مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 24 أغسطس، 2013

امنيات مستحيلة علي الجدار المتهاوي .. الجزء الثالث

امنيات مستحيلة علي الجدار المتهاوي

الجزء الثالث  




( 16 )

اللي خلف مامتش

تستعيد في ذاكرتها المتعبة وهي علي الكنبة في الشرفة حياته وكيف عاشها ، بقي وحيدا سنوات طويله ومازال وحيدا ، الاخوه يتوظفون ، ويتزوجون ، يرقص ويحطب وينقط ويفرح ليهم كلهم ، ويبقي هو وحيدا متوحدا لاعروسه يخطبها ولا فتاه يشاغلها ولا بنت يحط عينه عليها ، او هكذا تتصور !!!
صبورة ، هي صبورة ، واللي رايده ربنا يكون واللي مكتوب علي الجبين تشوفه العين ، يرفض الوظائف ويرفض الارتباط ويخرج عامدا بكل تمرد علي كل الاطر التي اعتادت عليها وسلو بلدهم ..
انتظرت وانتظرت ، انتظرته يسعد قلبها ، لكن قلبه موصد ، احيان تلحظ عليه بعض العلامات تنبئها ان ليالي الفرح قادمه ومسيره يكبر ويحط عقله في راسه ، لكنه يبدد احلامها دائما ، فهو يكبر والايام تمر والسنوات ايضا واولاد اخوته يكبرون والبنات تتزوج وتخلف والرجاله تشتغل وتترقي وهو علي حاله لن يتوظف ولن يتزوج ولن يكون مثل ابيه ولن يسير علي سلو البلد اللي خرجوا منها للعاصمه التي تعيش بلا سلو !!!
احيانا يدخل لها المطبخ وهي تعد له الطعام ، وكأنه سيساعدها ، تنهره برقه لاده شغل الرجاله ولا انت تفهم فيه ، ياتطلع بره ياتستني ساكت ، يقف معها ، يبتسم وتبتسم ، يتحدثا كثيرا وكأن ابوه الاستاذ عاد للحياه وكأنها عادت عروس صبيه وكأن الايام التي كانت عادت ، انت عارف ياباسل ، انت اكتر واحد من ولادي يشبه ابوه ، تؤكد عليه انت زي ابوك فعلا وعلي راي المثل اللي خلف مامتش ، بادب ورقه يوضح لها ، لا انا زيه ولاحاكون ، اللي خلف مامتش وفضل حسه في الدنيا ،كأنها تقول له لماذا لاتتزوج ولماذا لاتنجب ، كأنها خائفه عليه من جموحه وسجرته التي لن تمد جدرها في الارض وترفع فروعها العفيه للسماء ، يبتسم برقه اكثر وهو يحبها ويفهم خوفها عليه ، ياام باسل ، انا اشبهه فعلا ، بس لازيه ولاحاكون ، انا حاجه وهو حاجه ، وايامنا حاجه وايامكم حاجه و..............خلصتي ولا لسه ، جعان قوي ، تضحك ، يهرب من رسائلها وكأنه لم يستقبلها وكأنه لم يفهم ماتقوله ، مراوغ بارع ذكي شاطر ، لكنه النصيب بقي ، يشوف اللي مكتوب علي جبينه ونشوفه كلنا معاه !!!
