مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأربعاء، 22 سبتمبر، 2010

اما ليلة ياسلام !!!!






الحوش هناك اوسع والدنيا برحة والفسحه كبيرة ونورة !!!
لم تفهم السيدة ما تقصده خادمتها ، كانت تدعوها لحضور حفل زفاف ابنتها الوحيدة ، اوضحت لها ان الفرح سيكون في منزل امها ، واضافت الجمله التي لم تفهمها السيدة !!!لاحظت الخادمه بذكاءها الفطري النظرات الغائمه في عين السيدة تفصح عن فهم لم يصل لعقلها ، كررت الجمله ، الحوش هناك اوسع ، ابتسم السيدة ببلاهه الجهل واكدت عليها انها ستحضر الفرح ولن تتاخر عن الزفة ...

تصورت السيدة ان الخادمه تعيش في منزل بحوش كبير مثل الحوش الخلفي لمنزل عمتها في البلده الريفيه البعيده التي لم تزرها منذ زمن طويل ، كل ماتتذكره عن بيت عمتها الحوش الخلفي الواسع الذي كان يتيح لها وابناء عمومتها ممارسه كل الالعاب التي يحبوها ، وحين قالت الخادمه ماقالته ، تعجبت السيدة لانها تصورت ان الخادمه التي تدعي فقرا طيله الوقت ، قد وقعت بلسانها واعترفت انها وامها ميسوري الحال وان الحوش في بيت امها اوسع من الحوش في بيتها ، احست السيده بالغيظ ، احست انها ضحيه الخادمه الكاذبه التي اعتادت ادعاء الفقر وهاهي اعترف دون تدري في غمرة حماسها لفرح ابنتها بانها ليست تلك الفقيرة كما تدعي ، فالفقيرات لا يعشن في بيوت باحواش واسعه او ضيقه ... كادت تقرر السيدة الا تذهب للفرح ، لكنها خافت ان تغضب الخادمه وهي لا تتحمل غضبها ، ان غضبت لن تاتي لعملها في مواعيدها وستضطر السيده للاستيقاظ مبكرا لتوقظ اطفالها ليذهبن للمدرسه وهي تكره الاستيقاظ المبكر وتكره ايضا غسيل الاطباق ولاتفهم في الطريقه اللولبية التي تستخدمها الخادمه التخينه لمسح الارض حين تنقسم نصفين وتتحرك بجسدها وذراعيها وجذعها لغسل الارض الرخاميه وشطفها ... لعنت السيدة الخادمة الكاذبه وقررت تذهب للفرح وتحمل زجاجات الشربات وعلب الشوكولاته وتجلس ربع ساعه وتعود ، هي ستذهب فقط لمجامله الخادمه ومنح العروسه المبلغ المالي الذي تطمع فيه الام نقطه لابنتها العروس لكنها لن تصفح لها ابدا كذبها حين ادعت فقرا ليس حقيقي !!!


قبل ميعاد الزفه بساعه ركبت السيدة سيارتها ولم تنطق ، السائق العجوز يعرف انها ذاهبه للفرح ، وقد اشتري لها زجاجات الشربات وعلب الشوكولاته الرديئة التي طلبتها ، سخرت منه السيدة حين سالها عن المحل الذي سيشتري منه الشوكولاته ، سخرت منه ونهرته لانه لا يشغل عقله الخرب فهذه الخادمه الكاذبه ، لم تقل له انها كاذبه لكنها هكذا احست ، لا تفهم في انواع الشوكولاته والسيدة واثقه ان الشوكولاته الرديئة التي تأنف تدخلها منزلها ستسعد الخادمه سعاده بالغه !!! اغمضت عينيها وتمنت السيدة لو لم تعد الخادمه بالذهاب للفرح ، فالحلقه الاخيره من المسلسل الاجنبي الذي تتابعه منذ فتره طويله ستأتي اثناء وجودها في الفرح وكانت تتمني لو جلست امامها تكسر الثلج الذائب بين اسنانها وهي تشرب عصيرها المفضل بدلا من الذهاب للفرح الذي حيرها ، بالطبع لن ترتدي اي من فساتينها السواريه الانيقة وعليها تخلع مجوهراتها وعليها ترتدي حذاء رخيص لايفسده التراب الذي سيلتصق بنعله وقت تسير في الازقه الترابية حتي بيت الخادمه ، ضحكت السيدة ، احست انها ذاهبه للفرح في جلد اخري ليست هي ، لم ترتدي كل مجوهراتها التي ورثتها من امها لتتباهي علي بقيه السيدات ، لم تشتري حذاء حريريا جديدا ، لم تخرج معطفها الفرو من ثلاجته قبل الفرح ليدفئها ، لم ترتدي ثوبا انيقا طويل الذيل ، لم تذهب لمصفف شعرها ليزين راسها بالماسات البراقة والورود الصغيرة ، كانها ليست ذاهبه لفرح !!!


