مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

النظرة الكسيرة وبائع الفوانيس ( الجزء الثالث والاخير)




(13 )

جلس اكرم علي مكتبه الفاخر يحدق في الفانوس الذي اشتراه ، يحدق في الزجاج الملون الخشن ، يحدق في الباب الصاج بمفصلاته المعووجه ، يتمني اكرم لو حياته عادت ، لو ابيه لم يمت ، لو امه كفت عن البكاء ، لو الفقر اعتقه من اسره ، يتمني لو لعب في الصيف مثل كل الاطفال ، يتمني لو احبته خالته وزوجها ولم يعايروه بحاله البائس ، يتمني لو عاش مراهقته مثل كل الشباب ، لو احب ابنه الجيران وقذف لها خطابا يبثها غرامه ، يتمني لو جرب الحشيش مثل زملائه في الجامعه ، لو اختطف فتاه خلف الشجره الكبيره ومزق شفتيها باسنانه حتي لو امسكه امن الكليه ، يتمني لو اشترت له امه حذاءا جديدا في العيد ومنحته فرصه التباهي علي اطفال الشارع الذي ذكروه دائما بحذائه القديم ونعله المخروم !!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، ومازالت النظره الكسيره تلاحقه ، لايذكر المره الاولي التي شاهدها في عينيه ، النظره الكسيره تظهر اوجاع روحه وهم نفسه ، هو يكرهها لكنها لا تبارحه ، يري عينيه تتوجع بانكساره ، امام الفقر وزملاءه في المدرسه وصديقه ابن المنجد وامام ثريا ، نعم حين ينظر لثريا يشعر اسي يجتاحه ، لم يحبها ابدا وكان يتمني تساعده ليحبها ، لكنها تعالت عليه ، ذكرته دائما بفضل ابيها عليه ، تتعمد ايلامه ، كل حركاتها وايماءاتها تذكره بحاله ، انت بعت نفسك وانا اشتريتك !!!

يتمني اكرم لو الحياه كانت غير الحياه ، لو قابل سعيده وهو ابن رجل ثري ، لم يحرق الفقر قلبه ويكسر نفسه ، وقتها كان سيمد لها يده ، سينتشلها من فقره لعزه وثراءه ، لكنك ياسعيده اتيت وقت لااملك الا افر منك ، حبك لن يقويني وحبي لن يفرحك ، اذا دخل الفقر من الباب خرج الحب من الشباك ، وانا لااملك الا ذكريات موجعه وتاريخ اسود وماضي مهبب واب مات وتركني اتعذب بميراثه اللعين ، الفقر الذي قتلني به قبل ما يمنحني الحياة !!!

يتذكر سميحه وبكاءها وقت اعلنها بهجره ، زهقت منك ومن حواديتك ومن عياطك ، من حقه يتعالي عليه ويهجرها ويزهق ، ملها وقصصها وجسدها المستباح لغيره ، لم يصدقها وقت اقسمت له انها تحبه ، وانها تتمني تتوب علي يديه وتترك حياه العهرالتي كرهتها ، لم يصدقها ، نهرها وقت بكت ، بقولك ايه عياط مايلزمنيش كفاياني عياط ، لم تفهم قوله ولم يشرح لها ، لاتعرف قصته الحقيقيه ولاكفره بالدموع التي لاحقته طيله حياته شلالات مالحه من القهر ، حين بكت اعطاها ظهره ورحل الي الابد ، اللي بيتعلم يبيع نفسه عمره ما بيبطل يبيعها ، هكذا قال لها بكل قسوه ورحل عنها للابد ، محي نمرتها من تليفونه وفقد الذاكره وحين قابلها بعدها بفتره طويله مصادفه ، حدق في وجهها يحاول يتذكرها وهي تبتسم له تذكره بنفسها وبسرعه اعطاها ظهره مقررا انه لايعرفها ابدا !! مازال يتذكر النظره المحبه التي منحتها له سميحه ، يسخر من تلك النظره ومنها ، تلك النظره احد بقايا براعتها في اصطياد الرجال واصطياده !!!

