مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

عواء الروح في ليالي التمني .....( الجزء الاول )



الجزء الاول


لا تلتفت إلى الوراء
فالشَّظايا تضحكُ خلفكَ
في جنونٍ
والهاويةُ تطارِدُك

اترك قلبكَ في البيتِ 
ولا تلتفت لحمايةِ رأسِكَ دائمًا
فالموتُ أكثرُ سكينةً
من جروحٍ ساطعةٍ
تعوي
في روحِك


قصيدة
(اترك قلبك في البيت )
اسامة جاد




( 1 )
نبوءة

هرم عجوز !!!
يبكي في شرفته الواسعة الخاوية الا منه وظلاله الشاحبة ..
يخايله وجه عجوز وكأنه يخاطبه كأنه يشرح له كأنه يفسر مااستعصي عليه فهمه طيله الحياة ..
يطالع وجه الرجل العجوز ، يحدق في قسماته ، في ملامحه ، كأنه يري نفسه في المرأة ، هو نفسه ، هو ابيه ، هو نفسه ، وكأن القدر اختار يمنحه نفس ملامح ابيه ليصبح الاب والابن والجلاد والضحيه معا في نفس الوقت !!!
يسخر من القدر الذي اسره في ملامح ظالمة حتي كاد يكره وجهه ونفسه مثلما يكرهه ويكره ظلمه !!!
يشيح بوجهه عن ابيه ويقسم مائه ايمان الا يصفح عنه ..
يسخر منه الاب العجوز، العمر مر ياسليم وانت محبوس في دائرة الغضب اللعينه لاتخرج منها ، يغمض عينيه ويطرد الاب الظالم من خياله ، لم تترك لي فرصه لاخرج منها ياحاج حسن ، يسخر منه الاب ثانية ، حتي لو ، انا عشت بالطول وبالعرض وانت ماعشتش !! انت الخسران ياسليم ، انت الخسران !!!
انتفض سليم من نومه ، استيقظ وكلمات ابيه تدوي في اذنه، مازال فوق الفراش في المستشفي الانيق في عاصمه النور ، تحيطه الجدران الشاحبه ، انتفض مستيقظا ، نعم ، هو في المستشفي والكبد الجديد ينقي دمه وجسده من السموم التي عجز الكبد القديم عن حمايته منها فعطب وعطب معه الجسد كله ، نعم ، انا في المستشفي وحيد معزول عن الاخرين حتي يطئمن الاطباء البارعين ان جسدي لن يلفظ الكبد الجديد ، فرصتي الاخيره لحياه جديده بدل من تلك التي كادت تنتهي لولا رحمه ربي !!!
ومازال صوت الحاج حسن يدوي في اذنه ، انت الخسران ياسليم ، انت الخسران !!!

( 2 )
البداية

مازال القمر غائبا وظلمه الليل موحشة ، وقفت السياره في حارة صغيرة ، ايقظته امه ، همست ، انزل ياضنايا ، سحبته من يده وفتحت الباب العتيق بمفتاح صدءي ، ادخلت الحقائب والامتعة ودفعته برفق امامها في الظلام ، مضطرب ، دقات قلبه يرتفع صوتها حتي اخافته اكثر مما هو خائف ، اشعلت نعمة المصباح الجاز الصغير فوق الحائط ، تراقصت الخيالات علي الشقوق العميقه والجدران الطينيه ، ارتعب سليم اكثر واكثر ، جلست علي الكنبه الكبيرة واجلسته بجوارها ،اجابته علي سؤاله الفزع ، احنا فين ياامه ، احنا في دار جدك ، حنعيش هنا لغايه مايكرمك ربنا ، اضافت ، ماعدناش راجعين المنصورة تاني ياسليم ، احنا حنفضل هنا ، فين ؟ هنا في بلدنا ، وبيتنا ؟؟ اللي هناك ده مش بيتنا ، ده حيالله بيت اجرناه نقضي فيه الايام الشينه لغايه ماتخلص واهي خلصت ، اكدت عليه ، احنا حنعيش هنا ، في دار ابويا ، سألها ، ودار ابويا انا فين ؟؟
همست باصرار مخيف ، مسيرك ترجع لها وان طال الزمن !!!
سيدة في بدايات الاربعين وطفل علي اعتاب العاشرة ، وغربة واغتراب وخيالاتهما تتراقص فوق الجدران المتهاوية المشققة تزيد المشهد وحشة ...
مازال صوتها يدوي في اذنه ، وان طال الزمن .... وطال الزمن وطال وطال و............ طال ....

( 3 )
ارتحت ؟؟

يجلس في الشرفه البحريه في شقته الفارهة ، يحتسي كأس من الويسكي الفاخر وينفث دخان سيجاره ، يحتفل بانتصاره و.... هزيمته !!! خلاص كده ياابو سليم ، ارتحت ؟؟؟ هديت البيت وبعت الارض ومحيت الاسم والاثر ، كده ارتحت ؟؟؟ يهز راسه نفيا ..... مافيش راحه ابدا حتشوفها ياابو سليم ، انسي !!! يتسلل الويسكي لنسيج كبده يمزقه اكثر واكثر و يتلفه اكثر واكثر ، يتألم ، ينكر المه كعادته ، ويغمض عينيه ويغيب تحت ركام ذكرياته ويغرق فيها وفي تفاصيلها ..

