مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الاثنين، 4 فبراير، 2013

دمعة صغيرة بنكهة المولوتوف والعشق !!! ( الجزء الاول )



اهداء
الي المدينة الباسلة 
واسراب السمان المهاجرة لسدرة المنتهي 




( المشهد الاول قبل الحدوتة )


وسط الخيالات الحمراء الداكنة وكأنها قطرات لزجة من دماء متناثرة فوق الوجوه ، صرخ الكورس علي خشبة المسرح بصوت عالي هادر ......

فلتذكروني
فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم يكذبون
ويغدرون ويفتكون والأقوياء ينافقون
والقائمين على مصالحكم يهابون القوي ولا يراعون الضعيف
والصامدين من الرجال غدوا كأشباه الرجال
وإذا انحنى الرجل الأبي
وإذا رأيتم فاضلا منكم يؤاخذ عند حاكمكم بقوله
وإذا خشيتم أن يقول الحق منكم واحد في صحبه أو بين أهله
فلتذكروني
وإذا غزيتم في بلادكم وانتم تنظرون
وإذا اطمأن الغاصبون بأرضكم وشبابكم يتماجنون
فلتذكروني
فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم الحياة
كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة
فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة
وبذاك تنتصر الحياة
فإذا سكتم بعد ذلك على الخديعة
وارتضى الإنسان ذله
فانا سأذبح من جديد وأظل اقتل من جديد
وأظل اقتل كل يوم ألف قتلة
سأظل أقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفا الصبور
سأظل اقتل كلما رغمت أنوف في المذلة
ويظل يحكمكم يزيدها ... ويفعل ما يريد
وولاته يستعبدونكم وهم شر العبيد
ويظل يلقنكم وإن طال المدى جرح الشهيد
لأنكم لم تدركوا ثار الشهيد
فاذكروا ثار الشهيد ( 1 )

لكن الشيوخ والدقون التقية البيضاء واصحاب الحل والربط منعوا المسرحية من العرض علي خشبه المسرح ، رفضوا يذكروا الجمهور الغافل بمأساة الحسين حين كان ثائرا وحين مات شهيدا ، رفضوا يعرضوا علي الجمهور ثأر الحسين ويسمعوه دوي صرخاته وهو يذبح من جديد ويقتل من جديد ... فلم يذكر الناس ثأر الشهيد ، ولم يدركوا ثأر الشهيد !!!!




( الجزء الاول من الحدوته )

 ( 1 )

""الشغل علي ودنه""

صناديق خشبية كثيرة مصطفه بجوار بعضها البعض ، حجم واحد ، شكل واحد صنعها رجال طيبين ، حملوها بالادعية والرجاء ، تمنوا عرقهم المنهمر علي وجوههم ، السائل علي ملابسهم من اطراف ايديهم الخشنه في القبو المظلم الحار الذي يجتجزهم فيه الحاج صاحب الفابريكة والاسم مصنع ، تمنوا عرقهم في صناعتها يشفع لهم عند المولي يوم القيامه ، لم نتوان جهد في صنعها وبايدينا وبرجل حمار رغم ان صاحب الفابريكة لم يسدد لنا اجورنا المتأخرة ، ولم يرضخ لضغوطنا عليه وقت اعلناه بنيتنا في الاعتصام والتوقف عن العمل ، لم يرضخ لضغوطنا وتوعدنا بجهنم وبئس المصير لاننا سنكون السبب الذي يترك فيه الموتي علي قارعة الطريق رغم ان اكرام الميت دفنه ، خفنا من عذاب الله وبئس المصير وخفنا يطردنا ويوظف الصبية الصيع الذين يحومون حول باب الفابريكة يبحثون عن عمل بنصف اجورنا ، خفنا من كل هذا و" طبقنا " بدل اليوم يومين وانجزنا طلبية الصناديق الكثيرة التي زف المعلم الحانوني للحاج صاحب الفابريكة طلبها وعلي نحو عاجل لان الشغل علي ودنه والجثث ياما والميتين كتير وحيكونوا اكتر !!!!

