مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

يوم حار في اغسطس !!!!



مازالت واقفه مكانها تحلم بالبحر !!!!!



كانت مرهقه متعبه .. متوتره ... لم تنام الليل ... سهرت ساعاته كلها تعد الملابس والاطعمه التي ستمنحها لاخيها ..
نادت علي الشغاله لم ترد عليها ، اخذت حقيبتها وفتحت الباب مسرعه ونزلت !!!
نزلت من منزلها مبكرا ... مشوارللمحكمه ياخذ ساعه وقت الذروه المروريه ، لكنها في الشارع قبل ميعاد المدارس .. الشوارع خاليه والقاهره مدينه جميله وهي خاليه ، تحركت بسيارتها القديمه من الجيزه صوب مصر الجديده .. قبضوا علي اخيها ضمن قضيه كبري ، متهم صغير وسط حيتان ،لم يقتنع المحقق باقواله ولا برائته ، حبسه مع بقيه المتهمين ..سالته الف مره عن حقيقه الامر فانكر كل الاتهامات المنسوبه اليه ، اوضح لها انه مظلوم وصدقته ، تمنته يخرج من السجن لكنه لم يخرج ، كل مره في جلسه تجديد الحبس ، القاضي يأمر بالاستمرار في حبس جميع المتهمين وهو من ضمنهم ، دعت له في كل صلاة ومازالت تدعي ...اليوم سيذهب للمحكمه ، سينظر المستشار في شأن حبسه ، ربما يستجيب الوهاب لدعائها ويصدقه القاضي ويفرج عنه ..ستذهب للمحكمه مبكرا ، تمنحه الاكل والملابس وتجلس في الصفوف الاولي تسمع مرافعات المحامين وتنتظر الافراج عنه .. قضت الليل كله تغسل العنب الذي يحبه اخيها ، كوت له ملابسه كلها ، رتبت الحقيبه التي ستاخذها معه ، مشوار المحكمه اقرب من مشوار السجن ، ستمنحه الحقيبه في المحكمه ..
خرجت من منزلها متفائله بالصباح الجديد ، سمعت دعاء الكروان وقت الفجر فسمعت القاضي ينطق حكمه العادل بالافراج عن اخيها ، يارب يفرجوا عنه ، حياتها في غيابه ارهقتها ، ترك لها اطفاله الثلاث لرعايتهم ، امهم ماتت منذ زمن بعيد ، هي العمه والام ، غياب ابيهم خلف القضبان احزنهم ، حياتها في غيابه ارهقتها ، ترعي الاطفال وتعد الطعام وتزوره في السجن وتنتظر بالساعات في مكتب المحامي البصباص الذي يتحرش بها فتتجاهل سلوكه كانها لاتفهم ، انه محامي اخيها الذي سيخرجه من السجن ويهون عليها حياتها ، سيعود اخيها لاطفاله وستنام هي ايام طويله تريح بدنها ونفسيتها من هم ايام الحبس الطويله ...
قادت عربيتها ، تسمع الراديو ، الاغنيه القادمه علي حظها ، ياصباح الخير ياللي معانا الكروان غني وصحانا ، تبتسم ، الجو حار قيظ ، عربيتها بلا تكييف ، لم تقوي علي تغييرها رغم انها قبضت الجمعيه لكن كل ثروتها لم تشتري لها سياره بتكييف ، تقود في الحر الذي لم يشتعل لهيبه بعد ، مازالت الشمس عاليه بعيده ، لكن الرطوبه خانقه ، اغسطس اللعين في القاهره ، الاغنيه القادمه علي حظ اخيها ، مال القمر ماله ماجيناش علي باله ، تتاسي علي اخيها ، الاغنيه لم تنصفه ...

