مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 23 سبتمبر 2012

وجع .. في دروب الوصال والوحشة .. الجزء الثاني



الجزء الثاني



الحياة من غير لقانا مش حياة 
ام كلثوم



الحياة من غير لقانا مستحيل 
راغب ، منال 


( 11 )
النساء

من قال ان النساء خلقن للحب ؟؟ جالسا في الشرفة البحرية للفندق والظلام دامس حوله ، يكلم نفسه ، راغب .. من قال ان النساء خلقن للحب ؟؟ النساء خلقن للوجع !!!
امي وجدتي وصفاء وابنتي ، لم يمنحوني الا الوجع !!!
حب النساء لعنة ، لعنه كمثل لعنه الفراعنة واشد ، تمنحهن قلبك فيمزقوه وكأنهن لايقصدهن ويبكين لانك تدافع عن نفسك من وجعهن وتحتمي من حبهن داخل نفسك تقيها شر وجعهن !!
ضحك راغب ضحكات متلاحقة وكأنه مجنون ، انتبه ، بل انت مجنون فعلا ياراغب !!!
النساء خلقن للمتعة ، تذكر راغب طابور النساء الطويل الذي تعثر فيه من اللحظات الاولي التي توحشت فيها رجولته ، النساء خلقن للعبث والمتعه وساعة الحظ التي لاتتعوض ، حاول راغب يتذكر ملامحهن اسمائهن فشل تماما ، كثيرات متشابهات ، نعم متشابهات ، عندما يترك الرجل نفسه كالقشه العائمه فوق وجه الحياة وامواجها ، يتعثر في نساء كثيرات متشابهات في الملامح والجسد والكلمات والضحكات والميوعة والروح !!
انتبه راغب لنفسه ، هل لهؤلاء النسوة روح !!!
ارتفعت ضحكاته اكثر واكثر .. مجنون ياراغب بلا شك ، حوارك يكشف جنون كامن انت تعرفه في نفسك والاخرين لايعرفوه عنك وحين يكتشفوه لايصدقوه !!!
يضحك اكثر واكثر ، لست مجنون ، بل انا حكيم فليسوف انظر للحياة نظرة مختلفه عن تلك التي اعتادها الاخرون !!
هذا في ذاته دليل جنون ، ماتقوله منتهي الجنون !!!
جالسا في الشرفه البحريه وهواء البحر يضرب في وجهه وروحه فيشعر قوة وحيوية وصفاء عقلي وسكينة ، الظلام دامس الا من بريق بعض النجوم البعيدة ، يضحك ويضحك وكأنه خدر تلاعبت الغيبوبه بوعيه ..
ليه النجوم بعيدة ياراغب ؟؟
النجوم بعيدة علشان محدش يوصل لها ، ببساطة !!
ضحك ، لا ، بعيده علشان مش موجودة ، كانت موجوده ومابقيتش ، اللي فاضل ضوء بعتته قبل ماتنفجر ، والضوء يادوبك وصلنا بعد رحلة طويلة في السنين الضوئية ، وعلي ماوصلنا كان النجم انفجر وتلاشي في الفضاء الواسع !!!
وبعدين ؟؟ ولا قبلين ، النجوم البعيده الجميله مش موجوده في الواقع !! كل حاجه حلوه بجد ، مش موجوده في الواقع ، مجرد خيالات كل واحد يحسها بطريقته لكن مش موجوده !!! فعلا ؟؟
هل تهذي ياراغب ، هل انت نائم يارجل وعينيك مفتوحتين ، مالذي وضعه الطاهي في طعامك فافقدك عقلك ودفعه لدروب الهذيان ؟ مالذي شربته ليهرب بك من كل الاسئلة الهامه التي تحاصرك لتلك التهويمات الغريبة التي تغرق نفسك في غموضها !!
تذكر منال ، لست من النساء اللاتي خلقن للعبث ياسيدتي ، اعرف هذا عنك وافهمه !!! اذن انت ياسيدتي للاسف ، من النساء اللاتي خلقن للوجع ، كمثل امي وابنتي ، احبك فتوجعيني ، احبك فتمزقي قلبي وتبعثريه ، احبك فتوجعيني !!!
هل عرفت لماذا ياسيدتي افر منك ، انقذ نفسي من وجعك ، احمي روحي من اجتياحك الموجع المؤلم ، هاانا شرحت لكي كل مااشعر به ، انصحيني ، كيف احبك واتقي وجعك ، طمئنيني ، اثبتي لي بطريقة عملية ودون كلام كثير ، ان في الحياة نوع اخر من النساء ، لم يخلق للوجع ولم يخلق للعبث ، بل خلق للحب الامن الحب الذي يطمئن الروح الشارده فتسكن الذي يعالج الوجع ويرتق الجروح ويشفي !!!
اثبتي لي ياسيدتي انك ستشفي جروحي وتطمئني فاسلمك روحك طائعا راضيا سعيدا !!!
يحدق في الظلام حوله ويتأمل النجوم البعيدة وضوءها الحاني وينصت لموج البحر وصوت ارتطامه ببعضه بالشط ويبتسم ... كل شيء في هذه اللحظه يذكرني بك ويناديكي لحضني ،  وحشتيني يامنال بجد !!!
يغفو في مكانه فينزلق بسرعه كعادته لرحم امه متكورا علي نفسه يستحلب اصبعه الكبير طمانينة مفقوده ويبكي مفتقدا حبل الامان السري الذي قطعته امه وقتما ماتت !!!

( 12 )
الحرمان

لم تنتبه منال لوجوده امامها في ذلك اليوم ، في ذلك اليوم لم تكن موجوده في الدنيا الا بجسدها ، روحها هائمه تبكي بعيدا ، تحلق فوق البيت القديم الذي تعيش فيه بناتها مع جدتهن العجوزه ، تلك السيدة العقربه التي خربت بيتها في الاول وخربته في الاخر ..
يومها منال لاتفكر الا في فاطمة وعائشة  والقاضي الظالم والجدة العقربه والزوج الخيخه الذي تحركه امه ويطيعها خوفا من غضب ربه فاغضبه بالظلم الذي كاله فوق راسها ، تاره وقت طلقها بعدما زنت عليه امه ليطلقها وتزوجه ست ستها ، وتاره وقتما حرمها من بناتها ، جريمة منال انها لاتنافق حماتها ولا تزورها كثيرا لانشغالها بعملها وبناتها ، الحما فسرت سلوك منال بانه جفاء غير مؤدب ، لم تتركها في حالها ولم تترك ابنها الوحيد يدير شئونه في المنزل مع زوجته بحرية ، بل حاصرته تشتم الزوجه قليله الادب التي لم تسال عليها وتشتمه لانه دلدول لمراته ومش عارف يكسر رقبتها وتشتم في بناته لان الام المايله حتربيه تربيه مايله زيها و........ طلقها مصطفي خضوعا لامه وبقيت  فاطمة وعائشة  في حضانتها حتي وزت عليه امه ثانيه باسقاط حقها في الحضانه ، هي بتشتغل ليل ونهار وسايبه البنات مع الخدامين ، ودول بنات صغار عرضنا وشرفنا ، واللي بلا ام حاله يغم و............ رفع مصطفي القضيه وصرخ امام القاضي بكلمات امه عن شرفه وعرضه المهددين وبناته الصغيرات الضائعات واللي بلا ام حاله يغم و............ ذبحها القاضي بالحكم وسلمت البنات لجدتهن التي استقبلت البنات بالزغاريط لان شرفنا منصان وعرضنا محفوظ و شرحت لهن وهي تمسح دموعهن ، ماهو انتم لابوكم في الاول وفي الاخر وهي امكم وحتفضل امكم ، لكن بما انكم بناتنا تتربوا زي مابنربي وتكبروا في حضننا وامكم موجوده حتروح فين يعني !!!!
كل هذا يمر كلقطات مخيفه امام عين منال وهي خلف شباك البنك والنقود مبعثرة حولها فتبكي وتبكي ، نادها المدير ونصحها تاخد اجازه عارضه وانت قاعده علي خزنه وتحت ايديك فلوس كتيره ومسئوليه النهارده انت مش قدها ، روحي يامنال ، وافقته وكتبت طلب الاجازه وقبلما تخرج من مكتبه نصحها ، يابنتي ، انا زي ابوكي او اخوكي الكبير ، شوفي نفسك ، انت مضيعه حياتك وشبابك علي البنات وفي الاخر ابوهم خدهم ، شوفي نفسك بقي وكفايه اللي راح .. يومها خرجت منال من غرفته تبكي بصوت عالي ، تذكرت عمرها اللي ضاع وايام حياتها التي تبددت والمجهود الذي بذلته مع بناتها وفي النهاية قرر  القاضي انها ام غير صالحة !!!
وسط كل هذا البكاء شاهدها راغب للمرة الاولي ، شاهدها وهي طبعا لم تراه ولم تنتبه لوجوده ، وحين تسوقها الصدفه مره اخري في طريقه ، لن تتذكر ذلك اليوم رغم انه سيذكرها به كثيرا ، لن تتذكره ، فهو كان يوم اسود كئيب ربما قرر عقلها الباطن محوه من ايام حياتها بكل تفاصيله ، بما فيها راغب !!!!