يومها زارته امه في الحلم حزينه وسالته ، ياابن قلبي القسوه دي كلها جبتها منين ، نظر لها نظرته الكسيره وابتسم بمراره ولم يرد عليها واستيقظ من النوم ناقما علي امه التي تتجاهل كل ماعاشه وتطالبه بان يكون رقيقا وحنونا ومحترما!!!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، غائب مع نفسه عن كل ماحوله ، وقفت امامه السكرتيره تكلمه لايسمعها ، نبره صوتها تضايقه لكنه لايميز معني كلماتها ، الاجتماع جاهز ومستنيك ، ينتبه لحديثها ، يشير لها بيديه يصرفها ، لن يدخل الاجتماع ، تركته لاتصدق ماتراه ، العيد بعد اسبوع ، سينزل كعادته يشتري ملابس جديده لايحتاجها ، لكنه لن يقضي العيد مثل طفولته شريدا بملابسه القديمه ، سينزل لافخم المحلات يشتري مالايحتاجه ، يتمني لو اشتري ماضيه وغير احداثه ، لو تخلص من كل اوجاعه ، يضحك ساخرا من حمقه ، منذ باع نفسه للثراء ليتخلص من ماضيه عاش في ماضيه اكثر ، كل مايفعله رد فعل للماضي الموجع ليهرب منه فيغرق فيه !!!

مازال يحدق في الفانوس ، فيه يري عينيها ، سعيده ، تري اين حطت بها الدنيا وكيف صارت ، هل باعت نفسها مثلي لمن منحها الامان ودفتر الشيكات ام بقت تتوجع بفقرها ، ضحك ساخرا من افكاره ، ربما هي سعيده ، اسم علي مسمي ، ربما بقت فقيره لكن سعيده ، ربما لم تبع نفسها ، لا ، هز راسه بقوه ، اشاح بذارعه فوق الفانوس علي الارض وتناثر زجاجه شظايا امام عينه ، سعيده باعت نفسها مثلي ، لست الضعيف الوحيد ، سعيده باعت نفسها واشترت اثواب انيقه وتعاسه ولم تبق في فقرها قانعه راضيه سعيده !!!

حاصرته النظره الكسيره ، تلومه لانه كسر الفانوس ، ينظر للشظايا المتناثره يحسها روحه ، هو مثل ذلك الفانوس تبعثر مائه شظيه ، يتمني لو يفقد الذاكره كلها ، ينسي طفولته وشقاءه ، ينسي زوجته وعجرفتها ، ينسي امه ولومها ، ينسي سميحه وكل النسوه الساقطات اللاتي هزم زوجته علي اجسادهن الرخيصه ، ينسي سعيده التي تمناها وفر منها ، يتمني يفقد الذاكره وكل شظاياها المشحوذه !!

دخلت ثريا الحجره ثائره ، سالته بعجرفه عن سبب رفضه حضور الاجتماع الهام ، اجتماع وضبنا له من زمان ، صفقه كبيره مهمه مستنين من زمان نخلصها ، قاعد زي العبيط تبحلق في الفانوس العرة اللي انت جبته ، يحدق فيها ويكاد يضحك من شده انفعالها ، لن يرد عليها ، تكاد تنفجر ، قوم يااكرم بلاش هبل ، دي صفقه عمرنا ماكنا نحلم نخلصها ، قوم احضر الاجتماع وخلصها ، يتحرك بتثاقل من مقعده الوثير ، تتصوره سيخرج معها ، ينزل علي ركبته علي الارض ، يلملم شظايا الزجاج المكسور ، يمسك الفانوس وتلمع الدموع في عيونه ، الفانوس الذي اشتراه وكانه سيمحو به قهر الماضي يتكسر امام عينه ، ثريا لاتكف عن الصراخ ، قوم يااكرم بلاش هبل ، انزل الاجتماع ، يعود لمقعده ، توخزه شظيه من الزجاج ، يتألم ، سيب الزباله اللي بتبحلق فيها وقوم روح الاجتماع ، يضحك ، سعيد بغضبها ، اخيرا ثريا هانم خرجت عن وقارها وانفعلت ، نظرت له طويلا وفجأ اشاحت له بيدها ، انت مابقيتش نافع في اي حاجه خالص !!! وخرجت من الغرفه اكثر غضبا مما دخلت ، صفعت الباب خلفها فانفجر في الضحك !!!!


( 14 )

وقف امام بائع الفوانيس ، اشتري عشره فوانيس ، ملونه كبيره ، اشتري عشره علب شمع ، اغلق محموله بعدما جنت ثريا وطلبته مائه مره ، انهالت عليه بالرسائل الغاضبه ، تدوي في اذنه كلمتها ، انت مش نافع في اي حاجه ، يغلق المحمول كانه يصفق الباب في وجهها ، عشرين عام بل خمسه وعشرين عام مرت وهي زوجته ، لم تمنحه طفلا ، عايرته بماضيه منذ اسبوع زواجهما الاول ، تحمل منها كثيرا ، لم يتحملها لكنه تحمل الثمن الباهظ لاحلامه لقراراه بالفرار من الفقر لرغبته في الثراء !!!