اللي خلف مامتش ومابيموتش ويفضل حسه في الدنيا ، يدور كلماتها في عقله ويستوعب علي مهل معانيها ورسائلها ، ابنه اصيله لحضارة الخلود ، ابنه اصيله للمعبد وآلهته العظماء ، الخلود ، الخلود لايحتاج اولادا يحملوا الاسم ويمدوا الجدر ويرفعوا الرايات ياام باسل ، الخلود هو ان تبقي انت حيا ، تبقي مثلما بقي الملوك العظماء سيرهم اعمالهم تبقي خالده لاتمحي من علي وجه الدنيا ، ده الخلود ياامه ، انما العيال والاسم والعيله دول زينه الحياه الدنيا وانا لاافكر في الحياه الدنيا وزينتها وفقط ، اتمني الخلود باسمي بروحي باحرفي بكلماتي بوجودي وسط كل الخالدين الذين عجزت الدنيا وكل بطشها عن محو اسمائهم من فوق جدران المعابد واضابير التاريخ ، اللي خلف مامتش ياامه ، لكن اتربط من رقبته يجري ورا كوم اللحم اللي خلفهم ، يسافر ويتغرب ويروح ويجيي ويأكل ويجوز ويفكر فيهم وهو عايش وحالهم بعد مايموت ، اللي خلف نسي نفسه وفكر في كوم اللحم وحاله وشال همهم ونسي همه ونفسه ، مش حاكون زيه ياام باسل ولاحانسي نفسي ولا حاسمح للدنيا تربطني من رقبتي وتدور بيا في الساقيه ، حاكون نفسي ولما اموت عايز الناس تقول الله يرحمه يستحق الرحمه ويستحق نفتكره مش يقولوا البركه في ولاده عاش وربي وساب من وراه رجاله شايلين اسمه ، عايز اشيل انا اسمي ياام باسل عايش وميت !!! 
يهمس لروحها وكأنها تسمعه ، سأجد ذات يوم معبد شامخ انقش علي جدرانه وجودي فان مت لاامحي من الذاكره بل ابقي خالدا ككل الملوك والالهه العظماء !!!
تراقب جموحه تمرده علي سلو بلدهم وتنتظر ربنا يهديه ، وطالت ايام انتظارها وطالت ، يخرج من البيت يحمل اوراقه وكتبه واقلامه الانيقة وينبه عليها برقه ، اتطمني علي ، لو اتأخرت انا برضه كويس ، لو جرا لي حاجه انت اول واحده حتعرفي ، ويخرج ولايعود وتبقي تدعو له بالسلامه والفأر الصغير ينهش في قلبها ، ويغيب خارج البيت يوما والثاني والرابع وهي لاتنتظره ، كأنها لاتنتظره وهي تتلظي خوفا من قلقها عليه !!!
يغيب ويغيب ويعود مشرقا مبتسما محبا للحياة ، تعرف تلك النضارة ومعناها وتقلق تندهه النداهة وتسرقه فتيات مصر من حضنها والطينه غير العجينه وخد الاصيله تنام مرتاح والاصيله هي ابنة اخيها التي انتقتها له ، مال وجمال وعلم ادب ، شرحت له تغويه يتقدم لخطبه ابنة اخيها ، وربايه ايدينا وعلي كيفك وخرج بيت وامها ست الستات وشاطره واكفي القدره علي فمها تطلع البت لامها ، يبتسم ادبا ويصمت فتعرف رده ، وتتزوج الاصيله وغيرها من الاصيلات وهو مازال يخرج ويغيب ويعود ويرجع يبحث عن معبده !!! 


