مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الاول "


الجزء الاول
 و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش 
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش


( 1 )
وحلقت النوارس وحلقت
وطارت وارتفعت بعيدا عن الارض
وعادت بسرعه وقذفت ببدنها وسط الماء
وبكت وكأن احدا لن يراها
و... فعلا .. احد لم يراها ...


اين انا ؟؟

في الغرفه الصغيرة ، في المستشفي الصغيرة ، في ليله باردة حالكة الظلام ، جالسا علي المقعد الخشبي الصارم القاسي يحدق في الظلام يراقب الشاشات وانفاسه بطيئه ابطيء من انفاس الجسد الملقي امامه موصولا بالاسلاك ينازع مابين الحياه والموت وكليهما يشده ناحيته والجسد منهك والشاشات اكثر انهاكا ونبيل ايضا ...
يحدق في الظلام ، تتراقص الالوان تحت اجفانه علها تؤنس وحدته او تبدد خوفه او تذكره ببقايا الابتسامات التي كانت ترتسم علي وجهه وقتما كانت الحياه غير مااصبحت او مثلما تمناها تكون ، تتراقص الالوان تحت اجفانه ، يشد جفنيه بعيدا عن بضعهما ويحدق في الاصفرار الابيض الاخضرار الاصفر المتراقص اشارات وارقام علي الشاشات الكثيرة تقول وفقا لمعايير مراجع الطب ونشرات الشركات المنتجه ان ذلك المريض مازال حيا ، الشاشات ومراجع الطب لاتعرف تصف حالته النفسيه وحال روحه الممزقه رغبه في الرحيل والراحه ، ورغبه في البقاء والثأر ، الاشارات والارقام لاتبوح لنبيل بما يعتمل داخل تلك الروح الحبيسه جسدها الممزق بفتحات خروج ودخول لطلقات لم يتعرف عليها نبيل في مشرحه الكليه ولا محاضرات الدكتور الكبير رحمه الله ولا مراجع الطب الشرعي ، طلقات غريبه مثل كل شيء غريب حوله ، طلقات تخرج من فوهة سلاحها مشحونه بكراهية وغل تمزق اللحم والعظم والعضلات وكتل الاعصاب وتحفر وتحفر مكانها كأنها تتمني عاهه وعجز يبقيا للابد محل سمها لو خرجت من الجسد وافلح يشفي ويبقي ولا يرحل ....
 يحدق نبيل في الجسد ويتمتم بادعية لايعرف من اين يأتي بها في ذلك الوقت ، لم يسمعها من ابيه ساجدا لربه ولم يسمعها من امه وهي تسبح بحمد ربها تدعوه يفرجها عليها وينتشلها من قله حيلتها وقهرة قلبها ، لم يسمعها من مدرسته في حصه الدين ، لم يسمعها من خالتي فردوس وقتما تنهي صلاتها وتتمتم بكل مايجود به قلبها من رجاء وتضرع ، ادعية تأتي من مكان غريب بعيد في قلبه ، هي مشاعره كأنسان قلق مضطرب تتحول كلمات رجاء لانتشال الغالي الذي لايعرفه راقدا امامه موصولا بالاجهزه والشاشات لانتشاله من جب الغياب وامتطاء مواكب الرحيل وتركه يتلظي بفشله في انقاذ حياته !!!
لاترحل ، يهمس ويدعو ، يرجو ويترجي ، لاترحل وتتحول لاسم في صفحه الوفيات ، لاترحل وتترك دموعا متحجره تمزق ارواح الحزاني ، لاترحل ياغالي وابقي معي ، يتمني نبيل لو يهمس له في اذنه في قلبه ، لاترحل وابقي معي ، ملتصقا بالمقعد لايقوي علي الحركه والظلام يلفه والشاشات تستلهم ضوءها الشاحب من مولد كهرباء صغير بعدما طال غياب الكهرباء العموميه وانقطاعها ، اخبروه في المرة الاولي ان محطه الكهرباء ضربت بالصواريخ ، يشيعوا الظلام بحق ، يشيعوا الظلام بشكل واقعي ، ليس فقط القهره وحرقه القلب والحزن والحصار بالموت والعجز بل يشيعوا الظلام والسواد حولهم ويغرقوا البلدة الصغيره فيه ، يضربوا محطه الكهرباء بالصواريخ ، ينقطع التيار الكهربائي العمومي ، فتتعازم المولدات الصغيره وتنتفض بنبض كهربائي ضعيف لاينير البلدة ولا اروقه المستشفي الصغير ، فقط تنير الشاشات لتبقي ببوحها تطمئن الدكتور نبيل ان مريضه الغالي مازال حيا يقاوم الظلام والغياب الابدي !!!
الوقت بطيء وهو جالسا مكانه يحدق في الظلام وفي الاشباح حوله ، يري انفاس بطيئه تخرج بصعوبه من الجسد الملقي امامه علي الفراش المعدني البارد ، يراها تتحول بخار مرئي ، كأنها سحب كثيفه ستمطر خيرا ، انفاسه بارده تخرج من فتحتي انفه المغلقتين ببعض الشاش والدماء المتجلطة ، انفاس بارده تتحول سحب فضية تبدد بعض الظلام ، تتراقص السحب الصغيرة علي ضوء الشاشات الشاحب ، تتراكم قطراتها علي سطح الشاشات فتحيل الارقام والمؤشرات لمعاني غامضه غريبه  ، يتصور نبيل ان مريضه استغل فرصه الظلام ورحل او سيرحل بهدوء لكن الانفاس الضبابيه تخرج من انفه بطيئه نعم بارده نعم لكنها تؤكد لنبيل ان مريضه يقاوم الرحيل ولا يستسلم لمواكب الفخر صوب الفردوس ويؤجل الرحيل لساعه اجله المحتومه التي لم تأتي بعد ويتمناها نبيل لاتأتي بسبب تلك الطلقات فوق هذا الفراش في تلك الغرفه هذه اللحظه الموجعة ...
ومازال الظلام دامس ومازال المريض حيا ومازال في قلب نبيل امل وتحدي !!!