( 4 )
عودة

احتضنته حنين في المطار ، اشفقت عليه من جسده الوهن ، احست ذراعيها ستكسرا ضلوعه ، احست الكبد الجديد سيقفز من الجرح الحي للارض ، خافت عليه ، همست ، وحشتني ياسليم ، رفع راسه الغارق في شعرها الاسود وابتسم ، وانت اكتر ..
رفعت حنين عينيها تبحث عن سليم الذي تعرفه ، لكنه لم يعود !!
سليم الذي تعرفه مات مع كبده المهتريء بالبلهارسيا ، وهذا الذي عاد من باريس اليوم ، ليس سليم ، ليس سليم الذي تعرفه!!!
احكمت ذراعيها حول جسده وابعدت هواجسها عن قلبها المعتل بحبه وتمنت العائد يكون اكثر حنانا وحبا ورقه من الذي سافر محطم بالمرض وقسوة الحياة ، اعادت علي مسامعه كلماتها ، وحشتني قوي ياسليم ، ادهشها بتلقائيته ، وانت اكتر ياحبيبتي ، انتفضت حنين ، خمسة سنوات وربما ستة ، يحبها وتحبه ، لكنه ابدا لم يناديها حبيبتي ، هل برأت ياسليم من داء الكبد اللعين ام برأت من اوجاعك كلها وعدت سليما معافي من المرض والهم وقسوة الايام عليك ...؟؟
سارت بجواره صوب السيارة وحقائبه خلفه تئن من ثقلها العربة المتهالكه ، تحدث صريرا مزعجا يخيفها مثل ادراكها لما حدث للرجل الذي كانت تحبه ، سليم العائد اليوم ليس من اعرفه ومن احببته ، سخرت من مخاوفها ، احسن ، فالذي احبته عذبها بالشوق لعجزه عن حبها وهمومه انشوطه تقتل روحه كل يوم الف مره ، احسن ، ربما من عاد اجمل ممن سافر ، ربما اكثر حنانا ، ربما اكثر رقه ، ربما يصالحك علي قلبه الذي طالما جرحك ، ربما يمنحك مالم يمنحه لك الاخر ، المريض بالكبد المعتل بالقسوة ، احسن ان سليم اللي رجع غير اللي راح ، كادت تساله ، من انت ، كأنه سمعها ، قبض علي اصابعها الناعمه اكثر في يده وقال لها ، انا سليم ابن ابو حسن ياحنين ، سليم ابن ابو حسن ، وكأنها سمعت نبرة فخر في صوته لم تعتادها ابدا وقتما كانت تسمعه طيله السنوات الماضية يتكلم عن ابيه بمنتهي الغضب والغل والحسرة والحزن !!!

( 5 )
الافلام العربي

حياتي زي الافلام العربي ، شرح لحنين منفعلا !!
ضحكت حنين وهدءت روعه ، كل حياتنا افلام عربي ياسليم عادي يعني !!
اغتاظ من البساطه التي تعاملت بها مع كلامه !!
انا باتكلم جد ، همس !!
وانا كمان ، اوضحت له !!!
لمحها تجلس في الكافيتريا في المعهد الذي يتعلم فيه الفرنسية ، رقيقه جميله وكأنها فاره من روايه فرنسيه قديمة ، فارة من عصر لويس الرابع والخامس والسادس عشر ، شعرها احمر ووجنتيها ايضا ، شفتين رفيعتين وعيون لامعه وبشره ورديه ، هي فعلا احدي بطلات الرومانسيه الفرنسية التي طالما اسرته برقتها ، ابتسامتها بريئه ، جذبت انتباهه ، البراءه ماجذبه اليها ام الرقة ؟؟
لايعرف ، شاهدها مره واثنين وفي الثالثه اقترب منها وتعارفا ، دعته في يوم شتوي غائم مابين الحصتين ، ليشرب معها " كافيه اوليه " قبل دعوتها وشرب " كافيه سن اوليه" " وتحدثا في اي كلام لايذكره كليهما لكن قلوبهما دقت وبدأ المشوار الطويل ...
شرح لها ، حياتي غريبه !! ضحكت وحياتي انا كمان !!
لا لا انتي فاهمه غلط انا بجد حياتي غريبه ، والله العظيم وانا كمان ، همست وهي تضحك و............. لم يدخلا الحصه الثانيه وبقيا في الكافيتريا يتجاذبا حديثا يفتح لهما الابواب الموصده بينهما ليعرف كل منهما قدر غرابه حياة الاخر !!!
قصت عليه قصتها وبسرعه ، فيلم عربي رسمي يعني ، ماما ماتت وانا صغيره وبابا اتجوز وعشت مع خالتي اللي بتكره بابا طبعا لان اتجوز علي اختها اللي ماتت ، وانفجرت في الضحك وهمست و.......... الباقي تصوره انت بقي !!
بمنتهي البراءة والرقة تحكي له ماعاشته من صعاب !!!
سيحاول يقلدها ويحكي لها قصته ببساطه !!
انا بقي ياستي ، ابويا مات و........... اخواتي مارضيوش ......... وبيني وبينهم قضايا كتيرة اصل امي .............. وعجز يكمل الحكايه ببساطه !!
ادركت حنين وجعه فلامست اصابعه برقه وكأنها تطبطب عليه فاسرته ، لو تعرف كيف عاش محروما من الحنان ، لو تعرف كم تمني لمسه مثل لمسه روحها ، لو تعرف مالذي فعلته في روحه بلمستها الرقيقه ، لو تعرف ........... ستعرف كل هذا واكثر والايام كثيرة بيننا ...
شرح لها ، باعمل دكتوراة ، مسافر لفرنسا اجمع مادة علمية ، لازم اقوي الفرنسية بتاعتي ، اوضحت له ، انا مرشده سياحيه ومعايا اسباني والماني ولازم فرنساوي علشان فرصي في الحياه تبقي احسن و............ فتحت لهما الفرنسيه بابا للتعارف وطريقا للحب بقي موصدا سنينا طويلة !!!
اسمي حنين !! يااااااه ، همس وهو يكرر الاسم بين شفتيه وكأنه يلعق شهده !!!
انا بقي ياستي سليم مع اني مافياش ولا حته سليمة ومتفشفش ميت حته !!! ضحكت ، بس الاسم عاجبني ولايق عليك !!!
و........... بدأت القصه بينهما !!
حنين وسليم !!!