( 17 )

أستغربك، جدًا، بصراحة
وأنت تقود الرحلة مستعجلا
وليس سوي طريق واحدة

اليوم صار حرا ، هكذا تصور ، فتح باب الشقه الصغيرة التي استأجرها في المنيرة ، يحمل حقائبه وصناديق كتبه وباقه زهور بيضاء !! انها البدايه الجديده التي يتمناها لحياته ،تنفس الصعداء وكأنه اسيرا وتحرر ، وتمني لو يصرخ بصوت عالي يكسر زجاج الشقه ويشرخ الجدران فرحا باجنحته التي ستحلق به صوب الشمس واحلامه السعيده !!
يعلم ان امه حزينه لفراقه ، وحزنها يوجعه لكن ماباليد حيلة ياام باسل ..
اخرج كتبه ورصها علي الارفف الخشبيه في الصاله ورفع صوت الموسيقي وصرخ مع عبد الوهاب قل لمن لام في الهوى هكذا الحسن قد أمر ، إن عشقنا.. فعذرنا  أن في وجهنا نظر ، واتصل بعبلة لتأتي !!!
عبلة ، المهرة السمراء التي تصورت انها ستفلح فيما فشلت فيه كل النساء ، تصورت انها ستفلح تنزع الحجر المشحوذ بين ضلوعه وتعيده قلبا ينبض بحبها !!!
انا وصلت خلاص ، همس في التليفون ، همست ، بجد ، اه ، طيب مسافه السكه وحاكون عندك !!!
عبلة ، الشاعرة العربية الثرية التي فرت من الصحراء وجماعات الامر بالمعروف وسكنت القاهره حيث الحرية والبراح والجنون والابداع ، خلعت جلبابها وعباءتها وارتدت احدث الازياء الباريسيه كعادتها حين تطمئن بعيدا عن القبيلة وشيوخها ، اتت القاهره تبحث عن مجدا ادبيا ربما وعن الحرية اكيد ، اتت تبحث عن وجودها المطحون قهرا في المدن التي ادمنت القهر فادمنها ..
شاهدها باسل في امسيه شعر عربيه علي المسرح الصغير في الاوبرا ، قيل له انها اشترت منظم الامسيه بساعه ماسيه وانها اقنعته بمالها لتخالف نظام الامسيه وتلقي ثلاث قصائد  ، انصت باهتمام لشعرها وادرك بسرعه ان للمال سطوة ستفرضها علي الاوساط الادبيه حتي لو كانت عديمه الموهبه !!!
تعرف عليها في نفس الليله في حانه صغيرة في وسط البلد ، هناك انتقل بعض الشعراء وبعض الجمهور بعد انتهاء الامسيه ، تحلقوا في صخب حول منضده كبيرة واحتسوا البيرة البارده وبسرعه يضحكون بعبث وسخريه يسبون ويلعنون ساخطين لان الثقافه مازالت تباع وتشتري كالدواب في سوق الجمعه ولان الامسيات الثقافيه تؤجر مفروشة وبعض النقاد يبيعوا ضمائرهم للشكر والثناء ولان الموظفين يقتلون الابداع ويرتشون من عديمي الموهبه الاثرياء ويسوقوا لهم كلامهم التافه ومعانيهم التافهه وينشره ويمدجوا فيه حتي يصدقهم السذج والبلهاء ، البعض يسخر من الغاضبين لانهم مازالوا سذج وكيف لم يفهموا  ان تلك المواخير ورائحه عطنها ونجاستها تفوح منذ زمن بعيد ، يحتسوا البيرة ويصرخوا ويضحكوا وبعضهم يبكي فلا يواسيه احد ، جميعهم يحتاجوا المواساة ، بعضهم تقتله موهبته لانها لاتجد متنفسا يعبر عنها في نفس الوقت الذي يسطع الزائفون ويسطعون !!!
في تلك الليله والخمر يداعب رأسه ودموعه تنهال علي وجنتيه ويضحك ويسخر ويسب ويلعن ، يشعر ضياعا وقهرا ، قصائده لاتنشر وامسياته لايحضرها الا اصدقاءه ويعيش مع امه في منزلها يتحمل لومها وغضبها المكتوم والعالم كله مسدود في وجه ، في تلك اللحظه دخلت عبله للحانه ، دخلت للحانه وسط صخب كبير، حولها مريديها وعبيدها ومن اشترت اقلامهم باموالها ومن عشمتهم بالسفر وتأشيرات السفر ومن وعدتهم بالحب والغرام ، دخلت للحانه وكأنها نجمه ساطعه وكأنها صدقت تصفيق المنافقين من الجمهور المشتري باموالها ليملأ المسرح وقت القت قصائدها ، رمقها بنظره غاضبه لانها نموذج لكل مايسبوه ومايشتموه ومايقهرهم وما يطغي عليهم ، رمقها بنظره غاضبه لم تغفل عن وسطها الصغير ورقبتها الطويله وعينيها الكحيلتين الناعستين الفاجرتين ، رمقها بنظره غاضبه وقرر ينسي وجودها ، حتي حانتنا الفقيرة تغزوها ايتها الاميرة الثرية ، لم تتركي لنا مكان ، سرقت الامسيه والجمهور والان تلفي علي الحانه تغزوها بمالك ، وتتساقط دموعه وسط الظلام لايلاحظها رفاقه السكاري والمخمورين !!


( 18 )