( 13 )
الحلم

يتكور علي نفسه ، يحتضن ساقيه بذراعيه ويدفن رأسه بين كتفيه وينكمش علي نفسه و.......ينام !!
لم تزره في احلامه ابدا ، فتاه جميلة يمارس معها الحب المقهور في زيجة فاشلة وعاهرات عابثات ، لم يأتيه صياد يمنحه سمكه ورزقها ، لم يمتطي جواد ابيض ويرفع سيفه ليفتح المدن والاراضي البعيده ، في الحلم فقط يعود للظلام والصمت والطمأنينة التي لا يعرف معناها ابدا الا بين جنبات رحم الام !!!
في الحلم ، يعود كتله هلامية تعيش في الظلام وخرس الصمت ، لكنه كبر الان وصار يعرف اكثر ، فيمنح من وعيه لتلك الكتله الهلاميه بعض معارفه ، فتدرك انها في رحم امها وان الحبل السري يربط حياته بحياة الام ، التي انجبته وماتت ، يتمني راغب لو بقي الحبل السري بينه وبين امه ، يتمناها لم تمت وتتركه في الحياه بلا طمأنينة ولا امان ، في الحلم يري الحبل السري يربط بينه وبين امه ، يراها انجبته وصار رجلا كبيرا لكن الحبل السري ممتد من فرعه لجذعها ومن جسدها لروحه ، وقتها ، فقط في الحلم ، يطمئن راغب ويبتسم ويتكور علي نفسه اكثر واكثر ويغرق في غيبوبه الظلام الذي يحبه والصمت الذي يطمئن فيه وينام بين جنبات رحم امه !!!
في الحلم ابدا لا تأتية منال ، مرة سألته ، عمرك حلمت بي ؟؟ ضحك ساخرا وكأنه يقول لها من انت لتقتحمي احلامي ، هز رأسه نفيا ، لا بيكي ولا بغيرك ، مابتحلمش ؟؟ سألته مستنكرة ، ضحك باحلم طبعا بس باصحي مش فاكر الحلم !!!
هل قالت له وقتها انه تعرف انه يكذب ، وانه يتذكر كل احلامه وانه لايريد يخبرها بما يحلم به !! لا لم تقل له شيئ وصمتت !!
هل قال لها وقتها انه لايحلم الا برحم امه وقتما كان كتله تسبح في سائل مظلم وصمت مطبق ، وقتما كانت دقات قلبها - التي لم يكن يعرف ماهيتها وقتما كان يسمعها تتسلل من التجويف جانب رأسه لقلبه - تطمئنه ، لكنه الان عرف ان الصوت المطمئن لقلبه وروحه هو دقات قلب امه ، لكن امه ماتت وتركته يتيما محروما من الطمأنينه ودقات قلبها ، ماتت لكنها تركت له روحها تزوره في الحلم وتمنحه رحمها طمأنينه وامان ، حتي ادمن الحلم بها وادمن طمأنينتها ، هل قال لها انه لايحلم الا برحم امه ، لا لم يقل وظل طويلا يخبيء ذلك الامر عنها ...
 هي غريبه ومازالت غريبه ، يحبها نعم لكنها غريبه عنه ، لم توشم روحه ببصمتها حتي تصبح بقيته فيعترف لها باسراره التي لايعرفها احد ، وقتما تزوره في الحلم ، ووقتما تمد الحبل السري بين روحها وروحه ، وقتما تفلح تجبر امه تغادر احلامه وتترك مساحاتها لمنال ، وقتها فقط ستصبح منال بقيته وبقيه روحه وقتها سيشعر بالطمأنينة ، وقتها سيقص عليها كل مامر فيه في حياته .... لكن كل هذا لم يحدث بعد ، لذا لم يقص عليها مالذي يعيشه ولايحلم به ، لم يقل لها في تلك اللحظه بالذات شيئا وصمت !!!

( 14 )
غيرة

عايزة اقابلك ضروري !!! صرخت في التليفون ...
طلبته عشره مرات ولم يرد عليها وفي المره الحاديه عشر ، رد علي تليفونها بصوت محشرج مثل صوت تكسر اوراق الخريف تحت الاقدام الثقيلة  ..
عايزه اقابلك ضروري !!!
مش قادر ، ومش وقته ومش حينفع ...
همس واغلق الخط والتليفون ..
بقيت تحدق في التليفون لاتصدق ماسمعته !!
لاتصدق صوته المتحشرج المخنوق !!
لم تصدق ماسمعته علي لسانه من رفضه مقابلتها !!!
اسبوع مر وهي تنتظره يخرج من صمته !!!
يغار عليها ويتشاجر معها وقتما يشعر الغيره تنهش قلبه ، يتشاجر معها ويصمت ويختفي !!! يتشاجر معها ويتشاجر مع نفسه ويتشاجر مع الدنيا كلها !! وتصمت هي وتنتظر انقشاع العاصفة الهوجاء ..
من اسبوع زارها في مكتبها ، كانت في اجتماع مع احد زملائها ، ارتبكت وقتما شاهدته علي باب المكتب المفتوح ، تعرف غيرته ، وتعرف تبعاتها ، رحبت به مرتبكه وانهت الاجتماع ، طلب قهوه وكلمها في حساباته وكأنه عميل غريب ، انهي اللقاء سريعا ورحل ...
من وقتها وهي تطارده تكلمه في التليفون تحاصره برنين تليفونه ولايرد عليها ، فكرت تداهم مكتبه ، تتشاجر معه امام موظفيه ، تصرخ في وجه عن سبب صمته ، فكرت تمزق وجه باظافرها غضبا واحتجاجا ، انت بتعمل معايا كده ، محصلش حاجه علشان كل ده ، هذا ماكانت تنوي تقوله في اليوم الاول ، كانت ستشرح له ، ده زميلي واتنقل الاداره عندي وكنت باشرح له حيعمل ايه بالضبط ، ده عيل صغير مش مقامك تغير منه !!! تعرف انه كان سينتفض مكانه وينكر انه يغير عليها ، وينكر انه يغير من الشاب الصغير ، تعرف انه كان سينكر كل مشاعره واحاسيسه ...
لكنه لم يسمح لها تشرح له ماشاهده بعينيه ، اعتكف وابتعد عنها وصمت تماما ، عاش حياته عاديه وكأنها ليست موجوده ، العمل والبيت والاطمئنان علي اولاده وعلي ابنته المهاجره ، النادي برتيته البريديج السونا ، سماع عبد الوهاب ، عاش عادي ، كأنه عادي ، فقط هي ليست جزء من تلك الحياه !!!
لم يكن عاديا بالطبع ، كان يحترق بالغيرة ، لايعرف لاحاسيسه مبرر ، الشاب صغير وهي مديرته واجتماعها عادي في عملها وباب المكتب كان مفتوح ، لماذا احترق بالغيرة ، السؤال يوجعه في ذاته ، كيف يغير من هذا الطفل كما سماه ، احاسيسه بالغيره في ذاتها اوجعته ، قرر يبتعد عنها حتي يعرف اجابات لاسئلته ، لماذا غار عليها ومالذي اوجعه ، طال الغياب ، وكثرت عدد التليفونات التي لم يرد عليها ، غيابه وصمته افقدها صوابها ، جنت من كثره الملاحقه ، سبته بكل الالفاظ التي تعرفها ، توعدته وقت تقابله بجنون لم يعرفه مثله ، كادت تحطم تليفونها ، غيابه افقدها عقلها ، ليه ياراغب بتعمل كده ، راجعت كل تصرفاتها ، كيف كانت تجلس وكيف كاني جلس زميلها الصغير ، وقتما دخل الحجرة مالذي كانت تقوله ، ملابسها ضحكتها شعرها نظره زميلها ، جنت وفقدت صوابها وقضت ليالي طويله تبكي ، وكأن احزانها كلها لاتكفيها ، وفقدان بناتها لايكفيها ، وفي النهايه وبعد ضني وسهر وهم ، في النهايه وصلت انها لم تخطيء وانه تصرف بطريقه حمقاء وقتما اختفي كل هذه المده وصمت كل هذا الصمت !!!
طلبته وطلبته وطلبته وفي النهايه رد عليها ، رفض يقابلها ، جن جنونها اكثر واكثر وقررت مع نفسها انهاء تلك العلاقه المرهقه التي افسدت حياتها ولم تسعدها وملعون ابو الحب ده علي ابو اللي بيحبوا !!!!ا 

 ( 15)
دموع

غلالات رقيقة من الماء الساكن ، هذا ماتراه منال حاجزا قيت منال في ذهنه سؤال بلا اجابه  مثل الحقيقه اسمعته مالايرغب يسمعه ، فتشاجرا وتشاجرا ، ونهما من صراعات طاحنه ، في الحلم اتاها رابينها وبين الاخرين ، تتراقص صورهم وملامحهم خلف تلك الغلالات الرقيقه المعلقه بين جفنيها ، ماء ساكن حارق لاينهمر ولا يختفي ، حاجب بينها وبين الاخرين ، جفنيها يرتعشا بسبب ضغط سيول الاسي القادمه من منابع حزنها لوجنتيها عبر الحدقات والرموش ، يضغطا علي جفنيها ويندفعا سيول مقهورة..
تجلس منال علي مقعدها المقدد خلف شباك البنك ، تري الشباك قضبان حديديه وتري نفسها متهمه خلف القضبان ، لاتعرف من قاضيها ومن جلادها ، لكنها تري نفسها خلف القضبان مدانه محكوم عليها بالقهر والعذاب ، لاتري نفسها في مكان عملها ، البنك الاستثماري الانيق ولاتري مقعدها الجلد المريح كما تحسه دائما ولا توزع ابتساماتها علي العملاء الاثرياء الواقفين امامها في الطابور الطويل ، لا هي مجرمه محكوم عليها بالقهر خلف القضبان وشباك البنك تحول لسجن ومقعدها الوثير تحول لدكه خشبيه موجعه وابتساماتها الدائمه تحولت لارتجافه الشفتين واحمرار طرف الانف ودموع منهمره لم تفلح في صد سيولها ..
العملاء يقتربوا من الشباك ويهمسوا بكلام لاتسمعه لاتفهمه لاتدركه ، تراهم زائرين لها في محبسها ، تتمني احدهم يقوي يكسر القضبان ويخرجها ، يعيدها من معتقلها لحضن بناتها ، لكن احد لايكترث ، الكل يبحث عن مصلحته التي وظيفتها تفرض عليها تحقيقها له ، تكاد تهمس ، انقذوني ، بل تهمس فعلا انقذوني ، لااحد يسمع !!!
طابور العملاء طويل امامها ، وحولها نقود مبعثره معتقله معها خلف القضبان ودموعها سيول سم ينهمر بعضها وتبتلع البعض الاكثر واليوم كئيب لم تشرق شمسه وبناتها نمن بعيدا عن حضنها في فراش بارد والطلاق الذي لم تكترث به وقتما حدث في فراشها والغطاء علي راسها وعينيها مغلقتين والصمت يلفها وكأنها نائمه ، همست منال ،  البكاء ، يتمني دائما يبكي ولايجد مبررا ، احافصح عن معناه الموجع في ليلتها الفائته وقتما باتت في ليلها وحيدة في شقة ساكنة مسكونة بالوحشه والغضب وصنبور المياه يدق فوق رأسها نقاطه المتلاحقه تذكرها بوجعها وغضبها وحالها المرزي وليلها الطويل الذي لاينتهي ولا تنفذ لحظاته الكئيبة ..
انقذوني ........  رفعت عينيها وحدقت لاتري احد في طابور العملاء ، لكن عينيها الباكيتين التقيتا بعينين حائرتين ، وكأن رسالتها وصلت من روحها المعذبه لروحه المتعبه ، انقذني ياسيدي ، حطم القضبان واخرجني من سجني ، اعتقني من عذاباتي وهون علي المي واحتويني ياسيدي ، رسالتها وصلت لراغب الذي لايعرفها ولايكترث بها ولا بالاخرين ، انتبه لوجودها ، رفع راسه المشغوله بافكاره يحدق في وجهها المتعب وعينيها الحمراوتين ، تمني لو تجاوز دوره في الطابور واقترب منها وهمس ، مابك ياسيدتي، ابتسم ، مجنون انت ياراغب ، سيسبك الاخرين وتتهمك هي بالجنون ، انت لست سوي غريب في طابور الغرباء وهي غريبه عنك ولاتعرفها ولن تعرفها !!!
وحين اصبح امامها خلف النافذه وقضبانها الصلب ، انتقل احساسها بالاعتقال والحبس لروحه ، مد يده المرتعشه بالشيك ، استلمته بيد اكثر ارتعاشا ، قامت بالاجراءات المطلوبه بتلقائيه رتيبه ، اخذت تعد النقود وتتعثر ، تسقط دمعه علي خدها فتداريها وتمسحها وتتمني ان احد لم ينتبه لها ، يعرف هذا الاحساس وقتما تداهمك الدموع وتكسر ارادتك وتنهمر رغم عن انفك ، يعرف ذلك الاحساس ، وقتما يتمني الارض تنشق وتبلعه ، يتمني يشرب دموعه بملحها بمرها ، يتمني احد لايري تلك الدموع تكشف عن ضعفه وحصاره وووهنه وهوانه ، هي تداري دمعتها وتتمني احد لايراها ، سيحدق في السقف حتي لايحرجها ، يتمني يهمس لم يري دموعك الا انا وانا لم اري شيئ ، مازالت تعد النقود وتتعثر ودموعها تتساقط كوخز الابر فوق روحها وروحه ، توحد راغب معها في حزنها ووجعها ، سيشاركها البكاء ، يتمني دائما يبكي ولايجد مبررا ، احزانه توجعه طيله العمر ودموعه جفت من كثر البكاء ، سيشاركها البكاء ، افلحت تجدد احزانه التي يدفنها ويواريها ، كاد يسالها مابك ، لكن زميلها الذي همس في اذنها بكلمات لم يسمعها غاردت بعدها المكان ولم تعد ، زميلها افسد لحظه جنونه التي كادت تتحول لواقع ، و.......... بقيت غائبة ولم تعد حتي استلم نقوده ورحل من البنك وبقيت دموعها المتلاحقه وكرامتها الجريحه ومحاولتها اخفاء وموارة حزنها يلاحقوه بقيه النهار حتي تغلب عليهم انشغالاته الكثيرة الاخري ، لكن تساؤله الحائر ، مابك ياسيدتي لم يغارده ابدا !!!!!ا