( 2 )
""بيان غاضب""

صناديق خشبيه كثيرة مصطفة بجوار بعضها البعض ، ملقاة علي الارض في الساحه الخلفيه للمشرحة ، تنتظر زبائنها المتراصين فوق المناضد المعدنية الرخيصة ينتظروا دورهم في التشريح ومعرفه الاسباب المعروفة للوفاة ، الاطباء الشرعيين وصلوا المشرحه متأخر بعدما تشاجروا مع كبيرهم الذي اذاع في البرنامج المسائي في الفضائيات الشهيرة اكاذيبه ، وزعم ان الجثث جميعها ماتت بالسكته القلبية رغم ان كل الجثث لم تشرح وقت تصريحاته ، ورغم ان فتحات دخول الرصاص وخروجه تزركش ادمغتهم المحطمه ، تشاجر الاطباء مع كبيرهم الذي شرح لهم بخبرة الشعر الابيض ان عليهم جميعا ربط الحمار " مضع " مايرغب صاحبه وان الحكومه لن تفلح في القبض علي القناصه قاتلي الموتي وان اذاعه خبر قنصهم بالرصاص سيثير الشعب الثائر اساسا ويغضبهم فيصبوا نقمتهم علي الحكومه التي ستعجز عن حمايتهم ثانيه من رصاص القناصه ، اذن ، الطيب احسن !! تشاجر الاطباء الشرعيين رافضين اكاذيبه وتخاذله ونفاقه المقزز للحكومه ورغبته في لحس جزمتها القديمه علشان مايترقي ويعلي ويعلي ، انفرد الاطباء الشرعيين  بانفسهم في استراحة الطبيب المقيم بالمشرحه يكتبوا بيان غاضب يشتموا فيه كبيرهم ويشرحوا للرأي العام كل ماحدث والاكاذيب التي تخدع عقولهم ويبرؤا انفسهم من المشاركه في تلك الخديعة ، انفردوا بانفهسم يحتسوا الشاي والقهوة وسندوتشات الفول الساخنه واحدهم دخل الحمام وغاب طويلا فانتظروه طويلا حتي يضع لمساته اللوذعيه علي عبارات البيان ، كل هذا والجثث تسب لهم الدين والملة غاضبه من المناضد المعدنية البارده التي تتأرجح بهم ومن الذباب الازرق الذي ترك كل خراباته والتصق باجسادهم يمتص منهم الموت والقبح ويدفن بقاياه تحت جلودهم المهترئه ، الجثث غاضبه من الاطباء الشرعيين الذين نسوا ماعليهم وانشغلوا في صياغه البيان الغاضب ، والاطباء الشرعيين غاضبين من كبيرهم الذي ربط الحمار مضع ماترغب الحكومه ، والطبيب الشرعي غاضب من الحكومه التي لاتقبض علي القناصه قاتلي الموتي ، وتكذبه كلما كتب تقريرا يؤكد فيه ان الرصاصات التي استخرجها من الجثث لايستعمل الشرطه مثلها ولا الجيش وانها رصاصات حربيه غريبه عن بر مصر ، الحكومه تكذبه وتهين خبرته وشعره الابيض وتؤكد للشعب ان الطرف الثالث لايحمل اسلحه ولا رصاص وانه لاتوجد قناصه وان الطبيب عميل لجهات اجنبيه تدفع له كثيرا ليكذب ويزعم ان الوطن مستباح بالقناصه الاجانب فيفر المستثمرين وتنهار البورصة ، كبير الاطباء الشرعيين غاضب من الحكومه ، والحكومه غاضبه من القناصه الذي لايكفوا عن القتل رغم انها شكرتهم مرة واثنين وسددت لهم بقيه حسابهم وشرحت لهم ان مأموريتهم انتهت وكتر خيركم ، مأموريتكم خلصت لان مأموريتنا خلصت ، وشايلينكم لعوزة ، القناصه اعجبتهم اللعبة وقتل الابرياء واشاعه الفوضي ، القناصه يبتسموا ادبا ولايكفوا عن القتل وكأنه مزاج وهواية ، مزاج القناصه يزعج الحكومه التي لايقوي قلبها الرهيف علي القبض عليهم وتقديم للشعب ليمزقهم باسنانه بعدما قدموا لها خدمات جليله لاتنسي وايضا تخشي غدرهم واعترافاتهم التفصيليه التي يهددوها بها يوم جلبتهم مرتزقه من بلادهم ليقتلوا اهل بلدها لتضمن السمع والطاعه والادب وعجين الفلاحه ، الحكومه غاضبه وكبير الاطباء الشرعيين غاضب والاطباء ايضا غاضبين والجثث اشد غضبا ترغب الرحيل عن ذلك العالم القبيح ، اما اكثر الغاضبين فهي الصناديق الفارغة الملقاة اهمالا في الساحة الخلفية للمشرحة تنتظر وتنتظر كل الحمقي لينتهوا من كل الاشياء التافهه التي يعملوها ، الصناديق الفارغه غاضبه لان اكرام الميت دفنه وهي ترغب اداء عملها بدقه وتوصيل الموتي لدار الحق ، لكن البشر الاغبياء لايمكنوها ولايرحمها من الانتظار والذباب الازرق...

