مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 14 سبتمبر، 2013

امنيات العشق علي عتبات المقام .. الجزء الثالث





 ( 21 )
ولفين ياخدنا الأنين
لليالي ما الهاش عينين
ولفين ياخدنا الحنين
لواحةالحيرانين

يجلسا متقابلين علي منضده بعيده عن المدخل بجوار النوافذ الزجاجيه العالية ، امواج الشتاء الرماديه الغاضبه ترتطم ببعضها فينفجر الماء البارد شلالات تضرب في النوافذ تكاد تخلعها ، انه مكانهما المفضل ، كازينو الشاطبي ، والوقت الذي يعشقاه معا ، اسكندريه في الشتاء ، علي اعتاب النوة التي ستضرب غدا في المدينه ، فيسيرا مثل المجاذيب تحت امطارها الهادره علي الكورنيش لتبتل ملابسهما بماء الامواج الهوجاء القافزه من عمق البحر للشارع ترسم ملامح شتاء يعرفا معا كل تفاصيله ويعشقاها ، انت جاي ليه يايوسف .. سأله رؤوف فابتسم له ببرود ، اشوفك، اتمني اصدقك ، جاي ليه ، عايز اغير حياتي يارؤوف ، كل الطرق اتقفلت في وشي ، قلت اجي اقعد معاك يومين ، نتكلم ، نسهر عند بير مسعود واتمني ، ازورح ضريح سيدي ياقوت واترجي ، لعل وعسي المقفول يتفتح والصعب يهون ، يحدق فيه رؤوف ، انت من يوم ما ماما ماتت وانت تايه يايوسف حيران ، مش عاجبك حالك لكن مش عارف تعمل في نفسك ايه ، انت بتتكلم عن خمس سنين يارؤوف ، اه بقالك خمس سنين تايه حيران مش عارف عايز ايه ولا مش عايز ايه  ، علشان كده جيت لك يارؤوف ، جيت لك تساعدني !!!
حدق فيه رؤوف طويلا غاضبا منه ومن تصرفاته الحمقاء استقال من عمله و طلق زوجته يتخبط بلا دليل ولا هادي بداخله نوة عاصفه تتفجر ولابد تصل لذروتها لتنتهي ،  يشعر عجزا يساعده، للاسف يايوسف ، فيه مواقف كتيره في الحياه محدش بيقدر يساعد فيها حد ، مواقف صعبه معقده انت في واحد منهم يايوسف ، قصدي احنا في واحد منهم ، انت يايوسف محتاج تساعد نفسك ، الحقيقه محتاج تنقذ نفسك ، احتمال تنقذ بدر كمان !!!
رفع يوسف عينيه الدامعتين في وجه رؤوف وهمس ، لاحاعرف انقذ نفسي ولا انقذ بدر يارؤوف ، لازم معجزة !!!
وكاد يرفع عينيه للسماء يترجي ويتمني لكن الضباب الاسود والسماء الغائمه واعاصير النوة اغلقت في وجهه ابواب الدعاء فادرك انه يتعين عليه يساعد نفسه وينقذها !!!
ومازالت الدائرة القاسيه تحكم قبضتها علي رقبته .....

 ( 22 )
يـا مـن صـورت لـي الدنيــا
كقصيـدة شــــــــــعـر
وزرعــت جـراحــك فـي صدري
وأخـذت الصبـر

عامين بعد الطلاق ، صراع مع ابيها ، صراع مع اخوتها الرجال الذين ضغطوا عليها بعنف لتعود لاسماعيل وكفاها قله ادب ، صمدت امامهم جميعا ، كلمة بهاء الازميري ترن في اذنيها تقاوم كل ضغطهم وسخفهم وتقويهم في مواجهتهم كلهم ، هي بغير لوحاتها ميته لاقيمه لوجودها لحياتها ، ارجع لابن امه الحيله ازاي ، المره اللي فاتت خزقتوا عيني ، خلتوني مااشوفش وانا شايفه ، المره دي حتعملوا في ايه ، يصرخ فيها شقيقها الاكبر ، انتي اللي بوظتي العيشه ، مارضتيش تخلفي وسبتي الراجل متعذب ، ماكنتش عايزه اخلف وانا مش واثقه اني حاكمل معاه حياتي، ماكنتش عايزه اخلف طفل يربطني بيه وانا عايزه اجري ، ماله اسماعيل يسألها ساخرا شقيقها الاصغر ، اسأله ماله ، اسأله امه بتتحكم فيه ازاي ، اساله بيجي علي ازاي علشان يرضيها ،ازاي بهيني لصالحها ، انت اللي حاطه راسك براسها ، غلط ، راسي مش براسها ، راسي فوق راسها ، انا مراته الست بتاعته اللي مفروض انه بيحبها ويراعيها ، مش يجي علي علشان خاطرها ، حديث عبثي لاتجد منه طائل ، تنهيه كعادتها ببرود ، الموضوع انتهي وخلصنا ، وبعدين ولا قبلين ، حاشوف حياتي واعيش ، يستسلموا مؤقتا لعندها مصميين يعودا ثانيا وثالثا حتي يحطموا رأسها فتطيعهم وتطيع زوجها الذي كان والذي سيكون وتكمل حياتها زي كل بنات الناس ماهي عايشه !!!
تتشاجر معهم ويضغطوا عليها وتبكي وتصرخ وفي النهايه تتسلل لمرسمها ، الاوراق كبيرة والالوان صاخبه واللوحات تناديها لترسم وتبدع ، قررت ترسم القاهره التي تحبها ، بعينيها كما تحب تراها ، هذه الحديقه قضت فيها طفولتها في المعادي مع صديقاتها ، هذا الكوبري سارت فيه مع الحبيب الاول الذي نسيت شكله يرسم معها المستقبل ملونا وقبلما تصدقه سافر ، نسيت الحبيب وبقي الكوبري حبيبها مزركشا باحلامها الملونه ، هذه ساعه الجامعه التي طالما تمنت تصعد فوق قمتها لتري العالم كله تحت قدميها ، هذه جزيره الشاي في حديقه الحيوان والوز والبجع الابيض يسبح يرسم دوائر الفرحه علي وجه الماء ، هذا مدرج الكورة الذي جلست فيه وهي ترفع علم مصر يوم الفوز ببطوله كأس الامم الافريقيه ، هذه شرفه فندق سميراميس وقتما كانت طفله يصطحبها ابيها ليحتسي القهوه وتأكل هي الايس كريم كل يوم جمعه ، يخدم عليهم نادل نوبي بابتسامه ناصعه البياض ، هذا شارع الهرم بمزارعه واشجاره القديمه وقت الغروب والهرم يقف شامخا في نهايته ، الاماكن التي تحبها في المدينة ، الاماكن التي صنعت تاريخها وصنعتها ، الاماكن التي تركت فيها ذكرياتها وصنعت بها احلامها ، هذا هو معرضها الجديد ، مدينه اعشقها ، مدينه امنحها كل حبي فتمنحني كل حبها ، هذا هو المعرض الجديد الذي تشتغل في لوحاته ورسوماته ، تقضي بين لوحاتها والوانها كل امسياتها ، ترسم وتفكر وتتمرد وتتشاجر مع الحياه بالوان عفيه وريشه قويه وملامح حانيه دافئه للمدينة التي عاشت فيها فسكنتها ، مدينة اعشقها ، هل كانت تعرف مها وقت قررت ذلك المشروع الذي اعتبرته يكفي لعشر سنوات من حياتها وعشره معارض ، هل كانت تعرف ان عنوان المعرض والمشروع سيجلب لها وعليها كل ماعاشته ، هل كانت تعرف ان يوسف يبحث عن امرأه يعشقها فعثر علي المدينه والمرأه وبدلا من احتواءهما والعيش في العشق ، قتل نفسه والعشق وهجر المدينه وهجرها ، هل كانت تعرف مها ان كل مايحدث سيحدث بسبب رسالتها للمدينة التي تعشقها .. ولو كانت تعرف حتي ، هل كانت تملك تغير النصيب والقدر والمكتوب !!!!
ومازالت تسمع عبد الحليم يغني ، ياللي وانت بعيد معايا ، نفسي يوم تسمع ندايا ، تعالي تعالي !!!! وترسم لوحات المدينه التي تعشقها !!!!

