مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 11 أغسطس، 2013

بعض الاحمر ليس كبعضه !!! ( الجزء الاول )





يا من هواه أعزه وأذلني
كيف السبيل إلى وصالك دلني
وصلتني وصلتني
حتى ملكت حشاشتي
ورجعت من بعد الوصال هجرتني 
انت الذي انت الذي علمتني
وحلفت لي انك لن تخون فخنتني
فلأدعون عليك في غسق الدُجى
يبليك ربي يبليك ربي يبليك ربي
مثلما مثلما أبليتني

للإمام سعيد بن أحمد





الجزء الاول


( 1 )
فيضانات حمراء

قبيل الفجر كمثل كل ليلة ، اتته ، مبتسمه جميله مثلما كانت اول يوم شاهدها ، مثيرة بضه بثوب نوم احمر عاري كليلة زفافهما ،تسطع وسط ظلام الليل قنديل منير بضوءه الاحمر الشاحب المتوهج الموجع الحزين كيوم لقاءها الاخير، اتته بعنفوانها القاسي وانوثتها المثيرة بلا رحمه ولا طيبه ولا حب ، اقتربت بجسدها الدافء من جسده ، القت بذراعيها علي كتفه ، رائحتها مثلما كانت جميله صحوة عفيه ، تخترق انفه وروحه ، يفتح عينيه بصعوبة ، يعلم انه نائم وانها تزوره في كوابيسه مثلما اعتادت تفعل ، تبتسم وكأنها تصالحه ، يبكي حزينا ، تمسح دموعه بشفتيها ، يرتبك ويتمني لو اتته في يقظته ، لو اتته بعيدا عن كوابيس الليل ، يتمني لو الايام صارت غير ماصارت وحياته كانت غير ماكانت ، تهمس وحشتني يااسماعيل ، تناديه ليلحق بها ، يتمني لو يعتصرها ، يتمني لو يمزق شفتيها برغبته ، يتمني لو يمزق وجهها بقبلات عشقه ، وحشتني يااسماعيل ، تهمس وتفح ، لايصدقها ، لم تحبه ابدا وهو الذي عشقها وماتمني في الحياه غير رضاها ، اسرته سبته فصار عبدها لكنه لم يفلح يكون سيدها ، كانت سيدته وكان ضياعها ، وحشتني يااسماعيل ، تهمس فيبكي ، الكابوس مازال طويل طويل والعلم الاسود سيرفرف حالا فوق رأسه ، تناديه يلحق بها ، وكأنها تفتح له بوابة الرحيل والعتق من العذاب المستحكم ، انت اللي وحشتيني ياست الستات ، صالحها سامحها رغم كل شيء ، وهل للعشاق اراده تخاصم وتغضب ، انت اللي وحشتيني !!!
ويستيقظ وصوت صراخه يدوي بين الجدران الاسمنتيه الرماديه الموحشه ، يستيقظ والظلام يلفه يحتل وجدانه وروحه ، يستيقظ وهو مازال ملقي علي الارض في مكانه وابواب الرحمه مازالت مغلقه في وجهه ، وهي مازالت تأتيه تعاتبه علي كل مااقترفه في حقها وتتركه بقيه اليوم غاضب من نفسه ومنها لانه رغم كل ماجري مازال يحبها بل مازال يعشقها !!!
والرايه السوداء لم ترفرف في سماءه بعد تمحو الفيضانات الحمراء التي تغرقه بدماءها كل ثانيه وكل لحظه وكل يوم من ايام انتظاره الطويلة !!!

( 2 )
بقعة حمراء !!!

يلهث اسماعيل ويلهث ، انفاسه متلاحقة ، يسعل ويسعل ، يبحث عن نفس عميق يسحبه من اعماق رئتيه المتحجرتين المتكلستين ، يخرج الهواء الفاسد سكينا يمزقه ، الم رهيب يجتاحه ، سعال متلاحق واختناق ، ذرات التراب المتطاير في الهواء من تحت قدميه المرتعشتين يتسلل لانفه يردمها يغلق مسارات النفس ويخنقه ، يسحب الهواء بفمه المفتوح الما وكأنه يصرخ مصارعا متشبثا بالبقاء ، يدخل الهواء بأتربته وذرات رماله يردم فمه وحلقه ويكتم حويصلاته الهوائية المحتقنة ويمزق صدره وانفاسه ، يلهث ويلهث ، يجري باقدام مرتعشه ، يجري لايعرف لاي اتجاه ، يجري وفقط ، بقعه حمراء تسطع وسط بحر ازرق داكن من الرجال ، يهرعون جميعا صوب المجهول ، يركضون باقصي سرعه ، ليل داكن وبارد والريح تزأر حولهم تتسلل تحت ملابسهم الخفيفه تمزق جلودهم ، يركضون باقصي سرعه واشباح الليل تطاردهم ، صوت لهاثهم يعلوا علي صوت الريح الغاضب العالي ، صوت انفاسهم العالية تعلو اكثر واكثر فوق صوت وقع اقدامهم المرتعشه علي الرمال المتطايرة ، بحر ازرق من الرجال يجري وسط الليل صوب المجهول وسطه بقعه حمراء تجري وتتهاوي ، تهتز تتمايل تتساقط تتمالك نفسها علي قدميها وتجري ، من يسقط الان علي الارض ستدوسه الاقدام المرتعبه ، ستدوسه وتساويه بالارض وتقتله وهي تجري ، البقعه الحمراء تجري معهم وسطهم ، لااحد يفكر ولا هي ، لااحد يعرف لاين يتجه ولا هي ، لااحد يفهم كل ماحدث ولا هي !!!