( 3 )
""المسامير الهشة""

الشمس تلتهم صبر الصناديق الخشبية وتزعجها بسخونتها المتسللة لهبا للمسامير الرديئة التي تلصق الالواح الخشبيه ببعضها فتتمد جزئيات الخشب وتصدر صريرا سخيفا حتي يظن الجهلاء ان الاشباح تسكن الصناديق ولم تبارحها مع موتي اليوم السابق ، المسامير تسب الدين والملة لصاحب الفابريكه ، الحاج المؤمن الذي يصلي ويصوم ولايراعي ربه في عمله ولايتقيه ويشتري نوع رديء من المسامير الهشه ويطالبها بربط اوصال الخشب المتفتت في بعضها لتحمل جثه ثقيله لدار راحتها ، المسامير غاضبه من الاحمال التي تقصفها فتتفكك الصناديق وتكاد تتهاوي بجثثها وتتبعثر علي قارعه الطريق ، المسامير تسأل بعضها ، الا يخاف تلقي جثته في صندوق هش مثل الذي ربط اوصاره بصلبنا الرديء ، المسامير لاتجد اجابات فتئن وتئن وتصدر صريرا مزعجا يفسد خلوه الاطباء الشرعيين المستغرقين في كتابه البيان الذي لاينتهي والجثث تتحل والدود يسرح فيها ويرقات الذباب وتبكي لانها ترغب في الرحيل لكن احدا لا يرأف بها !!!!

( 4 )
""الوقت يمضي بطيئا""

مازال النهار في اوله ، وصراخ اهل الموتي يغيم علي الصباح بسحب زرقاء من الاصوات الملتاعه والدموع الثقيله ، تكاد الجدران الكالحة المسنودين عليها تتهاوي من كثره احزانها والاحباء يتحولون لجثث والجثث تتمزق بالمشارط وترتق بخيوط رديئه استوردتها وزارة الصحه في مناقصه رسيت علي من دفع اكثر رشاوي وقدم ارخص سعر لبضاعه رديئة لاتصلح لتنجيد الكراسي ، والجثث لم يصرح بدفنها لان التقارير التي سيوقع عليها وكيل النيابه لم تكتب بعد لان الاطباء الشرعيين مازالوا يكتبوا بيانهم الغاضب وينتقوا اشد الالفاظ حده للتعبير عن سخطهم علي كبيرهم ويتشاجروا معا وهو يحتسوا الشاي والحلبة لرغبه كل منهم الوقوف امام الفضائيات والقاء البيان بنفسه ، كل هذا يحدث والنهار مازال في اوله و...الوقت يمضي بطيئا !!!

( 5 )
""زجاجه مولوتوف""

هنا ، في تلك الساحه الخلفية للمشرحه تجلس النساء علي الارض ، شعثات الشعور بعيون حمراء ووجوه سوداء من كثرة اللطم والحزن ، هذه تنتظر ابنها الذي تشاجرت معه وهي توقظه من غيبوبه السبات اليوميه ، تشاجرت معه وهي تتوعده لانه كسلان ومامنوش رجا ، ولانه لايستيقظ مبكرا وسيذهب عمله متأخرا كعادته وسيرفدوه، ليته بقي نائما ، ليته لم يخرج من البيت ، ليته ترك العمل وبقي جوارها وهي تتشاجر مع الجيران طيله النهار الذي لاتجد في ساعاته ماتفعله بعدما تنشر الغسيل وتعلق علي الطبيخ وتأكل الفراخ وتتفرج علي حلقات المسلسل مرتين ، ليته لم يغاردها ليصلها خبره الاسود ، لم تفهم وقتما اخبروها ان ابنها مات ، خرجت من منزلها تجري وشعرها عاري تمزق فيه وهي تصرخ ، نسيت الحجاب والشبشب ، مات ليه ، سؤال بريء لم تجد ابدا اجابته ، مين اللي قتله ، سؤال اصعب ، ايضا لن تجد ابدا اجابته ، اشوفه ، امنيه لن تتحقق لان جيرانها الطيبين رفضوا تراه ورأسه محطمه والدم يسيل من انفه واذنه ، خافوا عليها من كسرة القلب لايعرفوا انه رحل ومعه قلبها وترك لها مكانه زجاجه مولوتوف ستنفجر وبسرعه فيها وفي الجميع !!