( 2 )
احكي ياعم وصفي

احكي لي ياعم وصفي .. احكي لي عن بابا ، تصور وصفي ان نبيل يهذي ، مريض في الفراش وجسده ينتفض وقطرات العرق تقفز من جبهته الباردة ، يجلس بجواره يتابع حالته ويرعاه ، نامت نجوي بعدما الح عليها تريح بدنها الذي تيبس ارهاقا وقتما سهرت بجوار نبيل المحموم ليال طويله بلا غفوه ولا نوم ، اقسم وصفي برأس كل الغاليين انه سيبقي بجوار نبيل وانها ستتركهما معا وشأنهما وتنام ،وبكره الصباح رباح تصحي تلاقيه كويس،رضخت نجوي لاصرار وصفي وعنده والقت بجسدها في الفراش فلم تشعر بشيء وقتما داهمها النوم بجبروته ، بقي وصفي بجوار نبيل يراقب انفاسه ووجهه القرمزي ، يجس جبهته باصابعه بين حين واخر ، يوقظه لتناول الادويه في مواعيدها ، جالسا علي مقعد وثير امام فراشه يتابعه ، ابنه ، نعم نبيل ابنه ، في غلاوة زين واكثر ومعزة بقيه ابناءه واكثر ، نبيل ابنه الاصغر ، يشعر به خلفة الشيب التي يجبره الشيب الحنو عليه ورعايته اكثر من اي ابن اخر ، فتح نبيل عينيه والحراره ترحل ببطء عن جسده المشتعل بالحمي ، تناول الادويه وابتسم لوصفي ، وصفي يشعره بالامان والطمأنينة ، وصفي وكأنه ابيه الذي غاب وتركه ، فتح عينيه وابتسم لوصفي الذي تمتم بادعيته يشكر ربه لانه ينقذ نييل ويزيح عن جسده وروحه المرض المنهك ، يتذكر وصفي ليالي كثيرة مثل هذه الليله ، اكم من ليال مرت عليه جالسا بجوار حبيب ، جريح ومصاب ، يطبب جرحه ويطيب روحه ويعتني به ، اكم من ليال كثيره مرت عليه في الخندق وسط الظلام يكتم الجروح بالبن ويطهرها بالكحول ويقبض علي اصابع الجريح يقويه ويمنحه بعض روحه وبعض بأسه عله يساعد نفسه ويقويها فتلتئم الجروح وتهزم الاوجاع ويتحدي الاصابه والمرض ويطيب ويحمل بندقيته ويخرج ثانيه لساحات القتال ينتقم لنفسه ولكل زملائه الابطال والشهداء ، اكم من ليالي طويله قضاها وصفي يقرأ القرأن علي رأس الجريح بعدما يعجز الطب عن مداواته ، يقرأ له الايات ودموعه فيضانات وقلبه يدعو ربه ينقذ الحبيب الذي لم يكن يعرفه لكن دماءه التي سالت علي ارض الوطن وصلت بينهما فصارا اب وابن واخ وشقيق وابناء عائله واحده انحدرت من شجرة كبيرة ارتوت جذورها بالدماء الطاهره فسمت افرعها للسماء ، اكم من ليالي طويله قضاها وصفي في بورسعيد وقت هبط الانجليز والفرنسين بالمظلات فوق رأس المدينه ورصاصهم يرسم لوحات حزن وتحدي في قلب المدينه التي قاتلت وانتصرت ، وقت عاد الجيش المصري مهلهلا من سيناء تبكي الجنود وتختبيء عارا من الاعلام الزرقاء التي حلقت في سماء الوطن المهزوم ، ايامها استقبل وصفي الجنود العائدون يستجوبهم ليفهم كيف حدث ماحدث ، لا يفهموا شيئا ولا هو ايضا ، يبكوا فيبكي ، تنهار اجسادهم تعبا وعارا علي الارض وكأنها يرجوها تسامحهم ، يتلفقهم وصفي بين ذراعيه ويحتويهم في احضانه ويبكي علي اكتافهم ويمسح دموعهم علي وجوههم ويصرخ فيها انها مجرد معركه هزموا فيهم لكنهم في النهايه سينتصروا في المعركه الكبيرة وقتما يستعدوا لها جيدا ، ليال طويله مثل تلك الليله قضاها وصفي طيله الليل يقظا يطيب الجروح ويعالج الامراض ويدعو ربه يمنح الحبيب شفاءا ولايكسر بخاطره ونفسه ويهزمه امام المرض والاصابه والموت الغادر ، الليله يجلس وصفي امام نبيل يطببه ويدعو له واثقا من رحمه ربه الذي لن يقهر الست نجوي ويكسر قلبها ويسود ايامها اكثر من كل السواد الذي عاشته ، همس نبيل احكي لي عن بابا ياعم وصفي ، تصوره وصفي يهذي اثر الحمي ، لكن نبيل رجاه يقص له عن ابيه ، يتمني يعرف عن ابيه ، يتمني يتعرف عليه وهو الذي رحل عن حياته قبلما يعرفه ، يحمل اسمه ولايعرفه ، ارتبك وصفي قليلا ، لايعرف اسماعيل ولايعرف قصصه وحواديته فكيف يحكي لنبيل عنه ، كاد يخبره انه لايعرفه ولم يراه ، سيخذله ، هذا مااحسه وصفي ، سيخذل نبيل الذي خذلته الدنيا كثيرا ، سيخذله فيزيد حزنه وربما تعود له الحمي والحراره المرتفعه وربما يسقط في الغيبوبه المؤقته مثلما حدث لها ليله امس ، لن يخذله ، سيقص له عن ابيه ، ليس عن ابيه بالضبط ، لكن عن كل الابطال الذي عاشوا شجعان وماتوا ابطال ووشموا اسمائهم في قلب الوطن ، سيحكي له عن كل الابطال التي عرفها وعن تضحياتهم وبطولاتهم وكيف عاشوا ومازالوا يعيشوا في قلب الوطن ، نبيل يبحث عن فخر يهون عليه حزنه ، سيمنحه له وصفي واكثر ، سيملأ روحه وقلبه بحواديت وقصص تحلق به بعيدا عن ابار الحزن المالحه وعن القهرة وعن اليتم ، ابوك كان بطل ، عاش بطل ومات بطل ، وابتسم نبيل وكأن الحمي غادرته ، و............. طال الليل وطال ووصفي يحكي ونبيل يسمع ويسعد ويبكي ويضحك والحمي تغادر جسده ببطء ببطء وكأن كلمات وصفي وحواديته ترياقا شفاه بمعجزه من السماء طالما امن وصفي انها قريبه وستتحقق ، وان ربه سيستجيب دعاءه ولن يخذله وسيجعله سبب لتصبح الحياه علي احباءه اقل قسوه ووحشه و............. مازال وصفي يحكي ونبيل ينصت ويخزن الحواديت والتفاصيل في عقله الصغير ويفتح لابيه في ذاكرته صفحات فخر وصفحات و..................نام نبيل مطمئنا فارتاح وصفي وقوي يغمض عينيه ويريح عضلاتها المتشنجه لتداهمه الذكريات اكثر واكثر عن كل ماعاشه في المدينه الباسله التي اختارها القدر واختار اهلها ليقاموا ويقاموا وينتصروا ........ واحكي لي ياعم وصفي ، فيحكي ويحكي ...