مازال السائق العجوزينهب الارض نهبا للوصول للفرح وسط الشوارع المزدحمه قبل بدء الزفة ، لاتعرف اين سياخذها ولماذا تعرف ، هي ستذهب لبيت الخادمة الكاذبة وتقضي في الفرح ربع ساعه وتعود لمنزلها ، تتصل بصديقاتها لمعرفه مالذي حدث في المسلسل الاخير الذي تحبه ، المسافه طويلة والشوارع مزدحمه ، سالته عن مبرر فتحه للتكييف والجو يميل اساسا للبروده ، فهمس خجلا انها لن تتحمل الرائحه المنتشرة في الجو ، كادت تساله احنا راحيين فين لكنها لم تفعل ، اغمضت عيناها وهامت مع الموسيقي الخفيفه التي تنبعث هادئه من الاسطوانه التي شغلها السائق ، هي تحب الموسيقي الخفيفه وهو يعرف ذلك و.................... انتبهت علي ان السيارة وقفت وبقي السائق صامتا !!

فتحت عيناها ، لاتعرف اين هي ، المكان مظلم ، شوراع غريبة .... احنا فين ... تتلفت برقبتها ، تري انوارا ولمبات كهربائيه ملونه ، تسمع صخب وزغاريد بعيدة ، مازالت بعيدة ، احنا فين ، مازال السائق صامتا ، انزل ؟؟ سالته بتوجس ماوقفتش قدام البيت علي طول ليه ، لم يرد عليها ، اه تلاقي الشارع صغير ، ماعلينا ، كادت تفتح الباب لكن السائق قفز مسرعا و نزل من السياره وفتح الباب ، نزلت وعيناها متعبه من النور الخافت ، شارع طويل علي جانبيه بوابات عالية ، هذه ليست عمارات وليست بيوت ريفيه كبيت عمتها ، شارع طويل صامت عدا الصخب البعيد للفرح ، تلفت حولها ، لاتري الا بوابات عاليه حديدية مغلقه باحكام ، بعضها يلتفت حوله سلاسل حديديه تغلقه ، وقفت مكانها جامده لاتتحرك ، سالت السائق بوجل ، احنا فين يااسطي رزق ، همس في باب الغفير ، لم تفهم ، ايوه يعني فين ، في باب الغفير سعادتك ، فين ؟؟؟؟؟؟؟ تعرف هي هذا الاسم ، تعرفه ، سمعته من قبل ، شهقت ، شرح لها ، احنا في الطورب سعادتك ، ايه ، ايوة سعادتك ماهي ام سعاده عايشه هنا ، هنا في الطورب ، ايوه سعادتك !!! وقفت مكانها لاتتحرك ، هي الان بين المقابر ، وتلك البوابات العالية تحتجز خلفها شواهد القبور وجثث الموتي !!!

اتفضلي ياست هانم ... تحرك رزق خطوتين لكنها تحدق في الشارع لاتصدق ، شارع مظلم لان قاطنيه لايحتاجون الكهرباء ، هم خارج الحياه في عالم اخر لايحتاج الاسلاك واللمبات وعواميد النور ، الشارع حولها صامت صمت مخيف ، همست لنفسها الموتي لايتكلموا ، شارع ينتمي للموت ، بلا منازل بلا بائعين بلا محلات ، خيالات المارة القليلة في الشارع تنعكس تحت اعمده الاضاءه الشاحبه علي الاسفلت وكانها اشباحا فرت من اسرها وخرجت للشارع ، تسارعت دقات قلبها ، اتفضلي ياست هانم ماتخافيش ، سار رزق وسارت خلفه كالمنومه ، يحيي رزق الارواح سكان المنطقه ، السلام عليكم ، انتم السابقون ونحن اللاحقون ، تسمع يتمتم بالشهادتين ، ترتبك ، مشهد غريب ، يحمل صندوق الشربات وعلب الشوكولاته وهي خلفه تتجه للفرح يحيط بهم الاموات من كل جانب خرسي لاينطقون ، تسمع وقع خطواتها علي الشارع كانها قرع مدوي ، تكاد تسير علي اطراف اصابعها ، تحس وقع خطواتها دقات طبول ستوقظ الموتي فيخرجوا عليها غاضبين لانهم لم تحترم سكون ووقار رقادهم الطويل ، يزداد توترها وكانها تري ملامحهم تحت الاكفان الشاحبه غاضبين لانها تجرأت في ذلك الوقت من الليل واقتحمت ديارهم تحمل زجاجات شربات وعلب شوكولاته ، تمنت لو تعود ، لكن رزق يسير عاديا يتمتم بالتحيه للراقدين والشهادتين وتتخيل كانه يتمايل علي نغمات الموسيقي التي تقترب ...