ولكنني هنا
تحت الصخرة

تنصت لصوت انفاسه وهو يتعذب في غرفته وتبكي وهي الكنبه في صالة المنزل الموحش بغيابه وبعودته ..
علي فراشه يهذي ، والغربة التي انهاها امس وعاد لمنزله تطارده بسمها وهمها ووجعها ، مازال يهذي ، انت ميت ياباسل ، الحق اني استحق الموت ، لاني لم اكترث بالحياة ولم اكترث بزينب، الحياه غضبت مني وتركتني للوحشه والموت ، هي الحياه لكني اهدرتها فاستحق الموت ، استحق الموت لاني لم افلح انقش اسمي علي جدران المعبد ، تركت بعض الفراغ الذي سيكتب الاخرين فيه اسمائهم وفخرهم ، استحق الموت وهاانا مت ، يضحك ويضحك ، يضحك ويضحك ، يضحك صامتا اخرس ، يضحك بلاصوت بلا ملامح ، يضحك لانه يهذي ، لم يعد هناك متعه ولاتحليق ولاقنابل الوان تنفجر في روحه تحملها لبعيد ، كله زال ، زال ولم يبقي الا الهذيان ، مجنون انت ، كنت ومازلت ، مجنون تهذي ، تنادي كل النساء اللاتي وزعت عليهن بعض الفرحه ، تتمني واحدة منهن تحبك بحق فتكاشفها سرك وتطلب عونها ، لن تأتي اي واحده منهن ، انت اخترتهن للمتعه ، منحتهن بعض لياليك الحمراء وبعض جسدك وبعض شقاوتك وبراعتك ولمساتك المثيرة ، منحتهن بعض الكذب الطيب ، هل سيغفر لك ربك كذبك الطيب لانه اسعد النساء المشتاقات للحب المعذبات بالوحدة والتمني ، لم تنتقي واحدة منهن تمنحك بعض روحها ولا بعض البعض ، انت لم تمنح اي منهن روحك ولا جزء منها حتي زينب ...
باسل ، باسل ، فق يارجل ، انزل من فوق الجدران المعلق عليها ، ارفع راسك واعتدل ، امسك افكارك قبلما تفر منك مثلما دائما فعلات ، انت تهذي يارجل ، تهذي ، لست حي لتفكر وتختار وتندم وتصوب طريقك ، انت ميت والموتي لايختارون ولا يندمون ولا يبكون ، الموتي يدفنون لان اكرام الميت دفنه ، علهم يكرموك مره واحده ، ولو بدفنك بدلا من ترك معلق علي الجدران تنهشك القوارض ، انت ميت ياباسل ، ميت ، يصرخ داخل نفسه وهو يتلوي علي فراشه عله يفيق او يموت فعلا ، انت ميت !!
مازالت امه مستيقظه علي الكنبه تقٍرأ في المصحف وتدعو ، تبكي وتدعو ، تسترجع لحظات طفولته وكأنها تودعه فعلا ، وكان صوت هذيانه وصلها وتصورته سيموت او مات ، لكنها تدعو ربها الذين لن يعز عليها بانقاذه وهو القدير ، ومازالت تدعو وتدعو ....
مازال يتعارك مع بعضه وبعضه ، مازال يهذي ويصرخ ، انت ميت ياباسل ، ميت والنسوة لايلطمن الخدود علي ميت يهذي ، للموت حرمه انت افسدتها لانك مت وانت تهذي ، معلق علي الجدران من شعيرات انفك ، وتضحك ايضا ، و................. الاتعرف يارجل كيف تموت في هدوء ، الاتعرف تكف عن صخبك حتي وانت تموت ، صاخب صاخب كالعاده ،هل هو صخب الفراغ ، روحك فارغه فتدوي بصوت هذيانك ، هل صخب الوحده ، تصرخ لتقول انا هنا وانتبهوا لي ، كف عن الصخب يارجل ومت بهدوء !!!
مازال جسده يتنفض فوق الفراش ، شاحب عليل ، قطرات الماء البارد تنفجر من مسام جسده المسممه بالهيروين ، يهذي لاشك ، يتألم لاشك ، هل سينجو ؟؟ هل ستنجو ياباسل ، تنقذ نفسك وتنجو ؟؟ هل ستنقذك امك كما انقذتك دائما ، هل ستأخذ روحك للشجره تحممك بترياق حزنها يوم الجمعه ، فتشفي روحك من اوجاعها ويخرج السم من جسدك وتمنحك للمره المليون فرصه اخري لتعيش ولاتحرق قلبها ، استيقظ ياباسل استيقظ !!!
نائم مهزوم محموم مهموم شاحب يهذي ، فقط فكره واحده لاتغيب عن خياله وافكاره وروحه ، سيخبرها بما فعله في نفسه ويتمناها تنقذه من نفسه ومن جنونه وجموحه ، سيرجوها تنقذه ، وستنقذه !!!
الحقيني ياامه ، انهضيني ، خدي بايدي ، انتشليني ياامه ، ماتقسيش علي والحقيني ، وحياة حبايبك انهضيني ، وحياه سيدي عبد الرحيم القناوي انقذيني و................ يدعو ويرجو ويهذي ويتألم ، لكنه واثق انها ستنقذه !!!
علي الكنبه تبكي ودموعها المالحه تتساقط تنهمر فوق الاسطر والصفحات ، وتدعوا له ، النبي يارب وحياه حبيبك النبي تاخد بايده !!!
هي ستنقذه وربها سينقذه ................... الن تنقذ نفسك انت ياباسل ، يصرخ عالي مذبوح مقهور محبوس داخل حنجرته ، انقذ نفسك يارجل ، انقذ نفسك !!!!


