مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 21 يناير، 2011

البوابة والضرير والسؤال الحائر ( الجزء الاول ) ا





يابلحة ياحلوة يامقمعة

شرفتي اخواتك الاربعة
فلكور مصري !!!!



كان الملك والخواجات ، وكانت الثورة والتأميم والنكسه ، وكانت حرب اكتوبر والانفتاح والخواجات
ومرت كل الايام فتبدلت كل الاحوال وكل الظروف
وصار نبوي لارنج وصار لارنج معلم
صارت لويزه لوزه وصارت لوزه حاجه
وكانت البنات وفرت
وكان البيت الجديد فصار البيت القديم
وكانت المنطقه ريفيه ولم تعد
وشيدت عمارات عاليه وبيوت حديثه
ونسيت الناس كل ماحدث وكل ماعاشته
لكن نبوي مازال يجلس امام البوابه
معه عصاه الغليظه والقفل والجنزير
مستعدا للايام القادمه



( 1 )
الزمان ... في الثمانينيات من القرن الماضي
1980 ومابعدها .....
المكان ....البيت القديم

البيت القديم ... هكذا اطلق الجيران علي تلك البناية الكالحه التي تقف قديمه وسط كل العمارات الجديدة في الحي الذي تغيرت كل معالمه القديمه عدا ذلك البيت ، بناية لايميزها شيء وسط البيوت والعمارات الجديدة التي تحيط بها ،
بنايه قديمة انشأت منذ زمن بعيد بعيد وقتما كان الشارع يطل علي ترعه ينمو البوص والغاب علي جانبيها ...
لكن الترعه ردمت والغاب انتزع من ضفتيها وتحول مكانها لشارع كبير وتحولت ضفتيها لرصيفين واسعين حتي احتلت المحلات والقهاوي عرضهما واجبرت الماره علي السير في نهر الطريق .... وبعدما تحولت الترعه لشارع هدمت البيوت والبنايات القديمه وبيعت الارض باسعار غاليه و...بنيت العمارات وشيدت الفيلات الفاخرة وتغير كل شيء .. كل شيء الا تلك البنايه الكالحة القديمة ....

حين بنيت تلك البنايه الكالحه منذ سنوات بعيده لايعرف احد عددها ، كانت علامة مميزه وسط الحقول الممتدة حولها وكيف لاتكون وهي بنايه غريبة ومثيرة للاستغراب في آن واحد ، فكل من تقع عليها عينه ، يسأل نفسه من هذا المجنون الذي يترك العمران كله ويبني بيتا وسط الغيطان وبجوار الترعه التي لايتحرك ماءها العطن حتي سميت ترعه الناموس من كثرة ما يحلق حولها الناموس في دوامات سوداء تلتهم البشر وتشرب دمائهم باصرار ودأب ....
البنايه الكالحه القديمه التي كانت وحدها في المنطقه كلها ولم تعد ، اطلق عليها سكان المنطقه الجدد ، البيت القديم ، وهم محقون ، انه البيت القديم وسط مباني كثيرة جديدة احاطت به ، هو اقدمهم عمرا ، هو ايضا مبني بطريقه بسيطه ، ليس بيتا ريفيا من الطين النيء لكنها بنايه تشبه كل بيوت الريف التي شيدها متوسطي الحال هناك ، باسقف عالية وبلكونات واسعه ومدخل كبير وبوابه حديد وحديقه واسعه خلف السور الذي يفصل تلك البناية عن كل ماحولها!!!!

السكان الجدد للمنطقه وقاطنيها ملاك ومستأجري الشقق في العمارات العالية الجديدة ، لايعرفوا تاريخ تلك البنايه!!! ولايعرفوا تاريخ الرجل العجوز الضرير الذي يجلس بمقعده الخشبي كل يوم امام بوابة السور !!! نعم ... نسيت اعرفكم علي هذا العجوز ، العجوز الضرير الذي يجلس امام بوابة السور ، هو المعلم لارنج !!! والبعض يناديه الحاج لارنج !!! نعم اسمه لارنج ، ولايوجد مبرر للضحك !!! اكم من اسماء غريبة التصقت باصحابها حتي صارت عنوانهم وصاروا مضمونها !!!!

لااحد يعرف بالضبط لماذا اطلق علي ذلك الرجل الاسم الذي لايعرفه احد بغيره ، المعلم لارنج .... بعضهم يفتي ويقول ، انه كان صبيا صغيرا يسرق حبات اللارنج قبل قطافها من حدائق الموالح الكثيرة التي كانت تملأ المنطقه قبل العمران وقبل ردم ترعه الناموس ، وانه ضبط اكثر من مره يملأ عب جلابيته بحبات اللارنج وانه ضرب كثيرا ليتوقف عن السرقه لكنه لم يفعل فعايره اصدقائه ونادوه ، لارنج لارنج ، ليكف عن السرقه ، وفعلا نجح احراجهم في منعه من السرقة لكن الاسم بقي لصيقا به وصار " المعلم لارنج " .... هل هذه القصه حقيقيه ، لااحد يعلم ، وعندما تجرأ صبي القهوجي يوما وهو يرص له حجر الشيشه وسأله عن صحه تلك الحدوته ضحك المعلم لارنج ولم ينفها لكنه ايضا لم يأكدها !!!! لكنها ليست القصه الوحيدة التي تفسر ذلك الاسم الغريب ، احدهم اقسم ان ذلك الرجل كان له اسم عادي مثل كل الناس ، لكنه كان ساخرا لاذعا لايكف عن " التريقه والتأريء" علي مخاليق الله وعبيده ، كان ساخرا لدرجه مريرة ، ان " ادبء" احدهم وحطه في راسه وسخر منه بتكون " وقعه سودا " لكنه في نفس الوقت طيب القلب بعدما ينهي فواصل سخريته المريرة ويضحك الناس علي ضحيته يعود ويصالحها ويعتذر له ، سلوك غريب لكن الجيران اعتادوا عليه ، وفي يوم صرخ فيه احدهم ، ياجدع ده انت ولا اللارنج حادق وحلو ومر وعسل و..... التصق الاسم بالمعلم وصار حادق حلو مر وعسل ، صار لارنج !!!

بياعه الخضره العجوز التي تجلس احيانا بالقرب من بوابه البيت كذبت تلك الروايه واقسمت بعينيها اللي حياكلهم الدود ، ان ام لارنج سمته لارنج وقتما ولدته ، لانها كانت " بتتوحم " علي حبايه لارنج وابوه اللي محدش عارفه رفض يحضرها له فاقسمت برأس خالها اللي بتحبه ، انها ستطلق علي وليدها اسم لارنج سواء كان ولد او بنت وحين انجبت الذكر وزغرطت الدايه ، اطلقت عليه الام اسم لارنج وحمدت ربها انه لم يأتيها بطفله انثي والا كانت حنثت بيمينها واطلقت عليها اسم اخر !!! وحين سال صبي القهوجي الست بياعه الخضره ان كانت حضرت ولاده لارنج ، خبطت علي صدرها وسبته بكلمات قبيحه لانها اصغر من لارنج بيجي عشرين تلاتين اربعين سنه لكنها تعرف القصه من امها التي كانت تعرف امه او جدته ، ضحك صبي القهوجي عليها لانه يراها في مثل عمر المعلم لارنج ان لم تكن اكبر منه .... بياعه الخضره لاتهمنا الان ، اللي يهمنا المعلم لارنج والبيت القديم ....

