تتنازل عنه الكاتبة دائماً وأبداً........

وتقول لي في عنوان الجزء الثاني أنها حواديت العشق والألم..لعلي خُدِعت.. إنها ليست بضعة حواديت عن العشق والألم بل هي ألم بطعم العشق.. أو لعله عشق بنكهة الحواديت ومُجدداً تطرح أميرة التساؤلات وتتركك في لُجّتها..

هل يُفسِدُنا الحلم؟ هل يُدمرنا؟ هل يفعل حقاً؟ قد يفعل الحلم المستحيل ما هو أكثر.. لم يكن محض خيال أن تتسائل أميرة في إحدى قصص هذا الجزء عن أفاعيل الحلم.. عن تسلطه وقوته الغاشمة التي تمتد طوال العمر.. كان غريباً التساؤل لكن الحكي كان كفيلاً بترويض الفكرة.. بتقريبها للوجدان العشق والألم يتحدان في حلم بائس يحيل حياة صاحبته لما يشبه الحياة

تأملت كلمات أميرة تملأ حلقي غصة كلما تخيلت قسوة الانتظار ومرارة الوهم ، أجل لقد انتزعت أميرة من داخل الكثيرين ذلك الحلم الصغير الذي حتماً كان بداخلنا وجعلته كائنا واضح الملامح يحيا على أوراق بيضاء.. وكأنه يقول لقارئها: كنت ستتأرجح على كرسي هزاز.. أو حبال وهم.. أو تتعلق بأغصان شجرة ألم مورقة بالعذاب لو فعلت كتلك البطلة ويقيني أن الكاتب القادر على خلق التساؤل هو الكاتب بحق.. إنه ذلك القادر بقلمه على جعلك أكثر قدرة على ارتداء حذاء البطل.. والإبقاء عليه أو قذفه بعيداً حين تصل.. لما يريد بك الوصول إليه!!

وهذا مافَعَلَته مُجدداً حين وضعت في عينيّ بطلتها في حدوتة تالية تلك النظرة الزجاجية.. وزرعت بجسدها برودة الرخام لتدفع عن نفسها عشقاً ضعيفاً لم يصُنها ولم يقدر عواطفها إنها العشق الذي ينطوي على الألم ويترفع عنه ليحيا في القلب.. فقط ، إنها تُعلي قِيَماً عدة فليس العشق استسلاماً لشهوة أو ضعفاً أمام حبيب.. العشق أسْمى.. وأجمله ما كان مُتبادَلاً فيه العطاء ، كيف تمنح بطلتها التالية كل مشاعرها لرجل يختصها بحبه في وقت فراغه؟لم تفعل.بل أبَتْ.. وتخلصت من العشق ولعلها لم تحيا بعده بألم ، كم تختلط الحواديت في هذه المجموعة بالألم.. للدرجة التي يتوقف فيها كل شيء ماعداه!!!

كان الحلم أحياناً هو الملاذ الذي تهرب إليه بطلة أخرى سَفَّه موهبتها زوج.. عشْق استحال إلى لامبالاة وذهب إلى المنطقة الرمادية الباهتة التي يحيا فيها طرفان مجرد حياة لعدم قدرة على مواجهة فكرة انفصال.. لعله قمة الألم.. لأن الانفصال ليس تباعد أجساد.. أبداً.. لكنه تنافر أرواح.. أسرّت الحروف بهذا في صخب صامت.. ولوحات ملونة تأخذ طريقها إلى القتامة بهدوء.

ولكن الحلم لم يكن دوماً بهذه القوة في حواديت أميرة.. لقد صرعته في قصص عدة وكان مصرعه ذات حدوتة على يد ماركيز.. أقرَّت حينها بقوة الواقع الذي تجسد في شعيرات بيضاء صنعت حاجزاً زمنياً بين القلوب.. ولعله كان الاعتراف الأقسى بالألم على الإطلاق.وكان مصرعه ذات حدوتة أخرى على قضيبيّ قطار لا يلتقيان حيث لا يُلَبّى الاحتياج!! حيث الحلم دخيل بين اثنين يبحث كلاهما في الآخر عمّا لا يستطيع منحه

إذن هو التوازي وهو الفراق.

الفراق الذي لم يكن حلاً في حدوتة أخرى حيث كان الزواج السري الثاني الذي حاكت تفاصيله بحرفية واقعيه و كان البطل فيها ألعوبة بين زوجتين كلتاهما تبتزه وكلتاهما لا تحبه فتحول الزواج في قصة علامات زرقاء إلى علاقة ابتزاز وانمحت منه حميمية المودة.. لم يجدا في الفراق حلاً بل كان الألم دافعاً للغرق في الألم ربما لمحاولة رد الظلم.. ربما.