( 19 )

ماينجدك غير أهلــــك .. ولاينفعك غير مالــــك
واحلف يمين بعد أمــك .. حبيب م النسا مابقا لك

المشهد الاول يتذكره جيدا ، وماذا عن المشهد الثاني الذي رسخ في ذاكرته ، نعم ، يري نفسه مبهورا بحدقتين مفتوحين وربما فك متهدل والاضواء الساطعه للمولد تشاغل عينيه وتسطع لحد يعجز عن النظر اليها ، اصوات الاهازيج تأتيه من بعيد ، من وسط الباحه الكبيرة ، انها نفس الاهازيج التي يرددها الاستاذ وقتما  يتسلطن " ويجلس في الشرفه البحريه قبل المغرب يراقب الشمس وهي تختفي بعيدا عن ناظريه وهو يشرب الشاي الثقيل ، المشهد الثاني الذي يتذكره هو واخوته فرحين يتقافزون امام امهم علي بعد خطوات من صخب البهجه يرجوها تسرع الخطي ليلحقوا المتعه وفرحة المولد قبلما ينفض وتعود المدينه لهدوءها المخيف وظلامها الموحش !!!
والمشهد الثالث الذي يتذكره !!! الان بالذات لايتذكره ، يفكر فقط في امه ، الست ام باسل ، تتوجع في فراشها وتنام اكثر مما تستيقظ ، هل سترحلي ياامي وتركينا مثل الكتاكيت الشارده وقتما هجم الثعلب علي الفرخه الحمراء وعقرها ، هل سنعود صغار يتامي والشيب يشعل كل رؤوسنا لان الفرخه الحمراء التي طالما حاجت علينا سيعقرها الثعلب ؟؟ قلق جدا وكيف لايكون ، اجمدي ياام باسل اجمدي ..
شدة وتفوت ، تطمئنه النسوة المتحلقات حولها وهن يدعين لها تقوم بالسلامه ، يتمني يصدقهن ، يتمني يصدق النسوة وهن يدعين لها بمنتهي الاخلاص ، شقيقاته وزوجات اشقاءه وحفيداتها الجميلات، هو فقط الذي لم يرسل لها امرأته تكبس قدميها وتجفف عرقها وتدعوا لها ، لم يمنحها ابنة تدعو لها ولم يمنحها ابنا يحمل نعشها بعد عمر طويل ..
ليه ياباسل بعد كل العمر ده لساك وحداني ، ليه ياضنايا لساك عشطان والميه سبيل ، كل شيء بميعاده ياامه ، وامتي ياابني الميعاد ، لسه ماجاش ، عايزه اشيل عيلك قبل مااموت ، طوله العمر ليكي ، طيب هم اصل العمر زي البير لما تنشف ميته يردموه ، الحقني وانا لسه فيه شويه حيل ، اشيل عيلك واعمل سبوعه واكحل عينيه وارقيه بالسبع بركات ، حاضر ياامه !!!
لكنه تأخر كثيرا وسنوات العمر مرت وهو ينقش اسمه فوق جدران المعبد ، تأخر كثيرا فمرت السنوات عليها اصعب واشقي ، وهاهي مرضت ، توجعت وتأوهت واخفت عنهم مرضها حتي سقطت في المطبخ وهي تكابر انها طيبه ، سقطت فصار مرضها حقيقه موجعه احسوها وانكروها ، سقطت مريضه وكأن ماء بيرها اوشكت تنضب وحنانها ايضا ، استني ياامه لما تشيلي عيلي وتكحليه وترقيه بالسبع بركات ، استني ياامه ، هل ستستجيب له وتنتظره ، ماكان العمر قصادك طويل ياباسل ، ليه ياابني دايما بتعدي من الشق الضيق والبراح قدامك ، ليه بتختار الصعب والسهل متاح ، عمر ماكان السهل ياامه سهل ، يهون عليك ربنا ، استني ياامه ، استني لما تشيلي عيلي وتكحليه وتدقي له الهون وتسميه علي اسم الاستاذ لاجل يتمد الجدر في الارض ، استني ياامه استني !!!


( 20 )