المعلم لارنج الرجل العجوز الضرير يجلس علي مقعد خشبي امام بوابة سور البيت القديم ، طبعا هو احد سكان هذا البيت ، يسكن في الدور الاخير ، يخرج يوميا من البيت يجلس امام البوابة حتي تغيب الشمس ، ويعود بعد العشا ليجلس ثانية حتي الثانيه عشر !!! لاتتعجبوا ، فانتم لو راقبتوه لن تعرفوا ابدا انه ضرير ، يتحرك بقوه وعزم وثقة وشجاعه مثل كل المبصرين ، بل ربما بعنفوان اكثر منهم .... يخرج من البوابه يحمل مقعده ، يجلس عليه ، ينادي صبي القهوجي ليحضر له الشيشه ، لايمر امامه احد من الشارع الا وحياه ، يعرفهم ، ربما من روائحهم من صوت خطواتهم من اصواتهم ، يعرف كل من يمر امامه ويناديه باسمه ويحيه ويساله عن امه وابيه وزوجته واولاده ، يساله عن نتيجة الامتحان وورق التجنيد ومن كسب المباراة ، هو احد معالم تلك المنطقه السكانيه المكتظه ببشرها ، هو والبيت القديم !!!

المعلم لارنج يجلس يوميا امام البوابه ، في الشتاء والصيف ، وقت المطر وفي " عز النقارية " !!! يشرب الشيشه وفنجان قهوه صباحا وكوب شاي اسود مساء ولايكف عن الحديث مع الحاجه لوزة !!!! والحاجه لوزة هي جارة المعلم لارنج وتسكن في الشقه البحريه بالدور الاول في البيت القديم ، تجلس طيله الوقت في البلكونه الواسعه التي تطل علي الشارع و..... طول ماهي قاعده بتناقر في مخاليق ربنا اللي رايحين واللي جايين ، والحقيقه ان صوتها المسرسع عالي قوي والناس كلها بتخاف منه ، وهي ايضا بتحب الخناق زي عينيها ، ولان القط مايحبش غير خناقه ، فهي والمعلم لارنج لايكفا عن الشجار طيله الوقت ، نعم هما اكثر من اخوات ، يصبح عليها الصبح وتمسي عليه بليل ، لكنهما دائما " شابطين في بعض "، تقول كلمه "ماتعجبوش" ، يقول راي "مايعجبهاش" ، يشبطوا في بعض ، المعلمه لوزة بتعرف تخلي المعلم لارنج يطلع من وقاره ودينه ، يزعق ويتعصب ويهددها ، لولا انك وليه كنت وريتك شغلك ، هي ، المعلمه لوزه تاخذ كلامه بمنتهي الجديه وترد له الكيل كيلين ، ولولا انك عجوز وشايب لكن وريتك شغلك و........... تبدأ وتنتهي وصلات الردح الدائمه التي يسلي بها المعلم لارنج والمعلمه لوزة سكان المنطقه ، في البدايه ، انزعج الناس من حوارهما وطريقتهما في الشجار وسرعان مايعتادوا عليهما وعلي خناقتهما المتكررة ، وينام الحي ويستيقظ علي صوت المعلمه لوزة وهي تردح للمعلم لارنج الذي لا يسكت لها ويرد عليها الطاق بعشرة !!!!
يتشاجرا كثيرا لكن وقت الجد هو سندها في الحياه وهي حضنه الامن !!! عجيبه هذه الحياه !!!!

المعلمه لوزة سيده كانت جميله ، الملاحه والجمال القديم تركا علي وجهها وفوق تجاعيد سنوات عمرها السبعين اثارا تقول ، انتبهوا ، هذه السيده العجوز ، كانت امرأه جميلة !!!! لكنها لم تكن فقط امرأه جميله ، بل كانت سيدة قوية ، وسليطه اللسان ، تركيبه صعبه تجعل حياتها وحياة جيرانها مستحيله ، سيده جميله قويه سليطه اللسان !!!! هذا مايقوله لارنج وقت يكون مبسوط ومزاجه رائق ، يصفها لصبي القهوجي وهو يشتمه لانه حمار قدم له الشاي بارد ، يقول له ، ياواد ياكنكة ، نعم صبي القهوجي قرر المعلم لارنج وهو ضرير لايري ، قرر ان وجهه يشبه الكنكه وهي علي النار ، وهو شبه لاشبه له ، لكن حسين صبي القهوجي لم يملك امامه ردا ، وسرعان ماالتصق به الاسم ونسي الناس حسين ولم يعد احد يناديه الا كنكه !!!

المعلم لارنج يصف المعلمه لوزه لكنكه ويقول له ، كانت مرة شديدة ، جميله وقويه ولسانها كرباج تتلفع بيه وقت ماتحب وتقطع وش اللي قدامها ، يضحك حسين فيؤكد له لارنج ، بس كان ضحاياها كتير ويرسم لارنج علي ملامحه تعبيرا يفهم منه حسين قصده بالضبط !!! ساله حسين ، كنت بتحبها يامعلم ، يضحك لارنج ويضربه بلي الشيشه ، مش بقولك حمار ، ويشرح له ، المرة اللي زي دي الراجل اللي بجد لازم يبعد عنها لا يقدر علي جمالها ولا يحب يكسر قوتها ولا يستحمل سلاطه لسانها و... ويضحك حسين لايفهم شيئا ويضحك لارنج لان كنكه حمار وحيفضل حمار !!!! ومازال البيت القديم غريب وسط الحي الذي تجدد فيه كل شيء الشوارع والبنايات والمحلات وردمت الترعه وتحولت ارض الزراعه لارض مباني باعها ملاكها باموال كثيرة ورحلوا وقل الاكسوجين في الحي وقطعت الاشجار القديمه و..... بقي البيت القديم والمعلم لارنج والمعلمه لوزه علي حالهم !!!!


( 2 )
الزمان .... في الستينيات من القرن الماضي
1960 ومابعدها .....
الحدث .... المشاجرة

مازالت كل الناس تتناقل احداث ذلك اليوم الاسود الدامي ... يوم تشاجرت النسوة فاشعلن العالم حريقا مدمرا ...صوت لوزه كان عاليا لدرجه مخيفه ، تهدر وترغي وتزبد وكأنها بحرا مخيفا ترك شاطئيه وخرج يغرق الاخضر واليابس ، صوت لارنج كان راعدا مخيفا ، يحمل كرباج سوداني ويجري خلف النسوة يضربهن بعزم وقوه وكراهيه ، كانه بركان غضب وانفجر ، النسوة تصرخ ، قال احد شهود المشاجرة ، انه بعضهن قفز من البلكونات والبعض الاخر فر عاريا من بوابه البيت ، لوزه هددت بتفجير البيت واشعال انابيب البوتجاز ، لارنج توعدهن باغلاق البوابة وحرق البيت بالجاز بمن فيه .... يومها واحده منهن قذفت لارنج بشيء ثقيل في راسه ، ترنح ولم يفقد الوعي لكنه فقد البصر للابد ، وقت المشاجره لم يكترث بالظلام الذي احاطه واحتل مقلتيه ، استمر يضرب في النسوة بالكرباج لكن غضبه وصل لعنان السماء ، شتائم والفاظ وسب واهانات متتالية تخرج من فمه وكانها طلقات نار في عيونهن ، يومها ، كشف المستور وقال في حق تلك النسوة كلاما موجع وفضحهن ، لم يكترث باي شيء ، فالنسوة حين يتشاجرن يتحولن لشر وفتنة لابد من قتلهما في المهد والا ضاعت الناس كلها ، لوزة لم تستحي من صراخه وكلماته المهينه ، سبته بصوتها المسرسرع بالفاظ عنيفة ، انت بواب البيت ، انت وانت ....... وانت صاحبه البيت وانت وانت .... والنسوة تصرخ و............. كيف انتهت المشاجره وكيف انطفأ الحريق ، لااحد يعرف !!! لارنج نقل للمستشفي لايري شيئا وعاد سالما فاقد البصر كفيف !!! لوزه طردت النسوة من المنزل ، فمثل تلك النسوة المنفلتتات اللاتي يتشاجرن فتأتي الشرطه علي اثر خطواتهن لاامان لهن ، طردتهن او هكذا قالت للارنج وقتما عاد من المستشفي ..... طردت النسوة وتركت الشقق خاليه حتي نسي الناس والجيران حكايتها وحكايتهم وبعدها غطت شعرها وصارت الحاجه لوزة واجرت الشقق للطلبه المغتربين والبنات الهاربه من اسرها ... المشاجره العنيفه وحريقها المدمر غيروا حياه لوزة ولارنج والبيت القديم .... لماذا اندلعت تلك المشاجره ؟؟ لااحد يعرف !!!