( 6 )
""الواد الحيلة اليتيم ""

ومازالت النساء تنتظر في الساحة الخلفية للمشرحة ، هناك ، نعم هناك ، تلك السيدة التي تسند ضهرها علي العمود المتشقق ، هي خالة العيل الصغير اللي مات ، ابن اختها التي ماتت وهي تلده ، لم تتزوج ومنحته شبابها وربته ، اعتبرته ابنها اللي حيسندها لما الدنيا تقسي عليها ، خالته وامه ، ده عيني ونني عيني ، نعم تلك السيدة الصامته ذات الجلباب الملون والبنطلون الكستور المقلم ، كانت تغسل وقتهما طرقوا باب بيتها واخبروها ان البركه فيها ، لم تفهم ، ابيها مات منذ زمن بعيد واختها ماتت وهي تلد الواد الحيلة وزوجها مات في العراق بعدما سافر ليدخر قرشين ينفعوا ابنه اليتيم فتزوج بعراقية وقطعت اخباره حتي عرفت انه مات في الحرب وان مدخراته استولت عليه العراقيه وتركت لها اليتيم امانه في رقبتها ، البركه في ليه ، مين اللي مات ، ليس لها رجل يموت ويتركها تصرخ في جنازته ياسبعي ياجملي ، والواد العيل الحيلة ماجاش في راسها ، وافكر ازاي انهم قصده عليهم ، وانهي بركه سوده اشوفها بعد ماعمري راح ، ويموت ليه ، ده ابن امبارح ، عيل في الاعداديه ، لاشال مطواه ولا بيجالس الاشقياء ولا ليه في التور ولا في الطحين ، ايوه مات ازاي يعني ، هرسه وابور ، دهسته عربية ، وقع في الكنال ، حصل ايه يعني ، عماره وقعت علي راسه ، ولا حاجه من دول ، امال ايه ، بقيت تحدق في الباستله والغيارات البيضاء للقتيل تتراقص وسط الماء المغلي والاومو ، تحدق في الباستله تتمناها تسقط بماءها المغلي علي رأسها لتفيق ، الا النفر بيحلم وسط النهار ولا ايه ؟؟ لكنها لاتحلم والكابوس المرعب حقيقه والواد ابن عمرها اليتيم الحيلة مات برصاصه لما كان رايح المدرسة ، كان بيجري لان مدرس العربي حيلم الكراكيس علشان يشوفه عمل الواجب ولا لا ، كان عامل الواجب ومتأخر علي الحصه ، خاف يتأخر اكتر فالمدرس يضربه بالعصايه علي ضهره زي مابيعمل دايما ، جري بسرعه ، يعبر الشارع ، خلفه عماره عاليه لم يظن بها سوء ، لم يتصور ان القناصه يلعبون ببنادقهم الالية من فوق سطحها ، لم يتصور ان الرصاصه ستخرج من بندقيه احدهم لرأسه تبعثرها فيري جسده يقع امام عينيه ويري راسه تتناثر والدماء تسيل علي الارض وفوق القميص الابيض اللي خالته غسلته وزهرته علشان يبقي فله في الحصة ....

( 7 )
""لماذا يضحك القناصة ""

الواد الحيلة اليتيم ، شاهد كل هذا ، كل هذا ولم يفهم ، من الذي يموت ياخالتي ، لكن خالته بعيده تسمع الراديو وتقرش الغسيل ، مين اللي وقع ياامه ، لكن امه في الجنه تنتظره ولم تتصوره سيلحق بها بسرعه ، مين اللي وقع ياحاج يسأل رجل يلملم رأسه المحطمه في كفه ودموعه تنهمر فوق ذقنه البيضاء ، يلم الرأس المحطمه ويضغط عليها باصابع يديه بقوه ، كأنه يتمني ربه يمنحه قوه يوقف النزيف ويلصق الجمجمه المكسره لتعود الحياه للولد ابن امبارح اللي مات بلا ذنب !!! الولد الحيله اليتيم مات مكانه وخالته بتغسل غياراته البيضاء وتهمس الله اما اجعله خير بعدما قفزت فقاعه الصابون في عينيها طرفتها و........البركه فيكي ، قامت جري ، بالجلابيه الملونه والبنطلون الكستور حافيه ، تجري في الشارع ، تصوت تنادي ابن عمرها تعاتبه ، ماتعملش في كده ، مااهونش عليك ، ليه ياضنايا مستعجل تمشي ليه ، لكنه لايرد عليها مرتبكا وهو يري نفسه ملقي علي الارض والحاج يحضنه ويبكي ، لايرد عليها ولايفهم وهي ايضا لاتفهم لماذا يضحكوا هؤلاء القناصه من فوق العماره الصغيره وهم يروا جسده يترنح ويسقط علي الارض !!!!

( 8 )
""لو احدهم يكترث ""

خلصونا بقي ، صرخت الصناديق الخشبيه الفارغه ، تلوم الاطباء المنشغلين بكتابه البيان وتلوم القناصه الذين تسلوا علي ارواح بريئه لاتعرف لماذا قتلت فتسببت في انتظارهم الممل ، خلصونا بقي ، سمعتها الجثث فابتسمت مشفقه علي الصناديق ، لااحد يكترث باي شيء !!! ولو كان احدهم يكترث مانمنا فوق تلك المناضد المعدنيه المتأرجحه كل هذه الساعات الطويله ، وما احتجناكي لتنقلينا لدار الراحه ، وماتململت انت من الانتظار في الشمس الحارقه وماصرخت المسامير صريرا موحشا ومااكل الذباب الازرق خشبك ولحمك وعضمك ينتظرنا والجيف التي سيعيش فيها !!! لو احدهم يكترث ماعشنا كل مانعيشه !!
ضحكت الجثث المتشوقه للجنه وضحكت الصناديق !!!