الشوارع مزدحمه علي غير العاده ، اصوات الكلاكسات عاليه ، الجميع غاضب من الزحام غير المعتاد ، تسير ببطء السلحفاه ، تسمع اغنيه واثنين وهي مكانها لا تتحرك ، ستتوتر ، تهديء نفسها ، مازال الوقت مبكرا ، الاغنيه القادمه علي حظها ، كل دقه في قلبي بتسلم عليك ، تبتسم ، ياحبيبي يااخويا واحشني والنبي ، مازالت السياره مكانها ، الجو يزداد حراره ، مازال الوقت مبكرا لكن الزحام يخنقها ، اشعلت سيجاره ، كحت ، اختنقت ،حر اغسطس ودخان السيجاره لايتفقا ، القت السيجاره وبدأت النرفزه والعصبيه يتسللا تحت جلدها ، الاغنيه القادمه علي حظ اولاد اخيها ، ماما زمانها جايه جايه بعد شويه جايه لعب وحاجات ،تضحك رغم ضيقها ، فأل حلو والله ، لا ده بابا اللي زمانه جاي ، مازالت واقفه مكانها!!!

سائق السياره التي بجوارها نزل منها ، عصبي مبلل بالعرق ، لايكف عن السباب ، ايه القرف ده علي الصبح ، جاتكم الغم في عيشتكم ، تساله عن سبب الازدحام ، يشوح لها بذراعه ولا يرد عليها ، يشرح لها اخري يقود موتسكيل ، فيه ضيف رسمي رايح الهرم ، الشوارع كلها مقفوله ، هل توترت اكثر ،تظن هذا ، سيارتها بلا تكييف والاكل سيفسد داخل حقائبه من شده الحراره ، وكل تعبي يروح علي قله فايده ، ابعدت ذلك الهاجس عن راسها مازال النهار لطيفا ، ومافيش حاجه حتبوظ ، الاغنيه القادمه علي حظ المحامي البصباص ، تضحك ، حظه اسود ومنيل يارب ، تندم ، حظه فل يارب ويطلع اخويا براءه ، جينا الدار نسال علي الحبايب لقينا الدار يبكي علي اللي غايب ، تتوتر جدا ، يادي النيله ، حظ المحامي البصباص كله نكد ، سيفشل للمره الثالثه في اخراج اخيها من السجن ، تسخر من لعبتها السخيفه ، تغلق الراديو ،ومازالت واقفه مكانها !!!!

تتحرك السيارات امامها ، خطوه ثلاثه خمسه ، ثم يقفوا جميعا مره ثانيه ...
تتذكر مشاجرتها مع اخيها ليله القبض عليه ، يعود المنزل متأخرا ، لايهتم باولاده ، بتجيب فلوسك دي منين ، لايرد عليها ، ليلتها رجع من عمله منتصف الليل ، كانها شمت رائحه الخمر في انفاسه ، سالته انكر ، كنت في الشغل ، كررت السؤال ، صرخ حاسكر فين في الشغل؟؟!! تحسه كاذب لم يكن في العمل ومتأكده انه شارب حاجه ، ليلتها تشاجرا وبكت ، نام متعبا ، استيقظوا علي طرقات مجنونه علي الباب ، في لمح البصر البوليس احتل المنزل ، وبسرعه اقتادوا اخيها معه ورحلوا ، تلمع الدموع في عينيها ، ليتها لم تتشاجر معه ، قبض عليه وهو غاضب منها ، يارب تفك حبسه يارب .. مازال مكانها لاتتحرك والشوارع مكدسه بالسيارات ، الوقت يمر ، مازالت علي كورنيش العجوزه لم تصعد كوبري اكتوبر بعد ، توترت بشده ، سيذهب اخيها للمحكمه قبل وصولها ، كانت تتمني تراه قبل الدخول في قفص القاعه ، بهذه الطريقه لن تلحقه ، فتحت الراديو ، الجو يزداد حراره ، هل هذه دقات التاسعه ، مرت ساعه واكثر وهي مكانها ، تخبط علي مقود السياره بعصبيه ، تغني مع عبد الحليم ، حبك نار ، تضحك ، مين الغبي اللي اختار الاغنيه دي والجو مولع ، تنظر لسجائرها ولاتقترب منها ، تحدق في سياره قريبه ، نوافذها مغلقه ، تحقد علي الركاب ، يرفلون في نعيم التكييف وهي تحترق من الحر ، اغسطس اللعين متي يرحل وتاتي نسائم سبتمبر ، مؤشر حراره السياره يرتفع ، تضغط علي اله التنبيه بعصبيه ، تنطق عاصفه حولها من الضجيج ، الجميع غاضب من الحر والزحام وموكب الضيف !!!
احست عطشا وجفافا في حلقها ، تتمني كوب ماء بارد يروي عطشها ، تتذكر البطيخ في تلاجتها ، يجري لعابها ويسيل تحلم بقطعه بطيخ بارده تلوكها في فمها تبرد جوفها ، تتحرك السيارات ، تتحرك ببطء ، خطوه اثنين ، الطريق فتح ، تجري بسياراتها ، ترفع صوت الراديو ، ياغاليين علي يااهل اسكندريه ، تحلم بالبحر ، لو يفرجوا عن اخيها ستاخذه واولاده وتذهب للبحر ، تتمني رزازا منعشا يلفح وجهها المحتقن بالحراره ، تهديء سرعه سيارتها ، الكوبري امامها علي مدد الشوف بلا حركه ، السيارات معلقه فوق الكوبري ثابته مكانها لاتتحرك ، تطفيء موتور السياره الذي سينفجر من شده السخونه ، هل ستبكي ، هكذا احست ، اللعنه علي هذه المدينه المزدحمه المكدسه ببشرها وسياراتها ، لماذا لاينقلوا الضيوف بالطائرات ويتركوا الشوارع الضيقه الخانقه للبشر الغلابه ، كعب الغزال يامتحني بدم الغزال ، تضحك ، تحب هذه الاغنيه ، ابتلعت دموعها ، لن تبكي ، لن يراها اخيها في محبسه ضعيفه باكيه قليله الحيله ، الجو حر موووووووت ، تحس جسدها اللزج يلتصق بملابسها بجلد المقعد ، العرق يجري تحت ابطها دبابيس موخزه ، تحس وجهها يحتقن من السخونه ، ريقها جاف ، لو كنت رحت اسكندريه كان زماني وصلت ، لااحد يتحرك فوق الكوبري والشمس تخرق رؤوسهم والسخونه تشويهم!!