من قال هذا ، طبعا لوزه تعرف ولارنج يعرف والنسوة اللاتي طردهتن لوزه من البيت يعرفن ، الكل قرر يصمت بعدما انفجرت الفضيحه وصارت الشائعات حقيقه وصار البيت مشبوها ونساءه ساقطات ولعنه الله تحيطه وتحل علي رؤوس اصحابه وقاطنيه اينما ذهبوا ........... الصمت والانكار هو الحل الوحيد لمواجهه وتحمل تلك الفضيحه الكبيرة التي هزت ارجاء المنطقه الريفيه الهادئه ، وقتما اكتشف الجميع انهم كانوا يخدموا في بيت العاهرات وفي محاضر الشرطه وتحقيقاتها التزم الجميع الصمت ، لوزه انكرت حدوث مشاجره بالاساس ولارنج تعذر عليهم سؤاله وهو غائب الوعي في المستشفي والنسوة اللاتي تشاجرن اختفين بل وانكرت لوزة وجودهن بالاساس ، اهالي المنطقه الريفيه وامام الطبال وبائعه الزبده وبائعه الجميز اقسموا انهم لايعرفوا شيئ ولم يسمعوا شيئ ، عرف الضباط والمحققين انهم كاذبين وجميعهم متواطئين علي اخفاء الحقيقه لكنهم عجزوا علي اجبارهم علي الكلام والشرح والتفسير وبسرعه اغلقت الاوراق وحفظت المحاضر وبقيت تلك المشاجره سرا لايعرفه الا اصحابه.....!!!!
طيب ولولا البحراوية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟



( 3 )
الزمان .... في اواخر الخمسينيات من القرن الماضي
1959 ومابعدها ......
البطل .... الخواجه يني والرحيل

كان نهارا باردا في شتاء عنيف ، اغرقت امطاره شوارع القاهره ، وحين تغرق القاهره بالامطار ، تنعزل القري والنجوع التي يربطها بالمدنيه مدقات طينيه تتحول وقت الامطار لمستنعقات وبرك يستحيل علي السيارات تتحرك فوقها ، وحين تنعزل القري والنجوع ، تهدأ الحركه في بيت الحاج مصطفي البيت الجديد ، وتنام النساء ليل نهار ، تنعزل القري ومعهم نساء بيت الحاج مصطفي ، لايقوي احد علي الوصول اليهم مهما كان شوقه ورغبته ، حين تسمع النساء صوت الامطار تنهمر فوق سطح البيت ، يتهللن فرحا ، اجازه اجباريه لن يلومهن عليها الخواجه ، لااحد يصل للبيت البعيد فتنام النساء وينقطع الرزق !!!!

وصل الخواجه يني للبيت والامطار شديده في ساعه مبكره من النهار ، تعجب لارنج حين شاهده امامه ، حين سمع صوت السياره لم يصدق اذنه ، من المجنون الذي سيجازف بالقياده في تلك المستنقعات ومن هو " الزبون " المجنون الذي سيصل للبيت في تلك الساعه النهاريه المبكره والنساء نيام !!! فوجيء لارنج بالخواجه يني ينزل من السياره متدثرا بعباءه صوفيه ثقيله ، طلب منه كوب شاي ثقيل وافهمه انه سيجلس في غرفه المسافرين ، امره يوقظ لوزه من نومها ، اطاعه لارنج وهرع للوزه يوقظها من النوم ، قبلما تسبه وتتشاجر معه ، شرح لها ان الخواجه يني ينتظرها في غرفه المسافرين ، دقت لوزه علي صدرها خوفا ، الخواجه لايستيقظ مبكرا ولا ياتيها في ذلك الجو المخيف الا لو فيه " نصيبه " ...

رحبت به بنبرات مرتعشه ، مالذي ينوي عليه الخواجه ، علي وجه ملامح غريبه لاتعرف معناها ، هل سيستبدلها باخري اصبي واجمل واصغر ، هل عجزت فسيخرجها للشارع ويأتي بسيده جميله تدير تجارته واعماله ، جلست خائفه متوجسه ، شرح لها يني انه سيغادر مصر خلال يومين ، اكد لها ان رجال الحركه التي صارت ثورة يكرهوا الاجانب ، اكد لها انه سمع من مصادره الموثوق فيها ان هؤلاء الضباط سيحاربوا الاجانب ويأمموا ممتلكاتهم ويصادروا اموالهم ، شرح لها انه سيسافر بعد يومين وانه اخرج امواله للخارج لانه لم يطمئن لهؤلاء الرجال منذ خلعوا الملك عن عرشه ، قال لها انه سيترك لها البيت تتصرف فيه وكانه ملكها ، لكنه في يوم ما سيعود ، وقتها سيطالبها بالبيت ، افهمها بلهجه صارمه انه لن يترك حقه لها لكنه لن يستطيع يخلع البيت من ارضه وياخذه معها لبلاده ، البيت لكي حتي اعود ، شرح لها انها حره من تلك اللحظه ، تستطيع تكمل النشاط الذي بدأه هي والنساء ، تكون مسئوله عن الايراد والمصاريف ومحاسبه البنات ، ايضا تستطيع تنهي ذلك النشاط وتترك البنات لحال سبيلهن ، تستطيع تأجر شقق البيت وتاخد الايجار لنفسها لكن ، حين ساعود البيت ملكي وسنتحاسب معا علي كل شيء!!!

" سبحان خلاف الظنون " وافقته لوزه فرحه سعيده تظهر علي وجهها امامه حزنا كاذب علي رحيله وفراقه ، حتوحشنا ياخواجه ، ضحك الخواجه وفضح تمثيلها الرديء ، انت فرحانه وانا لو مكانك ابقي فرحان زيك بالضبط ، من فتاه معدمه احضرها من الشارع لتبيع جسدها لصالحه ، لصاحبه ملك ، بيت خمس ادوار وسطوح وحوش وعشر شقق ، وقبلما يمشي اكد عليها بحسم ووضوح ، حاجه كمان ، لارنج صاحب حق زيك بالضبط ، خبطت علي صدرها ، سيترك لها البلطجي يشاركها حياتها ، لو شاركها ملكيه البيت سيشاركها حياتها ، رفضت ، اصر الخواجه ، لارنج خدمني سنين وده حقه ، رفضت ، صمم وفي النهايه وصلا لحل يرضيهما معا ، طيب خلاص شقتي اللي في اخر دور والسطوح بتوعه ، مالكيش كلمه عليهم ولا عليه ، رضخت لوزه لطلبات يني وكانها مغلوبه علي امرها لكنها كانت في منتهي السعاده ، اصبحت مالكه البيت وليغور لارنج والدور الاخير في داهية ، قام ليودعها ، قامت لتقبله وتحضنه و.... ابقي طمني عليك ياخواجه ، احتضنها وقبلها لكنه لم يمشي ، نادي لارنج وشرح لها الاتفاق بينه وبين لوزه ، البيت ليكم انتم الاتنين ، انت ليك السطوح والدور الاخير وهي بقيه البيت ، اتفقنا ، رفض لارنج ، لا انا حامشي .. قالها بمنتهي الجديه فتنهدت لوزه بمنتهي الراحه والسعاده !!!