( 6 )
وسط الليل

ايقظته امه في منتصف الليل وعلي وجهها تعبير غريب ، قوم ياسليم قوم ياوله ، قبلما يبكي غاضبا من ايقاظه ، حدقت فيه بنظره مخيفه تتناقض وكلماتها الفرحة ، ماتعيطش ياوله ، النهارده يوم فرحك ...
لو شاهدت معنا وجهه وقتها ، لوجدته مثلما هو وقتها طفلا صغيرا بريئا لايفهم ماتقوله امه ، النهارده ياوله حتتنصف واخرتها الدنيا تديك وشها السمح ، قوم ياوله ...
خائف ، نعم هذا مايشعر به ، وقتما ايقظته امه ، يشعر خوفا لايفهم مبرره ، متي احسست بالطمأنينه ياسليم ، سؤال لايعرف اجابته ولم يعرفها ابدا ، مازلنا علي عتبه الليلة البعيده التي ايقظته امه فيها ، ايقظته وعلي وجهها تعبير غريب ، وكأنها فرحة لكنها ليست كذلك ، البسته ملابس جديدة واحكمت الطرحة السوداء فوق خصلات شعرها الحريريه وسحبته من ذراعه وسط الليل لايفهم شيئا ، اشترت له باكو شوكولاته وشوية ارواح ودفعته في السياره وهمست للسائق ، انت عارف يااسطي حتعمل ايه ، هز السائق رأسه ، اغمضت عينيها وكأنها نامت ونام سليم طيله الطريق الطويل تدوي كلماتها في اذنه ، النهارده يوم فرحك ياوله !!! فرحي ازاي ياامه وقلبي مقبوض وخايف !!! اللعنه علي قلبك ياسليم الذي عاش مقبوض فتصورته سينتقم منك لتعبه الدائم معك ومع قصصك ، تصورته سيعاني من علة تفسد ايام حياتك ، لكن القلب صمد رغم كل الهم ، وترك المرض وهمه لكبدك ليتمزق ويفسد حياتك وبقي هو يصاحبك رحله المرض والشفاء والحزن والفرح والاسي والخوف معتلا بالهم ...
يحدق سليم في سقف الغرفة التي يحتجز فيها منذ شهورا طويلة هو وكبده الجديد ، يخافوا عليه العدوي والامراض ومناعته قليله بامر الاطباء الفرنسين الماهرين ، حبيس الغرفه والخوف من الامراض وقله المناعة ، قدرك ياسليم تعيش حبيس الخوف !!! يحدق في السقف وهو يتذكر تفاصيل الليله البعيدة ، يتذكر المشهد الاول في رحله المعرفه الموجعه التي خاضها دفاعا عن وجوده في الحياة ، يتذكر سليم المشهد وكأنه يعيشه مرة ثانية ، لم ينساه قط ، النبرة التي تتكلم بها امه ، رجاء ووجل ، لايصدق كلماتها المرتبكه ، تدعي السعاده لكن صوتها المرتعش ينفي تلك السعاده ويفصح عن خوف لم يفهمه سليم وقتها !!!
قدرك ياسليم تعيش اسير الخوف ، كنت تخاف غياب ابيك وخفت من عودته شبحا قاسيا في حياتك والان وحيدا علي فراش ابيض شاحب مثل كل ايامك تخاف يفترسك فيروس صغير يفسد علي الاطباء الفرنسين محاوله انقاذك وحياتك وكبدك الجديد من موت لاتستحقه لانك لم تعش بعد مثلما تتمني !!!