وهل يعنيه كثيرا
أن يميز الليمون
عن البنفسج الحر
ما دام سعيدا
هكذا؟

علي طرف فراشه تجلس تراقبه وهو يحتسي الشاي غاضبا من مكالمة التليفون التي هنأته بالجائزة ، تتركه غاضبا لانها تعرف ان كلامها لن يهدءه ..
ينصت لصمتها ، ستقول له كعادتها الكلام المفيد ، اسمع انت تستحق الجايزه والاحق بيها ، وهما مالهمش عندك حاجه ، تروح تاخد الجايزه وتسيبهم ينشروها بالعنوان اللي اختاروه ولايفرق ، كل اللي لازمك من الجايزه خبر ، انك فزت بالمركز الاول علشان ولاد الحرام اللي و.............. تصمت فيفهم ، اللي ظلموك وافتروا فيك يعرفوا ان ربنا عادل واداك علي قد نيتك ، لاتقول كل مادار في رأسها لكنه فهمه ، انت تستحق الجايزه وتاخدها من حنك السبع ، واللي ليه حق ويفوته لا راجل ولا من ضهر راجل ، تروح تاخد الجايزه والقصص ملكك والكتاب بتاعك وقت ماتحب تنشرها بالعنوان اللي اخترته انشرها تاني ، والبحر يحب الزياده ، هما ينشروها وانت تنشرها والف مبروك ياحبيبي الف الف مبروك ..
تاخذه في حضنها واثقه انه سيذهب لاستلام الجائزه وان صورته ستتصدر الصفحه الاولي للجريده وانها ستبكي وتترحم علي ابيه اللي كان نفسه يفرح بيه لكن الدنيا شحت عليه بالفرحه ، كانت واثقه من كل هذا ، استكان في حضنها يرجوها تنسي ، تربت علي كتفه ، لما انت تنسي انا انسي ، انا عمري ماحانسي لاني لازم انجح واثبت ليهم قد ايه كانوا غلطانين ، مازالت تربت علي كتفه ، انا عايزاك تنجح وبس ، الحق عايزاك تبقي مبسوط !!!!
وخرجت من الحجره وتركته يحدق في النافذه وظهره للعالم ، ساستلم الجائزه ولن ارتدي بذله انيقه ولن اصفف شعري يكفيهم فخرا اني فائزهم الاول ..
و........................... تصدرت صورته وهو علي خشبه المسرح يتسلم الجائزه من رئيس مجلس الاداره الصفحه الاولي من الجريدة التي لا يقرأها احد ، في الصورة مبتسم سعيد لانه نجح ويستحق الجائزه ، ولان امه ، الست ام باسل تجلس في الصف الثاني فرحة سعيدة  تصفق بحماس وفخر  ولان قميصه الملون حرق دم الموظف الكبير الذي كلمه في التليفون يرجوه يرتدي بذله انيقة علشان الصورة تطلع حلوة ..
الست ام باسل تصفق وتصفق ويلمح من فوق خشبه المسرح ووسط طقوس الاحتفال دمعه صغيره تسللت من طرف عينيها لاصبعها تخفيها عنه ، تمني لو حلق فوق كل الرؤوس من المسرح لحيث تجلس ومسحها ولاعاش ولا كان اللي يبكيكي ياست الحبايب ..
 تمني لو الارض تنشق وتبتلعه لانه ابكاها وابكاها ، بس وحياه غلاوتك كنت مظلوم ، تهمس ماهو ده اللي حرق قلبي اكتر ياضنايا ، ربنا ينولك مرادك ويبعد عنك ولاد الحرام.. ويرتفع التصفيق اكثر واكثر وهي تبكي وتبكي وهو مرتبك واكثر ارتباكا !!!!
وسط الاحتفاء والصخب ، لمح عبلة تجلس في صف بعيد يحيطها مريديها كعادتها ، ستأتي لتهنئه يعرفها ويعرف عندها الاحمق ، ستأتي لتحاول توصل ماقطعته ارادته الحديدية وستلاقي مالايرضيها ، يعرف نفسه ويعرفها !!
ومازالت امه تبكي ومازالت عبله تصفق ومازال مرتبكا !!!


( 21 )