( 16 )
الحل

اسمعي ، احنا حاولنا كتير نبعد ومافيش فايده ..
هذا ماسيقوله لها ..
انهت العلاقة بينهما مرات كثيرة ، صارحته احيانا ولم تكترث تخبره احيانا اكثر .. انهي العلاقه بينما مرات كثيرة ، انهي العلاقة لاسباب مختلفه ، تاره لانه يغير عليها وهي لاتحترم مشاعره ، تاره لانها تتلاعب باحاسيسه فتختفي وقتما تريد وتعود وقتما تريد ومرات اكثر واكثر لانها لاتكف عن البكاء وكأنها عرفته لتبكي !!!
العلاقه انتهت مرات كثيرة في السنتين عمرها ، عاشا ايام الفرحة كثيرا والحزن اكثر واكثر ..
ارهقا من كل مايحدث بينهما ، فرت هي كثيرا وفر هو اكثر وتشاجرا وتقاطعا وصمتا طويلا ، وفي كل مره ، اي منهما او كليهما يبحث عن الاخر ، يتواصلا ويتحابا ويعيشا عشقا مجنونا مستحيلا ، يراقصها وتطهو له ، يذهبا الاوبرا ويعودا سيرا علي الاقدام فوق كوبري قصر النيل يحكي له عن بيت جدته في النجع البعيد وتحكي لها عن دموعها يوم مات ابيها وكيف سامحته عن كل الوجع الذي سببه لها في حياتها ، ينزل معها السوق تشتري ملابسها ويختار ويتشاجر ويغازلها ، تذهب معه لمقبرة امه وتشاركه البكاء ، يصرخ كالاطفال احبك ، ترتبك وتخجل ، ترسل له رساله غرام في منتصف الليل فيطلبها يتوعدها بمصير غرامي موجع وقتما يتزوجا ، لكنهما لايتزوجا ، سرعان مايتشاجرا لاي سبب وكل سبب ، يتشاجرا فيختفي ويجن جنونها ، او تتجاهله فيفقد صوابه ، مره توعدها يضربها ضرب مبرح كمثل التي كان يضربه ابويا الشيخ مرسي لنعجته البيضا ، ضحكت فغضب لانه كان يتكلم بمنتهي الجدية ، سيبي شغلك ، ضحكت ، عمري مااعمل كده ، تعالي نسافر نلف الدنيا ، وبناتي اسيبهم لمين ، تكلمه وقت المطر تغازله وسط انشغالات عمله وتطالبه ينزل يسير معها حافيا تحت المطر ، يضحك وتضحك ، تبكي ويجن جنونه ، يقتربا يتباعدا ، يتصالحا يتخاصما ، ينهيا العلاقه ويعودا كالمحمومين يحترقا من البعد ومن القرب !!!!
اسمعي ، احنا حاولنا كتير نبعد ومافيش فايدة !!!
ردت علي تليفونه بعد صمت طويل فقال لها ماقاله ، تعالي نتقابل زي الكبار ونتكلم ، ضحكت ، كان يوحشها جنونه وعقله ، عبثه ورزانته ، وكانت توحشه ، جمالها وطيبتها حتي دموعها !!!
قرر يدعوها لفنجان قهوة وقطعه شوكولاته ، ضحكت ، تاني ، حنعيده من الاول تاني ، ايوه ...
التقيا في صباح شتوي دافء ، صممت يلتقيا في المقهي كالغرباء مثلما التقيا اول مره ، وافقها ، باحب جنانك ، ماشي موافق !!
علي المنضدة جلسا متقابلين مرهقين منهكين ، انا بحبك وانت عارفه ، طبعا ، وانا بحبك برضه ، طبعا عارف ولكن ... تسارعت دقات قلبها ، هي لكن دي ، فيه مشاكل بينا يامنال ، مشاكل كبيرة ، لازم نعرف نحلها ، لازم نعرف نحلها !!!
وافقته ، لازم نعرف نحلها ، لاتقوي علي بعده ولا قربه ، لايتحمل غيابها ولا حضورها ، لازم نعرف نحل المشاكل دي ، لازم لازم !!!

 ( 17 )
صدفة

هل كانت تعرف في تلك الليلة الباردة التي قبلت فيها دعوة مديرها وزوجته علي العشاء ، انها ستقابل راغب !!
لم تكن تعرف ، ولو عرفت مااكترثت ، فهي لاتكترث الا ببناتها ، نعم تكلمهن كل يوم وتتابع شئونهن وكانها معهن في نفس المنزل ، لكن قلبها يوجعها طيله الوقت ، القاضي غرس حكمه كالخنجر المدبب فيه ، تتناسي كل مايحدث واحيانا تغفل عنه ، لكن الشوكة المدببة ووجعها الدائم يذكروها بكل ماحدث ، زواجها من مصطفي ، العميل الثري الذي اقتحم البنك بصخبه ، مطارادته لها ، غرامه بها ، افلح يجذب نظرها بعدما تراهنت موظفات البنك زميلاتها علي من منهن ستفلح في اقتناص مصطفي والزواج به وهو الغني الامور ابن العز ابو دم خفيف ، لم تدخل معهن الرهان ، وربما هذا ماجذبه اليها ، تجاهلته فانجذب لها ، تجاهلته اكثر فطاردها ، نهرته لانه يحاصرها فقرر يستحوذ عليها للابد وذهب وامه لامها لخطبتها ، هل فرحت يامنال بتلك الخطوبه ، سؤال تساله لنفسها الان بعدما وقعت الفاس في الراس ، زميلاتها فرحن لها وبعضهن احس بالغيرة تنهش انوثته وكرامته لان مصطفي تجاهل الحاحهن وخطب منال ، الفتاة التي لاتلفت نظر احد ، متوسطه الجمال هادئه صامته ، وان تكلمت لاتسايرهن في نكاتهن الخارجه وخططهم لاصطياد العرسان ، واحده من زميلاتها فسرت خطبه مصطفي لمنال بأنه رغب يتزوج امرأه عاديه لانهم لايقوي علي المثيرات الجميلات الملفتتات للنظر !!
نعم منال امرأة عادية .. او هكذا يظنها الاخرون ، انها امرأة عادية ،لكنها تختلف عن نساء كثيرات ، تتمايز عنهن بما تنكره تواضعا ، تعرف حق قدرها لكنها لاتتباه به علي الاخرين فيظنوها " عادية"!!
مصطفي تزوجها لانها امرأة عاديه " طوع " لن تتعبه ولن تتعب امه ، هكذا ظن ، وبدأت القصه وانتهت بسرعه ، زواج صمت خرس منزلي خيانات مهينة سطوة الام وقسوتها طلاق .. كل هذا تقبلته منال ، بوجع نعم ، بمرارة نعم ، لكنها تقبلته ، قذفته خلف ظهرها واكملت حياتها ، لم تكترث بفرحة الشامتات فيها وقت طلاقها ولم تبكي مثلما اعتادت المطلقات ، قذفت كل هذا خلف ظهرها وقررت تكمل حياتها وبناتها ،  فاطمة وعائشة  ، زهرتي حياتها الجميلتين حيت باغتتتها القضيه التي تصورت ان مصطفي سيخسرها بسهولة ، وحين كسبها وحرمت من حضانه ابنتيها لم تصدق ، وحين صدقت كرهت مصطفي وامه اكثر ، وبكت طيلة الوقت !!
في تلك الليلة البارده ، قررت تقبل دعوة المدير وزوجته، البيت خالي وموحش ، وصدي ضحكات البنات يرسم علي الجدران البارده دموعا ، والذكريات تلاحقها ، قررت تهرب من كل هذا وترتدي ثوبا انيقا وتذهب للعشاء ، قالت لها زوجة المدير ، اخرجي من اللي انت فيه ده ، ماهم بناتك برضه ، هما يعني راحوا فين ؟؟ لن تشرح وجعها وكفاها تحتفظ به في رحمها انصال مشحوذه تمزق امومتها ، وافقتها ، حاضر حااجي !!
وفعلا ، ارتدت ثوبا انيقا وقورا وعقفت شعرها وركبت سيارتها صوب منزل المدير ، المسافه طويله ، تسمح بسيول من الذكريات ، ضحكات البنات وهي تقود بهن بعد المدرسة ، لمساتهن الرقيقه علي وجنتها ، تحسهن في حضنها ، تحس صدرها يخرج لبنا دافئا ليطعمهن ويقويهن علي الوحدة والجدة العجوز ، المسافه مازالت طويله والدموع حاضرة والسيول فياضه والوجع حي ..
في تلك الليلة ، شاهدها راغب للمرة الثانية ..
مديرها دعاه ، ودعي بضعه رجال اعمال و بعض عملاء البنك المقربين له ، ودعاها وبعض موظفين البنك احباءه ، والسهرة ضيقة مقتصرة علي الحبايب كما قال المدير واكدت زوجته ..
ابتسامه مرسومه علي الوجه الباكي وشعر معقوف خلف عنقها وثوب انيق وبقايا دموع علي وجنتيها وانزواء في طرف الحجرة ..
هذه منال وقتما شاهدها راغب للمرة الثانية ..
في عزلة وسط الصخب ، تتابع مايحدث وتشارك في الحديث باقل القليل وتبتسم مرهقه تتمني لتعود لفراشها لتبكي ..
انتبه راغب لوجودها ، في البدايه لم يعرفها وسرعان ماتذكرها ، نعم ، هي نفسها السيده الباكية التي لفتت انتباهه في البنك ، هي نفس الدموع التي اوجعته ، هي نفس الحسرة التي تنبعث من روحها ، هو نفس الوجع !!
انتبه راغب لوجودها ، اقترب منها وحياها ، ردت ببرود ، لم يتراجع ، ذكرها بيوم لقاءهما الاول ، طبعا لم تتذكر ، طال الحديث وهي جالسه وهو متكيء علي طرف مقعدها ، ابتسمت زوجه المدير فرحه لان منال ستخرج من حالتها الكئيبه ومافيش زي راغب بيه ولا الطف منه !!!
و............... لو مايضايقكيش اخد رقم تليفونك !!!
اعطته تليفون البنك ، يعرفه لكنه شكرها وكأنها لم تفر منه !!
مين ده ، سألت ، فجاءتها معلومات كثيرة تخيفها منه ، ثري انيق وسيم بتاع ستات !!!
خافت منه علي بناتها ، تتمني ترفع قضيه علي طليقها وامه وتكسبها وتستعيد بناتها وحضنهن ، سمعته اخافتها ، وانا مش ناقصه مصايب !!!
لكن الخوف لم يفلح يبعده عنها ولا يبعدها عنه و......... بدأت الرحلة التي احتاجت اجابات كثيرة لتستمر !!!
اجابات كثيرة اعتكف راغب بعيدا عنها ليجدها !!!!
وبقيت منال تنتظره ليجدها ، وطال الوقت وطال وطال ...