يدخل رزق زقاق ضيق بين المباني والبوابات ، تلمح بطرف عينها شواهد القبور تجثم فوق صدرها خلف الاسوار الحديدية العالية ، تلمح اعمدة الشواهد وسط الليل تتمايل عليها الخيالات وترتبك ، تسير خلف رزق الذي ينحرف يمينا يسارا يمينا فتقترب اصوات الموسيقي وتصيرالزغاريد اكثر صخبا ، اختفي الاسفلت من تحت قدميها التي تنغرز في اكوام تراب هش كانها تخفي فجوات تحتها ، تسير نشوي مرتبكة متوترة فوق التراب ليتناثر في الهواء تحت وقع خطواتها يخنق انفاسها ويحيطها ورزق بهالات ضبابية تزيد المكان وحشه وقبح ورعب ، تحس نفسها ستختنق ، ذرات التراب تسكن قصبتها الهوائية وتردم انفها وتغلق عيناها ، تسعل مرات متتالية متلاحقة ، نعم ستموت مختنقه وسط الاموات وهو موت لن يكترث به احد من المتواجدين في المكان وقاطنيه الاحياء والاموات ، هنا في هذا المكان وسط الموتي سيكون موتها حدثا عاديا لاقيمه له ، تختنق اكثر ، يقشعر بدنها فذرات التراب التي تردم انفها وفمها وتحتل جوفها ليست الا بقايا الاموات التي مر علي موتهم سنوات طوال وقبعوا تحت الارض التي تسير عليها دهورا وقرونا فتحللت جثثهم وسحقت عظامهم وتحولت لتراب يسير عليه الاحياء وهي من ضمنهم بكل غلظه وقسوة ، احست انها تسير فوق وجه جدتها وكف ابيها وذراع امها ولحم رضيعها الذي مات بعدما ولدته بيومين فدفنوه مع ابيها لينير قبره ، انهمرت دموعها ، تتمني ترجع ، ستنادي رزق ليعود بها لمنزلها ، تتحمم وتنزع بقايا الموتي من علي جسدها ، تحاول تناديه لكن صوتها يتحشرج ولا يخرج ، كان احدهم مزق احبالها الصوتية ، كانها نسيت الكلام ، تصرخ تناديه لكن الموتي يكتمون انفاسها ويغلقون فمها ، تسمعهم يؤنبوها لانها ستزعجهم وتمزق سكينه مدينتهم ، ومن انت لتأتي وسط الليل تزعجينا متباهيه بحياتك التافهه التي ستنتهي سريعا ، ومن انت لتأتي وتصرخي بصوت الحاد تمزقي السكينه التي تلفنا وتهدمي الصمت الذي يحتوينا ، عجبا ، لا يغضبون من الزغاريد وموسيقي الفرح ، لكن صوتها الذي لايخرج هو الذي يزعجهم فيخرسوها عامدين ويتوعدها حين تسكن معهم بالصخب المزعج الذي لن تتحمله وقتها !!!!!!!!!

صوت الموسيقي يتعالي وصخب الزغاريد تتعالي ، تلمح اشباحا بعيده ، مناضد وكراسي ودخان يحتل السماء مع ذرات تراب الموتي ، تلمح اشباحا ، اشباحا كانها نساء تتراقص فوق المسرح ، اشباح كانها رجال تجلس علي المناضد تدخن الشيشه وتنفث اعاصير لولبية تتصاعد للمساء من دخان له رائحه خاصه جدا ، تقف مكانها ، لاتصدق ماتراه امام عينها ، فوق مدينه الموتي وشواهد قبورهم تقيم ام سعاده الخادمه فرحا لابنتها سعاده واول فرحتها ، هذا الصخب والضجيج والزغاريد وكل هذه الموسيقي العالية تمزق صمت القبور وتهين قاطنيها وتزعج رقادهم الطويل ، تلمح شبحا تعرفه ، تقترب ام سعاده وتحتضنها بقوه ، فرحه بحضورها ، وخلفها شقيقاتها وامها وبناتها ، المطرب علي المسرح يوقف الموسيقي ويحيي الست ام كريم اللي شرفتنا ونورتنا وكبرتنا بخطوتها العزيزة ، لاتفهم ، تلمح رزق بطرف عينها يتمايل علي الموسيقي ، تسحبها ام سعاده صوب الكوشة ، تجلس سعاده بفستانها الابيض سعيده فرحه ملونه الوجه شعرها الذي عاشت تخبئه تحت الحجاب ينتناثر علي كتفها مزين بماسات ولالئ مزيفه ، تسلم علي العروسه والعريس ويزداد الصخب وترتفع الزغاريد عاليه تحسها كانها تشق السماء بوقا يحيي الموتي ، تتمني تجري من ذلك الصخب وكان فرارها اعتذارا شخصيا منها لكل الراقدين في سلام تحت قدميها واقدام المدعويين في تلك الليله الغريبة ، لكن ام سعاده تجلسها علي كرسي قريب من الكوشة ، السماعات عالية بشكل مخيف ، كل حرف من فم المطرب يتحول لاعصار هستيري ، تحس جسدها يرتج والكهرباء تسري في بدنها ومازال غضب الموتي من الصخب يرعبها وتتمني تخرج من ذلك المكان وبسرعه ...