عايرته بفقره فاقتص منها وخانها ، لم تشتري روحي ولن تشتريها ، خانها مع كل الساقطات ، هي التي اوحت له بطريقه هزيمتها ، شكت فيه وفي النسوه اللاتي يغازلوه ، فتحت له باب العتق من سطوتها ، تحملي اسمي واهنأ بثروتك لكني حر لحد منحي جسدي الذي يكرهك للساقطات يسعدهن ...

حمل البائع الفوانيس وسار خلفه لايصدق ما يحدث ، الباشا الكبارة يزوره كل يوم ليشتري فانوس ، يمنحه مالا كثيرا ويجزل له العطاء ، سار خلفه يحمل الفوانيس ، فتح له اكرم باب السياره ليضعها علي الكنبه الخلفيه ، ساله البائع بتوجس ، هنا ياباشا ، ابتسم اكرم واوميء له برأسه ، وضع البائع الفوانيس في السياره واغلق الباب برفق مبتسما وودع اكرم ، ربنا يخلي لك الاولاد ياباشا !!!

الاولاد !!! احس اكرم بغصه في نفسه ، ليس عندي اولاد يحملوا اسمي ويستمتعوا بثروتي ويهنئوا بثرائي ، كل ما اعيشه يخصني وحدي ، لن يستمتع به غيري ، احس الحنق علي ثريا ، تلك الدميمه التي لم تفلح في منحي اطفال من رحمها الاجدب ، كان يتمني اطفالا يشتري لهم كل الملابس الجديده وكل الفوانيس ، يتمناهم يغدق عليهم بكل ماحرم منه ، كان يتمني اولاد يمنحهم اسمه وثروته وبنات يدللها ويشتري لها عرائس واثواب انيقه من كل رحلاته حول العالم ، كره ثريا ، تتعالي عليه لحد لم تمنحه اطفال من صلبه ، لو احبته لمنحته اطفالا اشاعوا البهجه في حياتهما وربطوا بينهم ، لكن ما بينهم واه ، ينتهي في ثانيه ، لم تحبه فلم يحبها ، عايرته بفقره فهزمها بخيانتها ، وبقيا معا كمثل الشجر الاشعث في الصحراء ، لايمنح العابرين ظلالا ولا ونس ، لاجذور لهما ولا فروع !!!


( 15 )

سارت بسيارته لمنزله القديم ، هنا ياثريا هانم ولدت وعشت وتمرمغت في الفقر ، هنا في ذلك الحي قهرت واهدرت كرامتي ، هنا في هذا الشارع بكيت وكرهت حياتي ، اين كنت انت ياابنه الرجل الثري ، كنت ترغدين بالنعيم وانا اتعذب ، كانت امي تبكي وقت كان ابيك يعد نقوده ويكدسها في الخزانه السريه تحت اللوحه الاصليه التي اشتراها لايفهم في قيمتها!!!

وقف امام البوابه القديمه للمنزل ، في هذا الحوش كانت امه تجلس تحكي له القصص والحواديت ، من تلك البوابه فكر يفر للابد ولا يعود لها بعدما قهرته واجبرته علي العمل عند المنجد ، هنا في هذا المنزل وشقته القبليه الكريهه بكي وبكي وغطي رأسه علي السرير فرارا من ابيه الذي مات ومن زوج خالته الكريه ومن المدرسه غليظه القلب ومن امه ونواحها..

تعجب اكرم ، لماذا عاد لحي القديم ، لم يدخله منذ ماتت امه منذ اكثر من عشرين عاما ، لماذا عاد بسيارته الفارهه التي ركنها علي الشارع الكبير وترجل سائرا للمنزل ، مازال كل شيء علي قبحه ، البيوت متراصه تتساند علي بعضها ، الماء العطن يرقد علي حواف الحاره الضيقه ، النوافذ مكسوره والحزن يلون وجوه الجيران ، لماذا عاد بعد كل تلك الغيبه ، لا يعرف احد في الحاره وقاطنيها يفحصوه بنظرات مستريبه ، يشكوا فيه ويخافوا منه ، يسالوه بعيونهم من انت ولماذا انت هنا ، انا الذي كنت منكم وفرر من قدركم وصنعت قدري بنفسي ، يقف امامه طفل صغير ، بنطاله قصير وقميصه مكرمش ويمسك بسلك معدني طويل في اخره عجله ، يقف امامه مبتسما ، يحدق في الصغير ، هل يشبهه ، لا يشبهه ، عيونه مبتسمه سعيده ، يلعب بالسلك راضيا قانعا ، يساله الطفل بشجاعه لايملكها الكبار ، عايز مين حضرتك ، تناديه امه وجله لايرد عليها ، تعالي ياواد هنا ، يبتسم للصغير فيمنحه الصغير ابتسامه جميله ، يتذكر بائع الفوانيس ودعوته ، ربنا يخلي لك ولادك ، اسمعي ياثريا مايقوله الرجل ، ايتها الدميمه الثريه ، ارضك جدباء لاتنبت اشجارا !!!