( 7 )
غرفة معقمة

هل تتذكر ياسليم مالذي عشته وكيف عشته !!!
سؤال سأله لنفسه وهو نائم في المستشفي معزولا في غرفته المعمقة ؟؟ معزولا لايزوره الا الطبيب يتابع حالته الصعبة وتعقيداتها المحتملة والممرضات البارعات يتابعن مؤشراته الحيويه و يبتسمن في وجهه ابتسامه صغيره بارده تدربن عليها طويلا ..
اين انت ياسليم ؟؟
يختبر ذاكرته وكانه خاف يفقدها اثناء العملية وبسببها ، انا هنا في المستشفي في باريس ، محبوس في غرفه معقمه وحيدا ممنوع عني الزياره خوفا علي الكبد الذي زرعه الاطباء في جسدي بعدما تكالبت بقايا البلهارسيا وفيروس سي عليه فاتلفوه وليفوه وافسدوه وهددوا حياتي كلها !!
يشحذ ذاكرته ويختبر يقظتها ويطمئن انه مازال مدركا مايمر فيه وما يحدث له وماحدث .. صور متلاحقة ومشاهد تجري امام عينيه وكأنه يعيشها مره ثانيه دفعه واحدة ، رحلة طويله بدأت علي ضفه الترعه الصغيره في البلدة واوشكت تنتهي علي فراش بارد في غرفه معقمه ...
هل هذه هي الرحله بدايتها ونهايتها ياسليم ؟؟
سؤال حيره طويلا ، في يقظته الخدره ونومه القلق ، هل هذه هي الرحله ، بدايتها ونهايتها ياسليم ، هل هذا ماتمنيته لنفسك ، تعيش معارك طاحنه ووقتما تنتصر تموت وكأنك مررت علي الحياة بلامعني بلا هدف بلا قيمه !!!
يتذكر هدي ، ابنه اخيه التي يحبها ، شقيقته التي لم تلدها امه ، حاولت كثيرا تغير مسارات انتقامه من ابيه ومن العائلة ومن الحياه ، لكنها فشلت ، الغل داخله كان اقوي واعنف من كل طيبتها ورقه قلبها وحبها له ، لماذا ياسليم لم تنتبه لمعني وجود هدي في حياتك ، هي ابنة اخيك القاسي ، لكنها ابدا لم تكن قاسية ، كانت رقيقه كأمنية حالمه تتمني تتحقق ، هي دمك الذي احبك لكنك لم تراها ، فقط كرهت دمك الذي انكرك ، الحياه رغم كل القسوه منحتك مايمكنك تصالحها بسببه ، هدي ، لكنك انكرت هدي وقررت فقط تتذكر ابيها وقسوته لتحارب وتحارب !!!
هدي دمك الذي احبك ووصل شراينه بعروقك ، احببتها لكنك تجاهلت وجودها وتذكرت فقط ابيها الذي مزق شراينك وبعثر دمائك وانكرك ، انكرتها لتتذكره فقط بقسوه وغلظه قلبه ، هو يلزمك لتنتقم وتحارب وتبقي دائره النار مشتعله لاتنطفيء جذوتها ...
اعترف ياسليم ، وانت فوق فراش بارد قد يمنحك حياه جديده وقد يسلبك كل الحياه ، اعترف ياسليم انك انكرت هدي وتذكرت زكريا ، انك انتقيت الحرب وقسوتها وانكرت الحياه وطيبتها ، اعترف انك اخترت ياسليم ، اخترت الحرب وبحثت عن كل مايدعمك في معاركها ، انكرت هدي وغصن الزيتون الذي حاول يهون علي قلبك وجعه !!! اعترف ياسليم ، لم يعد في الايام ايام تنكر فيها علي نفسك ماعشته ، اعترف ربما الكبد الجديد ينقي من روحك السم مثلما ينقي من جسدك السم وتشفي للابد !!!
ومازال نائما فوق فراشه في المستشفي الفرنسي والخراطيم تمزق اوردته وشراينه والشفاء يتسلل قطرات صغيره متلاحقه لدمه وروحه !!!


( 8 )
الوداع

وقفت هدي  تتلفت حولها كأنها غريبة مخطوفة تائهة !!!
لاتصدق ماتراه عينيها !!!
الحديقة التي كانت غنٌاء تحتضر في نفسها الاخير وكأنها فتحت احضانها للموت وقتما غادرها الاحباء والحياة ...
هنا كانت تكعيبه العنب ، وهنا كانت اشجار البرقوق ، هنا كانت الساحه التي قضت فيها طفولتها واجمل ايام حياتها تلعب مع اولاد عمومتها ويعيشوا براءة اعمارهم باستمتاع وفرحة ...
الممر الترابي الواسع الذي يصل بين البوابه الخشبيه العتيقة والشرفه الكبيرة ، اضيق واضيق ، لم يعتن احد بنظافته ولا جمع اوراق الشجر المتساقطه علي جنباته  ، هنا في اخر الممر كان يقف جدها شامخا ، ينادي الخدم بصوت مرعب فتطير العصافير فزعا من قمم الاشجار ، هنا حملها علي ذراعيه وقت وقعت وجرحت ركبتها ، هنا علي هذا السلم جلس بجوارها وهي صغيره بضفيرتين يقص عليها حواديته التي كانت تحبها ، هنا قبض علي كفها وسار معها يعرفها بانواع الاشجار والنباتات والورود !!!
هنا شاهدت سليم لاول مرة مقهورا باكيا ، هنا وقفت تبكي معه ومن اجله ، نهرها ابيها وطرد سليم وامه !!!
كل هذا كان ............ كان ولم يعد !!!
مات الجد ولحقت به الجدة وهجر الابناء البيت وغادروه بغير رجعه ، اوصدوا ابوابه خلفهم وتناسوه ، انها الفضيحه التي قصمت ظهورهم فصعبت عليهم البقاء يذكروا اهل البلدة بالقصه والحكايه ، الفضيحة التي اوصدت باب البيت الكبير في وجههم ، زعموا لانفسهم انهم نسوه ونسوا ايامه ، ادعوه انهم كرهوه وكرهوا ماعاشوه فيه ، هجروا البيت وابتعدوا وسايروا بعضهم في اكاذيبهم وصدقوها ، الا هي !!!!
هل اوصد سليم في وجهها ابواب البيت الكبير ، هل هم اوصدوا في وجهه ابواب البيت الكبير وابواب الرحمة ؟؟ تقف علي عتبه البيت تفكر فيما ال اليه حال البيت وحالهم جميعا !!!
تتذكر دموعه مقهورا ، تتذكر دموعها مقهورة حزنا عليه ، تتذكر غلظه ابيها ، تتذكر انكسار امه ، تتذكر يوم وقف بجوارها في جنازه ابيها متشفيا ناقما عليهم لانهم لم يمنحوه مكانا في حياتهم فاجبرهم يفسحوا له مكان في جنازاتهم !!
انا فرع من شجرتكم مهما انكرتموه !!! تسمع صوت صراخه ، تحتضنه الفرع وتغرسه في طين البيت وترويه بحبها ، لكنها لاينموا في حضنها ولا يقبل حبها بديلا عن كراهيتهم !!!
هاهو البيت يتهاوي مثل حياتهم ، وهاهو فرع الكراهيه يثمر وماء حبها لايزهر فرحه في الارض الجدباء !!!
غاضبه من نفسها ، لم تفلح تنقذ البيت الكبير من مصيره القاسي ، ولم تفلح تنقذ سليم من وحشتهم ونيران كراهيتهم ، غاضبه من نفسها وعاجزه وحزينه ، هي هدي وهي تقف علي عتبه البيت الذي كتب سليم علي جدرانه تاريخ الموت والرحيل بمنتهي القسوة له ولهم جميعا !!!