تجلس بجوارها ام سعاده في منتهي الفرح والامتنان ، تتوالي جارتها وقريباتها وقريبات العريس يسلمن علي ام كريم ، نعم هي ام كريم ، ليست مدام نشوي ولا حرم سعاده اللوا ، هي ام كريم تجلس بجوار ام سعاده وبقيه الامهات ، تضحك والدموع المعلقه في عينيها ، تتصور نفسها ترتدي جلبابها مزركش بالترتر مثل ام سعاده وشبشب بورده دهبي مثل ام سماح وعلي راسها شال بشرابات ملونه لامعه مثل ام ايمن ، تحس نفسها شيء شاحب وسط الزركشه والالوان الساطعه التي ترتديها النسوة وتلطخ بها وجوههن !!! ويالها من ليلة !!!

تراقب رزق جلس وسط الاشباح ، تري الدخان يتصاعد من انفه ومازالت الرائحه الغريبة تتصاعد ، رائحه جاز تتعالي في المكان ، تشعل سيجارة متوتر فالوقت بطيء بطيء لايمر ، تلمح زجاجات البيرة علي المناضد امام الرجال ، تبتسم ام سعاده وتسالها ، اجيبلك مزة ، لاتفهم ، اصلي ماعملتش عشا للرجالة قلت كفايه المزه مع البيرة والحشيش ، كادت تقفز من مكانها ، تلك الرائحه الغريبة رائحه حشيش ، هي لاتعرف رائحته لكن تلك الرائحه الغريبه اكيد رائحه الحشيش ، وهل رزق يدخن ذلك الحشيش مثل بقيه الرجال ، كيف سيقود بها لمنزلها ،سالت ام سعاده ، هو رزق بيدخن ..... فهمتها ام سعاده ، امال ايه يامدام ، لازم ياخد واجبه ، الحق هو ماكانش عايز لكن جوزي حلف عليه طلاق تلاته لازم يشد معاهم ، نظره رعب تلون حدقتيها بلون اسود قاتم ، كده مش حيعرف يسوق ، هي لاتخاف علي رزق لكنها تخاف تبقي اسيرة مدينه الموت طيله العمر اذا ماعجز عن قياده السيارة بها ، ضحكت ام سعاده ، وايش جاب لجاب ، ده حيعمل دماغ عاليه وحيبقي ميت فل ، الحشيش يامدام مابيخوفش ده بيخلي الدماغ تشعشع والبال يروق !!! وضحكت ام سعاده فاحست نشوي ان عبثيه الليلة الغريبه تكتمل ودائرة الرعب تحتجزها بداخلها اكثر واكثر !!!!