دقت الساعه العاشره ، ستفتح باب السياره وتنزل الشارع ، مثلها مثل معظم السائقين ، انه شعب طيب دمه خفيف ، السائقين وقفوا في عرض الطريق يتضاحكون ، يسبوا الضيف وموكب الضيف ، احدهم يناول الاخر زجاجه مياه ليشرب ، يمازحه ، دي ميه الرديارتير ، يشرب الاخر ولا يكترث ، ان شاله تكون منين ، ريقي حجر والايام سودا ، يضحكوا ، تضحك ، دوارين في الشوارع دوارين في الحارات ، ايوه يانجاه قولي ، دوارين لما دخنا ، تضغط بعصبيه علي كلاكس السياره ، يقترب احد السائقين منها ، بالراحه يامدام ، حتحرقي الكلاسك ، يبقي موت وخراب ديار ، الاتوبيسات بجوارها علب صفيح ، البشر جالسون واقفون كانهم مخدرون بالشمس والحر ، شاب علي موتسيكل وجهه احمر مثل الطماطم ، تتامله ، العرق يسيل علي وجهه انهارا ، لايتحرك كانه تمثال ، تضحك ، تضحك اكثر واكثر واكثر ، تضحك بصخب ، اعصابها باظت ، وجه الشاب كانه مضروب سبعين قلم علي خد واحد ، تضحك اكثر اكثر اكثر ، تنسال دموعها ، تضحك وتبكي في ان واحد ، اعصابها باظت اكثر ، يلعن ابو العيشه علي ابو المحكمه علي ابو الجلسه ، تتذكر اخيها ، طول عمره مبهدلني ، شقي وجلاب مصايب ، تتذكر اولاده ، شياطين زي ابوهم ، مازالت تضحك وتبكي ، ترفع صوت الراديو عاليا يصرخ ، شوفتوا العروسه اه شوفتوا القمر الله ، تضحك وتبكي ، تصرخ مع المغنيه ، شوفتوا العروسه اه ، تصرخ فينحبس صوتها ، تكح تضحك تبكي ، يناولها احد السائقين زجاجه مياه ، هوني علي روحك يامدام ، تشرب وتنسي تشكره ، لاينتظر شكرها ، مازالت تبكي ، عيشه سودا وايام زفت ، لااخ يشيل عنها ولا راجل يساعدها ، لاابن ولابنت ، ويامربي في غير ولدك يابني في غير ملكك ، تشعر بؤسا رهيبا ، تتمني لو تستطيع تلف وتعود لمنزلها ، تجلس في الصاله ، تمد ساقيها علي مقعد صغير ، تحتمي من سخونه اغسطس ولهيبه بضل المنزل ، لكنها محتجزه مع المئات فوق الكوبري اسري لايملكون فكاكا ، تبكي وتبكي ، تنهار في البكاء ، يسيح الكحل وتحمر عيناها ، ومازالت السيارات مكانها لاتتحرك!!!!