نهره الخواجه امامها وشرح له انه برحيله سيترك البيت كله للوزه تتصرف براحتها ، انت شاهد علي الاتفاق بينا وهي شاهده عليك ، برحيلك ستترك لها البيت وحين اعود ، بحسم ووضح شرح له الخواجه ، حين اعود لن اجدها لا هي ولا البيت ، ببقاءك معها انت شريكها لصالحي انا ، لصالح الخواجه ، فهم لارنج المطلوب منه ، سيحمي البيت من لوزه ويحمي لوزه من الغرباء ، افهمه الخواجه ، الدور الاخير والسطوح بتوعك ، مقابل العمل الذي سيستمر بعدما يرحل الخواجه من مصر ويغادرها ، واجرك هو الدور الاخير والسطوح ...

تحرك الخواجه ليرحل لكن لارنج ترجاه ، والكرسي بتاعي قدام البوابه حقي وهي ماتقدرش تيجي جاره ، وافقه الخواجه ونبه عليها ، فهمتي يالوزه ، هزت رأسها متغاظه من لارنج الذي سيركب البيت من السطوح ويقبض عليه من البوابه ، احست انها صارت اسيره لارنج ولعنت ابو اليوم الذي اخضعها لهذا البلطجي ، لكنها في سرها كانت في منتهي السعاده ، اصبحت مالكه بيت بحاله و... والله صبرتي ونولتي يالوزة !!!!


( 4 )


الزمان .... في الثمانينات من القرن الماضي
1980 ومابعدها .....
البطل ..... العصا الغليظه

في اليوم التالي لرحيل لارا ، نادت لوزه لارنج وسالته ، ازيك ، ضحك ، كويس خالص ، سالته ، انت متطمن ، مافيش حاجه تخوف ماتشليش هم ، سالته بنعومه ، ماتيجي نتجوز ، انفجر ضاحكا ، وده ينفع ، اللحم اتخاوت يااختي وبقينا شقايق ، صوتها يرتعش خوفا ، خايفه من الزمن ، ضحك ، احنا شفنا كل الزمن وماخفناش ، حنخاف دلوقتي !!!! ناولته كوب شاي واوصته ، والنبي ما تسيبني ، ضحك ، ومن غير حلفان ، بعد كل الزمن لاينفع اسيبك ولا ينفع تسيبني ، خلاص مصيرنا واحد ياحاجه !!! خايفه من ايه ؟؟؟ ساخرا من مخاوفها سالها ، بصوت اكثر رعشه ، كل اللي بيحصل حواليا الايام دي بيفكرني بالخناقه بتاعت البنات وفجرهم ... ضحك لارنج ، وافرضي ، مااحنا ماخوفناش وقتها ، حنخاف دلوقتي ... استهدي بالله ياحاجه وروحي شوفي وراكي ايه وماتخافيش .... ودعها وخرج جلس علي مقعده امام البوابه ، بجواره عصا غليظه مثل التي كان يحملها ايام الشقاوة والجنزير والقفل في جيبه يغني ، يابلحه ياحلوه يامقمعه شرفتي اخواتك الاربع ، متغاظ من لوزه التي اخافتها بت خواجايه صعلوكه جايه تتسنكح عليهم !!!! بصوت عالي صرخ ، احنا مابنخافش !!!! وكان فعلا في ذلك الوقت قلبه حديد ومستعد لعمل اي شيء دفاعا عن البيت والبوابة !!!!
كهلا في الثمانين من عمره او مايزيد يتوعد الحياه التي لايخافها ويتعهد للحاجه لوزه بحمايتها !!! وقتها احست لوزه من صوته العالي القوي ان سنوات عمرها السبعين اختفت وانها عادت صبيه عفيه قلبها حديد لاتخاف من الدنيا ولا من شرورها ، صوته العالي طمئنها ، ليس كهلا ثمانيني وليست عجوز سبعينيه ، بل شباب في بدايه العمر لايخافا من الحياه ولا من كل ماسيحدث فيها !!!!

( 5 )
الزمان .... في اوائل الاربعينيات من القرن الماضي
1945 وما قبلها .....
الحدث ..... اطاعة الاوامر !!!!

عشرين سيدة او خمسون واكثر يعشن في بيت واحد ، يحتللن ثلاث ادوار من البيت ، الدور الارضي للوزه تعيش فيه هي وخادماتها ، الدور الاخير والسطوح يعيش فيهما لارنج ، النسوة يعشن في الادوار الثلاث ، دور لحياتهن اليوميه ، ياكلن ويتحممن وينامن ويتشاجرن ، والدورين الثاني والثالث مخصصين لمباشره اعمالهن ... غرف نظيفه مرتبه معطره بالمسك والعنبر ، اضاءه خافته وموسيقي اجنبيه هادئه وابواب محصنه لايمكن فتحها عنوه ولا كسرها وحمامات واسعه ومياه ساخنه ........ سنوات والامور تسير علي خير مايرام ، يفتح لارنج البوابه لاستقبال الضيوف ، وتوزع لوزه الضيوف بمعرفتها علي غرف النساء بعدما تقبض واجب الزيارة ، والنساء يبتسمن في وجه الرجال ويتدللن عليهن والباقي كله معروف ، وقبلما تشرق شمس النهار يكون كل الضيوف قد غادروا البيت ونامت النسوة في امان وهدوء ، وقتها يغلق لارنج البوابه بالجنزير الحديد ويحمل المفتاح معه تحت مخدته وينام مطمئنا ، لوزة لاتنام الا بعد رحيل اخر ضيف ، وقتها تغير ملابسها وترتدي جلبابا مريحا وتشرب شايها في البلكونه ثم تنام و............تقف العصافير تغرد علي اشجار الحديقه والجو هاديء وأمن !!!

القواعد التي استنها يني الخواجه بقيت سنين وسنين واضحه ومعمول بها ، الجميع يطيعه ويخضع لاوامره ... لااحد يجروء يكسرها ، الضيوف لاتبيت في البيت عند لوزه ، لان المنطقه ريفيه ولن تقبل ذلك ، الضيوف لاتأتي صباحا فعلي النسوة الاستعداد لمقابلتهن والنسوة يلزمهن راحه بعد السهرات الليليه ووقتا للتحمم والتجمل والاستعداد لمنح المتعه والسعاده ، الضيوف يمروا علي لوزة التي تقبض منهم اولا واجب الزياره ثم توزع كل منهم حسب خبرتها علي من ستسعده من النسوة ، لارنج لاينام الا اذا رحل الضيف الاخير ، وعلي النسوة دفع الضيوف للرحيل قبل شروق الشمس ، عليهن التصرف وانهاء الليالي السعيدة حسب قواعد الخواجه يني .... سنوات وكل شيء يسير منتظما مثل الساعه السويسرية !!! حتي كان ذلك اليوم ..... اندلع الحريق فكشف عما لم تعلمه لوزه من قبل ، كشف عما لم يعلمه لارنج من قبل ... وحين علما بكل ماكان يجري خلف ظهرهما قررا ، كل منهما وحده ومعا بعدما تناقشا ، قررا ان ماكان يحدث يستحيل يحدث مره اخري ، ففي المره القادمه ، لن تسلم الجرة ، وسينكشف المستور وتنفجر الفضيحه وتتدخل الحكومه والبوليس في حياتهم و.......... الباب اللي يجي لك منه الريح سده واستريح !!!! وهكذا تغيرت الحياه بكل تفاصيلها !!!!
مالذي كان يحدث .... ولم تكن تعلمه لوزة ولا يعلمه لارنج !!!!
ماهو سبب المشاجرة والحريق ؟؟؟

( 6 )

الزمان .... في الستينيات من القرن الماضي
1960 ومابعدها ....
الحدث .... لولا البحراوية