( 3 )
تفاحة حمراء

ست الحسن والجمال ، زاهية ، الابنة الجميلة لعلي العجان في الفرن الكبير المطل علي الميدان الواسع بالجيزة ، عرف علي ان حظ زاهية سيختلف عن بقية بناته الدميمات او هكذا تمني ، جميلة كأمها اما بقية بناته  فيشبهوه هو وكأن انفه الكبير وانوفهن المفلطحة فولة وانقسمت نصفين ...  
هي اخر العنقود وسكره المعقود بعدما انجبت الست ام صفاء ، بنات ثلاث واستراحت بضعه سنوات تتمني يكرمها ربها بالولد الذي يسعد قلب زوجها لكن ربها لم يسعد المعلم علي بل كتب علي جبينه الشقاء بذلك الحمل الذي منحه زاهية الجميلة ، حين حملت ام صفاء في زاهية ، وعدت المعلم علي العجان بصبي يحمل اسمه لكنها عجزت عن الوفاء بوعدها وانجبت له الابنة الرابعة والاجمل فنسي المعلم علي امنيته في " ابو العلا " وفرح بالابنة الجميلة التي اسعدت قلبه المهموم بجمالها الطاغي فلم يعرف مالذي تخبئه له الايام علي ايدي تلك الجميلة البريئة وقتها ..
هي جميلة كمثل التفاحة الحمراء النضرة التي اخرجت ادم من الجنة ، امها حذرتها منذ طفولتها خائفه عليها من جمالها ومن ولاد الحرام ، اوعي لنفسك ، محدش يضحك عليك بكلمتين فارغين ، انت الجميلة واللي ياكل الشهد لازم يستحمل لدع الدبابير والجواز سترة واول الطريق واخره ، بس نقعد علي الباب وننقي زينه الشباب، نبهتها لجمالها رأسمالها وسر سعادتها  ودربها المفروش بالرياحين للحياة الرغدة التي تليق بالجميلات والذي سيأتي لها بزوج يسعدها ويهنيها ويغير الحظ التعيس الذي عاشته الامه وبقيه شقيقاتها مع الفقر المهين ، فقط امها لم تسر لها بأن الجمال احيانا يأتي بالتعاسة والهم ، لم تسر لها بما تعرفه لكن زاهية عرفته وحدها وقتما حان ميعاد الفهم والمعرفة !!!
هل علمت الام الجميلة ابنتها الاجمل مهارات الغنج والدلال و" كهن " الحريم ، اما انجبتها موهوبة بالسليقة في علم اللوع النسوي وفنونه المخيفة ، لايعرف علي لكنه اكتشف وبسرعه ان اخر العنقود ستجلب له ولنفسها المتاعب ، فجمالها المتوحش سيجذب اليها الطامعين والقوادين وذباب الشوارع ، يحاولوا وهي توافقهم يتنشلوها من فقر الاب وبيت الجيزة القديم والشوارع المكدسه بالقمامة والنصيب الاسود الذي لاحق شقيقاتها فتزوجن السمكري والايومجي والقومسيونجي المتعال بدبلوم التجارة الذي حصل عليه بالعافية وعشن كمثل امهن يحسبن الحياة بالقرش والمليم وينعين حظهن الاسود ويضربن اطفالهن ويبكين كلما سمحت لهن زحمه الحياه ببرهة وقت يختلين فيها بأنفسهن وسط الاشغال الشاقة المؤبدة التي حكم عليهن بها المأذون وسط الزغاريد ودق الطبول !!!
لاحقها الشباب منذ كانت في الابتدائية بعبارات الغزل وخطابات الغرام والهدايا البسيطه وحين " خرطها " خراط البنات وقفت لها السيارات الفارهه علي الشارع الرئيسي البعيد عن حارتهم قرب الميدان ، وقفت السيارات تنتظر رضاها وخطواتها اللعوب صوب الباب المفتوح ، لكن زاهية لم تركب ولم تمنح معجبيها الا ابتسامة مثيرة غامضة تزيد الشوق والتمني ، زاهية تراقب معجبيها ولاتردهم ولا تمنحهم املا ، تفحصهم بعين الجارية المعروضه في سوق النخاسه تبحث عن مشتريها وتسعي لاصطياد الاثري لتعيش عبدة ترفل في كنف ثراءه .. هي واعية لنفسها كما حذرتها الام وتبحث بعين الصياد المكر عن من يتحمل من اجل شهدها لسع الدبابير ويتمني يخرج من الجنة او يدخلها علي يديها لكنها ادركت مبكرا ان تلك الحياة وذلك الحي وهذا البيت لايليقوا بجمالها ولا يناسبوا ماتحلم به وتتمناه ، ادركت مبكرا ان العالم واسع خارج الحارة الضيقة وانها لن تبقي فيها حتي يأتيها العدل ولو كان فارسا علي حصان ابيض ، الحارة ستجذبها للقاع الذي لن تقنع ولن تقبل تعيش فيه ، عليها تحلق بعيدا عن البيوت المهترئة والجدران المتلاصقة والنسوة اللاتي نهشن سيرتها مع شاي العصيرة وفيلم السهرة والقمامه التي تسد عين الشمس وعن ابيها علي العجان الذي سيقف حائلا امام امنياتها في اللحاق بالعالم الواسع الذي لامكان فيه لا له ولا لزوجته ولا لبناته ولا لازواجهن الكادحين !!!

( 4 )
لحمة حمراء

اخبروها انه مجرد قطعه لحم حمراء بلا روح ، ملقاة علي فراشها والحبل السري بينهما لم يقطع بعد ونزيف رحمها فيضان قان ، لم يصرخ وقتما انزلق من جوفها للحياة ، لم يتنفس ، صرخت الداية وابتلعت دموعها ، الواد اللي نفسها فيه نازل ميت ، يعوض عليكي ربنا ياام مريم ، العيل نازل ميت لاروح ولانفس ، حته لحمه حمراء بلا روح ، خرقة ودبلانه ومامنهاش رجا ، لم تصدقهم ، لم تلده ميت ولن يموت ، ستمنحه من انفاسها روح تمنحه الحياة ،  صرخت وطالبتهم يأتوا به لحضنها ، احضروه لها ملوثا بالدماء مخيف ، احتضنته وبكت ، وكأن دموعها روت روحه فعادت لها الحياة ، صرخ صرخة مخيفة ، صرخت من الفرحه ، وليدها حي وسيمد الله في عمره حتي يحمل خشبتها !!! وقد كان !!!
اسماعيل الطفل الذي ولدته الست ام مريم بعد بناتها الثلاث ، تمنته من الدنيا فمنحه لها ربها فشكرته ووزعت عيش ونابت في مقام سيدي الاباصيري كل سنه يوم ميلاده حتي ماتت .. هو ابنها الرابع ، لكن هاجر ماتت بعد ميلادها بثلاث ايام وساره دهستها السيارة وهي عائده من الامتحان ، فلم يبقي لام اسماعيل غير مريم البكرية واسماعيل اخر العنقود ..
دللته امه حتي غارت منه مريم ، لكن الام لم تكترث بغيرتها وطالبتها بامومه مبكره صوب اخيها الحيله اللي حيضرب جوزك يابت يوم مايفتري فيك ، دللته امه حتي افسدته فلم يفلح في المدارس ولم ياخذ الشهاده الكبيرة التي تمنتها ولم تتشرف به وسط جيرانها وهو الساقط الخايب مثلما كان يحلو لابيه الظالم كماتراه ان يناديه ...
لم يفلح اسماعيل في المدارس ، لكن امه لم تكترث ، باعت الدهب والنحاس وعليهم تكاليف خرجتها واشترت له سيارة اجره فارهه ورشت جارها امين الشرطه ليستخرج لهم رخصه القياده دون اختبار ، ولم تهدء حتي افلحت تقنع الحاج رشيد صاحب شركه السياحه الكبيرة في تعيينه لديه سائق لاتوبيسات الحجاج والمعتمرين ، يحملهم من السويس ونوبيع ويعود بهم ايضا ... ويؤجر سيارته الفارهه لمن يرغب في مشاوير خاصه وبدا وكأن الايام ستبتسم لام مريم وتفرحها بوحيدها اخر العنقود والسكر المعقود !!
اسماعيل ، صارت قطعة اللحمة الحمراء ، رجلا اسمه اسماعيل ، الابن الحيلة للست ام مريم التي تمنته من الدنيا ولايكتر علي ربنا يفرح قلبها ، انجبت مريم ثم هاجر ، ماتت هاجر فانجبت سارة ودعت ربها ليمنحها ولدا ذكرا يحمل اسم ابيه ونعشها وقت تموت ، انجبت خديجة وتأخر الولد كثيرا ، زوجها ابو مريم رجل طيب لايطالبها بذكر ، لكنها تخجل منه ،منحته دون رجال الحي الفقير كنية ابو مريم وجميعهم ابو محمد وابو احمد وابو عبد الرحمن ، تمنت تمنحه ذكرا يتنادي باسمه طيله العمر ، لكن الذكر تأخر حتي حملت في اسماعيل ، حلمت بسيدنا ابراهيم يهديها غلاما ، صرخت في ابو مريم فرحة ، خلاص ياابو اسماعيل ، اسماعيل جاي ، لم يصدقها الرجل وظنها جنت وهدء روعها ، البركه في اللي ربنا رزقنا بيه ، يطمئنها انه تقبل مصيره وقدره وانقطاع شجرته وجذروها من الارض وتنكيس رايته التي لن يرفعها ابن من صلبه ، بس دي بشارة ، شرحت له الست ام مريم فلم يصدقها حتي خرجت الداية تبكي لان الذكر الذي تمنته ام مريم ولد ميتا ، لحظتها بكي زوجها بدموعه وشكر ربه لانه مابيتعاندش وتصور موت ابنه الذي لم يراه حتي شق سكون التوتر صراخه وسمع الزغاريد وجاء اسماعيل للدنيا ليشقي فيها مثلما كتب علي جبينه لحظه ميلاده !!!!
وسرعان مامات ابيه وترك جدره في الارض شجره مكتوب عليها اسمه واسم اسماعيل ، ولو كان يدري مالذي سيصير عليه اسماعيل لتمني لام مريم الا تنجبه ابدا ، لكن من يعلم الغيب والمقدر والمكتوب !!!
مات ابو اسماعيل فعاشت ام مريم تربي وحيدها وتدلله وتفسده قدر ماتقوي ، دللته وافسدته وماتت وتركت لمريم تحصد مازرعته الام وفرعها المايل !!

( 5 )
بدلة حمراء

بحر من الرجال ازرق داكن يجري صوب المجهول ومعه البقعة الحمراء تجري وسطهم ، لو حدقت في ظلام الليل بحدقتين مفتوحتين لشاهدت اسماعيل يركض وسط الاف المساجين ، الكل متواري وسط الليل الا هو ، كمثل نجم ساطع يشق السحب الكثيفه ، هذا هو اسماعيل ، الرجل المحكوم عليه بالاعدام شنقا يجري وسط بقيه المساجين في الليل البارد علي صحراء لم تطئها قدم قبل اقدامهم المرتاعة ، اسماعيل يجري وسطهم ومعهم ، يفكر مثلهم جميعا ، مرتعب مثلهم جميعا ، خائف مثلهم جميعا ، هل صار السجن الذي يعرفوه اكثر امانا من الحرية التي يجهلوها؟؟
من يملك رفاهيه التفكير في الاجابه ، الاف المساجين تحرروا فجأ ، وجدوا انفسهم خارج القضبان التي اعتادوا صحبتها ، بعيدا عن الجدران التي سكنوا اليها ، احرار ، هل هم احرار ، ولو كانوا لما لاينعموا بالحرية ، لما هم مرتاعين خائفين يركضون بسرعه وبعيدا ، بعيدا عن السجن الذي فتحت ابوابه فجأ وطردوا منه وبسرعه وسط الليل ، لااحد يفهم مالذي حدث ولماذا ، حتي الان لااحد يفهم ، بعد نهار طويل يمزق سكونه طرقات قوية عنيفةتهدم الاسوار وابراج المراقبه وتخلع البوابات الحديدية الراسخة في الارض والسماء وتمزقه عشرات الاف الطلقات يمزق دويها السكون المعتاد للنهار الراكد مثل حياتهم ، بعد صرخات مكتومه تفصح عن قتلي ماتوا وبسرعه قبلما ينتبهوا لما يحدث حولهم ، صرخات مكتومه تعالت للمرة الاخيرة من افواهم التي تيسبت وبسرعه بعدما خرجت ارواحهم المذعورة من الاجساد الرخوة ورحلت للسماء لايفهموا من قتلهم ولماذا ، بعد دوي مفزع لطلقات ناريه تلاحقت وكأن بركان انفجر فانهمرت حممه فوق الرؤوس والارض والمباني تحرقها ، بعد كل هذا الذي لايفهم احد من القابعين في ذلك السجن والليمان معناه ومبرره ، تهاوت الجدران ودكت الاسوار ونزعت البوابات ، وصرخ في المساجين المذعورين رجال غرباء يطالبوهم بسرعه الرحيل والا قتلناكم !!! هذه اخر كلمه يتذكرها اسماعيل قبلما يجري وسط الطوفان الازرق ، ارحلوا والا .... لم يسمع اسماعيل والا ماذا ، دوي صوت الرصاص من المدافع الالية التي يعرف نغمات رصاصها المخيف ، دوي صوتها اعلي من صوت الرجال الغرباء ، فركض الرجال رعبا ومعهم اسماعيل صوب المجهول في الليل الداكن ، و................. لاحقهتم الرصاصات ودوي انفجارها فلم تترك لهم فرصه ليفكروا ويسألوا عما يجري في الليمان القابع في الصحراء البعيدة ، لم تترك لهم فرصه ليسألوا عن مأمور السجن وحكمدار الليمان وعن العساكر والضباط ، اين هم وكيف سمحوا بما يحدث ، من يملك رفاهيه التفكير في تلك اللحظه الغريبه ، اجروا ، صرخه لايعرف قائلها ، ربما احد زملائه في الليمان ، ربما رجل من الغرباء ، ربما ضابط يموت ودماءه تسيل برصاص الغرباء فخاف عليهم مما يحدث وامرهم بالفرار ، اجروا ................ فركضوا وركضوا بسرعه وخوف وفزع ، تتعثر اقدامهم في الرمال اللينة وبرد الليل يطحن عظامهم واجسادهم ترتعش من البرد والخوف والقلق والرصاص يلاحقهم مجنونا طائشا و.................... الليل مازال طويل والبرد مازال قاسي والصحراء مازالت مخيفة ، والنهار والعمار بعيدين و........الفهم ايضا !!! 
جميعهم سعداء بالخروج من السجن وكأنهم سيعودا لحياتهم قبل ايام الشقاوة والمحاكم وزنانين السجن الا اسماعيل ، لمن يهرب ولمن يعود ، يتمني يعود السجن ويموت ، وموته بموته ونخلص !!!