لاتصدق نشوي مايحدث حولها .... وسط المقابر تجلس بجوار المسرح الذي تجلس عليه العروسة والعريس ويتمايع علي خشبته المطرب بصوت النشاز وجسده البلاسيتيكي المفكوك ، صوت السماعات يدوي بكلمات غريبه واللمبات الملونه ترفرف فوق رؤوس الجميع وعلي شواهد القبور وبوابات الاحواش والزغاريد تملأ المكان الذي اعد لاي شيء الا اصوات الفرحة ، وفوق رفاتهم تسير ورزق يدخن حشيش مع غيره من الرجال وام سعاده الخادمه المؤدبه تتراقص وسط الرجال ولم تقدم لهم عشاء واكتفت بالمزه والمية والدخان !!! رائحه الجاز تتصاعد وسط الدخان خليط يكتم الانفاس ، تمنت لو تقوم ، اقتربت منها الام العجوز ، رحبت بها ، مجيك علي راسنا من فوق شرفتينا ، تشرح لها ، انا صممت نعمل الفرح عندي ، هنا الحوش واسع والطوربه نورة والهوا يرد الروح ، تضحك نشوي من الارتباك ، طوربه هواها يرد الروح ، فجأ تسمع سارينه الشرطه ، تقفز من مكانها ، يانهار ابيض ، حيقبضوا علينا ، تتصور مانشيتات الجرايد في اليوم التالي ، زوجه لواء بالداخليه يقبض عليها في غرزه بمنطقه المقابر ، يانهار اسود ، تدرك ان نهايتها ستكون علي يد زوجها ، تتمني ترسل تصحيح للجرايد ، كان لواء ولم يعد وهو الان رجل اعمال ، لو نشروا زوجه لواء بالداخليه ، ستنقلب الداخليه عليه وسينقلب هو عليها وربما يطلقها ، لو نشروا زوجه رجل اعمال يقبض عليها لن يكترث احد بالامر ، فرجال الاعمال يقبض عليهم لاسباب مختلفه ولن يزيد القبض عليها من النظره السيئه التي ينظرها لهم رجل الشارع ، لكن الداخليه ابدا لن تمرر الامر لو زج باسمها في الخبر ، سمعت سارينه الشرطه تقترب ثم تبتعد ثم تتلاشي ، تنفست الصعداء وقررت ترحل عن المكان قبلما تأتي الشرطه للقبض علي الموجودين به ، ابتسمت لام سعاده ، الف مبروك حامشي انا بقي ، خبطت ام سعاده علي صدرها لاتصدق ما تقوله الهانم ، تمشي من غير ما تتعشي والله العظيم لايمكن ، اتفضلي حضرتك جوه ، جوة ؟؟ لاتعرف جوة فين ، تقبض ام سعاده علي ذراعها وتسحبها لداخل مبني كبير ، مش قلت لحضرتك الحوش عن امي اوسع ، الحوش عندي ضلم ، امي بتقول لو الميتين صحيوا حيموتوا تاني من الضلمه ، تضحك ام سعاده ضحكات متتالية ونشوي صامته ، مالها تتكلم عن الموت بلا رهبه بلا احترام بلا قدسيه ، علي جانبي المكان مقاعد مستأجره من معلم الفراشة ، تجلس ترتعد ، المكان رائحه خاصه لم تسترح لها ...!!!

لاتشعر بالجوع ولا رغبه في الاكل ، الحقيقه نفسها ستعاف الاكل في ذلك المكان ، رائحه الموت والحشيش وجاز المولد الكهربائي الذي ينير الفرح ، الصخب والموسيقي العالية والزغاريد وصوت المطرب النشاز وسياره الشرطه ، كل هذا اختلط في معدتها تقلصات موجعه ، العشاء علي المنضده في نصف المكان ، مفرش احمر فوق المنضده واطباق الاكل فوقه ، لايعجبها شكل الاكل ولا رائحته ، معدتها مقلوبة ، تسالها ام سعاده بارتباك ، حضرتك قرفانه ماتقرفيش والنبي ، ده احنا نضاف خالص ، اكلنا قشطه ، اجبري بخاطري وكلي معانا لقمة ، النساء يتجمعن حول المنضده العالية ، هل شاهدت نشوي طريقتهن في الاكل ، هل سمعت اصواتهم المكتومه وفتات الطعام يتناثر من بين اسنانهن وهن يتضاحكن ويتكلمن وهن ياكلن ، تمسك الطبق ولا تمد الشوكه فيه ، تراقب النسوة وكانها لاتراقبهن ، علي وجههات امتعاض تحاول الا تظهره ، ام سعاده تراقبها وتلح عليها ، طيب محشييايه ، طيب صباع كفته ، تزداد انقباضات معدتها ، فالكلمات التي تقولها ام سعاده بالطريقه التي تقولها بها تزيد تأففها ............ وجمعت واحده من النسوة الاطباق الفارغه فسلمتها طبقها وهي تشكرها ، انشغلت ام سعاده بضيوفها في الفرح خارج الحوش فاعتقتها من اسر الالحاح ، رفعت النسوة بقايا الاكل من فوق المنضدة وسحبت واحده منهن المفرش الاحمر لتنظفه من بقايا الطعام المتساقطه فانكشف القبر بشاهده جليا امام عينها ، نعم المنضده التي رصت الاطباق فوقها ليست الا قبر الباشا صاحب الحوش ، لاتصدق ما تراه ..... لو علم الباشا قبل موته ان ام سعاده وضيوفها سيفترشن قبره منضده لاكلهن لمات مائه مرة ، انتفضت تبحث عن نسمه هواء ، ستتقيء ، ستقذف ما في جوفها فوق قبر الباشا ، اجلست احد الامهات طفلها الرضيع فوق القبر فامسك بالشاهد وكانه مقود لحصانه الخشبي ، ضحكت رغم انفها ، هاهي رقبه الباشا في يد الصغير و........... لازم امشي لحسن اتأخرت !!!