امر الطبيب الشرعي بدفن الجثه !!!
لم تذهب لوزة ولا اي انسان ليتسلم جثمان لولا البحراوية !!!!
لوزه انكرت في التحقيقات ان لولا كانت تعيش في بيتها !!!!
صممت انها لاتعرفها ولم تراها من قبل !!!
لولا البحراوية بلا ايه اوراق تدل علي شخصيتها ولا احد يعرفها ولا مبرر وجودها في تلك المنطقه الريفيه !!!
امرأه مجهوله ماتت في منطقه ريفيه وسط اناس لا يشبهوها ولايعرفوها ..
قبض البوليس علي لوزة ، لكن التحقيقات عجزت تثبت ضدها اي شيء فافرج عنها ...
انت بتشتغلي ايه ياست انتي ؟؟؟ سال المحقق لوزه فاقسمت له انها لاتعمل وانها تعيش في البيت الذي بناه لها زوجها وسافر واختفي ، وبكت واقسمت مائه ايمان انها عايشه من فرختين بتربيهم وبقرتين بتبيع لبنهم و.... عجز المحقق يعرف اي شيء عنها ، كل الفلاحين جيرانها في المنطقه اقسموا بحق انهم لايعرفوا عنها اي شيء ، لارنج في المستشفي فاقد الوعي وتعذر استجوابه ، انتظره المحقق ليفيق لكنه لم يفيق طويلا ، الاطباء منعوا استجوابه وزيارته ، عاد المحقق للجيران يسألهم عما حدث وعن السيده التي وجودها ملقاه امام بوابه المنزل جثه هامده ، عجز الجيران عن اي تفسير يشفي غليل المحقق ، حاول يعرف عن لوزه ما يمكنه من القبض عليه واتهامها بقتل لولا ، لكنه لم يفلح ، الجيران لايعرفوا عنها ما يبحث عنه المحقق ، قال امام الطبال ، انها ست في حالها عمر ماحد سمع لها صوت، ساعات بنات قرايبها بيزروها يقعدوا معاها شويه ويمشوا !!!! بائعه الجميز شكرت فيها وانها سخيه وبتعرف ربنا ، بقيه الجيران وحتي الخفر اجمعوا علي انها سيده في حالها تعيش في البيت منذ سنوات بعيده ولم يسمع احد لها صوت ، لم يقل احد للمحقق حتي من يعرفوا تلك الحقيقه ، لم يقل احد للمحقق ان ذلك البيت هو بيت الخواجه والنسوان ، الجميع فقد الذاكره او قرر يفقدها ، الجميع نسي الخواجه والنسوان وبقيت امامه فقط لوزه ست في حالها ، لااحد يرغب في فتح الملفات القديمه ويجلب لنفسه المتاعب والمشاكل والهم !!!

لوزه سيده تعيش في البيت الذي بناه زوجها ورحل ، هذه قصتها وقصتهم التي وافقوا عليها ورددوها فيما بينهم وامام المحقق الذي احتار معها واحتار اكثر امام جثه لولا التي انكرت لوزه معرفتها بها وانكر الجميع معرفتهم بها ، تركها في ثلاجه المشرحه يوم واثنين وثلاثه وفي النهايه امر بدفنها معها كل الحقيقه و.......... دفنت لولا في مقابر صدقه المسلمين بعدما افترض المحقق انها مسلمه لايعرف حقيقه ديانتها ، ومن يكترث بالتحقيق في ديانه جثه مجهوله لسيده لايعرفها احد !!!!!

وعادت لوزه للبيت فوجدته خاويا ، كل الفتيات فررن من البيت حتي الخادمات فررن معهن ، فتحت البيت فوجدته خاويا ، نامت ليلتها الاولي مرعوبه وشبح لولا يطاردها في الكوابيس ، في اليوم التالي زارت لارنج في المستشفي وعادت به للبيت ، تخدمه حتي استعاد صحته ، واتفقا دون اتفاق علي الا يفتحا سيره ذلك اليوم وماحدث فيه وعاشت لوزه في الدور الاول ولارنج في الدور الاخير وبقيه الشقق بقيت خاويه حتي نسي الناس كل ماحدث !!!! قررت لوزه ولارنج الا يعودا لما كان عليه ، الدنيا باظت يامعلمه واحنا مش حمل بهدله ، وافقته ، بعد ماحبسوني قلت خلاص انا ضعت ، لما طلعت ندرت لله توبه نصوحه ، انا مش حمل حبس وكفايه اللي جرالنا ، وافقها لارنج ، عين العقل يالوزه !!! همست اللي مخوفني يني !!! ضحك لارنج ، يني اللي يرحمه او يجحمه ، سافر بلا رجعه !!! انسي خلينا نعرف نعيش حياتنا بقي !!! وافقته لوزه فرحه بان يني انزاح من حياتها للابد او هكذا تصورت !!!!


( 7 )
الزمان ... من اوائل الاربعينيات من القرن الماضي
1945 وماقبلها ومابعدها ......
البطل ..... المعلمة لوزة

امام البيت الذي لم تجف طلاء وجهته بعد ، نعم اقصد ذلك البيت الغريب المبني وسط الزراعة ، الذي بناه الحاج مصطفي قبل مايموت علي قيراطين ارض لاولاده ليتزوجوا فيه ويبقوا بجواره لايغادروه ، لكنه مات وترك زوجتيه واولاده الاعداء يتطاحنوا علي قسمه الميراث وبالذات البيت الجديد ، فقرروا يبيعوه باي سعر ويقسموا ثمنه بين الفريقين ، فاشتراه خواجه عجوز ، يقال انه كان يملك " خماره " في ميدان الجيزه وقرر يعيش وسط الحقول مستمتعا بالهواء النقي ، اشتراه الخواجه العجوز وارسل عمالا لطلاء واجهه البيت الذي تركه الحاج مصطفي علي الطوب الاحمر ، وفعلا ... كما يقول الفلاحين ملاك الاراضي المجاورة ، جهز الخواجه العجوز ، يني ، هم لايعرفوا اسمه لكنهم قرروا انه اسمه ، يني ، وصار يني ، جهز الخواجه يني البيت للسكني ، وقيل انه اجر شققه لغرباء عن المنطقه وانتظر الفلاحين بفارغ الصبر السكان الجدد !!!

ذات نهار غائم ، وامام ذلك البيت ، وقفت عربيات كثيرة ، يرتسم علي وجوه سائقيها الغضب ، لانهم وقت خرجوا بالعفش الجديد من المحل ، لم يعرفوا انه سيتركوا الطرق الاسفلتيه ويسيروا فوق المدقات والاراضي الزراعية ، وقفت عربيات كثيرة انزلت عفش جديد ، وعرف الفلاحين ان اول السكان الجدد وصل فعلا للبيت ... لكن العمال ادخلوا العفش الدور الاول واغلقوا الباب خلفهم وبقيت انوار البيت مطفأة وبقي البيت مثير للخوف في الليالي الريفية الطويلة المظلمه!!!

وحين نسي الفلاحين قصه العربيات التي انزلت العفش الجديد ، وصلت سياره ملاكي فاخره ، ونزلت منها سيده جميله يرن صوت ضحكاتها ولا ديك الفجر عاليا ، عرف الفلاحين بما حدث وارتبكوا ، الساكن الجديد ، هي تلك السيدة الجميلة ، واه من النساء الجميلات عاريات الرأس وسط الفلاحين الذي يناموا بعد صلاة العشاء ويستيقظوا قبل صلاه الفجر ويقضوا حياتهم يزرعوا في الارض تهد حيلهم وصحتهم ، اه من النساء الجميلات وسط هؤلاء الرجال الاشداء ، وجودها وسطهم ، بل صوت ضحكتها فقط ، كفيل باثاره غضبهم علي النسوة المتشحات بالسواد يعيشوا امام الفرن السخن وفي المطبخ وفي عشه الفراخ وينجبوا اطفال كثيرة ، اه من النساء الجميلات وسط هذه المجتمعات المنغلقه المحافظه التي تخاف من العفاريت والاشباح والنداهة !!!!