ليس هناك من شجاع في الليل
والإنسان لا يستطيع أن يحارب وحده

عصبي غاضب ، مزق جسدها باسنانه ، تأوهت وجعا فازداد شراسة ، يخدشها باظافره وكانه ينتقم منها وكأنها السبب في عذاباته ، انتفضت فرارا من بطشه وانزوي جسدها بعيدا عن جسده المشتعل بالغضب والجنون ، انزوت بعيدا في طرف الفراش ، اقترب كالثعبان رقيقا حتي ملكها واعتصر رقبتها بين ذراعيه وكأنه سيقتلها ، انتفض وصرخ فارتعبت تمنت لو تفر من المشهد وتجري بعيدا عن جنونه !!
صمت فصمتت ، يبحث عن سجائره علي المنضده القريبه من الفراش ، اسقط كوب الماء والولاعة ، مرتبك عصبي ، لم تفلح هذه المره تسعده ولم يفلح هذه المرة يروي عطشها ، تشاجر معها فعجزت عن التواصل ، برودها استفزه فطغي فلم يكترث فكان يوما فاشلا ، مازال يبحث عن سجائره ، متكومه بعيدا عنه تهمس ، عايز سيجاره ، هز رأسه وهو يكاد ينفجر من بلادتها وكأنها غبيه لاتفهم رغبته ولا تفهمه ، شايفاني باعمل ايه ..
ناولته بسرعه سيجارة محشوة بغيبوبتها ،شد انفاسها بسرعه وكأنه يتوق لغيبوبه تسرقه من كل مايعيشه ، بالراحه طيب ياباسل ، بالراحه همست وهي قلقه مرعوبة ، مالك ياباسل ؟؟ لايرد عليها ، جسده العاري ينتفض وكأنه يصارع اشباح متوحشة تنهش روحه وتمزقها ، يسحب نفسا اكبر واعمق تباطئت انفاسه وتباطئت ، تتابعه نهال بقلق وفزع ، احسته يغاردها وكأنه يغرق في رمال متحركه ثقيله ، مالك ياباسل ؟؟ بفزع اكثر قفزت من مكمنها واقتربت منه باسل مالك ؟؟ بصوت ممضوغ بطيء هادي ، زعلان علي نفسي ؟؟ ليه ياباسل ، انت عامل شغل كويس وعندك ندوه قريب واكتر من ناقد كتب عنك ، مالك زعلان ليه ؟؟
يذهب وعيه ويقفر خياله ولايجد كلمات يرد عليها ، يمسك في خياله بريشه ودواية حبر ، يكتب لها خطاب ، يتصور نفسه يكتب ويري الاحرف تتراص علي الاسطر تجيبها علي الحاحها المزعج الذي يأتيه من بعيد ..
يحدق فيها بعينين مفتوحتين وكأنه يراها ولايراها ، ملامحها غريبه وصوتها ايضا ، يضحك ويضحك ، من هذه الشمطاء التي تصرخ في اذني ، مالك ياباسل ؟؟ مالذي وضعتيه ياشمطاء في السيجارة التي القمتيها لي ؟؟ انطقي يابنت الحرام !!!
الغيبوبه تسري في عروقي تخدرني ، ثقيل كل شيء ثقيل الهواء والجسد والعمر ، اكاد اغرق في المرتبه القطنيه الحقيرة التي انام عليها ، ساسقط في الكوة الكبيرة وسطها التي حفرتيها بنبرات صوتك الحاده كالسكاكين ، مالك ياباسل ؟؟ صدي صوتها يلاحقه بعيدا مزعجا ،  يبتسم ويضحك ، يبحث عن كلمات يكتبها في خطابه الاخير لها كي ترحل عن كتفيه وترفع اثقالها عن روحه وتغور !!
مازالت الريشه تجري علي الاسطر الافتراضيه ، يكتب لها خطابا يشرح نفسه ، مازلت لم افعل شيئا ، مااحلم به اكبر كثيرا من كل ماحدث ، مااستحقه اكبر كثيرا من كل مااخذته ، والايام تمر وتعرقلني والابيات الفاره تفسد قصائدي وامي تبكي ولاتفهمني ، اتمني افرحها لكن لاامنحها الا الالام تلو الالم !!!


( 22 )

