مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



‏إظهار الرسائل ذات التسميات متناثرات من كراسه مدفونه في درج سري ( حدوته في 3 اجزاء )ا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات متناثرات من كراسه مدفونه في درج سري ( حدوته في 3 اجزاء )ا. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 9 سبتمبر 2010

متناثرات .. من كراسة مدفونه في درج سري (الجزء الاول )





تنويه

هذه الحدوته للاسف خيالية تماما
ولم تحدث ابدا
وكنت اتمناها تحدث




الجزء الاول




( 1 ) بداية ... ونهاية !!!!


الوداع ياجمال ... ياحبيب الملايين !!!
مات جمال عبد الناصر ....
في سبتمبر 1970 مات جمال عبد الناصر !!!
بعدها بثلاثين سنه في سبتمبر 2000 .... مات يوسف ..
بعد موته بشهرين ... عثرت ابنته علي كراسه مدفونه في درج سري لمكتبه!!!!
قبلما تعثر عليها كانت تظن نفسها تعرف ابيها الذي كانت تحبه وتعشقه !!!
فتحت صفحتها الاولي فعثرت علي خط ابيها المنمق الجميل الذي تعرفه ، سمعت صوته وكانه يحكي لها ما كتبه!!!
حين وصلت للصفحه الاخيره انهمرت دموعها حبا لابيها وفخرا بالعيلة التي انتمي لها الاب !!!
اغلقت الكراسه وطوتها وهمست ، الله يرحمك يابابا وتمنت لو كان حيا لعانقته وانهمرت عليه بقبلاتها!!!
اعادت الكراسه للدرج السري واحست بالفخر لان ذلك الرجل هو ابيها !!!!!!!!!
وقررت مع نفسها ودون يطلب منها احد ، ان تنتمي للعيلة !!!
وفهمت كثيرا مما كان غامضا عليها طيله حياتها وفهمت اكثر مالذي حدث يوم جنازته !!!
من هو يوسف ومالذي حدث يوم جنازته ؟؟؟؟؟
هامش .......... 1
مدخل عبيط قوي للحكايه ... وحكايه ان بنته لقت الكراسة دي حاجه قديمه ومتكررة ، طلعت في افلام كتير !!!
هل نخليه يحكي ليها قبل مايموت ، هل حد يتصل بيها ، طيب وحيتصل بيها ليه ، هل تقابل حد من اصحابه وهو يقول لها عن ابوها اللي ماتعرفوش ............ كل الانماط وصدف المعرفه مكررة ، وده في حد ذاته مافيهوش مشكله علشان الحدوته تتقدم ، ياما انماط سلوك بتتكرر وصدف معرفه بتتكرر في قصص وحودايت وافلام كتيرة ، لكن مش مهم .... المهم نوصل لنقطه المعرفه علشان نعرف نكمل الحدوته .... ومين عارف ماجايز بنته قالت انها لقت كراسه وهي مالقتهاش ، وانها عرفت منه شخصيا قبل مايموت الحدوته ، وعلشان تعفيه من اي مسئوليه حتي وهو ميت ، اخترعت حكايه الكراسه دي !!! وجايز هو اللي حكي للمؤلف شخصيا واستحلفه لاينشر الا بعد موته واكد عليه بضروره اختراع اي شيء يبرر معرفته بالقصه ، فاتفق معاه المؤلف علي حكايه الكراسه !! كل ده مش مهم خالص !!!
الهامش ده في حد ذاته ، عايز يتلغي ... ممكن لما الحدوته تخلص ابقي الغيه !!! مافيش مشاكل !!!!


( 2 )
يوسف
1999

كمثل كل ليلة وقت غروب الشمس ... في الشرفه البحرية التي تطل علي ميدان واسع ..

علي نفس المقعد المريح ... يجلس يوسف وبجواره الراديو وعلبه السجائر ..
تساله حبيبة عايز حاجه يابابا ، يبتسم ويصمت ، تتركه حتي تنهي ام كلثوم اغنيتها ثم تعيده لفراشه !!!
اكاد اشك في نفسي ، لاني اكاد اشك فيك وانت مني !!!
يتأمل يوسف احواله .... يقترب من الخامسه والستين لكنه يبدو هرما وكانه علي اعتاب التسعين !!
منذ قابل نبيل مرت حوالي اربعين سنه ...
هل احسستهم يايوسف اربعين سنه ام اكثر !!!
ياتري اين نبيل الان ومالذي يفعله في حياته !!
كيف يشعر الناس بغيابي ... انا الغائب الحي الذي كنت حاضر وصرت غائب !!!
سال يوسف نفسه اسئلة كثيرة كثيرة .... الا سؤال واحد لم يساله لنفسه ابدا .... كيف عاش كل هذه السنوات اثنين !!!
نعم عاش اثنين .... لكل منهما عالمه وحياته واصدقاءه وخبراته واوجاعه واحزانه وافراحه ... كل منهما هو ، وهما الاثنين هو ، هو بالضبط ، ليس جزء منه ، ليس بعضه ، كل منهما هو ... وهو هما الاثنين .... !!!
سأل نفسه اسئلة كثيرة كثيرة .... الا هذا السؤال ... والحقيقه ان السؤال المنطقي الوحيد الذي كان يتعين عليه يساله لنفسه ، ربما خاف يسأله لنفسه ، ربما خاف من الاجابه ، ربما خاف لو اجاب بصراحه لضاع الاثنين منه وفرا وتركاه ، ربما خاف لو عرف السر لاندمجا الاثنين فيه ورفضا يعيش انقسامهما فيضيع هو !!!
لكنه الان ........... والعمر كله خلفه .... كل العمر خلفه وعقله يتحلل ... عقله وموضع اسراره ومكمن كنزه وخبراته يتلاشي ، يتفكك ، يذوب في مرض موجع ، يعلم هو انه مريض به ، لكنه لايقوي علي مقاومته ويعلم انه يستحيل علاجه وواثق انه الجب الاخير الذي سيسقط فيه هو والاثنين معا ......... سيتوحدا اخيرا وقت يموت ، الان فقط يسال نفسه السؤال الاصعب ولايخشي اجابته كيفا ستكون !!!
انتبه يوسف لحاله ، علي اعتاب الخمسه وستين لكن شيخوخه احتلت جسده ومرض موجع قاسي يذيب عقله في غياهب النسيان ، هل كنت تتمني يايوسف تعيش اكثر ، هل كنت تتمني يطول بك العمر وتمنحك الحياه سنوات اكثر !!! هز راسه نفيا ، لقد ارهقته الحياه فاستكفي منها ويعلم ، نعم يعلم علم اليقين ، ان ملاك الموت يحوم فوق راسه يتحين الفرصه والميعاد المكتوب ليحرر روحه من جسده الواهن ومن عقله المتلاشي !!!
اه يايوسف ، حان وقت الرحيل ... حين يموت ، سيحزن عليه الكثيرين ، من العالمين الذي عاش فيهما ، كل احباءه في العالمين سيحزنا عليه ، هو فقط الذي لن يشعر وقتها باي شيء لانه سيكون مات وانتقل لدار الحق التي يتعين عليه فيه يتوحد مع الاثنين الذي انقسم بينهما طيله الحياة ، سيتوحد معهما ليتحاسب علي سيئاته وسيئاتهما ويكافيء علي حسناته وحسناتهما !!!
كان يعرف منذ زمن بعيد ........ ان الاثنين الذي منح كل منهما روحه بالكامل سيتوحدا فيه لحظه موته ، كان يعرف ولم ينزعج من ذلك الامر ، فهو لم يعش اي ثانيه في حياته نصف بلا نصف ، بل عاش حياته في كل ثانيه منها انسان كامل يعيش بداخله وتحت جلده انسان كامل اخر ويعيش حياه الاثنين في كل لحظه ولايعيشها ابدا ......... انها معادله الغرابه التي ولد مكتوبه علي جبينه والرساله التي يتمني يكون اداها كما كان مفروض عليه !!!
الان ............ بين لحظات الافاقه التي تنتابه فيلمع ذهنه ويتقد ويتذكر ادق التفاصيل وبين لحظات الغيبه التي يري فيها الحياه من خلف سدل الضباب ، الان فقط يسال نفسه السؤال الاصعب ويحاول البحث عن اجابته ، كيف عاش كل تلك السنوات اثنين معا ، يبتسم يوسف وصوت ام كلثوم يلف بقايا يقظته واعاصير غيبوبته ، كل ما يطمئنه انه مهما قال للاخرين لن يصدقوه ، سيتصوره يهذي هذيان ماقبل الموت ، الان فقط سيقول مايتمني قوله ولن يعاتبه احد او يحاسبه او يصوب زناد مسدسه لرأسه يهدده ليخرس ، الان الجميع اطمأن ان عقله تحلل وذهنه انطفأ وكل الذكريات والاسرار تلاشت وتتلاشي ومصيرها لمقبرته تقبع داخل جسده الذي يسير صوب الموت بخطي منتظمه !!!
كل مايطمئنه ان احدا لن يصدقه مهما قال ، اي حقائق سيقولها مشوبه بهذيانه ، اي اسرار سيفشيها ممهوره باعراض مرضه ، كل مايقوله لا قيمه له وهذه اللحظه الجميله التي تحرر فيها من كل الاثقال والقيود التي عاش حياته الواعيه كلها يرزح تحت اثقالها .... سخر يوسف من هلاوسه ، لااسرار عنده ، حياته كلها كانت بلا اسرار ، نعم كان يملك اسراره العاديه مثل كل البشر ، احب هذه اعجب بهذه كره هذا تمني لو فر من ، لكنه لم يملك اسرار تخص العيلة ، العيلة لم تمنحه اي من اسرارها !!! اذن هي هلاوس مرضه العقلي المستحكم التي تسرق وعيه وتذيب عقله وتسحبه لعالم الرحيل الذي يقف علي بوابته يطرقها لتفتح !!!


( 3 )
رساله غامضة !!
1960

رساله مبهمه تلقاها ، وريقه منحها له اعز اصدقاءه ، احدهم ولاتسالني من ، احدهم يتمني يقابلك ، ليه ، ليه هو اللي حيقول لك ، طيب يعني هو مين ، هو الراجل اللي عايز يقابلك .......... كاد يقول لاعز اصدقاءه ايه الكلام الفاضي ، لكن اجواء الاسرار والمغامرات والغموض تستهويه ، سيذهب ليقابله وحيحصل ايه في الدنيا يعني ....
تخرج من كليه الهندسه بتقدير عالي ، يعد اوراقه للبحث عن عمل ، شاب في مقتبل العمر مرح فرح متمرد قوي البنيه والنفسية ، هذا هو يوسف .... صلاح ، سلمه الوريقه بلا اي علامه مميزه ، لو حتروح قولي ، واقولك ليه ؟؟ علشان اديك العنوان يابني ادم !!!
اخذ يوسف العنوان من صلاح وهو يتوعده لو اكتشف ان الامر مجرد " مقلب !!!" ...
بنايه قديمه في وسط البلد ، تبدو ستسقط ... وقف يوسف امام باب الشقة القابعه في الدور الاخير وضرب الجرس ، فتح له وجها مألوف كانه راه مليون مره ، اتفضل الاستاذ مستنيك .... مازال الغموض يلف المشهد ، ابتسم يوسف ، هل هذه البنايه تتبع احد التنظيمات السريه التي يقال ان الثورة او الدوله او الحكومه او الحزب الواحد او كلهم مع بعض ، اسسوه لاستقطاب الشباب لصالح افكارهم وثورتهم وحماسهم .... لم يذهب خياله ابعد من هذا ، وكيف يذهب لما يستحيل عليه يفكر فيه !!!
دخل غرقه واسعه ، الاسقف العاليه لمباني وسط البلد تستهويه ، شباك كبير بستائر شفافه يسرق الحائط الرابع من الغرفه ، يسير خطوات كثيره حتي يصل للرجل الجالس علي المكتب تحت الشباك ...
اتفضل يايوسف ... اتفضلت ، هكذا قال لنفسه !!!
احنا ..... قبل ما يقول الرجل اي كلمه ، قاطعه يوسف ، انتم مين !!!
ابتسم الرجل .... احنا اللي بنحب البلد دي !!!
ضحك يوسف .... اشمعني يعني ، هو انتم بس اللي بتحبوها ...
نظر له الرجل نظره عميقه وهمس ، لا كل الناس بتحبها ، متهيالي كده ، لكن احنا اللي وظيفتنا ان الناس تفضل تحبها !!!
انتبه يوسف للطريقه التي يكلمه بها الرجل ...
ااقعد يايوسف ، اكتشف يوسف انه لم يجلس بعد !!!
جلس واصغي للرجل بكل جوارحه وانتباهه !!!