( 23 )
بحياتك يا ولدى امرأة

قهوة سادة ، نطقا بنفس الكلمات في اللحظه التي سألهما النادل ، تشربوا ايه ، ابتسم يوسف وضحكت هي بصوت عالي ، شرح لها ، لازم القهوه تكون ساده علشان احس بطعم البن ، شرحت له ، لازم تكون ساده علشان ابتدي اليوم ، تداخلت كلماتهما السكر بيوبظ طعم البن ، انفجرا ضاحكين معا في تلك اللحظة ..
ليه الباستيل ؟؟ سألها ولاحظ  الجاكت الانيقة الزرقاء التي ترتديها علي بنطلون اسود ، ليه الباستيل ؟؟
ضحكت مرتبكه كأنها لاترغب في شرح نفسها ، سجن !!
عارف طبعا بس ليه ؟؟ لاني ماكنش ممكن اعشق المدينه الا لما اخرج من السجن ، تذكرة واحدة للخروج والدخول !!!
بس كل اللوحات روح واللوحه دي روح تانية ، عواصف من البهجه وشعاع حزين وسطها !!!
سجن يااستاذ يوسف ، ايوه ، كان ايه لزمه السجن وانت بتتكلمي عن المدينة التي تعشقيها ، يرسم خطوط ودوائر الورقه التي اعدها لتدوين اجابتها في الحوار الذي برر لنفسه لقاءها بسببه ، كنت بابعت رساله للحياه ان مافيش بهجه طول مافيه سجن ، وقلت افكرهم بشكله بحزنه بلونه ، علشان يقدروا قيمه الحرية اللي عايشين فيها واللي انا كمان بقيت عايشه فيها !!
يحدق في الجاكت الازرق ويبتسم ابتسامه لاتفهمها ، يدفن رأسه في فنجان القهوه ويرتشف بعضها ببطء وتركيز ، فتح علبه سجائره وعرضها عليه ، مابحبش السجاير لكن بحب ريحه الدخان ، وبسرعه تداركت ، الدخان مش ريحه السيجار ، حدق فيها وكأنه يتمني يسألها ليه لكنه صمت وغير مسار حديثه ، بس انا حاسك مش حرة ، حاسك لسه في السجن ، انا ؟؟ لاااا ، لو كنت شفتني في السجن ماكنتش عرفتني النهارده !!
طيب والازرق يافنانه !!!
ارتبكت بشده ، تمنت تنسج بينهما حواجز تمنع الطوفان الذي يحيط بسياجها القوية ، تمنت تعيده للحديث عن المعرض واللوحات ، تتمني لكنها لاتقوي ، طوفانه يحيي في روحها احساس نسيته منذ سنوات كثيرة ، التفاصيل ، هو يهتم بالتفاصيل ، ومن التفاصيل تأتي المعرفه والقرب والحب والكره ، يري تفاصيلها جيدا ، يزداد ارتباكها ، حاستني كتير علي ماتردي ؟ انتي لسه محبوسه في الازرق ، هدومك ، وصمت كأنه يعتذر ، كلامي ضايقك ، بصراحه وعفويه هزت راسها نفيا ، المرتين اللي شفتك فيهم كنتي لابسه ازرق ، ورسمتي الباستيل باضاءه زرقاء ، هل خرجتي منه ومازال يحتلك؟؟؟
صمتت طويلا تلملم بعثره روحها التي اجتاحها الطوفان ، اطلب لك قهوه تاني ، ياريت ، تعطي نفسها فرصه لتفكر في اجابتها علي سؤاله ، لايتركها تنظم افكارها ، انت فنانه وعارفه ان الازرق لوح اكتئابي ، المرحله الزرقاء لبيكاسوا ، لا مش اي ازرق ، ضحك يحسها تلميذه صغيره امامه تداري اجابتها الخاطئه في ورقه الامتحان ، براءتها استفزته ، استفزت الرجل الذي ماتت مشاعره مع سهام ، استفزت الرجل الذي مازال يجيد اقتحام الحصون وسلك الدروب الموصده والوصول لست الحسن والجمال ، انتبه في تلك اللحظه لوجهها الجميل ، ارتبك ، هل ستقتحمه مثلما اقتحمها ، هل ستغزوه مثلما يحاول يغزوها ..
قهوتك بردت ، همست تغير الحديث ، ارتشفها مره واحده وقلب الفنجان علي طرف الطبق ، انفجرت ضاحكه ، بتشوف البخت ، همس وقلمه يرسم دوائر متشابكه علي الورقه البيضاء امامه ، عمري ماحسيت اني عايز اشوف البخت زي دلوقتي !!!
انا فعلا لسه محتله بالباستيل ، لسه قضبانه جوايا ، لسه متعورة وماخفتيش ، و.......... اطمأنت له وهاهي تبوح بما تتمني تقوله لكن احد كان لايكترث !!! وشرحت وحكت وقصت عليه مالذي مرت فيه وكيف خرجت منه ، خرجت من الباستيل اه لكن لسه متعورة باطبطب علي روحي ، وانا رحت فين ، بعفويه همس فارتبكت ، غير اتجاه الحديث بسرعه لكن رسالته وصلتها وامتنانها وصله ،  انا طلقت مراتي من ثلاث سنوات ، عندي بنوته عمرها سته سنين ، هما في الكويت وانا قاعد لوحدي ، هاهو يبوح ايضا بما يتمني يبوح به ، دخان السجائر ينسج بينهما ممر امن يجعل الحوار سلس والكلمات مطمئنة والاسرار تنهمر علي المنضده مابين غربين كانا ولم يصبحا  ...
لا معنديش اولاد ، عايزه اخلف من اللي باحبه وانا عمري ماحبيت اسماعيل !!! اسمه اسماعيل ، مش لايقك عليك !!! انفجرت في الضحك ، هذا الرجل يرسل لها رسائل تفهمها ، تضحك اكثر ارتباكا وخوفا ، الفشل مخيف يااستاذ يوسف ، يوسف بس يامها ، يدك الحصون بسرعه وببراعه ، الفشل مخيف يايوسف ، بعد اول تجربه فاشله في حياتك تخاف لتفشل تاني فتفضل مكانك ، اضاف او ترجع لورا ، كل الدنيا تتحرك لقدام وانت ثابت مكانك فترجع لورا !!!
و................... ساعات قضوها معا ، يتحدثوا في اي شيء وكل شيء الا معرضها ولوحاتها ، ده تليفوني ، ياريت تكلميني ، مش حاخد نمرتك الا لو كلمتيني ، اصل وحدق في عينيها ، اصل الفشل مخيف يااستاذه مها ، قصدي يامها !!!!
و...................... بدا لكل منهما ان الايام سترسم بينهما شيء ما لايعرفاه بعد لكن شيئا ما بينهما ينسجه القدر ، بحلقات الدخان الرمادي الدافئه بانفاسه وفناجين القهوة المقلوبة والحصون التي دكت والحواجز التي رفعت والبوح المطئمن !!!!
مها ..... علي الرصيف امام الفندق صرخ وهي تتحرك بسيارتها ، ماتلبسيش ارزق تاني ، باكره اللون ده !!! لوحت له باصابعها تودعه وسؤال حائر علي شفتيها ، عرفت منين اني مش ناويه البسه تاني وتحركت ببطء وهي تسأل نفسها ، هي ايه حكايتك يايوسف !!!