صخب وضجيج ، اصوات عاليه ، كل الكلاكسات تنعق في ان واحد ، تشاركهم غضبهم ، تزمر وتزمر ، تزمر وتزمر ، عاصفه من الضجيج ، صخب مجنون ، الناس فاض بها ، انتظار فوق الكوبري ساعه او اكثر ، الشمس فوق رؤوسهم ، محتجزين في نعوش حديديه
، الشارع نار ، العربيه نار ، كل الناس بتزمر بتزمر بجنون بغضب بزهق بتوتر ، تتوقف عن الضغط علي كلاكس العربيه ، الضجيج المجنون يحيط بها ، تنظر في الوجوه المحيطه بها ، وجوه محتقنه حمراء مبلله بالعرق ، السائق الواقف امام سيارتها يجفف عرقه بمنديل كاروهات كبير ، شعره اشعث ، تحدق في وجهه ، تنفجر في الضحك ، اعصابها متعبه متوتره ، اعصابها فكت ، لاتعرف لماذا تضحك لكنها لاتكف عن الضحك ... والسيارات مازالت واقفه!!!!
ضاع اليوم ، لن تلحق باخيها قبل دخول الجلسه ، الساعه تقترب من الحاديه عشر ، ثلاث ساعات من الانتظار المجنون ، لم تتحرك خطوتين ، الاكل فسد في السياره المشتعله بقيظ اغسطس ، طظ في الاكل ، التصقت بالمقعد ، تتحرك فتسمع صوت غريب ، كان ملابسها تتمزق فوق الجلد الصناعي لمقعد سيارتها الرخيصه ، الراديو مازال يغني ، تحاول تغني مع صباح ، با فتحه باحبك بي فتحه بشده ، لكن صوتها لايخرج ، كان احبالها الصوتيه التصقت ببعضها ، كان لسانها التصق بسقف حلقها ، كان شفتاها التصقتا ببعض ، تهز راسها وتطبل فوق الدركسيون ، تنظر في ساعتها ، الساعه تقترب من الحاديه والنصف ، تتسارع دقات قلبها ، اكيد اخيها امام القاضي الان ، ضحكت لا اكيد القاضي يجلس في سياره امامها علي هذا الكوبري لم يصل للمحكمه بعد ، اطمئنت بهذا الخاطر ، اكيد سياره نقل المتهمين محتجزه في احد الشوارع الضيقه لم تصل للمحكمه ايضا ، ابتسمت ، نعم ، الزحام سيف بتار علي رقاب الجميع ، القاضي لم يصل للمحكمه واخيها مازال في سياره نقل المتهمين لم يصل ايضا ، وهي محتجزه فوق الكوبري ، ضحكت ، اعجبها ذلك التصور ، جميعنا اسري ننتظر الافراج عنا باراده وموافقه الضيف المهم والمسئولين عن تأمين موكب سيره ، اعجبتها الفكره ، ضحكت اكثر واكثر ، سالت دموعها ، ساكن في حي السيده وحبيبي ساكن في الحسين ، انفجرت في الضحك ، يبقي عمرك ماحتوصل ، صمت الراديو ، كانه غضب من كلامها ، تلاعبت في ازراره ، صمت مات ، انفجرت في الضحك ، كمان الراديو ، خبطته بقبضه يدها ، خبطه ثانيه اقوي ، عاد يغني ، الساعه تدق الثانيه عشر
...
نظرت في المرأه ، شكلها غريب جدا ، كحلها سايح ، شعرها منكوش ، خدودها حمراااااااء ، تمنت تقفز في النيل ، مياه بارده رطبه ، تمنت تقفز في نافوره ميدان رمسيس ، ستدفن راسها تحت الماء ، لن تكترث بنظرات الناس ، ستقفز بملابسها ، اااااااااااااااااااه ، تنهدت بعمق ، تتمني تعود لمنزلها واخيها له الله والمحامي ، تتمني تنام ، تتمني تخلع ملابسها المبتله بعرق السخونه والتوتر وتنزل تحت الدش ، ياغاليين علي يااهل اسكندريه ، اشتاقت للاجازه للراحه للبحر ، جلست علي البحر ، ملابسها قطنيه خفيفه ، تقرأ في كتاب ، صوت الموج حنون ، تسمع ضحكات اطفال تلهو بالرمال حولها ، ترسم اسمها علي الرمل باصبع قدمها ، تلامس المياه اصابعها ، ترتاح ، تحدق في البحر ، امواجه المتلاحقه ، ستنزل الماء وقت الغروب ، تحت منظر البحر وقت الغروب ................... وتحركت السيارات!!!!
انتبهت ، تحركت السيارات ، هرع السائقون لاماكنهم ، لوحوا لبعض مودعين كانهم اصدقاء العمر كله ، السيارات تسير بعصبيه ، تتحرك بسرعه ، مازالت الثانيه عشر والنصف ، لو اسرعت ستصل للمحكمه ، ستقابل اخيها الغلبان المحبوس ، ستعطيه الاكل والعنب الذي يحبه ، ستمنحه حقيبه الملابس النظيفه المكويه ، تضغط بعصبيه علي بدال البنزين ، تجري سياراتها وسط السيارات الاخري ، كمجموعه خراف اطلق سراحها بعد طول قيد ، الكل يجري ، يضغط علي الكلاكسات بعصبيه ، تصرخ ، امشي ، امشي ، تتحرك بين السيارات ، لاتلتزم بقواعد المرور ولا قانونه ، تقفز من حاره لاخري ، صوت الموتور عالي عالي ، العربيه تئن ، موتورها غاضب من السخونه والحر والضغط عليه ، لاتكترث ، ان شالله العربيه تولع ، لا ان شالله الدنيا تولع ، تفكر في اخيها ، سيقلق لعدم ذهابها للمحكمه ، سينتظرها ويحزن لعدم وجودها ، لن يفرج عنه القاضي ، سيعود لمحبسه دون ان يراها ، تضغط علي بدال البنزين اقوي ، تجري سياراتها وسط الطريق كنعجه صغيره مجنونه ابعدوها عن امها ففقدت صوابها ، تجري وتجري ، تنزل من فوق الكوبري ، هانت ، خمس دقايق ، لا ربع ساعه ، وتصل للمحكمه وتري اخيها وتمنحه الاكل وتنسي ذلك اليوم الكئيب!!!!