( 6 )
تفاحه حمراء

ادركت زاهية مبكرا انها لن تكون مثل اهلها وجاراتها وبنات الحته ، ادركت  ان " الطينة غير العجينة " وانها لن تعيش كمثل شقيقاتها التعيسات ، ولن تكمل مسيرة امها مع رجل تكافح معه طيله الحياة وقبلما تستريح تداهمها الامراض وانهيار الصحة وهم العيال .. لم تخلق مثلهن لتعيش مثلهن والا لماذا منحها الله هذا الجمال المثير ؟؟!!! هذا ماتعرفه زاهيه جيدا وعاشت من اجله تسعي للرحيل من ذلك العالم الاسود بهباب حرق القمامه لعالم اكثر جمالا ونعومه وثراء تسطع فيه النجوم الزاهية في عز الضهر ...
عرفت زاهيه ان جمالها سيحملها بعيدا عن العالم الفقير الذي انجبها فيه ابيها في ليلة سوداء كما يقول لها دائما وهو يضربها ويبكي كلما حاصرته فضائحها وسيرتها السيئة التي تلوكها نسوة الحي الفقير وهن جالسات علي عتبات بيوتهن يبحثن عن نسمه هواء خارج الجدران الضيقة الطابقة علي قلوبهن ، وعرفت ان طريقها لن يكون سهلا ، ولن يكون مفروشا بالورود ، وعرفت انها لن تحلق وبسرعه من سابع ارض حيث تعيش للسماء السابعه حيث تستحق ، لكنها قررت وبعدما حصلت علي شهادة التمريض ، قررت ان تبعد عن ابيها وغضبه واخوتها وازواجهن وحياتهم الكريهه ودموع امها التي تلاحقها ليل نهار لانها عاصية وراكبه راسها وترفض الزواج والسترة ومصممه تسير في طريقها المخيف وكأن جني شرير تلبس جسدها الجميل فتحكم فيها ودفعها صوب الهاوية بمنتهي الحمق مثلما تقول امها ""ويابنتي اللي زيك مالهاش غير راجل يفهم قيمتها يصونها في قلبه وبيته ويعشش عليها بلا شغل بلا بهدله بلا قله قيمه"" لكن زاهيه لاتقبل دروس امها ولن تعيها ولن تعيشها ، بتوحش وقلة ادب تصرخ فيها """ والراجل ده حالاقيه فين ان شاءالله ، هنا في المزبله دي اللي احنا عايشين فيها ، راجل معفن زي اللي جوزتيهم لبناتك يضربها ويركبها والصبح يسيب لها عشره جنيه ويقول لها عايز اكل لحمه وبامية !!!"" بغضب ووحشيه تهين امها وحياتها القاسيه وتسب شقيقاتها وازواجهن الفقراء وتصمم علي مافي رأسها ، ستخرج للعمل وتبحث وسط الزحام عن رجل ثري يشتري جمالها بعمره ويمنحها روحه وقلبه وكل ماحلمت به وتمنته طيلة حياتها  ""حاروح اعيش في المستشفي واشتغل ليل نهار وانا ونصيبي بقي"" وتعطي الام ظهرها لاتكترث بدموعها ولا لعناتها التي تلاحقها لانها جلابه فضايح ولا خوفها عليها ، لاتكترث باي شيء الا حلمها الذي لن تقبل ابدا تتنازل عنه و..... الايام بيني وبينكم وبكره تقولوا ....
هل تلبس جني شرير جسد زاهية واسر روحها وافسد حياتها ؟؟؟
من قال ان حياتها فسدت ، ولما لانقول ان الجني طيب واصلح حياتها وانتشلها من الهم والفقر لعالم جميل تستحقه ، لما لا نقول ان الثمن الذي دفعته لتعبر من العالم الاسود للعالم المخملي ثمن قليل مقابل ماجنته في النهايه من مكاسب وغنائم وهناء !!!
زاهية .... جميلة الجميلات وست الحسن كما كان يحلو لاسماعيل يناديها وهو يدللها في حضنه ويجلسها علي ركبتيه ويعبث في شعرها الناعم ويدفن انفه في رقبتها ويكاد من شده غرامه وحبه يمتص دمائها ، يرتشفها بهوس ، فتلك الجميلة المثيرة اللعوب ، ملكه وعبدته وجسدها المغري ساحة انتصاراته وفرحته ، هي جميلة الجميلات ولا فرجينيا ، وهو ابو السباع ولا الخديوي اسماعيل و................ هل ستنتهي الحدوته في تبات ونبات بعدما انجبوا الصبيان والبنات ؟؟؟
وهل مثل زاهية الممرضة الجميلة وقتما تتزوج اسماعيل الحيلة ابن ام مريم الذي هام بها وجن بحبها وعشقها وعبدها ، تنتهي القصة ويعيشا كمثل الملايين في المدينة المزدحمة ، هل مثل تلك الزيجه تنهي الرواية بالتبات والنبات ام تكون مبتداها ومنتهاها ... هذا ماتكشف عنه الايام والحواديت والصفحات الكثر !!!!