وصلت السيدة الجميله للبنايه الجديدة واضاءت انوار الدور الاول وسرعان ما اضاءت البنايه كلها ، السيدة الجميلة احضرت وبسرعه عشرات الفتيات قريباتها ليعشن معها ، وامتلأت الادوار بالفتيات الجميلات قريبات السيدة الجميلة ، واحتفظ الخواجه يني لنفسه بالدور الاخير الذي سرعان ماارتفعت منه في الليل المتأخر رائحه الشواء وصدي ضحك النساء الجميلات التي كان الخواجه يني يحضرهن لزيارته ويستبقيهن يوم واثنين واسبوع وسنه ويجلسن معه علي السطوح فيري اهل المنطقه خيالاتهن الراقصه تتمايل علي جذوع الاشجار ويرتد صدي ضحكاتهن اعلي من صوت الريح في الحقول الواسعه ..... وتحولت البنايه الجديدة التي بناها الحاج مصطفي لابناءه لبيت عرفه الفلاحين اهل المنطقه والمناطق المجاورة ببيت الخواجة والنسوان !!!

ولم تغلق السيدة الجميله بابها عليها وعلي الفتيات قريباتها الكثيرات ، بل عرف الرجال طريق البيت ، رجل اثنين عشره عشرين و.......وقال الفلاحين انهم خطابا مرفوضين للفتيات الجميلات ، وقال اخرين انهم قرايبهم واقسمت النساء اللاتي يدخلن البيت لبيع البيض والزبده الفلاحي والجميز والتوت ، اقسمن ان هؤلاء الرجال اخواتهن وولاد عمومتهن ، لان الفتيات تتعامل معهم براحتهم " علي الاخر " و......... وعُرفت السيدة الجميلة التي سكنت الدور الاول في بيت الخواجه يني بانها مدام " لوزة " و" لوزة " هو الاسم الذي قررت بائعه الزبده العجوز تطلقه علي السيدة الجميلة التي تحمل اسم خواجاتي صعبه ، لكن رتيبة التي كانت تبيع الجميز والتوت شرحت لبقيه النسوة في البلدة الريفيه الصغيرة ان تلك السيدة الجميله ، صعبه قوي ومفتريه لكن قلبها بفته بيضا ، زيها زي حبة اللوز ، قشره صلبه ومرة وقلب اخضر وحنين و.........صارت السيدة الجميلة ، مدام لوزة ونسيت اسمها الحقيقي !!!

وعاشت مدام لوزة قدر ماعاشت في ذلك البيت هي وقريباتها الكثيرات ، سيده جميله في منتصف العشرينات ، احدهم تطوع وقال انها اخت الخواجه يني ، لكن الاخرين سخروا من غباءه ، فهي مصريه بنت مصرية ولسانها عربي وكحله عينها ماتجيش ابدا علي الخواجات !!!! وتساءل الكثيرين عن علاقه يني بلوزة ، هل هي اخته زوجته بنته قريبته وفي النهايه بقيت الاسئله جميعها بلا اجابات ونسيها الناس مع الوقت الذي اعتادوا فيه علي لوزة ويني وضيوفهم الكثيرين في البيت الجديد !!!

في بدايه التاريخ ، تاريخ البيت ، كانت لوزة ، مدام لوزة ، ست جميله وشيك و" الا فرنكه " و..... لما مرت السنين والدنيا اتغيرت ، اختفت فتره ورجعت لابسه علي شعرها الحرير طرحه " جورجيت " سودا وبقت الحاجه لوزة و قالت للجيران انها كانت عند سيدنا النبي بتحج ، صدقوها او ماصدقوهاش لكن بقت الحاجه لوزة ...... لما مرت سنين تانيه والدنيا اتغيرت اكتر ، اشتغلت الحاجه لوزة في بيع البضاعه بالتقسيط وبعضهم قال عنها انها تقرض المحتاجين ب " الفايظ " فصارت المعلمة لوزة ........... نعم السيدة الجميلة هي ذاتها الحاجه لوزة وصارت المعلمه لوزة التي تسكن في الدور الاول في البيت القديم الذي كان البيت الجديد وتتشاجر كل يوم مع المعلم لارنج جارها اللدود الذي يسكن في شقه الدور الاخير التي كان يسكنها الخواجه يني !!!! استمرا يتشاجرا حتي ظهرت لارا ، وقتها كفا عن المشاجرات وتوحدا معا ضد لارا وكل ماترغب فيه !!!!
لوزة .... اعطت ظهرها للماضي وعاشت تنكره حتي مع نفسها ، حتي جاءت لارا وذكرتها بكل مامضي !!! هي لاتكره اكثر من لارا ، الصعلوكه التي جاءت تهددها وتوقظ الماضي وتحاول تخلعها من بيتها وتستوطنه هي ، باعتباره ملك ابيها ، تسخر لوزه من لارا ، ابوكي مات ياقلبي والبيت بيتنا ، انا ونبوي ، وعلي راي المثل ، البيت بيت ابونا والغرب بيطردونا !!! وتذكرت نبوي جالسا امام البوابه ممسكا بعصاه الغليظه ، يخليك لي يانبوي ولايحرمني منك ابدا !!!

( 8 )
الزمان ...... الستينيات من القرن الماضي
1960 ومابعدها
البطل .... الخواجه يني

سال لارنج نفسه ، لماذا فر الخواجه يني من البلد ، بالطبع كان سعيدا برحيله ، تحرر منه وقتما سافر وترك له الدور الاخير في البيت والمقعد امام البوابه ، لكنه يسال نفسه كثيرا ، خواجات كتيره لسه في البلد ماسافرتش ، اشمعني هو ، سال لارنج نفسه ، هو الخواجه يني اسمه الخواجه يني ، لم يعرف لارنج ابدا اسم الخواجه ، يني الاسم الذي عرفه الناس به لكنه ليس اسمه الحقيقي ، سال لارنج نفسه ، متي حضر يني لمصر ؟؟ في اوائل الاربيعينات تعرف عليه واشتري الخماره ، من اين اتي وماهي بلده الاصليه ، لماذا اتي لمصر ، فر من اوربا في جحيم الحرب العالميه الثانيه واتي لمصر ، هو فعلا اسمه الخواجه يني ، ساله لارنج ذات يوم بعد يوم عمل طويل وقبلما يغلق يني الخماره ، الا انت نصراني ياخواجه ، ضحك يني ، يفرق معاك ايه حبيبي ، ضحك لارنج ، ولا يفرق ادينا بنتعرف ، ضحك يني بصوت اعلي ، خليك في روحك حبيبي خليك في روحك !!!! وازدادت حيره لارنج ، لايعرف اي شيء عن يني ، لايعرف اسمه ولا بلده ولا دينه !!!! ومازال السؤال يحيره ، خواجات كتيره مامشيتش من البلد ، اشمعني يني مشي جري وساب الجمل بما حمل ؟؟؟؟؟ سؤال لم عرف اجابته ابدا !!!!


تعرف علي الخواجه يني قبلما يفتح الخماره ، كان يادوبك لسه واصل مصر ، صعلوك ومعاه قرشين وجاي يقلب رزقه في بلد مفتوحه علي البحري للخواجات والصعاليك ، قرر يني يفتح خماره ، ماهي الميه هي اللي بيفهم فيها ، جاي من بلدهم يفهم فيها ، يفتح خماره يبقي لازم حارس ، يحرس الخماره ويحرس الخواجه ، الخواجه يني وصل حاره المطاريد يبحث عن رجل يكون مسئول عن حمايته وحمايه امواله ، يكون مسئول عن حمايه الخماره التي سيفتتحها في ميدان الجيزة ، اولاد الحلال دلوه علي حاره المطاريد ليبحث فيها عن رجل يطمئن له ، هات راجل من حاره المطاريد ، سال واتقص ورجليه ودته السكاكيني واللي يسال مايتهوش ، عرف واحد من اللي عايشين هناك ، قصده في خدمه ، عايز راجل يحمي الخماره ، عيني ياخواجه ، عرفه علي نبوي البرنجي ، نبوي البرنجي اشهر راجل في حاره المطاريد ...