لكن الأمر لم يخل أبداً من عشق بلا ألم.. عشق جميل بين فتى وفتاة حاولت الظروف كسر فرحتهما فلم تفلح.. وكان القمر "حداهم" يرقب تشبثهما بأهداب الفرحة رغم كل شيء الفرحة في القلوب.. هكذا أكدت أميرة في كل حرف سطرته.. العشق باق.. والألم باق كذلك ...

عندما تقرأ تلك الحواديت ينتابك قدر من السعادة لأنك تطوف بقلم جميل بين نفوس مختلفة تمام الإختلاف.. ينقلك القلم من حي شعبي إلى قرية نائية أو حي راق.. تلتقي بنماذج عدة من البشر وتتحد معهم جميعاً بلا جدال فالقلم كان دوماً قادراً على النفاذ إلى دواخل النفوس أياً كان موقعها على خريطة الحياة.. وبلا ملل تجد نفسك تقلّب الصفحات تغشاك السعادة مع السعداء.. وتحزن مع البائسين.. تعشق مع العاشقين.. ويمتليء قلبك فرحاً لكل نهاية سعيدة........

في الجزء الثالث من كتابها، تروي أميرة ما يروعك.. ويبهجك.. ويثير كل ذرات خيالك.. إنك لا تصدق أنك أسلمت رأسك لهذا القلم لينقلك لتلك العوالم الغريبة.. فتحاول انتزاع روحك من الأسر لكن لا فائدة.. إنها تتمكّن منك.. فيطاردك الأبطال في أحلامك ويرسمون علامات الإستفهام حول رأسك.. ربما تُرهِقك التساؤلات أيّما إرهاق ولكنك لن تستطيع الهرب من الأسئلة

ستفكر.. هل أنا بطل/بطلة تلك الحدوتة؟

هل يمكن أن يحدث لي هذا التماهي مع أبطالها؟

هل ما فعلته بي في حدوتة زهرة الروح حقيقة؟ وهل يمكنني أن أحيا مُجدّداً بجسد ولدي؟

يا إلهي هل تتحقق الخرافات وتتنازل المعجزات فتأتينا إلى أرض الواقع؟ هل تصيبنا اللعنات؟ وهل يدفعنا العلم بما لا يجب العلم به إلى الجنون؟ هل يمكننا الصمود أمام غيبيات لا يمكن لعقلنا الصغير الإتساع لها؟ هل سنتهاوى؟ هل أصدّق ذلك القلم؟ هل أكذبه؟

أياً كانت الإجابات فأنا على يقين من أنك ستظل أسيراً لوقت ليس بالقصير لسلسلة الحواديت المتصلة المنفصلة الماضية في آتون خيال لا حد له ..

لقد اتخذت أميرة نهجاً غير مألوف في السرد بزهرة الروح حيث تعدد الرواة.. تحدث كُلُّ بلسانه عن حاله مبرراً مفسراً مسهباً ولكن خيط الحكي لم يُفلِت أبداً.. وظلّ الحدث المتصاعد هو سيد الحكي بلا جدال

وإلى مزيد من الخيال..

انتابني الخوف في قصة المكتوب مامنوش مهروب.. خوف حقيقي تلبّسني حيث رسمت أميرة بدقة لوحة للعرافة الغامضة التي تحيا على شاطيء البحر في خيمة تمتليء بالرموز..تلك الرموز التي تساقطت من كلماتها وهي تحاول الهرب من مواجهة بطل القصة بما ينتظره.. ممازاد من من حيرته وأجّج ألمه وجعل الصورة المرسومة بالحروف أكثر رعباً ..

تعود وتؤكد في نصها أن معرفة ما يخبئه لنا الغيب ربما لن يزيدنا إلا ألماً.. تؤكد أن ما هو آتِ سيأتي وعلينا احتماله.. وتؤكد أخيراً أن الحب الذي نلتمس فك طلسمه هو سحر استحكمت حلقاته وعلينا فك أسره بالإستجداء!! خطوط الكف التي امتدت راغبة في راحة مرجوّة لم تنلها ولكنها رسمت براعة حكي غير تقليدي.. وكم كان تأملها رائعاً في حكمة الكون..

نحن حقاً نسير من ألم إلى ألم.

وعندما نتأمل ذلك الألم نتوقف عند سيدة أخرى.. بالأحرى سيدتان تبث إحداهما في الأخرى "الأمل" عن طريق كور الآيس كريم.. ماكر ذلك الحكي الخيالي الذي يرسم صورة غير معتادة لبث ذلك الأمل بطريقة مباغتة وكأنه حقنة تحت الجِلد !! حوار قصير كان تقريباً من طرف واحد وحيد.. من عجوز مجنونة لإمرأة عاقلة.. حوار يُحيل الجنون إلى حقيقة ويضع القاريء في خانة المُتفرج صاحب علامات التعجب الكثيرة!!