( 3 )
لست لي ولن تكون

كيف يضيع العالم كله من يديك ؟؟ كيف فجأ كل شيء ينهار وكأنك بددت حياتك في البناء علي الرمال ، قلاع حصينه هدتها موجة صغيرة بلا قصد ، كيف يضيع العالم كله من يديك؟؟ اسئله كثيره يسألها نبيل لنفسه ، الان في هذه اللحظه يسأل نفسه حزينا ، كيف يضيع العالم كله من يديك وانت عاجز لاتقاوم ولا تصارع ولاتحارب ولا تنتصر ، فقط تهزم وتهزم؟؟
يائس حزين ، تاه في كل الدروب وضاع في كل السكك ، يائس حزين يتمني يخرج من شرانق الحزن التي تلفه وتدفنه بداخلها ، يتمني لكنه عاجز ، ارادته مشلولة ، يتمني لو يقوي يحلق بعيدا عن البيت وعن نادية ، لكن نورة تقيده لزنزانته ببراءتها ، لايقوي يعذبها ويهجرها وقت يهجر امها ويتركها تبكيه حيا وتتيتم في وجوده غائبا حاضرا ، لن يقسو عليها ، لكن الحياه قست عليه ومازالت ، لن يحكي عن اليتم ووجعه ، لن يتكلم عن الحرمان وقهرته ، فقط سيقص قصته وناديه التي تزوجها هربا من الوحدة والبروده فاعتقلته داخل نفسه محاطا بجبال صقيع ، نادية ، كان يتعين علي اطلقها من الليله الاولي لزواجنا التعيس ، لم افلح احتويها في حضني ولم تفلح تطمئني في حضنها ، ليلتنا الاولي كانت سوداء ، بلون بقيه ايام الحياه كلها ، استيقظ من نومه مبكرا يتمني يطلقها ، لكنه لن يفعل وسيمنحها فرصه واخري لتحتويه ، المشكله انها لاتحاول ، كأنها واثقه انه سيبقي في اسرها ولو كان تعيسا ، كل مامنحته له فنجان قهوة نهاري وطبق حساء في اخر اليوم وكثير من المشاجرات والحزن ، كنت احلم ابني اسرة سعيده تمنحني واولادي دفء لم تمنحه لي الحياه ، كنت احلم بصخب ملون في بيتي وفقاقيع بهجه ودفء ، كنت احلم واحلم ، لكن الواقع فرض علي نفسه ، الواقع فرض نفسه والدكتورة ناديه ايضا ، تصورتها ستنهي وحدتي فاتت بوحدتها لتقتلني ، عاشت مضطربه وحيده خائفه من الايام وقسوتها ومن ابيها وجنونه ومن زوجته وسفالتها ، طلقت امها وتزوجت ونسيتها ، وتزوج ابيها واتاها بزوجة لم تحبها ولن فتقوقعت في بيت ابيها علي نفسها غريبة تائهه تبحث عن خلاص ، وقتما عرضت عليها الزواج اعتبرته مهربا من قهرها في بيت ابيها ، لم تكترث بالفرح ولا الفرحه ، لم تكترث بالبيت ومفروشاته القديمه ، لم تكترث بمشاعري وعما كنت احبها او اخفي وحدتي في وجودها ، كل مااكترثت به خروجها من بيت ابيها وكسر دائره القهر التي طالما طبقت علي روحها ، مسكينه ناديه ، مسكينه نعم ، لكني انا ايضا مسكين ، طفولتها افسدت شبابها وحياتها ، لكن هذا ليس ذنبي وليست جريمتي ، لست امها التي نسيتها ولست زوجه ابيها التي اهانتها ولست ابيها الذي قهرها بزوجته ولسانها السليط وسلبيته المهينه ، لست من عذبها لتعذبني ، في حضنها وجدت صخورا مسنونه ودموع متحجره وعزوف عن الحياه ، نقلت لي بعض الموت بلمساتها فعزفت عنها وعن الموت ، في حضنها تهت اكثر وتوجعت اكثر ، كنت اظنها سندي فاتت باحمالها وحمولها ، كنت اظنها ستريحني فافسدت بقيه حياتي بتعبها ، مسكينه ناديه لكني لست مسئولا عن ماعانته ، كيف لم الحظ كل هذا وقتها وجدتها عروس متاحه مناسبه مكسورة الجناح والنفس ، سعدت بما لايمكن تقبله غيرها من الفتيات ، زيجه في ظروف صعبه بلا فرحه ، كنت سامنحها الفرحه لو منحتني بعض الراحه لكنها ضنت علي نفسها وعلي بالراحه والفرحه ، كان يتعين علي اطلقها صباح اليوم الاول لزواجنا ، لكني عجزت اعود للوحدة بين الجدران الخرساء انا واشباح امي وابي والدموع المتراكمه علي جدران المنزل والذاكره ، خفت الوحده فاخترت الشقاء ، عل صحبة الشقاء اهون من الوحده وصقيعها ، هكذا ظننت ومرت الايام ووحدتي تزداد وحزني ايضا ، عَبوسه كضباب الايام البارده ، رماديه الملامح كلون السماء قبل العواصف والاعاصير وحضنها شوك جارح موخز ، كل هذا قبلته ورضخت له حتي اشرقت شمس ليلي في حياتي فادركت بؤسي وحزني وحياتي المستحيله التي كنت ادفن نفسي بين طيات عفنها المقزز ...
ليلي !!! جميلتي الصغيرة التي انارت حياتي ففضحت ظلمتها الموحشة ، الحنونه التي كشفت ابيار الملح التي اشربها فلاترويني ، ليلي الانثي الشهيه التي طالما تمنيت وصلها فاتتني في الوقت الخاطيء الموحش ، عايز اتجوزك ياليلي ، همست وكفها في كفي ، حدقت في لاتصدق ماتسمع ، مالها لم تفرح بعرضي ولا مشاعري ،لم تفرح وبكت ،دموعها اثارتني فتمنيت لو اختطفتها في حضني للابد امنحها اسمي وروحي وجسدي ورجولتي،لست لي ولن تكون،انت لزوجتك وابنتك وحياتك يادكتورنبيل ، انا فين وانت فين ؟؟ وكأنها رسمت سور من لهب بيني وبينها ، تذكرني بزوجتي وابنتي وحياتي البائسه ، تذكرني بالفوارق الظالمه التي بيني انا الدكتور المشهور المرموق الكبير وبينها هي الممرضه الصغيرة !!! لكني لن اسعد الابصحبتك ، صحبتك ستشقيك وتشقيني !!! هكذا حسمت ليلي الامر بيننا ، من اين اتت بكل هذه القسوه والقوة ، تذبحيني ببساطه ياليلي وكأنك لاتقصدين ، كيف قويت تحطمي حلمي الجميل ببساطه هكذا و...... ساطلق ناديه واتزوجك ، وكيف اقبل ابني سعادتي علي تعاستها وتعاسه نورة ، وكيف تقبلي تتعسيني ببعدك عني ، لااقبل لكني لااملك في امرك شيئا ، غاضبا يصرخ فيها وكأنه سيحطم رأسها ، كيف تقولي انك تحبيني وفي نفس الوقت تقتليني ببعدك ، حبك لااملك فيه شيئا ولااراده ، لكني في كل شيء اخر املك ارادتي ، احبك نعم ولااقوي علي قلبي ، لكني اقوي علي نفسي وعليك ، والله غالب علي امره !!!