( 4 )
العجوز الهرم !!!
1999

هذه قصه الكهل العجوز الخرف يوسف باعوامه الخمسه وستين التي حولتها الايام التي عاشها لدهورا طويله وكأنه عاش الف عام ......... هذه قصة يوسف الذي نسي الاسماء والافعال والاحداث ، فينادي زوجته باسم ابنته وينادي ابنته باسم امه ويطلب من ابنه يشرب وحين يمنحه كوب الماء يلقيها في وجهه فهو لا يرغب يشرب لكنه يتمني سيجاره نسي اسمها فقال لابنه الاسم الذي وجده مازال صالحا لقوله في دهاليز عقله المتحلل بالمرض ............
هذه قصه الكهل العجوز الخرف ........ الذي في ايامه الاخيره وقبل الغيبوبه الاخيرة التي لم يفيق منها منعوه يخرج للشرفه خائفين عليه ينساها فيلقي بنفسه ليطير كانه عصفور ، وقبلها منعوه يدخل المطبخ لانه لم يعد يعرف الماء البارد من المغلي واحرق يديه مرتين وقت وضعها علي عيون البوتجاز الملتهبه ، واختاروا له اكله والمشروبات التي يشربها والبسوه كما يريدوا وفرضوا عليه الطبيب يكشف عليه مره كل اسبوع ، هذه قصه الكهل العجوز الخرف الذي فقد الاهليه وحجرت عليه الاسره بشكل واقعي فحرموه من الولاعه ومفتاح البيت وقياده السيارة والجلوس علي المقهي ، حرموه من كل شيء وهو لايلومهم لانه مريض مرض خطر يعرض فيه الانسان نفسه للخطر ....
لا يلومهم لكنه يسخر منهم ، لان اخطر ما يملكه لم يقوو علي مصادرته او كشفه ، ذاكرته ، التي تختلط فيها الاحداث بالصور بالاسماء ... وهي ليست ذاكرته وحده ، بل ذاكره الاثنين الذي عاشهما معا .... تلك الذاكره ، نجح لانه مدرب بحق ، نجح علي اخفاءها في ابعد جزء من عقله المتحلل فبدا كانه فقدها ولم يفلح احد في استفزازه ليفضح نفسه ويقول انه مازال يقبض علي ذاكرة الاثنين الذي عاشهما !!!!
اشعل الكهل العجوز سيجارة وتنهد بحرقة ....حبيبة فقط لاتغيب من ذاكرته ابدا حتي في اشد لحظات توهته وغيابه ..... هي فقط التي حزن من اجلها حزنا رهيبا واحس بوجودها في حياته بالعجز ، هي فقط ، حبيبة ، التي تمني لو من اجلها يقتل الاثنين معا ويعيش معها ثالث يعرف شكل حياته ، هي فقط التي حاصرته فكان لابد من قتلها ، حاصرته بذكائها باسئلتها وملحوظاتها الدقيقه وقراءتها البصيره لروحه وحين حاصرته ادرك انه لن يبقي معها ، هي خطر عليه وخطر علي نفسها ، لابد من طردها من جنته و............ وكان له ماكان ، بمنتهي القوه والفجأجه والعنف والقسوه طردها من حياته ، لكنه حزن من اجلها ، لا الحقيقه انه حزن من اجل نفسه ، هي فقط التي تمني ينام بحق في حضنها ، تمني يغرق فيها ولا يبقي نصف نائم نصف متوتر ، هي فقط التي اشعرته بالامان لحد خاف منها علي نفسه وعليها ، فمن مثله لايجب ابدا يشعر بالامان ، الاحساس بالامان ضعف يهدد امانه ، هي فقط نجحت تسرق يقظته وتسكره بنظراته وتحرقه بانفاسها فادرك انه وقع في شرك غرامها ومن مثله لاقلب له ولايجب يكون ، هي نفخت في قلبه الحجري من روحها فنبض ، فكان لابد من قتلها وقتل النبضات واعاده الحجر البارد لطبيعته .......... حزن من اجلها !!! لكن الحزن بقي مجرد حزن ، كمثل السكين المنغرز في قلبه ، يعيش به ولاينزف ، سكين في قلبه يوجعه لكن لايميته !!!!
حبيبة ، هي السيدة التي حذرته العيلة منها !!! وخضع لتحذيراتهم وطردها من حياته ، لم يحذروه منها شخصيا ، لكنهم قالوا له حين تقابل انثي تملكك فر منها ، فانت لن تنتمي الا لنا ، وهي ستضيق بنا وبك ، اطاعهم وسمع الكلام ولم ينتمي لها وبقي ينتمي لها .... لكن .... واه من لكن ، تمني حبيبة ، يمنحها اسمه وينجب منها اطفاله وينام في حضنها ويمنحها روحه فتمنحه روحها فيعيشا !!! لكن حبيبة .... كان الحبيبه التي بقت تحتل قلبه بعدما طردها من حياته ... وحين انجب ابنته اسماها حبيبة حتي لايغيب الاسم مثل صاحبته من حياته !!!!
هذه قصته .... وقصه الاثنين الذي عاشهما وقصه حبيبة التي لم يعيشها !!!!


( 5 )
نبيل !!!!
1960

حضرتك انا مش فاهم ، حضرتك يعني عايز مني ايه ، وبعدين حضرتك مين يعني !!!
تجاهل نبيل سؤاله الاخير ، وشرح له مايتعين عليه فهمه ...
كل اللي مطلوب منك انك تبقي عايش عادي جدا ، انسان لطيف مرح ، الناس كلها تحبك ، تعرف تخليها تحبك ، وبس !!!
طبعا ومش بس ، لازم الناس تحترمك جدا ، تحبك وتحترمك !!!
لم يفهم بدقه كلامه فطلب منه بمنتهي الادب يعيد كلامه !!
لم يغضب منه وكرر عليه نفس الكلام بنفس الالفاظ !!!
وبعدين ؟؟؟
ولا قبلين ...........
طيب حضرتك مين يعني ، بوليس !!!
انفجر نبيل في الضحك ساخرا من يوسف قاصدا يضايقه !!!
انا ممثل العيلة اللي عايزاك تبقي ابن من ولادها !!!
اجابه لم تعجب يوسف ، لكن نبيل لايملك الان غيرها !!!
ايوه يعني حضرتك تبع ايه يعني ، التنظيم السياسي الجديد اللي بيقولوا انهم بيعملوه في السر ؟؟
ازداد ضحك نبيل وصخبه ، في السر ؟؟؟ وضحك اكثر واكثر قاصدا يربك يوسف ويضايقه !!!
لكن يوسف لم يتضايق ولم يرتبك ، مازال منتظرا الاجابه بكل تصميم !!!
ابتسم نبيل بداخله ابتسامه لم يراها يوسف ولم يشعر به ، الولد صحيح زي ماقالوا ماسك راسه ومركز !!!
بص يايوسف ، اعتبرني زي ما تعتبرني ، مش مهم اليافطه لان مافيش يافطه ، مش مهم تبع مين لان عمر ماحد حيقولك انت تبعنا ، اسمعني كويس ولما اخلص كلامي ابقي خد قرارك براحتك !!!
صمت يوسف ليفهم واكمل نبيل كلامه من ذات النقطه التي وقت عندها !!!
هو ياخذ يوسف من يديه ويصعد به السلم خطوه خطوه صوب العالم الجديد الذي يتمني لو ينتمي له يوسف !!!!
يايوسف ، انت فاهم الموضوع غلط ، افلام السينما بوظت دماغكم ، لا حتخش المافيا ولا حنبعتك اسرائيل ولا حنطلب منك مأموريات سرية خطيره!! ولا انا بوليس ولا تنظيم سري !!!
احنا عيلة كبيرة .... بتحب البلد ووظيفتها تخلي الناس تفضل تحبها !!!
انا بطلب منك حاجه بسيطه قوي ، لاحتبقي بطل ولا نجم ، ولا حتشاور الناس عليك
يمكن تعيش وتموت محدش يعرفك ولا يعرف انت عملت ايه ..
لان اللي حتعمله حاجه بسيطه وعاديه لكن انت حتعملها بتركيز وانتباه ومنتهي الحب !!!
يراقب نبيل بدقه وقع كلماته علي روح يوسف ...
الاخطبوط له ميت ايد ..... كل ايد بتحس وكل ايد بتشيله تحميه من الغرق ....
احنا الاخطبوط وانت واحد من ايدينا !!!
اكرر كلامي ، احنا الاخطبوط وانت لو وافقت حتكون واحد من ايدينا الكتيرة !!!
نسي يوسف اسئلته والاجابات التي ينتظرها ، واحس يوسف غصه في قلبه .... هو حر ويحب يعيش حر ، لايتبع احد ولا يلتزم اي اوامر او تعليمات!!!
ادرك نبيل مايحسه يوسف .......... مش بقولك السينما بوظت دماغكم .... انت واحد من ايدين الاخطبوط لكنك حر تماما تماما!!!
هو انت لما بتدافع عن مصالح عيلتك وابوك وامك وعيالك .... انا مش متجوز !!! همس يوسف!!!
ضحك نبيل ضحك صاخب ..... ماانا عارف طبعا ، انت ناسي اني عارف عنك كل حاجه من قبل ما تتولد ، انا بقول مثلا يعني !!!
احس يوسف بالخجل وصمت ...
انت لما بتدافع عن مصالح عيلتك وابوك وامك وعيالك ، اكمل كلماته كانها تصدر من شريط تسجيل ، محتاج حد يقولك تعمل ايه ؟؟
انت بتنتمي ليهم وجزء منهم ، عارف ايه اللي ينفعهم وايه اللي يضرهم ، مش محتاج تعليمات ولاحد يفرض عليك حاجه!!
انت معاهم بتتصرف بالغريزة وبتمشي وراها !!!
هز راسه يوافقه ...
معانا حتبقي كده برضه ... انت واحد منا وبتنتمي لينا واحنا جزء من البلد وبننتمي ليها ... قال جملته الاخيره وحدق في وجهه يبحث عن وقع كلماته علي روحه وقناعاته ، اطمئن له من نظره عينيه المتقده بالذكاء والانضباط ، احنا كلنا عايزين مصلحه البلد وانت معانا ، كلنا ايدين للاخطبوط ، كلنا نحس ايه اللي بيحصل وكلنا وقت الجد نشيلها لتغرق !!!
ومازال يوسف يصغي باهتمام ومنتهي الانتباه ....