سارينه الشرطه مازالت تدوي تختلط مع اصوات الموسيقي ، احتضنها ام سعاده بقوة ، شمت رائحه الطعام الذي اكلته فوق جثه الباشا ينبعث من جوفها ، حدقت في شفتي ام سعاده فلاحظت سطوعا عليهما من اثر السمنه والدهنه والفراخ التي اكلتها وهي ترحب بضيوفها ، احست وكان ام سعاده اكلت " نسيرة " من ذراع الباشا التي امتهنت قبره فحولته لمائده تتراص حولها صديقاتها وعليها اطباق الاكل وحلل المحشي والبطاطس المحمرة البارده !!! انسلت من ذراعي ام سعاده ولوحت بحسم لكل النساء تودعهن ، لن تسمح لشفاتهن الملوثه ببقايا الاكل والسمنه تمر فوق وجنتيها ، اشارت لرزق ليأتي ويرحلا ، معدتها تتقلص ورائحه الجاز ودخان الحشيش ورائحه الموت والاجساد الراقده تحت التراب واعاصير التراب المتناثرة فوق راسها وفي شفتيها وفي انفها والخوف من الموت ومن البوليس والتأفف من رائحه السمن والمحشي والاشباح والخيالات وشواهد القبور والصوت العالي للمطرب يصرخ اما ليلة ليلة اما ليلة ياسلام ، اما ليلة ليلة اما ليلة ياسلام ، كل هذا امتزج وانصهر بداخلها ويارزق .... تبحث عن احد ينتشلها من الهوة التي تراها وستسقط فيها ، يارزق .... تبحث عن يد ام سعاده لتقبض عليها ، تشعر بانها ، سيغشي عليها .... سيغشي عليها ...... سيغشي عليها .............. !!!!

اصوات نحيب وبكاء مكتوم ونهنهات وشهقات ملتاعه ، هذا ماسمعته وقتما فتح الصندوق الخشبي واخرج منه جسدها المسجي داخل سبع ادراج من الكفن الفاخر الذي لفت بداخله بعد الغسل الذي ازاح قاذروات الدنيا عن جسدها الراحل للفردوس الاعلي وبعد زجاجتين العطر اللاتي رشتهما المغسلة العجوز عليها بعدما جففت جسدها الشاحب الملقي عاريا فوق المنضده المعدنيه وفوق كل درج من ادراج الكفن ، اصوات البكاء تضايقها ، تتمناهم يكفوا عن النحيب ، فهي سعيده تحررت من الدنيا واعباءها وستلتقي بامها وابيها وجدتها ، تتمناهم يودعوها في مكانها الاخير ، ففي اللحظه التي ستنقطع صلتها بالحياة الفانيه تماما ستري امها واحباءها وتصعد معهم للنعيم ، اصوات البكاء خفتت وتصاعدت بدل منها اصوات جموع المعزين ، يتمتمون معا بصوت خاشع ...

