مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

حين نعقت الغربان فوق شجرة اللمون !!! ( الجزء الثالث )


وفينك
انا من غيرك
انا مش عاقل ولا مجنون
انا مطحون
والدنيا دي رحاية



( 29 )

وطوي حمزه الخطاب واغلق المظروف وكتب عليه بخط جميل ، للست حرمنا شخصي جدا .... ونام ليراها في الحلم جنية تسحره بحجاب المحبه وتخطفه لحضنها ولا تطلق سراحه وتحممه بريقها المسكر وتبخره بانفاسها الدافئة وتلده من رحمها الف مرة وترضعه من حنانها الف رشفة وتبكي بين يديه وترسم بضحكاتها الف شمس مبتسمه !!! في الحلم رأها جنية ، تسكنه فيسكنها ويسكن لها ولايغادرها ، يسمع صخب ضحكاتها عاليا فيتوه عقله وتغيب المعاني ويفقد الذاكره الا اسمها وحضنها وتوحشها الجميل الاخاذ ، تأتيه في الحلم جنية تناديه بصوتها الفرح وحين يفتح عينيه منتبها تعاتبه بعيون مليئه بالدموع ، ماكانش العشم ياحمزه ، فيستيقظ مخنوقا يناديها لتفهمه ويقرر منفعلا العوده سريعا ليخطفها ويعود بها معه في المدينه المدفونه في رمال الصحراء لتخلق واحتها وتظلل عليه تحميه من نار الصحراء التي سكنت وحرقت جلده وروحه وايام حياته و............ ساعود يااصيلة قريبا فانتظريني !!!!

( 30 )

زارت امه دارهم واخبرتهم سيأتي حمزه الخميس اللي بعد اسبوعين ليخطب اصيلة ، زغرطت امها فرحه ووافق ابيها و..... فرحت هي لكن شيئا يأكل فرحتها وصدرها مهموم !!!! الكل فرح في دارها الا هي ، لا تصدق امه ولا تطمئن للدنيا وكل احاسيسها تخوفها ، لن يأتي حمزه في ميعاده وستبقي عانس محرومه من حبه ومن الحياة !!! لم تحلم بالبؤس لكنها احسته ، شيء نغص فرحتها لم تفهمه ، زغاريد امه وحوريه وفرحه امها وزغاريدها لم يسعدوها !!! بضعة ايام وياتي الحبيب الذي بددت اجمل ايام العمر في انتظاره ، سياتي ويخطبها لكن الفرح غادرها ولم يعود ، اخبرت امها باحاسيسها فنهرتها امها لانها جنت وزغردت لاتكترث بمخاوفها فالفرح اخيرا سيدخل بيتهم ويطردها عروس لبيت زوجها !!!

قالت امه ان حمزه سياتي اجازه قصيرة ، يخطبها ويكتب الكتاب ويسافر ، سيوضب لها الاوراق لتلحق به ، ستسافر بالفستان الابيض وهناك ستكون شقتها وحياتها معه حتي يعود ، تباهت امه بقيمه الشبكه الغاليه التي سيحضرها وبالمهر الكبير الذي سيقبضه لابيها وتباهت اخته بغربته والشقه الواسعه هناك والسياره التي لم يركبها احد قبله في الزمام وانه العريس الذي تتمناه كل الفتيات !!! اغتاظت امها ولم تقوي تتباه عليهم بابنتها وجمالها وكثره خطابها وان ابنهم سعيد الحظ لانها وافقت علي الزواج منه ورضيت به ، لم تقل كل هذا وصمتت وكيف تقوله وابنتها مايله البخت وصلت ثلاثين عاما ومازالت في بيت ابيها عانس اسقطها الزمن من كشوف فرحته !!! اغتاظت امها وكتمت في قلبها وشالت في نفسها ، لن تفسد فرحة ابنتها وفرحتها ، لكن كلماتهم المسمومه اوجعتها فلامت ابنتها لانها كسرت نفسها وقطعت لسانها وحرمتها بسبب انتظارها الطويل من الرد علي ام العريس واخته الحرباية !!!!

( 31 )

تجري الاستعدادات علي قدم وساق والخميس يقترب اكثر وصارت عروسا تنتظر العريس لكن شيئا بداخلها يوجعها ويفسد فرحتها !! في غرفتها بعدما نامت الجميع وهدأ الصخب ، خلعت ملابسها ووقفت تنظر لجسدها الممشوق في المرأة ، هل تستحق كل هذا ياحمزه ، لماذا احسته فجأ لايستحق انتظارها ، لا يستحق جمالها ، لايستحق كل ايام قهرها ودموعها ، دارت حول نفسها في المرأة وشعرها الذهبي شمسا تلفها ، لماذا تشعر سخطا عليه ، لماذا تحسه خذلها ، ذكرته بنفسها فتذكرها ، ارسل امه تخطبها ، تدللت ورفضت وطلبت عودته ليخطبها فنفذ طلبها وسيعود ، لماذا تحسه خذلها ، لماذا تحس فجأ ان انتظارها كثير عليه وانه بعد كل هذا الغياب وحينما قرر العودة سرق فرحتها ، الطريقه التي افصح بها عن حبه ورغبته فيها ، الفرح الذي حرمها منه ورحله الغربه التي ستسافرها وحيده بفستانها الابيض لا تحتضن ذراعه ، الكلمات التي قالتها امه وحوريه عن ثراءه وانشغاله وسيارته ، كل هذا اوجعها ، لم انتظرك لانك ستعود ثريا ، ولم افرح لانك خطبتني وانت بعيد لم تراني ولم تعد تعرف شكلي وحرمتني من لحظه انبهارك بوجودي ، خذلتني ياحمزه بحق ومازلت اسال نفسي ، هل تستحق كل هذا ياحمزه ؟؟؟