( 7 )
عيون حمراء

يحدق في الفراش الحديدي ويهمس لنفسه ، حتموت الليلة ، نعم يعرف انها تموت ، لايطمئن لكلام الاطباء ولا ابتساماتهم الباردة ولا كلمات الطمأنينة الكاذبه التي يرددوها علي سمعه ، ان شاءالله خير ، كله خير لكن هي فيها ايه ؟؟ سؤال بسيط لايعنيه ، يتمني يسألهم حتخف امتي؟؟ يشرحوا له مافيها وان ضغطها عالي وقلبها وهن و......... يسمعوه مالايرغب في سماعه ويتجاهلوا مايتمناه ، حتخف قريب ؟؟ سؤال يساله واجابه يتمناها ، بخلوا عليه بالاجابة والطمأنينة ، فقط زاهيه التي قالتها لها ، اتطمن يااستاذ الحاجه حتبقي بخير وعلي الصبح تروح معاك ، فقط زاهية الكاذبه التي طمأنته ، فكره الاطباء و احبها ، من بقك لباب السما لكن باب السما الموصد لم يستجب لدعوتها وماتت امه وبسرعه قبلما يطلع النهار!!!
انها ليلة طويلة ، ليلة طويلة غيرت حياته للابد ... اتصلت به شقيقته في منتصف الليل وهو في  القهوة مع اصدقاءه ، شاهد اسمها علي تليفونه المحمول فارتعد ، الو ، صرخت ،لم ينتظر اكثر من صرختها ليجري ،  ولم يحاول فهم كلماتها الممضوغه بالدموع المتحشرجة ، قذف التليفون بعيدا وهرع وجل صوب منزله ، يعرف معني تلك الصرخه التي ذبحت حنجرة اخته ، امه الحاجة ست الحبايب فيها حاجه ، يركض صوب المنزل وهو يطمئن نفسه انها " حاجه بسيطة " ويدعو ربه يستر ، يركض و عقله المتمرد لايسكن للطمأنينة الزائفة التي يبثها في روحه املا يتمسك به ولايملك له بديلا الا الوحشه واليتم المخيفين ، دخل البيت مرعوبا ، باب البيت المفتوح وزحمة النساء الباكيات حول امه ، اكدوا له شكوكه ، صرخ فيهن ، وسعوا ، اطاعوه دون جدال ، لطم اخته الباكيه علي وجهها متسائلا ، مااتصلتيش من بدري ليه و ماجبتيش الاسعاف ليه و............... سرعان مادوي صوت سارينه السيارة في الحارة الضيقة ، وقفت تناديه بصراخها علي رأس الشارع بعيدا عن الحارة الضيقة التي اضيئت فجأ بانوار شاحبه زرقاء كمثل الحزن الموجع ، حمل امه علي كتفه وجري وخلفه اخته وبقية النسوة ، صوت انفاسها البطيء وقطرات العرق البارد التي اغرقت كتفه وشحوبها الاصفر ، كل هذا اكد له انها سترحل وتتركه ، دموعه تتحجر في مقلتيه فلايجد حزنا يبكي به امه التي يحبها ، يتمني لو يبكي مثل النسوة ويصرخ من اعماق قلبه ملتاعا مثلهن ، لكن دموعه تأبي وتتحجر ، يلقي بامه في سياره الاسعاف ويقفز بجوارها ، يغلق باب السياره علي وجه اخته الباكي وهي تصرخ فيه ، خدني معاك يااسماعيل ، لكنه لايستجيب لرجاءها ويأمر السائق بسرعه يااسطي ، وتجري السيارة بعيدا عن الحارة صوب المستشفي التي ستموت فيها امه...
ماتت امه بعدما استقرت علي فراشها البارد في العنبر الكبير ساعات طويلة وهو بجوارها يمسك يديها ويدعوا لها بالشفاء وطيله العمر واوعي تمشي وتسبيني يامه لسه بدري ، صوتها الوهن يخرج بمشقه من جسدها الضعيف ، خلي بالك علي نفسك يااسماعيل وخلي بالك من اختك ، دي مالهاش غيرك ، يتمني يصرخ فيها ، ماتقوليش كده البركه فيكي ياامه ، لكنه لايجد كلمات ليقولها ، يدعو لها متمنيا بركه النبي تحل وان ينقذها الاطباء بادويتهم الكثيرة ومحاليلهم التي اخترقت عروقها وابتسامتهم البارده لكن اوان رحيلها ازف فلم يُقبل دعاءه وخذلته ورحلت ..
خط ابيض طويل رسمه موتها علي الشاشه الموصلة بجسدها ، صفير موحش انبعث من الجهاز وكأنه ينعيها ، قلبها كف عن النبض ورحلت الروح بسرعه فارة من العنبر الابيض الشاحب وتأوهات المريضات ونحيب ابنتها وجاراتها الحبيبات ، صرخت اخته وشقت عبائتها حزنا علي امها ، لطمها علي وجهها غضبا لانها فضحته وايقظت المريضات وجمعت حولهم الفضوليين و جرأت الاطباء ليصرخوا فيهم ويتشاجروا معهم ، لطمها علي وجهها فخرست ووعدت الاطباء بالصمت وبقيت بجوار جثه امها تنتفض وهي تتمتم بكل الايات التي تحفظها تدعوا لها بقصر في الجنه ورحمه ربنا ومغفرته و....ياحبيبتي يااامة ...

( 8 )
تفاحة حمراء

زاهية ، ادركت جمالها وقتما عاكسها شباب الحارة والحي كله ، وحين نهرتها مدرسه العربي لانها مايصة بتتكلم بالعين والحاجب وبتجري الشبان وراها ، وحين سال لعاب مدرس الرياضيات عليها واحسته مرتبك متوتر وهو يعطيها الدرس الخصوصي علي سطوح منزلهم وهي في الاعدادية يتقرب من جسدها بحركات غريبه وتتقافز حبات العرق فوق جبينه كلما نظر اليها ..
كانت تلميذه فاشلة ، ومن قال ان الجميلات يصلحن لحفظ القصائد ورسم الخرائط وحل المسائل الصعبة وحفظ معاني الكلمات الاعجمية ، كانت تلميذه فاشلة تؤمن ان مصيرها للزواج برجل يقدر جمالها فيأتيها بالدنيا تحت قدميها لتستمع بنعيمها كما يليق بالجميلات ..
دخلت مدرسه التمريض وحلمت تتزوج طبيب ابن عيلة يقع في غرامها ويتمناها رغم كل الفوارق بينهما ، لكن الاطباء تحاشوها لسمعتها المريبة في المستشفي ، الكل يتمني وصلها ويتقول عليها بكلام جارح وقتما تصده باعتبارها صايعه وضايعه ومش بتاعت جواز ، هي تصد من يقترب منها بحدة وبجاحه ، جميعهم ادني من احلامها التي تليق بست الحسن والجمال كما يناديها ابيها ، وايش تكون انت ياصعلوك علشان تتجوز ست الحسن والجمال ، لسان حالها والمعني الذي يصل المعجب الولهان الذي يقترب منها ، تزوجت البنات الاصغر والاكبر وبقيت زاهية تنتظر فرصة تمنحها لها الدنيا ، فرصة تليق بها وبجمالها ، لكن سيرتها المشينة التي تلوكها الالسن في الحارة ابعدت عنها الخطاب وجرأت عليها المعجبين  يغازلوها نعم لكن احد لايفكر يطرق باب ابيها ويطلب يدها ، ومن هو الهمام الذي يقوي علي كبح جماح المهرة الهائجه ويكفيها فتكف عنه شرها واذاها ونظرات المعجبين وكلمات غزلهم المفضوح ؟؟؟
وتمر عليها ايام الانتظار للعدل والنصيب وهي تزداد جمالا وانوثة واغراء ودلال ، لكن صاحب النصيب لم يطرق باب ابيها بعد ................. ومازالت قلتها فارغة والماء قريب !!! تفاحة حمراء تنتظر صاحب النصيب الذي ستدخله جنتها ونعيمها !! ومازالت تنتظر !!!