وقف امام منزله القديم طويلا يتابعه الصغير بنظراته ، تركه وعاد لسيارته ، ثم عاد له بفانوس كبير وعلبه شمع ، اتسعت ابتسامه الصغير وارتبك ، نظر لامه يسالها كيف يتصرف ، الرجل غريب ، الح عليه لياخذ الفانوس ، ابتسمت الام ودعت له بالستر ، احسها امه وتمني يدخل في حضنها لتدعو له مثلما كانت تفعل امه ، اقترب طفل ثان وثالث ، احضر كل الفوانيس ووزعها عليهم ، تلاحقه نظرات النسوه الجالسات امام بوابات البيوت بنظرات التفحص والريبه ، احداهن خافت علي ابنها ورفضت الفانوس صممت تعيده لاكرم ، بكي الصغير فانزعج اكرم ، ليه حضرتك تزعليه ، لطمته امه علي وجهه ليكف عن البكاء فازداد فيه ، هو عنده كل حاجه ، بعند وتصميم اعادت له الفانوس ، يعرف تلك الملامح والنظرات ، انها العزة التي يشعر بها بعض الفقراء ، هي تشبه امه وقت كانت قويه ، يرجوها تقبل الهديه ، بكاء الطفل يمزق قلبه ، من فضلك حضرتك ، تسحب الام الصغير وتدخل منزلها ، صوت بكاءه مازال يوجعه ، صراخ فرحه كل الاطفال بالفوانيس لا يفرحه ، فقط بكاء الصغير يقهره ، يطرق باب السيده يحمل الفانوس في يديه ، يفتح له الصغير بدموع تنساب علي وجهه ، يناوله الفانوس ويلح علي الام لتقبله ، من فضلك ماتكسفنيش ، بفزع تساله ، انت مين ، يشاور لها علي منزلهم القديم ، جاركم وكنت عايش هنا ، لاتصدقه ، بس مشيت من زمان ، نظرت له نظره فاحصه ، وربنا فتح عليك .. ايه بقي اللي فكرك بينا ، لايجد اجابه مقنعه لسؤالها ، يمد يده بالفانوس ، من فضلك اديه للولد علشان مايتقهرش ، كادت تقول له ان ابنها مقهور ولن يعالج الفانوس قهره ، اخدت الفانوس ودعت ليشرب شاي ، اتفضل ماتخافش ، ابوه جوه نايم عيان ، ماله يشعر دفئا لم يشعر به منذ سنوات بعيده ، نادي يوسف واعطاه الفانوس ومسح دموعه ، يشحذ منه ابتسامه يعطيها له بسخاء وسط طوفان الدموع ، يشرب الشاي ويسلم علي الاب المريض في فراشه ويخرج مسرعا !!

ابتسامه يوسف لم تغب عن ذهنه طيله النهار ، كان يتمني رجلا عطوفا مثله يمنحه تلك الابتسامه وقت كان صغيرا ، سخر اكرم من نفسه ، هل صار عطوفا !!!!
ذهب لمقبره امه وقص عليها كل ماحدث ، كاد يبكي ، سالها ، هي هانت ياامه ، لم ترد عليه وغابت مثل شمس ذلك اليوم خلف الغمام !!
فتح تليفونه المحمول ، عشرات الرسائل الغاضبه من ثريا ورساله من عشيقته تذكره بميعادها !!!
لن يذهب للميعاد ، هكذا قرر ، يتمني طفلا من صلبه يمنحه الابتسامه التي منحها له يوسف !!! ثريا لن تمنحه الطفل ولا عشيقته ايضا !!!