( 18 )
لماذا ولماذا ؟؟

عندما يتجاوز الرجل الخمسين ويقترب من الستين ، ويغزو الشيب بقايا شعره الذي سقط و تحفر التجاعيد علي ملامحه اخاديد عميقة من الحكمة والتروي ، في تلك اللحظة ، يتصور البعض انه نضج وحان وقت العقل والتصرف بحكمه ، ويتصور البعض الاخر انه حان وقت الراحه وترك العمل والاستمتاع بالحياة و.......... يري البعض انه دخل او سيدخل المراهقة الثانية و........... ينتقي كل رجل سبيله ودربه ومااعد له ومايقوي عليه .. لكن راغب ابتعد عن تلك الدروب الواضحه وانتقي لنفسه دربا غريبا ، سيبحث عن اجابات كل الاسئلة التي حيرته طيله السنوات التي مضت وهو يجري في الحياه لايجد وقتا للتفكير في اجاباتها ، هو اللي حصل ده كله حصل ليه ؟؟ سؤال كتبه راغب بخط انيق علي ورقه بيضا علقها امام مكتبه يفكر فيه ويبحث عن اجاباته المحتملة ، ليه ؟؟ يتذكر منال ، وامه ، ومدرسه الفصل ، وجدته العجوز ، وطابور العشيقات والحبيبات ، يتذكر ايام العربدة في الحانات الانيقة والعاهرات اللاتي يفرضن انفسهن عليه حين يجذبه اليهن الاناقة والوسامة والابتسامة المتحفظة والصخب الذي يحدثه حوله وقتما يدخل اي مكان ، يتذكر صفاء ام اولاده التي تزوجها لانها تصلح زوجه وام ، ونفر من جسدها ليله الدخله وبقي نفوره طاغيا وهو يمارس معها واجباته المقدسه كزوج محترم فانجب منه ولدين وابنة بثها كل حبه حتي هاجرت مع زوجها لبعيد وتركته مره اخري يتلظي بالهجر والوحشة !!!ا
صفاء ، الزواج منها كان خطأ كبير ، رشحتها له جدته لحسبها ونسبها ، في اللقاء الاول تمني يهرب وبعد خمسه عشر سنه من الزواج هرب فعلا ، دفع لها كل مايقوي عليه واكثر وترك لها اولاده الثلاث والشقه والمفروشات واختفي من حياتها !!
وهو يوقع علي ورقه الطلاق سمع صوت جدته يتشاجر معه ، سكت ادبا ، لم يرد عليها ولم يلومها لانها صممت يتزوج من صفاء لتقيه شر " السرمحه " فدفعته صفاء دفعا للصياعه والانفلات بضمير مستريح لانه لم يجد معها ابدا ماكان يحتاجه من زوجته التي مفترض تقاسمه حياته وتشاركه ايامها ، نفر من صفاء من اللقاء الاول حتي الطلاق وفي جميع الايام التي بين اللحظتين ، خانها الف مرة ، وكل مره يتمناها تعرف حتي تطلب الطلاق فينعتق ، لكنها عرفت واخفت عليه معرفته ولم تطلب الطلاق حرصا علي اولادها وحياتهم المستقره ، وفي لحظه جراءه غير معهوده وتهور غير محسوب ويأس ، اخبرها بعد مشاجره عنيفه انه لم يحبها قط وانه سيطلقها ويمنحها كل ماتطالبه به ومايمنحه لها القانون واكثر و........ انسيني ياصفاء خالص وطلعيني من راسك ومن حياتك و........... وعاد حرا بعد خمسه عشر عاما من الانصياع للقيود الاسريه والواجب الزوجي اللعين !!
لماذا رضخ لجدته وتزوج صفاء ، ولماذا الان لايرضخ لسطوة قلبه ويتزوج منال ، لماذا لن يتزوج مره اخري ، لماذا مازال يتكور داخل رحم امه ويعود كتله هلامية لاتعي شيئا ويوصل الحبل السري بينه وبينها ويشعر بالطمأنينة وينام !!!
لماذا ولماذا ولماذا ........ مائه لماذا وربما الف ، قرر راغب الان وبعدما تزوج اولاده وبعدما عاد لنفسه بعد طول شتات ، قرر راغب يبحث عن اجابات للاسئلة التي حيرته العمر كله !!!
اللي حصل حصل ليه واخرتها ايه ؟؟
هو يبحث عن الاجابات ومنال تساله ، واخرتها ياراغب ؟؟

( 19 )
القهوة

اتصل بها راغب في البنك ، يسالها عن امواله وتحويلاته ، يعرف انها غير مختصه ، وقبلما تحول المكالمه لزميلها المختص، بادرها ، بتحبي القهوه ، ضحكت ، تصورته سيدعو نفسه علي فنجان قهوه في مكتبها ليتابع اعماله ، بادرتهه بتلقائيه ، جدا ، عظيم ، همس فرحا ..
دعاها راغب علي فنجان قهوه في مكان تحبه ، اطمئنت لانه لم يدعوها للعشاء ، الافلام الاجنبيه تحاصر تفكيرها ، سيدعوها للعشاء ويتصورها مطلقة مباحة متاحة فياخذها معه لمنزله ويمارس معها رغباته الجسديه وينساها ، هذه فكرتها عن دعوات العشاء ، عندما دعاها لفنجان قهوه في مكان انيق تحبه ، اطمئنت وقبلت الدعوة ..
فكرت بسرعه ، اروح ولا مااروحش ، تذكرت بيتها الخاوي ونهارياته البارده ويوم السبت الكئيب ، اجازه من عملها ، لاتري بناتها ولا تتحرك من فراشها حزينه مكتئبه ، هذا برنامجها الاسبوعي يوم السبت ، ستقبل دعوته لمشاركته فنجان قهوه ، يوم الجمعه ، لا يوم الجمعه ماينفعش باشوف بناتي ، بتشوفيهم ازاي ، لا ماهي دي حكايه طويله ،طيب ينفع السبت ، اه ممكن السبت ، خلاص يوم السبت !!!
واتفقا يتقابلا للمشاركه في احتساء فنجان قهوة !!
لماذا لم يدعوها للعشاء ، لانه خاف تفهمه بطريقه خاطئه ، خاف تعامله مثلما عاملته كل النساء اللاتي عرفهن قبلها ، عشاء وهديه وفراش و......بعدين ولا قبلين !!! خاف عليها من الافكار التقليديه لمقابلات الرجال العزاب والنساء المطلقات ، قرر يدعوها لفنجان قهوه وقطعه جاتوه بالشوكولاته ، كمثل ايام الجامعه وقتما كان يدخر مصروفه ويدعو زميلته التي يعزها للتزويغ من المحاضره وشرب القهوه في مكان لطيف !!
ابتسم راغب ، نعم هي زميلته ومثل كل زميلاته ، القهوه هو مايناسبها وليست دعوه العشاء !!!
شربت معه القهوه واكلت الجاتو وضحكت ونبهت عليه وكأنها لاتقصد ، انا باخاف علي سمعتي قوي علشان بناتي ، هل هذا ماجذبه اليها ، انها تخاف علي بناتها وتخاف علي نفسها ،لديها ماتخاف عليه ، لو احبته ستخاف عليه مثل بناتها ، لو احبته ستصونه مثلما تصون بناتها ، ربما هذا ماجذبه اليها ، هل هي تشبه امه التي لم يراها ولايتذكر ملامحها ، نعم هي تشبه امه ، بل هي امه التي غادرته مبكرا ، لو كانت امه حيه كانت ستشبه منال ، ستخاف عليه مثلما تخاف هي علي بناتها ، ستحتويه مثلما تحتوي بناتها ، ستبكي فراقه مثلما تبكي فراقهن ، هذا ماقرره راغب عن منال في روحه ، هي مثل امي !!
هل اعتبرته مثل ابنها ، وليه لا ، هو مثل ابنها الذي لم تنجبه من رحمها ، هو يحتاج الحنان وحنانها فياض لايجد ارض يرويها ، هو يحتاج للامومه وهي ام بلا ابناء ، تتمناه ينام في حضنها لتغني له مثلما كانت تغني لبناتها ، تتمناه يقبل عليها فاتح احضانه مثلما كانت تفعل بناتها ، هو ابني ، ومثل ابني !!!
بدايه غريبه لعشاق ، مزقهما العشق !!
هي امي وهو ابني !!
بدايه حاصرتهما وافسدت الحب ومشاعره !!!
فنجان قهوه احتسياه معا قادهما لطريق اللي يروح مايرجعش ، طريق العشق ، وفي الطريق تمزقت روحيهما وهما يقتربا ويبتعدا وانتهي الطريق بهما او كاد ينتهي لخلوة راغب للبحث عن الاجابات وانتظار منال لكل الاجابات التي اما ستريحها واما ستقتلها ، لكن الاختيارين افضل من الترقب والارهاق !!!
واخرتها ياراغب !!!