( 32 )

ونامت قلقه فداهمتها الكوابيس وسال كحلها الاسود علي وجهها في الحلم يرسم بدموعها ملامح حزن سكنتها ، زارها في الحلم فلم تعرفه ، تلك التجاعيد علي وجهه والهالات السوداء تحت عينيه والرعشه الخفيفه تحت شاربه ، كل هذا لم تعرفه ، العين الجسورة والنظرة الجريئه والابتسامه التي كانت تسكن مقلتيه انطفأت ، زارها في الحلم فلم تعرفه ، اعتذر ورمي تحت قدميها باقه زهور صفراء فتشائمت وحين اقترب من شفتيها بانفاسه التي لاتعرف رائحتها ارتجفت وكأن رائحه قديمه تسكن جوفه ، لست حمزه الذي كنت اعرفه وصرت حمزه الذي لااعرفه ولااري اي مبرر للزواج منه وردت له باقه زهوره الصفراء واستيقظت من النوم اكثر حزنا !!!!
وخافت تقول لامها احاسيسها فتتهمها بالجنون !!!!

( 33 )

يعد حقيبته مرتبكا ، تسع سنوات لم يزر بلدتهم ، لم يري امه لم يري اخته لم يري اصيلة ، العروسه التي اشتري شبكتها وطلب الزواج منها وملامحها غائبه عن ذهنه لاتأتيه الا في الحلم !!! مرتبكا ، سجين افرج عنه فتعثرت خطواته في عالم الحريه الذي نسيه ، سيغادر المدينه الصغيره المدفونه في رمال الصحراء ويعود لبلدته الرابضه في حضن النيل ، سيعود لحقول القمح الذهبيه ، سيعود للاخضر والصفضافه والتوته وشجره الورد ، لكنه مرتبك لايعرف سر شقاءه !!!
اشتري هدايا كثيره لامه واخته وعروسه ، وانفق من مدخراته اموالا كثيرة علي الزياره الاولي التي تاخرت كثير !!! يجلس امام حقيبته مرتبكا وكانه سيذهب للاخضر ولن يعود ، لكن الاصفار في حسابه البنكي تبعثرت عبايات وطرح وزجاجات عطر وكحل وشبكه ذهبيه وملابس جديده احتاجها بعدما بليت ملابسه التي عاش بها سنوات كثيرة في بلاد الصحراء ، يجلس امام حقيبته الكبيرة وهداياه ويشعر ندما لان سنه من عمر غربته بددتها الهدايا والزياره التي لم يعد نفسه للقيام بها لولا الفتاه التي لم تغادر احلامه ولم تغادره !!!

( 34 )

اغلق الحقيبه وشخص ببصره بعيدا للبلده النائمه علي شط النيل وللام التي اشتاق لحضنها وللعروسه التي ستروي ايام عطشه وتبدل غربته ونسا وحنان و............ نام وفي الحلم استلم خطاب رفده من عمله في المدينه المدفونه في الصحراء ، سال عرقه انهارا ، مرتبكا كانه سمكه اخرجت من ماءها ، يتعثر في الحلم في خطواته ، ادمن الغربه ولايقوي علي وجع الانسحاب ، يستيقظ من نومه فزعا مخضوضا من الكابوس الذي كتم انفاسه وكاد يعيده مهزوما لبلدته !!! نعم هو سيعود في زياره قصيره ليخطب اصيلة لكنه سيعود للصحراء والاصفار فمازالت راياته منكسه ولم يملك القوه لتضرب علي صواريها بقوه وشموخ !!!!
مازال الليل في اوله يتعين ينام عميقا فيومه الاتي طويل ، من الصحراء للعاصمه التي يتوه في شوارعها ومن العاصمه للبلدة التي كان يعرفها !!! يشعر ارهاقا من رحلته الطويله وهو مازال نائما فوق سريره لم يغارده بعد !!! ولمح وسط الليل ابتسامه اصيله فتفائل برحلته وبالخطوبه واجتاحه الشوق ونسي الاصفار التي بددت ايام عمره وهدت حيله !!!