تنتبه السيارات تسير ببطء ، تعرف هذه الاشاره ، تكرهها ، اشاره طويله ، وقفت امامها والاشاره مسافه طويله ، ستفتح الاشاره عليها وتغلق مرتين ثلاث ، لن تعبر قبل مرتين ثلاث ، الساعه تقترب من الواحده ، ستجد اخيها مازال في المحكمه ، تطمئن نفسها ، السيارات تتحرك ببطء ، تصرخ بالكلاكس تحركوا ، كل سياره تترك بينها وبين السياره التي امامها نصف متر ، تصرخ تحركوا ، مابالهم لايتحركوا لماذا تلك المسافات الفارقه ، الا يكفي الانتظار الذي قتلنا ، الا يكفي الساعات الطويله التي بقينا فيها فوق الكوبري قتلي لانتحرك ، تصرخ بالكلاكسك ، تحركوا تحركوا ، لكن الناس يقودوا السيارات بثقل وارهاق ، يتحركوا خطوتين ويتباطئوا ، وتغلق الاشاره ، تقف مكانها ، تخبط علي الدركسيون ، الساعه تقترب من الواحده والثلث ، عشرين دقيقه كامله وهي في تلك الاشاره اللعينه لاتتحرك ، ولم تعبرها بعد ، تفتح الاشاره تتحرك السيارات ، لم يعد متبقيا لها اربع سيارات وتمر ، الحب كله حبيته فيك الحب كله ، تغني ، كلها خمسه دقائق وتعبر اشاره المرور ، وخمسه دقائق بعدها وتصل للمحكمه ، وتشاهد اخيها ، سيفرج عنه ، ستحتفل معه ، سيعودوا للمنزل وتستريح ، ستسافر للاسكندريه معه ومع الاولاد ، ستقضي في البحر البارد ساعات طويله ، اف الجو حر نار موت ، تتحرك السيارات ، خطوه اثنين ، عبرت السياره الاولي والثانيه والثالثه ، ابتسمت ابتسامه واسعه ، ستعبر الرابعه وهي خلفها فورا ، تصرخ بالكلاسك تحرك ، لكنه بطيء بطيء ، تصرخ فيه امشي يابني ادم امشي ، لكنه بطيء بطيء بطيء ، و........ لم يعبر الاشاره واحتجزها خلفه ، واغلقت الاشاره!!!