( 16 )

فتحت ثريا باب المكتب وصرخت فيه ، انت فعلا اتجننت رسمي ، بتختفي فين ، مين الش .......... سرقت عقلك ، سايب شغلك ومصالحنا وبيتك ومختفي ، قافل تليفونك وهربان من ايه ومن مين ؟؟؟ رد علي يااكرم !!!
يبتسم ولا يرد عليها ، يحدق في الفانوس ويشتاق ليوسف ولسعيده ، يسال امه ، امشي ياامه ، تهمس له ، امشي ياحبيبي والارزاق علي الله ، يحدق في الفانوس بابتسامه اوسع ، مازالت ثريا تصرخ لكنه لايسمع صوتها ، فقط يراها تنتفض وعروق رقبتها تتمدد ، يسمع صوت اسنانها ترتطم ببعضها من الغل ، كده ماينفعش يااكرم ، كده ماينفعش ، فوق لنفسك ، ياليتني ياثريا اقوي انتبه لحالي ، ياليتني اهرب من اسرك وامشي ، دي ملايين ملايين اللي انت بتضيعها دي ، طبعا ماانت مش تعبان فيها ، يضحك من شكلها الغاضب !!!

يناديها بصوت خفيض ... تعالي ياثريا حاقولك ، تقترب منه لاتفهم حالته ، مالك يااكرم اتجننت ، يهمس ، انا عايز اولاد ياثريا !!!لاتفهم ، بتقول ايه يااكرم ، انا باتكلم في ايه وانت في ايه ، يضحك ، المصيبه ان عمرك مابتسمعيني ، انا عايز اولاد ياثريا ، اولاد ، صبيان وبنات ، فهماني ياثريا ، فهماني !!!

لاتصدق ما تسمعه ، لاااااااااااا ، انت اتجننت فعلا !!!
تضرب الجرس تنادي السكرتيرة ، جهزي الاجتماع بكره ، ادعي كل الناس ، بلغيهم ان اكرم بيه تعبان مش حيحضر الاجتماع ، انا اللي حاحضر ، تقف السكرتيره تحدق فيه لاتصدق ما تسمعه ، لم تعتاد الصوت العالي لثريا ، لم تحضر اجتماعات هامه مثل ذلك الاجتماع ، تسال اكرم ، اجهز الاجتماع بكره ياباشا ، يبتسم وهو يحدق في الفانوس ، اعملي اللي المدام بتقولك عليه ، يسحب الفانوس وجاكتته ويترك المكتب والشركه بسرعه ... في الشارع يتنفس بعمق ، يلمح النظره الكسيره تأتيه من بعيد ، لاتحتله مثلما تفعل كل مره !!!
يسمع صوت امه ........ ترد علي سؤاله !!
متي سابكي ياامي .......... متي ساابكي !!!
ستبكي في حضن امرأه تحبك وتطمئن لها !!!
ومتي ستاتي ياامي .... ستأتي وقتما يكون قلبك طاهر مثلما كنت في رحمي !!!
لكني طاهر ياامي وقلبي طاهر ..... ليس مثلما كنت في رحمي !!!
اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وانتظرها !!!!
يتذكر ابتسامه يوسف .. يشتاق له ولكل الاطفال
انا عايز اولاد ياثريا ... عايز اولاد !!!


( 17 )

طردته ثريا من الفيلا ، اخذت منه مفاتيح الشركه ، الغت توقيعاته من البنوك ، تمنت لو تمزق ملابسه ووجهه !!!
تشاجرت معه مشاجره عنيفه وقتما عادت ليلا !!
اهانته بقدر ما قوت ، خلاص شبعت وبتقولي ولاد ، كانوا فين الولاد لما كنت شحات مش لاقي تاكل ، كانوا فين لما وطيت علي رجل بابا تبوسها علشان يرضي اتجوزك ، مين الش ............. الواطيه الناقصه اللي لعبت لك في راسك وقالت لك عيال !!!
الغريب انه لم يرد عليها ، لا الاغرب انه لم يتضايق من كلماتها ، تقول كل الحقائق التي يعرفها ولا شيء جديد !!!

انت اتبطرت علي النعمه يااكرم ، واللي يرفص النعمه ترفصه !!!
ضحك وهو يتصورها حمارا هائجا يرفص في بطنه وهو ملقي علي الرصيف في حيه القديم الفقير !!!
لماذا سمع صوت ضحكات يوسف ، ربما منظره نائما علي الارض ببذلته الانيقه والحمار الهائج يرفص فيه اضحك يوسف!!!
انا مابجبيش عيال يااكرم وانت عارف كده كويس !!!
هز رأسه تأسيا ، ياريتك جبتي عيال من بدري ياثريا ، كان زمان حياتنا اختلفت !!!
بقولك ايه ، اختار ، انا والشركه والفيلا والشغل ، او انت وافكارك الغريبه وفوانيسك وجنانك !!!


( 18 )

لماذا احس براحه رهيبه !!!
خلع دبله الزواج التي كانت تقضم اصبعه وهي تخرج منه ، القي المفاتيح علي المنضده ، ابتسم لها ، بل قبلها في وجنتيها وودعها وخرج من الفيلا متحررا من كل القهر الذي عاش فيه حتي ذلك اليوم !!!

ثريا اعتقته ، من ماضيه الموجع وقهر الذكريات ومن حاضره القاسي ووجع الانكسار !!
ثريا اعتقته من اختياراته الحقيره وقتما القته في الشارع ، ودعها مبتسما واكد عليها ، ورقه الطلاق حتوصلك قريب قوي وربنا يوفقك !!!
سمع للمره الثانيه ضحكات يوسف !!! ابتسم ثم ضحك ، نظرت له ثريا لا تصدق ماتراه ، انت اتجننت يااكرم ، اتجننت بجد!!!

ركب سيارته وقادها لمقبره امه وهناك انفجر في البكاء !!!
امه اخذته في حضنها وهدهدته مثلما كان صغيرا ، نام في حضنها مثلما كان يفعل !!!
لماذا احس بكف يوسف تطبطب عليه ، سمع صوت انفاسه ، سمع صدي ضحكاته ، احسه يمسح دموعه مثلما مسح هو دموعه !!
لماذا سمع صوت يوسف يناشده ، ما تعيطش !!!
خرج من المقبرة وقاد بغير هدي !!!
استقال من الشركه ، وباع اسهمه لثريا وطلقها !!!
اشتري ملابس جديده لم تعلق بها رائحتها ولا رائحه الصفقه التي باع بها روحه للثراء والجدب !!!
اشتري مائه فانوس من بائع الفوانيس الذي لم يصدق عينه !!!
جاب الشوارع يبحث عن سعيده يتمناها سعيده باسرتها وزوجها الفقير واطفالها الكثر !!!
يوزع الفوانيس علي الاطفال ويشتري ضحكاتهم وسعادتهم !!!
يفكر في يوسف كثيرا لكنه لم يزره مره ثانيه ، يكفيه الابتسامه التي منحها له ليبقي في قلبه العمر كله !!!!
محي كل الارقام من تليفونه المحمول وحين ضج من رنينه القي الشريحه في عرض الشارع وسط السيارات السريعه ونسي النمره وكل السنوات السابقه !!!
حاول يتذكر النظره الكسيره التي كانت تطارده لكنه لم يفلح في استرجاعها ، رحلت النظره الكسيره عن خياله للابد !!!
غادر العاصمه واقام في الاسكندريه !!!
اقام في فندق اقامه مؤقته مهما طالت ، لن يشتري منزل الا من اجل اولاده اللذين لن يأتوا بعد !!!

لمح ذات يوم غائم ، في احدي الصحف النهاريه تحقيقا عنه تزينه صورته ، ينظر في الصورة ولايعرف ملامحه ، هو رجل يشبهه لكنه عصبي متوتر ، من الصوره تطل النظره الكسيره التي كانت تلاحقه ولم تعد ، وشمت وجهه القديم بقهرها لكنها غادرته ورحلت ، قرأ المانشيت مبتسما ، جنون رجل اعمال ، ثريا تقول عنه ما قاله مالك في الخمر ، ضحك وهو يطوي الجريده ملتمسا كل الاعذار لثريا التي لاتفهم مالذي حدث له ، يلتمس له العذر هو نفسه لم يفهم مالذي حدث له!!!!

يتمني يقابل سعيده ولو صدفه ، يتمناها اطهر منه ، يتمناها مثلما كانت سعيده اسم وصفه !!!
لو عثر عليها سيعترف لها بحبه ويقر لها بذنبه ويبكي في حضنها !!! مش كده ياامه برضه ، كده ياحبيبي ، ربنا يسعدك يااكرم ياابن بطني!!
لكنه لم يعثر عليها ابدا ، سعيده اختفت من حياته في نفس اللحظه التي قرر فيها يبيع نفسه ويتركها !!!
يفكر فيها كثيرا لكنه لم يعثر عليها ابدا !!! قرر اكرم انها سعيده بحياتها واختياراتها وانها لم تسقط مثله !!!
وقت يفكر فيها يبتسم لانها راضيه في حياتها وسعيده بها !!!


( 19 )

مرت سنوات كثيرة !!!!

في يوم صحو ، خرج اكرم للشرفه ، تنفس بعمق ، ملأ رئتيه بالهواء البارد المنعش !!
يحب اسكندريه في الشتا ، يلسعه البرد ، فيرتعش جسده لكنه يبقي بالشرفه يحدق في البحر ينظر لشاطئه البعيد ويتمني يلقي بنفسه في الماء البارد !!!
تجلس معه امه في الشرفه ، شابه مثلما كانت وقت فتح عينه علي وجهها ، مليحه لم تقهرها الايام ، قويه مثلما كانت طيله زياراتها لاحلامه ، تجلس معه مبتسمه راضيه !!! مش قلت لك ياضنايا ،مش قلت لك اخره مشوارك الدنيا حتصالحك ، يتذكر حواره معه وعينه مكسوه بالدموع ويسالها ، ولغايه ماتصالحني ياامه حاعمل ايه ، تبتسم ، حتعافر في الدنيا وتشد حيلك وتصلب طولك وتوعي لروحك ، لاتخلي ندل يخونك ولا كلب يعضك ولا حنش تأمن له يسمك ، واخره المتمه ، حتتطهر وتستحمي وترمي ذنوبك ورا ضهرك وربنا حيكرمك ..........

يقف في الشرفه ينظر للبحر يحدق فيه .... يتذكر ثريا يشعر بالاسي عليها ، صدقت ياامه ظلمت نفسي وظلمتها ، يتذكر كل عشيقاته وانتصاراته علي اجسادهن وهزيمه ثريا التي كانت في الحقيقه هزيمته هو ، يتذكر سعيده ، يتمني لها الخير ويتمناها احسن منه ، يتذكر يوسف الصغير يبتسم ، عالجه يوسف بابتسامته من اوجاعه وهمه ، يتذكر بائع الفوانيس ، ربنا يخلي لك ولادك ياباشا ، يضحك ، لم اعد باشا ، لكن ربنا يخلي لي ولادي ....



( 20)

رمضان جانا وفرحنا به ... اهلا رمضان ..
رمضان جانا ...

مازال اكرم جالسا في الشرفه ، امه تجلس بجواره مبتسمه ، امام وسط الليل فانوس كبير يسطع بنوره مثل قمر السماء الذي يلقي بضوءه علي البحر ...

يخرج يوسف وهنا للشرفه ، يحملا الفوانيس الجميله التي اشتراها لهما ، تجلس هنا علي حجره ، تلاعب ذقنه البيضا ، يقبلها ، ياخذها في حضنه ، يسحب يوسف بذراعه الاخري ، ياخذهما في حضنه وينادي سميحه لتجلس معه ، تاتيه من داخل الشقه ، مال ملامحها تبدلت عن يوم لقائهما الاول ، صارت تشبه امه بلا ذل يقهر ملامحها ، تأتيه تحمل علي ذراعها طفله الثالث ....

تساله ، بتنده يااكرم ، يقبض علي ذراعها ، تعالي اقعدي معانا شويه ، مافيش احسن من لمتنا دي ، تضحك سميحه ، لاتصدق ماتراه ، هل هذا الرجل السعيد وسط اطفاله ، هو نفسه الرجل الذي كان يبكي مرا في حضنها قبل ما ربنا يتوب عليهما معا ، جلست وتكاد تسأله ، ازاي سامحتني ، هي الساقطه التي انتقاها لتصبح زوجته وتحمل اسمه وتمنحه اطفاله الاحباء ، يسمع سؤالها فلا يرد عليها ، انت بعتي نفسك وانا بعت نفسي ، بس كنت طيبه واطيب مني كمان ، احنا الاتنين نستحق حياه جديده ، لايرد عليها لكنه يمنحها ابتسامه طيبه ويهمس ، رمضان كريم ياسميحه ، فتهمس ، الله اكرم يااكرم ، كل سنه وانت طيب وبخير ، وربنا يخلي لك عيالك يااكرم !!!

تتسع ابتسامته اكثر واكثر ويغيب مع البحر !!!


انتهت الاجزاء الثلاث ...

هناك 6 تعليقات:

manoola يقول...

أميرة

لي طقوس عندما أقرأ
صينية القهوة والماء المعطر بماء الورد او ماء الزهر... وجلسة رايقة في البلكونة

اليوم... ضاعت مني طقوسي وانا اقرأ
"النظرة الكسيرة... وبائع الفوانيس"

سرقتني الحروف من عاداتي
لم تمهلني الحروف الاولى لحظات اعداد فنجان قهوتي.

اتعبني "اكرم" عشت احاسيسه
الفانوس كان بالنسبة له هو "الامل" الذي كان حلما بعيد المنال بالنسبة له
والنظرة المنكسرة هي ضياع الامل منه

عاش ايامه... طفولته ... شبابه.. وحتى نجاحه.... وهو يحمل في احضان قلبه الحلم المسروق... الفانوس الذي لم يحصل عليه

هذا احساسي بحروفك يا اميرة
وسألت نفسي
ألهذا السبب لا اصبر على الفانوس عندما تنطفيء زهوته واهرول لاشتري واحدا جديدا مع قدوم رمضان؟

غير معرف يقول...