 ( 4 )
في ارض الخوف

في الغرفه الصغيرة ، في المستشفي الصغيرة ، في ليله حالكة الظلام ، مازال نبيل يحدق في الظلام ويحدق ، كأنه سيري وسط العتمة مايطمئن قلبه وانسانيته ويمنحه ثقه في علمه وخبراته وقدرته علي انقاذ المرضي والمصابين من مصيرهم الغامض المخيف ، تتعب عضلات عينيه وتتأرجح حدقتيه وجعا من كثره مافتحها وضغط عليها لتبقي يقظة ، يستشعر قاع عينيه يفيض بدموع تنهمر بلاحزن ، مجرد انهاك وتعب ينسكب من العيون المفتوحه دائما لسيول دموع مالحه تجبره يستسلم ويغلق عينيه ويسكن خاضعا للظلام !!!
يغيب وكأنه سينام او نام فعلا ، كأنه سيموت او مات فعلا ، يغيب نبيل ويغرق وسط ركام طبقات الظلام القاتمه ويهبط ويهبط لقاع البئر وتتعالي انفاسه وكأنه مستريح ، جزء منه نام وهرب من صعوبه المشهد وجزء منه بقي متربصا بالشاشات لاعنا الخونه حمله الصواريخ الذي مزقوا جسد مريضه بطلقاتهم المتوحشه وحاصروه هو والمستشفي والبلده وارواح كل سكانها المستبسلين دفاعا عن وجودهم ووجود بلدتهم الصغيره حيه فوق الخريطه حاصروهم بالظلام ، ينام ويغيب ، نصفه يغيب ويغيب وينام وينزلق لقاع البئر ، فيه لايري الا ظلام كثيف ، الحق لايري شيئا ، يهمس لنفسه وكأنه يشرح لها مايحسه ويعيشه وماهو فيه الان حالا ، يهمس لنفسه بكلمات مضطربه مثل احاسيسه ومشاعره وفوق روحه وقلبه ونفسه طبقات فوق طبقات من الركام القاتم الدامس ، طبقات فوق طبقات من الاسود الثقيل  تلفك تحيطك تحتويك تغزوك تشعرك بضألة وصغر ، تخلع قلبك هلع وتوهة ، تخنق روحك من ثقلها الداكن الموحش الذي تتعثر فيه خطواتك الوجلة في طريقك الغريب الذي لاتعرف اوله ولااخره ..
استيقظ يانبيل ، يهمس نصفه الخدر لنصفه اليقظ ، استيقظ ، يتوه اكثر واكثر ، بعض الاصوات الغامضه الممضوغة تتسلل من بين طبقات الاسود الثقيل وتغزو اذنيك وتتسلل لمراكز الانتباه في عقلك المرتبك الحائر ، تغزوك بلا معاني ، بلا فهم ، حائر تائه تبحث انت عن معاني تميز ماتسمعه لكن كل المعاني لاتفسر مايتسلل بوحشته لروحك ، ربما بعض الانين بعض الهم بعض الدعاء والتمتمة ، ربما بعض النحيب والشكوي ، ربما صوت القلب المقهور يتوجع ، اصوات غامضه ممضوغه تغزوك ، فتزيدك هلعا ووحشة ..
اين انت يانبيل ، اين انت ، هذا لايهم ، لايهم اين انت ، انت في مكان موحش ، يحتله الحزن ، ربما كان بيت هجره اصحابه فسكنته الاشباح ، ربما ماتوا وقت اتي اجلهم فخلعهم من الارض وترك اشجار الحزن تظلل جدران البيت المهجور ، ربما هاجروا يأسا وتركوا اطر الصور فوق الجدران المشروخه تحكي عن بشر كانوا ولم يبقوا ، ربما كان مكان لعمل اكل منه وفيه اصحابه وتابعيهم عيش وحياه وسرعان ماافلس واطفئت انواره وسرقت مصابيحه فصار ماانت فيه وتحسه ، ربما كانت قاعه افراح شهدت جدرانها فرحه وزغاريط ومشاعر واحلام وسرعان ماانتشر الحداد فتزوجت الفتيات بلا اثواب وشموع وتهاوت جدران الفرحه فوق ارضها المتشققه ، ربما كانت مستشفي عالجت الكثيرين لكن الدواء شح والاطباء عجزوا عن ممارسه عملهم  لكثرة المرضي وقله الامكانيات والغضب فعششت العناكب علي الاسرة التي كانت خضراء وسرحت القطط تعوي جوعا في الطرقات الطويله المظلمه تبحث عن طعام صغارها لاتجده بعدما احتل الموت المبني الذي كان يمنح قاطنيه شفاء وامل !!!
المستشفي ، هنا في تلك اللحظه الغريبه والحوار الداخلي الغريب يعبث في تلافيف عقك ، انت الان في المستشفي يادكتور نبيل ، ينتبه نبيل ، يفتح عينيه فتحه صغيره فرارا من الظلام ، يحدق في الشاشات ، مازال تبوح له بسر الحياه وان الجسد الممزق علي الفراش امامه مازال حيا ، الشاشات تؤكد له ان مريضه مازال يتشبث بالحياه ويناضل من اجلها ، فيطئمن ويغلق عينيه ويغيب ويسقط ثانيه في قاع البئر ، ويستأنف الحوار العبثي ويكمله مع نفسه وسط اضغاث الاحلام وبقايا اليقظه الفارة وسط الظلام الدامس ، اين انت ، ربما في اي مكان وكل مكان ، ربما وربما وربما والف ربما ، اختر انت المكان