( 9 )
ذكريات

هذه ذكرياته تطارده مابين الغفوة القلقة واليقظه العليلة وهو فوق فراشه حبيس الشفاء الذي لايأتي والمرض الذي لم يرحل والامل ............... كنت طفلا صغيرا تكاد تدهسه الاقدام في العاشرة من عمري ، وقتما دفعت بي امي وسط الزحمه وقت الجنازة ، اشارت لي ، اللي في الخشبه ده ابوك ، ارتبكت ، طالما سالتها عن ابي وعن سر غيابه ، طالما صمتت ، هل هذا هو اليوم المناسب الذي تعرفني فيه علي ابي ، وقتما يرحل عن الدنيا ، جريت خلف النعش احاول المس جدرانه العاليه عن اقدامي القصيرة ، مازلت اذكر نظرات الاستغراب التي رمقني بها الرجال الكبار حاملي النعش ، كانوا اخوتي ولم اكن اعرفهم ، وكيف اعرفهم وامي ابعدتني عن ابي وعنهم ، هكذا كنت اظن والوم امي ، لكن السنين الكثيرة اكدت لي ان ابي اعتبرني غلطه وانكرني واخفي ميلادي عن زوجته الحاجه سعيدة ، الغلطه لم تكن ميلادي بل كانت زواجه بامي ، خطأ اثمر خطأ اكبر ،  الغلطه الاولي امكن اخفائها طويلا لكني حضرت للحياه لافضحه وكذبه ، عاقب امي التي كان يظنها عاقر لانها انجبتني ، شرح لها وهو يتشاجر معها انه لايرغب في مزيد من الابناء وانها " عاجر " وماكان لها تنجب منه ، اقسمت امي الف مره انها طلقت من زوجها الاول لانها لم تنجب له اطفالا بعد سنوات زواج كثيرة وانها كانت عاقر حتي منحها الله جنينها ، لم يصدقها ولم يكترث باي شيء تقوله ، بمنتهي البساطه طلقها وتركني جنينا في رحمها وغادرها وعاد لابناءه وزوجته ، نسيها وتناساني ، لم يسال عني طيله حياته ، انا الدليل الحي علي الغلطه التي ارتكبها في حق نفسه وهو الشيخ الجليل الذي ماكان له يتجوز خادمة علي زوجته سليلة الحسب والنسب والاصول ، ماكان له يتزوج ولا كان له ينجب صغيرا يشارك ابناءه الاسم والثروة ، لم يسال عني طيله حياته ولم اسال انا ايضا عنه حتي ظن امي نسيته وكيف اسال عنه وامي اخفته عني واخفتني عنه حتي مات  ، امي لم تنساه ابدا لكنها خافت علي من بطشه وبطش اولاده فاخفتني عنهم و تربصت به في نفس الوقت ، انتظرت موته لتكشف كل الحقائق وتظهر الفضيحه المستترة ، لم يطل انتظارها وهو الشيخ الهرم ، وفي اليوم الذي علمت بميعاد جنازته ، حملت امتعتها وملابسها وسلمت الشقه المؤجره لصاحبها وسافرت للبلدة التي يملك ابي نصف ارضها ، دفعتني وقت الجنازه بين اخوتي كبار البلدة واولاد شيخها وكبيرها الجليل ، دفعتني وسطهم لترد للمرحوم القلم الساخن الذي ودعها بمثله ، اشارت لاخوتي الكبار بصوت عالي فاضح ، ده اخوكم سليم وحقه قبل حقكم وفلوسه قبل فلوسكم وهو له في البيت زي ماليكم واكتر ، انتم ابوكم صرف عليكم وحرمه حتي من الحب والعطف ، ووقت الحساب جه !!!!!!!
اقف وسط رجال كبار يحدقوا في لايتصوروا ولا يفهموا ماتقوله تلك السيدة الغريبة ، الصدمه انستهم ملامحها وهي التي طالما خدمت في بيتهم ، الصدمه وكلامها والصغير الذي انشقت الارض واثمرته ، كل هذا روعهم !!!
مازلت اذكر الصدمه المروعه التي لونت كل الوجوه ، اخوتي كادوا يفتكوا لي وبامي لولا تدخل العقلاء من ابناء القريه الذين منعوهم من الجريمه التي كادوا يرتكبوها وان " مش وقته " وان " اكرام الميت دفنه " وان " الشيخ حسن لايستحق فضيحه في جنازته و........ " نهروا امي " اتكلي علي الله ياست دلوقتي ، مش وقته ، عيب " سخرت امي منهم " وهو الحاج ساب حاجه عيب وماعملهاش " لكني سحبتني من يدي وغادرتهم في طريقهم للمقابر يترنحوا من هول الصدمة التي كسرت وسطهم وهيبتهم ، الاب الجليل الشيخ حسن تزوج ابنة الغياط وانجب منها هذا الغلام الصغير ، سليم !!!!
انتهت الجنازة وانقشعت الصدمه وافاق الجميع علي الغدر الذي افلح الشيخ حسن في اخفاءه عنهم طويلا ، الحاجه ام زكريا الزوجه الاولي لابي نسيت موته ولعنته و" الملايكه لسه بتحاسبه " علي غدره بها وخيانته لها ، لطمت الحاجه ام زكريا وصوتت حزنا علي زوجها الذي طالما وقرته ، حزنا وخجلا من زوجها الذي عفر ذقنه في التراب ومد جدره في التراب و أكل من ماعون " لغوص " فيه اللي يسوي واللي مايسواش ، كل هذا عرفته الحاجه ام زكريا بعدما كشفت امي ، بنت الغياط ، كما تسميها ، كشفت المستور وفضحت الشيخ قبلما يواريه التراب و..... ده اخوكم سليم ، ابنكم وابن الحاج حسن  !!!
ايوه انا ده ، انا سليم ابن ابو حسن !!!