تسبه تلعنه تشتمه ، ياحيوان ياابن الكلب ، الجو حر نار نار ، الوقت يمر ، لن تلحق باخيها في المحكمه ، اللعنه علي الضيف ، اللعنه علي موكبه ، اللعنه علي هذه المدينه المزدحمه ، اللعنه علي اخيها الذي بهدلها ، هو السبب ، تجري خلفه في النيابه والمحاكم والسجن ، اللعنه عليه ، اللعنه علي حياتها ، الاشاره مازالت حمراء لاتفتح ، تزمر وتزمر ، الاشاره مازالت حمراء ، تشتم الرجل اكثر واكثر ، تتمناه يموت ، تتمني تقتله ، لا لن تقتله ، ستحرقه ، ستحرقه لو تباطيء ولم يعبر الاشاره وتركها محتجزه خلفه ، ستنبهه ، ستنبهه انها ستحرقه ، اعجبتها الفكره ، ضحكت بصوت عالي جدا ، العرق المالح يسيل من جبهتها داخل عينيها ، عيناها حمراوين ، شعرها باظ من كثره السخونه ، العرق يجري بين بويصلاته ، تحس شعيرات راسها تحترق من كثره العرق والملح ، مازالت تضحك ، نظرت في المرأه ، وجهها شكله غريب ، صرخت بسخريه ، ياماما ، ضحكت بصوت عالي ضحكات متلاحقه لاتعرف تخرسها ، الاشاره مازالت حمراء ، منك لله يابعيد ، يجلس في سيارته كانه لم يفعل شيئا ، كانه لم يضايقها ، كانه لم يعطلها ، كانه يحرق دمها ، اه ساحرقه ، ساحرقه اذا اغلقت الاشاره مره ثانيه ، لكنها لاتفتح حتي تغلق ، منك لله ، انت السبب يابعيد جتك نصيبه تاخدك ، عطشانه ، الماء في المحكمه واخيها في المحكمه والمحكمه مازالت بعيده لان الرجل البارد يجلس بهدوء خلف مقود سيارته لايكترث بحالتها العصبيه لايكترث بارهاقها سهرانه طيله الليل لم تنام تغسل العنب ، اخرجت سيجاره ستدخنها وتسلي نفسها حتي تفتح الاشاره ، تضع السيجاره في فمها وتمسك علبه الكبريت ، تحركها تهزها ، تسمع صوت الاعواد تجري في العلبه ، ستحرق نفسها والسياره والملابس والعنب ، لا ستحرق الرجل ، الاشاره الحمراء لاتفتح ، الملح كوي عينيها والعرق يجري تحت ملابسها وخزات متلاحقه ، تتمني تخلع ملابسها ، ياللي شاغلني قول يانور عيني انت بايعني ولا شاريني ، تغلق الراديو ، راسها سينفجر من السخونه والحر والصداع والتوتر ، بلا بايعني بلا زفت ، تزمر وتزمر لكن الاشاره لاتفتح ، تنظر في ساعتها ، مرت خمسه عشر دقيقه بسبب ذلك الحيوان ، منك لله ، مازالت علبه الكبريت في يديها تؤرجحها وتؤرجحها وتؤرجحها!!!