يا آمة الله ... ان جاءك الملكين ، قولي ، اشهد ان لا اله الا الله ، محمد سيدنا رسول الله !!
ياأمة الله ........... ان جاءك الملكين ، قولي ، الله ربي سبحان جل شانه ، لم يلد ولم يولد ، والاسلام ديني والقرآن كتابي !!!
يا آمة الله ..... ان جاءك الملكين قولي واشهدي ، ان سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله هو رسولنا وخاتم الانبياء !!!
اصوات الجموع المتلفة حول القبر المفتوح وجسدها يطير صوب مرقده الاخير وروحها مشتاقه للقاء الاحباء ، تلك الاصوات تدوي في اذنها ، تسمعها فرحه ، تعلم ان الله ربها ومحمد رسولها والاسلام دينا والقرآن كتابها و...............................
تيت تيت تيت .......... النهارده فرحي ياجدعان ، النهارده فرحي ياجدعان !!!
وطالعه من بيت ابوها ... داخله بيت الجيران ، لابسه الاحمر والاصفر ومدوبه الجدعان !!!!
يا آمة الله ..... ان جاءك الملكين .................
اللهم اجعل قبرها روضا من رياض الجنه ، امين ...
حضرتك حرم سعاده اللوا عبد الهادي سليمان !!! صوته اجش يدوي في اذنها
طب هو يصح برضه حضرتك ، تقعدي في غرزة وسط ناس حشاشين !!!
تسمع صوت خطوات زوجها ، يقترب من باب الحجز ، وجه ازرق يطل من فتحة الباب ويهمس ، انت طالق ياهانم!!!
طالق ... طالق ... طالق .............. هل هذا الصوت صوت بكاءها !!!
يتداخل مع صوت سارينه السيارة التي وقفت بجوار الحوش الواسع والقت القبض علي كل الموجودين وهي معهم!!!
يتداخل مع الادعية التي يتمتم بها الصالحين يودعون جسدها ويزفوا روحها للفردوس !!
يتداخل مع صوت ام العروسة وصديقاتها يصفقن ويزغردن ويصرخن ، قولوا لابوها ان كان جعان يتعشي !!!
يتداخل مع صوت المزلاج الصديء يرتطم بالباب الثقيل يحتجزها في قبو قسم الشرطه بعيدا وسط الساقطات !!!
يتداخل مع الصوت الاجش للعريس الذي يصرخ في الميكرفون النهارده فرحي ياجدعان !!
يتداخل مع صرخات الام الثكلي التي سارت خلف نعش وحيدها تصرخ وتمزق وجهها من كثرة اللطم ، قالوا خلفت ولد ، اتشد ضهري واتسند ، اه ياولد اه ياولد !!!
يتداخل مع ميوعه العروسة التي تتميل صوب صدر العريس فوق المسرح وهي تتأوه مكسوفه مكسوفه منك مش قادره مش قادره اقولك اني باحبك !!!!
يتداخل مع صوت المطرب ، اما ليلة ياسلام !!!
يتداخل مع صوت رزق انتم السابقون ونحن اللاحقون ، سلام عليكم ورحمه الله وبركاته !!!
ياآمة الله ..... انت طالق طالق .... اني بحبك .....
وفتحت نشوي عينها ، جسدها علي الارض ، تفيق ببطء من الاغماء الذي داهمها ..
تتحلق حولها عشرات العيون ، تلمح ام سعاده والعروس ، تلمح رزق والعريس ، ملامح مرعوبة تحاصرها وهي ملقاه علي الارض وسطهم !!
تصرخ ام سعاده ، الف بركه ياست هانم ، واطلقت زغروده مرتعشه وانفجرت في البكاء !!!
فتحت عينيها واغلقتها ... فتحت عينيها واغلقتها .... همست لرزق ، يالا يارزق نروح !!!
تساندت عليه وام سعاده تحاصرها بذراعيها القويتين ، الف بركه سلامتك ياهانم !!!
تدب فيها قوة مفاجئه ، تتمني تخرج من ذلك المكان ، من المقابر ومن الفرح ومن الحشيش ومن التراب !!!
تهرع للسيارة تطاردها الزغاريد التي تصاعدت وصوت الموسيقي التي عادت للصراخ .........
والقت بجسدها علي الكنبه الخلفية واغمضت عينيها وهمست لرزق ، علي البيت يارزق لاتصدق مامرت فيه ، اما حتت ليلة !!!! هكذا تقول لنفسها وتضحك ليختلط صوت ضحكها مع كل الاصوات المتنافرة التي بقيت تدوي في اذنيها يوما واثنين وعشرة !!!

هناك تعليقان (2):

محمد جمعه يقول...

حلوه حلاوة نسمة هوا الكورنيش ساعة الغروب.
حلوه حلاوة كوباية شاى سخنه قدام النار ف ليل الشتا العاصف.
حلوه قوى بجد .
انا محمد مدون مبتدئ . تشرفت بالمرور
لمدونتك الرائعه.
ارجو ان تقبلينى متابعا وصديقا
وارجو ان تشرفينى بزيارة مدونتى المتواضعه mohamedgomaa22.blogspot.com يوميات انسان .لأبداء الرأى والنصيحه .لو وقتك يسمح
تقبلى مرورى واحترامى الجم

Haitham Aatef يقول...

قصة قصيرة جدا لو اتلخصت : هانم عندها خدامة . الخدامة عزمتها على فرح بنتها . الهانم راحت الفرح و اتفرجت على حاجات غريبة و روحت !!
ايه يعنى ؟؟ ايه اللى يعجب فى قصة زى دى ؟؟
هنا تيجى العبقرية الحقيقية بتاعتك ... التفاصيل و ياللتفاصيل .

التفاصيل :

فى البداية عندما تصورت الهانم ان الخادمة كاذبة و كيف بالرغم من كل مشاعر الكراهية و الاحتقار و الغيظ كتمت كل ده بل و لبت دعوتها للفرح . فعلا كلنا مرينا بمشاعر زى دى و لازم نعترف . كلنا بنبقى عبيد قدام راحتنا و نتحمل سخافات فى منتهى السوء ممن يقدمون لنا هذه الراحة و بتبقى يمكن على حساب حاجات اهم من الراحة دى .

فى المقابر :
(تسمع وقع خطواتها علي الشارع كانها قرع مدوي ، تكاد تسير علي اطراف اصابعها ، تحس وقع خطواتها دقات طبول ستوقظ الموتي فيخرجوا عليها لانهم لم تحترم سكون ووقار رقادهم الطويل ، يزداد توترها وكانها تري ملامحهم تحت الاكفان الشاحبه غاضبين)

( يقشعر بدنها فذرات التراب التي تردم انفها وفمها وتحتل جوفها ليست الا بقايا الاموات التي مر علي موتهم سنوات طوال ، احست انها تسير فوق وجه جدتها وكف ابيها وذراع امها ولحم رضيعها الذي مات بعدما ولدته بيومين فدفنوه مع ابيها لينير قبره)

زمانك بتقولى ايه التعليق اللى ما بيقولش فيه حاجة ده و عمال يجيب مقاطع من القصة ؟؟!! معلش اصبرى للاخر .

