مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

عواء الروح في ليالي التمني ..... الجزء الثاني




الجزء الثاني


لا تلتفت إلى الوراء
فالشَّظايا تضحكُ خلفكَ
في جنونٍ
والهاويةُ تطارِدُك

اترك قلبكَ في البيتِ 
ولا تلتفت لحمايةِ رأسِكَ دائمًا
فالموتُ أكثرُ سكينةً
من جروحٍ ساطعةٍ
تعوي
في روحِك


قصيدة
(اترك قلبك في البيت )
اسامة جاد



( 12 )
الوداع الاخير

هدي .. مازالت تقف علي عتبة البيت القديم تودعه بدموع القلب ، هدي ، هي التي تمسكت بحبها للبيت الكبير ، حبها للبيت الكبير وذكرياتها فيه ، غضبت من جدها نعم ، لكنها لم تكرهه ولم تكره البيت  غضبت من جدها لاسباب مختلفه عن تلك التي غضب منه من اجلها الجميع ، ظالم انت ياجدي ، قهرت سليم وقهرت الجميع ورحلت وتركتنا نسدد فواتير عبثك واستهتارك ...
غضبت من سليم وقتما صمم يهدم المعبد فوق رؤوسهم ولاحقهم بالفضيحة التي تناسوها وانكروها ، غضبت منه لكنها تفهمت موقفه ولم تكرهه ، سألت نفسها كثيرا ، مالذي كنت سافعله لو كنت مكانه ؟؟
غضبت منه ورجته الا يهدم البيت ، رجته وهي تعرف انه ابدا لن يستجيب لرجاءها ، قهرت يوم رفض طلبها لكنها تفهمت مشاعره ، حاولت تتوحد معه في وجعه وبررت له قسوته لكنه عجز يتوحد معها في مشاعرها ويرأف بحالها ويبقي البيت والتاريخ والذكريات لايبعثرها بمعاول الهدم البغيضه !!!
غاضبه منه لكنها تتفهم مشاعره وقراراته .. مالذي كنت افعله لو كنت مكانه ... تتذكر ابيها وجدها وجدتها واعمامها وعماتها وكل الابناء والاحفاد ، ممن تركوا بصماتهم علي ذلك البيت ارضا وجدران ، الجميع له وجود الا سليم ، لم يفسحوا له مكانا وسطهم فمحي تاريخهم بكل الغلظه التي عاملوه بها ..
مالذي كنت تتمنيه ياهدي ، كانت تتمناهم جميعا يعترفوا بالماضي ويقبلوه ويتجاوزوه ويتصالحوا  ،لكن احد لايقوي علي النسيان ولا الصفح ولا يسمع نصيحتها وطبول الحرب تدوي وتدوي!!!
مرت سنوات طويله مرت والبيت مغلق والحرب في العائلة علي اشدها والغضب يتصاعد والنفوس تموج وترغي وتزبد ولااحد يصفح ولا احد يسامح ولا احد يتفهم ،
وتغيرت الدنيا او اوشكت تتغير ..........
واليوم لحظه فارقة في حياتها ، اليوم هو الاخير الذي تكاد جذوه الذكريات تخبو والموت يحتل الماضي والحاضر !!!
اليوم يوم الوداع لكل الماضي والتاريخ ....
مازالت تقف علي سلم البيت الكبير ، البيت الكبير ، مازالت تقف علي سلم البيت تتأمل ارض شرفته وبقايا اشجار حديقته التي تحجرت وماتت اغصانها ، وسارت بخطوات بطيئه بطيئه مهمومة حزينة صوب المنزل ....
صعدت السلم المهتريء يكاد يذوب تحت وقع خطواتها ، سارت علي الشرفه بحذر وكـأنها ستنهار تحت قدميها ، تأملت الباب الثقيل القديم العالي ، لاحظت بحزن الثقوب الصغيره التي يعيش فيها السوس مخابيء وبيوت ، يلتهم الخشب والباب والتاريخ ويترك بصمته العدميه نثرات تراب مريض في بدن الباب القديم .... تحركت ببطء صوب الباب الثقيل ودفعته فأن بصوت موجع وكأنه يصرخ يشكو لها همه وحاله ومآل اليه كأنه يبكي يتوجع يلومها وكل الاسره علي اهمالهم له وتجاهلهم لوجوده وتاريخه وتاريخهم !!!
وقفت خلفه وظهرها في حضنه ودقات قلبها تتسارع والعرق يتصبب من جبهتها والدموع تكاد تقفز من عينيها ، بل قفزت !!!!
سنوات والبيت مغلق علي حاله ، يتهاوي ولايجد من ينقذه ، يموت ببطء حتي استشري الموت بين جدرانه وتحت اساساته وحانت لحظه الحقيقة !!!!
وكأن عزيز حبيب سيغادرها ، تمنت لو تقوي علي انقاذه من مصيره الحتمي ، لكنها لاتملك !!! وانفطر قلبها اكثر واكثر وسالت دموعها شلالا ...
جالت ببصرها بسرعه وسط الظلام الموحش علي الجدران ، مازالت الساعه العتيقة مكانها علي الحائط ، مازال العصا الابنوس ملقاة باهمال موجع بجوار الحائط ، مازالت اللوحات العتيقة التي شحبت ملامحها بالاصفر المتعب علي الحوائط المتشققة باطرها التي كسا التراب الثقيل ذهبها فاطفئه !!!!
مازالت ضحكات عائلتها تدوي في جنباته الفارغه يرتد صداها علي الجدران المتهاوية ، مازال صدي نحيبهم يأن ويتوجع و........... الظلام دامس وكأن الاشباح خرجت من مخابئها واحاطتها ، تحتفي بها او تلومها ، حتي انت ياهدي ؟؟؟ قاسيه زيهم جاحده زيهم متعسفه زيهم !!
حتي انت ياهدي بخلت علينا بزياره وطله وهلة وووصل الروح !!!
لاتجد ماتدافع به عن نفسها ، تستسلم وترفع الراية البيضاء ، هذه لحظه الحقيقه ، لحظه الهزيمه !!!
ومازال الظلام دامس !!!
لم تمد اصابعها علي مفتاح الكهرباء لتدخل الضوء عنوة علي تلك الصالة التي شهدت اجمل ايامها واحداثها والكلوبات العتيقة تنشر نورا ودفئا ، البيت القديم لايحب الكهرباء ولا هي ايضا ....
مازالت مكانها في حضن الباب الثقيل تجوب ببصرها في جنبات المكان الذي ينتظر معاول الهدم خلال ايام قليله !!!
تسللت من حياتها المترفه في المدينة للبيت القديم تودعه وداعها الخاص وتقضي معه اخر لحظاته الجميلة !!!
اتت لتعتذر وتبكي وتودع !!!
كم قاسيه تلك الحياة ، تسير مثلما تسير وفجأ تنحرف عن مسارها المعروف المطمئن وتاخذ صاحبها لدروب الوحشه المجهولة !!!
همست هدي ، ليت كل ماحدث لم يحدث وبقيت العائله متماسكه متحابه !! لو بقيت العائله متماسكه لبقي البيت الكبير شامخا شاهدا علي عصور سعادتهم !!! لكن العائله تشاجرت وتفرقت وتمزقت فانهار البيت او كاد ينهار ، يتراقص كالمذبوح الما وهو ينتظر معاول الهدم تمحوه وتاريخه من علي وجه الارض ...
انها لحظه الوداع ياهدي ، لحظه الموت القاسيه !!! لم تقو علي كبح جماح دموعها التي انفجرت شلالا مالحا وتردد نحيبها كالطرقات الغريبه فوق الجدران التي شهدت لحظات حياتها  السعيدة !!!دارت في البيت ، تلملم الذكريات وتختزن الصور والمشاعر و.................. فتحت الباب الثقيل فبكي يودعها ومسحت دموعها وهي تغادره ورحلت بعيدا .....
وخرجت من البيت ولم تعد اليه ، لانه لم يعد موجود !!!!
ابتسم سليم ساخرا في خيالها وكأنه يسخر من مشاعرها المرهفه ، زعلانه علي البيت ، طيب وانا ؟؟ هزت راسها تبعد ابتسامته القاسيه من عقلها ، لاتتصوره شامت فيها لان بيت طفولتها سيهدم ويباع انقاض ، لاتتصوره شامت ، لكنه شامت في العائله كلها ، هي حاله خاصه عنده ، لكنه شامت في العائله كلها ، وادي اخرة الافترا والظلم !!!
خرجت هدي من البيت ولم تعود ، لانه لم يعد موجود الا في خيالها شيئا عزيزا وفي خيال سليم شاهد كريه علي ظلم افلح يهدمه فوق رؤوس اصحابه !!!