( 6 )
حبيبة !!!
1965

عندما قابل يوسف حبيبة ، كانت تعد اوراقها للسفر لانجلترا للحصول علي الدكتوراه في الادب الانجليزي !!!

حبيبة ، ابنه عائله اقطاعية كبيره ، فرضت الحراسه علي املاك ابيها بعدما ضاعت منه نصف الارض التي ورثها عن اجداده بقوانين الاصلاح الزراعي ...
حبيبه جميله ومليئه بالحيويه ، لكنها تكره الثوره التي صادرت ارض اسرتها والتي فرضت الحراسه علي بقيه ممتلكات ابيها وفرضت عليها فقرا لصالح الشعب الذي لاتجد حبيبه اي مبرر ليعيش علي " قفاها وقفا اسرتها " لكن حبيبة لاتكره الثورة فقط ، بل تكره الثورة ورجالها والشعب الذي ايدها والوطن الذي خضع لها ، تكرهم جميعا ولاتشعر باي انتماء لهم وتتمني تفر بعيدا عنهم وتنساهم تماما ...
هي خريجه مدرسة الكليه الامريكيه ، ومن بعدها كليه الاداب جامعه القاهرة ، تربت وكبرت وسم كراهيه الثوره والوطن يبث في دمها واعصابها ، عندما دخلت الجامعه ، عزلت نفسها عن زملائها ، ان تحدثت معهم وهم متحمسون للثوره وعدم الانحياز ومؤتمر باندونج وقوانين الاصلاح الزراعي والقوانين الاشتراكيه والتأميم ، لو تحدثت معهم لاعتبروها عدوتهم ، هي تكره كل ما يحبوا ، عزلت نفسها عن زملائها وعاشت سنوات الجامعه وكانها في مصحه ستخرج منها وقتما تشفي ، و بعدما تتخرج من الجامعه ، ستستخدم كل نفوذ اسرتها وعلاقتهم القديمه لتحصل علي اذن سفر تفر به من سياج الثوره التي حطمت اسرتها ....
وفعلا ... نجح والدها يحصل لها علي اذن سفر وتنفست حبيبه بقوه ونامت منذ سنوات بعيده نوما عميقا ، كلها شهرين وستسافر خارج ذلك السجن ... لن يلحق بها ابيها ولا امها ، هما الماضي وهي المستقبل ، سيبقوا هما هنا حتي لا يعرقلا سفرها وعليها تسافر هي وتنسي تلك البلد وكل مايحدث فيها ...
حين شاهدها يوسف تموج بالحيويه والصخب والغضب ، ضربت السكينه قلبه وتمني لو لم يقابلها ابدا !!!!
يتذكر حبيبة ونبيل .... يانبيل لقد انتميت اليها رغم عن انفي ، لكني فررت منها خضوعا للعيلة لكنها لم تغادرني ولااملك في امري ولا امرها شيئا ...
اااااااه ياحبيبة !!!!


( 7 )
يوسف
1960

يافندم .... قاطعه بحدة ...
عارف ، عارف انك ماكانش نفسك اللقاء ده يحصل اساسا ولا تسمع الكلام ده !!
عارف انك قلقان ، بس صدقني قلقك سببه افلام السينما ... النظره الساذجه للموضوع ، دول مؤلفين خايبين مش عارفين بيكتبوا عن ايه ، بيكتبوا ايه حاجه وخلاص ولان محدش عارف حاجه الناس بتتصور دي الحقيقه ، كلامهم فاضي وتصوراتهم عبيطه وساذجه !!!
انت فاهم اني عايزك تبقي مخبر !!!
انفجر في الضحك .......... تبقي عبيط قوي !!! المخبرين كتير ، لاحد بيحبهم ولا حد بيحترمهم !!
المخبرين ، دي وظيفه حقيرة !!!
رفع حاجبيه دهشه ، طبعا وظيفه حقيره امال انت فاهم انها ايه !!!
انا مابعرضش عليك وظيفه .... انا باعرض عليك رساله !!! دعوة !!!
لم يفهم فشرح له اكثر ...
المخبرين دول في اقسام البوليس وقضايا المخدرات ........ انا عايزك فرد من عيله كبيرة محترمه ، عيله بتنقي ولادها وتشرط عليهم بالدم عمرهم ما يفارقوها ولا يخرجوا منها ، اللي يقبل يتكتب اسمه في شجره العيله وعمره مايخرج الا لما فرعه يتقطع وبالفاس ، واللي يرفض براحته مالناش عنده حاجه ولا هو ليه عندنا حاجه !!!
انا باعرض عليك شجره العيلة ، يتكتب اسمك فيها ، تبقي ابن العيله ومنتمي ليها ، عايزك تحب البلد ، مش مهم مين اللي بيحكمها وبيحكمها ازاي ، مش مهم سياسته ايه وراحه فين ، انت تحب البلد في كل احوالها واوقاتها ، يمين تحبها شمال تحبها ، قفلت علي نفسها تحبها فتحت علي روحها علي البحري تحبها ، اللي باعرضه عليك عيله عريقه يتكتب اسمك في شجرتها ، وظيفتها وهمها من ايام ابوها ادم ، اول جذر للشجره ولغايه مالدنيا تخلص ، وظيفتها تحب البلد وتحبب الناس فيها !!!
ارتبك .... مهما تصور ، لم يتصور ان هذا ما سيطلب منه !!
سيرفض الانضمام للعائله ولن يكتب اسمه في شجرتها وسيفر بحياته مع نفسه لنفسه وبلاش دوشه !!!
وحين يقابل صلاح ، سيقتله لانه اورطه في تلك الورطه الغريبه !!!
مازال يسال نفسه ، ايوه بس يعني حضرتك مين ؟؟؟


( 8 )
العجوز الهرم
1999

افاق الرجل العجوز من توهان عقله ....
ام كلثوم معه تشدو ..... وافقنا ليت ان لا نفيق !!!
لن يحكي شيئا .......... لن يقول مالذي مر فيه وكان يظنه سهلا ..
سيحكي مافات فيه هو شخصيا ... لن يتحدث عن الرساله التي طوقت العيله رقبته بها العمر كله ...
لن يتحدث عن الصعوبات التي واجهها ... نبيل قال له المطلوب منه حاجه بسيطه وهو صدقه ، لكنها لم تكن بسيطه يانبيل ، لم تكن بسيطه!!
لن يتحدث عن الصعوبات التي واجهها وعاشها ..
لكنه سيتحدث عن نفسه .
كيف تحول من شاب يفكر في نفسه واحلامه ومستقبله مثل ملايين من الشباب من جيله !!!
لاخر يحمل هم الوطن الذي لايسعي الا الي حمايته من السوس ...
في نفس الوقت لم يفقد نفسه ، احتفظ بافكاره وسلوكياته وعاش بها قدر ماعاش ، لكنه في نفس الوقت تحول ابن للعيله ويد الاخطبوط وكرس حياته ليحمي الوطن من السوس !!!
لماذا افيق ، سال الرجل العجوز نفسه !!!
تصور ان مرضه العقلي سيذهب بكل عقله الي الابد
تصور ان سيعيش ما تبقي له من ايام بلا عقل بلا ذاكره ...
فينسي كل ما مر فيه ...
لكنه ينسي كثيرا وتسطع ذاكرته ببعض احداثها في بعض الاحيان !!!
يتمني يقابل نبيل ويساله ، حضرتك هل انا شرفت العيلة ؟؟؟!!!
يبتسم يوسف ... لايظن ان نبيل كان سيمنحه الاجابه التي يتمناها الان والعمر كله خلفه !!!
يظن ان نبيل كان سيبخل عليه باي فخر ، فمن قال ان حب الوطن يحتاج لمكأفاة او نشيان !!!
لم يكن يعرف يوسف وقتها ... ان العيله التي انتمي اليها اتسعت وكبرت ودخل في شجرتها مئات بل الوف الاولاد والاحفاد !!
وان احد هؤلاء الاحفاد لم يتمني شيئا الا يري يوسف ويصافحه ويشد علي يده ويحيه !!!
لم يكن يوسف يعرف ان احد هؤلاء الاحفاد كان يقاتل في موقعه ينتظر اذنا ليزور يوسف ويمنحه ماكان يتمني يحصل عليه قبل ضياع كل الذاكره وفقدان كل العقل والاسر في متاهات الغياب !!!
هل سيفلح الحفيد يمنح يوسف الامتنان الذي استحقه ؟؟؟ ام ستستبقه الاحداث !!!!!!


( 9 )
نبيل
1960

كأنه يقرأ افكار يوسف ..... حاسيبك لبكره تفكر ، بس بكره بس ، وبكره لما ترد علي يبقي خلاص حسمت امرك !!!
يافندم ... كاد يساله بضعه اسئله تحيره !!!
صدقني ........ علشان وانت بتفكر تبقي فاهم بتفكر في ايه .... انا عمري ماحاعمل لك خدمه ولا حاساعدك ولا حانقذك!!!انا عمري ماحاطلعك من نصيبه ولا حاداري عليك .... بعد ما تقرر بشكل نهائي وتقولي علي قراراك ، حنقعد سوا قعده واحده اقولك علي كل حاجه وبعدها علاقتنا حتنقطع تماما والي الابد !!!
لم يفهم ... كانت يتصوره سيقول له علاقتنا ستبدأ !!!
ضحك ......... علاقتنا حتنقطع تماما وعمري ماحاشوفك لاانا ولا غيري !!
لاحنطلب منك خدمه ولا ماموريه ، لا حنسالك سؤال ولا حنقولك عايزين معلومه !!
علاقتنا حتنقطع بيك تماما .... لاننا حنبقي واثقين انك عارف ايه المطلوب منك وحتعمله بمنتهي الكفاءه والدقه والاخلاص!!!
اصلك لو قبلت حتقبل بجد وحتعمل اللي مطلوب منك وزياده ولو رفضت خلاص يادار مادخلك شر ...
ارتبك ... فمهما تصور انه يفهم ما يقوله لايفهمه بدقه !!
ابتسم ...... اشرح لك اكتر !!!
احنا بنبي عيله تحب البلد وتدافع عنها !!!
بنختار ولادها من الاميز والاكفء والاشطر والاذكي ...
بنختارهم بيحبوا البلد فعلا حتي لو مش واخدين بالهم ، احنا بنخليهم ياخدوا بالهم ،علشان وهما بيحبوها يحموها !!
يحموها يعني ايه ، يحموها من السوس اللي ممكن يهدها من جوه !!!
الجيش والحرب والاعداء والقنابل واسرائيل والاسلحه ، دي مش مأموريتنا ولا شغلنا ، دي ليها ناس تانيه غيرنا خالص!!!
الحراميه والمجرمين .. مش مأموريتنا ولا شغلنا وليهم ناس تانيه برضه غيرنا خالص !!!
العضم بيسوس ، والخشب بيسوس والارض ساعات يضرب فيها السوس !!!
السوس عدو ندل خاين، لانه بيضرب في الحاجه ومحدش شايفه ، مانشفوش الا لما تبقي المصيبه وقعت !!!
احنا بنعمل عيله تحب البلد وتحميها من السوس !!!
كل واحد في مكانه الطبيعي لما يقابل السوس يقاومه يحاربه يهزمه - بالضروره - ويدافع عن البلد بالحب والانتماء !!!
هز راسه يفهم .... لكنه لا يفهم بدقه !!!
طيب ممكن حضرتك تشرح لي اكتر !!
انفجر ضاحكا ................. لا لغايه ماتقرر الي قولته لك كفايه !!!
واكمل حديثه بمنتهي الجديه ، فكر لبكره .... واعرف اني باعرض علي شرف كبير بلا اي مقابل ، لن اعطيك مقابل لاني لااشتري الحب للبلد بالفلوس ، لان اللي يحبها بالفلوس يبيعها بالفلوس ، لن اعطيك مقابل لاوظيفه ولا ميزه ولا نفوذ ولا سطوه ولا هيبه !!! لن اعطيك تعليمات ولامأموريات ، لن اقابلك ابدا بعدما نتفق اما بالقبول او بالرفض ، ولو قابلتك مصادفه فانا لااعرفك ولم اقابلك ابدا !!!
كل مااعرضه عليك هو الانتماء للبلد وحبها والدفاع عنها بطريقتك انت !!!
لمح الاندهاش علي وجهه ، ايوه بطريقتك انت !! واحنا حنبقي واثقين في طريقتك !!!
احنا مختارينك وعارفين عنك كل حاجه ، عارفين طريقه تفكيرك وتصرفاتك وسلوكك ، وبالتالي عارفين تقدر تحب البلد ازاي بطريقتك !!
نظر في ساعته كانه يقول له حان وقت الرحيل ...
فهم يوسف رسالته وقام مكانه ، شد جسده الممشوق وسلم عليه بقوة ....
حاستناك بكره ............ لو ماجيتش حارفد الراجل اللي قال لنا عليك ، لانه يبقي ماعرفكش كويس وفي شغلنا مافيش هزار ، الغلطه بفورة ، حارفده لانه رشح حد ماينفعش يترشح ، يبقي هو كمان ماينفعش يفضل علي كرسيه !!! لكن لو جيت وقلت لا ، عادي ، عادي جدا ، حننساك فورا وحنشطب علي اسمك !!!
ارتبك يوسف للحظه ثم سيطر علي مشاعره ، لكن نبيل فهم راسه وتداعيات افكاره وانفجر ضاحكا ، ايه حتخاف نضطهدك ، هز راسه نفيا ، احنا مش عصابه الخط في الصعيد حنضطهدك ، حنشطب علي اسمك يعني ننساك وانت كمان تنسانا وبس!!!الي اللقاء ...
ودفن راسه في اوراق امامه قائلا بطريقه واضحه ، المقابله انتهت !!!
فتح الباب وخرج لم ينظر خلفه ، وكان متأكد انه مش حيبص وراه ، لما مشي تنفس نبيل الصعداء ، كل التوقعات التي توقعناها منه في محلها بالضبط !!!! ابتسم وهمس ، حيرجع بكره يقول موافق ............. وعاد لاوراقه !!!!


( 10 )
حبيبة
1965

كيف حصلت حبيبة علي تأشيره دخول لانجلترا ، هذا في ذاته لغز كبير ، فبعد حرب السويس والعداء الصريح بين الثوره وانجلترا ، كان سفر اي مصري لانجلترا ضرب من الخيال ، كيف حصلت حبيبة علي تأشيرة دخول انجلترا ؟؟؟ لغز لم تعرف هي ابدا سره ، ربما ابيها وعلاقاته القويه برجال الملك ، ربما كان لابيها علاقه بالسفاره الانجليزيه قبل الثوره ، فاستثمر تلك العلاقه لينتشل ابنته من الثوره وانيابها وقبضتها القوية ...
هذا كله ليس مهما ....... المهم ان حبيبه كانت تعد اوراقها للسفر لانجلترا وقت قابلت يوسف في منزل عمته !!
حبيبه صديقة ابنة عمته التي تخرجت مثلها من كليه الاداب لكنها كلفت للعمل في احد المدارس الثانويه في المنصورة ، كانت ابنه عمته تستعد للسفر للمنصوره بمنتهي الحماس ، ستستقل عن بيت ابيها وسطوة عمته وتعيش مع زميلاتها في السكن التابع للمدرسه ، ستدرس في مدرسه ثانوية وتساهم في بناء الجيل الجديد وتعليمه !!!
اقامت عمته حفلة لتوديع ابنتها التي " حتتغرب " في المنصورة !!!
يوسف ذهب لتلك الحفله مجبرا ، امه اصرت يرافقها ، تضمر في نفسها امنيه ربما تتحقق حين يقابل يوسف فتيات كثيره في تلك الحفله فينتقي احدهن للزواج وهو الذي يرفض الزواج دونما اسباب مفهومه ... لم تقل له الام بالطبع دفين هدفها لكنها صممت يذهب معها ليوصلها ويعود بها ، يوسف يفهم امه وما يدور في راسه ، وافقها شراء لرأسه من زنها الذي لاينتهي ...
وياليته لم يوافق امه وليته لم يقابلها ... حبيبة !!!
دخل بيت عمته ، بنات كثيرات ، متجملات انيقات ، يرتدين حسب موضه تلك الفتره ، فساتين مزركشه ، تسطع عيونهن بالحيويه والكحل الاسود ، يلوج الروج الوردي الفاتح شفايفهن ، جميعهن منشغلات بحوار صاخب ، حبيبة في جانب وبقيه الفتيات في جانب اخر ، وابنة عمته مشفقه علي صديقتها من الهجوم الكاسح الذي ينصب علي راسها من بقيه الفتيات !!!
يومها لم ينطق يوسف بكلمه ، لم يكن ابن العيله كما يتوقع منه ، لم يدافع عن الثوره والوطن والتنميه والاشتراكيه العربية ، لم يهاجم الاقطاع وفساد الملك ، لم يبرر حتي اعتقالات الاخوان المسلمون بمحاوله اغتيالهم لجمال عبد الناصر ، صمت تماما ، حينما سمع صوت حبيبة ، صوت مرتعش بالحماس والعزله ، هي تصرخ بما تؤمن به لكنه معزوله تماما عن المجتمع الذي تعيشه ، لااحد يفهم مالذي تقوله ، كلهن بنات الثوره المتحمسات لها ولجمال عبد الناصر ، هي فقط تتحدث عن اسرتها ومالحقها ومثلها اسر كثيره ، صودرت املاكها علي يد الثوره لصالح " فرقه رضا واغنيه فدانين خمس "...
يومها فهم يوسف معني ان يكون اثنين ، يوسف ابن العيله كان يتعين عليه يتصدي لحبيبة ، يخالفها الرأي ، يدعم الفتيات في ارائهن المتحمسه للوطن الفياضه بحبه ، كان يتعين عليه يهاجم حبيبة بقوه ، يعايرها باسرتها الاقطاعيه ، يحول مناقشتها لمرارات شخصيه تقتص من الثوره بسببها ، يسرق اي بساط من تحت قدميها وكانت ستسقط بمنتهي السهوله ، فهي معزوله وضعيفه وتتحدث بلغه لاتفهم بنات الثوره مفرداتها ... لماذا قرر يوسف المشفق علي حبيبة المعجب بها ان يخرس يوسف ابن العيلة ويمنعه من الكلام ، لكن مدام ابن العيله لن ينطق ، فهو ايضا لن ينطق ، لو نطق وساندها سيخون العيلة التي كتبت اسمه في شجرتها بالدم ، سيهدر الرساله التي قضي خمسه سنوات منذ لحظه خرج من مكتب نبيل موافقا علي الانضمام للعائله وهو يدعم فيها ...
صمت يوسف تماما ، راقبته امه ولم تفهم سر صمته ، ففي وسط البنات وبالذات بنات الثوره المتحمسات لها ، يبادلهن النكات والحماس ويزيد حماستهن للوطن الذي يستحقه نحبه ، اليوم صمت تماما ، لمحت امه بذكاء وفطريه الامهات النظرات التي كان يختلسها يوسف لحبيبة ، سعدت الام ، الفتاه الجميله سليله العائله العريقه اعجبت ابنها زينه الشباب وسيد الرجال والباقي كله سهل !!! هكذا تصورت الام!!!!
بعد العشاء ، خرج يوسف الشرفه فوجد حبيبه تبكي ولااحد يشعر بها ، ارتبك ، هل تبعثرت دقات قلبه وقتها ، منحها كوب ماء وينبوع اهتمام وحنان ، اقترب منها هامسا انه لا يوافقها علي كل افكارها ، هزت راسها توافقه ، مش انت لوحدك كل الناس مش بتوافقني علي افكاري ، علشان كده لازم امشي ، يكاد يوسف يسالها عن قصتها ، لكنه لايسالها ، تحكي هي مأساتها دون سؤال ، انا خلاص مش قادره اعيش هنا ، باكلم نفسي ، محدش عايز يفهم اي حاجه بقولها ، ايه فيه ايه ، هي الناس معمول لها غسيل مخ للدرجه دي ، توتر يوسف ، يتمني يناقشها ، لكن يوسف ابن العيله قرر وبسرعه انها لاتصلح للمناقشه وانها لن تغير رايها قيد انمله وانها هدف عظيم يمكن مبارزته ليكسب قلوب وعقول وولاء وحب بنات الثوره للوطن اكثر واكثر ، لكنه يوسف قرر يخرس يوسف ابن العيلة ، يخرسه ، رجاه يشفق عليها ، اخرجه من الشرفه وبقي معها وحده ، البنات منشغلات بالرقص وعمته مشغوله بدموعها علي فراق ابنتها وامه سعيده بانفراد يوسف بحبيبة تنتظر يعودا للمنزل حتي تفاتحه في رغبتها في اتخاذ خطوات جديه مع الفتاه !!!
يوسف مازال اخرس ، لكن عينيه يقولا لحبيبة كلام كثير ، يقول لها انه مهتم بها ومشفق عليها من وحدتها وكان يتمني يكون حرا حتي يواسيها ويحاول تهوين الامر عليها ولو حتي بسب الثوره القاسيه التي دفعت ضحايا ابرياء كثيرين ثمن جراءتها وقراراتها الثوريه ، لكني لست حر ياحبيبة ، واكثر عزله منك !!!!!!!!!
نظرت له حبيبة نظرة استكشاف وكادت تساله انت مين ، لكنها صمتت ، سؤالها وصله وحمد ربه انه لم تجهر به !!!




نهايه الجزء الاول
ويتبع بالجزء الثاني

متناثرات .. من كراسة مدفونه في درج سري ( الجزء الثاني )


الجزء الثاني


(11 )
العجوز الهرم
1999

مازالت الهلاوس تمزق بقايا ذاكرة العجوز .. يوسف !!!