 ( 24 )
خاصمني يا زماني
وارجع صالحني تاني
ناسيني الي جرالي
في العمر الاولاني

انا حاطلق سهام يارؤوف ، بتقول ايه يافندي انت ، بقولك حاطلق سهام ، خلاص تعبت اتخنقت ، مرهقه مزعجه كئيبه قوي ، يصرخ يوسف  ، صوته يضيع ويتبعثر عبر الاثير فلايسمعه  رؤوف بوضوح ، بقولك ايه ، هات بعضك وتعالي ، يومين علي البحر زي زمان نتكلم وافهم وبعد كده قرر اللي انت عايزه ، حاشوف ، همس يوسف  متعبا ، لا حتيجي ، صرخ رؤوف باصرار ، واغلق الخط قبلما يقل يوسف  اي كلمه اخري ..
في القطار هام يوسف  مع افكاره ، طلق سهام فعلا قبلما يتوجه للاسكندريه ، يعرف مالذي سيقوله له رؤوف  ، سيضغط عليه ليحافظ علي حياته الزوجيه من اجل بدر ، الاتستحق تلك الصغيرة تضحيتك لصالح اسرة مستقرة تقيها مااوجعنا وماعانينا منه ،  رؤوف يصدر ماضيه حكما علي كل الحاضر ، يتعثر كثيرا في الحاضر لان الماضي يملأ دروبه بالوجع الذي يعجزه عن التفاعل الحر مع الحياة ، القطار ثابت مكانه والطريق يجري باشجاره باعمدة النور بمحطات القطار المتلاحقه ، كله يجري والقطار ثابت ، كمثل حياتك يايوسف  ، كل شيء يجري حولك وانت ثابت مكانك ، تزوجت سهام ابنه خالتك  واختيار امك لانها ست بيت ممتازه وبتحبك وتعرف تلمك ، لكنها ياامي لم تلمني بالعكس دفعتي صوب العبث واللهو والجنون باندفاع احمق ، لاتفهمني لاتحس بي لاتقدر مشاعري لا تنصت لاوجاعي ، مستبده ، زوجتيني ياامي سيدة مستبدة تصورت ان اهم واجباتها في الحياه ان تعتقلني في دوائر الواجب والاصول ، الزوج المحترم يعمل والزوج المحترم مايعملش ، ولاني لست زوج محترم كما تري " نقاوة عينك " افسدت حياتي بالاوامر والنواهي ، افسدت حياتي بالتأنيب والتأديب ، تصورتني احد تلاميذها المشاعبين في المدرسه التي تعمل فيها ، احد تلاميذها المشاعبين عليها تعاقبه طيله الوقت عله يرتدع ويتأدب ، هذه " نقاوة عينك " ياامي التي افسدت السنوات السابقه من حياتي ولن اسمح لها تفسد ماتبقي من ايام وعمر ... طلق سهام وقرر يستجم علي البحر مع رؤوف عله يصالح روحه علي روحه ويستكمل حياته بلا وجع ، الا بدر !!!