( 13 )
سؤال

تمنت امه تسأله ، اشمعني ياسليم التاريخ ، لكنها لم تساله ، لن يجيبها ، لن يكترث بتوضيح نفسه لها ، لو سألته لاجابها ، اللي مالوش ماضي مالوش حاضر ، واللي مايفهمش اللي حصل مايفهمش اللي حيحصل ، التاريخ شجرة ليها جدور وانا زي الهيش علي وش الارض مالناش عوزة ، الشجرة تضلل وتضم وتفهم وتلم ، التاريخ ياام سليم هو الطريق بدايته ونهايته ...
و............... تفوق سليم في الجامعه تفوقا كبيرا ، يحب التاريخ ومواده ، يحب قراءة احداثه وليس فقط استذكارها للامتحان ، لم يكتفي بقراءة الكتب المقررة للامتحان ، التاريخ بحره واسع ، ليه الناس بتتظلم ؟؟ يبحث عن اجابه تريح قلبه وسط احداث التاريخ ، هلتر كان سفاح فعلا ولا قائد واتجمعوا عليه وكسروه ؟؟؟ الخديوي اسماعيل كان سفيه فعلا ولا كان عايز ياخد بايد مصر لفوق وخصومه تكالبواعليه وظلموه ؟؟؟ الحمار المالطي اتخانق بالعنية علشان الاسطول الانجليزي يخش مصر ولا كانت صدفه ؟؟ جمال عبد الناصر بور الارض وبوظ الزرع بالسد العالي ولا كان قائد عظيم والتاريخ لسه ماانصفوش ؟؟ اسئله كتيرة هجمت علي عقل سليم ، لم يبحث عن اجاباتها في كتب الامتحان بل تحول لديناصور ينهش مكتبه الجامعه ومعارفها ويشتري الكتب ولايتركها حتي تهتريء بهوامشه وملحوظاته والنوم الذي ينامه فوقها وعليها و........... تخرج بمرتبه الشرف وتعين في الجامعه و........... زغرطت نعمة بنت الغياط وندرت يوم الشهاده الكبيرة لترقص وتبل شربات وتوزع فول ونابت وعيش قمح مخبوز علي ايديها لاهل الله و........................ سارت الايام ياسليم وحصلت علي الدكتوراه بمرتبه الشرف وتزركش اسمك بلقب الدكتور و.............هل صالحت الدنيا ياسليم ؟؟ هل فهمت ماحدث ويحدث مع امك ومعك ، هل فهمت غضب الحاجه سعيدة التي خافت علي الطين واسم العائله ونقحت عليها الانوثة المهانة وقتما تركها زوجها واعطاها ظهره وطارد امك رقيقه الحال عديمه النسب بنت الغياط ليمتطيها وينجب منها ؟؟ هل فهمت غضب اخوتك الذين تعلموا من ابيك وابيهم ان اللي معاه قرش يساوي قرش وان الكبير لازم يحافظ علي مقامه وعزوته وان ولاد العز مش زي ولاد الكلب وان العائلات الحسيبة النسيبة ماتوسخش سلسلاها بالحوش والغجر والدم الزفر ؟؟ هل فهمت كيف تكالبت الظروف عليك ، انوثه مهانه وارض مهددة بالتقسيم وتصرفات صغار تهين الهيبة والمركز والكلمه المسموعة وتضحك الصغار والكبار علي العيله اللي كانت قاعده ورا سور السرايه تحكم وتتأمر وفجأ طلع كبيرها عايب وبيجري ورا الصبايا زي العيال الهايفة ومعملش حساب لمراته وعيلتها واولاده ونسبهم واطفاله وميراثهم ، كل هذا اهدره وهو يصرخ انتشاءا فوق جسد الصبية العفية بنت الغياط !!!
هل فهمت ياسليم ، مالذي حدث ؟؟
همست حنين ، فهمت ياسليم ومن زمان وانت فاهم ، بتنتقم من مين بقي ؟؟ من نفسك ؟؟!!! لا باديهم درس في الادب ، ان الدنيا مش علي قد مقاس رجليهم وان البشر مش عبيدهم يتحكموا ويحكموا فيهم !!!!
ضحكت حنين ، يااستاذ يابروفسير انت بتضحك علي نفسك وعلي !! ضحك ، وافرض حتي ، مافيش مشكلة عادي  !!!!
انت تبحث عن انتقام يادكتور سليم ، يجعلهم يعضوا اصابع الندم علي كل مافعلوه في حياتك وقتما لايجدي الندم !!!ا
انتبه لحديثها ، عمري مافكرت انتقم منهم ، لكن فكره الانتقام عاجباني ، تصدقي !!!
انفجرت في الضحك والحزن يبعثر روحها ، هو ينتقم منهم ومن نفسه ومن الجميع عقابا علي كل ماعاشه في الماضي !!!
انه يطالبهم بسداد الفواتير القديمة !!!! مين بقي اللي حيدفع الحساب ؟؟ سالها ؟؟ كلكم ، اجابته حزينة ، ضحك ساخرا ، موافق ، بدام مش حادفعه لوحدي ، موافق .... علي وعلي اخواتي !!!
وضحك وضحك وضحك و................. دموعه تترقرق في مقلتيه حزنا علي كل العمر الذي ضاع !!!