( 10 )
الذاكرة

اتذكر طبعا كل ماعشته !!! لن احكيه لنفسي ولا لكم ... دعوني ابدأ من المحطه الاخيرة ، محطه الدكتوراة ، نعم حصلت علي الدكتوراه من خمسه سنوات وزغردت امي في الحفل وصفق كل زملائي وكادت حنين تحتضني امام كل الناس ، كادت لكن نظرتي المصقوله بالحسم اوقفتها مكانها ، كادت تحتضنني فاحتضنتها بعيني وروحي وسكنت بين ضلوعي تبحث عن جروحي لترتقها وتعالج قيحها بفيض الحنان من روحها ، نعم تدرك حنين ان جروحي لاتبارحني في اي لحظه حتي لحظات السعاده التي يتصور الاخرين اني اعيشها ..
صرت الدكتور سليم بشهاده رسميه من الجامعه وزغاريد امي ، صرت فرحا كما قرر الجميع الا حنين ، تعرف هي ان الفرحه تتستنفر احزاني وهمومي وجروحي وذكرياتي الموجعه ..
حذرتها وكنت واضح جدا معها ، انت تقتربين من بركان وجع محموم ، ابتسمت وقررت انها " قدها وقدود " وبدأت الرحلة الغريبه لحنين ، الفرع الاخضر الحي في شجرة حياتي العجوز !!
اين انت ياسليم ؟؟
انا نائم بين اليقظه والخدر والادوية المسكنه تجري في عروقي وادوية تثبيط المناعه تتكالب علي جسدي تقيه من انتفاضه غضب ترفض الكبد الجديد وتعرضني لنهايه مفاجأة لحياتي !!
انا الدكتور الذي حصل علي شهادة الدكتوراه في التاريخ ، نعم التاريخ ، اخترت التاريخ دراسه وهواية وانتماء ، لماذا التاريخ يادكتور سليم ، ربما لاني بلا تاريخ ، ربما لان تاريخي يمحي وبالعمد من اخوتي واولادهم ، ربما لاني شجره نمت في ارض قاحله فبحثت عن الواحات تمد جذروها في ارضها الطيبة !!!
حاخش كليه الاداب وادرس تاريخ ، لطمت امي ، مالها تلطم كلما جزعت ، يوم طلقها الحاج ابو حسن لطمت ، ويوم طردتها الحاجه سعيدة من البيت وشتمها اخوتي ابناءها اولاد الاكابر لطمت ، ويوم كنت القي ببدني في الترعه الهو بقواقع البلهارسيا مع الصبية الصغار في سني لطمت ومرات اخري كثيرة لااذكرها ، اليوم ايضا لطمت ، تاريخ ايه ، تعمل بيه ايه ، لامهندس ولا دكتور تبقي صايع ومش فالح ، يقولوا نعمة ماعرفتش تربي واخواتك  .......... ده مربط الفرص ياام سليم ، مربط الفرس اخواتي ، عايشه مستنيه تكسريهم وتنتصري عليهم وتوريهم ان ابنك احسن منهم ومن اولادهم ، اه وماله ، انا انكسرت بكيفي وفسحت ليهم وسبتهم يعملوا ما بدا ليهم ، انا نفسي انتصر عليهم واكسبهم واقول انا اهو نعمة بنت الغياط كبرت وربيت في لحمكم وطلعته الفالح فيكم ، تقولي تاريخ ، ضحك سليم ودموعها شلال علي وجهها البائس ، ياام سليم ماتقلقيش ، حيجي يوم ، يقولوا نعمه بنت الغياط ربت وكبرت وحترفعي راسك ، بس هو التاريخ !!!
اقف وسط زملائي فرحين بحصولي علي الدكتوراه بامتياز مع مرتبه الشرف ، فرحا ، او هكذا اتظاهر بالفرحه ، حنين تراقبني وتدرك عذاباتي ، مبسوطه ياام سليم ، اسال امي ، الم اعدك بالفخر وهاانا منحته لكي ، انا الدكتور سليم ابن ابو حسن ، انت فين ياحاج حسن ، تشوف حته اللحمه الحمرا اللي انكرتها ورميتها ورا ضهرك ، شايله اسمك غصبانيه ومعاها الدكتوراه ، انا الفالح ياحاج والفالح والناجح ، لسه عايش رغم انفك وانف ولادك والحاجه سعيده ، لسه عايش مش غياط زي جدي ولا حافي زي بقيه اهلي ، لا دكتور وكباره وقد الدنيا ، محدش من سلسالك خد شهاده قد شهادتي ولا رفع اسمك زي ، مبسوط ياحاج حسن ، طبعا مش مبسوط ، بنت الغياط رفعت اسمك غصبن عنك وولادك ولاد الحاجه سعيده بنت الحسب والنسب نسيوك ووزعوا ميراثك وصرفوا الفلوس من غير حتي مايترحموا عليك ، انا الفالح ياحاج وانت الخسران لما نكرتني !!!
كل هذا يدور في راس سليم وهو يتلقي التهاني ، سعيد بدموع امه ، اخيرا بكت من السعاده بعدما سممت حياته بدموع الغم والحزن ، تراقبه حنين وتتمني تاخده في حضنها ، كفايه ياسليم خناقات مع الدنيا بقي ، لكنها لاتقوي تطالبه الكف عن القتال ، انا اساسا اتخلقت للحروب ، تعرف رايه في حياته ، لكنها ربطت حياتها بحياته ، متي سنعيش ياسليم ؟؟ سؤال تساله له الف مره كل يوم ، سنوات تمر وهو يحارب اخوته وورثتهم ويفسد حياتهم بمعاركه الضروس التي لاتنتهي ، متي سنعيش ياسليم ، سؤال يسمعه منها ولايجاوبها عليه ، لاينتفض يطالبها ترحل عنه ولايقوي يستغني عنها لكنها ستنتظره حتي ينتصر ، ومازال الانتصار بعيد ، متي سنعيش ياسليم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 11 )
الحساب ..