( 9 )
عيون حمراء

غادر اسماعيل عنبر المستشفي  مسرعا وكأنه سيجهز الاجراءات لجنازتها ، وتواري وحيدا في طرقه مظلمه ساكنه يبكي ، يتمتم بصوت اخرس ، ياحبيبتي ياامه ، فجأ اجتاحته الحمي وباغته الحزن ، انقطع جدره من الارض وصار كالهدهد اليتيم الذي طالما قصت عليه امه حكايته وهي تهدهده لينام ، انقطع جدره من الارض وصار كالريشه الضعيفة في مهب الريح ، يبكي وحيدا فلايليق به ان يري الغرباء وبالذات جاراتهم دموعه ، صوت امه يدوي في اذنه ، الراجل اللي يعيط مايبقاش راجل ، يمسح دموعه ويفرك في عينيه الحمراويين ويشد ضهره ويرسم القسوه علي ملامحه وكأنه لايكترث بموتها لانه راجل من ضهر راجل ، يرتجف حزينا ، من حقه يحزن علي امه وتفيض دموعه وجعا ، يكتم الدموع فتسخن رأسه وكأنها ستنفجر ، يرطمها في الحائط بقوة مره اثنين مرات متتالية وكأنه يتمناها تتكسر فيلحق بامه ، لايشعر الا باصابع دافئة تربت علي كتفه ، زاهية ، كلنا لها  ربنا يجعله اخر الاحزان، البركه فيك يااخويا ، هذا ماقالته له وكلام كثير اخر لايذكره ، لمسات اناملها علي كتفه طيبت اوجاعه وهونت احزانه ، كأن ربه ارسلها له لحظه الحزن لتشاركه الوجع وتهدء روعه فيسكن اليها ، من انتي ياملاك الرحمة ومن اين اتيتي ، لم تمرضي امي ولم اراك وسط زميلاتك في العنبر الكبير تتشاجرن مع المريضات واسرهن ، من اين اتيتي ، لم يسألها الا عن اسمها ، اسم ست الحسن ايه ، زاهية ، ياوقعتك السوده يااسماعيل ، وكأن صوتها انشوطه علقت رقبته في حبالها ، وكأن احرف اسمها انصال مزقت نياط قلبه ومقاومته للنساء واوقعته في غرامها وحبها وشركها و.............. تمني لو بكي في حضنها حزنا علي امه ، لكن حضنها خلق للحب والغرام والفرحة ، تعيش الاسامي ياست زاهية ، ربتت علي كتفه ثانية فارتعش بدنه وارتجفت روحه ، مال هذه الملاك ومالي ، وكأن لمساتها بلسم لاوجاع روحي وكأنها هبطت من السماء لتهون علي لحظه حزني ، البركه فيك يااخويا ، اسماعيل ، عاشت الاسامي ، همست فارتجف قلبه ، لو بقي بجوارها لنسي امه وحزنه والمأتم والمعزين، لو بقي بجوارها لاعلنها حبه وهي الغريبه التي لايعرف عنها الا اسمها ، لو بقي جوارها لنسي العالم كله ، عرف اسماعيل ماوقع فيه ، سيعود لامه وجثمانها والغسل والمقبرة وحين تنقضي ايام الحزن وحداده ، سيعود لها ليفهم كيف سبته واسرته مثلما فعلت ... مازالت تربت علي كتفه وظهره ومازالت الكهرباء تسري في اعصابه ومازال عاجزا عن الحركه بعيدا عنها و.... وهنت مقاومته وانهمرت دموعه شلالا و...........ارتبكت فارتبك و...كتر خيرك ياست زاهية ومزقه الاحساسين النقيضين مابين حزنه الجارف علي امه وغرامه لصاحبة الانامل الحريرية ، زاهية !!!
قابلها صدفه في المستشفي ، لايعرف بالضبط متي قابلها ولا كيف قابلها ، يقف في الممر الطويل الخالي يبحث عن طبيب ينقذ امه قبلما تموت ، نعم امه تموت وهو يتمني عاجزا يبعد ملاك الموت باجنحته السوداء عن ايامها ، شاهدها وسط حيرته وارتباكه ، انثي جميلة ترتدي ثوب ملائكه الرحمة بشفتين مثيرتين يزيد اغوائهما طلاء شفاه احمر ساطع ، سألها ، لو سمحتي ياابلة الاقي دكتور فين ، اشارت له علي غرفه بعيده ، بيكشف علي حاله وجاي علي طول ، يتمني يصدقها ويأتيه الطبيب بسرعة لينقذ امه ، ايوه امتي يعني ، حيجي حالا ماتقلقش ، وتركته وانصرفت وغابت وتأخر الطبيب اكثر مما تحتمل امه وقلبها العليل ، فماتت !!!
تصورها ملاك ارسله ربه ليهون عليه ساعة حيرته في البدايه وساعات حزنه في النهاية ، اختفت من الممر امامه لتظهر ثانيه وتربت علي كتفه وقته دموعه ، تصورها ملاك ورحل مع امه وجثمانها ، لكنه بعد شهرين عاد للمستشفي ليشكرها ، وقتما وقف في نفس الممر حائرا يبحث عنها ، اتته وكأنهما علي ميعاد و................. لاشكر علي واجب يااااااااااااااا ، اسم الكريم ايه ، اسماعيل ياست زاهيه ، عاشت الاسامي ياخويا.............. همس مرتبكا .. الله يسلمك !!! !!!