الذي تريده ، اختر المكان وخلفيته ، ارسم ملامحه لون جدرانه ، كبير صغير واسع ضيق ، تجول فيه حسبما تريد وحسبما اخترت ، اختر انت المكان الذي تريده ، ارسم ملامحه فوق طبقات الاسود ولونه ببعض الاكاذيب كما يحلو لك ، افعل ان استطعت ، فر من الوحشه ، فر منها ولو قليلا ، اهرب من قبضتها من خنقتها من سطوتها ، اهرب بعيدا ، ارسم في خيالك مكان ارحب ارحل اليه ، مكان لاتظلل جدرانه ولا مساحاته الشاسعه سحب السودا الباكيه وقطرات امطارها الحمراء المالحه الحارقه ، فر واهرب ، حاول تلهو قليلا وسط الاحزان ، تصور نفسك في طائره نفذ وقودها وتكاد تنفجر في الجو وانت واحد من ركابها المعلقين باحزمه الامان لاتنقذك ولن ، تصور نفسك داخل تلك الطائره وتكاد تنفجر فتموت وسط ظلام دامس في السماء المعلقه البعيده اصابعك متيبسه لاتجد من يشاركك لمساتها الاخيرة ، تصور نفسك علي وشك تموت وابتسم للرفاهيه المخيفة التي تعيش فيها قبل الموت والرحيل ، انت لم تمت فجأ مثلما مات الكثيرين ، انت محظوظ عشت واعيا بعض لحظات اليقظه المرعبة ماقبل الموت ، ابتسم والهو ، تصور نفسك علي سطح عقار قديم يتهاوي ، لم يصلحه قاطنيه ورشي ملاكه المهندسين وموظفي الحي فتركوه ليتهاوي بعدما ارتفع ثمن ارضه وصار هدمه املا يمنح احلام الثراء للملاك الغاضين من قوانين تحديد القيمه الايجاريه ، لكنك تحب المبني الذي عاش فيه جدك وابيك وامتد عقد ايجار شقته الفارهه لك ولاولادها ، تحب المبني حد قررت تموت فوق سطحه تتهاوي معه ومثله ومعاول الهدم تخلع اساسه الراسخ في الارض ، انت فوق سطح العقار والظلام الدامس يحيط بك ومعاول الهدم والبلدوزورات تخلع الاساس والاعمدة وتدفنك انت وذكرياتك تحت اطلاله ، في تلك اللحظه ، سيلفك الظلام ويتناهي لاذنك اصوات ممضوغه ويحتلك الرعب وطبقات الظلام الموحش ، وقتها ستخاف ، مثلك مثل راكب الطائرة التي ستنفجر ، مثلك مثل العامل الاخير الذي اغلق مكان اكل عيشه واحتفظ بالمفتاح الصدأ في جيبه عله يعود ذات يوم ، مثل الاشباح التي غزت المنزل الخالي المظلم الموحش ، ستخاف !!!
الهو قليلا ولو حتي احسست بالخوف ، الخوف اجمل اوضح ابسط من كل المشاعر الموحشه الاخري التي تحيط بك وتحيطك وسط ركام الاسود القاتم ، الهو قليلا واطلق لعنانك الخيالك علك تحس ببعض الحياه وسط الاسود ، زهره حمراء قانيه كلون دماء الحبيب الشهيد التي سالت علي صدرك وقتما احتضنته وهو يتأرجح بين الحياه عازفا عنها والرحيل راغبا فيه ، يومها ترك لك بصمه حمراء من دمه علي صدرك ، هي ذاتها الزهره التي ستقتحم الاسود وتمنحه بعض الحياه ، الحياه الصعبه نعم لكنها حياه رغم كل شيء !!!
الهو قليلا واطلق لانسانيتك العنان ، من حقك ولو قليل ان تشعر بعض الانسانيه بعض الفرحه بعض الرهبه بعض البهجه بعض الامنيات ان ينقشع الاسود ويحل عن روحك وعالمك ، الهو قليلا واستعيد بعض انسانيتك واشعر بالخوف ، نعم الشعور بالخوف انسانيه اجمل من البلاده والركود والركون للاشيء !!
نعم ماتحسه هو بعض الخوف ، هذا هو الخوف ، الخوف الذي يحيطك ويلفك ، يحتل روحك ونفسك ، يخطفك لطبقات من الظلام الموحش ، يفسد كل المعاني في عقلك المتعب وراسك المتصدع ، تسمع فلاتفهم وتري فلاتبصر وترتعد وترتعد !!!
انت في ارض الخوف ، حيث كنت واينما كنت انت في ارض الخوف !!!
لماذا لاتجري ، لماذا لاتفر ، لماذا لاتهرب ؟؟
ولاين تهرب وتجري ولاين تفر والكون كله في تلك اللحظه التي يسرقك الخوف فيها ، الكون كله يتحول للحظه خوف مكثف ، ربما تسبق الموت ، وربما تفسد الحياه ، وربما تبلد المشاعر وتطفيء نور العيون والقلوب ، انت في تلك اللحظه تعرف انك خائف يائس لاامل لك ولافيك ، الخائف ميت مهما نبض قلبه ومهما تسارعت انفاسه ..
ايها الحائر تبحث عن مكانك ، انت في ارض الموت !!!!
ويرتبك نبيل ويفتح عينيه وسط غياهب الظلام متحسسا وجوده ، اين انا ؟؟
ومازالت الحيرة تؤرجحه والترقب يتمكن منه والوقت مازال بطيء بطيء ..

 ( 5 )
مقدرش !!!
         
وكأنه كاد يسقط من فوق سطح العقار ، بل كاد يسقط فعلا ، تعثر في خطواته غاضبا من امه لانها دائما تذكره بموت ابيه وغيابه عن حياته وان امكانياتها الماديه لاتسمح لها بما يرغب فيه وكفايه اللي انا عايشه فيه ، المشاجره بدأت لسبب لايذكره الان ، طلب منها شيء ما فرفضت كعادتها ، صرخ فيها غاضبا لانها دائما ترفض تحقيق طلباته ، صرخت فيه لانه دائما لايفكر الا في نفسه ولا يفكر فيها ولا في الحياه الصعبه التي يعيشاها ، صرخ فيها انه لاينسي ابدا الحياه الصعبه التي يعيشاها لكنه يتمني تساعده يعيش حياه مختلفه وان طلباته بسيطه ومن حقه مره واحده تحققها ، هي تصرخ وهو يصرخ ، هي تصرخ وهو يصرخ ، ارمله لم يغادرها الحزن ، ومراهق متمرد ..
، هي تصرخ وهو يصرخ ، تتمني تخبره عن احزانها يوم مات اسماعيل وتركه وحيدا وتركها وحيدة تتحكم فيها وفي حياتها وفي ايامها الصعبه وفي ابنها اهواءها وعصبيتها المنفلته وحزنها المقهور ، يتمني يسألها لماذا ترفض دائما كل طلباته البسيطه ولاتحقق له اي منها مهما كان يسير ، تتمني تخبره ويتمني يسألها ، لكن الصمت والصراخ هما الممكن بينهما دائما ، و... انا مقدرش علي كده مقدرش علي كده !!! 
هل كانت نجوي تعلم انها تضغط علي البركان المكبوت داخله لينفجر ، هل سمعت صوت حزنه مكبوتا بداخله ، لماذا تذكريني بموته ورحيله ويتمي ، لماذا تذكريني اني لست مثل كل الاطفال الاخرين ، لماذا تذكريني ، صرخت فيه ليكف عن الضغط عليها ، انفجر من كثره ضغطها عليه وفتح الباب وصعد مهرولا علي السلم صوب السطح ، يفر من صراخها وبكاءها ومن حياته ، صعد للسطح غاضبا ، سيرمي نفسه لتستريح منه ومن طلباته وليستريح منها ومن دموعها ، انها هرمونات المراهقه اللعينه التي فارت واندفعت في عروقه فاثارت اعصابه فلم يدري بنفسه ، في ذلك اليوم لم يتعاطف معها ولم يبكي لبكاءها ولم يحزن لحزنها ، في ذلك اليوم احسها تقهره وكأن كل ماعاشه من قهر لايكفيها ، فتح باب الشقه ورطمه غاضبا وصعد مهرولا للسطح ، سيقذف نفسه وينهي الامر كله علها تستريح او تجد مبررا لتبكي اكثر واكثر ..
وصفي انتبه لصوت ارتطام الباب وفردوس فزعت وخبطت علي صدرها ياساتر يارب ، زين اندفع صوب الباب وفتحه وصعد علي السلم بسرعه واندفاع ، يبحث عن نبيل بل ويناديه وكأنه عرف بالمشاجره مع امه وكأنه شاهد غضب نبيل وعروقه النافره ووجه المحتقن ، لم يفكر زين مالذي يحدث ولم ينتظر ليعرف مبرر الغضب وسبب المشاجره ، هرع صوب السطح ، بابه الخشبي الصغير مفتوح ، دار بعينيه بسرعه يبحث عن نبيل ، كان نبيل غاضبا يشوح بذراعيه وكأنه يفك اسر نفسه من اسر الاشباح الشريره ، كأنه سيحلق فوق السطح صوب الفضاء ، صرخ فيه يناديه ، نبيل ، اقترب نبيل اكثر من السور المنخفض لايبالي باي شيء ، سمع صوت زين ولم يكترث ، ومادت به الارض من شده الغضب وتعثر في بلاطه مخلوعه فكاد يقع ، كاد يقع علي ارض السطح لكن زين تصوره سيهوي من فوق العقار ، طار زين ، نعم هذا هو مااحسه نبيل ، ان زين قفز من مكانه قرب باب السطح محلقا في الهواء صوبه وامسك ذراعه بقوة وحمله منه بمنتهي القوه الغريبه التي دبت في جسده وروحه،في تلك الثانيه شاهده زين وهو يهوي ميتا علي رصيف العقار وتتبعثر جثته وسط السيارات المسرعه،صرخ بصوت هادر نبيل،طار صوبه ، قبض علي ذراعه وابعده عن السور وقذف به علي الارض واخذ يصرخ فيه ، بتعمل ايه ، فيه ايه ، ليه كده و...... افاق نبيل من غضبه الجارف المحموم علي غضب زين وخوفه عليه ، نعم زين خاف عليه فانتشله من ارض السطح الخشنه التي كاد يسقط عليها او انقذه من الهاويه التي كان سيسقط عليه ، وجلسا علي الارض متجاورين يبكيا !!!
حب زين الجارف مس شغاف القلب المحروم من الحنان فبكي نبيل متأثرا بكل مايعيشه ، اما زين فبكي لانه افلح ينقذ صديقه من الوقوع والسقوط ولو كان علي ارض السطح الخشنه ، يبكيا ويبكيا صامتين لايشرح احدهما للاخر مايشعر به ، لان كل منهما في تلك اللحظه كان يدرك مافي صديقه و............ يخرب بيتك يانبيل خضتيني بجد ويبكيا ويبكيا وزين مازال ممسكا بذراع نبيل وكأنه سيفر منه ، وظل زين ينتشل نبيل من كل عثراته ممسكا بذراعه بقوه وحب !! ورب اخ لم تلده امك!!!!  