ذراع الاخطبوط ..هذا ماكنته طوال سنوات طويلة ، ذراع الاخطبوط ..كنت انا ومعي اخرون كثيرين ، مائه ، الف ، مليون ذراع اخر ، نتحرك صوب هدف واحد ، كلنا نتحرك كل في مكانه ، لكن كلنا نتحرك معا وجسد الاخطبوط صوب هدف واحد تنعرفه .... حمايه هذا الوطن من السوس !!!
ياه ......... ياه يايوسف لو كنت تعرف ان المشوار اخرته كده ، هل كنت ابتديت ؟؟!!!
ميت مره كنت عايز اعيط ، عايز اشتم ، عايز اتخانق ، عايز اهاجر واطفش وامشي وافقد الذاكره واعيش حياتي عادي!!!
عايز اكسر الطوق اللي نبيل حطه في رقبتي واتحرر من كل حاجه !!!
ميت مره فكرت اختفي وقلت عمرهم ماحيلاقوني ، حاروح البلد اعيش هناك ، في بيت جدي في الفلاحين ، انا ابن الاكابر ولوعشت وسط الفلاحين عمرهم ماحيفتنوا علي ولا يوصلوا حد لمكاني ، حاروح اعيش في البلد وهناك استرد نفسي شويه شويه ، ايوه ، ارجع زي ماانا مش زي ماهما عايزين ......
مين هما ........ هما العيله اللي اتكتب اسمي في شجرتها بالدم ، قلت اه ، انا ذراع الاخطبوط ، واحد منكم !!!
اللي مطلوب مني بسيط جدا ، اخلي الناس تحبني وتحترمني واخليهم يحبوا البلد !!!
انا تصورتها مهمه بسيطه ، كنت شاب صغير مليان حماس ، اخلي الناس تحب البلد ، طب ماهم بيحبوها فعلا !!!
سهل قوي ... سهل و كمان يخلي الواحد فخور بنفسه ، فخور بنفسه لانه عاش وحيعيش حياه ليها قيمه ، مش عايش لنفسه بس ، عايش لصالح البلد اللي بيحبها ....
اتاريها مهمه صعبه قوي قوي ........... اخلي الناس كل الناس تحبني ، صعب لكن مش مستحيل !!!
اخليهم يحبوني من غير ماامثل عليهم ، لان الناس ذكيه وبتفهم في اللي بيمثل عليها وبيكذب !!!
لازم اخليهم يحبوني لاني استحق الحب !!!
اتاري الموضوع قصه صعبه ومعقده قووووووووي !!
انا بني ادم عادي ، او كنت !!!
بني ادم عادي ... في مميزات وفي عيوب زي كل الناس !!!
عيوبي طبعا حتخلي ناس تكرهني ، تكرهني انا واللي خلفوني !!!
لكن لو كرهوني خلاص ابقي فشلت في مهمتي !!!
ماينفعش يكرهوني ........... لازم يحبوني !!!
طبعا الحب مش بالعافيه ، لكن لازم اخليهم يحبوني بالذوق والود !!!
يادي المصيبه !!!!
ايه اللي عملته في نفسك ده يايوسف ...
المصيبه اني كنت عارف اني لو اختفيت عمرهم ماحيدورو علي ، كلب ومات ، او كلب واختفي ، ما هو انت لما تقرر تتخلي عن رسالتك محدش يدور عليك ، ماتستاهلش حد يدور عليك !!! وانا محبش ابقي كلب ومات ، طيب مش حاختفي وحاكمل اللي مفروض علي اعمله!
يتذكر كلمات نبيل ، انا مابجندكش في تنظيم سري ولا في جهاز امني ، لا حاطلب منك معلومات ولا حاطلب منك تكتب تقرير ولا تبلغ عن حد ولا تتابع حد ..
قاطعه يوسف .... امال حضرتك عايز ايه مني بالضبط
انفعل عليه نبيل .... يابني ادم افهم ، عايزك تحب البلد وتخلي الناس تحبها ، صعبه دي!!!
يتذكر يوسف صمته التام وقت ساله نبيل ذلك السؤال .... صمت وقتها لكن الان يستطيع يقول ، ايوه كانت صعبه قوي يانبيل مع كل اللي حصل وكل اللي عشناه !!!
ومازالت الهلاوس تعصف ببقايا عقل يوسف ..

( 12 )
القاهرة
1957

وسط البلد

في شقه مظلمه في بنايه قديمه في وسط البلد ، كان يجلس سعيد مهموم ، اعماله كثيره ووقته قصيره واحساسه بالذنب لايضاهيه احساس اخر ...دخل عليه رجل اخر ، حياه التحيه اللائقه ... ااقعد يا نفيس وقولي عايز ايه بسرعه ، الوقت قصير وانا مرهق ..
ابتسم نفيس .... عايز اعمل عيله كبيرة !!
نظر له الرجل نظرة تحمل مائه علامه استفهام ...
يافندم .. عايز اعمل عيلة كبيرة يكون لها وظيفه واحدة ، تخلي الناس تفضل تحب البلد ..
اعتدل الرجل وتنهد ، عايز ايه يانفيس !!!
يافندم ، شغلنا فيه مليون حاجه مهمه ، احنا بنفكر في افريقيا وفي العرب ، احنا بنفكر في الاخوان المسلمين واسرائيل ، احنا بنفكر في الجامعه وفي المصانع ، دايما حاسين ان فيه خطر لازم ننقذ البلد منه ..
وبعدين يانفيس .
انا عايز اعمل حاجه تانيه ، عيلة ، مش وظيفتها تنقذ البلد من الخطر ، وظيفتها تحمي البلد من الخطر قبل ما يقع ، اي خطر مهما كان كبير مالوش اي تاثير لو الناس بتحب البلد وبتنتمي ليها ، الناس هي اللي حتشيل البلد وتحميها في عينيها وتخرجها من ازماتها ، عايز اعمل عيلة ، ناس كتير ، في كل موقع ، في كل مكان ، احملهم رساله حب البلد ، انت انبياء ، اصحاب رسالة ، وظيفتكم وانتم عايشين حياتكم العاديه خالص ، انكم تخلوا الناس يعرفوا يحبوا البلد ، تعرفوا تخلوا الناس مهما كانت المخاطر او الصعوبات او الازمات او المشاكل ، مهما واجهوا ومهما قابلوا ، يفضلوا يحبوا البلد ويحموها !!!!
انتبه سعيد لما يقوله نفيس ... كلامه له معني كبير علي غرابته !!!
تشجع نفيس واكمل .... انا مش حاعمل تنظيم ، ولا حاجند ناس ، ولا حاخرجهم من حياتهم ، لا ... انا حاتواصل معاكم ، اكلمهم ، اقنعهم بالرساله الساميه اللي عايزيهم يعيشوا بيها ، البلد دي تستحق نحبها ونفضل نحبها ، كل البلاد مرت بازمات ومشاكل ، كل البلاد بتحارب وتغلب وتتغلب ، ظروفها الاقتصاديه تتحسن تتنيل ، تواجه مشاكل حصار حرب ، تواجه حاجات محناش عارفينها دلوقتي ، تخلي الناس تكفر بالبلد وتكرهها وتزهق منها وتبقي عايزه تطفش ، العيلة دي وظيفتها تربطهم بالبلد تخليهم يعذروها يتعاطفوا معاها يحبوها!!
صمت نفيس .. ينتظر رد فعل سعيد !!!
اشعل سعيد سيجاره وصمت طويلا ...
قصدك يانفيس ، نخليهم يحبوا الثورة ؟؟
لا يافندم ، البلد موجوده قبل الثوره وحتفضل موجوده بعدها ... الثوره حدث سياسي له مؤيديه ومعارضيه ، ناس مع وناس ضد ، انا مش عايز اعمل تنظيم سياسي له وجه نظر سياسيه ، لا العيلة بتحب البلد بصرف النظر عن السياسه ، تدافع عن الثوره لو ده حيخلي الناس تحب البلد ، وتهاجمها لو ده حيخلي الناس تحب البلد اكتر ، وانا باقصد بالحب ، الحب والانتماء والعطاء ، مش حب وبس !!!
اعجبت الفكرة الغريبه سعيد لكنه قرر يشاكس نفيس ويخرج كل ما في قلبه !!!
هما حذروني منك وقالوا عليك مجنون ، لكن ماكنتش فاهم انك مجنون للدرجه دي !! وانفجر ضاحكا !!
جامله نفيس وضحك ضحكتين واكمل ..... يافندم ، انا مجنون فعلا ، لاني بافكر بطريقه غير تقليديه ، لكن حضرتك قلت لي قبل كده انك بتكره التفكير التقليدي و.... انفجر ضاحكا ...
يافندم ، انا بحب امي ، تتخانق معايا احبها ، تخاصمني احبها ، تعاقبني احبها ، عمري ماكرهت امي ولاحاكرهها ، تغضب علي تحبني ازعل منها ازعلها ، هي امي وحتفضل امي ، لما ابوس ايدها لما اخش في حضنها تبقي الدنيا ومافيها ، انا بحب البلد زي امي واكتر والناس كلها بتحس ان البلد دي امها وحضنها وامانها ، عايز اخليهم دايما فاكرين انها امهم ، انهم امانهم ، انها سترهم ، انها حضنهم!!
نظر له سعيدا طويلا وانفجر ضاحكا .......... ده انت شاعر بقي !!!
لم يضحك نفيس .... يافندم ... انا جاني الاحساس ده امبارح ، كنت قاعد في صوان عزا ابن عم ابويا ، العيله قاعده حواليا عزوه وقوة ، العيله بتعمل كل اللي مطلوب منها من غير ماحد يقول لها حاجه او يطلب منها حاجه ، العيله عارفه اللي عيلها وبتعمله ، البلد دي ، الوطن باللغه العربية ولغه الشعراء ، محتاج شعبه يحبه بمميزاته وعيوبه ، مش يحب الثوره ولا الحكومه ولا اي حكومه جايه ، يحب الوطن ، لو حبينا الوطن عمره مايتهزم ، عمره ما يتكسر ، دايما يطلع لقدام ، زي الام اللي بتحب ابنها ، بتقعد جنبه تراعيه وتذاكر له وتسنده ، العيله حتبقي ام الوطن والوطن امها ، هي تسنده وتدافع عنه وهو يكبر بيها وبالناس اللي العيله حتخلي الوطن طول الوقت في قلبهم !!!
يسمعه سعيد بكل اهتمام ...
يشعل سعيد سيجاره وينسي اعماله الاخري ...
بص يانفيس ، كلامك غريب قوي ، دي حاجه لاحد عملها قبل كده ولا حيعملها من بعدنا
ابتسم نفيس ، سعيد تحمس للفكره ووضعها موضع التنفيذ ...
فكره جديده جدا ، لدرجه اني ااقولك ان القياده السياسيه لما حتسمع عنها حتستغرب جدا ، قاطعه نفيس ، لا يافندم ، القياده السياسيه مش حتستغرب ، القياده السياسيه حتفهم جدا احنا بنقول ايه وحتتحمس له ، احنا بنخلق للوطن عيلة تحبه مهما حصل له !!!
غاب سعيد مع دخان سيجارته ... وده يتعمل ازاي عندك فكره ، فكرت بالتفصيل يعني ولا ايه !!!
ضحك سعيد ، ايوه يافندم فكرت وحطيت تصور مبدئي ... انا عايز كل النماذج الناجحه في البلد تخش العيلة ، كل واحد منهم حينجح في موقعه وهو ابن العيله حيشرفها ، كلامه حيبقي له مصداقيه وتاثير علي الناس ، كل النماذج الناجحه المشرفه هي ولاد العيلة ، اللي عايزه منهم يفضلوا يحبوها ويحببوا الناس فيها ............... وانهمك الاثنين في حديث طويل !!!!!!!!!!