 ( 20 )
اليتم

ماتت امه ، وربته جدته العجوز ، ربته بصرامة التربية التي كانت ضرورة وقت تربيه ابناءها من الاجيال التي تكبره بكثير ، فرضت عليه قيود خنقت روحه ، قسوتها اوجعته فتذكر حنان امه الذي انتهي بسرعه مع رحيلها عن حياته صغيرا ، اين حنانك ياامي ، سؤال سأله لنفسه الف الف مرة ، الحنان في رحمها الذي كان أمنا ، ماتت هي وبقي رحمها رمز للحنان ومخبأ من قسوة الجدة العجوز والايام ، و......... صفاء صورة من جدته ، امرأه قاسيه بالفطره صارمه بالسليقة ، تعاملت معه منذ اللحظه الاولي للقاءهما باعتباره ابنها المنفلت الذي يتعين عليها تعيد تربيته ليصبح مثلما تتمني ، عليها تعيد تربيته فيصفق لها الناس لانها الزوجه الفالحة التي اعادت تربيه زوجها وخلصته من بقايا المراهقه والتمرد والبسته البذله المناسبه لسنه ووقاره المفترض ووظيفته المرموقه وعائلته الاصلية الحسيبه النسيبه ،  قررت صفاء تعيد تربيته ، ففرت روحه منها مثلما فرت من جدته العجوز ، وتمرد عليها مثلما تمرد علي جدته ولم يشعر معها ابدا بالامان ولا الطمأنينة وطبعا لم يمنحهما لها ..
موت امه اوجعه ، وقسوه جدته عذبته واغلقت في وجهه ابواب الرحمة ، الوجع والعذاب وابواب الالم المفتوحه اعادته جنينا لرحم امه ، الدرس الذي تعلمه قبلما يفهم كل مايحدث حوله ، وقتما تشق عليه الحياه وتستعصي علي اسئلته البرئيه الاجابات ووقتما تنهره جدته لسبب تافه لايذكره ، في ذلك الوقت يتكور حول نفسه ويستحلب اصبعه الاكبر بين شفتيه وينام جنينا يسمع بروحه دقات قلب امه فتطمئنه ويغمض عينيه واذنية ويعود للصمت التام والظلام الدامس و............ ليه ؟؟
الاسئلة التي فر منها راغب عادت له وهو في الخمسينات، لماذا؟؟ وقف مع نفسه وقرر يعرض كل الشرائط التي عاش ايامها ، ويتذكر لماذا حدث كل ماحدث ، ويسأل نفسه لمتي سيلجأ لرحم امه ، متي سيفطم من رحمها ومن اصبعه ويشعر الطمأنينة مع نفسه دونما حاجه للحلم والحبل السري والرحم المظلم ؟؟
اسئله لايعرف لها اجابات .. لكنه سيعرف ، هكذا قرر راغب وحسم امره ، السنين المتبقيه من العمر للعثور علي اجابات الاسئلة التي حيرته العمر كله وضيعت ايامه في الفضاء ..

( نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزء الثالث ) 

وجع .. في دروب الوصال والوحشة .. الجزءالثالث



الجزء الثالث




الحياة من غير لقانا مش حياة 
ام كلثوم



الحياة من غير لقانا مستحيل 
راغب ، منال 

( 21 )
الخوف

يحدق في البحر والشمس توشك علي المغيب ، السماء برتقاليه مشوبه بالسنه لهب حمراء تودع الشمس التي ترحل ..
لحظات الرحيل توجعه وتذكره بكل محطات الرحيل التي اجبر علي المرور فيها .. ودع ابنته في المطار بدموع عينيه ، تمناها تبقي بجواره ولاتتركه وترحل ، هاهي مثل امه ترحل وتتركه وحيدا ، مسحت دموعها في حضنها وبكت في حضنه ، والنبي ماتعيط يابابا ، لم يقوي يطيعها وبقيت دموعه سياله حتي بعدما غابت عن عينه ، ابنته الحانيه رحلت ، وامه الحانية رحلت ولايبقي في حياتة الا ذكريات الوجع ، جدته القاسيه وزوجته البليدة ووحدته !!!
الان يتذكر هجرة ابنته ، ويتوجع لرحيل امه ويتمه ، ويفكر في منال التي توشك هي الاخري علي الرخيل والخروج من حياته بسبب تصرفاته التي تعجز عن تفسيرها ، احبها طبعا ، وهي تعرف وواثقه ، لكن الحب معي لايكفي ، اين الطمأنينه ، الطمأنينة ، هي كلمه السر التي تحل الالغاز والطلاسم !!!
لماذا تخاف منها ياراغب ؟؟؟ ولماذا لاتشعر معها بالطمأنينة !!!
هي ليست امك ياراغب ، لاتهددك بموت ولا رحيل مفاجيء ، لاتهددك بقطع الحبل السري الذي يربط روحك بروحها ، هي حبيبتك التي تحتاجك وتحتاجها ، امنحها روحك ياراغب ، امنحها روحك !!!
يبتسم باسي ، لكنه يخاف منها ، احتياجه له يرعبه يخيفه ، احتياجه لها يفسد احساسه بالحب ، السعاده التي يشعر بها معها تعيده لايام الرعب في البيت الكبير في النجع ، تعيده للوحشه والخوف من الاشباح ، تعيده لليتم الذي تعذب منه في ايام المدرسه ، اتمناها تبقي معي ولاترجل ، لكني اخاف رحيلها ، اخاف احبها لحد تقتلني لو رحلت !!!
يطلب من النادل فنجان قهوه اخر ويشعل سيجاره ويحدق في البحر ، يلمح طفلا صغيرا يلهو في الرمل وحوله العابه الصغيرة الملونه ، لم يعش ذلك المشهد ، لم تمنحه امه جاروف و رشاشة ، لم تعطيه جدته طياره ورق ولم تسمح له يركب برسوار فوق الموج ، انت عشت محروم ياراغب !!
ومنال مالها ، منال جايه بالحياه ، جايه تفكرني بكل اللي ماعشتوش ، تفكرني بكل اللي ضاع مني ، جايه بوعد تعوضني عن كل اللي اتحرمت منه ، عظيم !!
لا عظيم ازاي ، ماهي ممكن توعدني وتخلف ، وممكن تسيبني وتمشي ، وممكن تعشمني وماتحققش اللي عشمتني بيه ، مقدرش استحمل !!
الطفوله اليتيمه والجدة العجوز والزوجه البليدة والام التي ماتت ، كل هذا تحمله راغب ، كلها سلاسل من الوجع والقهر والالم ، لكنه اعتاد الالم وادمنه ، السعاده فقط هي التي ترعبه !!!
السعاده تخيفه ترعبه تزلزل كيانه ، السعاده تمنيه بحياه تمناها طويلا وحرم منها ، يخاف يتعلق بالامل ويتمناه ويحلم ، وفجأ لاي سبب من الاسباب يحرم من تلك السعاده فيتألم من جديد وهو منهك لايتحمل اي الام جديده !!!
يهمس راغب لنفسه ، انت خايف جدا ..
يوافق نفسه ، ايوه خايف جدا ..
طيب ومنال ذنبها ايه ، منال ذنبها اني حبيتها ، ذنبها انها فتحت لي ابواب الامل ، ذنبها ان وجودها عشمني بحياة تانيه ، وخايف افقدها لاي سبب !!!
الخوف ............. انها الاجابه التي يبحث عنها !!
الخوف هي اجابه كل الاسئله التي حيرته طويلا !!!
الخوف من اليتم الجديد ، من الجده القاهره من الزوجه البليدة من الحياه الموحشه من الوجع ، من الاشباح والعفاريت ، الخوف من فقدان رحم امه ولايجد له بديلا ، الخوف من تمزيق الحبل السري وضياعه بلا سند ولا حمايه !!!
الخوف ياراغب ، الخوف !!!!!!!!!
انا كمان باخاف عليها !!!! فعلا بتخاف عليها ؟؟؟
هنا طلب راغب فنجان قهوه خامس واشعل سيجاره وحدق في البحر طويلا طويلا قبلما يفكر في اجابه للسؤال الصعب ، فعلا بتخاف عليها ؟؟؟