( 14 )
وقت الحساب

قرر زكريا بعدما "شار" كل اخوته ان يضع حدا لتلك المأساة التي ورثها لهم الحاج حسن ومات واستراح ، سيمنح نعمة بنت الغياط  وابنها مبلغا ماليا ، سيشترط عليها ترحل عن القرية بفضائحها ، برر لامه ان الحاج حسن يستحق ينام في مقبرته مرتاح وكفايه فضايح وشماته الناس فينا ، اوضح لها ، ان بنت الغياط عامله مشاكل وبتتكلم كتير وبتشتكي كتير والناس بتسمع لها وبتصعب عليهم ، قال لها ، لازم نخلص من الفيلم ده ، سيمنحها مبلغ مالي ويستأجر لها شقه بعيدا عن القريه والمحافظه كلها ويهددها لو نطقت لن يرحمها لا هي ولا ابنها !!!
كام يعني ، سالته الحاجه سعيدة ، قرشين ياحاجه مالهمش لزمه من فلوس الصدقه ، خلينا نخلص بقي ونفوق من الكابوس ده ، لاحاقول ميراث ولا نصيبه ، حاقول قرشين تاخدهم وتغور وتمضي علي ورقه ان مالهاش حاجه عندنا لا هي ولا الواد اللي جاراه في ايدها ، انت ست العاقلين ياحاجه ، خلينا نخلص من الموضوع ده ونشوف حياتنا بقي !!!
وافقته الحاجه سعيدة علي مضض ، كانت تتمني تشرد بنت الغياط وتنكل بها وتفضحها هي وابنها ، لكن " كرامه " للحاج حسن حاوافقك ، الله يرحمك ياحاج ، همست بنبرة غاضبه وكانها تلومه علي مااوقعهم فيه بعد موته ، استدركت وبسرعه ، بس ورحمه الغالي لو جبت لي سيرتها تاني ولا قلت لي انها عملت مشاكل ولا رفعت قواضي ، ساعتها بقي مالهاش غير شبشبي يتنسل علي راسها افكرها بايام زمان ان كانت نسيت!!
وكان لزكريا مااراده ، غادرت نعمة بنت الغياط ام سليم ابو حسن القرية بعدما اتفقت مع شقيقه الاكبر علي الاختفاء من حياتهم للابد مقابل مبلغ مالي سيمنحوه لابنها يساعدهم علي "المعايش"  وعدها زكريا مكرها انه سيرسل لها ايضا مبلغا شهريا يكفي لمصاريفها ومصاريف ابنها و.... كفايه فضايح !! تلقفت نعمة عرضه بسرعه وقبلته ، زهقت من المشاكل ومن كثرة البكاء ، عايزه تربي ابنها وتعيش ، تمنت تقول له " ماكان من الاول " لكنها صمتت " اصل مامنوش فايده " ، في لحظه وهو يتحدث بقوة وجبروت اشفقت علي نفسها وعلي ابنها وماتعرضا له من اساءه وبهدله و" قله قيمة " لكنها سرعان ماتمالكت نفسها وصمتت ووافقته ووقعت علي الورقه التي طلب منها التوقيع عليها و" ده نصيبي وكل حي بياخد نصيبه " وبسرعه لملمت عزالها ورحلت عن القريه بعدما ودعت مقبرة ابيها ودعت له بالرحمه وودعت جيرانها وهي تزف لهم بشراها ، رايحه مصر اربي سليم هناك وادخله المدرسه واعيشه العيشه اللي تليق بيه وباهله وباسم ابوه وكأنها تقول لهم " صدقتوني لما كنت باقول ان سليم ابن ابويا الحاج حسن " وهي التي عانت من تكذيبها ونظرات الشك واللوم والشماته و.......... انقطعت صلتها بالبلدة حتي ماتت !!!
عاشت في الشقة الصغيرة التي استأجرها سليم باسمها في حي المنيل ، بنايه قديمه قريبه من النيل ، غرفتين وصاله و" كتر خير الدنيا " ورددت علي مسامع سليم كثيرا وهي تشير له علي جامعه القاهره بكره تاخد الشهاده الكبيرة وتفلح وتعرفهم انت مين!!
انا مين ياامة ؟؟؟
سؤال سأله لنفسه سنوات طويله ، انا ابن الحاج حسن ، انا سليم ابو حسن كما ينادوني في البلدة الصغيرة التي اخرجتيني منها ونزعتي جذري من ارضها وغربتيني ..
ليه ياامة ؟؟
تصورت نعمة ان الايام ستغير موقف العائلة من ابنها ، تصورتهم سيحتضوه ذات يوم ويعترفوا به شقيقا اصغر من صلب الحاج الكبير ، واهمه هي ، كل ماتصورته ليس الا اوهام ، القوا لها بضعه جنيهات لتخرس فخرست !!!
لكن سليم لم يخرس ولن يخرس !!!
ابويا ميت ووحيد امي وماليش اخوات ، شرح لزملاءه في المدرسه ، صدقوه او لم يكترثوا .. هو لم يصدق مايقوله ولم يقبله ، الا هما ليه بينكروني ؟؟ سؤال لم يجد اجابته ، لكنه قرر يعاقبهم طيله عمره وعمرهم علي الانكار الموجع الذي حاصروه فيه وبه !!!
وانتظر مكرها يشتد عوده حتي يأتي وقت الحساب ، ويوم بلغ سن الرشد وتخرج من الجامعه ، افصح لها عن نواياه الشريرة ، وخلي بالك ياامه من النهارده انا مش حاسكت والورق اللي مضيتي عليه مايلزمنيش وبيني وبينهم المحاكم و.............. حان وقت الحساب !!!
من قال لك ياامي اني صفحت عنهم او نسيت اساءتهم او قررت اعيش وخلاص زيك كده ؟؟ سؤال يكرره علي مسامعه الف مره كأنه يؤكد لنفسه انه لن يصفح ولن ينسي ولن يعيش وفقط !!
حان وقت الحساب ياعائله الحاج حسن و...... كل حي فعلا بقي ياخد نصيبه واللي يستحقه !!!!