 ( 25 )
إن كـنت أعـز عـليـك
فـخذ بيــدي


في الحديقة وحيدة بعدما نام ابيها واطفئت انوار الفيلا ، وحيده تسترجع في اذنها كلمات استاذها الدكتور بهاء الازميري ،  كنت في مجمع الفنون امبارح في زياره لمعرض صديق هناك ، دخلت معرضك بالصدفه ، ابتسمت وانتظرت رأيه ، تصورته سيحيها او يشكر في لوحاتها ، زعلت قوي يامها ، روحك شاخت وريشتك عجزت واللوح هزيله خرساء ، كأن واحده تانيه اللي راسماها مش انتي ، ارتبكت ، بطلي ترسمي يامها لغايه ماتخفي من اللي انتي فيه ، مقدرش ، يبقي اخلصي من اللي انتي فيه لو عايزه تفضلي ترسمي ، و وضع الاستاذ النقطه الضائعه في نهايه السطر الحائر ، وحسم لها امرها التي طالما عجزت تحسمه ، انتصر استاذها علي ابيها وتقاليد العائله وقرارها المائع بتأجيل الثوره وهدم سجن الباستيل والفرار منه للحياة الرحبه وافاق الحرية ..
مازال تتذكر وقع حديثها علي وجه اسماعيل ، بتقولي ايه ، عايزه اتطلق ، تعبت !! تلون وجهه مائه لون وتغيرت ملامحه مابين المشاعر المختلفه في نفس الثانية ..
هل سمعت احسن ، هل سمعت موافق ، هل سمعت في ستين داهيه ، هل سمعت كل هذا واكثر ، بمنتهي التكبر وساقه فوق الاخري وحذاءه في وجهها ودخان سيجاره الكوبي الكريه يكتم انفاسها ، وافق زوجها ابن امه والعائله الكبيرة علي تطليقها وبسرعه كأنه يتخلص من عبء وجودها في حياته واشترط عليها ، تمشي لما نتطلق ، افصح لها بعباراته مريرة انه لن يقبل ان تعود لبيت ابيها وهي علي ذمته ، موافقه ، وقضت الليله الاخيره في زواجها يقظه طيله الليل تنتظر النهار الذي سيمنحها حريتها و............. وقعت علي ورقه طلاقها وتنازلت عن كل حقوقها واغلقت الباب خلفها وخرجت من البيت وهي لاتعرف مشاعرها ، لاتعرف معني حريتها ولا انفصالها عن ذلك الرجل الذي التهم عشره سنوات من شبابها ، سعيده ربما راضيه احتمال هادئه ساكنه اكيد ، كل ماتذكره من تلك اللحظه صوت الزير الذي قذفته ام زوجها من الشرفه وهي تزغرد فرحه برحيل بوز الاخص من حياة ابنها !!! وحرية ، اخاء ، مساوة و...... تحررت من سجن الباستيل وخرجت للحياه الرحبة !! ومازالت في الحديقة وحيدة والليل مازال طويل !!!

( 26 )
مقدورك ان تبقى مسجونا
بين الماء وبين النار
فبرغم جميع حرائقه
وبرغم جميع سوابقه
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والاعصار
فالحب سيبقى يا ولدى احلى الاقدار