( 22 )
الحاح

تحدق في بناتها لاتصدق انها تجلس معهن ، ميعاد لقائهن الاسبوعي ، يوم الجمعه في النادي ، علي منضده خشبيه مهتزه ومقاعد غير مريحه ، تقابل بناتها كل اسبوع ، تاتي بالهدايا والبلوفرات التي اشتغلتها بيديها والكيك اللي بيحبوه ، تقضي معهن بضعه ساعات لاتروي ظمأ مشاعرها لهن ، بالعكس تعود كل مره بيتها تبكي لانها تفتقدهن اكثر واكثر !!!
تحدق في البنات وهن مبتسمات فرحات كفراشات ملونة و تتمناهن يجلسن علي قدميها في حضنها ، مثلما كانت تفعل وقت كن صغيرات ..
تسالهن بالحاح عن احوالهن ، يقصصن عليها تفاصيل ايامهن والمدرسه والواجب وبابا وتيته ، يقصصن عليها الرحله التي ذهبوا اليها مع المدرسه ، وتيته نسيت تحط الاكل في الشنطه ، تبكي فيضحكن ، براءه طفولتهن تقيهن من وجع عميق كمثل وجعها ، تتمني لو صنعت لهن السندوتشات ووقفت في النافذه تلوح لهن حتي يركبن اتوبيس المدرسه وتسال عليهن بالتليفون تطمئن علي وصولهن للحديقة اليابانيه ، تمنت لو عدن من الرحله عليها وقصصن عليها ماشاهدوه ومااسعدهن ، تمنت لو هي التي طهرت الجرح العميق في ركبه فاطمه بعدما سقطت من فوق المرجيحه ، لكنها لم تفعل كل هذا ، هي ام مع وقف التنفيذ ، هي ام ممنوعه من ممارسه اموتها ، معاقبه بالحرمان ، تسمعهن وتبكي وهن يضحكن ، احنا كويسين ياماما ، يطمئنوها لكنها لاتطمئن ، تتمني تسب ابيهن وجدتهن وتخطفهن وتجري ، لكنها لاتفعل كل هذا وتبقي صامته تبكي دموع مالحه تحرق وجنتيها وروحها !!!
تذكرت امها ، امها ضعيفه عجزت عن حمايتها من الاب المتعسف ، وهي ؟؟ هي ليست ضعيفه ، لكنها في النهايه عجزت تحمي بناتها من عسف ابيهن وجدتهن !! هل يعانين البنات من عسف الاب والجده ، هذا تصورها الذي لم يوافقوها عليه ابدا ، هل لم تفلح تنقذ نفسها من عسف زوجها رغم قوتها ومن عسف القاضي وحكمه الجائر ومن عسف الجدة العقربة وقت حرمتها من بناتها !!
تسائلت منال ، مافائدة القوة التي لاتحمي !! تذكرت راغب ، هل تملك قوة تحميني بها من عسف الدنيا واهلها ؟؟ سؤال مفتوح بلا اجابه يضاف لعشرات الاسئلة الكثيرة التي لاتجد اجابه عليها ..
تحدق في بناتها بعيون دامعه وابتسامه من القلب لانها تجلس معهن تستمتع بطفولتهن البريئه ووجودهن ، كأن روحها عادت لجسدها بعدما رحلت معهن وتركتها جسد متيبس بلا روح ..
يرن تليفونها ، راغب يبحث عنها من الصباح ، تهرب من مكالماته ، لن ترد عليه ، كفاها ماقاسته منه طيله الاسبوع الماضي ، تشاجر معها لسبب لاتعرفه ، اعتكف واختفي ، لاحقته بالتليفونات ، لم يرد عليها ووقتما رد نهرها لانها لاتقدر حالته النفسيه ، نهرها لانها انانيه لاتفكر الا في مشاكلها ولا تفكر في حاله ، كادت تصرخ فيه ، انت اللي اناني ، انت اللي مابتحسش الا بنفسك ، انت اللي عامل مشاكل لروحك من غير مشكله ، كادت تصرخ فيه ، انامحتاجاك ودلوقتي حالا ، لكنها خرست وصمتت واغلقت الخط وانفجرت في البكاء ، تبكي بحرقه ، انا محتاجاك دلوقتي حالا ، تاخدني في حضنك تطمني ، تاخدني في حضنك وتحتويني ، القاضي الظالم حرمني من بناتي ، ابوهم حيتجوز ويعيش حياته وهما يترموا مع جدتهم ، وانا افضل محرومه منهم وهما محرومين مني ، تبكي بحرقه لانه الان بالذات لايشعر بها ولا بوجعها ، الان بالذات هي تحتاجه وهو بعيد عنها في رحم امه يروض روحه علي مالاتعرفه ، الان بالذات تحتاجه والان بالذات لايسمعها ، قررت تبعد عنه ، قررت تنهي العلاقه ، قررت تخاصمه ، قررت تخرجه من حياتها !!
كتبت له رساله ، انا تعبت وكفايه بقي ، لم يرد عليها ، كانت تعرف انه لن يرد عليها ، تعرف انه سيكتئب ويصمت وينزوي اكثر واكثر ، لكنه لم يكن يعرف انه صمته يهينها اكثر واكثر ، صمته رساله انا لااكترث بك ولا بتعبك ، كانت تعرف انه سيتصل بعد فتره من الزمن وقتما يتمالك نفسه وروحه ويقرر يعاود اقتحامها ، لم يكن يعرف انه ستقاومه وترفض وجوده الموجع في حياتها لان الحياه مش ناقصه وجع !!!
هاهو يلاحقها بتليفوناته ، هاهو يطلبها للمره المليون ، وهاهي لاترد عليه ولا علي رسائله ، هاهي تجلس مع بناتها تبكي لان ركبة فاطمه جرحت ولان تيته نسيت السندوتشات ولان طنط خطيبة بابا لطيفه قوي ، تبكي لانها اتصلت بطليقها ترجوه يعيد البنات لها فرفض واوضح لها ان ده موضوع اتحسم خلاص !!!
تجلس مع بناتها تبكي ، والبنات يضحكن لان كل حاجه كويسه ياماما ، انت بس بتوحشينا قوي ، بس كده ، كادت تسالهن ، بس كده ، باوحشكم قوي ، بس كده ، احست ببراءتهن نصل في قلبها بجوار نصل القاضي وحكمه الظالم ، امومتها اختزلت في بتوحشينا قوي ، الا تفتقدوني الا تتمنوا العودة لحضني ، الا تتمنوا اوقظكم مثلما كنت افعل واحضر لكن الطعام مثلما كنت افعل ونجلس نضحك ونتكلم مثلما كنا نفعل !!! حياتهن سارت بدونها وكأنها لاقيمه لها ، هذا مااحسته منال وهي تجلس مع بناتها وتمنت لو تقبلهن وترحل ، تمنت لو عادت بيتها تصرخ بصوت عالي بين جدرانها الصامته ، لكنها لم تفعل اي شيء تمنته ، بقت تسمع قصصهن البريئه عن بيت بابا وخطيبة بابا وتيته والسندوتشات ، وهي تحترق من الغيره والغضب ، وراغب يطاردها بتليفوناته ، رنين الجرس افقدها صوابها ، كادت تلقي التليفون بعيدا ، مش حارد عليك ياراغب ريح نفسك ، تضحك فاطمه ماتردي ياماما ، توافقها عائشه ايوه ياماما ردي ، وينظرا لبعضهما نظرات موحيه ويضحكا ، كأنهما يقولا لها ، ماتردي علي صاحبك ياماما ، تخجل من نظراتهم ، تغلق التليفون وتلقيه في قاع حقيبتها وتمضي معهن بقيه النهار حزينه شارده و......... حين تودعهن بحضن كبير ، تنهمر دمعه صغيره من عين فاطمه تخفيها بسرعه ، فتبتسم منال وسط دموعها ، الدمعة الصغيره اكدت لها ان بناتها يتوجعن لغيابها مثلما تتوجع لغيابهن وان الحياه كلها قاسيه وصعبه و........... تعود لبيتها تلقي ببدنها علي فراشها وتبكي وتبكي وتبكي !!!

 ( 23 )
الطمأنينة ...

روح واحدة في جسدين !!! هل هما راغب ومنال ؟؟
هكذا ظنا وربما هي الحقيقة ، بينهما الكثير ، مزاج واحد ،يضحكا علي نفس المزحه بنفس النغمة ، يبكيا معا علي الاحزان التي تحاصرهما ، ينطقا في نفس اللحظه بنفس الكلمات الغامضه التي لايفهمها الا ايهما او كليهما ، يعرفا بعض ويفهما بعضهما بسهولة ويسر وبساطة حتي ظنا انهما روح واحده في جسدين!!!
هذا ماظناه ، لكنه ظن سرعان مابددته الايام ووحشتها التي تحاصرهما ..
يؤكد راغب لنفسه كلما تشاجر معها او غضب عليها او فر منها ، كلما خاف منها و عليها ، كلما اسعدته فاوجعته وكلما اوجعته فاتعسته ، يؤكد لنفسه ليست روحي ولا بقيتها ، ليست من احلم بها ، ليست من كنت اتمناها ، هي سيدة مثل الكثيرات ، ربما جميله لطيفه ، لكني زهدت النساء الجميلات اللطيفات ، ابحث عن من تكملني ، عن من تستوعبني وجنوني ونزقي وحمقي وعقلي واوجاعي ، ابحث عن من تحتويني تسرقني تجذبني تشدني تفقدني اتزاني وعقلي تبدد مخاوفي ، هي لم تفلح تفعل كل هذا ، ربما لم اعطها الفرصه ، ربما هي لاتصلح وليست من احلم بها ، هي سيدة جميله لطيفه وفقط !!
يصارع راغب احتياجه لها ، يصارع امنياته في الاستحواذ عليها ، يصارع رغبته في الاستئثار بمشاعرها وحبها ، يتمناها له وحده لكن بناتها يشاركاه مشاعرها ، بناتها يستجلبن دموعها ويفرضن عليه حزنها وهو عاجز عن قشع الغمه التي تحيطها ، عاجز عن حل مشاكلها ، تأتي بمشاكلها معها فوق راسه المتعب بمشاكله ، يفر منها ، لست قادر علي تحمل نفسي فكيف ساتحملك ، يبرر لنفسه الفرار بعيدا عنها ، هي غيري !!
هي غيري وليست بقيه روحي وليست بقيتي وليست حلمي ولاتشعر مثلي ولاتفكر مثلي ولا احبها ..
منال لم تشاركه رحم امه ، لم تتجرع معه كأس اليتم ومرارته ، لم تربيها جدته العجوز بصرامة وقسوة .. لم تقاسمه احزانه ، نعم فهمت احزانه وشاركته قصصها ، هونت عليه وجعها واسعدته ، ربتت علي روحه ترتق جروحها ، لكنها لم تقاسمه احزانه ولم تشاركه وجعها !!
هل هما روح واحدة في جسدين ؟؟
سؤال تسأله منال لنفسها كلما جن جنونها وفقدت صوابها وطاش عقلها لانه صمت واختفي ، لان فر وهرب ، لانه عاملها بقسوة وفظاظة ، تسأل نفسها ، هل هو بقية روحي والذي تبحث عنه لتكتمل وتتكامل ؟؟ هل انت فعلا نص روحي ، ام هذا وهمي الاكبر !!! لو انت نصف روحي او بقيتها او كلها او انا نصف روحك ، اصبحت المعركه مع الحياه حتمية لامفر منها حتي لو كنا لاندرك ، لو انت نصف روحي او بقيتها او كلها او انا نصف روحك ، لاستحقيت انت و استحقيت انا ان نقاتل للتكامل والتوحد للروح المبعثره بين اجساد ضلت طريقها كثير وقد يكون حان وقت تكاملها والتئام جروحها ... اما لو كنت روح شارده لم تنبعث من روحي وكنت انا روح شارده لم تنبعث من روحك ، مهما تقاربنا ومهما تفهمنا بعضنا البعض ، فالمعركه الكبري لاتستحق منا اي جهد ، لان كل منا وقتها سيتعين عليه يبحث عن بقيه روحه بعيدا عن الارواح الضاله التائهه التي تحوم حوله ......
هل انت نصف روحي وبقيتها ياراغب ، تسال نفسها وتفتش في وجدانها عما يؤكد لها انهما روح واحدة في جسدين .. وكلما تعمقت في سراديبها اكثر واكثر ، ابتعدت عن هذا اليقين ، راغب لم يتجرع احزانها ولم يعش لياليها السوداء ، لم يعاقبه ابيه مثلما عاقبها ابيها بسبب وغير سبب ، لم تنزوي امه وتتركه فريسه لعسف الاب ، لم يتعلم من الايام الموحشه ان يكون قويا ، مثلما تعلمت هي القوة لتحمي نفسها من العسف من اقرب الاقرباء ولو كان ابيها ، راغب لم يطلق مثلها ويلقي به فجأ خارج الطمأنينة ، لم يحرم من بناته مثلها ، لم يمزق القاضي قلبه بحكمه القاسي مثلها ، لم يحاصره المجتمع بادانته مثلها ، هو يشبها لكنه ليس مثلها ، عاش الاحزان مثلها لكن بطريقه مختلفه فتأثر بها بطريقه مختلفه ، هذا ماعرفته وقتما اقتربت منه !!!
انه يشبهها لكنه ليست بقيتها ، قريب منها ولكنه ليس بقية روحها ، هذا ماعرفته وتيقنت منه ...
 لسنا روح واحدة في جسدين ، هذا ماقرراه وقتما قررا ينهيا وبسرعه العلاقه المحمومه التي بدأت بينهما ..
راغب خاف منها وهي صممت تقتحمه ...
حاصرها بحبه وهي قررت تفر منه ..
تبادلا الادوار والمواقع ، كر وفر ، اقبال وفرار ، مد وجز ، عاشا كل المشاعر وتبادلا فرحتها ووطئتها ووجعها وتمزقت روحيهما اكثر واكثر وهما يتصارعا من اجل اللقاء من اجل البقاء من اجل التكامل والاندماج الذي يتمناه كل منهما ويخافه ويبحث عنه ويهرب منه ويسعد به ويشقي بوجوده ..
يحبها ويهرب ... يحسها كمثل امه وحنانها مثل حنان امه وامومتها المقهورة تحاصره بحب يخاف يفقده فيهرب اكثر واكثر ، خوفه يحول كل مايراه لاشباح مخيفه ، الاشجار اشباح والمباني اشباح وجسدها الجميل شبح وملامحها الرقيقه موحشه كالاشباح ، الخوف البسه نظاره مقعرة فابصر العالم كله معووج فخاف اكثر واكثر ..
يراها احيانا كمثل صفاء بليدة لاتفهمه ، واحيانا مستبده مثل جدته يراها ابنته التي هاجرت وامه التي رحلت فيوجعه وجودها ، يفر ويأتي ، يذهب ويعود ، يصرخ حزنا ويرقص طربا ، حين تطارده بمشاعرها يفر منها موحشا متوحشا ، يصرخ بصوت مخيف هادر يأتي من روح منهكه مرتعده ، يصرخ فيها ، هذا ليس حب ، هذه رغبه في الاستحواذ والملكيه ، وانا حر ياسيدتي حر ، لاتملكي علي ارادتي قرار ولا علي حريتي سبيل ، يراها مستبده مثل جدته التي طالما نهرته حتي ظنها تكرهه ، جدته تكره وتقبض علي ايام حياته وامه تحبه وماتت وتركته يتيما ، يري منال مثل جدته تكرهه ومثل امه سترحل حتما وتوجعه ، فيخاف منها ويجري بعيدا !!!
هل هما روح واحدة في جسدين ؟؟
امومتها المقهورة وجدت فيه يتيما حزينا قد تفلح في مصالحته علي ايامه واحزانه ، قد تفلح في اخراجه من رحم امه لرحمها ، من وجع غياب امه لبهجه وجودها ، قد تفلح في استيعابه واحتواءه ، قد وقد ، لكنه لايمنحها الفرصه ويفسد كل ماتقدمه ، ان اقتربت بعد وفر ، وان فرت اكتئب وصمت ، وان كسرت جدران الصمت تقوقع بعيدا وان صرخت صرخ في وجهها يلومها لانها لاتقدر حالته !!!  انت ابني وحبيبي ، تهمس له دائما ، لكنك لست امي ، امي ماتت منذ زمن ، يتمني يقول لها ، لكنه يصمت !!!
يخاف من امومتها توجعه بغيابها لو غابت ، يخاف يتم جديد يفقده توازنه بعدما اعتاد يتمه ، يخاف الفرحه بامومتها فيرفض مشاعرها ويجري ، يرفض مشاعرها ويبكي ، يتمنها ام وحبيبه ، لكن خوفه من تجدد الاحزان يدفعه للفرار منها كأم وحبيبة !!!
هل هما روح واحدة في جسدين ؟؟
هو يحس بهذا وهي ايضا ، لكن الارواح مبعثرة والدروب بينهما مغلقه والتواصل مفقود ، الارواح مازالت حائرة تائهه تبحث عن الطمأنينه لتسكن لبعضها البعض ، اين الطمأنينه ؟؟
يسأل راغب نفسه وهي ايضا ؟؟؟