( 35 )

انفجرت امه في بكاء حاد ، اغرقته في حضنها وانفجرت في البكاء ، كل دموع السنوات التسع سالت علي وجنتيه وهو في حضنها لاتترك له فرصه ليتنفس ، بركه انك بخير ياضنايا ، بركه انك بخير ، لسه واقف علي رجلك ، لا الغربه هدتك ولا البعد كسرك ، تنهال دموعها كفيضان طاغ ، بركه انك بخير ياضنايا !!!
يفر من ذراعيها لحضن حوريه ، يحتضن اولادها وزوجها ، يجلس غريبا في بيته وسط اسرته مرتبكا لايفهم سبب اغترابه !!!
يفتح الحقائب ويوزع الهدايا ، الصخب حوله يزيد غربته ، ادمن الهدوء والحوار الداخلي !!!
يشرب الشاي في الفراندة ، وقت الغروب تسطع حقول القمح الذهبيه فيغلق عينيه انزعاجا ، مازالت الكلاب تعوي بلا مبرر وخرير الجدول خلف بيته يطير النوم من عينيه وهو المرهق من رحلته الطويله ويستعد للسهر في بيت العروس التي اضجت مضاجعه واجبرته للعوده لبلدته التي تغيرت ملامحها كثيرا !!!
سال امه عن العمده فضحكت ، البركه فيك ياحبيبي تعيش انت من زمان وابن اخوه بقي العمده من اديله خمس ست سنين !!
اخبرته حوريه بانهم ردموا المصرف اللي كان قبلي البلد علشان الناموس وعملوا صرف متغطي !!!
قال له زوج اخته الذي مازال يتلخبط في اسمه انهم فتحوا جامعه في المحافظه ورحموا العيال من السفر والغربه !!!

( 36 )

رنت كلمه الغربه في اذنه رنينا غريبا ، احسها الكلمه الوحيده التي يعرفها وسط كل ما سمعه من اخبار !!!
انسحب لغرفته وبكي .... عاد من الغربه التي يعرفها لغربه لم يتوقعها !!! نعم هذا مااكتشفه وقت جلس في الفراندة يشرب الشاي ، الاكواب التي كان يحبها تغيرت والارض امام البيت ارتفعت والمباني الخرسانيه زحفت تحاصر بيته وتخنقه ، شكل الشارع الرئيسي في البلدة اختلف ، لم تعد النساء تغسل الملابس علي الترعه ، لم يسمع صوت ماكينه الرز التي كان صوتها الاعلي في القرية ، لم يجد الغرزة التي كان يجلس عليها السائقين علي راس البلده ، تحولت لقهوه وبها تلفزيون ملون ، لاحظ اطباق الدش فوق الاسطح الخرسانيه ولم تعد البيوت الطينيه التي كان يحبها موجوده ، كل ذكرياته عن البلدة التي يحبها محيت مع التغيرات التي صدمته ، هذه ليست البلدة التي كان يحبها ويعرفها ، غادرها وهو يحبها ووقتما عاد لها كما تصور اكتشفها غريبه عنه ، اغرب من غربته ، وصارت الغربه وطنه !!!

( 37 )

ارتبك حمزة ... منذ لحظه وصوله للبلده وهو مرتبك !!!
ليست هذه بلدته ، وتلك السيده البدينه باطفالها الاربع ليست اخته ، وتلك السيده الهرمه التي ترتعش يدها طيله الوقت ليست امه التي تركها صبية عفيه ، هذه البيوت الخرسانيه التي تحيط بحديقه منزلهم تحاصره فلايري الحقول ولا يسمع خرير الجدول ولا تسقط الشمس علي سور الفراندة محتجزه خلف الكتل الخرسانيه العالية تحجبها عن الفرانده وعنه ،حجرته التي تركها من تسعه سنوات مازالت غرفته ، لكن اولاد اخته لايخرجوا منها الا بعدما ترفع عليهم الشبشب تتوعدهم لانهم لايسمعوا الكلام ، اصغرهم اشاح بذراعه في وجه محتجا علي طردهم من غرفته !!! نعم هي الغرفه التي تركها لكنها تختلف عن حجرته التي اعتادها منذ تسع سنوات !!! تنهد حمزه تنهيده كبيرة وهمس لنفسه كل شيء تغير !!!
سمع صهيل ضحكات اصيلة تأتيه من خلف القضبان ، ماله لم يتنفض شوقا لصوت ضحكاتها ، ماله فقد حماسه حتي للذهاب لخطبتها ، هل هذا حنين يحسه للغربه والمدينه المدفونه في الصحراء ولاصفاره البنكيه !!!
وتحمم بماء ساخن وغير ملابسه وتعطر ورسم علي وجهه اكبر ابتسامه واستعد ليذهب لدار اصيلة ويخطبها !!!

نهايه الجزء الثالث
ويتبع بالجزء الرابع والاخير

هناك تعليق واحد:

مها العباسى يقول...

منذ لحظه وصوله للبلده وهو مرتبك
الغربه كل يوم بتاخد جزء من روح صاحبها وكلما طالت عاد غريب او اكثر غربه فى وطنه