سنوات العمر مرت ، ومازلت تائه ، مالذي تبحث عنه يايوسف  فبددت ايام العمر في ارهاق وحيرة ، مالذي تبحث عنه ؟؟..
في غرفه صغيرة في فندق بسيط تطل نوافذه علي البحر ، ينام يوسف  علي سرير حديدي فقير والكوابيس تمزقه كمثل كل ليلة..
يري نفسه في الكابوس المعتاد هرما عجوز ، يري بقايا شعره الابيض مبعثرا فوق جمجمته المحطمة بافكاره وعذاباته ، يري نفسه هرما عجوزا ، يري عصاة ابنوس سوداء ملقاة باهمال مرير علي جدار الحجرة تفصح عن خطوات متعثرة تحتاج من يرعاه علي الارض الساخنه الملتهبة بشمس الصيف الجميل الذي حلم به ولم يعشه !!!
في الكابوس يري نفسه هرما يرتدي ملامح لاتخصه وملابس لاتعجبه ويدفن روحه في اعماق قاع نفسه ، يدفنها يحظرها لاتقفز فجأ تكشف حقيقته ولو لنفسه ، يدفن روحه التي يعرفها ويركن لروح بارده احتلته وقتما قرر يهرب من نفسه ومن اختياراته الصعبه ، مااسهل ان تهرب ومااصعب واشق ان تعود !!!
في الكابوس يراها تلومه بعيون دامعه ، لانه حطم باقي امانها وطمأنينتها ، تلومه بعيون دامعه ، مازال يذكر حوارهما الاخير تناشده يعود فيتكبر عليها وينكر هروبه ، تناشده ينقذ نفسه وينقذها فيضيق بحبها ومحاولاتها الدؤوبة لانتشاله من دوامات طوعيه قرر ينتحر فيها فلم يمت ولم يعش وتاه من نفسه ومنها !!
صوت البحر وموج الشتاء ورياح النوه يعصفوا بنوافذ حجرته الصغيرة ويزلزلوا اساسات الفندق الصغير القابع فوق الرمال الرطبه ويكادوا يقتلعوه ليهيم علي وجه العاصفه قشه صغيره تطيح بها الانواء حسبما تشاء ، يري نفسه يقبض علي القشه وكأنها ستنقذه لكنها تضيع وهو معها ، صدي الصخب ورعب الليل يقتحموا كابوسه فيزداد وحشة ورعب ، تأتيه بدر تلومه لانه تخلي عنها لامها ودفعهما للرحيل بعيدا عن حياته ، وليتك استبقيتني معك ، ليتك حافظت علي ، ليتك منعتها تحرمني منك ، لكنك ياسيدي كنت اناني لدرجه قطعت جذورك من الارض وحلقت كبالون فارغ تتلاعب به العواصف بين السحب الداكنه ، كنت ابنتك وكنت ابي ، لكنك قررت تخلص من قرارك الخاطيء بالزواج من تلك السيدة التي لاتشبهك ، تتخلص من قرارك نهائيا بكل اثاره ونتائجه بما فيها وجودي في حياتك !! يبكي بين يدي بدر ويتمني صفحها ، يتمناها تسامحه وتتفهم ازماته ، تبتسم مها في ركن قصي من الكابوس ، هي خارج المشهد وداخله ، بدر لم تتفهمك وانا ايضا ، من فهمك يايوسف  ، هل فهمت نفسك ، في الكابوس تنهمر دموعه بارده فيتعجب من هلاوس النوم التي تحيل الدمع الساخن لشذرات ثلج ازرق بارد تمزق بقايا اقنعته تبحث عن ملامحه التي تخلي عنها وقتما قرر يتوه بارادته واختياره في الحياه ، تبتسم مها ابتسامه تشبه الحزن والدموع ، لم تتوه يايوسف  ولم تخطفك الساحرات الشريرات ولم تكن ابدا مفعولا به ، لقد قررت يايوسف  ، قررت ، قررت تتخلي عن حياتك وتتلبس حياة اخري ، ربما تمنحك بعض المتع التي عجزت عن العثور عليها ، لاتبرر لنفسك مافعلته فينا انت وبدر وانا وكأن مغصوب مجبور ، هذه قراراتك يايوسف  فلا تلم الا نفسك !! في الكابوس مسح دموعه البارده والتفت لها وسألها ساخرا وماذا عن قراراتك انت ايتها الحبيبه ، مالذي فعلتيه في نفسك وفي حياتك ، لماذا تلومني ولا تلومي نفسك ، لماذا تحاسبيني ولاتحاسبي نفسك ؟؟ وانفجرت في البكاء فشاركها حزنها واستيقظ مرتاعا وكأنه يعيش الكابوس بحق وكأن مها وبدر يشاركوه احزانه واوجاعه ، كل في فراشه يبكي ، الكابوس  الجماعي الذي اعتادوا يعيشوا اوجاعه معا انتهي والفجر اوشك يشرق والنهار المتكرر بعذاباته الصغيره يطل بين ظلال اليقظه التي تنهي الليل وكوابيسه ، بدر تبكي في فراشها لان صلتها بابيها انقطعت وتلاشت ، تتمناه يأخذها في حضنه يهديء روعه كمثل كل الاباء الطيبين ، لكنه لم يفعل ولن ، مها تبكي في فراشها لان الرجل الذي منحته قلبها هجرها وقلبها واختفي ، تسير في الشوارع تبحث عنه في الوجوه الغريبه عله يكون مرتديا احدهم فتفاجئه انها تعرفت عليه فيكف عن المكابره والعند ويعود لها ، لكن لم تفلح تعثر عليه وهو لم يعود ولن ، يوسف  يبكي في فراشه ، يبكي لان بدر تلومه ومها تلومه ولان الحياة الصاخبه الملونه التي يعيشها الجميع لم تمنحه هو شخصيا الا اقتم وجوهها لم تمنحه الا دموع بارده ووحشه ، نعم هو في الاسكندريه فعلا ، في الفندق البسيط فعلا ، علي سريري حديدي رخيص ينام فعلا ، والنوه تعصف بالسماء والارض والبحر ، والموج يتقافز ويشب ويلتحم بالضباب الرمادي يزيده سوادا ، نعم كل هذا يحدث مثل الكابوس الذي لايفارق لياليه منذ سنوات بعيدة ، لكنه لم يهرم بعد ولم يهزم بعد ، ومازال يملك اختياراته ليعود وينهي التوهه والحيره ، لماذا تبكي اذن يايوسف  ، دعني اخبرك سرا انا الجنية الطيبه التي تقف علي عتبات نومك لاتقفز في كوابيسك ولاتحيلها لاحلام ملونه وطيبه وفرحه ، دعني اخبرك سرا ، انت تبكي لانك قررت الا تنقذ نفسك وكأن حياتك لاتساوي ، تملك لو اردت تنقذ نفسك ، لكنك لم تفعل ولن !!! و................. ومازال الخدر يذهب بوعيه ويعود ويراهم وكأنهم جميعا يبكوا والكوابيس تحتل ارواحهم والجنيه الطيبه تراقبهم عل احدهم يقرر في لحظه شجاعه ينقذ نفسه فتساعده ، لكن احد منهم لم يفعل ولن !!!!
ينتفض يوسف من الفراش والظلام يلفه يبحث عن تليفونه ملتاعا وجلا ، يتصل برؤوف ، اصحي ياروؤف وتعالي معايا ، انا طالع علي هناك ، علي ضريح سيدي ياقوت العرشي، فيه ايه يايوسف ، حاتعرف لما تيجي يارؤوف ، يالا تعالي ويرتدي ملابسه علي عجل ودموعه تنهمر علي وجه حائره مثله و................. علي سلم الضريح يقابل رؤوف ، فيه ايه ، محتاج المدد والعون ، تعالي نصلي الفجر وادعي لي ربنا ينور بصيرتي ببركه وشفاعه اولياءه الصالحين ، مالك يايوسف ، حسمت امري يارؤوف ، لازم حامشي ، الوقت حان ، وبعدين ؟؟ نصلي الفجر ونتكلم ، بعدين دي اللي حنعرفها بعدين!!!!
وارتفع صوت الآذان عاليا فهمس يوسف ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، ونظر لرؤوف بعيون دامعه فلمح دموعه تنهمر علي وجهه ، لعلهما معا في تلك الثانيه تذكرا ان سيدي ومولاي ياقوت العرش لايؤذن إلا إذا سمع الأذان من عند العرش ، لعل قلبيهما ارتجفا وسبحانك ربي جل جلالك ومدد ياسيدي ياقوت مدد !!!!