( 9 )
""مازال النهار في اوله ""

ومازال النهار في اوله ، ومازالت الصناديق الخشبيه الفارغه متراصه بجوار بعضها في الساحه الخلفيه للمشرحه !!! متراصه بجوار بعضها فارغة تنتظر الاحباء المتأخرين جبرا عن الرحيل ، ينبعث من داخلها رائحة الوداع ، نعم للوداع رائحه ثقيلة اعتادت عليها الصناديق ، علي الجدران الخارجية للصناديق ترقد برقه ودفء لمسات حنين تركها المشيعين لجنازات امس واول امس وكل الايام السابقة بدموع اعينهم رسائل حب للراحلين السابقين ، اكف متلاصقة تركت بصماتها شجن وهم وحب وغرام وقهره وحزن علي جدران الصناديق ، احتفظت الصناديق بالاكف المقهورة فوق جدرانها رسائل وداع، الحاج صاحب الفابريكه بخيل ومعفن ولايطلي الصناديق ولايجددها ، منذ حملت ميتها الاول وحتي الان هي علي حالها ، هو يوفر امواله والصناديق فرحه ببخله ، علي جدرانها كمعابد الفراعنه ترك المصريين رسائلهم حب وقهره ، تركوا حواديتهم وحكاويهم وتاريخهم ، علي جدران الصناديق وهي البدن والروح وهي الرساله والرسول وهي التي تحمل الاحباء لدار الحق وتسير المشيعين خلفها وخلف الاحباء ، لعنت الصناديق الحاج صاحب الفابريكه المعفن لكن السعاده الدفينه سرت بين جنباتها وبين مساميرها والواح خشبها راضيه لان المولي خصها بلمسات الدفء علي جدرانها دون البشر الغليظين قساه القلوب ، انا اللي شايله سركم ووجعكم وحزنكم وهمكم ، اناالتي شعرت بقشعرات اجسادكم وانتم تحملوني واحبائكم فوق الاكتاف ،  ودوت نبضات قلوبكم في قلبي وانت تهرعون بي صوب دار الراحه ، انا التي شربت دموعهم وانت تودعون احبائكم ، والتي احست بلمساتكم واكفكم وانتم تلمسوني وكأنكم تلمسوا احبائكم انا التي اوصلت لمساتكم وحبكم ودموعكم للاحباء الراقدين في قلبي فشكروكم وابتسموا وهم راحلين ووعدوكم بالدعاء لكم من مراتبهم العليا في الفردوس وعلي الجدران الداخليه للصناديق بعض من عطر تركه الاحباء الراحلين ذكري وبعض من مسك ورائحة الجنه ارسلها الكريم لهم يؤنسهم في رحلتهم الاخيرة ، وبعض من مشاعر مبعثرة تركها الراحلين السابقين وصايا للراحلين اللاحقين ، بعضها لاتخافوا ولاتجزعوا ، انت في طريقكم لدار الحق مطهرين من الدنس والرجس والخطيئه بدمائكم الذكيه التي سالت علي جنبات الطريق من رصاص قاتل وخرطوش مجرم فجر رؤوسكم وقلوبكم ومنحكم المرتبه الاعلي في الفردوس ، لاتجزعوا ولا تخافوا واتركوا طمأنينه قلوبكم في الصناديق الفارغه بعدما تغادروها ، اتركوا طمأنينه قلوبكم للاتين من بعضكم في رحلة الموت الطويلة التي تعيشها الصناديق الخشبيه والمدينة ، اتركوا لهم طمأنينه قلوبكم واشرحوا لهم ان الموت حق والشهاده شرف ودار الحق احن من دار الباطل ، اشرحوا لهم ان حياتهم منحها المولي عز وجل لوطنكم شرفا وانتم لاتملكوا ولن تملكوا اغلي من حياتكم ووطنكم ......!!!  