فتحت باب سيارتها ، سارت بخطوات سريعه صوب السياره التي امامها ، الرجل مستمتع بالتكييف ، زجاج نافذته مغلق ، خبطت عليه ، مازالت تقبض علي علبه الكبريت في يدها تؤرجحها ، لم يفتح لها ، خبطت بصوت اعلي ، احست السائق القريب منها ينظر لها ، التفتت له بعصبيه وصرخت ، انت مالك انت بتبص علي ايه ، اندهش الرجل ولم ينطق ، فتح لها الشائق زجاج النافذه ، خرجت اطياف بارده من شباك سيارته ، نعم هو مستمتع بالتكييف لايشعر بمعاناتها ، لو حضرتك مااتحركتش وبسرعه حاحرق لك العربيه ، افندم ، بفزع وتعجب سالها الرجل ، اشارت له علي تانك البنزين وعلي الاشاره ، بعصبيه والعرق يتساقط من جبتهها ، اول ماالاشاره تفتح تتحرك ، فاهم ، فاهم ، هذه اخر كلمات تذكرها ، تصرخ فاهم ، فاهم ، هل اشعلت كل اعود الثقاب دفعه واحده ولوحت له بها امام عينيه ، غالبا هذا ماحدث ، لاتتذكر جيدا ماحدث ، كانت تصرخ فاهم فاهم ، واعواد الثقاب مشتعله والجو نار ، تصرخ فاهم ، هل فتح باب السياره ونزل منها ، ام صرخ في وجهها وهو يستمتع بالتكييف ، هل اشار لها علي راسه باصابعه كانه يقول لها يامجنونه ، غالبا ، لاتذكر جيدا ، هل احدهم امسك ذراعها ، نعم هكذا تظن ، اصابع سميكه لزجه قبضت علي ذراعها ، صرخت ، اوعي سبني ، اعواد الثقاب مازالت مشتعله ، هل صرخوا جميعا مجنونه ، لن ارد عليكم ، انتم لاتفهموا ، اخي سيرحل من المحكمه وانا غسلت العنب ، عنب !! ضحك بعض السائقين ، سيده عجوز تبيع مناديل ورقيه في الشارع اقتربت منها ، تعالي ياشابه ، صرخت بس سيبوني ، انت تمشي وبسرعه فاهم ، لااذكر مالذي حدث ، التفوا حولي ، مالهم يمسكوا بي ، اف مش عارفه اتنفس ، مش عارفه اتحرك ، الجو حار ورائحه عرقهم مميته ، تصرخ سيبوني لكنهم لايتركوها ، تحاول تعود لسيارتها لكنها لاتعرف ، تصرخ تحاول شرح الموضوع ، تخاف من السيده العجوز ستسرق حقيبتها ، تحاول العوده لسيارتها لكنهم يمسكوها ، تحاول تشرح لهم اصل الضيف والكوبري ، اصل اخويا والعنب ، اصل ولاده ، مازالت تمسك بعلبه الثقاب ، فجأ تشاهد سياره الترحيلات ، كأنها خرجت من المحكمه ، صرخت في السائق امامها ، مبسوط اهو مشي ، تنهال دموعها فيضانا ، مشي منك لله ، فتحت الاشاره واغلقت وفتحت واغلقت وهي تتشاجر في الشارع ، رجال كثيرين ملتفين حولها ، هل يمسكوا ذراعيها ، هل احدهم يحتضنها ، ايه قله الادب دي ، سفله ولاد كلب ، لاتذكر شيئا بعد هذا ، تبكي بكاءا مرا ، اخيها رحل من المحكمه وهي في الشارع والعنب باظ والاولاد حيزعلوا منها لانها لم تري ابيهم ،تصرخ وتبكي ... تصرخ وتبكي ... تبكي وتبكي وتبكي ...........!!!!!


تفكر في البحر ، تحلم بماءه البارد ، تتمني تسير حافيه فوق الرمل ، تسال نفسها لماذا لم تتزوج ، حلمت برجل واطفال ، غاضبه من امها لم تسال عنها ، رحلت وتركتهم مع ابيهم وتزوجت برجل غريب ، تكره امها ، تركت اخيها صغيرا في رعايتها فضاعت حياتها بسببه ، الام تزوجت واستمتعت بحياتها وهي حياتها ضاعت ، تتمني تغرق في البحر ، تتمني تدخل دوامه من دواماته ولا تخرج ، مازالت تبكي !!!