( 6 )
شحوب

الجدران خضراء شاحبة صامتة ، والاضاءة بيضاء اكثر شحوبا وخرسا  ، الهواء ثقيل ، بعض الحزن وبعض الرعب ، بعض الحياه بعض الموت ، يخيما علي الرجلين في نفس اللحظه بطرق مختلفة  ...
اما سيفلحا معا ، اما يفشلا معا ..
اما ينتصرا معا ، اما يهزما معا ..
ومازالت النتائج بعيدة والطمأنينة ايضا ...
والليل طويل مرعب والانتظار ايضا ....
الانتظار مخيف .. تنتظر مالاتعرفه ولاتدركه ، سيداهمك يحطم عظامك طمأنينه نفسك يأسر روحك ، سيداهمك ماتخاف منه فتخاف اكثر .. الانتظار مخيف ، يهمس نبيل !!
يبتسم زين او يظنه نبيل يبتسم ، خالتي فردوس بتقول اللي تخاف منه مايجيش احسن منه ، يبتسم نبيل ، مستبيع ، انت طول عمرك مستبيع ، يهمس عم وصفي ، اللي يخاف من العفريت يطلع له ، واللي مايخافش ياعم وصفي ، اللي مايخافش يعيش والحياه يامافيها وفيها ..
يحدق نبيل في زين النائم امامه ينتظره يستيقظ ، افتح عينيك وانظر لي ، ابتسم سعيدا مطمئنا لاني بجوارك ، افتح عينيك وانظر لي ، طمئني ، قل لي لاتخاف مثلما قلتها لي مئات المرات ، قل لي ان كل شيء سيكون علي مايرام مثلما حدث وصار ، افتح عينيك يازين وانظر لي ، افتح عينيك وقص علي مالذي حدث فيك وكيف حدث ، كيف انهار المبني فوق راسك ، حطم ضلوعك وفجر طحالك وكاد يجبرك علي الرحيل ، افتح عينيك وقص علي مالذي كنت تفعله في مكتبك في ذلك الوقت ، كيف افلحت الدبابير تزن فوق المبني وتلقي دانتها عليه فتحطمه بانفجار هائل ، احكي لي مالذي حدث ، قل لي ، من اين اتتك الضربه ، من الذي اوشي بك وكيف علموا بالاجتماع الكبير الذي كنت تعقده وكيف علموا ميعاده ، قص علي مالذي حدث ، افتح عينيك يازين وانتصر عليهم ، انتصر عليهم يازين ، اخبرهم انهم لم يفلحوا يخطفوا حياتك وانك شفيت وانك ستعود لتقاتلهم وتنتصر عليهم ، افتح عينيك يازين وحدثني .. لكن زين نائم صامت ، لم يأتي وقت البوح بعد ، وحتي وقت يفيق سيبقي صامتا ، لن ينطق ، هذه اسراره العسكريه ، هذا مااؤتمن عليه ولن يذيع له خبرا ، مالذي حدث ، حدث ماحدث يانبيل و... ايه ، ولا حاجه ، حننتصر !!! بيقين بثقه باصرار بقلب شجاع ، سننتصر !!!
افتح عينيك يازين واخبرني انك ستنتصر ، اخبرني انهم ابدا لن يهزموك وانك ستنتصر عليهم والعبرة بمن يضحك اخيرا !!!
يتوسل اليه ويرجوه ، يفيق ويشفي ويعود لساحه القتال ويحارب وينتصر !!!
يتوسل اليه ويرجوه ، لكن زين مازال صامتا لاينطق ولم ينطق بعد !!!
ومازال الانتظار مخيف والليل طويل و........ الشمس لم تشرق بعد ولا الطمأنينة ايضا ..