(تصرخ تناديه لكن الموتي يكتمون انفاسها ويغلقون فمها ، تسمعهم يؤنبوها لانها ستزعجهم وتمزق سكينه مدينتهم)

نيجى بقى للوصول للفرح :
(تضحك والدموع المعلقه في عينيها ، تتصور نفسها ترتدي جلبابها مزركش بالترتر مثل ام سعاده وشبشب بورده دهبي مثل ام سماح وعلي راسها شال بشرابات ملونه لامعه مثل ام ايمن)

(النساء يتجمعن حول المنضده العالية ، طريقتهن في الاكل ، اصواتهم المكتومه وفتات الطعام يتناثر من بين اسنانهن . تمسك الطبق ولا تمد الشوكه فيه ، تراقب النسوة . علي وجههات امتعاض تحاول الا تظهره ، .. تزداد انقباضات معدتها .. رفعت النسوة بقايا الاكل من فوق المنضدة وسحبت واحده منهن المفرش الاحمر لتنظفه فانكشف القبر بشاهده جليا امام عينها ، نعم المنضده التي رصت الاطباق فوقها ليست الا قبر الباشا صاحب الحوش)
نيجى بقى لمشهد ما بعد الاغماءة : بجد غير طبيعى . و الله ما لاقى كلام اعبر بيه ..
اول مرة فى حياتى اقرا او اشوف واحد بيوصف حالته و هو ميت !! (اصوات نحيب وبكاء مكتوم ونهنهات وشهقات ملتاعه ، هذا ماسمعته وقتما فتح الصندوق الخشبي واخرج منه جسدها المسجي داخل سبع ادراج من الكفن الفاخر الذي لفت بداخله بعد الغسل الذي ازاح قاذروات الدنيا عن جسدها الراحل للفردوس الاعلي وبعد زجاجتين العطر اللاتي رشتهما المغسلة العجوز عليها بعدما جففت جسدها الشاحب الملقي عاريا فوق المنضده المعدنيه وفوق كل درج من ادراج الكفن) بجد مش ممكن التفاصيل .
برضه اول مرة اقرا او اشوف واحد بيوصف التداخلات اللى بيشوفها و هو مغمى عليه (يتداخل مع صوت سارينه السيارة التي وقفت بجوار الحوش الواسع والقت القبض علي كل الموجودين وهي معهم!!!
يتداخل مع الادعية التي يتمتم بها الصالحين يودعون جسدها ويزفوا روحها للفردوس !!
يتداخل مع صوت ام العروسة وصديقاتها يصفقن ويزغردن ويصرخن) الى اخر المشهد حتى رحمتينا و فوقتيها .
.
نيجى بقى ليه التعليق المرة دى كان تقريبا كله مقاطع من القصة و ايه اللى كنت اقصده ؟!!
المشكلة الحقيقية (بس مشكلة رائعة) اللى واجهتنى شخصيا فى القراءة ليكى ان اسلوبك بيخلينى اتوحد تماما مع ابطالك .. و الرواية دى بتختلف ان التوحد هنا كان مع شخصية واحدة من البداية للنهاية بكل المشاعر المختلفة اللى مرت بيها . مش زى باقى الروايات اللى كان فيها قطع و قفز للامام و الخلف و اكتر من بطل مما ضاعف من حالة التركيز هنا.
كل المشاعر اللى اعتملت جواها اعتملت جوايا .. كل مشهد شافته و كلمة سمعتها شفته و سمعتها .. التراب اللى وقف فى حلقها و خنقها و قف فى حلقى و خنقنى .. رعبها ان ده بقايا اموات رعبنى و عمر الخاطر ده ما جه فى بالى و انا باشم غبار المقابر فى الجنازات الكتير اللى حضرتها . خلتينى استرجع اللى فات كله و اكيد اللى جاى هايكون مختلف تماااما . يا لهوى هههههههه. فاهمانى ؟؟

عايزك تتخيلى انى حسيت بكل الاحداث اللى مرت بيها نشوى و اللى انا مقتطع بعضها و كانها حصلتلى شخصيا .
تانى و النبى : عايزك تتخيلى انى حسيت انى مريت بكل ده بلحمى و دمى و اعصابى !! بس كدة .

استمتعت جدا جدا ..... و ربنا يسامحك ههههههههههههه