( 13 )
يوسف
1999

في مكانه المعتاد ، علي نفس المقعد ، والشمس تستعد للغروب

وصوت ام كلثوم تشدو ........ ولو كنت اقدر احب تاني احبك انت !!!
تعود اليقظه لبقايا عقل يوسف رويدا رويدا ...
تذكر نبيل والعيلة ...
سنين كتيره قوي عدت بعد المقابله اللي قلت لنبيل فيها اه
يحاول يوسف يتذكر عددهم لكنه في تلك اللحظه يفشل تماما في عد السنوات !!!
انا موافق .... كلمتين وبدأت الرحلة ...
قبلها قضيت ليله طويله افكر ، لو قلت اه يعني ايه ؟؟ ولو قلت لا يبقي ليه؟؟
فكر كويس يايوسف مجرد قرار واحد يغير حياتك للابد
مهندس متخرج من كليه الهندسه سنه 1960 باحلم بالسد العالي اشتغل فيه اسافر اسوان اكون جزء من ملحمه وطنيه!!
ومين عارف جايز اعرف عن طريق عمي احصل علي بعثه لموسكو ، ماهي البعثات كلها بتسافر موسكو ، اسافر اعمل دكتوراه وارجع اطبق العلم اللي اتعلمته هنا ، صحيح انا بكره الروس ومحدش يقولي ليه ، يمكن لان عمي وهو بيشتغل في السفاره هناك بيكرههم جدا وبيقولوا شيوعين اجلاف ، صحيح بكره الروس ، لكن مش مهم ، هما شاطرين جدا في العلم وده المهم ، والحب في القلب بقي !!
قلنا حنبني وادي احنا بنينا السد العالي .... انا واحد من اللي حيبنو السد العالي ...
وحاحب مهندسه زميلتي ونعيش في اسوان و.........ارفع راسك يااخي انتهي عهد الاستعمار !!!
لكن كل ده اتغير ..............
بحسم اوضح له نبيل ، ماينفعش تروح اسوان ... تتنفي في اخر الدنيا ... فيه في البلد ميت الف مهندس شاطر زيك واحسن لكن احنا محتاجينك هنا ..يعني يافندم ..... ؟؟ ايوه ، ماينفعش تسافر ، لاتروح اسوان ولا تروح اسكندريه ، انت ابن القاهره وعارفها وحافظها ، اهلك وناسك ومعارفك هنا ، في اسوان حتلاقي ميت واحد من العيله عاجنها وخابزها وجحا ادري بشعابه ، انت تفضل في القاهره ، القهوه اللي بتقعد عليها ، الجامع اللي بتصلي فيه ، النادي اللي ابوك عضو فيه ، زمايل المدرسه الثانوي ، جيرانك ، بيت عمتك اللي في حلوان ، بيت خالك اللي في المنيل .... انت مكانك الطبيعي القاهره ولازم تفضل فيها !!!
اول معلومه اتقالت واحسها قيد علي ....
ضحك ضحكات متتاليه ، ماهو طبعا حيبقي فيه قيود عليك ، قيود ان صوتك مش حيبقي من راسك ، حيبقي من قلبك ، وقلبك مضبوظ علي توقيتنا احنا ، مره واحده حنظبط الساعه وهي بعد كده عارفه طريقها ...
لما تبقي ابن العيله بتاعتنا ، عمرك ماتسيب مكانك ، ده خط النار بتاعك ، الجندي عمره مايسيب مكانه ويروح حته تانيه مايعرفهاش ، هو حافظ موقعه وعارفه ، لو راح حتي تانيه يبقي غريب والغريب اعمي ولو كان بصيره !!
هل لاحظ وقتها اندهاشي وترددي ..... اشرب القهوه واديني بندردش مع بعض وحاعتبر ان قرارك النهائي بعد الدردشه!!! شربت القهوه ....
مافيش اسوان ، لكن طبعا مش حتعتقل في القاهره ، حتعيش عادي زي الناس ، تروح بلدكم ، تسافر تبع شغلك هنا او هناك ، حتصيف زي كل الناس ما بتصيف ، حتصيف في الحته اللي اتعودت تصيف فيها كل سنه ، ولو غيرت مكانها تختار مكان تاني تروحه كل سنه ، تبقي عمده ، عمده في حتتك في قهوتك في مصيفك ، عمرك ماتبقي غريب ، الغريب مالوش تأثير ، الغريب عايز اللي ياخد بايديه وانت مفروض تاخد بايد الكل ..........
طار حلم اسوان والسد العالي يايوسف ، دور لك علي حلم تاني !!!! همست لنفسي !!!
ابتسم نبيل .......... وصمت ينتظر استوعب ماقاله لانبدأ دوره جديده من المناقشه !!!
يحاول يوسف معرفه كم سنه مرت علي ذلك اللقاء لكنه لا يستطيع !!!
لعن المرض وذوبان عقله ووعيه المؤقت الذي يلتهمه المرض بسرعه وقسوة !!!
هامش .................... 2
ماينفعش افضل اتكلم كلام غامض كده ، دي ماتبقاش حدودته ، ده يبقي لغز !!!
لازم افسر شويه ...
دي عيلة .... عيله كبيرة ، ويمكن كمان اكبر عيله في مصر ، عيلة اتكونت بقرار جريء من سعيد بسبب فكره مجنونه من نفيس ، عيلة كبيرة قوي ، مافيهاش نسب وستات ومين خلف ومين اتجوز ، ناس تانيه اتجوزت وخلفت والعيله دي خدت افلح العيال علي الجاهز ، مره زمان حد تصور انهم بينقوا العيال الفالحه من وهما في المدرسه الابتدائي ، بيحطوا عينهم عليهم ويتابعوهم ولما يبقوا خلاص استووا وطلبوا الاكاله يفاتحوهم !!! ده كلام مش حقيقي ، سببه بس ان اختياراتهم كلها بديعه جدا ، كل الشباب والبنات اللي دخلوا العيله يفرحوا القلب ، زينه شباب مصر ، متنقيين علي الفرازه ، ادب واخلاق ودين واصل ، عيال ذكيه وحلوه ولماحه وشاطره واهم حاجه قلبهم بجد علي البلد ......
عيلة ......... مسلمين ااقباط ، يهود كمان ، بنات رجاله ، ولاد فلاحين ولاد اقطاعيين ، عيال اتعلمت بره ورجعت ، عيال عمرها ماسابت البلد ولا تعرف تخرج منها ، علي كل لون ياباطسته ، المهم ان كلهم كشفوا دراعهم واتشرطوا وكتبوا بالدم شهاده ميلادهم الجديدة ونسبهم للعيله دي ، كل واحد وواحده كتبوا بالدم اسمهم علي الشجره وخضروا فرعهم وعاشوا العمر كله يسقوا الشجره دي بعرقهم واخلاصهم وحبهم !!!!
عيلة كبيرة ، كان بيمثلها وقت المقابله مع يوسف واحد من اذكي ولادها ، اه ماهي العيله لما سمعت عن يوسف واتحطت المعلومات بتاعه قصادها ، المعلومات اتدرست واتحللت واتفهمت ، عرفت العيله ان يوسف صعب ، شكله سهل لكن صعب ، راسه ناشفه وصوته من راسه ومالوش ممسك ، حبله علي ضهره و حر ومتمرد ، لكن لما بيؤمن بحاجه بيموت نفسه علشانها ، مين بقي اللي حيعرف يقنع يوسف يخش العيله ويتحمس لشغلها ، مافيش غير نبيل ...
ماينفعش احكي حكايه نبيل دلوقتي ، ماهي حكايه نبيل زي حكايه يوسف ، حد رشحه للعيله وحد اقنعه بيها وغير حياته كلها ...
يبقي انا باحكي عن عيله وشجرتها ..........
واللي قابل يوسف نبيل !!!
نرجع بقي لحكايه يوسف !!!


( 14 )
نبيل
1960

مجرد تليفون صغير و..... مقابله صغيرة !!!

حتقابل شاب جميل لكن متمرد قوي يانبيل !!!
ضحك نبيل وهمس لنفيس .... مين اللي بيتكلم يانفيس !!!
ابتسم نفيس وهمس ... اه التمرد ميزه كبيرة لكن لازم حد متمرد اكتر منه يعرف يخليه يقتنع ويصدق وينتمي ويدينا حياته!!!ابتسم نبيل وهو يودع نفيس ... خليها علي الله وغادره يفكر في يوسف وكيف ستكون المقابله بينهما !!!
نبيل واثق من نفسه وقوي الشخصيه وفي نفس الوقت بسيط ولطيف ، حاسم وقت مايلزم وعنيف وقت مايلزم ، لكن طيب وبيعذر الناس كلها ، هو نبيل اللي يقابل يوسف ....جابوا نبيل من اسكندريه ..... نبيل قاعد في اسكندريه ومالوش في المقابلات دي خالص عملها مرتين تلاته وقالهم ماتحطونيش في الموقف ده تاني ، قالوا له حاضر ، لكن هو كان عارف وهما عارفين انهم لو احتاجوه يجيبوه وهو كان عارف انه حيقول حاضر ، واهو اللي كان متوقع حصل ، تعالي يانبيل ، حاضر ، نبيل اسكندراني صح ، بيعشق ماريا وترابها ، روح اسكندريه كلها جواه ، من البحر الميت للقلعه من ابو القير لسيدي العجمي ، حافظها شبر شبر من الانفوشي لزيزنيا من لوران للمعموره من كامب شيزار لسان استيافنو .... لازم تيجي يانيبل تتكلم مع يوسف ، ولازم يوسف مايحسش انك اسكندراني ولازم تسيطر عليه وتقنعه ، وهي قعده واحده ولا اتنين ، لو طول عن كده ماينفعش ، يوسف متمرد وذكي ولو حس اللي بتقوله حيسلم علي طول ...
نبيل ركب الديزل وساب نبيل الاسكندراني في اسكندريه ، لبس وش القاهره ، مابيحبهاش لانها زحمه وعمره ماانتمي ليها ، لكن يوسف لازم يحس انه من حواري القاهره من الدرب الاحمر او مصر العتيقه ، لو حس انه اسكندراني دماغه حتروح لبعيد واحنا مش عايزينها تروح لبعيد ...........ركب نبيل الديزل وقام لماري مراته ، ان عنده واجب عزا في مصر وسافر ، ماري ماسالتش مين مات ، هي مااتعودتش تسال ، اللي بيقوله نبيل صح وخلاص .........

( 15 )
نجية
1972

هو يوسف بيشتغل ايه يانجية !!
ضحكت نجية وقالت لشقيقتها ... انت اتهبلتي يانجيه ، يوسف مهندس ماانت عارفه !!!
كتمت نجية وضحكها وصمتت فزوجها ابو يوسف مات من يومين وهي ترتدي ملابس الحداد وجميعهن حزاني !!!
عارفه يانجيه طبعا انه مهندس ... لكن في وقت الجنازه كنت مستغربه قوي ، ولادي قالوا لي كمان ان الناس في الصوان كانت ياما ، من كل شكل وصنف ولون ، بهوات وافنديه ، عمال بشحمهم وناس الا فرنكه ، مهندسين وغيرهم ، تصدقي استغربت وقلت اسالك جايز فيه حاجه مش عارفاها !!
نظرت لهم نجية بعتاب .... الناس بتحبه يافردوس بتحبه ، اللي ربنا يحبه يحبب فيه خلقه !!! ايه علاقه الشغل بالموضوع ، يوسف طيب وقلبه طاهر والناس بتحبه ، لما عرفوا انه ابوه مات جم يقوموا بالواجب ، ولادك بيبصوا ليوسف علي محبه الناس ليه يافردوس ؟؟؟
ارتبكت فردوس ، مش القصد يانجيه خالص ، يقطعني ، انت فهمتيني غلط !!!
هزت نجيه راسها تعجبا وتركت فردوس في الصالون وقامت ، حاروح اصحي يوسف يافردوس وانت شغلي القرأن ...
سارت نجيه في الطرقه الكبيرة تفكر ... صحيح الواد حبايبه كتير قوي ربنا يزيدهم ...
لاتعرف نجيه مالذي فعله يوسف في حياته حتي تحبه كل هذه الناس !!!
كثير من الوجوه التي جلست في الصوان منذ اول الليله لاخرها لايعرفهم يوسف ، جاملوه وشدوا علي يده بقوه وصدق ، احتضنه بعضهم ، التأثر الذي وجهه علي وجوههم ، كثيرين بقوا بجواره حتي اختتم المقريء الليله الطويله بالادعية ...وحين غادر كثير من الناس الصوان واوشكت الليله تنتهي ، التفت يوسف ليشكر الغرباء ويسالهم من انتم ، لكن احدا منهم لم يكن موجود !!!
لمعت الدموع في عينيه وتذكر نبيل !!!
اشمعني نبيل !!! لانعرف لكنه تذكر نبيل !!!!


( 16 )
يوسف
1961

ناده ابيه ، يايوسف يايوسف ، خرج من غرفته نصف نائم بالفانله الداخليه ، عمك بعت وقال خلاص ربنا يسهل قدر يلاقي لك مكان في الجامعه ، مش في موسكو بالضبط ، في كييف ، معهد دراسات الكترونيه عالي و.......... قاطعه يوسف ، خلاص يابابا انا صرفت نظر ، لم يفهم الاب ، صرفت نظر عن البعثه ، اه ، شغلي عاجبني ومش عايز اذاكر تاني !!! حدق فيه الاب يكاد يساله ، ليه يايوسف ، لكنه لم يعتاد يساله عما لا يقوله ، يعرف ابنه ، لو رغب في الشرح لشرح له مبرراته ، يايوسف ، انا حابعت جواب لعمي اشكره لكن خلاص انا صرفت نظر خالص ....

التحق يوسف بشركه مقاولات كبيره ، تقدم من ضمن الالاف للوظيفه فاختاروه ، شركه كبيره مليئه بالعمال والمهندسين ، لها مائه موقع في الجمهوريه وخارجها ، امه سعدت بتعيينه ، وابوه فكر قليلا ثم قال له ، ربنا بيحبك يايوسف ، مكانك ده يتمناه ملايين ، ومحدش بيتعين فيه الا بالواسطه ، ربنا كان واسطتك ، ابتسم يوسف ونعم بالله يابابا ......
اول مره سافر خارج القاهره سافر لاسوان ، شهرين في موقع الحفر ، ابتسم قبلما ينام ذات ليله وهمس ، انا عارف والله انك اللي بعتني هنا ، عايز تقولي اللي نفسك فيه حنعمله لك ، ماهي مش صدفه اول مره اخرج من القاهره اروح اسوان اللي كان نفسي اروحها !!
كان يعلم ان نبيل او اي نبيل من العيله توسط له او اصدر اوامره ليتعين في الشركه الكبيره وليسافر اسوان ، العيله تساعده دونما تفصح ، لكنه يحس باصابعهم تتدخل احيانا وتغير مسار عجله القياده ، تحرف سيارته يمينا او يسارا ، الكل يري مايحدث لكن لااحد يفهمه الا يوسف ، ابتسم يشكر نبيل !!! كان نفسي اشوف اسوان والسد وهو بيتبني !!! شكر نبيل واحس شوقا ليتكلم معه !!!


( 17 )
نبيل
1981

اغلقت ماري التلفزيون وانفجرت في البكاء ..
تنظر لنبيل تنتظر منه اي كلمه لكنه صامت تماما ..
لايجوز عزل الانبا شنوده ، هذا ليس منصب رسمي ولا وظيفه ، انه البابا !!
اطفأ سيجارته واحتضنها ، ترتج في حضنه ، همس ، ماتخافيش !!
التليفون لايكف عن الرنين في منزلها ، صديقاتها وبنات عمومتها ، يعرف مالذي يقولوه لها ، اغلقت السماعه ونظرت له ، تريزا مصممه تاخد بناتها وتسافر عند عمها في كندا ، الناس خايفه قوي يانبيل ، مش كفايه اللي حصل في الزاويه الحمرا واللي بنسمع عنه ، كمان البابا ، ده كتير كتير قوي!!!
نبيل غاضب ولا يتكلم ... مايحدث خطأ كبير يفسد كل عمل العيلة سنوات طويلة!!!
حين تقرر تريزا تاخذ بناتها وتهاجر لن تكون الاولي ولن تكون الاخيرة ...
انها لاتشعر بالامان ، والوطن الذي لايشعر اهله بالامان ليس بوطن ...
تذكر كلمات نفيس له ..... السوس يانبيل السوس ، السوس مابياخدش اذن علشان يفترس جسد الضحيه ، زي السرطان محدش يحس بيه الا لما ينتشر وتكون الدنيا باظت ، اضبط قلبك علي بوصلتي ، اللي تحسه سوس يبقي سوس ، انت في مكانك اكتر واحد عارف فين السوس اللي حيخوخ البلد ويخليها تنهار ، لما تحس بالسوس هاجم عليك ، صدق احساسك واتصرف واتعامل مع الموقف ، المهم ، ان الناس تفضل تحب البلد ، اي حاجه تخلي الناس تبطل تحب البلد تبقي سوس لازم تقاومه ...
مازالت التليفونات ترن بصخب في المنزل ومازالت ماري تبكي !!!
سالها ، تيجي نقعد علي البحر !!!
نظرت له لاتصدقه ... دلوقتي يانبيل ، اه دلوقتي ، البحر موجود ياماري علي طول وحيفضل موجود ، مين قال نروح له واحنا مبسوطين ، تعالي نروح نعيط هناك ، البحر زي مصر ياماري ، كان موجود وحيفضل موجود ، لما بتحصل نوة او فيضان او الموج بيعلي الناس بتخاف ، لكن بسرعه البحر بيرجع لحالته الطبيعيه تاني ، تعالي ياماري نروح نقعد علي البحر ، نشكي له همنا ، وتاكدي لما النوة حتخلص البحر حيرجع لطبيعته !! نظرت له ماري بعيون تملئها الدموع وابتسمت ، فهمت رسالته وخوفها تناقص وسيتناقص !!!
لم يكن يقصد يلقي عليها محاضرة ، لكن هذا مايحسه بالضبط في تلك اللحظه !!!
هو خائف اكثر منها ، لكنه خائف علي مصر كلها وعليها ، خائف لكنه لن يكتفي بخوفه ويصمت!!!!
البحر في سبتمبر وبدايات الخريف له شكل خاص ، ليس ازرق وليس رمادي ، يموج بالالوان ، جلس نبيل وماري يحدقا في البحر ، صامتين ، كثيرا ما يبقوا صامتين ، لايحتاجا كلمات ليتواصلا ، كان يفهم غضبها وكانت تفهم احاسيسه ، حدقا في البحر وصمتا !!!
الله يرحمك يابابا ، تذكر ابيه وقت ساله حتتجوز مسيحيه يانبيل ، ضحك نبيل ، حاتجوز مصريه يابابا بعد اذنك طبعا ، هي البنت ما تتعيبش بس مسيحيه ، ضحك نبيل ، بس مصرية ، بص يانبيل ، ماري زي فاطمه مافيش فرق بينهم كلهم مصريات بس مين اللي يفهم بقي ، ابتسم نبيل بادب ، انا فاهم يابابا كويس اللي انت بتقوله ، ضحك الاب ، بس انت مش عايش لوحدك ماري مسيحيه وده جايز يعمل مشاكل في المستقبل ، يتذكر نبيل رده علي ابيه ، مش مفروض يعمل مشاكل خالص لا دلوقتي ولا في المستقبل ، صمت ابيه احتراما لارادته وبارك زواجه من ماري !!...
تزوج نبيل ماري الانسه الرقيقه التي احبها واخذته من ذراعه ودخلت به في كل مجتمعاتها ، الكنيسه والنادي واحتفل معها بعيد القيامه وعيد الميلاد ودق بنفسه افرع القمح الجافه علي باب بيته في عيد الغطاس و........... احيانا يسال نفسه ، هل يحب ماري فعلا ام تزوجها من اجل العيلة ، تزوجها ليقول للناس جميعا مصر وطن لكل المصريين فاحبوه بصرف النظر عن ديانتكم ، هل تزوج ماري لانه يحب عينيها اللامعتين وجسدها النحيل وخصلات شعرها الكستنائيه ام لانه كانت مفتاحه لدائرة تمني لو يدخلها وكان يستحيل دخولها الا بصحبتها ... يحدق نبيل في عيني ماري اللامعتين ويشعر بالذنب من اسئلته السخيفة ، تزوجها لانه احبها وهي تستحق الحب .. لكن هاتف داخله يهمس وعلشان العيلة كمان ، يبتسم نبيل لماري التي تبادله الابتسامات الطيبه ويحدق في البحر !!!
الله يرحمك يابابا ، همس نبيل فسالته ماري ، بتقول ايه يانبيل ، ابتسم يطئمنها ، بقولك ماتخافيش !!!
يتردد في اذنه صوت نفيس ، السوس يانبيل السوس ، يتردد في اذنه كلمات ابيه ماري زي فاطمه مافيش فرق بينهم ، يهمس نبيل ولازم يفضلوا مافيش فرق بينهم وحدق في البحر وعلي وجه تصميم شديد لما سيفعله دفاعا عن كل ماري وفاطمه !!!


( 18 )
يوسف
1999

سالته ابنته ، تدخل جوه يابابا ، تعجب انه فهم سؤالها ، هز راسه نفيا !!!