( 10 )
"" الطريق مازال طويل ""

علي الجدران الداخليه للصناديق الخشبيه ترك بعض الراحلين عبارات خطوها بحبر سري لايراه الا من سيقبع في نفس الصناديق في رحلته لدار الحق ، عبارات خطوها بحبر سري لايفهم سره ولايكشف شفرته الا الشهداء ، كمثل مايكتب الابطال علي جدران الزنازين  يتحدوا معتقليتهم ويعيشوا حريتهم رغم القضبان والسجان والقهر ، يترك بعض الراحلين للاتين من بعدهم من الشهداء عبارات تقوي ارواحهم تمنحهم حياه مديده رغم الموت ،انتم القناديل التي ستضيئوا ظلمه الوطن بارواحكم ، انتم الابطال الذين سيفخر الوطن باسمائكم ، انتم النجوم الساطعه في سماء الوطن ، لاتحزنوا لرحيلكم ولاتقلقوا علي امهاتكم وزوجاتكم وبناتكم وبقيه اهلكم ، لاتقلقوا عليهم ، الوطن يرد الدين للجميع واكثر ، فاذا كانت حياتكم هبة للوطن يدرك الوطن واهله قيمتها ومعناها فاهلكم في عين وقلب الوطن وفوق رأسه ، عبارات يكتبها الراحلين للذين لم يأتوا من بعدهم يطمئنوهم علي ماصاروا فيه .. والصناديق تذهب لدار الحق وتعود ، توصل الاحباء والشهداء والغاليين وتنقل الرسائل ومسك الجنه ونبضات القلوب و......... الطريق مازال طويل طويل !!

( 11 )
"" دموع القهرة ""

ساعات مرت بطيئه حتي انتهي الاطباء الشرعيين من بيانهم الغاضب ، وحتي شرحوا الجثث ورتقوها بالخيط الرديء وحتي وافقوا علي الدفن والرحيل ، وحتي حملت الاجساد التواقه للرحيل في صناديقها وصرخت النسوة مزقت احدهن شعرها والثانيه شقت ثوبها والثالثه لطمت علي وجهها حتي اسود والرابعه القت ببدنها علي الارض تتمني تحتضن ابنها ولاتتركه يرحل عنها ، ساعات مرت بطيئه فيها بكي الرجال دموع القهرة المتحجرة في مآقيهم وتمتموا بكل الادعية والايات التي يعرفوها وصبوا جام غضبهم علي رؤوس القناصه والحكومه والظالمين قتله اولادهم وعبروا عن غضبهم الجارف شتائم ودموع ووعيد وتهديد وسب للنسوة التي لم تعلمها امهاتها ان التعبير عن الغضب نقيصه وان البكاء ضعف فعبرن عن وجعهن بطريقه مباشره فجه احرجت الرجال التواقين للبكاء والصراخ لكن دروس الامهات والجدات لاتبارح عقولهن ، اللي يعيط مش راجل ، ولانهم رجاله ورجاله قوي لن يبكين ولن يصرخن ولتحترق ارواحهم بالوجع والحزن ودفن الاحباء ... ساعات مرت بطيئة و........... استعدت الجنازة للحركه من امام المشرحه صوب الجامع الذي ينتظر فيه المشيعين والاحباء والباكين والمقهورين وجعا والموجوعين قهرها والغاضبين !!!

( 12 )
"" كأنهم احياء ""

حمل الرجال الاجساد في اكفانها ، يترنحون من وقع الصدمة ، وكأنهم يحملوهم احياء ، كأنهم يسمعوا صوت انفاسهم ، كانهم يسمعوا نبضات قلوبهم ، كانهم يحسوا بلمساتهم لقلوبهم وارواحهم تواسيهم في حزنهم ومصابهم الجلل ، يترنج الرجال من هول الصدمه ، الاجساد اللينة الملفوفه داخل الادراج الكتان البيضاء تتبختر فوق اكتافهم ،يحملهوا احباءهم صوب الرحيل والاجساد مازالت دافئة وكأنها ستتكلم وتضحك وتقفز من فوق الاكتاف وتصرخ فيهم ، ضحكنا عليكم ، ضحكنا عليكم ... يتصور حاملي الاجساد في اكفانها انهم مازالوا احياء ، وانهم سيقفزوا من فوق اكتافهم وانهم سيمزقوا اكفانهم وانه سيتحدثوا ويصرخوا ضاحكين ، ضحكنا عليكم ضحكنا عليكم ، بعض الرجال يخاف اللحظه يتصور قلبه سيقف من كثرة الرعب وانه سيموت بحق وان العائد للحياة سيحمله هو للمقبرة ويبقي هو يقص علي المعزين في الصوان كيف قتل حامله دون قصد وقتما كشف عن اللعبه التي كان يلعبها هو وبقية الاجساد الميتة !!! بعض الرجال يتمني اللحظه ويدعو ربه يحققها ، يطلع عايش ، ياريت ، يتمناه يعود من الموت الهزلي الذي قصف عمره للحياة مرة ثانية  ، يندر لاهل الله عيش ونابت في مقام سيدي الغريب ، يقرر يزوجه ويفرح باولاده ويعطيه تحويشه العمر بدل الحج واللي يعوزه البيت يحرم علي الجامع يتمني يزوجه ليذوق متع الحياه قبلما يموت مره اخري بلا رجعه مثل تلك المرة ، يتصور الرجال ان النسوة اللاطمات النائحات الصارخات سيزغردن ويرقصن ويصفقن يحتفلن بعودة الاموات للحياة ، لا ، يحتفلن بان الموت كان مجرد لعبه كاذبه غير حقيقيه وان احبائهم مازالوا احياء !! لكن الاجساد المسجاة في اكفانها لاتعود للحياه رغم ان الموت في تلك اللحظه بالذات كان مجرد لعبة وعبثية !!!