كلما قيدتك، في مكان،
تفك نفسك، كي تتبعني
أيها العالم


يعني ايه تمشي ، تمشي تروح فين ؟؟
امشي يعني امشي ياام باسل ، لا انا صغير حاتوه ولا عيل حتخطفني النداهه ولا يعقرني الديب !!!
ربطت رأسها بالطرحه السوداء تندب حظها في ابنها البكري الذي قرر بكل اصرار طيله حياته ان يعذبها ، رفض كل الوظايف وقلت جايز شايف له سكه احسن ، رفض يتجوز وقال انه حر ، قلت وماله ، كل طير بيتعب ويحط علي عشه مهما طار ، لكن كده كتير وصعب ، جايب القسوه دي كلها منين ياولد الاستاذ ؟؟
نعم مايفعله فيها اكثر جموحا من كل تصوراتها ، تعيش معه في البيت وحيده بعدما غادرها كل الابناء لبيوتهم الا هو ، لماذا سيتركها ويرحل ، لاتفهم بحق !!
لازم يكون عندي مكان بتاعي ، اكتب وقت مااحب واعمل فيه اللي انا عايزه ، وهو حد هنا منعك من حاجه ؟؟ تسأله بأسي وتتمني بحق تفهم مالذي يريده ومالذي يقيد روحه ويعذبه ..
راحتي ياام باسل ، تكرهي راحتك ، لا ، طيب ادعي لي ربنا يوفقني ، وحتمشي انت ، دلوقتي حالا !!!
طرق الباب خلفه وتركها تبكي ، يعرف انها تبكي ، يعرف انها تتعذب بحبه ، يعرف انها لاتفهمه ولن تفهمه ، كيف يشرح لها مايعذبه ، في البيت معها هو مدجن اليف ، يتصرف بحسابات ترهق روحه وتخنقه ، من حقي بعد كل تلك السنوات اكون حرا ، انطلق بعيدا عن عشك واحط مكان ماابغي ، من حقي امزق الاوراق التي اكتب عليها وابعثرها فوق راسي علها ترطم فكره ساكنه في احد التلافيف هنا او هناك فتتجلي ، من حقي استيقظ طيله الليل احتسي الخمر وابكي ، لااخاف علي زعلك ولا اكترث برأيك ، من حقي انام طيله النهار حتي يسبني الفراش كرها ومللا ، من حقي احضر العاهرات لفراشي ، واتركهن عاريات عل احدهن تلهمني بيت ناقص او تكمل القصيده الفارة ، من حقي اعيش فحشا لاتتحمليه ولا تتصوريه وانا ابنك البكري وحامل اللقب وقرة عينك ، دعيني ياامي اعيش جنوني وجموحي وتمردي كما يحلو لي ، سارفع صوت الموسيقي حتي تكسر الجدران ، فليشدوا عبد الوهاب بصوته المجروح جفنه علم الغزل ، لاتقيديني وتقولي الجيران واخوتك والاصول والقواعد ، لاتنهريني وكأني تلميذك البليد في المدرسه ، لاتملي علي مايجب ومالايجب ، لاتملي علي سلوكي ، فلست فرخا صغير في عشتك ايتها الفرخه الحمراء ، من حقي ارمي بنفسي للتهلكه واعرض روحي للخطر واعيش الجنون بكل حمقه واندفاعه ، دعيني اتحمل مسئوليه نفسي ربما يوما اتحمل مسئوليتك ، ارفعي عني حمايتك وجناحيك واتركيني اسقط من قمه الشجره لقاع الارض ، لو تكسرت عظامي لاتبكي ودعيني اداوي نفسي بنفسي وارتق جروح روحي ، لن تسحبيني ثانيه للشجره وترياقها الشافي ، لن تطيبي جروحي وتحتويني مثلما كنت فرخ صغير تحاجي عليه ، دعيني احلق ، لو ارتفعت في السماء المجد لك لانك انجبتيني ولو هويت للقاع العار لي لاني تمردت علي قواعدك وسلو بلدك واوامر الاستاذ ونواهي شيخ الكتاب ولاني خلعت الحلق الذي اوصيتني ابقيه في اذني ، خلعته وتركت اذني وروحي طليقه !!!
تتمناه لو افصح له عن سبب رحيله عن حضنها ، لكنه لم يفصح ، تتمناه يعود ولا تتمناه ، تخشي يعود مكسورا ممزقا وتتمناه يفلح ويحلق صوب الشمس ، لكنه مازال فرخ صغير تخاف عليه من عقره الثعلب وقسوه الدنيا وولاد الحرام !!
لو عرف مالذي تفكر فيه لصرخ ان هذا بالضبط ما نفره ومادفعه للرحيل ، لست فرخ صغير ولست طفل ولست ابله الناظره وعلي اعيش مع اولاد الحرام واتحمل قسوة الدنيا واراوغ الثعلب بمكره اما اكسبه واما يعقرني ، دعيني اكبر واخرجيني من شباك حنانك وكمائن رعايتك واطلقي سراحي وحريتي !!!
خلي بالك من نفسك ياباسل ؟؟ فات الوقت ياام باسل ، تفتكري نصيبك وقدري اخلي بالي من نفسي ولا ادمرها ؟؟ وينزل الدرج يلوح بذراعيه بحريه وفرحه وكأن حر فعلا !!



نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع


هناك تعليق واحد:

منال أبوزيد يقول...

أميره

هو "باسل" وكل لحظات حياته بساله
يذهب...يعود
هذا قدر الامهات...
الانتظار...القلق...
ووجع القلب

للمال سطوه
وللخمر سطوه
وللعشق الف سطوه
وللنساء كل السلطه

نغرق...
نموت...
ونعود لنحاول ان نحيا
نقطع شرايين الحياه ونعود لنلتمس بعضا من الحياه
هكذا كثيرون
وما اكثر ما نرى حولنا "باسل"

الام نعمه
وانشغالنا عنها نقمه
بنحبها... وبنهرب من حبها
الله لا يحرمنا حب امهاتنا يارب


اميره....
الصدق عندما يجتمع مع احساس جارف
تكون الكلمات لقطات من الحياه
بصدق وحب والم

رائعه يا صديقتي