( 15 )
الرحيل

استعد للسفر ، غدا سيركب الطائرة صوب المجهول ، شاحب اللون بحدقتين صفراويتين وجلد عليل وبطن كبير وانفاس متلاحقه وسواد غير لون بشرته ، علامات تفصح عن مرضه العضال ، يستعد للسفر ، لباريس ، هناك سيغير كبده باخر لم تنهشه البلهارسيا ، هناك سيمنحه الاطباء باراده ربه عمرا جديد غير الذي افسدت ايامه البلهارسيا والمعارك الطاحنه والهم ، يستعد للسفر وحيدا ، بكت حنين طويلا لترافقه ، رفض بحسم ، لن ابدء حياتي معك علي فراش المرض ولن نسافر باريس معا للعلاج والمستشفيات ، همس لها ليله رحيله ، احبك وانت تعرفي ، تبكي ، ولو خفيت ورجعت ، لازم حنتجوز ، ياه ياسليم ، خمس سنوات واكثر وانت تعذبني ، واليوم وانت تستعد للسفر ولعمليه جراحيه معقده ، الان فقط تصارحني بحبك ورغبتك في الزواج بي ، الان فقط ، ياخدها في حضنه ، الان فقط ادرك قيمه حياتي التي قد تبدأ ، لايمكن ابدأها وحدي ، تبكي حنين وتبكي وتتمناه يعود سالما ..
يستعد للسفر وحيدا ، تساله هدي ، ليه ياعمي ، يتمني يحكي له عن عذاباته وحيدا ، عاش وحيدا لايشاركه احد همه ولافرحه ، ماضيه افسد حاضره ورغبته في الانتقام افسدت معني ايامه ، عاش وحيدا لايقاسم همه وغيره ، واليوم اخر محطات الهم ، اليوم اما ساموت وحيدا واما سيمنحني القادر حياه جديده سابدها وحيدا لكني لن اعيشها وحيدا ياهدي ، ساتزوج حنين واصالح الدنيا ، همست ، والعائله ؟؟ تردد كثيرا قبلما يقول لها ، والعائلة !! ان شاءالله حترجع بالسلامه ، صرخت من اعماق قلبها تدعو له ، تمني ربه يسمع دعاءها ويستجيب له ، هي الفرع الطيب في الشجره القاسيه ، عل طيبتها تشفع له عند ربه فيمنحه فرصه اخري للحياه ، ليعيش كانسان عادي مثل بقيه البشر يتزوج حنين وينجب اولادا يحملوا اسم عائلته ويستمتع بالحياه وفقط ....... تبكي هدي وحنين فيبكي ويخافوا جميعهم من الغد الذي لايعرفوا مالذي سيحمله لهم ، عمرا جديد لسليم ام نهايه العمر وكل الاحزان ............
وربط حزام مقعد الطائره واغمض عينيه وتلاحقت امام عينيه الصور والمشاهد منذ طرده زكريا وامه من البيت الكبير حتي هدمه وباع انقاضه و........... مازال الهم يحتله ، ربما وقتما يخلع عنه الكبد العليل تغادره الهموم ويعود للحياه كمثل ماولدته امه بلا خطايا بلا ذنوب لا هموم بلا وجع !!!
وتحلق الطائره فوق جبال الالب تحمله للمجهول والاطباء في المستشفي الباريسي يتنتظروه والكبد المدفون في الثلج ينتظر فرصته ليمنح جسده العليل حياه جديده !!!


( 16 )
اللقاء

دخل سليم العماره بخطوات بطيئه ...
وقف امام المصعد ينتظر هبوطه ليصعد به للقاء المرتقب ...
لو حدث اليوم مايتمناه ، لن يصمم علي موقفه وسيعدل عنه وسيصفح عنهم جميعا ..
الامر في يدكم انتم وليس في يدي انا ، هكذا برر لنفسه كل مافعله وماسيفعله !!!
رجته حنين ، اجي معاك ياسليم !!!
رفض بحزم ، لا حاروح لوحدي !!
تتمني حنين لو ذهبت معه وهونت عليه الموقف وساعدته يجتازه ويمد حبال الوصل بينه وبين عائلته !!
رفض بحزم ، سيواجه الموقف وحيدا لايحتاج في تلك اللحظه بالذات حنانها ، سيشحذ كل اوجاعه وهمه وغضبه ويفجرهم في وجه العائله التي لفظته ، اما افلحوا يرتقوا جروح روحه ويعالجوه واما فشلوا ومضي في طريقه الموحش المكتوب عليه ..
دق جرس الباب باصبع مرتعش ... روحه ايضا ترتعش !!!
المرة الاولي التي تقبل اسرته ان تفسح له مكانا وسطها !!!
هل فعلا ستمنحوني مكانا وسطكم ، ام انكم تنافقوني وتكرهوني في نفس الوقت !!!
يقترب من الخمسه وثلاثين عاما قضي منهم خمسه عشر عاما في التقاضي المحموم ، ينازعهم في تركة ابيه ونصيبه فيها ، يخسر احيانا ويكسب كثيرا لكن المهم بالنسبه لهم انه افسد حياتهم جميعا ، فضحهم وكشف سترهم واظهر عورات الجد الاكبر الذي خدع عائلته وكذب عليها وتزوج ابنة الغياط من خلف ظهر ابنة الحسب والنسب وانجب منها صغيرا اخفاه وحين مات ورث ابناءه القسوة والجحود فانكروا الصغير وتبرؤا منه ثم اخفوه عن الاعين وانكروا وجوده رافضين يذكرهم بالفضيحه الكبيرة التي لوثت ذيل الحاج حسن عين اعيان القريه وابو الرجاله وقتما تزوج ابنة الغياط " بالجلة اللي في رجليها " !!!!
مازال يقف خلف الباب ينتظر هدي تفتح له ، مشاعركم هي التي ستنقذكم من قسوتي او تعذبكم بقسوتكم ، "الرك عليكم " هكذا قرر واضحا مع نفسه ، لن يلتمس لهم الاعذار ولن يبرر لهم مافعلوه ولن يرضخ ولن يقبل ، عليكم انتم تمدوا حبال الوصل بيينا ولن يكون الا بصدقكم واسفكم وندمكم علي كل مافعلوته معي طيله حياتي..
انا رد فعل ، عشت حياتي كلها رد فعل  ، انتم الفعل القاسي ، انتم وشجره عائلتكم التي حرمت غصني من النمو وسط اغصانكم او حاولت !!!
لكني عشت رغم انفكم ورغم دعواتكم علي وعلي امي بالموت ، عشت وتجاوزت محن حياتي ، وعدت لكم اقوي ، انتم السبب في وجودي ونجاحي ، منحتوني هدفا اعيش من اجله ، ساعيش لاعلمكم معني قسوتكم وادفعكم ثمنها الغالي !!!
من سيدفع الثمن ياعائله الحاج حسن ، لايعنيني ، ان كان الحاج شخصيا وزوجته المستبده الحاجه سعيدة ، ام اخوته الكبار من سيدفعوا الثمن ، ام ابناءهم واحفادهم ، الحقيقه جميعكم ستدفعوا ثمن اخطائكم ، لن ادفع ثمنها وحدي ، جميعا شركاء في الاثم ، شركاء في الهم ، شركاء في الثمن ، كل سيدفع حصته في الثمن الفادح !!!!
ومرت الثواني بطيئه وهو يرتعش خلف الباب ينتظر !!
فتحت هدي الباب مبتسمه، اخذته في حضنها بمنتهي الحب !!!
اهلا ياعمي اتفضل ، سحبته للداخل ، يدخل بخطوات مرتعشه !!!
نفس الخطوات المرتعشه التي سار بها في يد امه وقتما سحبته فوق الممر الترابي في حديقه البيت الكبير ليقابله اخوته الكبار ويخش بيته ...
كانت العائله قد دفنت كبيرها والحزن يخيم علي الارواح ، لكن غصه في القلب تفسد حزنهم ، بنت الغياط ظهرت في الجنازه وفي يدها صغير ، نهروها فلم تعود ، همست لزكريا ، اخوكم يابيه ، وهي تشير علي سليم ، انتفض زكريا مرعوبا من الفضيحه ، كبارات المنطقه واهل القريه واعيانها جميعهم في الجنازه ، من هذا الصغير الذي تصاحبه في يدها وتدعي اخوته لهم ، ششششششش مش وقته ، نهرها واشاح له بيده لتبعد ، اطاعته وبعدت ، لاترغب في معاداته لاخر المدي ، كفاها معاداة الاب ، عادته وعصته فافسد حياتها وحياه ابنها وانكره وهددها برصاصه رخيصه تخرسها للابد لو فضحته ، صمتت وقررت تعود وقتما يموت ، واكيد حيموت ماهو ماحدش خلد فيها الا وجه كريم ، وكان لها ماارادت ، وقتما مات الحاج حسن كبير العائله اصطحبت سليم وذهبت للجنازة وكان ماكان !!!
انتهت الجنازه ودفن الميت وتلقي العزاء امام المقبرة وعاد الجميع لمنازلهم يستعدوا لليلة العزاء المسائية ، دخل الاخوة وقصوا علي امهم ماحدث وقت الدفن ، وقبلما تستوعب الحاجه ام زكريا مايقصوه عليه وخيانه زوجها واهانتها علي " ايد بنت الغياط " قبلما تستوعب كانت نعمه وسليم يقفا في الممر الترابي ، هو يرتعش وهي ترتعش ينتظرا مصيرهما المعلق بكلمه العائلة وسط احزانها ..
يومها طردها زكريا وطرده بمنتهي القسوة، طردها بوابل من الشتائم لجراءتها وقله ادبها حتي وصل بها الامر لتقتحم بيت الاسياد بطفل لقيط لانعرف حقيقته ولانسبه ، مازال يذكر سليم تلك اللحظه ،يذكرها ويعرف سبب ومبرر الكراهيه العميقه التي تمتد جذورها في نفسه تجاه تلك العائلة التي لم يعتبرها ابدا عائلته ولم يعتبر نفسه ابدا جزء منها  ، امه الفقيرة بنت الغياط فضحت شهوة الحاج المحترم الذي " ريل " عليها وطاردها لتتزوجه وكذب علي زوجته بنت الاصول وقتما قسم حياته وعنفوانه ورجولته بين فراشها وفراش بنت الغياط ... كاذب مخادع قليل الاصل ، كل هذا لايهم ، لكنه امتطي بنت الغياط في الليالي التي كان يعتذر فيها لبنت الاصول عن تعبه ويعطيها ظهره وينام ، الخطيئه الكبري التي ارتكبها الجد وقتما كتب علي ابنة الغياط ومنحها حقوقا في حياته وبعد مماته وساوي بينها وبين بنت الاصول التي شاركت رحله الحياه والثروة والهيبة !!!
كانت يرتعش مثلما يرتعش اليوم وهدي تصحبه داخل منزلها للقاء العائله التي طالما انكرته ... يرتعش ويرتعش !!!
ومرت الثوان دهورا طويلة وهو مازال يرتعش !!!


( 17 )
ليه ؟؟؟؟

ليه ياامة ؟؟
تبكي الام وتنتحب لكنه لايتركها في حاله ويزيد من ضغطه عليها
ليه ياامه كده ، عملتي في كده ليه ، بصيت لفوق ليه واتجوزت الحاج الكبير جواز سري ليه ، قبلت علي نفسك ليه ، قبلت علي ليه ، شايفك عمايلك السوده ياامه ، شايفه بيبصوا لينا ازاي ، بيتكلموا علينا ازاي ، بيحتقرونا ازاي ، شايفه ياامه ...
تبكي وتبكي وتتمناه يصمت !!!
هي التي دفعت الثمن !!!
كانت فتاه فقيره يعمل ابيها في ارض الحاج الكبير !!
كانت تتردد علي البيت احيانا ، تأمر الحاجه ام زكريا ابيها ليرسلها لتساعدها في كعك العيد او عمل المربي فيطيعها خانعا ، لايملك ابوها او غيره من المزارعين رفض طلبات الحاجه حرم الحاج وام الرجالة ، كانت تذهب للبيت مرتبكه غريبه ، كانت تكره الذهاب للبيت ، ليست خادمه ولن تكون ، هي ليست مثل سعادات ولا فاطمه ام حفان ، لن تخدم الست الكبيره واولادها ، هناك في البيت الكبير تشعر بضآلتها ، ليست الا فتاه فقيره من البلدة الفقيره ابنه مزارع علي باب الله ، في البيت الكبير تشعر بضآلتها ، تقاوم ابيها وتبكي ، لن اذهب ، لكن ابيها لايتركها وحالها ، حتروحي يابت يعني حتروحي ، فاكره روحك ايه ، علي راسك ريشه يابت ، ابوكي مين ، قنصل الوز ، حتروحي وتخدميها وانت فاشخه ضبتك ،ماعاش ولا كان اللي يقول للحاجه ام الرجاله لا!!!
وتذهب الفتاه الفقيرة لخدمة الحاجه ام الرجالة في بيتها ، تذهب مجبورة مغصوبه بلا اراده !!!!
تقف معها في المطبخ وتحمي الفرن البلدي وتبيت الفراخ وتلف معاها دولاب الشعرية وتسيح السمنه وتخزنها في الصفايح واخر النهار تاخد حته قماش تعملها جلابيه وبريزة تشتري بيها ارواح!!!!
هي كريمة ابنة سمنودي ابو رزق التي كتب عليها الشقاء !!!
هل كانت تعرف مالذي يخبئه لها القدر في البيت الكبير !!!
هل كانت تعرف ان هذا البيت واهله هم من سيحيلوا حياتها لعذاب مابعده عذاب !!!!
لم تكن تعرف ، لكنها كانت تكره البيت والخدمه فيه وعجرفه الحاجه سعيدة وتخاف من الحاج حسن ترتعد من صوته العالي وشكله المهيب !!!!
ليه ياامة ؟؟؟ يسالها ولاتجد اجابه ترد به عليها !!!!
والنبي ياابني مااني عارفه ، وابوكي قبل ليه ، كان قليل الحيله ، لا ماكانش ، ابوكي طمع في نسب الحاج حسن عين اعيان البلد ، ابوكي طمع في حته طين ونخلتين وباعك ياامه ، تبكي الام بحرقه ولاتجد ماترد به علي ابنها المراهق الذي لايكف عن قتلها كل يوم !!!
الله يسامحك يابا علي اللي عملته في !!!
يصرخ سليم والشنب الاخضر يخط وجه ، مايستحقش الرحمه ياامه ، مايستحقش الرحمه لا علي اللي عمله فيكي ولا اللي عمله في ، ترفع عينيها الدامعتين وترتعش ، يابني ده في دار الحق وبين ايدين اللي خلقه ، ماهو علشان كده ياامه مايستحقش الرحمه ، انا مش مسامحه ومش حاسامحه !!!
باعك ياامه بتراب الفلوس وهانك وهاني واهو ، كلنا بندفع ثمن اللي عمله !!!!
مبسوط ياحاج سمنودي ياابو رزق ، مبسوط ، اياكش تكون مرتاح في نومتك ، اياكش تكون متهني في قبرك ، اياكش حتكدب علي الملكين كمان وتقول لهم ، انك كنت مجبور !!! ماكنتش ياحاج ماكنتش ، انت اللي طمعت ياحاج وبعت ضناك للراجل العجوز ولما غدر بيها ما وقفتش في وشه ، انكسرت ياحاج بكيفك وكسرتنا كلنا معاك !!!
ويبكي وتبكي امه و................. يراقبهما الحاج سمنودي ابو رزق من مقبرته باكيا وكأنه يتمني يعتذر لهم !!!
لكن الاعتذار فات وقت والصفح والسماح لم يأتي وقتهما بعد !!!!
ليه ياامه ليه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 18 )
ليه ؟؟؟

سألت هدي   ابيها ببراءة ، ليه عمي سليم مابجيش عندنا ؟؟
لطمها الاب غاضبا وبتلقائيه رهيبه علي وجهها ، لا هو عمك ولا حيكون !!! اشارت لها الام لتصمت وتبتعد عن غضبه !!!
انزوت هدي تبكي في غرفتها لاتفهم ، لماذا لايسمح ابيها لعمها يأتي للمنزل ويلعب معها !!!
الحقيقه انها لاتفهم اشياء كثيره ، لاتفهم لماذا لايحب ابيها سليم ، ولاتفهم كيف هو عمها وفي عمرها ولايلعبا معا !!!
لاتفهم لماذا طرده هو وامه الست الطيبه الغلبانه ، ليه يابابا طردتهم ، لايجد ابيها اجابه الا الافتراء عليها وتعنيفها ، دي حاجات كبار مالكيش فيها ... تصمت مجبره لكنها غير مقتنعه بكلامه ولاحججه !!!
كررت السؤال علي نفسها ، ليه عمي سليم مابجيش بيتنا ؟؟
في تلك اللحظه سمعها سليم الجالس فوق سطح دار جده الغياط  في البلده الريفيه في اجازة الصيف ، سمعها وابتسم ، يتمني لو يزر هدي في منزلها ويلعب معها و............ يكره ابيها وابيه اكثر واكثر !!!
مات الاب القاسي وترك خلفه اولاد قساه لم يمنحوه مكان وسطهم حتي ليلعب مع هدي ابنه اخيه التي يحسها وكأنها اخته !!!
الا هو انت صحيح ياهدي اختي ولا بنتهم ودمهم البارد بيجري في عروقك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ومازالت تبكي ، ومازال يتسائل !!!!
وكل منهما يشعر ان الاخر من دمه ولحمه وانهما اخوات بجد !!!
هدي وسليم اخوات ، لكن قسوه زكريا والحاج حسن والحاجه سعيدة ، والدم البارد والثروة والنسب ، كل هذا قطع بينهما اواصر الاخوة التي لم يختاراها لكنها نمت في قلبيهما زهره جميله ترتوي بحبهما معا !!!ا
انت اختي يابنت القاسي وانت اخويا ياابن الظالم ...
مالذي جمع بيننا واشمعني هدي ؟؟؟؟؟؟
مازالت تبكي ومازال يتسائل ....


( 19 )
الاجتماع

في البيت الكبير ، وبعدما انتصف الليل وبعدما ودعهم اخر المعزين ، اجتمعت العائلة ، الحاجه سعيدة واولادها حولها ، الزوجات والاولاد ، الكل جلس في الاجتماع ، الحاجه سعيدة غاضبه وعيونها تطق شرار وصامته ، تنتظر مالذي سيقوله اولادها وكيف سيتصرفوا ....
صرخ فاروق الابن الاصغر فيهم ،  ابوكم غلطان والعيب فوقه وتحت ، هو اللي عمل فينا كده ، ركب بنت الغياط وبهدلنا ، هز اسمنا وهيبتنا في البلد ، صغرنا ، خلي مره سايبه تقف وسط جنازته وتزعق فينا ولاحد منا يستجري يضربها قلمين ولا شلوتين ، ابوكم غلطان وخلصونا ، شوفوا حتلموا الفضيحه ازاي ، خلونا ننتهي !!!
رفعت الام رأسها تحدق في وجه لايعجبها كلامه ، وبحثت عن رد مناسب يعنفه به ابناءها الاكبر ، صمتوا جميعا يفكروا ، انا باقول نلم الليله وندي الواد وامه قرشين ونمضيهم علي ورق انهم خلاص خدوا نصيبهم ، وبعد كده ننساه وننساها !!!
خبطت الحاجه سعيدة علي المنضده امامها بغضب ، ولا يحصل ولا يكون !!! بنت الغياط ماتقاسمنيش شقايا وشقي جوزي ، بنت الغياط ماتحطش راسها براسي ، انا بنت العمده وحفيده البكوات ، بنت الغياط ماتتساواش بي ابدا ولا ابنها يتساوي بيكم !!!
ابتسم فاروق ، ياحاجه الكلام ده خلص ، الثوره قامت وكل الناس بقت زي بعض !!!
لاتقبل الحاجه سعيدة دعابته ، الثوره قامت علي روحها والناس حتفضل طول عمرها زي ماهي ، اللي فوق فوق واللي تحت تحت ، ولاعمر الرووس تتساوي ، ده اخر كلامي ياولاد الحاج حسن ، بنت الغياط مالهاش وسطينا مكان لا هي ولا ابنها !!!
نظرت لابنها الكبير ، وافقها زكريا  وعلي وجهه ملامح اكثر حده ، هي مش جت وعملت فضيحه في الجنازه ورفعت صوتها فاهمه انها بتفضحنا ، خلاص ، ادينا اتفضحنا ، والحاج اللي عاش ومات كل الناس بتوقره طلع لعبي وبتاع خدامين ، ماشي يابنت الغياط ، كده الكلام خلص ، وكأنك لاظهرتي ولا جيتي ولا نعرفك ولا نعرف العيل اللي انت ساحباه في ايدك ، خلصنا ، انا موافق الحاجه ، مالهاش حاجه عندنا واعلي مافي خيلها تركبه !!!!
هزت الحاجه سعيدة رأسها توافق ابنها الكبير ، البركه فيك ياحبيبي ، انت الكبير النهارده والكل ملتزم بحكمك ، نظرت لفاروق ، ادي كلام الرجاله اللي يتسمع ، انت ياحبيبي لسه صغير وماخابرتش الايام ، اسمع لاخوك الكبير ، كلكم تسمعوا لاخوكم الكبير ، زكريا  قال ، وكلمته حكم ، البت بنت الغياط وابنها لا جم ولا راحوا ، واحنا مابتفضحش ، واعلي مافي خليها تركبه!!!!
واصدرت العائله حكمها باعدام سليم وامه بنت الغياط !!!ا


( 20 )
من انت

مستلقيا علي فراش المستشفي الفرنسي في عاصمه النور معتقلا داخل فقاعه معمقه من الهواء النقي خوفا علي كبده المنزرع في جسده العليل ... نعم تسللت البلهارسيا من ترعة البلدة الصغيرة لبدنه واعطبت كبده مثله مثل الكثيرين من اصحابه لكنه لم يستسلم لها مثلهم ، نعم اصفر بدنه وشحب بياض عينيه ، نعم كبرت بطنه وهزل عوده ، نعم بال مثلهم بول احمر وتمزق جسده والقطرات الحارقة تشق طريقها علي الجدران التي اعتاد يتواري خلفها ويفك حصره ، نعم عرف ان الفيروس الصغير استوطن كبده وافسده ويفسده ،عرف طعم الدماء وهي تنفجر في مريئه ، تنساب بين شفتيه مالحه مره كريهه ، كل هذا عرفه مثلهم وعايشه مثلهم ، لكنه لم يستسلم للموت مثلهم ، لانه ينتمي للعالم الاخر الذي لاينتموا له ، العالم الثري الذي يشتري الصحة والحياة لابناءه ، لم يستسلم مثلهم وسافر لفرنسا لنقل الكبد و نقله فعلا بعد طول انتظار  ...
مش بقولك انت مش زيهم ، يسمع صوت امه يدوي في اذنه بين جنبات الفقاعه المعقمة ، يسمع صوتها ويكره كلامها ويلومها ، ليتها تركتني اعيش حياتي مثلهم ، لو فعلت لجنبتني كل الهم الذي حملت جباله فوق كتفي سنين وسنين !!!
لست مثلهم يقول لنفسه ، لست مثلهم جميعا ،لست مثل اصدقائي الفقراء ولست مثل اخوتي الاغنياء ولست مثل احد لست مثلهم ولا مثل نفسي !!!
من انت ياسليم ؟؟؟؟
انا سليم ابو حسن ... متأكد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


( 21 )
وعد

اوعدك لو رجعت من باريس كويس، نتجوز !!
يرتب للسفر  ، اعد اوراقه وارسل للاطباء هناك تحاليله وصور الموجات فوق الصوتيه والرنين المغناطيسي و......... لم يعد متبقيا الا ايام قليله ويغادر مصر صوب الحياة الجديده التي قد يمنحها له الكبد الجديد الذي سيزرعه في جسده او لايمنحها له..
في شرفه منزله وقت الغروب ينصت لصوت العصافير العائده لاعشاشها ، ينتبه انه لم يسمع ذلك الصوت ابدا رغم انه يعش في ذلك البيت منذ سنوات طويله ، يستشعر فجأ ان حياته تبددت وضاعت واهدرت ايامها ، تجلس امامه حنين تحتسي قهوتها وتراقبه ، تلمح الاصفرار يلتهم جسده وعينيه ، الشحوب يلون ملامحه التي كانت صارمه ، الاسمرار يكسو جبهته وشعره الفاتح يكاد يتحول شيبا ، خمسه سنوات تنتظره يبرأ من اوجاعه ليتزوجها ، لكنه لم يبرأ وهاهو العمر اوشك ينتهي ، تدفن وجهها في فنجان القهوه وتفر من ملامحه ومرضه ..
اوعدك لو رجعت من باريس كويس ، نتجوز !!!
همس سليم لحنين ..
خمس سنوات تنتظر انتصاره الاخير في كل معاركه ، انتصر علي اخوته وباع البيت وهدمه ، فضحهم اكثر واكثر ، اوشكت معاركه تنتهي او هكذا ظنت ، بقيت معركته الاخيره مع حياته ..
انا تعبت قوي ياحنين ، قوي ، الحياه ارهقتني ومعاركها تعبتني ، اغير الكبد ولو رجعت كويس ، وغمز لها بعينه ففهمت قصده ، لو رجعت كويس نتجوز !!!
وتنسي ياسليم ؟؟
سالته وهي اكثر ارهاقا منه ، انسي !!
وعد ........... سألته ، وعد ............... !!!
وعدها عندما يعود من باريس يتزوجها ووعدها ينسي !!
يتمني يعيش حياته المؤجله التي تبعثرت ايامها في ساحات المحاكم والخصومات القضائيه والانتقام الاسود ، يتمني يعيش حياته ، اليوم ، كل شيء انتهي ، نصيبه في الميراث حصل عليه بالكامل والبيت الكبير هدم ، والفضائح طاردت الاسرة اجيالا خلف اجيال ، و..............كفايه بقي كده ياسليم !! همست حنين ، وافقها سليم وهو يتصور انه صادق !!!!
وعد الحر دين عليه ، وقتما ساعود من باريس سنتزوج وسانسي كل شيء ونعيش !!! وعد الحر دين عليه !!!