( 13 )
"" فرس النبي ""

يترنح الرجال حاملين الاجساد المسجاه في اكفانها صوب الصناديق الخشبيه الفارغه التي استعدت للرحله ، كل صندوق جهز جدرانه لتحتصن الجثمان الذي سيدخل فيها ، ستحتضنه بمنتهي الحب ، ستضمه بين جوانجها ، ستغلق عليه جدرانها حبا وفخرا وامتنانا ، ستفوح برائحه الجنه ومسكها في انفه ، تتسلل من خلف القطنتين الصغيرتين المدفونتين في انفه وتتجول في الانف تمنحها عبير الجنه المكافأه الاولي للعزيز الغالي ، ستضمه وتغلق عليه جدرانها ، ستسمع اذنه الموصده كل الادعية التي يتلوها مشيعيه ، ستتلي عليه كل العبارات الصامته التي تركها الراحلون قبله ، انه احتفالا خاصا تعده الصناديق الخشبيه للشهداء ، تعرف الصناديق ماعليها من واجب تؤديه بكل فخر ، انا فرس النبي الذي اعد للشهداء والاحباء والابرار واهل الجنه ، انا فرس النبي ستمتطيه صوب الفردوس الاعلي ، تؤرجحه بكل رقه ، تحتضنه بكل حب ، تفوح بالمسك في انفه وروحه ، تتلي علي اذنه وقلبه الادعيه والامنيات ، تودعه بكل توقير واحترام وتوصيه بالدعاء لها ولمن صنعوها ولاولادهم ربنا يكرمهم ويمنحهم شرف الشهاده مثلهم!!!!

( 14 )
"" وقفة احتجاجية اخيرة ""

تنزلق الاجساد المسجاه في اكفانها صوب الصناديق ، حدقت الجثث في الصناديق المجهزة لحملهم واشمئزوا  ، تمرد بعضهم علي الصناديق غاضبه ،اي خشب رديء صنعت منه تلك الصناديق ،همست الاجساد خوفا من افساد الجنازه المهيبه ، حقراء حتي وانت تحملوا الموتي الشهداء لدارهم الاخيرة ، الم تجدوا خشبا افضل انعم امتن لتصنعوا الصناديق منه ، الا نستحق منكم صناديق لائقه بموتنا ، سخرت الصناديق من الحاج صاحب الفابريكه اللي راح في داهيه واتحرم من اجر وثواب دعاء الشهداء له ، بل تمادي احد الصناديق واقسم ، ان الشهيد الذي كان في حضنه دعا علي الحاج وتمني له كل شر ، اسكته صندوق اخر ، حتي لو كان قال كده ، دي ساعه غضبت وراحت لحالها ، زله لسان ، وزه شيطان ، هو يقول واحنا مانقولش امين ، كمان مايصحش تردد كلامه وتقول اللي قاله علشان يبقي اسمك نقال كلام ومابتحفظش سر وتتفكك الواح الواح يتولع فيك علي شط القنال بليل وحرس الحدود بيتدفوا هديه واجب من صاحب الفابريكه مع باكتتين البانجو ، اسكت ربنا يهديك ، يطاوعه الصندق ويصمت ، لكن الاجساد او بدقه بعضها مازال غاضبا ، اندفع احد الشباب وطالب زملائه بوقفه احتجاجيه قبل الرحيل ، فنهاجم المستغل الرأسمالي صاحب الفابريكه الذي يستغل عماله في عمل رديء بخشب رديء ، ويفسد علينا رحلتنا الاخيرة ، تمنت بعض الاجساد لو سايرته وعطلت الجنازه والدفن بعض الوقت ، ضحك الاخرون ، مانروحش يعني علشان تعملوا وقفه احتجاجيه ، شرح له الشاب الغاضب ، انهم وقفتهم الاحتجاجيه الاخيرة وان الوقفات الاحتجاجيه والمظاهرات والاعتصامات والهتافات حتوحشهم ، رفض اكبرهم مايقوله الشباب ، وشرح لهم ، احنا خلاص مروحين والابواب مفتوحه والضله ترد الروح ومسك الجنه فواح وبينادينا ، احنا خلاص مروحين وسايبين الاعتصامات والمظاهرات والهتافات لاصحابها ، يهتف من يهتف فيغير الدنيا بهتافه وله اجر ، ويموت من يهتف وهو واهب روحه للوطن ومستعد يموت علشانه فيستشهد وينال الجايزه الكبري ، بلاش انانية سيبوا الوطن ومظاهراته لاحبائكم واتكلوا علي الله وكملوا طريقكم ، مش عايزين تنفردوا بالفخر عايشين وشهداء ، يالا كل واحد يخليه في سكته وربنا يقرب علينا كلنا البعيد ، صمت الجميع شوقا للفردوس الاعلي وتجاوزوا عن الخشب الرديء ، بالذات بعدما طمنئهم اكبرهن ان الله عليم بكل شيء حتي رداءه الخشب وهشاشه المسامير وانه منتقم عادل جبار من القناصه والحكومه والحاج صاحب الفابريكه وكل ولاد الحرام...