حاره المطاريد ، دي حاره صغيره في السكاكيني ، مافيش غريب يحط رجله فيها ولا يخرج منها ، يعيش فيها ارباب السوابق والهاربين من الاحكام ، حاره المطاريد يعرف طريقها كل من يبحث عن رجل يحميه لاي سبب من الاسباب ، في حاره المطاريد الرجال الاقوياء القادرين علي الحمايه والدفاع عن الاخرين ، ، افهموه قانون الحاره ، لافيه عقود ولا فيه حكومه ، الرجاله هناك بتتربط من لسانها بالكلمه ، اللي يأمن لهم يتحرم عليهم دمه وماله ، الاخوه بتتولد كل يوم بين الرجاله ، وساعات تتولد بين الرجاله وبين الحريم ، لما حرمه تخش حارة المطاريد وتقول ياحمايه وتتفق مع راجل يحميها ، ساعتها تتحرم عليه هي ودمها وعرضها وفلوسها وتبقي امه واخته ، ماهو مين قال ان الحكومه بس اللي عندها قوانين !!!!

الخواجه يني اتفق مع نبوي البرنجي ، تقعد في الخماره وتحرص عليها ، عيني ياخواجه ، وعدت سنين ونبوي البرنجي قاعد علي باب الخماره مفتح عينيه علي الاخر .... لما يني اشتري البيت من ولاد الحاج مصطفي، نبوي قاله ، دي حته مقطوع مافيهاش سريخ ابن يومين ، يني ضحك وقاله ده المطلوب ، بيت مبني علي الجاهز وسط الزراعه ، مين يشطح بخياله انه حيبقي بيت الفرفشه والمزاج ، اللي داخل مرصود واللي خارج مرصود ، نبوي البرنجي فهم الخواجه وراسه اللي ولا راس ابليس ، انت حتسيب الخمارة وتروح هناك ، تفتح عنيك علي الاخر ، الستات اللي هناك في رقبتك وانت المسئول عنهم ،وفهم نبوي البرنجي الحكايه والمطلوب منه ، وعرفه شغلته الجديده و............. وقدام بوابه بيت الحاج مصطفي، ماهو البيت فضل اسمه بيت الحاج مصطفي ، قدام البوابه ، قابل نبوي البرنجي ، عم امام الطبال ، بيطبل في الموالد ووقت الدبح يوم العيد وورا النعوش ساعه الجنازات ، قابله ، عم امام الطبال رحب بيه وقعد يتساير معاه وكلمه من هنا وكلمه من هناك واسم الكريم ايه ، نبوي البرنجي ، عم امام الطبال احتاس ، هو الدغ في كل الحروف ، قاله اتشرفنا ياسي لارنجي و............... وعنها يوم في يوم بقي المعلم لارنج !!!!


( 9 )
الزمان ... الثمانينيات من القرن الماضي
1980 ومابعدها .....
البطل ..... المعلم لارنج

هي الناس فاكراني اعمي ؟؟؟ سؤال يسأله لنفسه ميت مرة في اليوم ، انا مش اعمي ، يضحك لارنج ، الاعمي ده اللي مابيشوفش وانا باشوف كل حاجه ، يضحك لارنج ، الحكما قالوا للقلب عيون ، اهي هيه دي عيون القلب اللي بشوف بيها ، انا بشوف بعيون قلبي ، باشوف اكتر من المفتحين ، الناس اللي مفتحه عينها ومابتشوفش حاجه خالص ، انا باشوف بعيون قلبي ، من ساعه مانظري راح وانا بقيت اشوف اكتر ، ماانا مااتولدتش كفيف ، لا طبعا ، انا نظري راح لما السكر كله ، اه السكر كل نظري وربنا ستر كان حياكل رجليا ويقطعوها ، لولاش الستر بتاع ربنا ، اصل بصراحه يعني الا رجليا ، رجليا لا ، انا باشوف كويس وانا كفيف ، لكن لو قطعوا رجليا كانت تبقي كارثه ، اصل السخس لما يحتاج سخس تاني علشان يروح ويجيي ، يبقي عويل وقليل الحيلة ، انا طيب وابن حلال علشان كده ستر ربنا انقذ رجليا من السكر والبهدلة !!! هذه هي الحكايه الرسميه التي يحكيها لارنج عن فقدان بصره ، السكر كل عينيه ، لايقول انه فقد البصر وقتما قذفته الملعونه بشيء ثقيل شج راسه واعماه ، لايقول هذا ، وكل من يعرف الحقيقه التي يخفيها ، اما نسيها او تناساها واما اختفي بالموت او الرحيل وبقي سر لارنج مثل كل اسرار البيت لايعرفها جيرانه من السكان الجدد في المنطقه !!!!

يسمع كنكه باهتمام للارنج الذي حكي له تلك الحكايه مائه مرة ... يضحك لارنج ، ايوه الستر بتاع ربنا ، محدش ابن حرام يسالني ويقولي هو انت بتعرف ربنا ، الا باعرفه ، طبعا ودي عايزه كلام ، الناس البقر ، اه الناس البقر اللي عايشين حولينا فاكرين ان اللي زيي مايعرفش ربنا ، مين قال ، مش بقولكم بقر ، انا باعرف ربنا واكتر منهم كمان ، صحيح انا اتشاقيت شويه ، لكن الشقاوه حاجه وان الواحد يعرف ربنا ويخافه حاجه تانيه ، حتي ايام الشقاوة ، ووسط الخناقات والبهدله ، كنت ساعات قبل ماانام بالذات لما اكون فايق ، ماانا ساعات كنت انام متدهول مدراش بالدنيا ، الحشيش يكون نضيف ، الميه تكون عتيقه ، كده يعني ، كنت بنقول ايه ، ايوه ، ساعات قبل ماانام كنت اتوضا واصلي ركعتين لله ، اصل ربنا بتاع الناس كلها ، وبتاعنا اكتر ماهو بتاع الملتزمين السنية ، ماهو الملتزم السني ربنا هداه واللي كان كان ، لكن السخس الشقي اللي زينا محتاج ربنا يكون معاه علي طول ، يطلعه من نصيبه ، ينقذه من داهيه ، يكفيه شر ولاد الحرام ، يهديه !!!! ايوه ، ماهي الهدايه دي بتاعت ربنا ، لما ربنا بيأذن السخس يتهدي وكرماته تبان !!!!

يوافقه كنكه وهو يضبط له جمرات النار فوق الشيشة ، ويضحك وقتما يضحك ولايعرف لضحكهما سبب .. كنت بنقول ايه ، اه ، كنت بنقول اني مش اعمي ولا ممكن ااقبل حد يقول عليا اعمي ، اللي يقول كده ، نقوم نقطع وشه علي طول ، ماهو بيشتمنا واحنا اللي يشتمنا مالوش دية !!!! الشيشه ياكنكة !!!!
يجلس المعلم لارنج علي مقعده الخشبي امام البوابه امام البيت القديم ، يكلم كنكة ، كانه يكلم نفسه ، يحكي له ويسمع ويرد ، وحين يمر امامه احد الجيران يحييه ، ويعود لنفسه ، اهو ، شايفين كل سخس بيعدي علينا اهو ثم يسال كنكه بتحفز ، صح ولا ايه ، يضحك كنكه طبعا صح !!!! ثم يساله الا انت عندك سكر فعلا يامعلم ، اصلك يعني ولا مؤاخذه بتشرب الشاي عسل وبتاكل براحتك ولا ايه ، يضحك لارنج ، عندي سكر ياروح امك ، عندك مانع ، يبتسم كنكة ، ربنا يشفيك يامعلم ... لم يخبره لارنج ان بصره ضاع يوم المشاجره ، حين خبطته واحده من بنات الحرام في راسه ، فضاع بصره ، يتمني لارنج لو يجدها ليكسر رقبتها ويدب صوابعه في عينيها يعميها ، لكنها اختفت ، وقتما عاد من المستشفي لم يجدها !!!