( 24 )
الشرك  

وقف امامها في الطابور ، شرح لها انه يرغب تحويل امواله للبنك ، همس بطريقه موحيه ان " بنككم احلي " فهمت رسالته وابتسمت ، تنورنا ياافندم !!
وكأنها لاتعرفه ولم تتعشي معه منذ عده ايام سابقه قريبه ، وكأنه لايعرفها ولم يفكر فيها طيله الوقت ولم يقرر نقل نقوده عندها ليراها كثيرا !!! وكأنه لم يغازلها وكأنها لم تفهم مقصده وكأنه في بدايه العشرينات من عمره وكأنها في السادسه عشر !!! تصرفا كمراهقين ، كل منهما ارتبك من نفسه ومن الاخر !!!
لم يصدق راغب انه يقف امامها مرتبكا متلعثم وانه عاجز يفصح لها عن رغبته في لقاءها بعيدا عن اجواء العمل !!!
لم يصدق مايشعر به ، استفزه العجز الذي يتعثر فيه ، يبحث عن كلمات مناسبه لايجدها ، يبحث عن ملامح يلون بها وجه يفشل ، يبحث عن ايماءات تفهمها النساء يتوه ، عاجز عن ارتداء  اقنعته المعتاده ، امامها واضح جدا هو واعجابه وشغفه وماخفي كان اعظم !!!
هي تفهم مخاوفها منه ومن سيرته ومن انفلاته المشهور ، تخاف علي بناتها ، علي حقها في الحضانه ، علي صلاحيتها كأم ، تفهم مخاوفها ، لكن تلك المخاوف لم تخرجه من رأسها ولم تمحو كلمات الغزل المتوارية البسيطه التي همس لها بها يوم عشاء المدير من ذاكرتها ..
مرتبكين ، هي خلف الشباك وهو امامه ، اتفضل حضرتك عند المدير ، غاظته وهي تحيله لمديرها ليقدم له خدمه ممتازه باعتباره من كبار العملاء ، تحرك من امامها حانقا عليها ، ربما فرارها منه استفزه ، من انت لتفري مني ، الاتعرفي كم النساء التي تلقي نفسها في طريقي ، تسمع حواره الداخلي ، تبتسم ساخره ، عارفه بس مش فارق معايا ، يزداد حنقه ويقرر يقتحمها ويتعرف عليها ويخرج معها و....... الباقي ربنا يسهل عليه بقي !!!
في تلك اللحظه كانت منال مجرد سيدة يتمني قضاء بعض الوقت معها ، الوحده صعبه وقاسيه ، اولاده تزوجوا وانشغل كل منهم في حياته ، جدته العجوز ماتت من زمن بعيد ، وامه قبلها ، الوحدة قاسيه ، بيته خاوي بلا صخب بلا ونس بلا دفء ، يتمني سيدة بنت ناس تونسه ، نعم بنت ناس ، مل العاهرات والعابثات والباحثات عن الفراش ، مل اسلوبهن وابتزالهن واجسادهن الموشومه ببصمات الاخرين ، مل الضحكات النزقة العابثة والنظرات الموحية والتقصعات الجسديه ، مل كل هذا ، يبحث عن شيء مختلف ، يتمني لو امه عادت من قبرها وسكنت منزله واحتوته بحنانها ، يتمني لو عادت ابنته المسافرة مع زوجها من غربته واخذته في حضنها مثلما اعتادت تفعل ، يبحث عن ونس يطمئن روحه ، بعض الوقت مع سيده محترمه بنت ناس ، نتكلم في الادب والسياسه والسينما واحوال البلد ، ادعوها للاوبرا لحفلات الموسيقي العربيه وحفلات الباليه ، ادعوها لعشاء مميز في المطعم الدوار علي النيل ، ابحث عن صحبة تطمئن روحي وتونسها ، هذا ماكان راغب يبحث عنه وقتما لاحق منال ، هي سيدة بنت ناس كما يبدو له ، خلفها حكايه طبعا ، ومن منا بلا حكايات ، دموعها تفصح عن حزن دفين ، وماله ، الحزن مالي حياتنا كلنا ، لاحقها بحثا عن صحبة وونس ، لم يعرف انه سيقع في الشرك الذي طالما فر منه ، لم يعرف انه سيعشقها كما اثبتت له الايام ، لم يعرف انه سيحبها ويعذب نفسه ويعذبها ، حفر حفرة لها فوقع فيها بارادته ، تصور انه سيصاحبها بعض الوقت ويادر مادخلك شر ، فاسرته ومشاعره في حضنها و... احتدم الصراع بينهما عاطفيا واقعيا عنيفا ...
ورحب به المدير ترحيب كبير ، والله انت منور ياراغب بيه !!!
رد عليه بنصف عقل ، ده نوركم ياباشا و......... يفكر في منال التي كانت في تلك اللحظه بالذات تفكر فيه ، عايز مني ايه ؟؟

( 25 )
البحر

انا ماروحتش البحر الا وانا ثانوي .. رفعت حاجبيها دهشة !!
كانت جدتي بتاخدني معاها البلد ، هناك في الصعيد الجواني ، اول مالمدرسه تخلص ، ياولد هو فيه زي بلدنا وطينا وارضنا ، نرد لاصلنا ونوصل المقطوع ونشوف اللي ورانا لغايه ميعاد المدرسه ، حكمت جدته واطاع هو ، يقضي صيفه في البيت الكبير في النجع القابع في بطن الجبل في الصعيد الجواني ، هناك في البيت يتوه وحيدا لاينتبه لوجوده احد ، يتوافد الزوار علي الست الكبيرة ويمتليء البيت بالنساء والمزارعين وصخب موحش لايجد لنفسه مكان فيه ، ينزوي بعيدا ، ربما في طرف الحديقه ، ربما يتسلل خارج السور للجبل ، ربما يصاحب بعض الكبار للدوار او المندرة ، يستمع لقصص لاتخصه وحواديت لايكترث بها ، وعندما يحط الليل ، تنتشر الاشباح والعفاريت ، تخوفه جدته يغادر المنزل ، ياولد برضه الاشباح مابتسيبش ولد في حاله ، خليك ريحي ماتروحش لاهنا ولا هناك ، يلتصق بها وجسده يرتعش ، تقرأ قرأن قبلما تنام ، يدوي صوتها رخيما في سكون البيت الصامت ، تترحم علي ابنتها وتبكي وتداري عنه دموعها ، يشاركها البكاء فتنهره لانه راجل والرجاله ياولد مابتبكيش ، يصمت حزينا ويتمني حضن امه يطمئنه في البيت المخيف الذي يترفع سقفه عاليا حتي بيوت العفاريت في السماء ،يلتصق بجدته مرعوبا من الصمت وتلاعب السنه الكلوبات علي الحوائط الجيرية ومن اصوات غامضه تأتيها من الحقول المحيطه بالبيت وعواء الذئاب في الجبل وصوت طلقات الرصاص البعيدة ، يلتصق بجدته اكثر واكثر لكنه يغرق في رحم امه ويختبيء من كل مايخفيه ،  وحين تدخل جدته لفراشها بعدما تغطي جسده المرتعش بغطاء خفيف يقيه شر الناموس ولدعاته ، يغمض عينيه رعبا في الفراش الكبير ويتمني ينام او يموت ، لكن الاشباح لاتتركه في حاله ، يسمع اصواتها تعوي في الفضاء الملاصق للبيت ، يتصورها تركت الجبل ونزحت لفناء بيتهم ، يتصورها ستقتحم البيت وتفتك به في فراشه وتشرب دماءه كماتقول الجدة وتسحب عقله ليصبح مجذوبا مجنونا كمثل الرجل العاري الذي يهيم في النجع صارخا ، يغلق عينيه اكثر واكثر ، وينام مرعوب وفي الحلم يختبيء في رحم امه ويغلقه بوابته باقفال حديدية ويقطع النفس خوفا من الاشباح تهتدي لروحه فتقتله ..
كل هذا بالطبع لم يقله لمنال ، فقط قال لها انه لم يذهب للبحر الا في المرحله الثانويه في رحله مع المدرسه ، وقتها اصابه دوار من لون البحر واتساعه ، مادت الارض تحت قدميه وكاد يسقط مغشيا عليه ، سخر منه زملائه ، شعر كسوفا واحراجا وحرمانا ، كل منهم يقص عليه قصص البحر والعائله وسندوتشات الام والبرنيطه التي تكبس علي راسه جبرا خوفا من الشمس والفريسكا وتأجير العجل والمشي علي الكورنيش ، كل منهم عاش البحر بطريقته وله فيه ذكرياته الا هو ، هل يقص عليهم ذكرياته في النجع البعيد والحر والناموس ، وبر النيل اللي بيمشي عليه مع كبار العائله وهو صغيرا لاتنتبه لوجوده الاقدام العابرة ، هل يقص عليهم قصص الاشباح التي اخافته وارعبته ، هل يقول لهم ان امه ماتت قبلما تكبس البرنيطه علي راسه وقبلما تلقمه سندوتش الحنان علي شط البحر ، وقبلما تحذره من ركوب الموج والدخول للغويط ، لن يقول شيئا لكن البحر اوجعه مثل اشياء كثيرة اوجعته في الحياة !!!
عارفه يامنال ، نفسي اروح البحر معاكي ، تعملي شنطه سندوتشات ونقعد لغايه الغروب وبعد الشمس ماتغيب نتمشي ونبل رجلينا واخدك في حضني و............. هذا مايتمني يقوله لها لكنه لم يقوله ، هذه مقابلتهما الثالثه ، اتفقا في المقابله الاولي يكونا اصدقاء ، هو لايرغب في الزواج بعدما اخد حظه من صفاء ومؤسسه الزواج ، وهي لاترغب في الزواج حتي لاتفقد حقها في حضانه البنات ، نحن اصدقاء ، ابتسم كل منهما راضيا عن الاتفاق الذي لم يحترماه ولا لثانيه واحدة !!!