Dina Tawfick
قرأت الجزء الاول وبكيت .. آآآآه يا اميرة .. صندوق الالم والفنوس وازاى نصالح روحنا وازاى نحب اللى فاتونا بعد ما فاتونا اكتلر مما كانوا معانا .. آآآه يا سيدة الاحساس وجعتينى اوى .. كل واحد فينا جواه اكرم وامه والصندوق ونفسه فى الفانوس : )

-

غير معرف يقول...

Maha Al-Abase
مش عارفه ليه حسيت ان القصه كلها فى كلمتين
" ربنا يتوب عليهما معا"
الماضى بيبصم على ارواحنا بصماته للاسف بس لازم نعافر معاه عشان مانستسلمش ليه
اكرم الدنيا كانت قاسيه عليه ماقدرش انه يعافر مع نفسه قبل الدنيا استسلم للطريق السهل عاش سنين بيبكى ف...ى صمت ماقدرش يتخلص من حزنه وبصمات الالم والنظرة الكسيرة إلا عندما تتطهر
وربنا تاب عليهما معا
See More
August 24 at 9:04pm ·

غير معرف يقول...

Ehab Samra
الحياه على حافة الهاويه .. تلك هى حياة أكرم و كل من حوله.. أمه , زوجته ,. عشيقاته .. الجميع
يا أما أنا كده كده آخرتى وحشه ماعنديش حاجه تخليها حلوه

اللى بيتعلم يبيع نفسه عمره ما بيبطل يبيعها

...جملتين هما مفتاح الأسطوره كلها .. جملتين هما محور شخصية أكرم ..كان أكرم فى الحقيقه رهين محبسين .. الفقر , و مبادىء أمه .. كلاهما كانا يحبسانه .. تحرر أولا من مبادىء أمه و طرد الرحمه من قلبه .. و سار فى طريق بيع نفسه بقسوه بالغه على نفسه قبل أن يقسو على الآخرين .. و بمجرد ان تحرر من المبادىء حتى تحرر من محبسه الآخر .. الفقر .. و صارت قواعد تحرره متلازمين دوما .. الغنى يلازمه القسوه .. فالرحمه و المبادىء لم ير منهما سوى .. الفقر , و القهر

جملتيه المفتاح لا أدرى لم يذكرانى بالآيه الكريمه: قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .. هو بالفعل كان قانطا من الرحمه حتى كره الرحمه .. و مارس القسوه حتى استكان لقسوته

لكن الرابط الأسطورى بينه و بين رحمن السماوات و الآرض لم ينقطع ابدا .. بطيف أمه الذى دأب على زيارته كل ليله .. يطالبه بالتطهر و القاء الذنوب وراء ظهره

و فى لحظة افاقه على ابتسامة طفل بعد بكائه المقهور .. ينفتح الكنز .. كنز الرحمه .. و ينفذ أمر أمه بلل و يتجاوزه .. يتطهر و يغسل ذنوبه .. بل و يطهر سميحه ايضا .. و يلقى بذنوبها خلف ظهره .. و تتنزل الرحمة فعلا على الجميع .. و يكون البيت و الأولاد و ألأسره .. جمع صغير عارف فى الرحمه و المغفره .. بعد أن تطهر الكل و القوا بالذنوب خلف ظهورهم

رائعه و ناضجه كعادتك مؤخرا .. بل قصتك رسالة رحمه للقلوب التى أرهقها الأنكسار و القهر .. بجد .. تسلم روحك .. يا قارئة الأرواحSee More
Wednesday at 5:20am

غير معرف يقول...

Zydan Utopia فغادره الفقر وبقي البؤس يحتله لاسباب اخري يعرفها جيدا !!! اه من تلك النظرات الكسيره التي تحاصره وتطارده في نهاره وفي احلامه !!!!! ومتي سابكي ياامي !!!!!!!!!!!!

ما اصعب الانكسار والبقاء في ملاجئه
تحياتي
Thursday at 2:09am ·

غير معرف يقول...

Nesrin Youssef اصعب ما فى الدنيا الانكسار و قلة الحيلة
ابدعتى فى القصة ديه يا اميرة
محستش بطولها اخدتنى من اليوم
عشتها و شوفتها معاكى حرف حرف
Thursday at 3:21pm