مازال سليم في الشرفة يتلاعب الويسكي الفاخر بوعيه وذكرياته ، ابدا لم اكن ابنهم ولااخيهم ، كنت غريبا ومازلت ياشيخ حسن ، حرمتني من ابوتك في حياتك وانكرني ابناءك ورفضوني طيله حياتهم !!!
من قال ان الحساب لحظه ؟؟ الحساب مازال مستمرا ياشيخ حسن وسيظل !!!!!!!
انتصار ساحق اوجعه وهزيمه جددت احزانه و.......... الحساب لم ينتهي ياشيخ حسن ولن ينتهي !!!ا
تسطع الذاكرة البعيدة بمشاهد ضبابيه وصور باهته شاحبة ، يري جسده غارقا في ماء الترعة الاسود لاهيا مع اصدقاءه ،يراها  تجري صوبه، تصرخ ، تلطمه علي وجهه وتنهال علي جسده بلسعاتها الموجعه، يجري اصدقاءه بعيدا فزعين من امه المجنونه التي خرجت من دارها ملتاعه مفزوعه شعثه الشعر ، تبحث عن وحيدها في الازقه والحارات الضيقه، تنهال عليه ضربا وسبا وقتما تعثر عليه وهي تبكي من رعبها عليه وغضبها منه ..
طفل صغير يغطس في الماء الاسود وسط قواقع البلهارسيا مثل كل ابناء القريه الصغيره ، لكنك لست مثلهم ، تصرخ فيه امه ، يسخر منها ، ستقص عليه مثلما فعلت في كل الليالي الطوال انه ابن البهوات وابن العز وسيأتي يوما ويدركه نصيبه وتبتسم الايام في وجهه بس نصبر !!!
صبر سليم طويلا حتي اللحظه السوداء التي قهرته وبعثرت كرامته وقتما عرفته امه علي اسرته فلفظه ابناءها واخوته الكبار وطردوه من البيت الكبير مصحوبا بشتائم لها وله مازالت تدوي في اذنه ولم يغب صداها عنه ابدا !!!
في تلك اللحظه المشئومه ادرك ان لن يكون ابنا لتلك العائله حتي لو يحمل اسمها ونصيبا في تركتها ، في تلك اللحظه المشئومه ادرك ان امه خدعته وقتما صبرته علي غياب ابيه ووعدته بعودته ، في تلك اللحظه المشئومه ادرك حقيقه حياته كلها ماكان منها وماسيكون ..
كم عام مر ياسليم من ذلك الوقت حتي اليوم ، كنت في العاشرة وقتها واليوم تجاوزت الاربعين قليلا .. ثلاثون عاما تطاردك الذكري ويطاردك الوجع !!!
وقتما لفظته العائله وطردوه من بيتها الكبير ،  طالب امه بالعودة لمنزلهم وترك البلدة لاصحابها ، لكنها رفضت ، ده بيت ابويا مااسيبوش ابدا ، كفايانا اللي حصل قبل كده ، وانت تفضل جنب بيت ابوك لغايه ماتخشه مرفوع الراس ، هانت ، لكن سليم اكتشف بسرعه انها لم تهون وان بيت ابيه موصد البوابات في وجهه الان والي الابد ، لم تترك امه بيت ابيها ولم يدخل هو بيت ابيه ، وبقي ممزقا بفضيحه امه التي لاكتها البلده الفقيره ساخره من ابنة الغياط التي تزوجت كبير البلد طمعانه في قرشين ونقبها طلع علي شونه !!!
بقي سليم ممزقا بين كل مايحدث ، وقتها تمرد علي امه واندمج في عالم القريه الفقيرة وابناءها الفقراء واصحابه الصغار الذين طالما نهته امه يرافقهم في العابهم الشيطانية ، فر منها ومن صرامتها وخرج للغيطان فجرا يصاد العصافير ويلقي ببدنه السخن في الترعه ويسير حافيا فوق الحصي الساخن ويختبأ في الجرن خلف جبال الغله ويبعثر الدقيق فوق وجه وملابسه ويأكل " الجعضيض " من الارض بطينه وينبش في الارض باحثا عن الدود الاحمر الصغير ويصطاد ابو مقص ويكسر جناحيه ويعتقله في برطمان زجاج ، قرر يعيش حياته مثل اصدقاءه وقرناءه وابناء قريته الفقراء ممن لاينتموا للبيت الكبير ولااهله الاثرياء، انا مثلهم وساكون مثلهم ، لكن حاله لايعجب امه ولا تقبله ، لست مثلهم ولن تكون ، تخرج من دارها شعثه الشعر تصرخ وتبكي ، تناديه وتنهره ، لو شافك حد من اخواتك يقول ايه ، تخاف منهم ومن حكمهم عليه ، تنتظر رضاهم ، تنتظر صفحهم عن جرمها وعنه ، يتمني يصرخ فيها ، حيقولوا ايه اكتر من اللي سمعناه وشفناه ياامه ، حيقولوا ايه ، لايرد عليها ..