( 15 )
"" شمس الصيف ""

و..........سكنت الاجساد داخل الصناديق الخجله من رداءتها ورداءة خشبها وكأن الميشيعين احسوا برهبه الموت وسكون الشهداء ولهفتهم علي الرحيل ، فتحركوا يحملوا الصناديق فوق فيضانات الدموع والحزن والادعيه وانصال الوداع والاكتاف المرتعشة والارواح الحزينة علي سياراتها صوب المسجد ، تبتسم الاجساد المسجاه في اكفانها داخل الصناديق ، تبتسم ، الفردوس يقترب والحياه الابديه ايضا ، يبتسموا فخورين انهم ماتوا شهداء ، فالكل سيموت مهما طالت حياته ، لكنه موت وفخر ، هبه من الخالق لاينالها الا عباده الصالحين !! ابتسمت الاجساد المسجاه في اكفانها ابتسامه واسعه فاشرقت الشمس من وسط الغيم فتعجب المشيعين وايضا السيارات عن شمس الصيف التي اشرقت في سماء المدينه الساحلية وسط غيوم الشتاء القارص !!!

( المشهد الثاني في منتصف الحدوتة )


همسوا وهمسوا ... 

نحنُ لا نحفظُ الجَثامينَ التي تترُكُنا
كَما الهندوسِ، على ضِفافِ الجانج
هُناكَ، في بنارَسَ، حيثُ الآلهةُ والبشرُ
وذبابٌ كثيرٌ
نحنُ لا نحرقُها، كَما يفعلُون،
كي يحملُوا رمادَ الراحلينَ، معهم
دائِمًا
نحنُ لا نطرُدُ الأرواحَ، عُنوةً، أيضًا
كما أهلِ بابلَ 
لا نُلقي بَقايا الدجاجِ مكشوفةً

ليأكلوا وحدَهُم .. بلا إزعاجٍ
ولا نقدِّمُ الهدايا لكاهنٍ،
كي لا يعودوا
نحنُ لا نقتُلُ موتانا
كما قبائلِ الأدغالِ
نحنً لا نأكُلُهم
نحن لا نتركُهُم للسباعِ
والجوارح
وحدَهُم
نَعَم، نحن نخبِّئُ مقبرتَهم عن عُيونِ الفضوليين،
نمحُو النقوشَ عن جدرانِها،
وننحتُ أكثرَ من غرفةِ دفنٍ
لاعتباراتِ التَّضليل
وتَوَقَّفنا عن تحنيطِهم
نحنُ أبناءَ الشعب
منذُ بالغَ الكهنةُ في الأسعار
ولكنَّنا لا نذهبُ للمقبرةِ، دائمًا
قبلَ أن نحملَ الروحَ، بيضاءَ .. كما يليقُ بزفافٍ
لنزهةٍ أخيرةٍ
في شوارعِ المدينة
كي تحفظَ الطريقَ جيدًا
عندما نحتاجُها
في مشوراتٍ عاجلة(2 )

وساروا يكملوا مابدأوه !!

( نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني )

هناك تعليقان (2):

Rafat William يقول...

الحدوتة حلوة وموجعة ...مشهد الشاب الوحيد ..والصندوق المسجى فيه الشهيد ..وقسوة صورة ..الموت الذى اصاب الشهيد بطلقة القناص الغادرة ..لا ارى فرقا بين قلمك وكاميرا التصوير غير أن لقلمك صوت ..ينقل الاحساس مع التعبير بصوت يسمعه الوجدان والضمير

مها جمال يقول...

مشاهد موجعة
زدتينا اوجاع على وجعنا
اسلوبك وطريقة وصفك للصناديق وصانعى الصناديق رهيبة
كلمة هايلة او احسنت او كلمة مديح مايوفوش حقك
شكرا لاحساسك وقلبك الحى الشجاع