( 26 )
الغيرة

لااقوي علي عشقك بتلك الطريقة ، لااتحمل هذا الحب ، تدفعيني للجنون ، اغار من من لايستحق اغار منه ، اين انا واين هو ، لكن انفاسك التي تخرج من صدرك وتمتزج بانفاسه التي تدخل لصدره ، تلك الانفاس تحرقني ، وهج جسدك بجوار جسده يفقدني عقلي  ، النظرات الطيبه التي تغدقيها عليه وانت تشرحي له العمل يطيش صوابي ، من هو ليجلس بجوارك وتحدقي في وجهه وتشرحي له بصوتك الرخيم الهامس العمل وطبيعته !!!
لااقوي اعشقك بتلك الطريقة ، لااتحمل هذا الارتباط النفسي بك ، لااتحمل قدر احتياجي لك ولا غرامي بك ولا تفكيري فيكي !!!
انت تضعفيني ياسيدتي ، تضعفيني باحتياجي لكي ، لو تركت لك روحي لتحكمت فيها ، منحتيها الحياة والموت ، لو تركت لك نفسي لملكتيها ، ستسعديني ، ربما ، بل الارجح ، لكنك ستملكيني ، ولو قررت غدا او بعد الغد او بعد عشره سنوات ، لو قررت تتركيني ستذبحيني ، نعم اليوم تصالحيني علي روحي وحياتي وتهوني عذابي وتشفيني من وجعي ويتمي وبعثرتي علي كل الموانيء ، اليوم تصالحيني علي الدنيا لكن غدا من يضمن لي انك ستبقي معي ، ستظلي تحبيني ، من يضمن لي انك لن ترحلي مثل امي ولن تهاجري مثل بنتي ولن توجعيني مثل الدنيا !!!
اذن اليوم بيدي انا وليس بيدك ، اليوم علي الرحيل وانا مازلت اقوي عليه قبلما تستبدي وتتحكمي فيه وتعجزيني عن الرحيل وعن الحياه ذاتها ، هذا قراري النهائي الاخير ياسيدتي ، مابيننا انتهي ، لااقوي علي حبك ولا حبك غيرك بتلك الطريقه ، وداعا يامنال !!!
 هكذا قرر مع نفسه ينهي تلك العلاقه الشائكه الموجعه ، الحب حد الوجع ، العشق حد العذاب ، لست صغيرا ولامراهقا لادخل في تجربة جديدة ، كفاني تجارب ، قرر ينهي العلاقه الشائكه ولم يعد امامه الا اخطارها ، سينتقي الالفاظ الرقيقه اللطيفه التي يخبرها بها عن عجزه عن حبها ورغبته في الفرار منها ، سينتقي الالفاظ الرقيقه اللطيفة التي تذبحها وتذبحه وتسطر نهايه لعلاقة كانت جميله وربما كانت ستستمر جميله ، لكنه الوجع الذي لااقوي عليه ولا اقوي علي تحمله !!!
وداعا يامنال ، وجلس علي مكتبه يفكر كيف سيقول لها ان مابينهما انتهي ..
هل هو انتهي فعلا ياراغب ؟؟

( 27 )
الاختيار

ياولد ، انا اخترت لك عروسه زين ، تحافظ عليك ، علي شرفك وعرضك ومالك ، تصونك في غيابك وحضورك ، بت ناس طيبين نعرفهم ويعرفونا ، مليحة ، اخترتها لك تسترك وتحافظ عليك ..
هذه كلمات جدته العجوز التي قالتها له وهي تعرض عليه صفاء ليتزوجها ، البت قليله الخبرة وصغيرة ، شكلها علي كيفك زي ماانت عايز ، طوع وحتريحك ، امها حبيبة امك الله يرحمها وكانت موعوده لك طوله العمر ، اهلها ناس كمل من بلدنا ، وبينا وبينهم نسب ، مش حنلاقي اصل احسن من كده ولا ربايه واخلاق ، سيبك من النساوين اللي انت بتجري وراهم ويجروا وراك ، دول مايعمروش بيوت ولايربوا صغار ، صفاء نقاوتي وتحت عيني من زمان ، مراقباها من وهي صغيرة وعارفه انها الكمل بنت الاصول اللي تعشش ماتطفش !!!
واصدرت جدته العجوز حكمها عليه بالتعاسه !!!
كان تجاوز الثلاثين ويعيش حياته بالطول والعرض عابث سعيد ، تراقبه جدته وهي ترتعش خوفا عليه من الضياع من نساوين مصر اللي مابيعمروش بيوت ، تنصحه مره وتتشاجر معه عشرة مرات ليتزوج ويتلم ويكمل نص دينه ، تعرض عليه عرائس كثيره ، كل واحدة منهن تعشش وماتطفش ، لكنه كان " يطفش " من العرائس وتقل دمهن ويعيش في الحياه باندفاع الشباب ونزقه ينهل من الحياه كل مايرغب فيه من متع ولهو ..
جدته العجوز تكبر اكثر واكثر ، والمرض ينهش ايام حياتها وبوابه الرحيل فتحت استعدادها لمغادرتها ارض الحياة للحياه الابديه ، وقتها قررت جدته لاترحل وتتركه في عبثه وضياعه ، حان وقت الجد ، لازمن تتجوز ياابن بنتي ، مش حاموت واسيبك كده صايع ضايع ، يضحك ، انا ياجدتي، ايوه ياابن بنتي ، انت صايع وضايع وسمعتك شينه وانا عارفه عنك كل حاجه ، وقت الجد حان ، تتجوز وتتلم قبل مااموت اطمن عليك واموت مستريحه اني خلصت رسالتي معاك ، ااقابل امك بضمير مستريح واقول لها وفيت بديني يابتي وربيت وكبرت وجوزت واطمنت !!!
مريضه هزيله ترتعش وهي تخاطبه بحدة ووضوح ، وقت الجد حان ولازمن تتجوز !!!
ليه ياراغب مارفضتش !!
ليه ماقلتلهاش ان صفاء مش عاجباك وانك بتحسها اختك او حتي ااقل ، ليه ماقلتلهاش ان الكذا مره اللي شوفتها فيهم ماحركتش شعره في راسك فازاي حيتقفل عليكم باب واحد وتاخدها في حضنك !!!
مارفضتش وماقلتش ، كانت كبيره وعجوزه وتعبانه قوي ، صعبت علي ، حسيت ان رفضي حيموتها ، قلت اهي زوجة والسلام ، نتجوز ونخلف ونجيب صبيان وبنات ونعيش في تبات ونبات ، وفي الضلمه كل الحريم زي بعض ، ويالا حسن الختام !!!
انصاع لجدته وتزوج صفاء و............ كان ماكان ..
ايام تعيسه عاشها مع زوجه لم تفهم ولم تشعر بروحه القلقه وهي تحترق بتعاستها ، ماتت جدته وهي راضيه عنه ، وتركته غير راضي عن حياته ، صفاء بنت الناس الطيبين الكمل لم تفهمه ، زوجه تقليديه تطبخ وتغسل وتربي الاطفال ، تتدلل عليه مثلما علمتها امها لكن دلالها بلا روح ، وكأنها تصطنع الانوثه فلا تحرك فيه شعره !!!
تحمل وصبر وهون علي نفسه ، قرر ان كل الزوجات مثل زوجته ، وان الزواج نظام اجتماعي فاشل ، وفتحيه زي سنية ، لكنه لم يقوي علي التحمل ولاالكذب علي نفسه ، قرر ينظر في عيون اطفاله ويشبع ويتحمل ثقل دم امهن وبرودها والفجوة بينهما من اجل الاطفال ، قرر لايمنحهن يتما مثل يتمه ولا بيت مكسور مثل بيته ولا انعدام امان مثل ماعاش ، وصبر وتحمل ، لكن عيون اطفاله لم تمنح روحه القلقه طمأنينتها ، قرر يبقي البيت والمؤسسه والاطفال في امان ويرحل بنفسه يبحث عما يحتاجه مع النساء الاخريات ، صاع وعرف نساء وخان زوجته ودخل علاقات وخرج منها وفاحت سمعته السيئه وتكلمت عنها مجتمعات النميمه لكن هذا كله لم يروي ظمأه للحنان الذي يبحث عنه ، العلاقات العابرة والخيانه لم يمنحوه الطمأنينه التي كان يبحث عنها ، يلف يلف وفي نهايه الليل يعود لفراشه ورحم امه يتكور داخله ويبكي ، يتمناها لو ابقت الحبل السري بينها وبين يحميه من حرمانه الموجع!!!
فشلت كل الحيل وانهارت جبال الصبر وطلق صفاء و............ نام يبكي في رحم امه وبدأ رحلة اخري في حياته ...


( نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع )