مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 16 يونيو 2012

السطر الناقص في بحث الدكتور منسي ( الجزء الثاني )



الجزء الثاني


( 14 )
الدكتور منسي

جالسا في غرفه البحث البحرية بشرفتها الواسعة فوق مكتبه القديم الذي اشتراه من احد الباعه الذين يفرشوا بضاعتهم في شارع هدي شعراوي ، ذلك الشارع الذي خصصه بائعيه لبيع الانتيكات والمفروشات القديمه ، كان عائدا من النادي سيرا علي الاقدام كعادته ، يمر من الشارع مثلما يفعل كل يوم من اربعين سنه ويزيد ، شد بصره ذلك المكتب القديم ملقي علي الرصيف ، شد بصره ؟؟ ليس هذا هو الوصف الدقيق لما حدث للدكتور منسي ، المكتب القديم اختطف بصره ، خلع قلبه ، احسه وكأنه يناديه ، وقف امامه مشدوها ، يفكر اين شاهد هذا المكتب او مثله ، تلك النقوش البديعه فوق الخشب ، تلك المنمنمات الصغيرة ، تلك المقابض الداكنه ، سطح المكتب الكبير ، اين شاهد مثل ذلك النحت الدقيق فوق وجه الخشب ، ربما في بيت جده قبلما يهوي منهارا اسقفه فوق جدرانه بعدما بقي شامخا سنوات طويله قرن او قرنين من الزمان ثم دب فيه الهرم والقدم والعجز والشيخوخه شروخا رقيقه دقيقه هدمت بدنه قبلما تهيله اكوام عاليه من التراب ، هل مكتب جده كان يشبه ذلك المكتب ؟؟ لايتذكر منسي بدقه شكل مكتب جده ، لكن صورا ضبابية تتراقص امام مخيلته تشبه ذلك المكتب ، ربما شاهد ذلك المكتب في بيت المعلم اليوناني صديق جده ، ربما شاهده وقتما اصطحبه الجد وهو صغير لزياره صديقه اليوناني ، معلم معه في نفس المدرسه ، يتكلم المصريه بلكنه خاصه ، تصور منسي وهو صغير ان المعلم اسمه  (الخواجه الجريجي ) ولم يكترث بغرابه الاسم ، لكنه بعد سنوات طويله فهم معني تلك الكلمات الغامضه عليه وقت طفولته لكن نسي اسم الرجل الذي لم تحتفظ به ذاكرة طفولته فبقي الرجل في عقله اسمه (الخواجه الجريجي ) !!!! نعم ، في بيت (الخواجه الجريجي ) شاهد مثل ذلك المكتب القديم  الملقي باهمال علي الرصيف ، مازال يذكر وقتما دخل منزل الخواجه برفقه جده ، جده مدرس لغة عربية والخواجه مدرس لغه انجليزية وزميلين في المدرسه الكبيرة التي يديرها " البير روديريكو " بزي رهبانيته الاسود .... جده والخواجه الجريجي اصدقاء ويقضيا مع بعضهما وقتا طويلا يتجاذبا احاديث صعبه يشق علي الطفل الصغير فهم اغوارها ...
الصور الضبابيه تتضح ملامحها وتفاصيلها اكثر واكثر ، يتذكر منسي المرة الاولي التي دخل فيها بيت الخواجه وجده يقبض علي يده ويطالبه يقبل يد الخواجه احتراما ، في ذلك اليوم اصطحبهما الخواجه لغرفه مكتبته ، مازال منسي يتذكر تلك الغرفه بكل تفاصيلها مكتب خشب عريق ومكتبه كبير وكتب تصل من الارض للسقف ، يومها منحه الخواجه الجريجي كتابا ملونا ووعده باخر لو تعلم قراءه احرفه وقص عليه موضوعه في الزيارة اللاحقة  ، الخواجه الجريجي اول من حبب منسي في القراءة ، ومنحه كتبا كثيرا بعد ذلك الكتاب ، منحه كتبا كثيرة ومنحه دافعا للقراءة والكتابه والتعلم والغوص في بحار الثقافه والعلم ، وحين مات الخواجه وقررت زوجته ترك البلده الصغيره التي كانوا يقيموا فيها والعوده للقاهره التي ولدت فيها وعاشت شبابها حتي تزوجت الخواجه وصاحبته في رحله التعليم من قريه صغيره لمدينه اصغر ، حين قررت الزوجه ، الابلة ريكا ، بيع المكتبة والكتب ، اشتراهم منسي وبحث عن المكتب ليشتريه لكن الابلة ريكا اخبرته انه منحته هديه لابن صديقتها الست ام صفوان لانه وقف بجوارها كل ايام حزنها وساعدها علي العوده للقاهره وحمل منقولاتها في العربات الكبيرة وباع كل ماترغب في بيعه ، وقتها قررت تكافئه فمنحته المكتب القديم العريق العتيق ملك الخواجه جريجي زوجها وهي تتمني له حظا جميلا مثل زوجها الذي عاش ومات سعيدا في حياته بكل تفاصيلها جوالا بين القري الصغيرة والمدن الاصغر تاره في حضن الجبل والصحراء وتاره علي ضفه النيل ، يعلم الصغار اللغه الانجليزيه وفنون نطقها وكتابتها والاحساس برنين الاحرف وقت قراءتها وسماعها ... اشتري منسي المكتبه والكتب وبقي المكتب ضالا مع ابن الست ام صفوان صديقه الابله ريكا ، حتي عثر عليه ملقي علي الرصيف فانتعشت روحه وقرر يشتريه مهما كلفه ، و.............. سرعان ماافلح بائع الانتيكات المحنك في اقناعه بدفع الفين جنيه في ذلك المكتب القديم بعدما اقسم له انه اشتراه من سرايه كبيره في الزمالك يبيع الاحفاد فيها مفروشات الاجداد بكل الاسي غاضبين من الحياه القاسيه وارتفاع الاسعار التي اجبرتهم علي بيع كنوزهم وكنوز اجدادهم !!!
اشتري منسي المكتب العريق وزين به غرفه مكتبه مع المكتبه والكتب واحس سعاده لان روح الخواجه الجريكي طافت فوق المكان وهي تهمس مثلما كان يهمس الخواجه وقتما تستبد به السعاده ، تمام حبيبي تمام !!!!
جلس منسي فوق المكتب يبحث عن مفتاح الحياة ، عن السطر الناقص في بحثه ، يستلهم روح الخواجه الجريجي وروح جده وطقوس الصعيد ونقوشات المعابد واسرار الحضارة العظيمه ويبحث بمنتهي الدأب عن فك الطلاسم التي يعيشها ويعيش فيها ، مالذي يجري في هذا الوطن ومالذي مس روحه ؟؟
المكتب العريق والخواجه الذي لم يعد وصار مصريا وجده الذي حثه يقبل يده بنفس الاحترام والحب ومعابد ايزيس ودموعها والحضارة العظيمه التي حافظت الاف السينين علي اخضرار الوادي وخصوبته وحفظت العلم وكهنوته ومنحت ابناءها واحفادها الروح ليعيشوا ،كل هذا ونصف البلد والاوبرا الخديويه ونبض الشارع وروحه وهمسه المنقوش فوق الجدران وعلي الارصفه يحكي ويبوح عن اسرار المدينه ، كل هذا يعتمل في خياله ووجدانه بحثا عن السطر الناقص !! 
سؤال فكرية  يتردد في اذنه ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟ سالته له منذ وقت طويل قبلما يهيم مع افكاره ونسي يجيبها ونسيها ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟
مش عارف ، اجاب الدكتور منسي علي زوجته !!
تجلس علي المكتب امامه تتصفح مجله بغير تركيز ، تنتظر اجابته التي تأخرت كثيرا !!!
مش عارف يافكريه !!!
هزت راسها لاتعجبها اجابته ، مش اجابه دي يامنسي ، مش كل ماتقرر تهرب من اسئلتي تقولي مش عارف !!! ابتسم منسي ، مازالت فكريه تغار عليه ، اربعين سنه زواج واكثر قضتها معه لكنها مازالت تغار عليه بشده مثلما تغار عليه منذ اليوم الاول لزواجهما !!!
ابتسم منسي فاغتاظت فكرية وقبلما تصرخ فيه ، همس برقه ، يافكريه ، شيلي الافكار دي من راسك ، انا بحب المكان ، له روح خاصه كده ،روح بتفكرني يمكن بالخواجه اجريجي والابله ريكا ، يمكن بتفكرني بطفولتي لما كنت باروح مع جدي عندهم ، اسمع مزيكا وقتها كانت مختلفه خالص عن المزيكا اللي بنسمعها ونعرفها ، يمكن المكان بيفكرني بيهم ، يمكن بيفكرني بمصر !!!
تسمعه فكريه باهتمام كعادتها ، مصر ؟؟ سالته لاتصدق ماتقوله ، نادي فيه رقص وشرب وبنات ليل ، بيفكرك بمصر يامنسي ؟؟؟ سرح طويلا قبلما يرد عليها ، تصدقي اه يافكريه ، فيه روح تشبه روح مصر ، يمكن فيه شخصيتها او وجه من اوجه شخصيتها ، اصل مصر ليها ميت روح وميت شخصيه ، باحب المكان زي مابحب الغوريه وحاراتها الضيقة وريحه التوابل ، زي مابحب زنقه الستات والغوايش البلاستيك ، زي مابحب حلقه السمك بعد الفجر والقراميط لسه صاحيه ، زي مابحب بيت جدي وبيت الخواجه اجريجي ، زي مابحب الجربي ولسانه في راس البر و ريحه السمك المشوي  ، المكان فيه جزء من روح مصر وجزء من شخصيتها ... واكمل مسرعا ، المكان بناسه كمان يافكريه ، زي كل مكان ماله ناسه ، وهو وناسه جزء من مصر ، يمكن النادي وناسه جزء من مصر ووجه من وجوها وملمح من ملامح شخصيتها ... يمكن ، معرفش بالضبط ومافكرتش بحبه ليه ، لكن الاكيد يافكريه اني بحبه !!!
وهام مع افكاره والبحث الذي انهكه وقت فكر فيه وكتبه ، شخصيه مصر!!!!
بقيت فكريه امامه صامته طويلا ثم تحركت صوب الصاله فهمس ، القهوه يافكرية وماتنسيش تحطي مزهر في المية !!! هزت رأسها ولم تنبس بكلمه !!!
قهوه بوش تقيل وميه بمزهر و............ يغوص الدكتور منسي في افكاره وابحاثه وتلاميذه وشخصيه مصر والخواجه الجريجي !!!! وايه اللي حصل يامصر ليكي ولشخصيتك !!!!
وتتسلل نسمه هواء بارده من الشرفه البحريه تدفع الستارة الملونه امامها وتطير الاوراق والشعيرات القليله الباقيه في راس منسي وهو مستغرق في تفكيره ...

( 15 )
ليلة عادية

الليل مازال في ساعاته الاولي ، اصحاب المحلات يجردوا البضاعه القليلة التي بيعت طيلة اليوم الراكد ، والنقود الاقل التي في الخزانه  ويستعدوا للاغلاق بعد يوم عمل ممل وطويل ..
الشارع مزدحم وكأننا في منتصف النهار ، مليء بالمارة والمتسكعين ، يقتلوا الوقت بالسير في الشوارع والتلطع امام المحلات والفاترين ، لكن احدا لايشتري شيء !!!
دور السينما ودعت جمهور حفلة السادسه وتنتظر جمهور حفله التاسعه وتتوق لجمهور حفلة منتصف الليل ..
باعه الصحف ينتظروا سيارات التوزيع تأتيهم بالطبعه الاولي لكل الجرائد ..
الشابات في الشارع ينظرن في ساعتهن قلقا من تاخرهن عن عودتهن للبيوت في الميعاد المحدد لهن من اسرهن خوفا وقلقا وتحفظا علي بقائهن خارج البيوت حتي " انصاص الليالي "  ...
الشباب يغازلوا الفتيات بكلمات خارجه ويضحكوا بصخب لايكترثن باحراجهن ولا احساسهن بالضيق ولا بالشتائم اللاتي ينلهن بها همسا فوق رؤوسهم ..
العجائز يبحثوا عن جرائد اليوم القادم ليشتروها قبلما يعودا لمنازلهم يغلقوا الابواب بالمفاتيح ويحكموا اغلاق النوافذ خوفا من اللصوص واولاد الحرام ..
النساء في المنازل ، يطبقن الغسيل ويجهزن طعام العشاء وينتظرن المسلسل التركي ..
المراهقين يتبادلوا الرسائل التليفونيه ويحلموا بالحب والغرام ..
والطلبه تذاكر دروسها وتحلم بالاجازه الصيفيه والامتحانات علي الابواب بتوترها والخوف من نتيجتها ..
المدينه العتيقه العريقه تعيش ليلة عادية مثل كل لياليها .. او هكذا يبدو!!!
لكن هذه الليله ليست عادية مثل غيرها ولن تمر علي المدينه مثل كل الليالي السابقة  !!!!
هل كان الدكتورمنسي يعرف ، ان تلك الليله لن تكون ليله عاديه مثل آلاف الليالي التي مرت عليه وعلي المدينه التي يحبها !!! بالطبع لايعرف !!!
هل كان يعرف ان الزمن سيقف ويمنح الموت للمدينه الا بعض عابري شوارعها !!! بالطبع لايعرف !!!
هل لو عرف مانعرفه نحن ، كان سيترك زوجته فكريه جالسه امام التلفزيون ويذهب للنادي كعادته منذ سنوات طويلة وهو يؤكد عليها انه لن يتأخر كثيرا و" لو اتأخرت ماتستنيش زي كل يوم ونامي " !!!
اظنه كان سيفعل ، بالعكس ، لو عرف مانعرفه نحن ، لتحمس اكثر للذهاب للنادي ، يعيش طقس الموت مع كل رواده اصدقاءه رفاق لياليه الطويلة ، لو عرف مانعرفه نحن لاصر علي الذهاب وعيش لحظه توقف الزمن والموت المؤقت في النادي ، ربما وقتها تتفك الطلاسم وينقشع السحر ويفهم مااستعصي عليه فهمه ؟؟؟
مالذي حدث في تلك الليلة الغريبة !!!

( 16 )
المايسترو

يصعد ناجي السلم بخطوات مرتعشه صوب النادي الذي صار بيته ووطنه وصار هو ابنه وشعبه !!!
و..........تخرق اذنه اصوات عالية نشاز !!!
تتعالي وتتعالي ............ تتعالي وتتعالي ...............
وكأنها تحيط بالعماره العالية ، كانها تقف امام البوابه ، كأنها ستدخل للسلم ، كانها ستحتل العماره والنادي وحياته !!!
صخب نشاز وصراخ ، نبرات غاضبه وكأنها تتمني تحرق الدنيا بصراخها!!!
لايلتفت خلفه ، لو داهموه فليقتلوه براحتهم دونما ينظر لملامحهم الغاضبه التي تتصوره عدوهم الوحيد!!!
لايلتفت خلفه والاصوات العاليه النشاز تحاصره وتعلو وتعلو وترتفع وترتفع .......
ويدفع باب النادي بكل قوته ويدخل مسرعا كأنه يحتمي بعالمه الذي يعرفه من العالم الموحش الذي يطارده ويهدده في حياته ووظيفته ووجوده كله !!!!!!!!
يدخل المكان مسرعا ، يدور بحدقتيه المتسارعتين علي كل تفاصيل المكان ، نعم هذا هو النادي الذي يحبه ، النوافذ الكبيرة والمناضد المبعثرة ، فانوس يضحك مع احد الزبائن والخواجه يجلس علي منضدته القريبه من ساحه الرقص يحتسي البيرة المثلجة وياكل ترمس وفول نابت ، البيانو مكانه لم ينزعوه ولم يكسروه ، الاضواء الخافته توحي بالونس والدفء والطمأنينة ، يدور ناجي بعينيه بسرعه علي المكان يطمئن انه مازال جميلا علي حاله ، تتسارع انفاسه فزعا من خاطر مر سريعا وغادره ، ماذا لو صعدوا لهذا المكان وحطموه ، حطموا الجدران ، مزقوا المفارش البيضاء ، كسروا المناضد وضربوهم بارجلها الخشبيه ، ماذا لو صعدوا وفتكوا بالزبائن والرواد ، ماذا لو خنقوا نوفي وضربوا فانوس كسروا له اسنانه ، ماذا سيفعل وقتها الدكتور منسي وضيوفه ، كيف سيشعر رجال منظمه اليونيسكو الذين ادمنوا موسيقاه بعدما زاروا النادي صدفه في اجازه قصيره يقضوها في القاهره وهم المقيمين في الصعيد يوزعوا الكتب الملونه والاقلام الطباشير والاوراق لاطفال النجوع الحفاه يعلموهم الرسم والرهافه ويشرحوا لهم النقوش التي تزين المعابد التي ورثوها من اجدادهم الفراعنه وهم لايعرفوا قيمتها ، كيف سيشعر رجال اليونيسكو وقتما يروا هؤلاء يحطموا المكان بتاريخه ويضربوهم لانهم كفار زنادقه بارجل المناضد واعناق زجاجات البيره المكسورة ، ارتجف ناجي ، سيحطموا البيانو ويفقئوا عيونه باصابعه البيضاء السوداء ويخنقوا عنقه بالاوتار التي طالما عزف عليها اجمل الحانه وروحه ، ارتجف ناجي لن يحدث ، لن يحدث ، كل تلك الخواطر المزعجه لن تحدث ، دار بحدقتيه علي المكان وتمالك روحه رويدا رويدا ، اقترب من البيانو وحسس عليه برقه وحبه وكاد يقبله !!!
هل هذا الفزع هو ذاته الفزع الذي احس به وقتما صرخوا فيه وهو يعزف موسيقاه ، الاوبرا بتتحرق ، يومها احسن طعنه غادره شقت جنباته ، احس روحه تزهق من جسده ، الاوبرا بتتحرق ، وقتها النيران اشتعلت في اصابعه ، احس حريقا يلتهم اصابعه ، لن يعزف ابدا بعد اليوم ، هكذا ظن واصابعه تحترق ويذوب جلدها وتتفحم عظامها وتتساقط امام عينيه ، الاوبرا تحترق ، الاوبرا التي تمني سنوات طويله يلتحق بالاوكسترا الذي يعزف فيها اجمل الموسيقي ، الاوبرا الخديويه تحترق !! لايصدق ، يومها ترك البيانو وهرع مع الكثيرين من اهل وسكان وسط البلد صوب الاوبرا ، يومها وقف بعيدا والسنه النيران ترتفع للسماء والدخان الاسود يخنق انفاس القاهره ، الاوبرا الخديويه تحترق ، الملابس التي ارتداها اعظم الفنانين ، الالات الموسيقيه التي عزف عليها المبدعين البارعين ، النوت الموسيقيه التي تحمل بين طلاسمها اجمل الانغام لفيردي وتشايكوفسكي وكافاليريي وموتسارت ، كل هذا احترق ، الاوبرا الخديويه مناره الابداع في مصر ، التي شهد مسرحها اعظم الاعمال الفنية ، اوبرا عايده كسارة البندق واروح الباليهات بحيرة البجع سندريلا ، الاوبرا التي جلس في مقاعدها ارهف البشر واكثرهم حبا للحياة والجمال ، الاوبرا التي انشأها الخديوي اسماعيل وهو يسحب مصر من بقايا الخمول والبلاده المملوكيه لافق الرحابه والفن والتحضر اسوة باوربا التي قرر ابو السباع استحضار اجمل مافيها لعاصمة المحروسة ، كل هذا يحترق امام عينيه ، يبكي ناجي والنيران تلتهم روحه وقلبه ، تمني لو انضم للاوكسترا الذي يعزف في رحاب الاوبرا الخديوية ، امنية وحلم صبروه كثيرا علي كل مصاعب حياته ، عازف بيانو صغير في نادي مغمور يعزف للاجانب والسكاري ، نعم الان هو عازف صغير ، لكن غدا ، نعم غدا ، سيأتي اليوم الذي يجلس فيه وسط كبار العازفين في الاوبرا الخديويه لتنساب من بين اصابعه اعظم النغمات واصدح الجمل الموسيقي ، غدا سيأتي مهما تأخر ، هكذا يقول ناجي لنفسه سنوات وسنوات ، يمر امام دار الاوبرا ويتأملها ويعدها ، سيأتي يوما انضم لفريق مبدعيك و........اليوم الذي حلم به ناجي لم يأتي واحترقت الاوبرا والحلم ، يومها احترقت اصابعه ، تيبست عظامها ، فقدت طريقها للنغمات ، يومها ظن انه شل لن يعزف ثانيه ، لولا الخواجه ، زاره في البيت وهو محموم يبكي ، طالبه يأتي بالحانه الجميله التي كان يتمني عزفها في الاوبرا لرواد النادي ، الاوبرا ليه جمهوره حبيبي مايسترو ، عشره ميه خمس ميه ، لكن النادي زي الشارع ناس ناس ، اعزف ليهم هما ، هات الاوبرا لغايتهم حبيبي مايسترو ، واستمع لنصيحه الخواجه وصار يعزف بعض المقطوعات الكلاسيكيه كل يوم ، هنا في النادي الذي لايعرف الكثيرين اسمه ، يعزف المايسترو موسيقي كلاسيكيه ، يعزفها ويبتسم ويتصور نفسه في حضرة الاوبرا الخديويه ومن ضمن فنانيها ....
هل ماتحسه اليوم ، هو ذاته مااحسسته يوم احترقت الاوبرا ياناجي !!!
هز ناجي راسه نفيا ..
وقتها احسست فزع ثم حزن ، اليوم الااشعر الا بالفزع !!!
همس له هامس في اذنه ، وقتها احسست فزعا ثم حزن ، اليوم تشعر فزعا لكن من ادراك مالذي سيأته خلفه ، حزن ام فرح ؟؟؟ انتبه ناجي لما يسمعه وتمني يصدق الصوت الذي يهمس في روحه ليطمأنه ، مين عارف ، ربما !!!
مازالت ملامحه متوتره وانفاسه متلاحقه والفزع يلون وجهه بقسمات غير معتاده !!!
يلمحه النادل ، يساله ملتاعا ، مالك يامايسترو ، يهدء انفاسه عامدا ، ولا حاجه السلم والصحه ، يكذب وهو يعلم ، لن يقول للنادل ان الاصوات الغاضبه اخافته ، لايخاف يقتلوه ، بل يخاف يتركوه حيا في عالمهم الموحش !!! لم يقل للنادل شيئا وتسلل ببطء لمقعده الخفيض امام البيانو العتيق ، كاد يحتضنه ، اغمض عينيه وهو يتلمس اصابعه كأنه يتعرف عليه و............. قرر يتناسي كل مايحدث خلف تلك الجدران ويعيش حياته كأن شيء لم يحدث !!!! ابتسم ورفع ظهره وكاد يرفع عصاه ويمنح فرقته الاذن بالبدايه و................. اصوات ناعمه تتسلل من البيانو وكأنها تطهر الدنيا من النغمات النشاز واصوات الغاضبين خلف الجدران !!!!!
وبدات السهرة المرحة !!! او تصور ناجي انها ستبدأ ....

( 17 )
الدكتور منسي

" ايزيس !!! كيف يمكن فهم الشخصيه المصرية دون فهم لايزيس ؟؟""
سطر وحيد كتبه الدكتور منسي منذ ساعات طويله ، يتأمله ويفكر فيه ويهم وكأنه سيكتب سطرا اخر ثم يلقي قلمه ويعود لتأمل السطر الوحيد الذي كتبه !!!
مازال علي عتبات البحث ، يزركش في المقدمه بالمحاور الرئيسيه التي سيغوص فيها شرحا وتشريحا للشخصيه المصرية ...
الشخصيه المصرية ، كتب عنها الكثيرون ، جمال حمدان ، كتب عن عبقرية المكان والزمان والشخصيه المصرية ، كتب لحد تصور كل علماء الاجتماع انه لم يترك لهم مايكتبوه ..
لكن الدكتور منسي لم يرهبه ماكتبه الدكتور جمال حمدان ،قرر ينهل من ذات العين ، يغوص في بحار الشخصيه المصرية يكتشف اغوارها حسبما يمكنه ..
ايزيس ... ايزيس هي مفتاح الشخصيه المصرية حسبما يري منسي ..
ايزيس .. يهمس منسي لنفسه بصوت فخيم يحاول يعبر به عن احساسه بقيمتها ..
يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه ويطيل النظر لاحرفه و يسأل نفسه ، ايزيس ، السيدة الاسطورة ، من انتي ؟؟
يبتسم الدكتور منسي وهو حائر يكتب بحثا عن الشخصيه المصرية ، يسال نفسه ، هل لمصر شخصيه واحده ؟؟يسخر من سؤاله الساذج ، لمصر الف الف شخصية امتزجت وانصهرت وتضافرت عناصرها لتصنع الشخصيه المصرية الوحيدة والحقيقية التي يبحث في ماهيتها منذ شهور طويلة !!!
يعرف هذا جيدا ... يعرف ان لمصر الوف الشخصيات لكن ايزيس تبقي من وجه نظر الدكتور منسي هي مفتاح السر ، مفتاح الحياة في مصر...
ايزيس ...
ايزيس .... اسطورة تقول انها بكت اوزوريس حتي فاض النيل !!!
واسطورة تقول انها لملمت اشلاءه وبعثت فيه الحياه من جديد !!!!
واسطورة تقول انها انجبت من الميت بعدما بعثت فيه الحياه وصار ابنها ملكا انتقم لابيه الذي عذبها وفرحها وابكاها ومنحها الخلود بقصتها في البحث عنه واصرارها علي استعادته !!!
نعم .... صرخ الدكتور منسي !!!
نحتاج لايزيس ، تلملم الاشلاء المبعثرة وتبعث فيها الروح من جديد !!!
مازال يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه في مقدمه بحثه ....
لانحتاج دموعها ؟؟ سال نفسه ؟؟
وكيف نحتاج ايزيس ولانحتاج دموعها ، دموعها ووجعها كان الخير الذي منحته لمصر فيضانا سنويا احتفل به المصريين معها كل سنه في ليلة الدموع !!!
عجبا لكي ياايزيس ، دموعك خير وحزنك خير !!
كل مامنحتيه لمصر هو الخير ، منحتي الوطن دموعا فاضت خيرا سنويا ، ومنحتيها وجعا وشتات اثمر ملكا عادلا حكم مصر بعدله وانتقم لابيه من قتلته !!!
همس لنفسه .. ايزيس ... من انتي ياسيدتي ؟؟
صرخ صوت في اعماقه .. ياايزيس ياربة السماء ياالهه الخصوبة والامومة والخير انقذينا انقذينا !!!!
انتبه الدكتور منسي للصوت الصارخ في قلبه ، تراتيل في معبد ربه السماء يناديها يستجديها يستعطفها ياربه الحماية احمينا ، ياربة السحر فكي الطلاسم والسحر والاعمال واحفظينا !!!
مازال يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه ...
احس نفسه تائها في دروب الحيرة ، يصاحبها رحلتها ، رحله البحث عن يقينها ، عثر معها علي الاشلاء المبعثرة ، معها يجمع الشتات ويلملمها ، معها ينفخ من روحه في الشتات فتعود حبيبا ، تتساقط دموعه مع دموعها شلالات خير فيضان يمنح الحياه الخير !!!!
يصاحبها رحلتها بين الاسطورة والالوهيه والحياه ومصر !!!!!!!!
ويعود لسطره الوحيده يحدق فيه ....
" ايزيس !!! كيف يمكن فهم الشخصيه المصرية دون فهم لايزيس ؟؟""

( 18 )
صخب

صخب صخب .. ضجيج ضجيج ... صراخ صوت عالي ...
الصوت اعلي مما اعتادت فكريه علي سماعه في مثل ذلك الوقت من الليل ...
منهمكة مع برامج السهره المسائية ، تتابع الاحاديث والتحليلات وتسمع الاراء ولايعجبها شيء ، يتكلموا كثيرا ولا يقولوا لها ماتتمني سماعه ، لايطمئنوها ورغم هذا لاتفوت حلقه ولا برنامج ، تتابعهم بادمان البحث عن النشوة التي لا يمنحوها لها ، لكنها نشوه المقامرين وقتما يخسروا كل شيء وهم يتمنوا المكاسب ، يتمنوها وينتظروها فيخسروا اكثر واكثر ..
وقتها يضيع امام الشاشه اسيره " الريموت كنترول " تتقافز بين المحطات ، لم تمسك كتابا منذ شهور ، تعذر نفسها بأن رأسها مشغول ومش " فايقة " !!!
تتابع البرامج وهي تتمني يفاجئوها ذات يوم ويسعدوها باي شيء يقولوه ، لكنهم لم يفعلوا !!!!
اخترق سمعها صخب عالي ، ضجيج ، صراخ عالي !!!
في نصف البلد ، هذا ليس وقت الصراخ ، هي لاتعيش في ميدان التحرير حتي تتوقع صخبا وصراخ في اي لحظه من لحظات الليل او النهار ، تسكن في وسط البلد في عماره عتيقه قرب " كازينو صفية " كما كان يقول حماها وقتما يزور ابنه ، كان حماها يحكي لها ولابنه عن " كازينو صفيه " وسهراته الحمراء والبهوات والبشوات الذين كانوا يسهروا هناك ، لكن "كازينو صفيه" ذهب مثلما ذهبت اشياء كثيرة في المدينه التي كانت تموج بالحياة ، تعيش فكرية ومنسي في عماره عتيقة في وسط البلد قرب " ميدان الاوبرا " في نهايه شارع عدلي ، نعم ، هنا ميدان الاوبرا وتمثال " ابراهيم باشا "  ،  وكانت هنا الاوبرا الخديوية التي شهدت افتتاح قناه السويس وحضور الامبراطوره اوجيني ، كانت الاوبرا الخديوية تزين قلب القاهرة قبلما يأكل مبناها العتيق حريقا عاتي ، يومها وقفت فكرية في شرفتها تصرخ وتبكي ومنسي يتابع الحريق وكأن النار تأكل بدنه هو والدخان الاسود يملأ سماء القاهره ويخيم علي مبانيها العريقة ، فكرية  تصرخ وتبكي ومنسي يبكي والنار تحرق التاريخ امام اعينهم ... ماعلينا ، هذا ليس وقت التاريخ ولا الجغرافيا ، هذا وقت برامج السهرة والقفز بين الفضائيات ، لكن الصخب والضجيج الذي اخترق سمعها وترها ، اول مافكرت فيه منسي ، اين هو الان من هذا الصخب ، وبسرعه فكرت في اولادها ، الكبير في دبي منذ سنوات طويله وكادت تنسي ملامحه هو وزوجته واولاده من طول غيابهم ، والاوسط في امريكا يتشاجر مع زوجته الامريكيه حول اولاده التي لم تراهم منذ ميلادهم والذين منعته المحاكم الامريكيه من الاقتراب منهم بعدما حاول يعود بهم لوطنه رغما عن انفها ، والصغير في الاسكندريه يقضي اجازته الاسبوعيه مثلما اعتاد لسنوات طويله ، فكرت في منسي واولادها وخافت عليهم جميعا ، الصخب والضجيج يتعالي ويتعالي ، قفزت من فوق مقعدها الوثير للشرفه لتفهم مالذي يحدث ، هل انهار المبني القبيح الذي بني مكان الاوبرا الخديويه بعد احتراقها ، هل انهار الكوبري الملتوي بين المباني المكدس بسياراته طيله الوقت ، هل تكدست السيارات في النفق فاغلقته مثلما حدث مرات كثيره فتنفجر السيارات بالصراخ غضبا واحتجاجا ويصرخ السائقين خوفا من انهيار النفق فوق رؤوسهم ، مالذي حدث اليوم لينفجر هذا الصخب والضجيج !!
تخرج لشرفتها ، فتري تحت بصرها مالم تفهمه بسهوله !!!
مظاهره ضخمه كبيرة  يزأر اعضاءها بالصراخ ، تعلو فوق رؤوسهم اعلام سوداء !!!
لاتفهم فكريه ماتراه ..
 صخب ، ضجيج ، صراخ !!!
عجبا للغه التي كثيرا ماتعجز عن وصف مايحدث بكلمات دقيقة ، نعم فمايحدث لاتصفه كل الكلمات التي وصفته ، صخب ، ضجيج ، ، صراخ ، كل هذا لايعبر عن مايحدث !!!!
عشرات ، مئات ، الاف البشر
صفوف متراصه متشابكه الايدي متلاصقه الاجساد ، كانهم كتله واحده ضخمه عملاقه تتحرك معا !!
رجال ونساء ، جلاليب بيضاء وعباءات سوداء وطرح وعمم ودقون شعثه واطفال صغار يتعثروا وسط الزحام الغاضب ...
اعلام سوداء فوق الرؤوس تشبه لون وملامح الغضب المرسومه علي وجوههم
بعضهم ملثمين والبعض الاخر يكشف تعبيراته القاسيه للاخرين وكأنه يتعمد يخيفهم
يصرخون بصوت عالي ، هتافات عاليه ، غاضبه ، اصواتهم الهادرة تخرج من احشائهم
يتحركون بخطوات بطيئه ، صوت خطواتهم يرج الارض تحتهم ، يسيرون في الشارع التجاري الواسع ..
لاين يسيرون ؟؟
من اين جاءوا ؟؟
لااحد يعرف !!!
تحدق فكرية في المظاهرة وتهيم بخيالها مع الاوبرا الخديوية وعصا المايسترو والنغمات الرقيقه التي كانت تنبعث من مبني الاوبرا فترسم الابتسامات علي الوجوه ، او هكذا كانت تظن او تشعر !!!
تتسمر في الشرفة ، الشارع الذي طالما حمل رواد الاوبرا للفن الجميل ، يحتلهم المتظاهرون باعلامهم السوداء يصرخون غضبا ...
يتجهون صوب تمثال ابراهيم باشا ، هل ستدب الحياه في التمثال ويحاربهم وينتصر عليهم !!!
خاطر جال سريعا في عقل فكريه ، لم تتمعن في معناه ، لو منسي لاطال التفكير وسرح بخياله طويلا ، لكن منسي استاذ اجتماع يبحث عن شخصيه مصر وهي ربه منزل تفرغت لتربيه الاطفال ومشاهده التلفزيون ، هو غيرها ، لذا لم تطيل التفكير فيما تراه ، فقط احست بالخوف يدب في قلبها وتمنت لو عاد منسي من النادي وجلس بجوارها يشاهدا التلفزيون ، لكن منسي لن يعود الان وستبقي في البيت وحيده ، عليها تروض افكارها ومخاوفها و............ دخلت من الشرفه واحكمت اغلاق زجاجها وعادت للشاشه تراقب مايعرض عليها وصوت ضيوف البرنامج عالي وصاخب مثل صخب وصراخ المتظاهرين ، الكل يصرخ في بعضه ولااحد يسمع غيرها ، تتمني تغلق اذنيها وتصرخ مثلهم ، تصرخ فيهم كفاكم اقتتال ، لكنها لن تصرخ ، وستصمت مثل ملايين المشاهدين وهم يشاهدون برامج السهره اليومية و................ مازال الصوت يأتيها من الشارع عاليا واعلي منه الصوت المنبعث من شاشه التلفزيون ، ومازالت الطمأنينة غائبة وبعيدة !!!!

( 19 )
النادي

لااحد يعرف بالضبط من صاحب النادي ولا جنسيته ، المالك الحالي للنادي ورثه من ابيه الذي اشتراه من خواجه قرر السفر خارج البلاد بعد حركه الضباط ، الخواجه قلق من الضباط وحركتهم وسلاح الفرسان الذي حاصر رئيسهم في مكتبه ثم حدد اقامته ، ارتعب الخواجه وقرر يعود لبلاده فالحركه التي تحدد اقامه رئيسها لا امان لها ، باع النادي بتراب الفلوس وهرب بامواله للخارج قبلما تمنع الحركه الاجانب من السفر ومن تحويل الاموال الوطنيه للخارج !!! 
احتفظ المالك الجديد للنادي بمذاقه ومناضده وشموعه والبيانو والعاهرات الانيقات اللاتي لا يفسدن المكان ولا يجلبن له بوليس الاداب ، فهذا مكان راق ، يأتيه الاجانب والخواجات للمتعه والسعاده ، اكل جميل وموسيقي ناعمه ونساء لطيفات ، العاهرات لايمارس عهرن داخل النادي ، بالعكس بين جدرانه يتصرفن كبنات الاسر الراقيه ، الخواجه يري كل مايحدث حوله ، لكنه لايعلق عليه ولاكأنه يراه ، والعاهرات يتصرفن برقي وشياكه حتي يخرجن من النادي بصحبه الاصدقاء الذين سيقضوا معهن السهرات الحمراء ، لكن بعيدا عن النادي ، قد ترقص العاهره وقد تضحك وقد تتشاجر مع "الصديق" لكن النادي ومالكه والجرسونات والبيانيست العجوز جميعهم لايروا شيءا ، المهم سعاده الزبون صاحب المكان !!! 
حركه الضباط انقلبت لثورة والاجانب سافروا او معظمهم ، وبقي النادي وكأنه مهجور ، لكن المصريين ، الارستقراطيه التي اعطتها الثوره ظهرها ، سرعان ماحلت محل الاجانب ، وكأنه الشوق لوجودهم ، سرعان ماامتلآ المكان بالمصريين اصحاب البذلات البيضاء والاحذيه اللامعه والبرانيط الصغيره ، سرعان مااحتلوا مكان الاجانب وتصرفوا في المكان مثلهم ، الموسيقي الاجنبيه الصاخبه ومقارعه الكوؤس ومصاحبه العاهرات والسكر السريع والمشاجرات ، من يسب الثوره ومن يسب قائدها ومالك النادي يطلب من المايسترو رفع صوت الموسيقي والسماعات حتي تطغي علي صوت الحوارات السياسيه!! 
والمهم " الناس تنبسط خبيبي " ويرفع المايسترو ناجي صوت الموسيقي والسماعات اعلي واعلي !!!

( 20 )
نوفي

تسير نوفي في الشوارع المظلمه والمطواه تحت اصابعها والقلق ينهش صدرها ، لم تعد المدينه كمان كانت ولم يعد الامان كمان كان ، تخاف تسير وحدها لان الصيع في الشوارع كثر لايجدون مايفعلوه الا التحرش بها ...
تشاجرت مع احد الصيع مرة ، طاردها بعباراته الخارجه ، خدش حياءها ، ترنح وكأنه مخمور واخذ يلقي بجسده فوقها ، يدس اصابعه في ثنايا جسدها كأنه لايقصد ،دفعته بيديها بعيدا لكن لم يبعد ، سبته وكالت له من الالفاظ ماتخاف تقوله ، اخرج من جوفها المرأة العاهره التي لاتقبل ان تدوسها الاقدام ، رفعت صوتها عليه وسبته بالفاظ مخيفه ، تراقصت في الشارع وعايرته برجوله منقوصه ، لو راجل بحق كنت دورت علي مرة وتقفل عليكم باب ، لكنك خيخه ومدلدل ومالكش غير في شغل الاتوبيسات والتلزيق ، ياعره ياناقص ياهايف و......... شتائم اقذع مما يمكن كتابته مصحوبا بحركات منفلته لاصابعها وحاجبيها وهز وسطها ، لم يرتدع وبدا وكأنه مخمور او " شامم كوله ياروح خالتك ولا ضارب راسك صراصير وجاي تسرح بيها علي جتتي " بليد لايبالي بكل ماتقوله ، يبتعد عنها وكأنه خاف وسرعان مايعود ويرتطم بجسدها وينهشه باصابعه ، وقتها رفعت عليه مطواتها ولعنت ابيه وامه وكادت " تعلم " علي وجهه بنصل غضبها ، تكالب عليها اصدقاءه ممن يقفوا علي ناصيه الشارع المظلم ينتظروا انثي ليتحرشوا بها او زبون يشتري منهم المزاج الواطي " كودافين وصراصير وكافه شيء " ، انتبه اصدقاءه لسبابها وفضيحه صديقهم ، تكالبوا عليها وتجرؤا علي جسدها ومزقوها بالسنتهم المعووجه " وحتعملي علينا شريفه يامسح البلاط ياتوك توك بيتركب من غير بنديرة " ورفع واحد منهم مطواته علي رقبتها وهو يصرخ فيها ، عايزه يابنت الحرام تعلمي علي وشه ، تكسريه ، يقولوا ايه احبة وفردت قلوعها عليه ، يابنت الحرام ده انت مالكيش سعر ولا دية ، يلوح بالمطواه في وجهها يرعبها ، اعلم علي وشك يابت فتبوري وياكلك الدود وانت مطرحك الناس تقرف تهوب منك ، ولا اجزك يابت ويقولوا احبه وماتت ، وصوته وفحيح نبراته والغضب المنبعث من عينيه الحمراويين ونصل المطواه يصعد ويهبط امام عينيها ، كل هذا ارعبها ، وارعبها اكثر الرجال الذين تدافعوا حولها يمزقوا ملابسها وصراخها وسبابها يزيد اثارتهم وجنونهم حتي كادوا يغتصبوها في الشارع ، فكرت تتوسل لهم يتركوها لكنها لن تفعل ، لو توسلت لهم لضاعت للابد ، سيستهينوا بها ويستقصدوها في الرايحه والجايه ويعملوا عليها حفلات زفره تكرهها في نفسها وفي حياتها ، لن تستجديهم يتركوها ، ستصرخ عل احدهم يشفق علي حالها وينقذها من بين ايديهم ، سرعان ماوثب عمال الجراج وبوابين العمارات التي تمر عليها كل يوم و انقذوها من ايديهم بعد معركه قصيره انتبه طرفيها لضرورة انهاءها وبسرعه قبلما تظهر الحكومه فتلمهم جميعا وفين يوجعك لغايه مايبان لهم صحاب ، انقذوها وحذروها ، الدنيا اتغيرت ياست نوفي ، خلي بالك علي نفسك و...........عادت لمنزلها يومها تبكي واغلقت الباب عليها يومين لتتمالك نفسها التي تبعثرت في الشارع وسط الليل ... تركت تلك الحادثه في روحها ندبة عميقة من الخوف الذي لم تكن تشعر بمعناه ولا يؤثر فيها ، نعم يومها خافت وارتعبت ، نص البلد لم تعد مثلما كانت ، لم تعد مكان راق لاصحاب المزاج ، الشمامين والعواطليه والصيع عششوا فيها زي الوطاويط مايبانوش الا لما الدنيا تغمق وتضلم ، نص البلد مابقيتش هي خالص ، فكرت نوفي بعد تلك التجربه الصعبه  تستاجر حارس شخصي يصاحبها في رحلتها اليوميه ، لابد من راجل طول بعرض يعلم السبرسجيه يلموا نفسهم ويقتصروا ناحيتي ، فكرت في استئجار حارس شخصي ، لكن الايراد قليل والعملاء اكتئبوا فابتعدوا والنادي يعاني من قله زبائنه والايام سوده ، عدلت عن الفكره رغم وجاهتها ، لن تقتطع من دخلها القليل راتب لحارس شخصي ، والحارس هو الله ، قررت تعيش وكأن شيئا لم يحدث وقررت تنسي او تتناسي الحادث الاسود في اليوم الاسود ، نعم ذلك اليوم ترك في قلبها وجل وارتعاشه لاتشعر بها الا بعدما تصل للنادي ، تتشاهد لانها وصلت بالسلامه وتعيش اليوم بيومه !!!!
ومازلت تسير بخطوات مرتبكه في الظلام واصابعها تقبض علي الحقيبه والمطواة و....... تتمني تصل للنادي بسرعة !!!

( 21 )
النادل

منذ ثلاثين سنه وهو يرتدي الجاكت الابيض ورابطه العنق السوداء ، هو والمكان والخواجه وعازف البيانو لم يتغيروا وكل شيء تغير حولهم ، رواد المكان تغيروا وطبيعه المناقشات التي يتحدثوا فيها ، الاغاني تغيرت ولون الستائر وشكل زجاجات البيرة واطباق المزه ، كل هذا تغير ويتغير الا فانوس والخواجه وناجي عازف البيانو ، علمتهم الايام كيف يفهموا الريح التي ستهب عليهم ، لايكترثوا بالسياسه ولا حكاياتها الا بقدر ماستؤثر علي عملهم واكل عيشهم ، لكن هذه الايام سوداء ، الريح عاتيه وكأنها ستخلعهم جميعا من جذورهم ، هي الحكايه حتخلص علي ايه ؟؟ يسال نفسه دائما وتجرأ مره وسال الخواجه ، ضحك الخواجه علي اي حاجه مش مهم حبيبي ، شفنا كتير عبد الناصر والتأميم ، السادات ومعاهده كامب دايفيد ، حسني مبارك والوقفات الاحتجاجيه علي سلالم نقابه الصحفيين ، في كل وقت من هذا كانت الريح تهب عاتيه علي وسط القاهره التي كانت كوزموبولتنيه ولم تعد ، جروبي اشتراه الحاج "لقمة" وتوقفوا عن بيع البيرة والجامبون ، وقتها تصور البعض ان البلد ستتغير وانهم سيمنعوا البيرة نهائيا ، لم يحدث ، جروبي توقف عن بيع البيره فصعد رواده لنادينا بحثا عن البيرة ، ايام السادات امتلئت وسط البلد بالاسرائيلين ، تصور البعض ان المناضلين اليساريين سيكفوا عن التردد علينا احتجاجا وغضبا علي الوجود الاسرائيلي الكثيف لكن المناضلين سبوهم وغضبوا منهم وسرعان مانسوا وجلسوا جميعا يحتسوا البيرة المثلجه بلا مناقشات وتجاهل كل منهما الاخر ، ماتخافش فانوس ، اللي يحصل حايحصل ، احنا زي مااحنا ، سقع البيره سقع فانوس واستعد لسهره الليلة !!!
يصل للنادي في ميعاده اليومي كمثل كل يوم ، في الخامسه مساءا ، يخلع ملابسه ويرتدي الجاكت الابيض والبنطلون الاسود والببيونه السوداء ، يرص البيره في التلاجه وفوقها التلج ، يراجع بنفسه المناضد والمفارش والشموع التي تزركش المكان بوهج دافء جميل ، في الثامنه يفتح النوافذ للهواء النقي الطازج وفي الايام الحارة يفتح التكاييف ، سيبدأ الرواد في الوصول للمكان سريعا ، علي التاسعه ونصف ستصل نوفي وصديقاتها ، سينثرن البهجه في المكان رقص وضحك وميوعه لطيفه ، في العاشره سيصل الدكتور منسي واصدقاءه ، سينزووا في منضدتهم التي لايغيروها ، صوت احاديثهم منخفض وضحكاتهم هامسه ، مجموعه من الرجال يحسهم فانوس وكأنهم مجلس اداره شركه ضل طريقه لناديه ، ليسوا مثل الرجال الاخرين ، لايبحثوا عن نكته خارجه ولا يرقصوا مع نوفي ويلصقوا اجسادهم في جسدها اللين منتهزين فرصه الظلام ليعبثوا به قدر ما يستطيعوا ، ليسوا مثل الرجال الاخرين ، تحسهم في مأموريه علميه ، نعم بعضهم يشرب البيرة واحيانا يحضروا معهم زجاجه ويسكي فاخره ، في بعض الاوقات النادره تراهم مبسوطين وتتراقص اجذاعهم مع موسيقي المايسترو ، لكنهم في اغلب الاحيان يجلسون كالصقور يراقبوا مايحدث بكل انتباه....

( 22 )
الدكتور منسي

عندما بكت ايزيس بحثا عن مليكها المغدور ازوريس ، فاض النيل وفاض...
من حزنها صنعت لمصر الخير ، ليس عاما ولا عشره بل مئات القرون ، من حزنها ودموعها كان الفيضان ، ماءا احمر مشوبا بالطمي ونثرات القلب وشذرات الحب المعذب بالفراق والغدر ، من هذه الدموع التي فاضت من ينابيع الحزن كان النيل وكان الفيضان ..
هكذا امن المصريين القدماء ، بأن ربه السماء والهه الحكمه هي التي صنعت واديهم وحضارتهم ، واحتفلوا بدموعها كل سنه في شهر بؤونه من كل عام ، احتفلوا بليلة الدموع ، التي تأتي بالخير والفيضان والحياة لمصر !!!
انهي منسي الجملة وترك القلم واخذ يتأملها ومعانيها ومابين السطور!!
يسال نفسه ، الحزن في مصر القديمه لم يصنع شقاءا بل صنع فرحة وسعاده وخير ونماء !!
عجبا لهذا البلد وشخصيته وروحه !!!
يعود منسي لايزيس التي بحثت عن زوجها الممزقه اشلاءه في ارجاء مصر ، بحثت عنه وهي تبكي ، اضناها البحث وصاحبه الحزن بدموعه الوفيرة ، منحت ايزيس مصر من دموعها نهرا خالدا وفيضانا سنويا يروي الظمأ والارض ومنحتها مليكا عظيما وقتما لملمت الجسد المبعثر واعادته بسحرها للحياه وحملت منه ابنها حورس ملكا اشاع العدل وانتقم لموت ابيه بقتل اله الشر !!!
فقرة ثانيه كتبها منسي وهو يبحث عن شخصيه مصر وروحها ...
هل كان الملك اوزريس ملكا لمصر مزقته قوي الشر فلملمت ايزيس اشلاءه ، ام كان اوزريس في تلك اللحظه متوحدا مع الوطن الذي يحكمه ، الوطن الذي مزق اشلاء مليك الشر ، فماكان من ايزيس الا لملمة الوطن والجسد والملك من البعثرة والتمزق واعادت لهم الحياه بسحرها ومنحهتم ملكا عظيما اشاع العدل وحكم به وقتل الهه الشر !!!
هذا الوطن يحتاج لايزيس تمنحه روحها وتلملم اشلاءه المبعثرة وتبعث فيه الروح بسحرها وتمنحه ملكا عادلا ... اين انت ياايزيس ؟؟ اين انت ياايزيس ؟؟
ترك القلم والاوراق واطفأ المصباح الصغير الذي يلقي بضوءه بقعا مضيئه فوق الاسطر واسند رأسه فوق ذراعه وتصور انه نام !!!!
ضحك الرجل الجالس فوق السحابه البعيده بجوار القمر ، لست نائم يادكتور منسي ، بل وقف الزمن عندك ايضا ، الزمن توقف دولاب عجلته في مدينتكم المسكونه بالوحشة ، لن يعود الزمن يادكتور ولن تعودا للحياة حتي تستحقوا الحياة !!!
نم في هدوء وزوجتك وجيرانك واهل مدينتك ، الان صرتم من الضعف والهزال الذي لايليق بكم معه الا النوم ، ناموا حتي يعود الزمن لحركته فتعود ارواحكم الضاله اليكم والحضارة والقوة !!!
وافقته ايزيس وهي تبكي !!
سالها الرجل لماذا تبكي ياربة السماء ، هل فقط لتجهزي لهم الفيضان الذي ستنهمر امطاره علي روؤسهم من السماء تعيد لهم الحياه والانتباه !!! هزت راسها نفيا ، حينما القوا بجسد اوزوريس في البحر بعدما دفنوه في صندوق محكم ، كنت ابكي ، كنت اعرف مالذي سيحدث له ولم امنعه ، كان لابد له يغرق ولابد له يمزق ولابد لي اتعذب وابحث عنه وابكي واعثر عليه والملم اشلاءه وابعث فيه الحياه ليمنحني ملكا عادلا ، الملك العادل الذي سيقتل اله الشر لايأتي في لحظة سعاده ، يأتي من منتهي الشقاء والعذاب والوجع والدموع ، ابكي لاني اعرف مالذي سيحدث لاوزوريس مجددا ، سيتمزق وتتبعثر اشلاءه ويجف الضرع والنيل وتنتشر الخرافات والاوهام وتتصحر الاراضي الخصبه الخضراء وانا ابكي ووقتما يجهز الفيضان للانهمار ماءا احمرا يبدوا دما نظيفا طاهرا يجدد الحياه والروح ويطرد السموم ستنهمر الامطار وتتوقف الاحزان ، هل فهمتني ، قدري وقدرهم البكاء والحزن !!!
ابتسم الرجل الجالس فوق السحابه البيضاء ، لكن الدكتور منسي كتب ان حزنك منح مصر السعاده !! هزت راسها ، اوافقه جدا ، سامنح مصر السعاده التي تستحقها لكن الحزن قدري وقدرها  !!!
ومازالت التظاهرة باعلامها السوداء تسير في الشوارع المظلمه الموحشه والكل نيام !!!!
ماتت المدينه او تظاهرت بالموت ولم تترك للمتظاهرين الا الشوارع الخاليه والوحشه ليسيروا فيها لايسمعهم احد ... ماتت المدينه او تظاهرت بالموت ومازالت ايزيس تبكي والرجل الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر ينتظر لحظه الفيضان هو وملايين النائمين الموتي لتدب الحياه مره اخري في الوطن الذي مرت عليه الاف السنين وبقي حيا لم يموت !!!!

( 23 )
النادي

ايام حرب السويس قرر مالك النادي اغلاقه بعدما اغلق الشبابيك بالورق الازرق ليمنع اضواءه تتسلل للشارع فتجعل ناديه هدفا سهلا للطيارات الانجليزية الفرنسية التي تجوب سماء القاهره كالصياد تبحث عن فريسه تفح فيها غل الامبراطوريات التي تمردت عليها احدي المستوطنات ، اغلق الخواجه النادي ومنح العمال رواتبهم وبقي في البيت مرتبكا لايعرف من الذي سينتصر في الحرب ، وهل سيعود الانجليز والفرنساويين وايام العز ، ام ستنتصر الحركة وضباطها ويبقي الارستقراطيين المصريين يسكروا ويبكوا ايام العهد الجميل البائد الذي رحل وتركهم اسري حركه الضباط !!! "شعارنا اننا سنقاتل ، سنقاتل ولن نسلم ، دا شعار كل فرد في القوات المسلحه ودا شعار كل فرد في الشعب ، النهارده دا شعار كل مصري ، اذا كانت بريطانيا بتعتبر انها دوله كبري وفرنسا بتعتبر انها دوله كبري احنا شعب مؤمن حيكون شعارنا دائما الله اكبر ، الله يقوينا والله ينصرنا ، نعتمد علي الله وعلي انفسنا وسنجاهد ونكافح ونقاتل وسننتصر باذن الله والله اكبر والله اكبر " و انتصرت الثوره ففتح الخواجه ابواب النادي واضاء انواره ووزع " شربات " احتفالا بالنصر !!! سرعان ماعادت الحياه للنادي بعدما رفع الخواجه الورق الازرق من فوق الشبابيك الكبيرة و............. اهي ايام وبتعدي !!!

( 24 )
المنادي

القي ببصره بعيدا ، لايري سيارات ، الشارع مزدحم بالماره والبائعين الجائلين و" نصبه " البضاعه التي يفترشوا عليها بضاعتهم الصينيه الرخيصه القبيحه ، لم تعد وسط البلد مثلما كانت ، لم تعد المحلات فاخره ولا الزبائن ارستقراطيين ولا الشوارع مزدحمه بالسيارات الفارهه!! 
تغيرت الدنيا يارجب وانت لسه علي حالك ، همس لنفسه ، اخرج سيجاره واشعلها ، القي برأسه علي قمه عكازه ، هائم مع افكاره ، يسمع صوت الهتافات تقترب منه ، لايخاف منها طبعا ولا من راياتها السوداء ، من هم ليخيفوني ، شويه عيال ولا ليهم لزمه اساسا ، اي عيل منهم يخرج من وسط المظاهره يتقطع ، لكن مستقويين ببعض ، يتذكر رجب هتافاتهم العاليه وصراخهم العصبي واعلامهم السوداء، وكل ده ليه ، عايزين ايه ، عايزينا نعرف ربنا مااحنا عارفينه ، محموقين كده ليه وعلشان ايه ، امسك يوما احد الصبيه في المظاهره ، امسكه وانهال عليه ضربا ، ساله ، مين ياواد اللي مسرحك ، يوميتك كام ، رد علي عدل ، انهال عليه ضربا يتمناه يبوح بما يحدث ليفهم ، نعم كل مايؤرق رجب انه لايفهم مالذي يحدث حوله ، لايفهم الدنيا الجديده التي فرضت نفسها عليه وعلي حياته ، مين دول ، انطق ياد انت مين ، لم ينطق الصبي الذي سرعان مافقد الوعي ، انتظره يفيق ، والختمه ماحضربه تاني ، يتكلم بس علشان افهم ، لكن الصبي يفيق ويجري ، والبوابين وبائعي الجرائد يحيلوا بين رجب ومطاردته ، عايز منه ايه يارجب ده من دور عيالك ، عايز افهم ياجدعان ، راسي حتتفرتك زي ايام الشقاوه لما سبت البودره وقلت اتوب ، ايامها كنت باهرش واصوت واعيط واضحك وراسي بتغلي زي ماتكون باستله فوق وابور الجاز ، افهم بس ، مين دول ، مين اللي سرحهم ، مين اللي لمهم ، عيال عمرها ماخرجت من الحواري ولاشافت دنيا ولا همها حاجه غير لبوه يزنقها في الضلمه وسيجاره ملفوفه وسندوتش طرب وكده رضا ، مين اللي طلعهم من الحواري واداهم الاعلام السوده وفهمهم ان ربنا مستني " هبلهم " ضربوا دقونهم وكشروا وكرهوا الدنيا ، افهم بس ياجدعان ، افهم ، يومها فر الصبي من تحت يده ولم يفهم رجب شيئا ، سنه كامله واكثر وهو يراقب كل مايحدث ، العيال اللي كانت بتخاف من الحكومه اتجرأت عليها ، كانت تجري من ضلهم وتتستخبي بقت بتروح لحدهم وهاتك ياشتيمه وقله ربايه وضرب وسفاله ، مين اللي جمد قلبكم كده ياولاد الحرام ، مين اللي راسكم علي الدور وخلاكم تخرجوا من الحواري وتهجموا علي وسط البلد اللي عمركم ماكنتم تستجروا تقربوا منها ، افهم ياناس ، افهم بس ، سنه واكثر ورجب لايفهم ، يراقب مايحدث ويتمني يفهم !!! 
سأل الدكتور منسي ذات يوم وهو يصعد للنادي، الا ياباشا هو ايه اللي بيحصل ، ابتسم منسي ، تاني يارجب تاني حتقولي ياباشا ، ماهو ياباشا العين ماتعلاش عن الحاجب وانا حيالله منادي وانت استاذ الاساتيذ وبتطلع في التلفزيون ، المهم ، سيبك مني ياباشا وقولي ايه اللي بيحصل ، يبتسم منسي ، محدش لسه عارف ، ازاي ياباشا دول بيقولوا في التلفزيون كلام كبير قوي وان العداله الاجتماعيه جايه الا هي ايه العداله الاجتماعيه ياباشا ، زي ايام السادات لما كانت الفلوس بترخ ولا زي ايام عبد الناصر لما نشفها علي الباشوات فنشفوها علينا ، هي ايه ياباشا ؟؟ ساله منسي ، انت عايزها شكلها ايه يارجب ، ارتبك رجب ، عايزها شكلها ايه ازاي ياباشا ، عايز كلنا نعيش ، حضرتك يعني سعادتك تعيش وانا والغلبان والفقير نعيش ، مش هي دي برضه العداله الاجتماعيه ياباشا ، ضحك منسي ، عارف امتي يبقي فيه عداله اجتماعيه ، لما تبطل تقولي ياباشا ، ارتبك رجب وفتح عينيه اندهاشا وهمس ، يبقي عمرها ماحتيجي ولاحنعيشها !!! وبصوت اعلي ، طيب ياباشا قولي ايه اللي بيحصل ، لسه محدش عارف يارجب ، بجد لسه محدش عارف ، كلنا بنتفرج علي اللي بيحصل علشان نفهم ، يؤكد منسي لنفسه كلماته كانه يحتاج يسمعها ، فعلا كلنا محتاجين نفهم ايه اللي بيحصل ... وتحرك خطوتين ثلاث صوب باب البنايه في طريقه للنادي وخلفه رجب يرفع كفه علي راسه يضرب له التحيه العسكرية وهو يؤكد عليه ، مسيرها تقول لنا ايه اللي بيحصل ماتشغلش بالك انت ياباشا ، يقف منسي ويساله ، مين اللي تقول يارجب ، ضحك رجب الدنيا ياباشا الدنيا ، ماهي ياما قالت ايه اللي بيحصل وياما فهمتنا ، تقفل شويه وتفتح علي طول ، واللي مش فاهم يفهم ، مساءك عسل ياباشا !!! ضحك منسي وتركه واخد يصعد السلم وهو يهمس لنفسه ، قولي يادنيا طيب قولي ايه اللي بيحصل علشان كلنا نفهم ومساءك عسل علي راي رجب !!!

( 25 )
ابراهيم باشا

جالسا فوق فرسه الاصيل واصبعه ممتدا للامام ..
التظاهره الحاشده تمر من تحت قديمه باعلامها وراياتها السوداء ، تصرخ غضبا بشعارات اضجت راحته واغضبته ، يحدق فيها من علي ، يتأمل الملامح الغاضبه والوجوه المحتقنه والعيون البليده ، يتوعدوه بالانتقام فيتوعدهم بالهزيمه !!! حذرتكم ، لو عدتم عدنا ، وانتم الان تدخلون عرين الاسد باقدامكم المرتعشه ، تتصورون اعلامكم وراياتكم السوداء ستخيفني ، هل تلاعبت الصحراء بعقولكم فنسيتم انفسكم ونسيتونا ، خير اجناد الارض ، تتصوروا ان اعلامكم المرفوعه بايديكم المرتعشه ستنال منا !!!
يصهل حصانه وكأنه يحثه علي القفز فوق اعناقكم !!!
يبتسم ابراهيم باشا ويهدء فرسه الاصيل ، لايستحقوا منا معركه ، مهزومين مهما صرخوا ، دع اهل المحروسه في الشوارع الضيقه يحققوا انتصاراتهم !!!!
يصمت ابراهيم باشا ويرفع اصبعه بمنتهي العز ويشير لبعيد !!!
يشير للاوبرا الخديوية التي كانت ، ربما ؟؟
يشير لما خلف البحر وكأنه يتوعد القابعين وسط الصحراء الا يتجرؤا عليه وعلي مصر المحروسة  ، ربما ؟؟
يشير للمصريين ليطمئنوا ، ربما !!!
غاضبا منهم ، يتوعدهم لانهم كادوا يخذلوه وجيوشه المنتصره وقتما ناموا فطغت الصحراء فوق ضفاف نيلهم كادت تطمس حضارتهم ، ربما!!!
جالسا فوق حصانه واصبعه ممتدا للامام وكأنه يخطب في المصريين ..
يخطب فيهم ويتشاجر معهم ، كيف اصبحتم مثلما اصبحتم ، غرقتم في السبات حتي هلك الزرع في الحقول عطشا ، طغت الصحراء عليهم التهمت الاخضر واليابس وهدمت المعابد وردمت البحيره المقدسه وحولت طريق الكباش لدرب للنعاج ، فاضت الرمال من ربعها الخالي وتجرأت علي حضارتكم ، انتم اصحاب الحضاره كيف غرقتم في السبات واضعتم الحكمه المتوارثه من رؤوسكم  حتي ضعتم او كدتم تضيعوا !!!
يخطب ابراهيم باشا في المصريين يصرخ فيهم ، هل نسيتم من انتم ؟؟؟ خذلتونا ونحن التي بليت سيوفنا في المعارك وتحطمت علي اجسادنا وماخدشنا فانتصرنا بحضارتنا وهزموا بجهلهم وجهالتهم ، هل نسيتم من انتم ؟؟ انا لم انسي ، وان نسيت كيف لاتذكرني مدينتكم بحقيقتنا ووجودنا ، هنا في قلب القاهرة ، مدينه الالف مأذنه والمشهد الزينبي ومشهد نفيسه العلم والمشهد الحسيني وبركه ال البيت وحبهم  ، في نص البلد الخديويه بمبانيها العريقة العتيقة الموشاة بالمنمنمات البديعه علي ايدي العماله المصريه الماهره وقتما قرر الخديوي اسماعيل يباهي بالقاهره كل مدن اوربا الجميله ويتوفق عليها ، في ميدان الاوبرا الخديوية حيث خطت الامبراطورة اوجيني وتسللت عايده لمقبره راداميش وصدحت الموسيقي العظيمه لفيردي ، هنا الازهر الشريف قاب قوسين او ادني مناره العلم الوسطي والشيوخ العظماء ، هنا المتحف المصري الحافظ لكنوز الحضارة العظيمه واسرارها ليس ببعيد ، هنا ، والنفق الحديث يحملكم لنصب الجندي المجهول ملايين المصريين رعاه الحضاره وحارسيها وقتما حملوا السيوف وامتطوا الخيول والعربات الحربيه واستشهدوا دفاعا عن وجودكم وحضارتكم ، هنا في تلك المدينه المحروسه كل هذا واكثر ، كيف نسيتم من انتم حتي تجرأ عليكم الحفاه الجهلاء وكادوا يخدعوكم بقحطهم ويوهموكم انه الخير والنماء والخصوبة والنهضه ؟؟؟ كيف نسيتم من انتم فكدت تهزموا !!!   
يخطب ابراهيم باشا في المصريين منفعلا حانقا غاضبا ، وقبلما يكمل حديثه ، يلوح له طفل صغير من بنايه قريبه بعلم مصر ، يلوح له ويرسل له قبله في الهواء ، يلوح له ابراهيم باشا ويكاد يهمس في اذنه وقتما تكبر لاتكن مثلهم ، لاتنسي نفسك ولا من انت وشد ضهرك وافخر بمصريتك ، ايها الصبي الصغير انت حفيد الحضاره العظيمه وسليل القاده العظماء وابن المنتصرين ، مازال الطفل يلوح بالعلم الصغير مره واثنين وعشره ، علم واحد صغير يلوح به طفل من بنايه قريبه برد قلب ابراهيم باشا وهدأ غضبه ، نعم مازالت تلك المحروسه ولادة بابطالها العظماء ، هذا العلم الصغير سيهزم كل الاعلام والرايات السوداء و......... ارسل له ابراهيم باشا قبله في الهواء وسكن فوق حصانه !!!!
ومازالت التظاهره الحاشده باعلامها السوداء تشق قلب قاهرة المعز بصراخها وهتافاتها وملامح الغاضبين و.......... مازال الزمن واقف ودولابه راكد والرجل الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر مازال ينتظر وايزيس تبكي وتنتظر وانا .... انا مثلكم ، اشاهد مايحدث ولاافهم !!! انتظر احدهم يشرح لي مالذي يحدث ، ربما الدكتور منسي سيقول لنا مالذي يحدث ، ربما ستقول لنا الدنيا كما قال رجب ، ربما سنفهم وحدنا دونما يقول لنا احد!!!
سؤال حائر ، ينتظر الزمن اجابته ليتحرك ...
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 26 )
الدكتور منسي

لم يعرف المصريين الهجرات بعيدا عن وطنهم  ..
النيل العظيم والوادي الضيق والصحراء الشائعه ربطتهم بالارض وضفاف النهر ..
صنعوا الحضارة العظيمة ومنها اشرقت شموس المعرفه علي العالم كله ..
القي منسي القلم غاضبا ، جمال حمدان سبقه وقال هذا وعلماء عظماء كثر درسوا حضارات بلاد الانهار وطبيعه شعوبها ، جمال حمدان سبقه ، وصف دور التاريخ والجغرافيا في رسم شخصيه مصر ، مالذي تأتي به جديدا يامنسي في هذا الشأن ..
غاضبا من رتابه عقله ونمطيه تفكيره ، لم تأتي بجديد !!!
اقتربت منه فكريه ، سالته ، مالك ، محتار يافكريه ، فكره في راسي بتدور مش عارف عايزه مني ايه ، ضحكت فكريه ، يامنسي ، كل سنين عمرك بتجري ورا الافكار اللي بتدور في راسك وفي الاخر توصل لفكره محدش قالها قبل كده ، وكل سنين عمرك تتخانق مع افكارك ، قوم شويه وبطل تفكير !!!
وافقها منسي ، هي تعرف كيف تروض روحه وافكاره ، سيترك القلم والاوراق ، سيطلق لافكاره العنان ، سيجلس في الشرفه ويحتسي القهوه ويهيم مع راسه وتداعيات افكاره ...
اطل من سور الشرفه ، الشارع زحمه ، اقتربت منه فكريه بهدوء ، فاكر الشارع كان عامل ازاي زمان يامنسي ، طبعا فاكر ، فاضي وكل ساعه عربيه وهسسس !! الدنيا اتغيرت قوي يامنسي ، هز راسه ، عارف والله وباحاول افهم اتغيرت ازاي ولايه ؟؟ ماانت عارفه ده شغلي طول حياتي ، عارفه !!!
يطيل النظر للشارع المزدحم سيارات لاتتحرك وصخب وعوادم السيارات تخنق الانفاس !!!
داخلين علي نص الليل والشارع واقف وزحمه ازاي ، شايف يافكريه وباحاول افهم ليه ؟؟ الناس دي راحه فين وجايه منين ، زمان كانوا بيناموا بدري ويروحوا شغلهم بدري ويرجعوا بيوتهم بدري ، النهارده كل ده اتغير ، ضحكت فكريه ، كل حاجه اتغيرت ، مواعيد الشغل اتغيرت والناس بقت بتشتغل شغلانه واتنين والعربيات ليل ونهار في الشوارع طول السنه كاننا في اجازه صيف !!
يجلس علي مقعده الوثير ويرشف من قهوته رشفه كبيرة ، البلد كلها بقت عامله زي شارع خالد ابن الوليد في ميامي في اسكندريه  في اغسطس ، زحمه علي الفاضي لاحد بيشتري ولاحد بيبع ولاحد بيتحرك ولاحد بينام !!
جلس علي مقعده الوثير وارتشف من قهوته وهمس ، نفسي اروح راس البر ، همست فكريه وكأنها تتمني لاتقطع حبل افكاره واسترسالها ، حتلاقيها اتغيرت هي كمان عن اللي في راسك ، همس وهو يغيب اكثر واكثر مع افكاره المتناثره ، طبعا ، كل حاجه اتغيرت يافكريه ، حافضل اقولك طول الوقت كل حاجه اتغيرت ، صرخ فجأ ، المشكله مش ان كل حاجه بتتغير ، المشكله اننا عايزينها تتغير للاحسن !!!
صمتت وصمت و................. قام فجأ لاوراقه !!!
المصريين لم يعرفوا الهجرة عكس شعوب كثيره فحافظوا علي تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم واستطاعوا يمصروا كل الافكار الوارده والثقافات الوافده لبلدهم مع المهاجرين والغرباء ويعيدوا صياغتها لصالحهم فصارت افكارا جديده تشبه القديمه لكنها افكار مصرية خالصه ...
الهجرة التي عرفها المصريين ، بخلاف هجرات الحرب التي ترك فيها ابناء مدن خط المواجهه والحرب ديارهم وسرعان ماعادوا لها بعد انتهاء الحرب ، هي هجرات النوبيين داخل الوطن ، الهجره الاولي التي تركوا فيها جزء من ديارهم بسبب خزان اسوان والهجره الثانية التي اغرقت فيها بحيرة السد كل ارضهم ، هجرات الحرب كانت قسريه وغربت ابناءها لكنهم منحوا بهجراتهم للوطن الام نصرا عظيما ماكان ليتحقق الا بتضحياتهم ، هجرات الحرب منحت الوطن قوة ولم تتركه خواء كمثل هجرات الشعوب الاخري التي كانت تهجر الارض لاخري يمكننا تعيش فيها حياه افضل ، هجرات الحرب لم تكن من اجل حياه افضل للمهاجرين بل كانت من اجل حياه افضل للوطن !!! هجرات الحرب بحزنها ووجعها والمها لابناء مدن خط القنال منحت من الحزن للمصريين فرحا عظيما !!!
هجرات النوبيين ايضا ، الهجرة الاولي والثانيه ، الغربة وترك الديار التي غرقت تحت مياه السد العالي ، منحت المصريين من دموع الابناء المهجرين فرحا وخصوبه ونماء وقوة !!! هجرات النوبيين كانت قسريه اجباريه لكنهم لم يغضبوا منها ولم يتمردوا عليها ، لم تكن هجره لمكان افضل او كرها او بغضا للمكان الاصلي ولا فرارا من قسوته بل كانت هجرات قسرية بمنتهي الود والرضا والسماحه ، تضحيات مقبوله لمنح الوطن الاكبر فرحه لايمكن تحقيقها الا بتضحيات الابناء ودموعهم !!!
المصريين لايعرفوا الهجرات ، وحين هاجروا داخل الوطن الواحد من مكان لاخر كانوا يضحوا من اجله هو وليس من اجل اي فرد فيهم ، هجراتهم كانت لخير الوطن ولصالحه ، لم يفكروا في انفسهم وفكروا فيه وقدموا استقرارهم فداء له ولقوته !!!
المصريين احفاد ايزيس ، منحوا الوطن فرحته بدموعهم وقوته بحزنهم ، وحزنوا وبكوا وهم في منتهي الرضا والتقبل ، فكل شيء يهون لاجل الوطن الذي يعشقوه !!!
ايزيس منحت الوطن الخير بدموعها وسايرها احفادها فمنحوا الوطن منتهي القوه والنصر بدموعهم والخير والخصوبه بدموعهم ، احفاد ايزيس عرفوا معني الحزن المقدس الذي يمنحوه لرفعه الوطن بمنتهي الحب ...هذه هي روح مصر منذ الاف السنين وحتي الان ...
صفق الدكتور منسي فرحا ، هاهي الفكرة اتته وتملكها ، سطعت في ذهنه وظهر بريقها !!!
مالذي حدث اذن هذه الايام وكيف حدث ؟؟
اسئله كثيرة مازال الدكتور منسي يبحث عنها وهو يسال نفسه مالذي جري للشخصيه المصرية !!!
نهاية الجزء الثاني
يتبع بالجزء الثالث

السطر الناقص في بحث الدكتور منسي ( الجزء الثالث )


 

الجزء الثالث


( 27 )
نوفي

من الصبح وانا عيني بترف ، خير يارب ، همست نوفي لنفسها ، الا عيني ، اول ماترف اعرف ان فيه نصيبه وحتحصل ، ضحكت ساخره من نفسها ، تقوليش يابت طاهره ومكشوف عنك الحجاب ، كادت تخبط علي صدرها احتجاجا علي كلامها ، اه طاهره يااختي ومكشوف عني الحجاب ، وليه لا ، لما عيني بترف اعرف ان فيه نصيبه وحتحصل ، والنهارده من ساعه مافتحت عيني وهي بترف ، اعزن فيه مصيبه حتحصل وانا مستنظراها ، ضحكت نوفي لحد لو تابعها احدهم لسخر منها واعتبرها مجنونه بتكلم نفسها في الشارع ، ماهي المصايب عماله ترف حوالينا من كل صنف ومله ، شباب زي الورد مات وبيوت اتسرقت والدنيا غليت والشغل قل ، مصايب ايه اكتر ، الشبيحه ملوا الشوارع واللي ممعاهوش سلاح مالوش سعر ولا ثمن يموت اقل من البهيمه ومحدش يبكي عليه ، مصايب ايه اكتر من كده ، بيقولوا السنية حيطلعوا علي الناس في البيوت يموتوهم ، ال ايه مااحناش مسلمين ، وايش عرفك انت ياخويا ، ربك رب قلوب وعارف بكل حاجه ، عاصيين جايز لكن مش عارفين ربنا ، وانت مالك ، ايش اخششك في الحوار ده ، ماتخليك في روحك ، ولينا رب رحيم يوم القيامه يحاسبنا بعدله ويحكم علينا برحمته ، بيقولوا حياخدوا فلوس الاغنيا يدوها للفقرا ، ياريت والله ، اهو بدل مالفقير مقهور ومش لاقي اللضا ربنا يكرمه ويدي له والاغنياء كفايه عليهم كده ، اكلوا لما شبعوا وبطنهم وجعتهم ، بس عم فانوس بيقول ايام عبد الناصر الحال كان واقف والدنيا ناشفه ، بيقول دي الاشتراكيه اللي بيقولوا عليها ، هزت نوفي راسها ، لا مش عايزين ايام ناشفه مش ناقصه وقف حال ، الخواجه بيقول مافيش زي ايام الملك ، وايش عرفه هو بالملك وايامه ، لاعاشها ولا كان موجود ، بس الحق ايام الملك كانت عز وهيصه ، والفلوس كانت بتجري في الايدين زي الميه الساقعه ، بس عم فانوس بيقول ان ايام الملك الفقرا كانوا مظلومين ، ضحكت نوفي ، مايتظلموا ولا يروحوا في داهيه حيوجعوا راسنا ليه ، المايسترو بيقول ان ايام السادات احسن ايام ، الشغل كتر والفلوس نطرت فوق روس الناس ، ياوقعتك السوده يانوفي ، مالك انت ومال السياسه ، اهو كل واحد قال حاجه وانتي فضلتي حماره زي ماانتي ، مالك انت ايام مين احسن ، ماتخليكي في حالك وبكره بتاعك اللي مش راضي يجي ، امشي يابت في طريقك وارمي توكالك علي ربك ، يزرق الدوده في الحجر ويزرق نوفي كمان بعشا اليوم وفطار بكره ، عينك ترف بقي ماترفش افختيها بصباعك واخلص من الهم ، ال عينك بترف ال ، ماترف ولا تتحرق ، عدي الايام يارب علي خير ...
مازالت تسير في الشوارع المظلمه تجاه النادي ، وفجأ يداهمها صوت عالي ، اعلي واعلي ، هتافات ممضوغه لاتفهم معناها ، تفتح حدقتيها لتفهم مالذي يحدث حولها ، الوف البشر يتحركون ككتله سوداء وسط ظلام الشوارع الضيقه ، تري شبحا عملاقا يقترب منها ، صوت هتافهم عالي ، كتله بشريه ممتزجه ببعضها لاتميز ملامح ولااعمار ولا بشر ، يصرخون غاضبين ، لاتفهم مما يقولوه شيئا ، يرفعوا اعلاما سوداء فوق رؤوسهم ، اعتادات مظاهرات الفرحه بعد مباريات الكوره التي لاتفهم فيها ، تري الاعلام الحمراء او البيضاء او البرتقاليه فتعرف ان احدهم فاز بالدوري ، تلك المظاهرات لم تكن تخيفيها بالعكس ، كانت تمر بجوارهم تصفق فيصفروا لها ويغازلوها ، تزغرد احيانا فتزداد فرحتهم ، لكن تلك الكتله السوداء لاتعرف كيف تتعامل معها ، خائفه منها ، من صوتها العالي الغاضب ، خائفه من الاعلام السوداء التي يرفعوها فوق رؤوسهم ، قادمين صوبها لاشك ، تتحرك ناحيتهم بالضرورة ، ستلاقيهم في لحظه ما ، كيف سينظروا لفستانها العاري وحملاته الساقطه علي كتفها ، كيف سينظروا لطلاء شفايفها اللامع وخصلات شعرها المتساقطه ، كيف سيتعاملوا معها ، ستمر بجوارهم وعيونها في الارض ، تخاف منهم ولن تظهر لهم خوفها ، تخاف منهم لن تصفق لهم ولن تهتف معهم ولن تزغرد لهم ، ستتوراي ، ياريت الارض تنشق وتبلعني ، تهمس لنفسها وتتمني تتلاشي ، الاصوات العاليه تقترب اكثر واكثر ، الرعب يتملكها ، يقتربوا ويقتربوا .... وماانا قلت ، من الصبح عيني بترف ، هونها يارب هونها وتجري بخطوات سريعه تبحث عن مكان تختبيء فيه !!!!

( 28 )
الاوبرا الخديوية

اليوم زحام غيرعادي ، الصاله ممتلئة علي اخرها والمقصورات ايضا
الكل ينتظر الافتتاح بشغف كبير
المسرح معد بديكورات الاوبرا الشهيرة " عايدة "
الاوركسترا بكل عازفيه جالس مستعدا لاشارة المايسترو
الفنانين والمغنيين والممثلين خلف الكواليس جاهزين ، ملابسهم ومكياجهم وقلق الانتظار
فجأ .... يصرخ واحد من الجمهور ، اسود ، اسود في الصالة !!!
هرج ومرج يضرب باعاصيره جنبات دار الاوبرا العريقة ..
يرتبك الجمهور لايعرف هل سيجري ام يبقي مكانه لتلتهمه الاسود
يتوتر العازفين ، البدل السوداء السموكن والبيبونات اللامعه والقمصان المنشية ستعوقهم عن الجري
عايده تتمني تجري ، تفر من الكواليس وتعود للفندق
راداميش ايضا يتمني يقفز من المسرح للشارع ، خائفا لايفكر الا في انقاذ نفسه
تنتظر له عايده نظره غضب ، تفكر فيه باعتباره حبيبها الذي ستقتل نفسها من اجله ، جبان خاف من صراخ لانعرف حقيقته ، فكر ينقذ نفسه ولاينقذها ، فكر يجري بعيدا ويتركها للاسود تلتهمها !!!!
عليهم يلغوا العرض اليوم ويؤجل الافتتاح لوقت اخر
لن تقوي تمنحه حبها وحياتها وتدخل قبره تموت معه وهي رأته علي حقيقته جبان فر بنفسه ولم يفكر حتي يناديها لتصاحبه رحله الفرار ..
اسود ... اسود ....... صرخ بعض الملتاعين في الصاله
بقي المايسترو مكانه ، ملامحه صارمه لاعضاء فرقته فلنموت فوق مقاعدنا ، لن تجروا ولن اجري ولن نفر امام الجمهور الذي دفع ثمن متعته ، حين نفر ونترك الالات التي تمنحهم السعاده لتلتهمها الاسود لن يصدقونا بعد الان ، نحن في نظرهم جمل موسيقيه تمنحهم السعاده ولن نكون فئران مذعوره نجري وقتما تهجم الاسود ، ابقوا مكانكم !!!
فجأ ، هديء الصراخ ...
حدق الرجل الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر وابتسم ، سالته ايزيس وهي تحلب دموعها فيضانات تتدخرها للقحط العظيم ، في ايه ، ابتسم وهمس لها ، الناس مرعوبه ، اسود ابو السباع دخلت تحميهم افتكروها جايه تاكلهم ، ارتبكوا ، لكن بعد مافهموا هديوا وفضلوا في اماكنهم ، ابتسمت ايزيس ، عجبا لشعبي لايميز احيانا الخير من الشر ، حتي فيضاناتي كثيرا ماخافوا منها وهي الخير الوفير ، ووقتما انتبهوا لمعناها شكروني ، الحق لااحب خوفهم ولا شكرهم ، اتمناهم يفهموا مايحدث !! ابتسم الرجل القابع فوق السحابه البيضاء البعيده واكد لها ، حيفهموا !!!
عاد يحدق في صاله الاوبرا الخديويه التي هدأ روع جمهورها ، المايسترو سعيدا بقوته ، الممثلون استعدوا لادوراهم وبقيت عايده حزينه لان راداميش الحبيب صار مجرد دورا مرسوم تؤديه وليس حبيب تموت من اجله ...
اطفئت الانوار ودقت الدقات الثلاث فصدحت الموسيقي وفتح الستار وبدأ العرض ...............
وجلست الاسود الاربع تحرس الاوبرا الخديويه وجمهورها وفنونها وتاريخها ......
اثنين علي البوابه الاماميه واثنين علي البوابه الخلفيه ..
فاحد لايأمن شر البوابات الخلفيه في تلك الايام الصعبه ...
في تلك اللحظة ، كانت التظاهره باعلامها السوداء تمر امام الاوبرا الخديوية بصخبها المزعج النشاز ، زأرت اسود ابو السباع الحارسة بصوت اعلي وصدحت الموسيقي الاوبراليه بصوت اعلي واجمل وابتسم ابراهيم باشا فوق تمثاله سعيدا .. في تلك اللحظة لوح له الطفل الصغير بعلمه من البنايه القريبه فنكست الرايات السوداء وخفتت اصوات حفيفها ، اتسعت ابتسامه ابراهيم باشا اكثر واكثر ، واقسم احدهم انه شاهد القمر يسطع في السماء المظلمه ، سخر منهم الكثيرين فالوقت ليس وقت القمر والظلام دامس ، لكن ابراهيم باشا همس لهم صدقوه ، القمر سيسطع قريبا ، لكنها عاده المصريين يروا ما سيحدث قبلما يحدث !!! القمر سيسطع قريبا !!!
وصمت فوق فرسه والتظاهرة براياتها السوداء تسير بخطوات ثقيله ثقيله صوب المجهول الذي لانعرفه..

( 29 )
النادي

سرعان مااعاد الخواجة الورق الازرق للشبابيك الكبيرة استعدادا للحرب القصيره التي سيخوضها الجيش المصري لتحرير تل ابيب من يد الكيان الصهيوني ، لكن النكسه اضاعت الجيش وكادت تطيح بالرئيس القائد الملهم الذي خرج علي جماهير شعبه التي تنتظر النصر بروح كسيرة يودعهم ويتحمل المسئولية  "وبرغم ايه عوامل قد اكون بنيت عليها موقفي في الازمه فأنني علي استعداد لتحمل المسئولية كامله ولقد اتخذ قرار اريدكم جميعا ان تساعدوني عليه ، لقد قررت ان اتنحي تماما ونهائيا عن اي منصب رسمي واي دور سياسي وان اعود الي صفوف الجماهير اؤدي واجبي معها كأي مواطن اخر " يومها لم يسمح له الشعب بالرحيل ، وخرجت الجماهير الغاضبه للشوارع تتظاهر رفضا لتنحيه وتخليه عنها وطالبته بالبقاء علي مقعده يقود الجيش والشعب لنصر كبير ، صرخت الجماهير حنحارب فعاد الرئيس لكوبري القبه وبقي الشباب علي الجبهه سبع سنوات مابين حرب استنزاف وبناء حائط الصواريخ ومابين عام الضباب و................ لاصوت يعلو فوق صوت المعركه ، بقي الورق الازرق فوق الشبابيك كل تلك السنين العجفاء ورفع الخواجه علم مصر فوق الشرفه الكبيرة وعلق صورة الزعيم القائد ثم الزعيم المؤمن فوق جدران البيانو فرقص الاجانب والشباب وسكر العجائز وتشاجروا والزعيم القائد والزعيم المؤمن يراقبوهما من اللوحات الكبيرة التي زركش بها الخواجه جدران النادي ففسدت الخمر وفرت العاهرات وتحفظ الرواد في مناقشتهم يشعرون انهم تحت مراقبه اللوحات الكبيرة واصحابها !!! و.......... ""ماهو خبيبي لازم تفضل صور دي هونا ، مش هو برضه لاصوت فوق صوت معركه "" ويضحك رواد المكان وهم يحتسون الخمر و.... يهمسوا لان صوتا لن يعلوا فوق صوت المعركه !!!!

( 30 )
النادل

بركاتك سيدي كبير ، بركاتك ، امنحني البركة في غربتي اللي طالت ، يهمس فانوس لنفسه وهو وحيد امام التلاجة الخشبية الكبيرة ، مازال يذكر قبل الهجرة الثانية وقبلما تغرق مياه السد العالي ارضه وارض اجداده ، مازال يذكر قريته واشجار السنط التي تتراص علي ضفه النيل براحتها التي لاتبارح روحه ، مازال يذكر النخيل العاليات ومواسم البلح ، مازال يذكر النيل الاحمر الذي يأتي من الجنوب محملا بالخير فتغني جدته الضريرة باغاني تمجد النيل وايزيس ودموعها التي منحت مصر الخير كل تلك السنوات ، في موسم الفيضان والماء احمر ورائحه السنط تملأ الانوف والقلوب ، تحتفل قريته بولي الله الصالح الذي منح ارض البركه بركة اكتر ، سيدي كبير ، بركاتك يامولانا انصفنا ، لايذكر فانوس هل كان لسيدي كبير ضريح تركوه تحت المياه وقت الهجرة الثانية ام لم يكن له ضريح فحملوا بركته معهم في المراكب الملونه التي حملتهم من ارض الاجداد ارض الذهب الفرعوني والحضارة للصحراء القاحله التي لم تفلح ترد اليهم الروح التي تركوها تحت الماء !!!
بركاتك سيدي كبير ، كان يهمس جده وجدته ، وحين غاب ابيه في بر مصر كانت امه تتوسل لسيدي كبير يحمل شوقها للحبيب ويعود به سالما من الارض الغريبه للارض الحبيبه ، اخرجه ابيه من القرية للقاهره للعمل هناك ، تركه في النادي مع الخواجه وعاد للبلدة التي كوي الشوق قلب فانوس لها كل ليلة وهو يعيش غريبا في وطن لم يحتويه ، يحلم بالعوده للبلده الصغيره لينام علي ضفاف النيل تحت اشجار السنط ويحلم يعتلي النخيل الشاهقات ليري من اعلي نقطه يمكن الوصول اليها ارضه الجميله وبيوتها البديعه والمنمنمات النوبية التي تزين الجدران والقلوب من الاطباق والابراش ، يتمني العودة للبلدة الصغيرة ليجلس في الونسه مع الكبار يستمع الي حواديتهم وقصصهم والسير والمدح في الحبيب المصطفي ، بركاتك سيدي كبير ، يهمس فانوس كل ليله وهو يغفو ، هذه اخر عباراته ، يتوسل اليه يحمله من الغربه للونسه والبلدة ، يحمله من هنا البعيد عن قلبه لهناك القريب من قلبه وروحه ..
لكن السد العالي اغرق الارض والبلدة والضريح وهاجر الاهل ، فصارت الهجرة قدرا والغربه ابتلاء ، من لم يهاجر بارادته او قرار ابيه للبلاد الغريبه ، هجر قسرا للارض الصحراوية وبيوتها المشققة وشوارعها الضيقة والشمس الحارقة تسقط فوق الرؤوس بلا ظلال لامن شجر السنط ولا من جريد النخيل ، علم فانوس قبل التهجير بأنه سيحدث ، اخذ اجازه من الخواجه وعاد لبلدته ، طاف في شوارعها وكأنه سائح ، يصور في ذاكرته كل ركن فيها ، البيوت القباب الضفاف الظليلة اشجار السنط النخيل الذي حفر اسمه في بدنه بلغته التي لن تعرف الاسماك تقرأها وقتما تغرق الديار لتمنح الوطن كله الخير والبركه ، طاف فانوس في البلدة وحمل في سيالة جلبابه قبضه من ترابها وغادرها ودموعه فياضه تبلل ارض المركب بالحزن والاسي ، مااصعب يموت وطنك تحت بصرك وانت تفهم الضرورة ولكن الضرورة لاتراعي مشاعرك ، مااصعب يموت وطنك تحت بصرك وانت قليل الحيلة لاتملك الا البكاء ، الارض الغاليه ستغرق واهلها سيهجروا للصحراء والوجع سيمتد جيلا بعد جيلا ، بركاتك سيدي كبير ، بركاتك مولانا تهون علي قلوبنا الحزن وتعيدنا لارضنا وان طال الغياب !!!
خرج اهل بلدته في المراكب باكين نائحين ، يحملوا النوبة في قلوبهم وسمرة بشرتهم وفنونهم البديعه وتراث جدودهم واقاصيصهم وحواديتهم ولغاتهم الخاصه التي بقيت طلاسمها سرا لايعرفه الا الابناء الاصليين للارض التي غرقت لتمنح الوطن كله الخير والنماء ، النيل الاحمر يجري تحت اقدامهم وكأنها دماءهم سياله علي الارض فداء الوطن ، جلسوا في المراكب تحملهم للغربه يتضرعوا لسيدي كبير يلطف بهم ويهون ايامهم ويقلل اوجاعهم وحزنهم و........... عاش اهله الغربه في الصحراء الكريهه يقتاتوا احزانهم ووجعهم يصاحبهم سيدي كبير يدعوه ينقذهم ويعود بهم لبلادهم !!!
عاد فانوس من بلدته كسير النفس مهزوم ، مااصعب ان تري بلادك تغرق وانت مستسلم للقضاء والقدر والضرورة ولغه العقل وقله الحيلة ، بلادك تغرق وذكرياتك وتاريخك ودروب صباك والاشجار التي رسمت علي بدنها اسمك واحلامك ، عاد كسير النفس يدعو سيده كبير يهون عليه وعلي اهله الغربه والوجع و...........عاش ايامه مثلما عاشه غريبا يبحث عن حضن يحتويه بعدما غرقت بلاده ، عاش ايامه فانوس بعدما طمس الخواجه اسمه ادريس مثلما طمست مياه النيل هويته ووطنه واغرقتهم ، و.......احب فانوس مصر ، وكيف لايحبها ، احبها ، مصر الوطن الاكبر الذي من اجله ضحينا بالبلدة والتاريخ وبقي فانوس كل ليلة يدعو لمصر ، يدعو سيدي كبير ينصرها علي اعاديها الكثر ويسعد اهلها ويكفيها شر مصير بلاده الصغيرة ووطنه الغارق !!!
اليوم بالذات ، تذكر فانوس سيدي كبير ، تذكر المولد الذي كانت تقيمه البلده لسيدي كبير ، يومها تحممه امه في النيل ويرتدي جلباب العيد والطاقيه الملونه ويصاحبه ابيه للونسه هناك يوزعوا علي الاطفال البلح الرطب والبلح الناشف وسكاكر لايغيب عن فمه مذاقها العذب ، هناك في الونسه يسمع مواويل المدح وسيرة الحبيب ويغني مع المنشدين ويصفق باصابعه الصغيره مع الدفوف ويتمايل جذعه مع الشباب وقتما يقفزوا وسط الساحه ويتمايلوا باجسادهم ترتسم علي وجوههم ابتسامه اغرقتها مياه السد مع الارض والوطن ... اليوم بالذات يتذكر فانوس سيدي كبير ، يتذكره وقتما كانت تتضرع امه له ليلا وهي تبكي ، انقذنا ياسيدي ، يتذكر جده وهو ينهرها ، ادعي لربك ياام ادريس وهو قريب ، توافقه الام ، ياسيدي ادعو ربي واتوسل لسيدي كبير يوصل صوتي لربي فهو من اولياءه الصالحين والاقرب في الدرجة والمرتبه عني انا قليله الحيلة ، لايعجب كلامها جده ولا تطيعه امه وتستمر في دعاءها لسيدي كبير ينقذ بيتها واهلها وكل الاحباء !!!
اليوم بالذات ، كلمات امه وتمتماتها الباكيه ترن في اذنه ، ياسيدي كبير انقذ بيتي واهلي وكل الاحباء ، انقذهم ياسيدي ، فانوس امام الثلاجه الخشبيه الكبيرة ، يرص زجاجات البيره بنفسه ، يغطيها بالواح الثلج الكبيره ، يخترق اذنه صوت الهتافات العالية ، يتوتر ، باين الليله مش فايته ، مازال يتذكر وقتما احتجز وكل زملائه في النادي والمئات يتضاربوا وسط الليل في الميدان الكبير ، وقتها قرر الخواجه يغلق عليهم باب النادي بالقفل وكأنهم مش موجودين ، لن يعرضهم للخطر ولن يعرض نفسه لخساره العماله المدربه التي تدير المكان لصالحه وتخدم زبائنه ، صوت الهتاف يتعالي ويتعالي ، يترك زجاجات البيرة ويخرج للشرفه الكبيره ، صوتهم عاليا يكسر الجدران ، اعلامهم السوداء ترفرف في الهواء ، لايفهم هتافاتهم الغاضبه لكن يعرف صوت الغضب ، ربنا يستر ، هل سيتشاجروا ويكسروا المحلات مثل المره الفائته ، ام سيغلقوا باب النادي بالمصلين مثلما فعلوا قبل عده شهور ، وقفوا امام العماره يسبوا النادي ورواده الفاسقين ، اقاموا الصلاة امام بوابه العماره متوعدين من سينزل او سيدخل بالحساب العسير ، يومها فكر ينزل من النادي ويصلي معهم ، كانه يقول لهم مااحنا كمان بنصلي وبنعرف ربنا كويس ، لكن الخواجه منعه ، انت مجنون حبيبي ، يموتوك ، ريحه الخمره شابطه في هدومك ، حيشموها زي الكلاب البوليسيه حيموتوك علشان يخشوا جنه ، اعقل فانوس ، ويعقل فانوس ويبقي مكانه لايفهم مالذي سيحدث في الايام القادمه ، صوت الهتافات اعلي واعلي ، هي الليله حتسود والزباين حتطفش ولا مظاهره وتروح لحالها واحنا نفضل علي حالنا !!!
عاد للثلاجه الخشبيه وزجاجات البيرة ، يرصها ويغطيها بالثلج لكن نصف راسه غائبه تفكر في المستقبل اللي مش باين له اصحاب ، ويستغرق في عمله وهم يتمتم مثل امه في لياليها الباكية ، انقذنا ياسيدي كبير ، انقذنا ياسيدي واهلي وبيتي وكل الاحباء ، انقذنا سيدي كبير انقذنا و............. يسمع هدير ماء الطوفان ستأتي لتغرق ارضه ووطنه مره ثالثه فتسقط من عينه دمعه وهو ينتظر المصير والقدر !!!

( 31 )
المنادي

اليوم بالذات مختلف عن كل الايام ، اليوم رائحه الدم شبطت في انف رجب  ولم تغادرها ، استيقظ علي دوي رصاص في شارعهم الصغير ، لم يصدق نفسه ، مين شابط في مين ياولاد الحرام ، صرخ وهو يرتدي بنطاله ويجري صوب الشارع ، تصورها خناقه عاديه وشويه تهويش ، لكن الشارع حكي له قصه مختلفه ، مين اتخانق مع مين علشان يركن عربيته وبس عينك ماتشوف الا النور ، السلاح طلع والرصاص لعلع والدم ساح و......... خمسه وعشرين جدع ضاعوا ياكفره !! علشان ايه ، بتموتوا بعض ليه ، مالكم كده محدش مستحمل حد ، مالكم كده كارهين بعض بالطريقه السوده دي ، كل المطريه تتكلم عن المعركه المخيفه التي دارت بالاسلحه الاليه في الصباح الباكر ، حد ابن حرام بوظ اليوم علي الكل ، شتم اللي مايستحملش يسكت ، طلع الفرد من جيبه علشان يتغدي بيهم قبل مايتعشوا به ، و............. النسوان عماله تصوت ، دي علي ابنها ودي علي جوزها ، الرجاله اللي خرجت من بيوتها علي صوت الرصاص ماقدرتش غير علي النسوان ، هاتك ياشتيمه وتلطيش ، خشي يامره انت وهي جوه ، رجب وصل الميدان ليجد كل الحي يضرب في بعضه ، الدماء الساخنه علي الارض والجثث التي مازالت تتنفس ملقاه علي الارصفه والنساء تصرخ والرجال تضرب و.......... محدش فاهم حاجه ، علي الحرام من ديني ماحد فاهم حاجه ولا اللي حصل ده حصل ليه ، هكذا قال رجب لصاحب السيارة المرسيدس الذي تركها له ليصعد للنادي ، ياباشا هو يوم اسود ، الناس نزلت تقتيل في بعض زي مايكون بينهم تار ، علي الحرام من ديني ياباشا محد عمل لحد حاجه ، الا النفوس معبيه ومش مستحمله حد يقرب من تنتوفه مناخيرها ، رائحه الدم في انف رجب والكراهيه التي انفجرت جثث وقتلي ورصاص اخافته ، لما الجيران يعملوا في بعض كده علشان ولا حاجه ،  امال اللي بيكرهوا بعض عن حق وليهم ميت سبب يعملوا في بعض ايه ؟؟؟
يساله الرجل مرتاعا ،  تفتكر ليه الناس عملت كده يارجب ؟؟ هز رجب راسه حائرا ، مش عارف ياباشا ، مش فاهم ، دول اهل شارع واحد واكتر من الاهل ، فجأ مابقاش فيه اهل ولا بقي فيه اصحاب ، كل واحد بيقول يالا نفسي، عربيه تركن عربيه تتحرق ، يضيع رجاله وارواح علشان خناقه عبيطه بين ناس مفروض انهم اخوات ، وفجأ ساله رجب ، الا ياباشا هو مش قابيل وهابيل قتلوا بعض ، قتلوا بعض ليه ، اهو الرجاله النهارده كانت زي قابيل وهابيل ، اخوات وبيقتلوا بعض كده غيظ وعداوه ، زي مايكون حد مسلطهم علي بعض ، اكيد ربنا له حكمه في اللي بيحصل ده ياباشا صح ؟؟ اكيد يارجب ، يجيبه الرجل مرتاعا لايصدق ماسمعه منه و يردد علي مسامع نفسه ليطمئنها ونعم بالله يارجب ونعم بالله وتركه وصعد للنادي ..
يقف رجب امام باب النادي مرتكنا علي عكازه غاضبا حزينا ، الناس ممنهاش رجا ، كنا بنقول مصارين البطن بتتخانق والصلح خير ، دلوقتي الدم بقي للركب واللي له تار مابينامش الليل ، منكم لله ياكفره !!! لايفهم كيف تحول الناس لماتحولوا له ، صاروا متوحشين ، زي شوية اسود مجوعينهم لما مايلاقوش اكل يقوموا علي بعض ، يفكر رجب في الحي الذي يعيش فيه وجيرانه وكيف صاروا ، ماعدش فيه امان ولا حد ياأمن لحد ، يسمع صوت الهتافات العاليه ، تدوي في الشارع والميدان ، يلمح الاشباح تعطيه ظهرها وتتجه بعيدا صوب الميدان الثاني الابعد ، يري اكتافهم والاعلام السوداء ترفرف فوق رؤوسهم يزداد تشاؤمه ، الا هو اليوم ده اسود زي قعر الحله ولا ايه العبارة ، اخرتها معاكي ايه يادنيا ، بوحي علشان نفهم ونوعي ونعرف نتعامل !!! ماهو مافيش حاجه تخوف لما نفهم !!! ليه النوبه دي بالذات مش عارفين نفهم ؟؟؟؟؟؟؟؟ يسال رجب نفسه وهو يتابع الهتافات العاليه والاعلام السوداء غاضبا مستفزا ، اخرتها معاكي ايه يادنيا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 32 )
نوفي

تسير في الشارع المظلم واصوات المتظاهرين تعلو وتعلو ، تسرع الخطي وكأنها ستجري ، انا ماليش دعوه ، وانا مالي ، هكذا تقول لنفسها ، لا في ايدي حكم ولا لي كلمه ، انا واحده زيكم ، ترتعد ، لا مش زيكم قوي ، انا بس غلبانه وباجري علي اكل عيشي ، ايوه اكل عيشي ، تدير حوارا بينها وبينهم ، ده شغلي اللي باعرفه ، لكن باصلي ، مش دايما يعني ، وباصوم رمضان وابطل شغل ، وبادبح في العيد ، زيكم يعني ، ده شغلي ، مااتعلمتش حاجه تانيه علشان اعرف اعيش ، حاخش جهنم ليه ، ده ربنا كريم ورحمته واسعه ، وربنا رب قلوب ، ترتعد ، تحسهم ينهروها ، الكتله البشريه باعلامها السوداء تنهرها ، تسبها ، تخاف منهم ، تتسارع دقات قلبها ، ستدخل جراج لتختبيء منهم ، ستدخل محل وتشتري طرحه طويله تسقطها علي كتفها ، ستعود منزلها وتجري صوبه ............. الاصوات ترتفع وترتفع ،الكتله البشريه بالاعلام السوداء تقترب منها وتقترب و................ مازالت تسرع الخطي ، النادي لم يعد بعيدا ، انفاسها تتلاحق ، كل الافكار السوداء تداهمها ، سيضربوها سيقتلوها سيغتصبوها و..................... ترتطم برجل فتصرخ بصوت عالي يضيع وسط اصوات الهتاف المدوية ، تصرخ وتنتابها حاله هستيريه و.............. انه رجب سايس السيارات تحت النادي ، مالك ياست نوفي ، تلتف خلفها ، الكتله البشريه باعلامها السوداء ابتعدت عنها ، هو انا وصلت ؟؟ تساله فيهز راسه يوافقها ، فتنفجر في البكاء ، سيبوا ركبي ولاد اللذين !!!!!!! تركن ظهرها للحائط في حمايه رجب ، تلتقط انفاسها ، تضبط الحماله الساقطه علي كتفها ، تشد الفستان الضيق علي جسدها وترسم علي وجهها ابتسامه وتصعد السلم بخطي بطيئه ، حان وقت العمل ، وتدخل باب النادي وهي تتمتم بكل الايات القرآنيه القصيرة التي تحفظها وتشكر ربها لانه حماها من ذوي الاعلام السوداء !!!ا

( 33 )
النادي

وللمره الثانيه ، وزع الخواجه الشربات فرحا بالنصر ومنح عماله يومين اجازه براتب كامل ليحتفلوا مع الجيش والشعب بالانتصار وعلق صوره عبد العاطي صائد الدبابات علي باب النادي وفتح التلفزيون الكبير في صاله النادي بعدما منح البيانسيت اجازه فشاهد الرواد صوره عساف ياجوري وهو اسير الجيش وصفقوا للزعيم المؤمن وقتما خطب في الشعب من قاعه البرلمان الكبري بصوت مدوي و......" وربما جاء يوم نجلس فيه معاً لا لكي نتفاخر ونتباهى، ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقة، مرارة الهزيمة وآلامها، وحلاوة النصروآماله. نعم سوف يجئ يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا في موقعه … وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة في فترة حالكة ساد فيها الظلام، ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء " .. للمره الثانيه ، وزع الخواجه الشربات فرحا بالنصر ومنح عماله يومين اجازه براتب كامل ليحتفلوا مع الجيش والشعب بالنصر العظيم !!! 
و......... بدأت الايام الحلوة ، شغل وسفر وخواجات وصفقات و......... تغير رواد النادي ، اختفي الكهول بالبدل البيضاء والقبعات الصغيرة ، واختفي الضباط الذين كانوا يتسللوا للنادي بغير ملابسهم  العسكريه بصحبه النساء الجميلات ومعهم افخر انواع الويسكي المهرب من خلف القوانين الصارمه التي تمنع الاستيراد والتصدير حفاظا علي العملات الاجنبيه وثروات الشعب ، وظهر جمهور جديد ، رجال ونساء يحتسين البيرة بغير مزاج ويشتموا في السادات الذي باع الانتصار ووقع علي اتفاقيه الكيلو 101 وسرعان ماباع القضيه كلها وقبل وساطه امريكا التي منحها كل اوراق اللعبه في يدها واجانب كثر ومديرين لشركات اجنبية كبري ستفتح فروعها في مصر بعد الانفتاح الذي بدأ في عصر الرئيس المؤمن ، وقتها انتعش الخواجه واحس بانفه الحساسه ان اياما رخاء وسعاده و" هيصه " ستعم علي مصر وعلي ناديه الذي سينوبه من الحب جانبا كبيرا و.........جدد النادي وطلي جدرانه بالوان زاهيه واصلح المناضد وصرف للعاملين معه ملابس جديده و.......... ازدحم النادي برواده حتي صار حجز المناضد ضرورة و......... بدأ المصريين في السفر لبلاد الخليج للعمل و..........مازال الدكتور منسي قابعا وزملاءه في منضدتهم البعيده يراقبون مايحدث ويسجلوا ملحوظاتهم في المفكرات الصغيرة ...
( 34 )
الدكتور منسي

نائم وكأنه يحلم !!!
لايعرف اين هو ؟؟؟
ربما هو في النادي وقتما توقف الزمن ووقف دولابه
ربما هو البيت نائم في فراشه بجوار فكريه التي تعطيه ظهرها وتلتصق بطرف الفراش وتترك له بقيته ليتحرك فيه براحته ..
ربما هو من اهل الكهف نام ومرت عشرات بل مئات السنين ومازال في سبات عميق ..
هو لايعرف ونحن ايضا اين هو !!
مانعرفه انه يحلم ، او يتصور انه يحلم !!
هل عندما يدخل العقل في غيبوبه عميقه بالسبات والنوم يظل يحلم ؟؟
لااحد يعرف !!!
ربما يكمل البحث الذي اضناه ، ربما عثر علي الفكرة التي ارهقته ، ربما كشف طلاسم الشخصيه المصرية التي اتعبته ، ربما نفخت ايزيس من روحها في روحه فتملكه وعي الحضارة العظيمه وكشف الاسرار التي استغلقت علي الفهم والكشف والادراك ...
يجلس في الصف الاول في الاوبرا الخديويه ، ينصت لغناء عايده وهي تبكي حبيبها الذي حكم باعدامه من الملك والكهنه ، يراها ترشو حراس المقبرة ليسمحوا لها تموت وحبيبها !!!
يتأمل قصه الحب بين الاميرة الحبشية وقائد الجيش المصري ويسأل نفسه هل هي فعلا من اجمل قصص الحب في التاريخ ، تهمس في اذنه ايزيس ، من هي تلك العايده لتحتسب نفسها الحبيبة التي تستحق خلودا في تراثنا المصري ، انا الحبيبه والام والروح والسحر ، انا التي احببت فضحيت وبكيت وافضت وتحملت وبحثت ولملمت الاشلاء الممزقه واعدتها للحياة ، انا الحياه ، هي اميره حبشيه اعتبرت موتها والحبيب اقصي تضحيه ، انا التي اعدت للحبيب حياته بعدما بكيته وتحملت ، اعدته للحياة وحملت من ماءه الطهور ملكا يحقق العدل !!! همست ايزيس في اذنه ، لانحتاج حبا يقتل ويخلد ، بل نحتاج في هذا الوطن العظيم حبا يمنح الحياه والعدل ويستمر فياضا متي استمر النيل يجري ، هذا وطننا وفننا وحبنا وتضحياتنا !!!
وافقها منسي الجالس مخدر في الصف الاول للاوبرا الخديويه التي احترقت منذ سنوات بعيدة !!!
سالته ايزيس ، اتريد ابعث لك في الاوبرا الحياه واعيد رمادها المحترق مبني عتيق وارمم جدرانها وارتق ملابسها وازيل الدخان الاسود من سماءها ؟؟ هل لو اعدتها للحياه ستعرض اسطورتي بدلا من تلك الاميره الحبشية ، هل ستعرض معني الحب والتضحيه ، معني الوفاء للوطن والحبيب ، هز منسي رأسه ، الاوبرا يامولاتي لم تحترق مادمت حية ، انت ربه السماء واسطورتك تنهمر علي رؤوسنا امطارا ومع النيل فيضانا ومع الزرع امتنانا ، هي رساله الحضارة العظيمه التي لاتحتاج مسرح لتعرض عليه ، هي الحياه وهل تحتاج الحياه لمسرح لنراها ونفهمها !!!
تركته ايزيس وعادت مكانها بجوار الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر وهمست له ، يبدو ان الفيضان قد حان وقته ، حين تحترق الاوبرا لابد من مطر جارف يطفيء الحريق ويعيد للارض المحترقه خصوبتها ، يبدو ان الفيضان قد حان وقته !!! وافقها الرجل وهمس لها تخفض صوتها حتي لاتوقظ الموتي قبلما يستعيد الزمن روحه ودورانه!!!
مازال منسي جالسا في الصف الاول ، اقترب منه ابراهيم باشا الذي ترك حصانه رفقه الاسود الحارسه ، اقترب منه وشرح له ، عندما تهب الاعاصير الصفراء محمله باتربتها الخشنه يموت الزرع ، انتبه يادكتور ، هذه المشكله الكبري ، الصحراء ظنت نهرنا سيجف وتصورت حضارتنا ستتجمد فانتهزتها فرصه للقصاص من كل هزائمها ، الجيوش المنهزمه استجمعت قواتها وعادت تتمني نصرا لم تحققه ولن تحققه الا بايدينا ، مالذي تراه يادكتور يمنحهم النصر ؟؟ هذا هو السؤال الصعب الذي عليك تحرق راسك بحثا عن اجابته ، وحتي تجدها وتفهمها وتفك السحر وتبطل الاعمال وتطرد المشعوذين وتعيد بناء الاوبرا مناره للحضارة ، حتي يتم كل هذا ستظل نائما انت ووطنك حتي تستعيدوا عافيتكم وقوتكم وبصيرة قلوبكم !!! فكر يادكتور !!!! ويتركه ويعود لفرسه الشامخ ويشير للاوبرا الخديويه محذرا ومنبها البلداء العابرين تحت قدميه لما يحدث في وطنهم !!!

( 35 )
فكرية

مالفارق بين عايدة وايزيس ... يسال الدكتور منسي نفسه لايعثر علي اجابه !!!
صوت الموسيقي الصادحه التي يعزفها الاوركسترا للموسيقار العظيم فيردي توقظ فكريه من نومها ، يسالها ، ماهو الفارق يافكريه بين عايده الاميره الحبشية وبين ايزيس ربه السماء !!!
تضجر فكريه من اسئلته المرهقه تنبه عقلها وتطرد عنه الغفوه والنوم ، عايده منحت حبيبها الموت يامنسي ، حكمت عليه بالموت وقتما تحدت الملك وحين تيقنت من موته صاحبته في رحله الموت ، حبها كان موتا للحبيب ، اما ايزيس ، فهي ربه السماء ، التي احبت فمنحت لحبيبها الحياة ، بحثت عنه وعن اشلاءه واعادت له الحياه مره وعندما مزقه الكهنه وخدام اله الشر وبعثروا اشلاءه مره ثانيه بحثت عنه وجمعت اشلاءه واعادته للحياه مره ثانيه ثم منحته الخلود الابدي وقتما انجبت منه ملكا عادلا قتل اله الشر ، ايزيس يامنسي احبت فمنحت الحياه وتمردت علي الموت مره واثنين وثلاثه وعايده احبت فمنحت الموت وقنعت به !!!  
صفق منسي بيديه فرحا فظن قائد الاوركسترا انه يحيه فرد له التحيه فابتسم منسي ابتسامه واسعه كانت اجمل مما يتوقعه المايسترو ناجي ، نعم ، في تلك اللحظه كان ناجي هو قائد الاوكسترا السينفوني ، يعزف بفخر وسعاده معزوفه ايزيس التي الفها وسمحت له الاوبرا الخديويه يعزفها علي ضيوفها العظماء ، ابتسم ناجي لمنسي واكمل معزوفته بمنتهي الفخر !!!
كادت فكريه تعود للنوم ، لكن منسي لاحقها باسئلته ، امتي الصحراء تتجرأ علي الوادي الاخضر ، ضحكت فكريه ، فزوره دي يامنسي ، همس لها ، اخفضي صوتك حتي لانزعج بقيه الحضور بحوارنا ، همست ، فزوره دي يامنسي ، هز رأسه نفيا ، ابدا بس دي اخر حاجه محيراني علشان اخلص البحث ، امتي الصحرا تتجرأ علي الوادي الاخضر ، اجابته ايزيس، لما الوادي الاخضر ينسي انه اخضر ويبقي عنده عمي الوان يشوف كل حاجه زي بعض ، مايفهمش قيمه الزرع والخصوبه وعظمه النهر ويتصور كل الخرائط اوطان ويشرب الماء المالح ويطلب المزيد ، وقتها تفسد الارض ويموت الزرع وتتجرأ الصحراء علي الوادي الاخضر تقتل ماتبقي من خصوبته للابد !!!
امسك منسي قلما وكتب علي اوراقه ، لم يعتاد المصريين الهجرة ، وحين اجبروا عليها ، قدموا استقرارهم تضحيه للوطن لينتصر ويقوي ، الا الهجره للبلاد الصحراويه ، وقتها ، قفز المصريين من قاربهم كالفئران وقت العاصفه ، تصور كل منهم انه سيشتري نجاته بفراره من المركب التي تصورها تغرق ، كل منهم فكر في نفسه واشتري بعمره وعافيته حلا فرديا لمشاكله الشخصيه ، في ذلك الوقت بالضبط وعندما هجر المصريين ارضهم فبارت واشتروا الرمال الصفراء بعمرهم الذي ضنوا به علي الوطن الذي احبوه ، هنا كفت ايزيس عن البكاء وادخرت دموعها لاجيال قادمه تستحق حزنها وفيضانها ، كفت ايزيس عن البكاء وتركت الارض تبور اكثر والروح تجدب والانانيه تزيد فالتبس الامر علي المهاجرين وتصوروا عايده التي منحت الحبيب الحب موتا بمشاركته في مقبرته هي ايزيس التي منحتهم الحياه فلم يفهموا قيمتها ومعناها ، هنا وفي تلك اللحظه التاريخيه الفارقة تجرأت الصحراء علي الوديان الخضراء وتصورت ان اعاصيرها ستبور خصوبتها وتقتلها وتنتصر عليها !!!
صفق منسي فرحا ، اخيرا يافكريه ، امسكت بالفكره التي حيرتني طويلا ، اخيرا فهمت مالذي حدث للمصريين ، فهمت الجدب الذي افسد ارواحهم ، فهمت البلاده التي خيمت علي حدقاتهم ، فهمت العنف الدفين الذي يتفجر كرها وغضبا مع انفسهم ومع الاخرين !!!
وافقه رجب الجالس بجواره في الصف الاول في دار الاوبرا الخديويه ، ياباشا ، كده النفر اتنور وفهم ايه اللي بيحصل ، لما كل نفر مافكرش غير في روحه ، داس علي ولده تحت رجليه لما استهيأله ان الطوفان جه ، لما كل نفر قال لروحه ياروح مابعدك روح ، وقتها بس ، كل نفر كره اخوه ويمكن كره نفسه ، ماهو الاخوه مالهاش عازه ولا الجدعنه ولا المحبه ، سلاحك ودراعك وفتونتك هي المطلوبه علشان تدوس بدم بارد زي اللي شامين هيروين علي رقاب العباد والخلايق ، هنا بس كل واحد يقتل اخوه من غير مايحس !!! صح ياباشا ، الله ينور عليك ، هو الدور كده ، لما خلصنا الحرب ، وقلنا نشوف روحنا بقي ، واللي سافر سافر واللي قعد غصبانيه وقله حيله كره حياته وبقي نفسه يسافر ، لما رحنا الصحراء وشربنا السفر والغربة  زي شربه زيت الخروع واحنا بنتلوي ونقول ياحلاوتك ياجمالك ، في الوقت ده اتفرطنا واتفرط عقدنا ومابقيناش ننفع لاطبله ولاطار واللي كانوا بيهابونا اتجروءا علينا وسكونا علي قفانا واحنا عاملين مش واخدين بالنا ، في الاول لعبونا علي الشناكل حداهم وفي بلادهم ولما اتمكنوا من رقابينا مااستكفوش وربطونا في مداود بهايمهم و انداروا و لفوا علينا وجم لغايه عندنا وهما واثقين انهم مهما يضربوا فينا مش حنقول اي واللي مايعرفوش يضربوه يشتروه واللي مايعرفوش يشتروه يقتلوه والنفر منا رخيص ومالوش سعر ، دي دماغهم ياباشا وده اللي احنا مكناهم منه !!! هي دي العبارة ياباشا !!!
اضاء نور صاله المسرح ، استراحه الفصل الاول ، اقترب ابراهيم باشا من منسي ، عرفت بقي يادكتور مين دول ؟؟ دول اللي غلبانهم زمان ، لما كنا بنفتح المدارس ونبعت البعثات ونترجم امهات الكتب ونمد نور حضارتنا العظيمه للدنيا كلها ، وقتها غلبناهم مش بس بالسيوف لا بالعقل اللي كان موزون بالعلم والثقافه ، لما اتحرقت الاوبرا ونسينا معناها وانشغلنا كل واحد بنفسه ، وسبنا بلادنا العظيمه ارضها بور ومبانيها حتقع وعيالها عندهم انيما وسافرنا للصحرا نعمرها ونخدم تحت رجليهم ، في الوقت ده استقوا واستعفوا علينا ، قالك مين دول ، دول اللي بيقولوا حضاره وثقافه وعلم ،لازم نمسح روسهم ونغير افكارهم ونبيع ونشتري فيهم ، دول اللي غلبناهم لما كنا شايلين منارات الحضاره وقايدين نورها للعالم كله ، لما فقعنا عينينا وكسرنا سيوفنا وقلعنا كرامتنا علي عتبه صحاريهم مااستكفوش نخدم عندهم ونتذل في بلادهم ، قالهم شيطانهم وجب الذل في ارضهم وقدام عيالهم والرجاله تبقي عبيد والنسوان تبقي سبايا ، جيشوا جيوشهم وجم ، رافعين الاعلام السوده وفاكرين انهم حيخضونا ويكسروا عزيمتنا وينتصروا علي حضارتنا باعلامهم السوده !!! فهمت يادكتور مين دول !!!
هز منسي راسه يؤكد له انه فهم مايقوله ، انا حارجع مكاني وسيفي جاهز وقت الجد ولما تحتاجوني حتلاقوني في اول صف ، زي ماهزمناهم زمان نهزمهم تاني وان عادو عدنا !!!

( 36 )
الدكتور منسي

امسك منسي اوراقه وكتب في نصف السطر ، خاتمه ، وابتسم ، لم تكن المشكله في الهجره الطوعيه انها حرمت الوطن من سواعد ابناءه الذين انشغلوا بحلول فرديه لمشاكلهم واهملوا الوطن وافتروا عليه واعتبروه سبب كل مشاكلهم وترحالهم وغربتهم ، بل كانت المشكله في الهجره للصحراء الافكار التي حشت بها الصحراء عقول ابناء الحضاره ، استبدلت حضارتهم ووعيهم وعلمهم التراثي بافكار جدبه مثل رمال الصحراء ، افكار تسوقهم للشرذمه والبعثره والتقاتل ، المشكله في الهجره للصحراء انها زيفت وعي ابناء الحضارة وقتما زينت لهم افكارها وصورتها وكأنها منتهي التعقل والفهم والايمان ، تصورت الصحراء انها ستعلم ابناء الحضاره معني التدين ومعني الايمان ونسي ابناء الحضاره واحفادها انهم اول من امن بالله الواحد القهار العادل الرحيم وانهم اول من نشر في البشريه معني الايمان والحياه الاخري والحساب والثواب والعقاب ، في تلك اللحظه التي خلع فيها ابناء الحضاره العظيمه عقولهم واستبدلوها بعقول وافكار الصحراء وتجاهلوا خصوبه الوادي الاخضر وساووه بالصحراء الصفراء الجدباء ، في تلك اللحظه فتح ابناء الحضاره صفحات الهزائم المتتاليه في كتاب تاريخهم فلم يكتفوا بهزامهم الفرديه مبعثرين في الربع الخالي بل ساعدوا الجيوش الغازيه تتسلل لبلادهم وترفع راياتها السوداء في سماء وطنهم واستقبلوا الغزو بالترحيب وبمنتهي البلادة وكأنهم ادمنوا الهزيمة !!!
اغلق منسي اوراقه وطواها بعنايه وابتسم ، اخيرا بعد طول معاناه فهم مالذي اعتري الشخصيه المصرية وروحها طيله السنوات الاخيره التي قرر فيها وبمنتهي الجراءه يكمل مابدأه استاذه جمال حمدان في شأن الشخصيه المصرية !!!!

( 37 )
الانتصار

بقيت اسود ابو السباع تحرس الاوبرا الخديويه وكنوزها !!!
وبقي ابراهيم باشا فوق فرسه مستعدا للنزال والحرب والحاق الهزيمه بالوهابيين الذين انتصر عليهم من سنوات بعيده انتصارا ساحقا كتب اسمه باحرف من ذهب في صفحه الانتصارات في كتاب تاريخ الوطن .
وبقيت ايزيس تبكي وتجمع في دموعها فيضانا هادرا !!!
واستعدت الامطار للسقوط لتنظف شوارع قاهره المعز وتطهرها من رجس الصحراء وافكاره الصفراء..
وقرر الزمن يتحرك مره ثانيه ويمنح المدينه واهلها الحياه الفرصة التي يستحقوها ليخوضوا معركتهم الاخيره ويحققوا انتصارهم المدوي علي الصحراء وجدبها وافكارها الغريبه علي واديهم الاخضر بعدما فهموا جميعا مالذي اصاب روحهم واضعفها !!!
ودبت الحياه بطيئا بطيئا في قاهره المعز وشوارعها وحياه بشرها وارتفع الاذان في السماء ودقت الكنائس اجراسها ورقصت الفتيات في المدارس وتعالي صياح المشجعين في مباريات الكرة وسار الاحباء علي الكورنيش وتجملت النساء وتفتحت كل الورود دفعه واحده وانتشر اريجها يوقظ النيام والموتي وصدحت موسيقي فيري عاليه مع غناء ام كلثوم وادعيه النقشبندني وشعر صلاح جاهين وابتسمت المدينه واستعدت بمنتهي القوه لمعركه وجودها الاخيرة ، ابتسمت المدينه وقررت تهزم رافعي الرايات السوداء وتطردهم من ارضها ، قررت نوفي تعتزل مهنتها وتتعلم شيئا مفيدا واكثر احتراما لانسانيتها وقرر فانوس يطالب بحقوق ابناء عمومته المهجرين بعيدا عن ارضهم ولايكتفي بالحزن والتوسل لسيدي كبير وقرر رجب يعقد جلسه صلح بين ابناء حيه ينبهم لخطوره تقاتلهم وترك الاعداء الحقيقين يمرحون في بلادهم منتهزين فرصه ضعفهم وانشغالهم بخصوماتهم المصطنعه ولوح الطفل الصغير بعلمه يحي المدينه التي استيقظت من سباتها واخذ يرسل لهم جميعا القبلات المتلاحقه فخورا بانتماءه لتلك المدينه وذلك الوطن و........................ بحث اهل المدينه عن اصحاب الرايات السوداء لينتصروا عليهم فلم يجدوهم وكأن الارض انشقت وابتلعتهم اوكأن الشمس بخرتهم فتلاشوا بغضبهم وملامحهم الغريبه وراياتهم السوداء عن الوطن ، ابتسم منسي وهنيء الشعب بانتصاره لكن معظمهم لم يدرك قدر الانتصار ، فهو لم يخرج سيفه من جرابه ولم يطلق رصاصه ولم يري دماء تسيل ، ابتسم منسي وهمس للجميع ، ماهي دي الشخصيه المصريه التي ماتتملك وعيها وعقلها وارادتها حتي تنتصر دون نقطه دماء واحده!!!

( 38 )
الفيضان

انهمرت الامطار سيولا وفاض النيل وارتفعت رايات الفرحه الملونه في سماء قاهره المعز والوطن كله و...............ابتسمت ايزيس ومسحت دموعها ، اطمئنت علي احفادها الذين وللمره المليون افلحوا يكتبوا اسمائهم باحرف من نور في كتاب الحضاره العظيمه التي وشمت هي اسمها في اولي صفحاته وتركت لهم بقيه الصفحات ليزركشوها بانتصاراتهم الباهرة  !!! سألها الانسان القابع فوق السحابه البيضاء ، مطمئنه ، ابتسمت ، نعم ، الاتخافي عليهم ، اخاف طبعا ، لكنهم تعلموا الدرس ، لن يسمحوا للصحراء تطغي فوق خصوبه واديهم الاخضر ، ولو نسوا ، لو نسوا او تناسوا لن اتركهم ابدا وساذكرهم دائما انهم ابنائي واحفادي وحمله مشاعل الحضاره العظيمه وقتها سيعودوا لرشدهم ويحققوا انتصارا جديدا !! واغمضت عينيها وبدا كأنها نامت !!

( 39 )
الزمن

سأل الانسان القابع فوق السحابه البعيده بجوار القمر الزمن لماذا توقفت وفرضت علي المدينه موتا مؤقتا ، ابتسم الزمن وشرح له ، لايمكن اتحرك للوراء ، وحين اجدني اجر للخلف للماضي للمستحيل ، اتوقف عن الحركه وامنح الجميع موتا مؤقتا حتي يضبطوا ايقاع حياتهم ويكتشفوا مصيبتهم ويدركوا ان عليهم يتحركوا صوب المستقبل ، وقتها يعود دولابي للدوران ونتحرك انا وهم للامام !!!
هز الانسان القابع فوق السحابه البعيده راسه مبتسما وصمت !!
وانا ايضا صمت لكني لااخفي عليكم سعادتي بكل ماعرفته وفهمته وقتما توقف الزمن !!!!

( 40 )
ابراهيم باشا

همس احدهم للمؤلف يلومه لان تمثال ابراهيم باشا يعطي ظهره للاوبرا الخديوية ولايشير باصبعه عليها ، ابتسم المؤلف وقرر ان ابراهيم باشا في حدوتته يختلف عن ابراهيم باشا التمثال الاصم الساكن في الشارع المزدحم بالبلداء ، وابتسم ابتسامه اكبر وهمس ، من ادراك ياسيدي ان التمثال لم يغير وجهته وقت احس بالخطر يحيط باحباءه !! ورمي المؤلف اوراقه في الهواء وبعثرها كعصافير الجنه لتنشر البهجه والسعاده  !!!!

نهايه الجزء الثالث والحدوته

الخميس، 31 مايو 2012

ابو الهول وحده يعرف الاجابة !!!!!ا





بسرعه بسرعه ... ودون مقدمات منطقيه .. ولا مبررات مقبوله ..ولا تفسيرات مستساغة !!! 
بسرعه بسرعه ....
تسارعت السنه اللهب تجري خلف بعضها تلتهم وبسرعه الجدران والستائر والمفروشات و.................. حريقة حريقة !!! 
تسارعت السنه اللهب ، لااحد يعرف من اين اتت ، احدهم يقول ماس كهربائي والاخر عقب سيجاره والثالث بفعل فاعل مجرم والرابع الغاز تسرب ، هل سيظلوا يتناقشوا طويلا والحريق يلتهم المنزل ويلتهمهم؟؟؟

تصرخ فيهم الام ، كفاكم مناقشه ، كفاكم سفسطه ، الحريق سيلتهم البيت وانتم اسري عجزكم لاتطفئوا الحريق ولا تنجوا بانفسكم ولاتنقذونا ، كفاكم مناقشات عقيمه ..يضيع صوتها وسط الصراخ والفزع وصوت فحيح النيران ودوامات اللهب الاسود ، يضيع صوتها فلايسمعوا حديثها ويستمروا وكأنهم مخدرين في مناقشه مايحدث ولماذا حدث ؟؟

الحريق في عماره عالية ، تطل علي النيل العظيم قابع تحت اقدامها ، الاهرامات الثلاث تترايء من بعيد ، ابو الهول النائم يكاد يستيقظ من النوم ويصرخ اطفئوا الحريق ، ماء النيل يجري تحت الحريق لكن احد لايدلي بدلوه لينقذ نفسه ولا الاخرين !!! 
حريقة ....... حريقة !!! 

الشقة كبيرة ومكدسه بالمنقولات ، هذه غرفه الجد الاكبر بالمكتبه العريقه وامهات الكتب والاضابير الصفراء تحكي عن تاريخ العائلة التي تكاد تحترق والنيران تمسك بالشقه !!! هذه غرفه اصغر الحفيدات ، تكدس فيها ملابسها الجديده استعداد للعرس الذي اجلته اكثر من مره لان احوال البلد لاتطمئن وهي مصممه تزف لحبيبها وهي سعيده فرحه ، الايام خلف الايام والبلد احوالها لا تطمئن والعرس يؤجل والتراب يغطي الملابس الجديده يقتل زهوتها ، العروس تقف خلف باب حجرتها وكأنها ستمنع النيران تحرق فرحتها وملابس عرسها واحلامها ، هذه غرفه الام ، هنا انجبت كل الاطفال ، هنا ارضعتهن حليبا وحنانا ، هنا هدهدتهم واحتوت صخبهم في حضنها ، هنا ربت وكبرت ، تخرج الام من الحجره ، تصرخ ، يالا ، يالا بينا !!! 

لااحد ينصت لصراخها ، ربما هرمت ، ربما كبروا هم لحد لايجدوا مبرر لسماع كلامها ، يالا بينا ، تتحرك صوب باب الشقه لكن السنه النيران العالية تغلق امامها طريق النجاة ... الشقه مكدسه بالابناء والاحفاد والخدم والاصدقاء والاحباء ، الكل يجري بلا هدف صوب اللاشيء ، الكل يخاف من النار ، لكن البلاده طفحت علي بعضهم فانتحوا جانبا يتناقشوا في مبرر الحريق ، و.....وكيف يتلافوه مستقبلا ، تصرخ فيهم الام ، مش وقته خالص ، لما ربنا ينقذنا نبقي نشوف حنعمل ايه بعد كده ، ينظروا لها بعيون بليده زجاجيه ويستكملوا حواراتهم العقيمه !!! 

الدخان الاسود يملأ سماء الشقه وطريق النجاه مسدود بالسنه اللهب ودوامات الدخان الاسود الذي يخرج من الشرفه الكبيرة المطله علي النيل و يواري بسواده الاهرامات وابو الهول والتاريخ ، يسكب سما فوق وجه النيل وماءه الرقراق ، تخرج الام للشرفه وتناديهم جميعا ، سنقفز جميعا من هنا !!! 
لايصدقها احد ، ايوه ، حنط من هنا ، ده الحل الوحيد !!! 

يصرخ ارعنهم ، لا انا مش حانط ، لايمكن ، انا حافضل افكر ازاي اطفي الحريق واكيد حاعرف اطفيه !!! 
يسعل سعال خشن من اختناق الدخان الاسود ، تصرخ فيه ، مش حتلاقي وقت ، نط وبعدين فكر !!! 
يضحك ساخرا ، هههههههههه لا افكر الاول ، حتي لو مت ، ابقي علي الاقل فكرت قبل مااموت !!! 
تنظر له لاتصدق مايقوله ، احمق لهذا الحد !!! 

تتركه وتذهب لحفيدتها ، يالا ياحبيبتي ، البيت بيتحرق ، لازم ننط !!! 
تفكر في ملابس عرسها ، في خطاباتها الغراميه ، في الصورة التي صورها لها حبيبها وهي ترقص ، لن تقفز بغير اشياءها ، النيران ستلتهم تاريخها وغرامها وفستان زفافها ، لن تقفز الا بعدما تنقذ ملابسها وحبها !!! ياتيته ، بلا تيته بلا زفت ، يابت حتتحرقي ، العريس حيطفش منك ، ده لو عشتي يعني ، يابت نطي معايا ، لا ياتيته الشقه عاليه ، اكيد حنموت !! ضحكت الجده لا مش اكيد حنموت ، جايز نموت ، جايز نتكسر ، جايز نتعور ، جايز نطير ، لا الاكيد لو فضلنا هنا حنتحرق ونموت احنا والشقه لاحنكون انقذناها ولا انقذنا روحنا ، يالا يابت !!! 

تجري الام ، صوب الضيوف ، يالا ياجماعه ، كله علي البلكونه !! 
تبحث احدي الضيفات عن حقيبه يدها ، دي شنطه " سيناييه " مش حاسيبها تتحرق !!! 
يبحث رجل عن مسبحته الكهرمان ، دي سبحه ابويا ولايمكن انط وهي تايهه واسيبها النار تحرقها !!! 
تتحرك احداهن صوب الشرفه فيصرخ فيها شقيقها ، حتنطي وانت حافيه الارض تحت سخنه !!! 
تبحث عن حذائها الذي التهمته النيران دون تدري 
يبحث رجل عن تليفونه المحمول ، لم يسدد كل اقساطه لن يقفز بدونه ، ماقيمه الحياه بدون التليفون ، يعيش طويلا يسدد اقساط التليفون المحترق ، لن يقفز بدونه!!! 

حريقه ، حريقة 
يصرخ الجيران ، يحاولوا كسر الباب من الخارج لكن النيران وقوه الدخان تحكم اغلاقه !!! 
الناس في الشارع اسفل العماره تصرخ ، حريقه حريقه ، يتصلوا بالمطافيء لكنها تتاخر كعادتها ، يطل احد الابناء من الشرفه ويسب الحياه كلها ، هاهي المطافيء لاتأتي وتتاخر كعادتها ، لاامل لاامل في ان تتحسن احوالنا !!! ينصت له الجد وهو يحتضن كتبه واضابير تاريخه والبومات الصور ويستعد للقفز من الشرفه ، حتفضل تنظر كده لغايه ماتتحرق وانت بتنظر ، اتصرف وبعدين لما تنجا نظر براحتك قدامك العمر طويل ، سخر منه الشاب ، انت خايف علي عمرك قوي كده ، سخر منه الجد سخريه اشد ، ياحمار عمري ايه ، انا عمري خلص ، انا خايف علي الكتب دي ، صحيح هي مرميه قصادك من زمان عمرك مافتحتها لكن مين عارف جايز يوم ترجع لعقلك وتقرا الكلام اللي يستحق القرايه ، انا خايف علي الكتب ، علشان كده حانط بيها انقذها مش انقذ نفسي ، انت بقي ناوي علي ايه ، يضحك الشاب لاحانط ولا حاستني!!! 
تصرخ الام ........ امال حتعمل ايه ، حينزل لك ملاك من السما ينقذك ، حتنشق الارض وتبلعك ، يابني قول كلام منطقي!!! 

الدخان الاسود يملأ الشقه اكثر واكثر 
الحراره تزيد 
لهب النيران يكوي الاجساد وهي بعيده عن محرقته 
الكل يجري صوب اللا شيء 
بعضهم ينظر من الشرفه ويخاف 
بعضهم يقترب من الباب ويرجع مسرعا 
بعضهم يغمض عينيه ويتمني الا يحدث مايحدث والا يعيش مايعيشه 
والنيران لاتكترث بعجزهم وتزداد بأسا وقوة !!! 

تقترب الام من الشرفه وتصرخ فيهم ساعدوني لاقفز 
يحاولوا كسر عزيمتها لكن اللهب الاحمر المتلاعب خلف ظهورهم والدخان الاسود الخانق لايترك لها اختيارا 
اما البقاء والاحتراق والموت ، واما الفرار والامل في النجاه ..
تصرخ تنادي اولادها واحفادها ليأتوا معها .. 
يقترب منها الجد العجوز ، يحتضن كتبه واضابيره ويعتلي معها السور ويقفزا 
هل نبتت لهما اجنحه 
هل حملتهما الملائكه تنقذهما والكتب والتاريخ 
لااعرف يعرف 
لكنهما وصلا للارض البعيده ، منهكين الروح متعبين لكن الحياه مازالت متشبثه بهما مثلما تشبثا بها ..
هل سيقصا علينا العذاب الذي ضرب بجنبات روحهما وقتما قررا محاوله النجاه بانفسهما وبالتاريخ ولم يقبلا البقاء تلتهما النيران وهم عاجزين عن اتخاذ القرار او التصرف بالفعل المناسب !!! 
لن يقصا علينا عذاباتهما التي تلاشت وتوارت امام فرحتهما بالانتصار علي الخوف والعجز والرعب والسنه النيران 
العذابات تلاشت ، فساعه الالم منسيه وساعه الفرح الف ساعه !!! 

وقفا تحت العماره ، يراقبا النيران وهي تلتهم الشقه والمفروشات والمترددين العاجزين عن الاختيار واتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب !!! 
العروسه ماتت خلف الباب المغلق وهي تحافظ علي مفروشاتها وخطاباتها الغراميه وبقي العريس طويلا يبيكها ويلومها لانها افسدت حياته وقتما خافت علي ذكرياتهما ولم تخاف علي حياتها !!! 
الرجال ماتوا بعضهم مختنقين بالدخان الاسود والبعض الاخر بالنيران الحمراء ، تشوهت جثثهم فلم يعرف رجال الطب الشرعي شخصياتهم ووقفت نسائهن تبكي امام الجثث لاتعرف كل منهن حبيبها لتحتضن جثته وتبكي !!! 
الشقه التي كانت جميله احترقت 
ومفروشاتها الاثريه التي توارثتها الاجيال خلف الاجيال احترقت 
ومن كان يبحث عن سبحته مات ولم يجدها 
ومن كانت تبحث عن حقيبتها الانيقه ماتت ولم تجدها 
ومن كانت تبحث عن حذائها ماتت 
ومن كان يبحث عن تليفونه المحمول مات 
ومن غضب لان الحريق اشتعل مات ، ومن فكر كيفيه الا يشتعل ثانيه مات ، ومن بقي مترددا بين السنه اللهب والشرفه مات 
ماتوا جميعا محترقين !!!! 
ومن كان يبحث عن سبب الحريق مات قبلما يعرفه 
ومن كان يفكر في كيفيه وقايه الاسره والشقه من الحريق المستقبلي مات وتشوهت جثته حد لم يعرف احباءه مالذي حدث له 
و.......................
وقفت الام والجد الهرم والاضابير تحت العماره يبكوا الحريق والدخان الاسود والموت 
لكن ............ النيل مازال يجري 
ومازالت الاهرامات شامخه 
ومازال ابو الهول يراقب كل مايحدث لايعجبه طبعا لكنه يراقبه وهو حي وشاهد علي التاريخ وموجود !!! 

في اليوم التالي 
صخبت الفضائيات بالمرثيات والمعازي علي الاسره التي كانت ولم تبقي !!! 
لكن صوت الفرح العالي في الشارع الضيق ارتفع فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!! 
وصوت اذان المغرب ارتفع فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!! 
وصوت دقات الهون في سبوع الوليد الجديد ارتفعت فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!! 
وصوت صراخ السيده التي ارهقها واجهدها المخاض في وليدها المنتظر ارتفع فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!! 
وصوت صفير بائع الغزل البنات علي كورنيش النيل ارتفع فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!! 
وصوت الرجال يذكرون ربهم في حلقه الذكر ارتفع فوق صوت المرثيات فلم يسمعها احد !!!! 
ومازال النيل يجري 
والاهرامات شامخه !!! 

في اليوم التالي
تصدرت الصحف والجرائد اخبار الحريق والمأساة التي عاشتها تلك الاسره فاحترق مستقبلها ولم يبقي منها الا الام والجد !!! 
لكن السيدة العجوز التي شاهدت الجريده لم تكترث بماهو مكتوب في صفحتها الاولي ونظفت بها زجاج الشقه الصغيره !!! 
والعروس التي تقطن في شقه جديدة ، فرشت الجرائد في " نمليات " المطبخ وتحت الاطباق والحلل !!! 
وبعض الماره العابرون ، فرشوا صفحات الجرائد فوق جثه مجهوله صدمتها سياره مسرعه !!! 
وباعه اللب ، مزقوا الصفحات لاوراق صغيره و" قرطسوها " لتعبئه اللب !!! 
وبائع الطائرات الورقيه العجوز ، قصص الجريده بكل صفحاتها ومرثياتها وصنع من قصاصاتها ديلا طويلا للطائرات التي يبيعها للفقراء تسعدهم !!! 
ودست بائعه الكبده قطع المخلل في ورقه صغيره عليها صورة احد المحترقين فاكل الشاب الجائع السندوتش والطرشي والقي بالورقه تحت ارجله وهو يسير مسرعا في طريقه للحاق بعمله قبلما يرفعوا الدفتر !!! 

همست الام للجد وهما جالسين امام النيل العظيم ، مرتاعين من كل ماحدث ، منهكين منه ، هم احترقوا لكن الحياه بقيت واستمرت ، وتعلم الكثيرين درسا موجعا ، انه وقت الحريق عليهم ينقذوا انفسهم ولو حتي بالقفز من الشرفه العاليه ، فهذا افضل من الموت احتراقا !!!! وافقها الجد وهو يحتضن كتبه واضابيره والتاريخ الذي خاف عليه وقرر ينقذه !! 

ومازال ................ النيل يجري 
والاهرامات شامخه 
والجد يحمل اضابيره وكتبه الاثرية القيمه ويتمني لو فتح فصلا للاطفال يعلمهم الحياه والتاريخ 
والام ... تبكي اولادها واحفادها وتلومهم لانهم وقت الحريق لم ينتبهوا لكل مايحدث واحرقوا انفسهم وانهو حياتهم بمنتهي الاستهتار !!! 

هل يبكي ابو الهول ايضا !!! 
لايبكي بالطبع !!! 
فاكم من محن مرت امام عينه وهو صامت واثق ان وطنه محروس برحمه ربه !!! 
صامت واثق وان كل مايحدث من محن وحرائق وفتن في اي مكان في الوطن الذي جلس علي بوابته السماويه يحرسه ، ليس الا سطرا تافه في كتب التاريخ التي تضم صفحات وصفحات عن الحضارة العظيمه التي ينتمي اليها والتي بقيت الاف السنين رغم كل المحن والحرائق !!!! 

و.............. مازلنا لانعرف 
مالذي حدث للام والجد ؟؟
هل نبتت لهما اجنحة ؟؟
هل حملتهما الملائكه ؟؟؟
كيف نجيا ؟؟؟ 
ابو الهول وحده يعرف الاجابه..
ابو الهول وحده يعرف الاجابة ....