دخل الطبيب واخيها حجرتها ، تنام علي فراش بارد ، تحدق في السقف ، اقترب اخيها مبتسما ، وحشتيني ، تحدق فيه ، لاتتذكر ميعاد خروجه من السجن ، سالته ، خرجت امتي من السجن ، ابتسم لها وصمت ، سالها الطبيب ، عامله ايه ، شرحت له ، حرانه قوي وزمان العنب باظ ، ابتسم الطبيب ، لاماباظش ماتخافيش ، ابتسمت سعيده لان العنب لم يبوظ ، لمعت الدموع في عين اخيها ، شدي حيلك بقي علشان تروحي معايا ، ابتسمت ، ماتزعلش مني ، انا حاجي المحكمه الجلسه الجايه ، اقترب منها ببطء ووجل ، سالها ، تيجي في حضني ، هزت راسها نفيا ، عرقانه قوي ، لمانروح البحر حانزل معاك الميه واسيبك تاخدني في حضنك ، ودعها ، وعدته ، المره الجايه حاجي المحكمه والنبي ماتزعل مني ، خرج الطبيب واخيها واغلقوا الباب وتركوها تحلم بالبحر !!!!

شرح الطبيب لاخيها ، من اسبوعين جابوها حالتها وحشه خالص ، بتصرخ وتعيط وتضحك ، بتقول كانت رايحه المحكمه علشان اخوها محبوس ، وانها مالحقتش تروح ، هددت سائق امامها بحرق سيارته وحرقه ، ارتبك الاخ ، هي كويسه ومافيهاش حاجه ، قصدي يعني خفت من زماااان ...
جلس الاخ امام الطبيب ، يملي تفاصيل تاريخها الطبي ، كانت كويسه قوي ، لما خطيبها خد مؤبد في قضيه جلب مخدرات وامها ماتت في نفس السنه ، تعبت قوي ، طول الوقت تجري في الشوارع عايزه تلحق تروح المحكمه !! يكتب الطبيب مايقوله الاخ بمنتهي الجديه ، احنا عاده مابنسيبهاش لوحدها ، الشغاله اتاخرت يوم الواقعه ، فتحت الباب وخرجت ، خدت عربيتها وقعدت تجري في الشوارع ، لما اتصلوا بي في الشغل وقالوا لي نزلت جري ، طردت الشغاله وبلغت البوليس ، اختفت كأنها فص ملح وداب ، معرفناش عنها حاجه الا لما جه تليفون المستشفي ...

شرح له الطبيب ، للاسف هي جت المستشفي في حاله وحشه جدا ، منهاره وبتعيط وبتتخانق مع الناس كلها ، البوليس قبض عليها في الشارع وهي بتهدد الناس تحرق عربياتهم ، جابوها علي طول هنا ، ماعرفناش منها اي حاجه ، اديناها ادويه كتيره نيمتها ، فين علي فاقت وافتكرت.......... اول ماعرفنا اسمها اتصلنا بيكم علي طول ، ابتسم الاخ محرجا ، وانت رايك ايه يادكتور ، لسه بدري عليها علي ماتخرج ، قدامها وقت طويل ، هز الاخ راسه يوافقه ، عارف والله ،انا حابقي اتابعها بالزياره كل شويه ، انشغل الطبيب في اوراقه وودع الاخ وهو يقرا !!!

مرت سنه ..................... خرجت الاخت من المستشفي مع اخيها ، يوم حار في اغسطس ، احتضنت ذراعه وسالته ، الولاد عاملين ايه ، كويسين ، انا اسفه مالحقتكش في المحكمه ، ابتسم ، مش مهم ياحبيبتي كانك جيتي بالضبط ، احتضنت ذراعه بقوه ، خرجت من السجن امتي ، ابتسم يسايرها ، من زمان ، رجته ، ممكن نحتفل بخروجك بقي من السجن ونروح البحر علشان الجو زي ماانت شايف حر قوي !!!
احتضنها بقوه وحب ووعدها ، ان شاءالله !!!!!!!!!!!


ليست هناك تعليقات: