مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 26 أغسطس، 2010

واعطي البحر والليل ظهره !!!



كان عجوزا ، سنوات العمر قليلة والهم كثير ، انهكته المعارك والحروب والنذاله والخيانه ، انتشر الشيب في راسه ارهاقا وتعبا ، لم يعش حياه عاديه ، فتح عينيه علي صراعات لايعرف مبررها ، هو دون عن كثيرين ولد وسط دوامات عاتية ، لا شيء سهل ولا شيء ممكن ، يقتنص كل شيء في حياته حتي ابسطه من وسط النيران ، لم يستمتع بوقته ولم يخلد للراحه ابدا ، كل ماعرفه وتعلمه في حلبة الحياه ، كيف يبقي حيا وسط معركه كبري لم يختر يدخلها ولا يقوي يخرج منها وحين تنتهي تسلمه لاخري اشد بأسا ، حرمه الاخرين الطمأنينه والسكينه والامان ، حاصروه بابشع مشاعرهم فارهقوه ، علمته النساء بكيدهن كيفيه الفرار منهن فالقلب اوجعه الكذب والمشاعر ذبحتها الخديعه ، كان شابا اشيب ، فالهم حين حاصره علمه الحكمه والرزانه والصبر!!
في بدايه سنوات العمر تصور مايعيشه مرحله مؤقتة مهما طالت ستنتهي وانتظر ينتصر في معاركه ليعيش ، لكن كل معركه خاضها لم تقتله قادته لمعركه اخري اشد وطئه ووجع وبعدما تلاحقت المعارك وتبعثرت طمأنينه روحه في ساحات النزال امن ان الصراع العاتي قدره والهم الموجع نصيبه في الحياة التي سرقت شبابه وقبلها طفولته ومنحته شيخوخه مبكره ورزانه وذكريات موجعه وجسد مرهق اثخنته الجراح يتوق لحضن امرأه تحتويه لكنها ايضا ضنت عليه بها الايام وحرمه منها القدر !!!!
لم يقرأ حظه في الصحف ولم يمنح كفه لاحد ليقرأه ويقرأ غيبه ، لم يبحث عن غامض يؤرقه لان كل الغامض واضح وكل الغيب حاضر ولاشيء يحيره ليحاول اكتشافه ، قدره الهم ، هكذا ببساطه ، مهما اختلف شكله وجسامته ووجعه ، لم يسال نفسه ابدا ، لماذا انا ، احسه سؤال عبثي لن يمنحه اجابه ولن يغير واقعه ، لماذا انا ، لاني انا انا !!!! لماذا في ذلك اليوم ، قرر يلعب ؟؟؟ لايعرف ، ربما بعدما فرغت اللعبه فهم ذلك الهاتف الخفي الذي دعاه ليلهو !!!
كان يومه طويل ومرهق اقتتات فيه الوجع مثل كل الايام ... قرر يفر للبحر في اخر الليل يجلس امامه صامتا كعادته حين تشتد به النوائب ، يجلس امام البحر في الليل صامتا ، هل ينتظر عروس البحر تخرج له من البحر وتخطفه ، هل يبحث عن قدر جديد ينتشله من قدره ، لايعرف ولا يفكر ، حين يرهقه اليوم ويستبد به التعب والوجع ، يفر للبحر وهناك يتأمله يموج وسط الليل بصخب مخيف ، يتأمل امواجه المتلاحقه لاتكف عن الكر والفر ، يتأمل لجه الاسود المخيف كان الاشباح تلهو فوق سطحه ، ربما ينتظر نبوءة تخبره بما لايعرفه ، ربما يبحث عن تعويذه تفك طلاسم قدره العاتي ، ربما ينتظر دفئا يلقيه الفجر الحاني في قلبه بعد مخاوف الليل ووحشته ...
جلس علي الرمال امام البحر صامتا ، كعادته . جلس علي الرمال البارده يعبث في ذراتها وينثرها في الهواء ، يبحث عن عجينها البارد في الاعماق ، يحس حياته كمثل تلك الذرات تتناثر وتتبعثر امام عينه ، يتمني ينزلق للاعماق البارده تدفئه بصقيعها ، يحدق في البحر ويصمت .. انتبه لخطوات بطيئه خلفه ، سيده مسنه ، بعباءه ملونه قديمه وعقود طويلة واكف لامعه تتدلي قرط وعقد وسوار وخرز ازرق خلال في ساقها وخواتم صدئه كثيرة وعيون كحيله ووشم في الذقن ازرق قديم ، انتبه لملامحها وتجاهلها ، لكنه سارت صوبه ، ابتسمت ابتسامه كبيره تكشف عن طيبة وغموض ، تجاهلها اكثر ، لايحب مجاذيب الليل ولا طاقه عنده يمنحها لهم ولاوقت ولا اهتمام ، همست ، سمعت نداك وجيت لك علي طول ، اتأخرت عليك ؟؟ كاد يهشها ، لم اناديك ياخاله ولاانتظرك ، صمت ادبا ، اقتربت اكثر ، همست ، كل حاجه بميعادها يابني ، والشمس ما بتطلعش بليل ولا حد بيموت ناقص عمر ، انت ناديتني وانا جيت في الميعاد المكتوب ... كاد يقول لها لم اناديك ياخالة ، لكن يقينها طمان روحه ، جئتك مثلما تمنيت لاكشف لك طالعك الذي حيرك واوجعك ، لم تنطق باي كلمه لكن فهم كلامها ، اجابها بعيون ارهقها الهم ، لاابحث عن طالع اكشفه فكل مايختبيء اعرفه وحين اعرفه اكتشف اني كنت اعرفه ، لم تيأس من فراره ، لكني احمل لك رساله تخصك ، لاانتظر رسائل ياخاله ، ومن قال ان الرسائل تذهب للمنتظرين ، هي رساله تخصك حتي لو كنت لاتنتظرها !!!
جلست بجواره ، وضعت كفها الخشن علي كتفه ، وهج تسلل من اصابعها لقلبه ، كان الكهرباء كانت مقطوعه وعادت ، ارتعش مثلما ترتعش السلوك العريانه وقت تتدفق فيها شحنات الكهرباء القوية ، سالها مرتبكا من انت ، مازالت تبث في جسده الدفء والعزيمه ، انا التي تحملت عبء الطالع وهمه كشفه ، انا التي لا انتقي من احدثهم بل ينادوني فاذهب ، غريبه تسعي خلف الغرباء ، اسير خلفهم ومن اجلهم وحين تدق الساعه الاقيهم وابوح ، اخبرهم بما لااعرفه ، لكنها رسائلهم وانا اوصلها لهم وحين تصل الرساله ارحل ابحث عن اخرين تمتلأ جعبتي بما يخصهم ، اسير خلف النداء وان خفت واطارد صاحبه ولو بعد وحين الاقيه ابوح بما ينتظره وقبل ماتشرق الشمس ارحل ثانيه ومابين بحث ورحيل ونداء وصمت وفرح ودموع وجدت ايام العمر عندي معناها وقيمتها و.........لاتخف مني ياولدي ، لم اؤذ احد ابدا ، لااملك بك شرا لا انا ولاغيري ، كل مانعيشه مكتوب !!!
كاد يقول لها ان مكتوبه ارهقه ، ابتسمت وقالت له لاتتعجلني ساقول لك كل مايخصك وحين ارحل لاتلعني ولاتشكرني ، فانا وصلت الرساله كما وصلتني ، لم اكتب منها حرفا ولااملك اغير حرفا ... لاتخف مني ياولدي وامنحني روحك اقرأها ولا ترهق نفسك في مواراه مالن تواريه ، فالحجاب بيني وبينك يرفع وكل المحجوب سيظهر ويبان !!
استسلم لها لايعرف سرها لكنه يشعر بالامان فسايرها في لعبتها ، حدقت في عينه فاستسلم لها ، لمست جبينه فارتعد كانها تقرأ باصابعها الماهره المرتعشه ماهو مسطور عليه ، صمتت وصمتت ، مازالت كفها فوق كتفه ، كانها تقرأ سطور حياته وتفهم مابينها ، كأنها قرأت له الودع والطالع وحدقت في فنجان قهوته و فحصت كفه وخطوطه ، تنهدت بحنان وحزن ، كانها كانت تتمني لاتسمع ندائه ولا تفك طلاسم روحه ... قالت له العرافة العجوز ... لاتهرب من قدرك لن تهرب مهما حاولت ، عقدت حاجبيها وحزنت عليه وله ، قالت له الهم سيطاردك مهما فررت ، ومهما حاولت لن تفر من همك ، تحمله فوق كتفيه ويجري في شراينك مثل دمك ، اغمضت عينها وصمتت ، انتظر بقيه نبوئتها يتمناها تمنحه مالا يتوقعه ، يابني ستتوجع في الدنيا حتي تشكو الدنيا من وجعك وتتمني لو يرأف بك القدر لكنه لن يرأف ...نظر لها بحزن عميق وصمت ، تمني يغادرها ويرحل ، لم تكشف له المستور ، بل قرأت رحلته التي سار في دروبها حتي ارهقته الرحله والدرب والخطوات !!!