( 27 )
قد تغدو امرأة يا ولدى
يهواها القلب هى الدنيا

انا صاحية لو عايز تكلمني ده تليفوني ... رساله وصلته في منتصف الليل بلا توقيع ، ابتسم ، هي ، تأخرت كثيرا في اتصالها ، خائفه ، مازالت في زنزانتها حبيسه الماضي واوجاعه ، حدق في كلمات الرساله وابتسم ، مستيقظ يقرأ في كتاب لايعي معاني كلماته ، النوم يجافيه والوحدة تؤرقه وهي بعيده تخاف تقترب ، ستقترب ، يؤكد لنفسه ، رسالتها التي وصلته في لوحاتها تؤكد انها ستقترب منه ، يخاف عليها من وحشة روحه التائهه ، يخاف عليها فراشه رقيقه تحترق بنيرانه المستعره حيره وصراع ، يحدق في كلمات الرساله ويرددها علي مسامعه كأنه يسمع صوتها ، يري وجهها ملامحها عينيها المتوهجتين وجنتيها الوردتين ، يتمني يسمع صوتها ، تؤنسه في الليل الموحش الطويل ، مازالت تخافه وتخاف الاقتراب منه ، ابتسم فرحا ، الوصل بينكما امتد ياابو حجاج والا ماكانت خافت منك ومااحتاطت ، قلبها الصغير كالعصفور الاخضر ارتعش بوصلك يايوسف ، وخوفها ايه ، يحدق في الرساله وينفث حلقات الدخان ويتذكر مقابلتهما الاولي ، والقهوه الساده والمدينه التي تعشقها ووجعها المشحوذ يمزق روحها والخوف من الفشل ، و............ يرد عليها ، انا كمان صاحي وانتي عارفه نمرتي و............ يرن تليفونه المحمول فيفتح الخط وبسرعه ويسمع صوتها متهدجا مرتبكا ، ويشاكسها ، ايه اللي مصحيكي لدلوقتي ، كنت بارسم وايه اللي فكرك بي ، صمت ، يتمناها تقول له بافكر فيك علي طول ، يتمناها تقول له انا اشتاقت له ، يتمناها تمد الوصل بينهما وترتق جروحه روحه المبعثره حيرة ، وحشتني وارتج بدنه وروحه ، ضربته بالقاضيه في قلبه ، انتي وحشتيني اكتر وسقطت الحواجز وانهارت الحصون واشوفك بكره ، ولولا اني عاقل كنت قلت لك دلوقتي ، وانفجرت في الضحك كهديل الحمام ضحكا حنونا دافئا و................. تلونت احلامه واشرقت الشمس في منتصف ليله مائه مره كلما داهمته ابتسامتها الحلوة في الحلم و................. انت وحشتيني اكتر وغلاوتك عندي ، وحشتيني اكتر واحس يقظا وغافيا ان الحياه اجمل واجمل ...

( 28 )
والغافل من ظنّ الأشياء
هي الأشياء!

وقف القطار في طنطا ، ابتسم يوسف  ، شالله ياسيد يابدوي ياشيخ العرب ، شالله يااولياء الله الصالحين شالله يااصحاب العشم والشفاعه ، وقف القطار في طنطا في طريقه للاسكندريه ، سيقابل رؤوف ويحكي له ومعه عن مها ، الحبيبة التي غيرت الحياة وستغيرها للاجمل ، فنانه يارؤوف فنانه ، موهوبه مبدعة جميله قوي ، هي نصي وانا نصها واحنا الاتنين مع بعض بعض بجد ، صمت رؤوف طويلا ثم بادره ، تعالي يايوسف نتكلم ، انت متلخبط الايام دي ، متلخبط قوي وانا خايفه عليها منك !!!
ضحك يوسف ضحكات متلاحقه ، مش قوي كده يايوسف ، وبعدين مين قالك ، مش جايز هي اللي تعدل حياتي البايظه ، تنهد رؤوف وهمس ، طيب تعالي يايوسف نتكلم ، حاستناك الخميس الصبح في كازينو الشاطبي ، سلام ، تضايق يوسف من مكالمه رؤوف ، لماذا لم يفرح بقصته مع مها ، لماذا لم يتفائل ويقويه ويسنده روحه ويدعم اختيارته ، لماذا افزعه بكلماته فارتعش قلبه اكثر واكثر ...
القطار مازال في طنطا والمسافرين يهبطوا ويصعدوا والقطار واقف مكانه ، روحه هناك في المقام ، مقام السيد البدوي شيخ العرب وفي ضريح سيدي ياقوت العرشي ، احس شوقا جارفا لسيدي ياقوت ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، الليله ، هكذا قرر ، سيذهب للضريح ويصلي ركعتين شكر وركعتين شوق لله ولاولياءه الصالحين ، اهديني ونور بصيرتي ياابو مهجه ، اهديني ونور بصيرتي للي فيه الصالح والخير ، طمن القلب اللي حار واحتار والروح اللي تعبت وتاهت وردت، اهديني ونور بصيرتي ياابو مهجه ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، مازال القطار واقفا في محطه طنطا ، ومازال يوسف  يهذي ، كأنه اختطف للضريح ، ضريح سيدي ياقوت العرشي ، كأنه اليمامه التي حطت علي كتف ياقوت العرش وصحبته للقاهره تشكو ذبح فراخها الصغار ، جيتك ياسيدي في حضرتك ومكانك ، هناك الحاجه متلبيه لما القلب يسلم نفسه لصاحبه ، هناك الدعا مستجاب لما الروح تطيع وترضي ، جايلك ياسيدي ياقوت حيران تايه ، الدنيا كلها مشيت وسابتني ولما قلت هي اللي مافيش غيرها يهديني ، رؤوف قاوحني ، رؤوف صاحبي ماانت عارفه ، ياما انا وهو جينا وصلينا واسترجينا ، رؤوف قاوحني وخوفني ، ثبت مكاني اكتر ، وقفت مكاني لما رجعت لورا ، جيت اشكي لك واستجير بيك وماينفعيش غير شفاعتك جمد قلبي وقويني وعلي الحق ثبتني وافتح لي الدروب المقفوله وهون الصعب ونور بصيرتي ياابو مهجه ، تنساب دموعه علي وجنتيه ارتباكا ، شوقا للضريح وصاحب المقام ، شوقا لامه التي رحلت وتركته وحيدا ، شوقا لبدر التي ابعدها وتلظي ببعدها ، شوقا لمها التي احبها ويخافها ويخاف منها وعليها ، يبكي ويبكي والقطار يتحرك ببطء ببطء ومازال الطريق طويل ياسيدي ياقوت ، مدد يامولانا مدد ، قويني وخد بايدي !!!