( 10 )
العين الحمراء

انتظرها امام باب المستشفي طويلا حتي غابت الشمس واضاءت مصابيح الشارع المزدحم ، شعث الشعر احمر العينين غاضب وكأنه قنبلة نزع فتيلها تبحث عن ضحيتها لتنفجر ، يرتعد وكأن البرد يطحن عظامه ويصكصك اسنانه والجو حار مكتوم ورطوبة اغسطس تخنق الانفاس ، يراقب باب المستشفي بكل حواسه ، يخاف تفر منه تحت بصره هذه المره ايضا ، يتصل بها لاتجيبه ، يرسل لها الرسائل لاتفتحها ، يمر امام بيتها عله يلمح خيالها في شباك حجرتها الموصد لاتفتحه ، يكاد يجن ، بل جن فعلا ، افقده الشوق عقله ، لاينام ولا يذهب للقهوة لايأكل ولايذهب لعمله ولا يسمع صراخ مريم وهي تمزق شعرها وتقبض علي ذراعيه وتهز جذعه الهش وتحذره من الجنية بنت الحرام اللي سبته واللي حرمت عليه النوم والزاد واللي مالهاش حل غير الشيخ بركة يقرا علي المية وعلي راسه ايات محكمات ويشرب الميه في اوضه ضلمه ويتكن في روحه لغايه مايطلع عفريتها من قلبه ، يحدق في مريم ساخرا من جنونها وعينيها اللي بتطق شرار ويحلم بزاهيه ويتمناها تسبيه اكثر واكثر ويلعن ابو الدجال واعماله السفليه اللي بتفرق الحبيب عن حبيبه واسماعيل عن زاهية و................هو اللي خلقها ماخلقش غيرها يااسماعيل ، تساله مريم غاضبه ، يهز رأسه يوافقها ، ادي انت قلتي بنفسك اهو ، اللي خلقها ماخلقش غيرها ولا فيه زيها ولا اختها والحريم كوم وهي كوم لوحدها بيهم كلهم ، تحدق فيه لاتصدق ماتسمعه منه ، واخرتها يااسماعيل ، سنتين في السواد ده لاشغل ولا عيشه ، اخرتها ايه ، مالهاش اخر غير املكها زي ماملكتني واستتها وتبقي جماعتي وابقي راجلها ، ده اخرها واولها ، ده انا سمعت انها اتخطبت يااسماعيل ، همست مريم خائفه مما تقوله ، انتفض ، محصلش ومش حيحصل ، عمرها ماتكون لحد تاني غيري ، انا نصيبها الاسود وهي حظي ، لو راجل تاني شاف طرف جلبيتها ، اموته واموتها ونخلص ، تبقي دي اخرتها يامريم ، تبقي دي اخرتها ، لاتصدق مريم ماتسمعه من اخيها ، انت شارب حاجه يااسماعيل ، ضحك ساخرا منها ، بحبها يامريم بحبها وبس ، مافيش حاجه تانيه ، ليه مش راضيه تصدقي ، اخوكي عاشق القمر والقمر بعيد ومسيري اوصل له ، دي اول الحكايه واخرها ، ويحدق في السقف صامتا ، تهمس مريم ، وانت الصادق دي اول الحكايه لكن اخرتها سوده يااسماعيل سوده ، مافيش مرة سبت راجل كده الا وكانت اخرته سوده !!!! يبتسم ويصمت ، تبكي وتصمت !!!!
ومازال واقفا امام المستشفي ، ينتظر خروجها ، اخر ماهداه اليه تفكيره وشوقه ، سينتظرها امام المستشفي ، سيباغتها ، سينقض عليها ويقبض علي ذراعها ، سيضربها ويكسر عظامها ، سيتوسل اليها ترحمه وقلبه ، سيعلم علي وجهها بالمطواة الصغيرة ويشوه جمالها ويكسر نفسها وروحها وكل قوي فيه اللي اقوي منه ، سيؤكد لها انها ليه مهما هربت وانه ليها مهما بعدت وكل اول له اخر ، ينتظرها غاضبا لانها اغلقت في وجهه ابواب الرحمه ، شهرين يتلظي بغيابها ويحترق ببعدها بعدما افهمته ، انه لاتحبه ولن تحبه وانت من سكه ياابن الناس وانا من سكه ، سنه يكلمها في التليفون ، يطلب منها الرضا لكنها لاترضي ولن ترضي ، انا مهري غالي وانا جاهز ، انت مش جاهز ولا حتجهز عمرك ، انت عايز توكسني ، اتجوزك بالسلف والدين وتقولي وفري ودبري وتقولي عيشي علي قدي وتقولي استحمليني ، يقسم لها برحمه امه انه لن يفعل وانه هيهنيها ويستتها ويجيب لها لبن العصفور وجربيني ، اديني الامان وشوفي حاعمل لك ايه ، تسخر منه وتختفي وتختفي حتي يكاد يجن ، سألتها صديقتها ، واخرتها معاكي والجدع ده ، ضحكت ، مالهاش اخر ، بيحبني زي المجانين ، الحق مش لوحده ، ومش راضي يحل عني ، ماوعدتوش بحاجه ، لاهو منه توبي ولا يليق لي ، ولاعمره يحقق احلامي ، ده زي اجواز اخواتي موكوس ، حيعيشني بالدين والجمعية ، طيب ماتقفلي الباب في وشه ، ضحكت زاهيه واقفله ليه ، اديه بيسليني ، ووقت الجد ولما النصيب يجيي مش حيلاقيني وحيلم نفسه ويغور !!!
لكن اسماعيل لايلم نفسه ولايغور ، وكلما بعدت عنه زاد حبه وكلما صدته فاض شوقه وصمم اكثر واكثر علي النيل بها وانت ست الحسن والجمال وانا الشاطر حسن وكل فوله وليها كيال وانا اللي افهم قيمتك واعزك واشيلك علي راسي وجربيني !!!
وتشاغل زاهيه الطبيب المنقول حديثا للمستشفي وترمي شباكه عليه وتتصوره سيقع فيها وتصبح حرم الدكتور ، لكن الاطباء زملاءه يحذروه منها ويشرحوا لها انها لعوب متسلقة وانها تبحث عن فريسه لتقع في شباكها وانها في الاول وفي الاخر حيالله ممرضه وانه طبيب وابن ناس والطينه غير العجينة ، ويصدها وينهرها بقسوة امام زميلاتها وتدرك انها لن تفلح في اصطياده وتبحث عن غيره يحقق احلامها ولاتجده ، فقط اسماعيل يطاردها حتي كادت تصدق انه نصيبها الاسود وان اخر البغددة اسماعيل السواق !!!
لاتقبل حظها ولا نصيبها ولا تفتح امامه الابواب الموصده وتتجاهله وتختفي عله ينساها وعلها تفك نحسه وتجد من يحقق احلامها البعيده وينتشلها من ميدان الجيزه وقرفه ومن المستشفي ومرضاها وينقلها للعالم الذي تستحقه ، تتجاهله فيجن جنونه ، يتصل بها لاترد عليه فيتصل بها الف مره ولايكف تليفونها عن الرنين باسمه وكأنه يصرخ ويستجير ، ترد عليه وتفهمه بالمحسوس مره وبالعنف الف مره انه يحل عن سماها وانها مش بتحبه ومش حتحبه وانها مش حتتجوز الا اللي تحبه ، يسمعها صامتا وقبلما تنهي المكالمه وهي تنفخ في اذنه انفاسها يأسا ، يتحداها ، احبك وحاحبك ، وانت لي وانا ليكي واتبغددي براحتك وفي الاخر مافيش غيري واللي حيقرب منك حاموته ، اتفقنا ياست الحسن والجمال وتغلق الخط في وجهه وتضحك ساخره لاتصدق جنونه ، لكنه يسعدها ، مختلف هو ، اسماعيل مختلف ، لم يطاردها يوما ويمل ، ولم تتجاهله فيخضع لرغبتها بل يفرض نفسه عليه ويطاردها ويحبها ويهددها و............... برضه مش حاتجوزك ، تقولها وتضحك وهي سعيده بمطاردته وحبه وجنونه !!!

نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني


هناك تعليقان (2):

Emad Khalaf يقول...

كالعادة استاذة أميرة دائما تطوفين بنا بجمال نصوصك التي تضيء لنا الطريق وتفتح لنا أبواب الحياة ــ الحياة التي تدخلينها من الأبواب الخلفية ــــ لديك قدرة رائعة علي التوفيق بين مستوي الفكرة وأن كانت معتادة ومتكررة في كثير من النصوص القديمة والحديثة وبين الحدث والوصف واللغة المنتقاة والطواف اللغوي والقدرة الرائعة علي المزج بين العامية والفصحي والربط الرائع بين ما حدث في 25 من يناير حينما تم أقتحام السجون وهروب المساجين ــ ليظل السؤال باقيا حتي هذه اللحظة من أقتحم السجون ؟ ـــ تغتالين شخوصك وأبطالك داخل النص واحدا وراء الأخر ـــ كما لو أن مصائرهم متشابهة ولا فكاك منها ـ في البدء كانت زاهية ــ البنت الشقية الدلوعة اللي يمشوا وراها الرجاله ـ وفي النهاية حكمت المحكمه وبعد موافقه مفتي الديار المصرية حضوريا علي المتهم اسماعيل عبد المنعم السوهاجي بالاعدام شنقا ــ هكذا كانت النهاية وبينهما تفاصيل كثيرة ـــ تأتينا الصدمة من خلال عنوان النص ــ بعض الأحمر ليس كبعضه ــ مرورا بالليالي الحمراء وصولا الي أرتداء البدلة الحمرا ــ وكأنك تحددين نهايتهم المريرة من خلال العنوان الذي جاء معبرا وصادما في نهاية النص ــ تطرحين الأسئلة وتجاوبين عليها من خلال السرد الرائع والمتميز للنص ــ تتركين المجال لاكتشاف كل الشخوص واحدا وراء الأخر حتي مريم الأخت التي رفضت من البداية هذا الزواج المعروف نهايته قبل بدايته ــ لكنه العشق ــ فعل كل شيء من أجل أن يحظي بزاهية البنت الفاتنة ــ استلف ــ ليجد نفسه في السجن يقضي عقوبة السنتين ـــ والعشق واللي يعشق يستاهل كل اللي يجرا له ــ هذه الحقيقة لكن لا أحد يتعلم ولا أحد يريد أن يعرف ــ وكأنه كأس لابد أن يلف علي كل الناس ـ كانت زاهية تريد أن تعيش وأن ترحم من الذل ومن الفكاك من طبقتها الفقيرة ــ المعدمة وأحلامها المهملة وكعادتك أستاذة أميرة تغتالين كل من يحاول الخروج خارجها ــ كل أبطالك يسقطون فتلي أو مرضي أو خائبين أو مجانين ــ ما أروع نصوصك أستاذة أميرة دمت لنا كاتبة متميزة تضيء لنا الطريق

Emad Khalaf يقول...

كالعادة استاذة أميرة دائما تطوفين بنا بجمال نصوصك التي تضيء لنا الطريق وتفتح لنا أبواب الحياة ــ الحياة التي تدخلينها من الأبواب الخلفية ــــ لديك قدرة رائعة علي التوفيق بين مستوي الفكرة وأن كانت معتادة ومتكررة في كثير من النصوص القديمة والحديثة وبين الحدث والوصف واللغة المنتقاة والطواف اللغوي والقدرة الرائعة علي المزج بين العامية والفصحي والربط الرائع بين ما حدث في 25 من يناير حينما تم أقتحام السجون وهروب المساجين ــ ليظل السؤال باقيا حتي هذه اللحظة من أقتحم السجون ؟ ـــ تغتالين شخوصك وأبطالك داخل النص واحدا وراء الأخر ـــ كما لو أن مصائرهم متشابهة ولا فكاك منها ـ في البدء كانت زاهية ــ البنت الشقية الدلوعة اللي يمشوا وراها الرجاله ـ وفي النهاية حكمت المحكمه وبعد موافقه مفتي الديار المصرية حضوريا علي المتهم اسماعيل عبد المنعم السوهاجي بالاعدام شنقا ــ هكذا كانت النهاية وبينهما تفاصيل كثيرة ـــ تأتينا الصدمة من خلال عنوان النص ــ بعض الأحمر ليس كبعضه ــ مرورا بالليالي الحمراء وصولا الي أرتداء البدلة الحمرا ــ وكأنك تحددين نهايتهم المريرة من خلال العنوان الذي جاء معبرا وصادما في نهاية النص ــ تطرحين الأسئلة وتجاوبين عليها من خلال السرد الرائع والمتميز للنص ــ تتركين المجال لاكتشاف كل الشخوص واحدا وراء الأخر حتي مريم الأخت التي رفضت من البداية هذا الزواج المعروف نهايته قبل بدايته ــ لكنه العشق ــ فعل كل شيء من أجل أن يحظي بزاهية البنت الفاتنة ــ استلف ــ ليجد نفسه في السجن يقضي عقوبة السنتين ـــ والعشق واللي يعشق يستاهل كل اللي يجرا له ــ هذه الحقيقة لكن لا أحد يتعلم ولا أحد يريد أن يعرف ــ وكأنه كأس لابد أن يلف علي كل الناس ـ كانت زاهية تريد أن تعيش وأن ترحم من الذل ومن الفكاك من طبقتها الفقيرة ــ المعدمة وأحلامها المهملة وكعادتك أستاذة أميرة تغتالين كل من يحاول الخروج خارجها ــ كل أبطالك يسقطون فتلي أو مرضي أو خائبين أو مجانين ــ ما أروع نصوصك أستاذة أميرة دمت لنا كاتبة متميزة تضيء لنا الطريق