( 7 )
ليه دايما تتمني المستحيل ؟؟

في الحلم اتاه زين ، كانا معا ، طفلين صغيرين ، اتاه يحمل طائرة ورقية ملونه بذيل طويل ، صعدا بسرعه للسطح ، اطلقا الخيط فحلقت الطائرة في السماء ، تمني نبيل لو يمسك طرف الذيل ويحلق معها ، يخترق السحب وطبقات الضباب الكثيف ، يصل للشمس ويختبيء ببراءه بين اشعتها الدافئه ، تمني نبيل لو اعتلي الطائره الورقية وحلق للسماء ، زين يقبض علي بكره الخيط يمد منه للطائرة مايعاونها تحلق وتتمايل ، زين علي السطح راسخا كالسنديانه العجوز ، هيبته لاتتناسب وسنوات عمره البريئة وقت زار نبيل في الحلم ، زين كالسنديانه العجوز ونبيل كطائر الهدهد ، يحلق ويهبط ، ينقر في الارض ويتمايل بتاجه الممشوق ارتباكا ، في الحلم تمني نبيل لو حلق بجناحيه صوب الشمس ، سيسألها عن ابيه وهل يسكنها ويعيش في وهجها حيا ، سيسألها عن ابيه وعن الاوسمه التي منحت لروحه وقتما رحل تاركا بذلته العسكريه ملطخه ببعض بقع دمه ووجوده ، سأل زين ، ينفع اطير ، ارخي زين الخيط اكثر واكثر وحلقت الطائرة الورقيه اعلي واعلي ، هز رأسه نفيا ، وتطير ليه ؟؟ يتابع نبيل ببصره الطائرة ترتفع وترتفع ، زيها كده اطلع لفوق لفوق ، بأسي سأله زين لاينتظراجابته ، ليه دايما تتمني المستحيل اللي مانقدرش عليه ؟؟
مازالا في الحلم صغيرين ، اتتهما فتاة صغيره بشعر اسود ناعم ينسدل علي كتفيها وتتطاير بعض خصلاته تاج فوق رأسها ، اتتهما فتاة صغيرة ، تمني زين لو منحها بكره الخيط لتلعب معها ، تمني نبيل لو حلق معها صوب الشمس ، تمني زين لو قصت عليه وجعها المرسوم علي ملامحها ، تمني نبيل لو قص عليها اوجاعه ويتمه ،مايا ؟ سأل نبيل ، ابتسم زين ، هزت رأسها ،نعم انا هي ، مازالت الطائرة تحلق عاليا ومازالت الصغيرة تقف وسطهما تتابعها ترتفع في السماء ، ومازال نبيل ينتظر تنبت اجنحته ليحلق ومازال زين كالسنديانة العجوز ، ومازالت هي نضرة بريئه لولا بعض الدموع المتحجره في مقلتيها ، صرخ نبيل انتي ليلي ؟؟ هز زين رأسه نفيا ، ليلي كبيرة يانبيل كبيرة واحنا لسه صغيرين ، تمني نبيل لو كبر بسرعه وصار رجلا مسئولا يتقدم للزواج من ليلي ، ليلي كبيرة ومسئولة يانبيل وانت لسه صغير حتي باماره ماانت عايز تطير زي الطيارة دي ، ابتسم نبيل كأنه لايسمعه ، هي كمان تطير معايا ، اشتبكت الطائرة في عمود كهرباء عالي ، دارت حوله بخيطها مره واثنين واسرت تحت لمباته الساخنة ، بكي نبيل لان احلامه تكاد تتحطم ، حاول زين بالخيط مره واثنين يحركها بعيدا لكنه فشل ، لم ييأس استمر في محاولاته مره واثنين ، يحيطه بكاء نبيل وصوت حزنه ، مازلا في الحلم ومازالا صغيرين ، ومازالت الطائرة معلقه علي عمود الكهرباء العالي ومازالت الصغيرة تتابع كل مايحدث ، انا مايا ابنة الشهيد محمد المبروك ، صرخ نبيل نورة ، ابتسم زين ، مايا يانبيل مايا ، تمني نبيل لو كبر بسرعه في الحلم واحتضنها ، تمني لو كبر بسرعه واحتضنها مثل نورة ، تمني لو كان في المستشفي وقتما وصلت جثه الشهيد عله ينقذها ، اجتاحه العجز في الحلم واحسه يدور في دائرة مفرغة ، الطائرة اشتكبت في الفضاء بعيده عن يديه بعيده عن قرص الشمس ، والشهيد مات قبلما يخرجوه من سيارته فحرمه محاوله انقاذه وليلي فرت من حبه ومن حضنه وتركته يبكي في الحلم وفي الحقيقه ، في الحلم مات زين ، سقط من فوق سطح العقار ، حاولت مايا تنقذه ، بقي نبيل يناديه ويبكي ، حاولت الطائرة الورقيه تمزق خيوطها وتفر من اسر عمود الكهرباء وتلقي خيطها لزين يمسك به فلا يسقط علي الارض ولا تتحطم جمجمته ولا تتفتت عظامه ، حاولت الطائره الورقية ولم تفلح ، وحاولت مايا وفشلت وحاول زين ينقذ نفسه ويحرك ذراعيه كاجنحه الصقور ليهبط علي الارض بسلامه لكنه فشل ، فقط نبيل الذي لم يحاول شيئا وصديقه واخيه يتهاوي من فوق سطح العقار ويسقط ويموت ، فقط نبيل لم يحاول شئيا وكيف يحاول والدموع تملأ مقلتيه وذكريات الوجع القديم ، كل الوجع يطارده ، تمني يهمس لمايا انه مثلها ابيه شهيد وانه مثلها يحتفظ في خزانه الملابس ببذله ابيه وعليها بعض الدماء ، تمني يهمس لها انه اخيها في الوجع وشريكها في الحزن ، لكنه لم ينطق ، وكيف ينطق وهو يصرخ خوفا وهلعا علي زين الذي يهبط للارض وسيموت بسرعه !!!
مازالا في الحلم ، زين سيموت ، ومايا تراقب كل مايحدث علها تفهم لماذا اغتالوا ابيها ، ونبيل يبكي ويبكي ويبكي !!!!
و................... انتفض مكانه ، لا ، زين مش حيموت ، مش حيموت ، يصرخ بصوت عالي ، قولي له ياليلي ، قولي له مايموتش ، قولي له يستني معايا !!! انتفض مكانه متصورا انه استيقظ من نومه ، لكنه مازال نائم ، ومازالت الاحلام تطارده ، يصرخ زين مش حيموت !!!
فتح عينيه مفزوعا ، دار ببصره بسرعه علي الغرفه الصغيره التي ينام في صدرها زين جسد منهك ممزق يحاول نبيل علاجه وانقاذه وانقاذ حياته ، حدق في زين الغائب يصارع الحياه لينتصر عليها ، حياته الاسيره في عمود الكهرباء العالي تصارع الاسر وتتوق للتحليق ، يحدق فيها وهو يصرخ بصوت مكتوم ، لا زين مش حيموت و............... اقترب من رأسه وهمس ، اوعي تفتكر انك حتسيبني وتموت ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت .. ومازالت صفحة زين لم تطويها الاحزان بعد ، ومازال نبيل يقظا ونائما يحارب من اجل حياة زين وصفحته الدافئة في كتاب حياته ...

" نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني " 

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

مجدي السباعي

"مرعب والانتظار ايضا"

ده من الحدوته
الملاحظه الاهم"محمد المبروك"اول مره اسم حقيقي لبطل

حسن ارابيسك يقول...


الأديبة والصحفية والإعلامية الجميلة
أميرة بهي الدين
كم أسعدني زيارتك التي بخلتي بها على مدونتي منذ زمن بعيد وكان يحزنني ذلك حتى في عدم تواصلك مما يعلقون لديكي ويشاركونك رؤيتهم لأعمالك وكتاباتك الرائعة مما جعلني لفترة طويلة أنقطع عن التعليق فقط دون الانقطاع عن قراءة كل ماتكتبين بلغتك وأدواتك الأدبية المتميزة جداً عن كثير من أدباءهذا الجيل
ودموع ملونة على جناح النورس
أنا على يقين قبل قرائتي لها أنها ستكون كسابق عهدنا بكل كتاباتك الجميلة والرائعة والتي لا تنفصل عن عالمنا بكل واقعيته وأحلامه وإحباطاته
أميرة بهي الدين
كل عام وأنتي بخير وإنشاء الله هذا العام يكون الشرف لجائزة البوكر العربية أن تقترن بإسم أميرة بهي الدين الأديبة صاحبة الإعمال الأدبية الرائعة
والأن أسمحي لي أن أستودعك الله
فلقد أعددت كوب من الشاي بالنعناع وأشعلت غليوني إستعداداً لتلك السهرة الجميلة والممتعة بلا شك مع دموع ملونة على جناح النورس
تحياتي
حسن أرابيسك