يحب البلكونه والليل ... اليوم ذاكرته متقده خلافا لايام كثيره سابقه ، سينتهزها فرصه ليستمتع باجواء يحبها ويعرفها وكان نسي مذاقها مع كل شيء اخر نسيه ....
ابتسمت ابنته تحبه وتشفق عليه من ضياع عقله ، طلب منها الراديو وعلبه السجائر !!
هذا ليس ابيها المريض ، هذا ابيها الرجل القوي الجميل الذي كان !!!
قررت تعطيه علبه السجائر لاتكترث بمخاوف امها علي صحته ، لم يعد يملك وقتا طويلا لتضيع صحته اكثر ، فليستمتع بحياته وكل لحظه يقبض فيها علي عقله الفار ...
فتحت له الراديو فانطلق صوت ام كلثوم يغني ، عايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يازمان ، اشعل سيجاره وابتسم لحبيبة قلبه وشكرها ، دخلت من الشرفه وجلست علي طرف الكرسي تراقبه بطرف عينها تخشي يداهمه النسيان فيؤذي نفسه !!!
يااااااه يايوسف ... كانك رجعت تلاتين سنه لورا ..
منه لله صلاح ، دخلني في لعبة عمري ماكنت اتصور اني حالعبها ..
ورقه وشقه في وسط البلد ومقابله واحده والحياه كلها تتغير ، كلها كلها تتغير !!!
ان كان علي الحب القديم ، ان كان علي الجرح القديم ، ستاير النسيان نزلت بقالها زمان .............
يااه يايوسف .... ستاير النسيان بتلفك وتاريخك وحياتك والزمان خلاص مش حيرجع !!!
تومض ذاكرته بلقطات من شريط سينمائي ، مشاهد عاشها زماااان ...
يسطع وجه نبيل بملامحه القوية في شرفه يوسف والنسيم عليل ....
ساله يوسف مستنكرا كمان موسكو لا ؟؟!! فرد عليه نبيل بحسم وطيبه ، طبعا لا !!!
اشفق عليه نبيل من القيود التي تفرضها العيله عليه لكنه لايملك له حلا ، اما يقبل القيود اما يرفض الموضوع كله ، موسكو ايه يااخ انت ، اذا بقولك اسوان لا وتفضل مكانك علي خط النار حتقولي موسكو ، طبعا لا ، انت تعرف موسكو ، سافرتها قبل كده ، اتربيت هناك ، حنعمل ايه بيك في موسكو ، حتبقي واحد تايه ماتلزمناش ، موسكو ليها ناسها ، ناس اتولدت هناك وعاشت هناك ، عارفه الخماره بتفتح للساعه كام وتعرف تصطاد بنات باللغه الروسيه ، ضحك يوسف ، بتضحك ، بس هي دي الحقيقه ، انت لو رحت موسكو حتتعمي وتبقي عايزنا نسحبك من ايدك ووقتها ما تلزمناش !!
رضخ يوسف واستغني عن اسوان وعن موسكو ، عرف نبيل وقتها من الذي يجلس معه ، شخص مستعد للعطاء بالفطره بلا صخب بلا شعارات !!
مازال صوت ام كلثوم يصدح ومازالت ذاكرته متقده ومازالت حبيبة تراقبه !!!
ايه اسعد ايام حياتك يايوسف !!!
يوم مااتعينت في الشركه ... يوم ما عرفت ان حبيبة بتحبك .... يوم ماسافرت اسوان وحسيت ان نبيل واخد باله منك ومش حيسيبك ... يوم ما عبرنا القناه في تلاته وسبعين ... يوم مااتجوزت سعاد العروسه اللي اختارتها لك امك بعد ماغلبتها وفضلت قاعد من غير جواز ، يوم ماحبيبة ودعتك وهي بتعيط لانها بتحبك ومتعذبه ببعدك ... ايه اسعد يوم في حياتك يايوسف .... يوم ما شلت حبيبة علي ذراعك وهي لسه مولوده وشفت فيها حبيبة الحبيبة ، يوم ما اتخانقت مع رئيسك البيرقراطي في العمل لانه كل قراراته متخبطه وبيكره العمال في الشركه وفي حياتهم ، يومها اتخانقت معاه خناقه كبيرة ومن غير خطب قلت له ان الشركه مش بتاعته وانها بتاعت كل الموظفين فيها وقدمت فيه شكوي لانه فصل اتنين عمال فصل تعسفي وبعدها رئيس مجلس الاداره شاله وانتصرت انت والموظفين والعمال عليه ، يومها الناس حبت الشركه اكتر وحبت الوطن اكتر وصدقوا ان الشركه بتاعتهم والبلد بتاعهم ..... ايه اسعد يوم في حياتك يايوسف ... اسعد يوم لما رفعنا العلم المصري فوق سينا بعد الجيش ماعدي ، في اليوم ده نمت نوم طويل ، اول مره تنام بعمق بعد هزيمه سبعه وستين ، في اليوم ده الاثنين اللي جواك اتوحدوا في واحد بس نام نوم عميق ، في اليوم ده ومن سنين طويل قبلها ما حسيتش بحاجه وقلت حاجه تانيه ، ماضحكتش وانت نفسك تعيط ، لا في اليوم ده ماقلتش حاجه لان الجيش عدي والعلم المصري اترفع وحب البلد انفجر في نفوس كل الناس واتوحدوا ، يومها حسيت ان ملكش لزمه وتقدر تنام بجد !!!! ده اسعد يوم في حياتك يايوسف ، اوعي تنسي !!!!
مازالت ام كلثوم تشدو ....
والنار بقت دخان ورماد ..... وبقينا بعاد بعاد والنار النار بقت دخان ورماد !!!
اسود يوم عشته يوم خمسه يونيو سبعه وستين !!
واكتر يوم وجعني يوم ماحبيبة ودعتني ومشيت وهي بتعيط !!!
باتفكر ليه وبافوق ليه ....
مازال يوسف يشرب السيجاره علي وجهه تعبيرات متناقضه !!!
ذاكرته حين تتقد وتعود اليه تاتي بالحلو والوحش ولايملك وقتها ينتقي منها ما يعجبه ويمحو ملا يعجبه !!!
طالت ليالي الالم .... واتفرقوا الاحباب اتفرقوا !!!
اه ياحبيبة !!!
ليتني لم اراك ... وكفايه بقي تعذيب وشقا ودموع في فراق ودموع في لقا ..
تعتب علي ليه انا بايديا ايه .....
اه ياحبيبة !!!
ماكانش في ايدي حاجه ، اي حاجه !!!!
وحشتيني ياحبيبة .... وتسللت الذاكره من عقله بذكرياتها كالرمال الخشنه توجعه وتتلاشي !!!!

( 19)
حبيبة
1965

اتصلت حبيبة بيوسف وطلبت تقابله !!!
حاول يتنصل من مقابلتها لكنها اصرت !!!
اربعه شهور مرت منذ اللحظه الاولي التي قابلها في منزل عمته !!!
اعجب بها لكنه قرر يبتعد عنها فكل افكارها وكلامها يستفزوه بشده ، وجودها وحديثها يدفعه دفعا لتمزيقها ، لكنه يشفق عليها ، وجودها يحرجه ، يشعره بانه ليس ابنا مخلص للعيله التي انتمي اليها ، واجبه العائليه ان يناقشها ويهزم افكارها ويمزقها لانها تهرب من الوطن الذي لاتستحق الانتماء اليه ، هذا ماهو مقتنع به ، لكن حبيبه لجمت لسانه واخرسته ، وحين خرس قرر يبعد عنها ...
حين اتصلت به للمره الاولي ، اندهش وكادت امه تزغرد من الفرحه ، اهو انت مش راضي تاخد الخطوه الاولي البنت خدتها ، البنت قمر وبنت اصول ومسافره برضه وتقدر تسافر معاها وتدرس انت كمان هناك ، انت مش كنت عايز تسافر ، يضحك يوسف ، كنت ياماما وخلاص قفقلنا الموضوع من زمان ...
تلومه امه ، يايوسف البنت قمر و عروسه جاهزه وانت معجب بيها يايوسف بطل مكابره ، لم يرد علي امه واخد السماعه وانصت لها ، انت مستغرب اني اتصلت بيك ، لا ابدا حضرتك ، نعم هو يبني سدودا بينه وبينها ، اصلي حسيت انك كنت عايز تقولي حاجه ما قولتهاش ، ضحك متوترا ، كيف احست بما تصور انه كتمه داخله ، انا مسافره بعد شهر ، عندك مانع نشرب قهوه ، في الامريكين ، اوكي ، باي!!
جلس يوسف في البلكونه يفكر ، عايزه ايه ياحبيبة ، عايزه مني ايه .....
سالته امه ، خير يايوسف ، ابتسم خير ياماما وصمت تماما ...
اربعه شهور مرت بين المقابله الاولي واليوم ، يوم المقابله الاخيرة ، حبيبه ستسافر بعد يومين ، هو فر من وداعها لكنها اصرت عليه ، وها هو سيقابلها اليوم للمره الاخيرة ، مالذي تنتظره منه ، هل تنتظره يبوح بحبها ويطلب منها الزواج ، هل ستتشاجر معه لانه ضيع الاربع شهور في صمت افقدها صوابها ...
سيقابلها ويودعها ولن ينطق !!!
تذكر نبيل ......... احس وجعا في قلبه ، مبسوط كده حضرتك ؟؟؟
تذكر صلاح ..... الله يخرب بيتك ياصلاح منك لله !! قال جملته الاخيره وضحك موجوعا !!!
ودخل الحمام لياخذ دش بارد فوق راسه الساخن !!!


( 21 )
يوسف
1999

العجوز يجلس في البلكونه يدخن سيجاره ...
النجوم تسطع في السماء والقمر صغير يجاهد ليشق لنفسه مكانا بين السحب الكثيفة ، نسمات بارده تحرك الاشجار امامه..
مثل ذلك اليوم الذي قابل فيه حبيبه لاول مره ...
جلس علي ترابيزة في الامريكين ينتظرها ، يحدق في كل انثي تدخل من الباب الزجاجي ، كانه نسي ملامحها ، يحدق في الباب حتي لاتدخل ولاينتبه لوصولها .... غاب مع افكاره ، عايزه ايه ياحبيبه عايزه مني ايه !!
انتبه وهي تقف امامه مبتسمه ...
سلمت عليه وجلست بتلقائيه شديده ، كانها تعرفه منذ الف عام
سالته وهي لاتكترث بالاجابه حقا ، استغربت لما اتصلت بيك ، عيب مايصحش مش كده ؟؟
هز راسه نفيا ، لا خالص ، الدنيا اتغيرت !!
طلب قهوه وطلبت ايس كريم
اصلي حسيت انك كنت عايز تقولي حاجه وماقولتهاش ..
وقبل ان يجيبها ، باغتته ، انت ايه رايك في الثورة واللي حصل في البلد ؟؟؟؟
وضع الجرسون القهوه فمنح يوسف ثوان يفكر فيها في الاجابه التي سيقولها لها ..
اخذ يردد كلاما يؤمن به بمنتهي الحماس عن الملك الفاسد والشعب والديمقراطية والفلاحين ...
ابتسمت وهي تسمعه ، انت بتقول كلام مش حاسه يايوسف ..
ضحك ضحكات متتاليه ... سيغازلها عابثا بالعمد ، لست انا من تتصوريه !!
بقولك ايه ياانسه ، مازال يضع الحدود وهي تكسرها ، ماتيجي نتعرف !!!
انا مسافره يايوسف بعد شهر بالكتير ومش راجعه تاني ، وماحبيتش اسافر من غير مااسمعك ، انت جواك كلام مابتقولوش وقلت جايز نفسك تلاقي حد تتطمن له فتقوله !!!
لو تملك بصرا ينفذ بين ضلوعه لشاهدت قلبه يهوي من مكانه ، هي المرأة الذكيه التي كان يتمني الارتباط بها !!
لكني لست الرجل الذي يملك امر نفسه فيرتبط بك وانت تكرهي البلد التي احبها ، ولن اضيع وقتي معك حتي تحبيها ... هكذا همس لنفسه!!
تبادلا حوارا غريبا ، كلمات متناثره ، الامر الواضح لكليهما انهما احبا اللقاء بينهما اما غير فهذا فكل ما بينهما لن يجمعهما ابدا !!
نظرت في ساعتها وقررت تنهي المقابله ، يبدو اني حسيت غلط يايوسف ، ده رقم تليفوني لو حسيت انك عايز تتكلم انا مستعده اسمع!!!
احنا اصدقاء مش كده ، سالها يوسف ، مازال يبني السدود بينهما ، ببرود هزت راسها توافقه ، طبعا !! باي يايوسف ...
اشعل العجوز سيجاره تانيه ....
وابتسم ، احبته واحبها منذ اللحظه الاولي للقاء لكن الاقدار فرقت بينهما بقوه وحسم منذ اللحظه الاولي!!!
كره العجوز ذاكرته ..
كل شيء وهن وكل شيء غاب وكل شيء تلاشي الا حبيبة !!
كان وجعها لن يبارحه الا وقتما تبارح روحه الجسد الوهن !!
اه ياحبيبة !!!


نهايه الجزء الثاني
ويتبع بالجزء الثالث