( 22 )
يأس

مازال سليم اسير اليوم الذي طرده زكريا واهانه هو وامه ، يومها صمم ينتقم منهم جميعا ، سيكرس حياته للانتقام منهم ، يومها تمني يصفع زكريا قلما علي وجهه ، تمني لو سبه وشتمه ، يومها تحشرج صوته ودموعه وهو يري امي تخرج من بيته ذليله مكسوره الخاطر ، نعم هذا بيته ، يملك فيه مثلما يملكوا جميعا ، هذا بيتي وبيتكم ، لكنكم تعيشوا فيه وتطردوني منه ، انتم من بدأتم الحرب ولست انا ولتتحملوا نتائجها ووجعها ، حان وقت الوجع ياعائله الشيخ حسن ، ومثلما اوجعتوني ساذبحكم والبادي اظلم !!!!ا
اتفضل ياعمي ، اعادته هدي لبيتها اللطيف ، دعته هدي ليتعرف علي ابناء وبنات اخوته ، اتصلت به في التليفون ، دعته للقاء ، شرحت له ، ياعمي السنين عدت واخواتك كلهم ماتو ومحدش من اولادهم يعرفك ، تعالي اتعرف عليهم وخليهم يعرفوك ، مابحاوش اثر عليك ، انت ماشي في سكتك ، مابحاولش ااثر عليك خالص، باقولك بس ، ان كلنا مالناش ذنب ، تعالي قابلنا ، نتكلم سوا ، اتعرف عليهم وخليهم يتعرفوا عليك ، بعد كده ايه اللي حيحصل محدش عارف !!!!
رضخ لرغبتها ووافق يقابل بقية عائلته بعدما مات الاخوه الكبار والاخوات ، وهاهو يدخل بيت هدي بخطوات مرتعشه مرتعشة ، اخيرا ياسليم ياابو حسن حتشوف ولاد اخواتك !!!
تحاول هدي بمنتهي الطيبه اصلاح ماافسده الزمن ، تحاول وصل الفرع الصغير بالشجره الكبيرة ، تتمني تمحو ايام الوجع ويعود للعائله ايام فرحها وسليم معهم ، اقنعت اولاد عمومتها بمقابلته ، هو اتظلم ، بس احنا مالناش دعوه ، صرخوا في وجهها ، وهو كمان مالوش دعوه ، جدكم ظلمه وكمان اباهتنا واماهتنا ظلموه، خلاص بقي ، كفايه خناق ، نقابله ونتصالح وننسي الايام السوده ، هكذا كانت تتمني ، وافقوها علي مضض واثقين من فشل المحاولة التي تسعي لها ، لكنهم وافقوها ، حاضر ياهدي ، تمنت لو نيتهم مخلصه في احتواءه بينهم ، لكنها لاتثق فيه ولا تثق بهم ، الهم لوث نفسياتهم والقضايا والمحاكم افسدت مايمكن اصلاحه والتاريخ يوجعه والحاضر يوجعهم والتلاقي مستحيل ، لكن هدي تحاول وربما ستفلح !!!
وبدأ اللقاء .....
يسير مرتبك في صالة منزل هدي وهي تقبض علي يده وتسحبه لمقابله العائلة ، تبا لهذا الكف الصغير ، لم يعد صغير ياسليم ، تبا لهذا الكف الذي يسحبه منه القدر لمواجهة المتاعب!!!
تسحبه هدي من كفه وهو يرتعش تهمس له ، معلش ياعمي ماتزعلش منهم ، اصلهم مايعرفوش حضرتك !!
يومها كاد يسألها ، اشمعني انت تعرفيني وهما لا ، لكنه لم يسألها ، ورثوا الاجرام من ابائهم وامهاتهم واعطوني ظهورهم مثلما فعل كبارهم ، يستحقوا ما افعله فيهم جميعا ، انت الا ياهدي ، اشمعني هدي ، سؤال سأله لنفسه كثيرا ، اشمعني هدي تختلف عن بقيه الاسرة !!!
هدي ابنه زكريا اخيه  الاكبر ، لم تشرب من ابيها قسوته ولم تتعلم منه وقاحته ، تقريبا هي في مثل عمر سليم  ، مازال يذكر يوم رأها للمره الاولي ، يومها كانت في الشرفه البحريه جالسه تراقب مايحدث حولها بمنتهي الانتباه والارتباك ، كان ابيها يطرد امه ويطرده وجميع الاشقاء والشقيقات يشاهدوا مايحدث بدم بارد كأنه ليس اخيهم وكأنهم ليسوا اخوته ، مازال يذكر كل التعبيرات التي ارتسمت علي كل الوجوه ، الكل لايكترث وكأن المشاجره والسفالة والشتائم لاتحدث ، وكأنهم اعتادوا من الاسرة تسب الاخرين وتهينهم ، عادي ، كلهم تعاملوا مع الامر بطريقه عاديه دون اي انتباه ، الا هدي ، هدي رفعت رأسها وحدقت في وجهه ، كأنها تناديه ، كانها تتمناه يدخل المنزل ويجلس وسطهم ومعها ... مازال يذكر هدي ودموعها التي انهمرت وقتما سالت دموع امه ، يومها جرت خطوتين خلف امه وخلفه وهما يجرا اذيال الخيبه ، كادت تناديهم بصوتها الرفيع وتصالحهم وتتمناهم يصفحوا عن ابيها الذي كرهته صورته القبيحه الكريهه امامها وهو يسب ويلعن وينتفض ويغضب ، كادت لكن صوتها تحرشج فلم يخرج من فمها الصغيره اي كلام مفهوم وتساقطت دموعها شلال ، هرعت خلفهم خطوه واثنين وكادت تلحق بهم خارج بوابه البيت الكبير لولا نهرها ابيها وناداها لتعود بصوت مخيف ، تركتهم وعادت وهي تودعهم بنظرة اسي ، في تلك اللحظه احب هدي ابنة اخية ، اهتمامها به وبامه ودموعها الطيبه رسما في قلبه ورده بقيت تحمل اسمها العمر كله ..
احبها وهو لايراها ، ويتذكرها وسط احزان المشهد الذي لايغيب عن ذهنه ، يتذكرها فتهون احزانه ويتمني يتعرف عليها ، انا عمك ياهدي ، جمله يرددها في ذهنه ويجهزها لوقت سيقابله فيه فيحتضنها وهو يخبرها بزهو ، انا عمك ياهدي ، واثق انها ستبادله الحضن باقوي منه وسترد عليه ، عارفه طبعا ياعمو ولا تحب اقولك ياسليم علي طول ، لا عمو اجمل ، ده انا ماصدقت حد يقولي ياعمو .. يبتسم فتلمع الدموع في عينيها وتحتضنه بقوة اكثر ، عمو وحبيبي كمان !!!
سنوات طويله مرت علي هذا المشهد ، لم يري هدي بعدها الا في مأتم ابيها ، ذهب ليعزي ويجلس يتلقي العزاء بعدما كتب نعيا خاص اوضح فيه ان المتوفي اخيه الاكبر وانه سيأخذ العزاء في الجامع مع بقيه الاسره ، يومها دخل الجامع وعلي وجه تعبيرات غريبه منتهي الكراهيه لزكريا ، ومنتهي التحدي لبقيه الاخوه ، اطردوني ان كنتم تقوووا علي طردي ، سنوات مره وانا احمل اسم ابيكم غصبن عنكم ، سنوات مره وانا اقاضيكم في المحاكم ، سنوات مرت وانا انغص عليكم حياتكم ، والان ، اليوم ، وقتما مات كبيركم ، وجدوتني وسطكم ، اتلقي العزاء واوزع الابتسامات الساخره وانتم قليلي الحيله اسري المشهد الاجتماعي الذي تخافوا عليه ، يومها شاهد هدي ، عروسه جميله تتخرج من الجامعه ، تخرج هو قبلها بعامين ، نادها فوقفت امامه وتعرفت عليه ، احتضنها وقال بصوت عالي ليسمعه الجميع ، انا عمها ، احتضنته بقوه ، ابيها الذي ابعدها عنه وابعده عن العائله مات وفي دار الحق ، وهي تحب عمها ولاتفهم مبرر لقسوه العائله عليه ، ليس مسئولا عن اي شيء ، المسئول هو جدي ، هكذا قالت لابيها فلطمها علي وجهها حنقا ، يعرف ان ابيه هو المسئول ، لكنه يحمل كل المسئوليه والذنب والعيب علي سليم وامه ...........


قصيدة (اترك قلبك في البيت ) للشاعر اسامة جاد
منشورة في ديوان ( الجميلة سوف تأتي ) ...



نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزء الثالث


هناك تعليق واحد:

Rafat William يقول...

عندما يتعبنا الصراع ..والكراهية نستريح إستراحة المحارب ونفكر عن جدوى الصراع والحرب ...ونشعر ان ما فعلنا كان لونا من العبث وتستيقظ فينا انسانية كنا اجبرناها على الصمت