وبعد.. تصحبني أميرة في رحلة سفر

لعلها وضعتني في مجلة ملونة على طائرة تتجه لأعماق حلم

وتقول:الأمنيات لا تتحقق في البلاد البعيدة.. تصرخ الكلمات وهي تضع كل الحلول على ألسنة كل البطلات.. لا مجال لبطلة شاردة.. كل النساء بل كل الرجال صاروا أبطالاً في حواديت كان زادها الخيال.. تحملنا أجنحة الخيال إلى آبار التمني لنقف عاجزين أمامها.. متشبثين بقطعة معدنية لن يفيد إلقائها شيئاً.. نحن نتحقق بالحقيقة لا بالخيال هكذا نتحقق.. أحياناً

تتوالى الحواديت التي تتسق واحدة تلو أخرى كأنها ستشكل بالنهاية لوحة ما تُفاجيء قارئها وتلقيه إحداها في قاعة مظلمة على شاطيء بحر يسرق فيها وحيدان ليلة مجنونة!! هل يُمكن أن تمر الأحلام جميعاً دون حلم مجنون؟ حلم برقصة مجنونة بين غريبين تناديا في صمت؟ حلم بعنفوان وقوة ونشوة السعادة اللحظية بلا أية قيود؟ لم تكن الأحلام لتكتمل دون حلم كهذا يطل من بين الصفحات كأنه جذوة نار تُشعل النفس وتُزكي وقود الأحلام لتستمر..

وتأتي أميرة بحدوتة أخرى يرقص الألم على حروفها.. انتظار مرير لا يُبرره إلا جنون مُطبَق.. انتظار بلا طائل يدفع إليه أمل زائف.. يتحكم السرد في الحدوتة ويُحيلها إلى فقرات متقاطعة.. يلتف فيها الزمن حول القاريء فيُكبّلُه فلا يفهم إلا قبيل النهاية لغز الإنتظار.. ماهرة أميرة في ذلك الأمر حد البراعة فقد صاغت المُتناثرات السردية في رشاقة تُحسَد عليها لتصل بك إلى خيال غاضب من جنون!!

إنك تتبعثر على الفقرات مطمئناً لقلم الكاتب.. واثقاً أنه سيفاجئك في النهاية بما تحب وترضى...

ولكن خيالها في تلك الحدوتة المُباغتة أضحكني.. لم تكن حدوتة "المتناثرات من دفتر سري" إلا دراما حياتية أشبه بدراما الأفلام أو حكايا الجاسوسية أو تجنيد البشر بعضهم لبعض !! تنبهت خلايا دماغي وتأهّبْت لأحداث معقّدة.. فإذا بها تصرعني بفكرة الحب المُطلق!! أضحكتني أميرة

إن الحب المطلق المجرد هو بعض من خيال.. كم يثير هذا الضحك حد البكاء!!!

هذا ما أرادت أميرة قوله في حدوتة من أجمل حواديتها.. معنى غلّفته التفاصيل الغامضة والسرد الملغّز والنقلات المتكررة بين الزمن والتي جعلتني أتأرجح مع تهويمات البطل وإغماءاته وإفاقاته ولكنها أقرت في النهاية أن تلك الفكرة المطلقة لا تتم إلا عن طريق تنظيم سري!!!!

أتفهّم أخيراً علامات التعجب فتلك علامة التعبير الوحيدة المتاحة في اللغة والتي يمكن وضعها أمام أحوال البشر.. تلك الأحوال التي رصدتها أميرة في كتاب رائع اختبأت فيه وراء مسميات عدة ما بين الحلم والخيال والأمنية ولكنها بالنهاية كانت ببساطة تصف لنا الواقع

أليس الواقع أعجب دوماً من شطحات الخيال؟

وكما أسعدتني كل الحواديت.. وأسعدني الإبحار مع هذا القص الرائع النابع من قلب معايشة تجارب الآخرين وتفسيرها وتنميقها وزخرفتها بالخيال الخصب أترككم مع كتاب متفرّد للكاتبة الرائعة أميرة بهيّ الدين.. وقلبي يدعو لهذا القلم أن يستمر على عطائه.


هناك تعليق واحد:

مها جمال يقول...

اولا
احب ان ابارك لك صدور هذه المجموعة الجديدة منذ فترة لم ادخل مدونتى لاشغالى بالاحداث وعندما دخلت وجدت هذه المجموعة والمقدمات الجميلة لكتب اروع
ربما قرأت بعض هذه القصص فى المدونة وانا اتبع بشغف ماتكتبين واكاد التهم حروفك اول باول
انت كاتبة رائعة وتستحقين الكثير
ادعو الله ان يوفقك وتمتعينا بالمزيد من كتاباتك ورؤيتك للمجتمع والناس واحوالها
ويارب نتقابل قريبا ويصلح الحال