نظرات السخريه والشماته في عيون اصدقاءه تذبحه، كأنهم يقولوا له اسمع كلام امك ، يقولوا له لست مثلنا ولن تكون و................ تسبه وتضربه وتفضحه وسط القريه فيطيعها ويعود في يدها منكسرا ، يترك اصحابه الذي لن يكون مثلهم ويصاحبها لرحله الوهم التي لن تمنحها ولا تمنحه ما تتمناه و......... تعلق سليم بين العالمين ، لاينتمي لايهما ولن ينتمي !!!
اين عالمك انت ياسليم واين حياتك !!!
ثلاثين عاما يسال نفسه هذا السؤال ، اين حياتك ومتي ستبدأ ، عشرين عاما قضيتها تتشاجر وتنتقم غاضبا محتقنا ، تكيل لهم الهم طيله العشرين عاما مثلما كالوه لك طيله العشرين عاما السابقة و........... الحرب سجال والقضايا ايضا و..... اخرتها ياسليم ياابو حسن ؟؟؟ واخرتها !!! اخرتها هديت البيت وبعت الارض وفضحتهم !!! و.........بقيت غريبا عنهم ، كنت ومازلت وستظل !!!
هدمت البيت ومحوت الاسم والتاريخ ، فرحت فيهم ، في اخوتك واولادهم وهم يتمزقوا بقضاياك واصرارك علي هزيمتهم وحربك الضروس ، فقط هدي اوجعتك ، هدي تحب البيت الذي هدمته ياسليم ، اتتك باكيه ، ترجوك تترك البيت والتاريخ لاحفادها ، ده تاريخنا ياعمي ، قالت الكلمه الخاطئه في اللحظه الخاطئه ، نعم هو تاريخكم ياابنه اخي وليس تاريخي ، هو تاريخكم وتاريخ وجعي ، لانه تاريخكم ساهدم البيت وابيع انقاضه وامحو التاريخ و الاسم ، لانه تاريخكم ياحبيبتي لن اقوي اتركه يوجعني ، هل يوجعكم هدمه ، شاركوني الوجع ، شاركوني الوجع الذي شربت كأسه المر سنوات طويله منكم كلكم ، الا هدي !!
هي الوحيدة التي لم تشارككم قتلي يااولاد ابو حسن ، لكنها الوحيدة التي توجعت اكثر من الجميع لهدم البيت ، وشي منك في الارض ياهدي ، كنت اتمني مااوجعكيش ، لكني مقدرش ياحبيبتي ، مقدرش علشان خاطرك اسيب البيت يوجعني ، فيه لحظه لازم نختار ، مين يوجع مين ، وانا تعبت من دور الضحيه ، اسف والله ، اسف بجد ، كان نفسي مااوجعكيش ، لكن ابوكي وجدك واعمامك ماسابوش لي مخرج اصالح نفسي بيه ، هما اللي وجعوكي ياهدي مش انا ، هما اللي دبحوكي ياهدي مش انا ، الحقيقه ياهدي ، هما اللي وجعونا ودبحونا احنا الاتنين !!!
تبكي هدي في حضنه تشعر وجعه ويشعر وجعها ولكنهما معا عاجزين عن تجاوز اللحظه ، تتذكر جدها وقسوته وابيها وقسوته وتهمس ، كلنا دفعنا الحساب القديم وسددنا فواتيره ، تتمني تقول ، منكم لله ، لكنها لاتقوي ، فتبكي وتبكي في حضن عمها ويبكي معها و................امر الله ونفذ !!!
ويهدم البيت وتباع انقاضه وتنكسر هدي وينتصر سليم !!
فعلا حاسس انك انتصرت ؟؟ تساله حنين فيبكي ويشعر انتصاره اوجع الهزائم ......... كان نفسي ابقي جزء من البيت ده والتاريخ ده والحياه دي ، كان نفسي !!! ويبكي ويبكي ، اوجعه انتصاره الف مره اكثر من كل هزائمه !!!
ومازال الويسكي يتسلل لكبده يمزقه ولوعيه يخدره ولروحه يخدعها وكأنه سعيد ...


قصيدة (اترك قلبك في البيت ) للشاعر اسامة جاد
منشورة في ديوان ( الجميلة سوف تأتي ) ...

  
نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني


هناك تعليق واحد:

Rafat William يقول...

سليم هو رمز للمقهور الذى .يجعل من الظلم طاقة تدفعه للحياة والنصر ...السعى لدراسة التاريخ لأنه يريد أن يستعيد جذورا ..غابت عن ذاكرته فى مكان حياته ....ولم تكن آلام الكبد تطفو على الوعى إلا حنينا ولوعة لعاطفة الأسرة