( 29 )
أطهر قلوب الدنيا قلب اللهيب
أصدق لسان إن كان لسان اللهب
جنون غضب بعد السكون الرهيب
تصفى النيران وتبان حقيقة الدهب


وسط الظلام الدامس وصوت قرآن الفجر يلف الصحراء يزيدها ورعا ، ايقظه الشيخ علي ، يالا يايوسف ، تحرك بسرعه متدثرا بغطاء صوفي خشن متعثر الخطوات الثقيله في ركام الرمال العميقة ، حاول ينام في السياره لكن الفضول ايقظ كل اعصابه فعجز عن النوم طيله المشوار الطويل، الشمس تشرق ببطء علي الصحراء الغامضه فتكشف بعض اسرارها رويدا رويدا ويتحول الازرق الداكن لحمرة باهته ثم لهيب حارق ويتجلي النهار ساطعا تخيم علي لحظاته الاولي حرارة اغسطس ولهيب ريحها العاصف يتلاعب بالسيارة وسط تلال الرمال و............. يغمض يوسف عينيه ، الغيبه طالت والبعد كمان ، انت تقامر يايوسف تقامر بكل ماتحبه ، يبتسم ، قامرت وقضي الامر وامر الله غالب ، لما حترجع حتكون مش انت وجايز تلاقي الدنيا كلها مش زي ماسيبتها وجايز ترجع تلاقي مكانك ، انت وحظك بقي ، بس كل اللي حصل كان لازم ، تختبر نفسك وتعرفها ، تستقوي علي قلبك وتقسي عليه ياطابت يااتنين عور ، تسكن الحركه فجأ فيفتح عينيه يكتشف اين ذهب به الشيخ علي ، انزل يايوسف ، انزل ياولد ، كل حاجه متجهزه ومنتظراك وربنا يقويك ويقدرك علي اللي متقدر لك و........... يدخل تحت سقف خيمه كبيرة ، يناوله احد الرجال سطل ماء كبير بارد ، اشربه لاخره يافندي ، اشربه وحتشكرني ، يسحبه اخر من يديه ، اخلع كل خلجاتك وسلمنا نفسك ، يهز الشيخ علي رأسه ليطمئنه ، قوي قلبك ياولد ، ينام علي كنبة خشب فيسكبوا علي جسده زيوت نافذه الرائحه ويدلكوا جسده بها ، يحس الزيوت تتسلل من مسام جسمه لقلبه وروحه ، رائحتها تجري في عروقه ، تنفذ لرئتيه ، يسعل يضحكوا ، لازم كده ماتقلقش يافندي ، ومازالت كفوفهم الماهره تجري فوق جسده اقوي واقوي ، تدفن الزيوت العطريه تحت جلده ، ايه ده ، عطر لزوم الدفن !! يكاد ينتفض يوسف ، دفن ، ايوه يافندي خليك مكانك ودلوقتي تعرف كل حاجه ، وتتسارع كفوفهما علي جسده ويحس السماء تسقط علي قلبه والهواء ثقيل وحراره اغسطس تمر علي جسده المسجي بالزيوت الثقيله تسخنه وتسخنها وتفوح الروائح الثقيله في الجو ، ينهوا الرجال بسرعه من مهمتهما ، يناولوه سطل من الماء البارد ، اشرب يافندي ، يسكبا عليه سطل اخر ، ينتنفض جسده القوي مصعوقا بالماء المثلج المنساب علي جسده الساخن ، يسحبوه من ذراعيه ويسايرهما خاضعا حتي حفره عميقه في الارض ، انزل يافندي ، يتوتر يوسف ، يضحك الشيخ علي ، ياولد لكل اجل كتاب ، لو عمرك حيخلص هنا يبقي هنا ولوين حتفر من قدرك ، انزل ياولد ، رائحه الزيوت العطاره تزداد كثافه في الجو وتغلق انفه وتطبق علي شفتيه ويحس الكون يتشرنق حوله ويكاد يسمع نحيب امه وكأنه مات وكأنها تنعيه وترثيه وينزلق جسده في الحفرة العميقه ، عاريا كما ولدته امه الا من شرنقه الزيوت الثقيله التي تزيدها الحراره ثقلا وسخونه ، الحفره ساخنه بل لاهبه جدرانها تفح حراره وارضها التي القي عليها جسده ساخنه وكأن جمر من نار يشتعل تحت جسده وبسرعه القوا عليه الرمال حتي غطته تماما ولم يبقي الا رأسه فوق الارض واغمض عينيه واستسلم لقدره وللنصيب ، دوار هائل يلف به وبرأسه ، يشعر وكأن الحفرة تدور به فتدور رأسه ، تاره يراها مدفونه تحت الرمال الساخنه وتاره يحسها تتمزق وتكاد تتحطم بفعل دماء ساخنه تجري تندفع من جسده المشتعل لرأسه ، تاره يتمني يبكي وتاره يكاد يصرخ ، خرجوني ، وتاره يستسلم لمصيرة و............ يجتاحه العطش والريح الساخن يمر علي شفتيه يمزقهما بسياط حارقه ويتوه رويدا رويدا ، يتوه وكأنه احتسي مائه سطل من عرق البلح ، يتوه ويسمع صوته وكأنه يهدي ، يسمع صوته يناديها ، يسمع صوت نحيبه توحشه ويشتاق لها ، يسمع صوته يناديها يتمناها تدفن معه في تلك الحفره الملتهبه ، يتمناها ترقد بجسدها البض فوق جسده الصحراوي الخشن ، يتمني يحتويها بين ذراعيه ويغلق عليها صدره ويخفيها بين ضلوعه وينام علي دقات قلبها ، ماله يشعر وكأنها اتته في الحفره ، يفتح عينيه يري اشباح تتحرك حوله، يسمع اصواتهم بعيده ، يري الشبح منهم اربعه وخمس، الزيوت تسيح فوق جسده تحت الرمال الملتهبه ، تتسلل لمسام جلده وتطرد منها الماء المشبع بالسم بالهم ، تسلل لروحه ترياقها تشفيها من سموم تجاربها الموحشه ، ومازال يهذي ومازل يناديها ، يتمناها تصفح عنه ، تحلق روحه بعيدا عن الجسد المدفون في الحريق ، تحلق صوب الضريح يصلي ركعتين لله ويبكي ويرجو ويتمني ويتوسل ، تحلق صوب حجره نومها ، تتسلل روحه بجوار فراشها ، يسمع صوت نحيبها في حلمها فيغضب من نفسه ، اوجعها دون قصد ، اتته في حياته قبلما يستعد بما يليق بها لاستقبالها ، احبها وفر بمنتهي الانانيه مقامرا بكل ماحلم به ، اما اعود لكي كما اليق بكي واما ارحل عنكي بما يليق بي ، ومازالت المياه المشبعه بالسم ورائحه الدواء تتسلل من جسده المدفون في اللهيب ومازالت الزيوت العطريه تتسلل محلها للخلايا تطهرها وللاوجاع تزيلها وللندوب تطيبها ولروحه تسموا بها فوق كل ماعاشه استعدادا لما سيعيشه و............................ يناديها بصوت هادر ، ردي علي ، ردي علي ، ردي علي و......................... تنهمر الامطار البارده فوق روحه بردا وسلاما ويفتح عينيه ليجد جسده ملفوفا في كتان مبلل بالثلج ينتفض استيعابا لكل مامر به ، يفتح عينيه ليجد الشيخ علي ومعاونيه مبتسمين ابتسامه الطمأنينه والراحه يهنئوه بسلامته فرحين له بخروجه عفيا من مامرفيه ، تتساقط قطرات الماء البارد علي شفتيه ويناوله الشيخ علي تمره صغيره واخري اصغر ، استحلبها ياولد ، خد عسلها وسيبك نواها لعدوك و................. بعد ساعتين يرتدي جلبابه فيأخذوه وهو يترنح لمكان الحفره ويشاوروا له عليها ، مغطاه بالماء حتي سطحها ، ده السم اللي كان مالي جسدك وواكل عافيتك وصحتك ، يقترب من الحفره ، رائحه الماء الاسن فيها مألوفه لكنه لايميزها ، كل قرص برشام خدته طول عمرك طلع سمه هنا ، يضحكوا وبقيت كده صاغ سليم والقلب حديد والروح عفيه ومتعافيه وماناقصكش الا العروسة و............... يرن في روحه صوت الشيخ علي ، مايدفي القلب الا وليفه !!!!
وحان وقت العودة لحياته التي كانت ليعيشها بالانسان الجديد الذي صار و............... وجه مها وابتسامتها لايفارقاه ، اخيرا ااقدر اجي واقولك بحبك ...



نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع



هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

للوهلة الاولي : و مع القارئة ...تحسي انك بتوصفي مجموعة ..من الاهل و الاصدقاء .... في حياتهم ... لدرجة اني حسيت نفسي في اكثر من موقف فيهم كياسر ؟؟؟؟

تحياتي و في انتظار الجزء الرابع

ياسر ...أبو محمود

غير معرف يقول...

مجدي السباعي

دائما وابدا في كل كتابتك تدخلين في التفاصيل الدقيقه الامر الذي يجعل قارئك يحس انه بطل لروايتك او علي الاقل جزء كبير جدا منها وخاصه وانت تدخلين في أعماق حزنه الامه وما لا يستطيع حتي ان يصارح به نفسه
اللي اللقاء في الجزء الرابع والأخير
وعنواني لهذا الجزء الثالث من كلماتك

القطار الثابت والكل يتحرك حوله المباني والاشجار والأعمده

غير معرف يقول...

مجدي للسباعي

يتعثر كثيرا في الحاضر لان الماضي يملأ دروبه بالوجع الذي يعجزه عن التفاعل الحر مع الحياة ، القطار ثابت مكانه والطريق يجري باشجاره باعمدة النور بمحطات القطار المتلاحقه ، كله يجري والقطار ثابت

أسامة جاد يقول...

الطقوسية أيضا واحدة من السمات المتميزة في نصوصك يا أميرة .. الاهتمام المعرفي بالطقوس الشهبية على تمايزها ورسوخها في الوعي الشعبي .. أجد ذلك في معظم نصوصك التي يجمعها كلها الهوى المصري على تنوعها .. وتأتي طقوس الصحراء في هذا الجزء لتشكل المحور الأكثر حضورا في الحكاية .. ربما عانت بدايات هذا الجزء من توقف في تقدم السرد مع استعادتها لتفاصيل أصبحت معلومة في وعي القارئ .. وربما فترضة أيضا: طلاق مها - طلاق يوسف .. وبدايات الارتباط العاطفي بينهما ومفاتيح هذه البدايات .. غير أن القفلة المدهشة بما فيها من غرائبية ودهشة لا متناهية استعادت الإيقاع مجددا وأعادت له النبض .. تصوري أن المشهد كان يشغلك بالقدر الذي جعلك تؤجلين الوصول له بالدوران في أكثر من دائرة ساكنة قبل الوصول إليه .. ربما لإحكام أكثر ودهشة امتاعية قصوى .. تنسجين غزلك بيد ثابتة وبقدرة ولا تفلتين التفاصيل