يودعه كنكه ويعود لعمله ، ويبقي لارنج يتأمل حاله ويغيب مع ذكرياته القديمه ، اه يازمن ، اربعين سنه واكثر مرت منذ وصل للبيت الجديد بصحبة الخواجه يني ، منذ سنوات بعيده استلم العمل في ذلك البيت ، نبه عليه الخواجه الا يترك البوابه ابدا ، احضر له مقعدا خشبيا واجلسه عليه ، تراقب البوابة والداخلين والخارجين ، اوضح له ، الحريم قاعدين في حته مقطوعه ونخاف عليهم ، فهم ماطلبه منه الخواجه ، نبوي البرنجي ، هذا هو اسمه ، نبوي البرنجي ، مسئول عن امن الخماره ، يؤدب الخارج عن الادب ، يضرب من يتطاول علي رواد المكان المحترمين ، يمسك من يحاول يتسلل من وراء ظهره قبلما يسدد فاتوره المشروبات اللي " طفحها " نعم هذا هو عمله ، امن الخماره وحمايه الخواجة !!!

يضحك لارنج ويهز رأسه ، كانت ايام ، يقوم من مكانه ويحمل كرسيه ، يدفع البوابه بقدمه ، يدخل مدخل البيت ، يسمع صوت لوزة عاليا ، تجلس في الصاله فاتحه باب شقتها كعادتها ، يشخط فيها ، الدنيا ماعادتش زي زمان ، سكي بابك عليكي ، تضحك لوزه ساخره بصوت صاخب ، طيب حاسب من السلمه المكسوره لا تقع ... لايرد عليها ويكمل طريقه لشقته في الدور العلوي !!!!

( 10 )
الزمان .... بدايه الاربعينيات من القرن الماضي
1940 ومابعدها .....
البطل .... لويزا

الخواجه يني يقف خلف البار في الخماره التي افتتحها في ميدان الجيزه ، يخدم الزبائن بنفسه ، لن يأتي بعمال جدد ، يكفيه مادفعه من تكاليف لشراء الخماره وتأثيثها ، يكفيه مايدفعه لنبوي البرنجي كل شهر مقابل حمايته وحمايه الخمارة ، الخماره مليئه بالزبائن ، موسيقي هادئه تلف الخماره وزبائنها السكاري ، بضعه فتيات متناثرات علي المناضد هنا وهناك ، يتابعهن يني ، يتقاولن مع السكاري علي ليالي هوي سعيده ، يقتسمن اجرهن مع يني الذي يسمح لهن باصطياد الزبائن من خمارته ، يتابعهن يني قلقا من غدرهن الذي يتوقعه دائما ، هؤلاء الفتيات لاكلمه لهن ، من تقوي علي سرقته ستفعل ، من تقوي علي خديعته ستفعل ، عيناه وسط رأسه ، وجودهن يوتره ، يشغلوه عن عمله الاساسي ، خدمه السكاري ومغالطتهم في الحساب ، يقدم لهم المشروبات ويقيد الحسابات ، سكاري يدفعوا له في نهايه ليلتهم الطويله الحساب الذي يطلبه منهم ، وجود الفتيات يوتره ، يتابعهن ويتابع السكاري فيتشتت انتباه وتركيزه ...

في تلك الليله الصيفيه الطويله التي لاحقته فيها اخبار الحرب وانتصارات هلتر في اوربا ، في تلك الليله الصيفيه الطويله التي احس الخوف لاول مره منذ سنوات طويلة ، انتصارات هلتر تخيفه علي مستقبله ، لو انتصر هلتر ستضيع اوربا ويضيع هو معها ، هو خائف ومتوتر يتابع كل الاخبار وما يفعله هلتر ويرتعش ، لو انتصر هلتر وحكم العالم ومعه مصر سيضيع ، فر من اوربا قبلما يعتقله هلتر مع الالاف غيره ، هل سيصل مصر ويعتقله هنا ، وازداد الخواجه توتر وعصبيه .... في تلك الليله دخلت لويزا الخماره ، سيده جميله انيقه شكلها مختلف عن كل الفتيات الجالسات في خمارته ، دخلت لويزا الخماره واقتربت منه ، ابتسمت له ، طلبت كوب ماء ، ضحك وقدمه لها ، عرفته بنفسها ، لويزا ، ضحك ، لايمكن تكون لويزا ، ضحكت ، ده اسم الشهره ، جمالها مصري غجري ، شرحت له ، جايه من اسكندريه علي باب الله ، تلفت الخواجه خلفه ، هنا ، ضحكت بميوعه ، مافيش احسن من هنا ، وبسرعه تعارفا ، قصت له قصه لم يلزمه تفاصيلها ، الخلاصه ، دخلت خمارته تعرض عليه تعمل عنده ، ابتسم يتأملها جسدها ابتسامتها عيونها الفاجره ، تختلف عن بقيه الفتيات المحترفات ، هن عاهرات لايمكن لاي شخص يخطيء فيهن ، اما هي فسيده محترمه ، هكذا يبدو عليها ، سيده محترمه جميله مثيرة ، ادرك يني بحسه التجاري ان ستكون الفرخه التي ستملأ خزائنه بالذهب ، نسي هلتر والحرب واوربا واجلسها امامه علي البار ، ظهرها للخماره وزبائنها ، يتأمل نظرات الاشتهاء التي تلاحقها من ظهرها ، همس لها ، انت مكانك مش هنا ، شرح لها ، سعرها سيكون اغلي من امكانيات الخماره وزبائنها الفقراء ، انت ماتروحيش لحد ، اللي عايزك يروحك ، لم تفهم ، شرح لها ، انت ملكه ، تقعدي في قصرك اللي عايزك يروح لك وكله بحسابه ، فهمت فانفجرا ضاحكين !!!!

لويزا حلت للخواجه يني مشاكله كلها دفعه واحده ، هي جميله مثيرة ستعرض في السوق بمهر غالي ، لكنها لن تذهب للزبائن علي المناضد الحقيره وسط كاسات العرق واسطال البيرة ، ستبقي في السوق للعرض فقط وحين يزداد الطلب عليها ، ستجلس في قصرها وعلي العاشقين يتعبوا حتي يصلوا اليها وهناك ، السعر اغلي والخدمه ارقي وكله بحسابه !!!!

سيشتري لها الخواجه يني قصرا ، تجلس فيه ، ليست وحدها ، بل ستأخذ كل البنات معها ، الخماره ستبقي للخمر وفقط اما بقيه الخدمات سيوفرها الخواجه في قصر المتعه ، هناك الفتيات والرقص والانوثه والاثارة ، هناك الرجال براحتهم ، هناك الاسعار اعلي ، و...... احب الخواجه يني لويزا ، احبها لانها ستكون مصدر رزقا وفيرا !!! وبدأت الرحلة ....

نهاية الجزء الاول
ويتبع بالجزء الثاني

هناك 3 تعليقات:

الحسينى يقول...

قرأتها من يومين واعجبتنى ولم أعلق علشان فى انتظار الباقى.
وكل يوم أزور المدونة لكن لا جديد :)
فى انتظار الجزء التانى

سفينة يقول...

لا أخاف الموت .... لكني اخاف ان أموت قبل ان أحيا

رائعة كتاباتك ، وتحيا مصر

دمتي بكل ود

قبطان

model يقول...

حلوة طبعا و مش ملتوتة لكن طويلة جدا و بما انها مقسمة بالفعل
فهل تقبل اقتراحي بتقسيمها على 7 تدوينات ستكون اسهل جدا في القراءة

لكن تحياتي لقلمك
موديل