تمني يغادرها ويرحل ، تململ ، قبضت علي كفه وصمتت اكثر ، غابت بعيدا ، احسها تبعد عنه وكفه بين اصابعها ، رحلت بعيدا وحين كاد يمل بعد طول صبر وانتظار ، ابتسمت ابتسامه حانيه وهمست ، لااملك لك تعويذه تبعد الهم ، ولا ترياقا يشفي جروحك ، لااملك لك سفر تتلوه فتبرأ ولا ذكر تردده فتتحصن من الهم والوجع ، لااملك لك حجابا يعتقك من حظك ولا يغيره .... كاد يسالها ، لماذا جئت وانت خالية الوفاض لاتملكي ما تروي به عطشي ولا تعالجي به وجعي ، لكنه اشفق عليه من قسوته فمن تذبحه القسوه يشفق علي الاخرين من انصالها ، قرر يشكرها ويقوم ، اشكرك لانك كنت صادقه معي ولم تخدعيني وجراحي من الخديعه اثخنت جسدي وروحي ، كاد يشكرها ويقوم ، لكنها قبضت علي كفه اكثر وبمنتهي الحسم وصمتت .. لماذا العجله يابني ، طريقك مرسوم لاخطوه ازيد ولا خطوة اقل وانت ستسيره ستسيره فلماذا العجله ؟؟؟
ارتبك ، اشكرك ياخالة لاتشكرني يابني لاتشكرني ، ولاترحل ، فالسطر الاخير في كتابك لم اقله بعد ، قلبي دلني عليه وسط كل الطرق المغلقه والكمائن ، روحي هدتني اليه من بين كل الوجع وكل الحزن ، الفرح ينتظرك مهما تأخرت عليه ومهما طالت سكتك ، الفرج محطتك الاخيره التي ستصل اليها وتبقي فيها حتي نهايه العمر ، في نهايه رحله الاوجاع ستجد الفرح والفرج ينتظراك يصالحاك علي قدرك وعلي الدنيا ... صمتت وغابت ، تراخت اصابعها عن كفه ، احسها قالت كل مافي جعبتها وكل مارأته ومااحسته وماكشفته وكشفت عنه ، سيشكرها ويذهب ، فتحت عيناها سعيده راضيه وبورع وتقوي وطيبه وصفاء همست ، يابني لاتنسي كلماتي ولا تغفل عنها ولا تيأس من رحمه ربك وكرمه ، فالعواصف التي ستحيط بك قاسيه والاعاصير التي ستتجاذبك موجعه والهم الذي سيثقل قلبك كثير ودموعك ستفيض وتفيض وجسدك ستنهشه الحمي والاوجاع وروحك ستخنقها القسوه والايام وغدر الاخرين ستيأس وتتعذب وتفقد الامل والثقه في الحياه وستكاد تفقد ايمانك وعقلك ..... لكن ..... وصمتت فارتجف قلبه واشتاقت صحراءه لقطره ماء عذب ....
لكن .... انتبه لها ... بقدر الشقاء بقدر الفرحه ، بقدر العذاب بقدر الرضا .... ابتسمت بطيبه ، لو تعلم يابني قدر الفرحه التي تنتظرك لسعدت بكل الشقاء اللي مررت وستمر به واغمضت عيناها وصمتت صمتها الاخير ... وافلتت كفه من بين اصابعها .... حدق في وجهها كانه ينتظر بقيه نبوئتها فاشارت له يرحل ، رسالتك وصلتك ولااملك لك شيئا ، كل ماعندي قلته وكل ما قرأته اخبرتك به ، ودعته بابتسامه صغيره ورجته ، ان صادفتني ثانيه لا تزورني وحين القاك ثانيه لن اعرفك ، ، فقراءة مامررت فيه وماستمر فيه اتعبني وانا عجوز منهكه لااملك اياما ولا قوه توصلني مثلك بسلامه للفرح والفرج الذي ينتظراك .... رسالتك وصلتك وبعدها صرنا غرباء... قبل يدها وودعها ، تركته وابتعدت ، تحف قدميها بالرمال وصخب محبب يصاحب خطواتها صهيل الاكفف المعدنيه والعقود والخرز الازرق وحفيف الثوب والطرحه ، يلاطمها نسيم الفجر فتنساب نغمات حانيه مع صوت الموج العاتي يسعده !!!
بقي يحدق في البحر الصاخب وصوتها الهامس يدوي في اذنه ، اشكر ربك لان بقيه ايامك تخبيء لك السعاده التي ماكنت تتصورها ، اشكر ربك لانه قسا عليك فتحملت فهون عليك واعتقك .. وحين اوشكت الشمس تبزغ من البحر وتماوجت الوان سطحه بين القرمزي والاحمر الداكن والذهبي ورحل الاسود والداكن ومعهما نجوم السماء ، لملم روحه وجراحه واوجاعه وامله وقرر يغادر البحر ويعود لحياته ، تذكر كلمات العرافه التي صدقها فاصدقته ، شكر ربه واكثر من الشكر علي قدر الفرحه الكبيرة التي تنتظره فهو الوحيد في هذا العالم فقط الذي يعلم قدر العذاب الذي مر به ، ولان الفرحه قدر الشقاء ، فالف شكر وحمد لك يارب علي كل مامنحته لي وما ستمنحه لي وكلي شوق للسطر الاخير وفرحته وفرجه !!!! واعطي البحر والليل ظهره ... ورحل شابا للامل و................ استيقظ من نومه !!!!
سبق ونشرت هذة الحدوته في مدونه ياما دقت علي الراس طبول .. لكني قررت اليوم 8 ابريل 2011 انقلها في مدونه الشوارع حواديت ..

ليست هناك تعليقات: