مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 1 سبتمبر 2016

تعويذة العشق والدموع ... الفصل الثالث

الفصل الثالث

ما كنتُ ممن يدخل العشقُ قلبَه
ولكنّ مِن يبصِر جفونَك يعشق (3 )




 ( 14 )
" الدفء  "
وقفتُ خلف باب شقتها مرتبكًا وكأنه ميعادي الغرامي الأول ، ارتبكتُ ارتباكًا أفزعني من نفسي وأخافني منها ، لا أصدق أن الدكتور حسن الوهيب يرتبك وهو يُلقي شِباكه علي فريسته الجميلة ، الغريب أني لا أستشعر نفسي صيادًا ولا أحسها هي فريسة ، ربما هذا ما يربكني ! لا أعرف، لكني سأعرف وقريبًا جدًا !!
وقفتُ خلف باب شقتها مرتديًا ملابس أنيقة مريحة، وأحمل باقة زنبق ، ابتسمت حين فتحت لي البابَ بثوبها الأسود ، رحبتْ بي وأجلستني في الصالون ، أحضرت الماءَ المثلج وفنجان القهوة السادة ، صمتٌ ساد بيننا بعد ما تبادلنا بمللٍ كل الكلمات التقليدية التي يتعين أن نقولها في مثل هذا الموقف ، وحضرتك عامله ايه؟  تمام يا دكتور. صمتٌ طويل ، ما نفسكيش تروحي السينما؟؟ فجأة سألتها ، ضحكت حتي سالت دموعها ، أسرّت لي أن هذا السؤال هو آخر ما توقعته مني ، قالت إنها لم تذهب السينما منذ سنوات بعيدة لأن رحيم - الله يرحمه - كان مشغول جدا ، بنظرة شكٍ وريبة سألتني ، هو حضرتك عندك وقت؟؟ هززت رأٍسي نفيا ، بس نفسي اروح السينما !!
دعتني لمائدة العشاء التي أعددتها ، شكرتها وجلست على المنضدة أمامها في الجهة الأخرى وأنا أتمنى أن أسألها أين كان يجلس رحيم؟ وكأنها سمعت سؤالي ، همست وهي تقدم لي الطعام في الطبق الأنيق ، عمرنا ما كنا بنستخدم السفرة؛ لان رحيم ما كانش عنده وقت نقعد عليها ، ابتسمت ، بس انا عندي وقت ، رفعت حاجبيها اندهاشًا ، فعلا؟؟
بعد العشاء جلسنا في الشرفة ، اتفضل القهوة ، نبرة صوتها رسمية أكثر مما يتحمل لقاؤنا ، تسلم ايدك ، شرحت لها ، معنديش وقت فعلا ، لكن نفسي يبقي عندي وقت ، نفسي اعمل حاجات كتيرة ، ابتسمت ، وما بتعملهاش لان معندكش وقت؟ هززت رأٍسي نفيًا ، ما بعملهاش لان مابلاقيش حد يشاركني سعادتها!! هذه رسالتي الأولى يا بشرى هانم ، أتمنى أن  تستقبليها بالذكاء المتوقع منكِ ، ببرود همست ، الله يكون في العون .... وودّعتها على الباب بمنتهى الرسمية وشكرتها على العشاء اللذيذ والقهوة المحوّجة والدفء!! لم أَقُل لها الدفء لكن هذا ما أحسسته في حضورها وبيتها ومنضدة طعامها وشرفتها وفنجان قهوتها ، الدفء ، هذا ما أحسسته بصحبتها ، وفجأة انتابتني رعشةٌ وكأني محتجَز في بلورة صقيع تُجمدني ، الدفء يا بشرى هانم ، هذا ما مَنَحته لي زيارتك وطعامك وسطوع عينيك وحنانك!! أقود سيارتي ببطء وكأني لا أرغب في أن أبتعد عن منزلها ، وكأن الدفء المنبعث من جدرانه، والحنان المشع من عينيها يجذبانني لأبقى ولا أغادرها أبدا!! أقود سيارتي ببطء وأسمع بعض الموسيقى الهادئة وأتوه معها حتي يوقظني رنين تليفوني ومكالمة مايسة وأسئلتها السخيفة اللائمة ، برضه شغل يوم الجمعه يا حسن؟؟ انا خلاص جاي ، همستُ وأغلقت الخط، والصقيع يتملكني ويطحن عظامي وروحي!! الدفء يا بشرى هانم الدفء !!
 هامش -  بشرى
لماذا تنكأ جراحي يا دكتور حسن؟ لماذا تذكّرني بعمري الذي مَر  وأنا وحيدة لا أجد مَن يشاركني فيه سعادته؟ رحيم كان زوجي الطيب لكنه كان مشغولا ببناء نجاحه وعمله وتخليد اسمِه في المراجع الطبية بعد ما أيقن أنه لن يَمنح الحياةَ ابنًا يحمل الاسم ويمد الشجرة ويظلل علىّ بفروعها، كان زوجي الطيب الذي لم يرفض لي طلبًا، لكنه لم يشاركني أحلامي الصغيرة التي قالت أُمي إني لن أعيشها إلا بعد الزواج، وحين تزوجت اكتشفت وبسرعة أني كبِرت ولا تليق بي تلك الأحلام الصغيرة ، رحيم كان طبيبًا مرموقًا ابنَ أصول، وكنت عروسَه الجميلة بنت الأصول ، وعشنا حياتنا كلها في دائرة الأصول وقبضتِها القوية، فيذكّرني رحيم دائمًا بصوت أبي الأجش الصارم بالأصول وحكمها والذي يصِح والذي لا يصِح ، ورضختُ له وللأصول، وسارت حياتنا ولا أروع كما يراها الجميع مِن خارجها ويحسدوننا عليها ...
في بداية حياتنا صارحتُه بأحلامي الصغيرة، وتمنيت منه لو يشاركني تحقيقها فابتسمَ وقال إنها أحلام الصبية الصغيرة التي تركت عروستَها في بيت أبيها وقتما ارتدت خاتمَه الماسي وتزينت بتاج زفافها ، قال إن مركزه كطبيب وأستاذ بالجامعة وله تلاميذ وباحثون لا يسمح له أن يشاركني بعض العبث وبعض الجنون وبعض الخروج عن المألوف، والناس تقول علينا ايه ؟؟  قال إني زوجة ومسئولة وكبرت " خلاص "، وعلىّ أن أتصرف بما يليق بي وبه ، لم يعجبني كلامه لكني رضخت له لأن الأصول تقول إنه يتعين عليّ الرضوخ لزوجي كأي زوجة مطيعة و" بنت ناس " ..
وسرقت الأيامُ أحلامي الصغيرة بعد ما تصرفتُ باعتباري كبيرة وتجاهلتُ سِني وأمنياتي، ووأدتُ عبثي وجموحي الذي لم أعثر على أيام مناسبة لأعيشهما ، عايزه اروح السينما ، قهقهَ رحيم لا يصدق ما سمِعه مني ، قال إن كل الأفلام تأتي في التلفزيون، وإنه اشترك لي في كل القنوات، وإن السينما ممِلة ولا تسمح له بالتدخين، وإن مشاهدة الأفلام معًا في البيت أريح وأكثر سعادة ، سمعته يومَها ولم أعلق على حديثه، ولم ألُمه لأنه لا يجد وقتًا يشاركني فيه في البيت مشاهدة الأفلام ، دفنت الأحلام الصغيرة تحت ركام الأصول والتقاليد، وجاملت أُمه وزرت شقيقاتِه، وصغتُ علاقاتٍ طيبةً بزوجات أشقائه، وفتحت بيتي لهم جميعًا محبة ومودة، وأديت كل المجاملات والواجبات كما تقول الأصول.  
عشت مع رحيم أيامًا لطيفة هادئة تشبهه وانشغاله بعمله وأبحاثه ورسائل الدراسات العليا التي يشرف عليها ، عشت حياة زوجية لطيفة هادئة وأيامها متشابهة متماثلة رتيبة ، أنتظر رحيم حتى يعود من عمله وأعد له العشاء وأنام على ذراعه حتى أنعس فيتركني ويقضي بقية الليل في غرفة المكتب يدرس ويقرأ ويعِد محاضراتِه، ويوقظني صباحًا لأعد له القهوة والينسون ويودِّعني بقُبلةٍ لطيفة مثل أيامه، ويَخرج ولا يعود إلا آخر الليل، وهكذا مرت الأيام والعمر!!
كنتُ قد تصورت أني نسيت أحلامي الصغيرة واعتدت غيابَها ، كنت قد تصورت أني كبرت ونضجت وعقلت وصرت أرملة الدكتور رحيم بثوبها الأسود، فعلىّ أن أفكر وأتصرف حسبما تَقضي الأصول والتقاليد ووصية المرحوم ، اليوم فاجأني الدكتور حسن بزهوره البيضاء، وثنائه على طعامي، وأناقة منضدتي، ورائحة البُن، وجمال شرفتي البحرية ، فاجأني برغبته في الذهاب للسينما ، فاجأني أنه لا يجد مَن يشاركه السعادة ، حتى أنت يا دكتور حسن لا تجد مَن يشاركك سعادتك؟! وأنا التي ظننتك سعيدًا هانئًا؟! نكأتَ جراحي وأيقظت أحلامي الصغيرة، وذكّرتني بكل الذي مضى وتصورته مات مع رحيم، فإذا به يُبعَث حيًا معك !!
واللهِ انا كمان نفسي اروح السينما يا دكتور ، تمنيت أن أقول له ذلك، لكني صمتُّ تمامًا ، وتنهدتُ تنهيدة حارة لأنه ذكّرني بالذي مضى، وكنت أظنه مضى، وأظنني أبدًا لن أتذكره !! 
( 15 )
" اسمعيني "
البرد قارص، والريح العاتي تزأر، وجنبات البيت الخاوي تفح بخوف أخرس من شقوق الجدران العتيقة ، أرتدي جلباب جَدي الصوفي وأتدثر بشالِه وأَخرج للشرفة الموحِشة الخاوية إلا من خيالات وأشباح تتراقص أمام عيني فتفزع خيالي وتربكني ، أصوات مختلفة متداخلة تنبعث من جنبات الحديقة تحطم سكون الليل وسكينتي ، أنين الساقية العجوز القديمة ونحيب تروسها المشحوذة تلف حول بعضها، وصرير دورانها الخشن يحاصرني ويوجعني وكأنه نحيب روحي ، يخيفني ويدهشني صوتها المتتابع المتلاحق وكأني لم أسمعه من قبل ، نَعم لم أسمعه من قبل ، لم آتِ هنا قبل اليوم ، لست أنا مَن حضر وأقام وصاحَبَ جَدته في أجازته ونام بجوارها مطمئنًا وابتسمَ وتصور نفسه فرِحًا في سفره، وعاد يحكي لأصدقائه عن السراية وهيبتِها ، لست أنا ، آخَرُ انتحل وجودي واسمي وعاش بدلا مني، وعاث فسادًا في الحياة، وحين وجب عليه أن يسدد ديونه ويدفع ثمن اختياراته فر  وتركني أواجه مصيره ، لست أنا مَن أتى هنا بل آخَر لا أعرفه، ولست أنا مَن عاش الحياة  بل آخر لا أعرفه ، ولست أنا مَن بغى وطغى بل آخر لا أعرفه ، آخر  انتحل وجودي وعاش به ، هذا الآخر لا أحبه ولن أُحبه ..
الصوت الحزين يتعالى، وصمت الليل يفسح له مجالا ليطغى ويستبد ويتملكني ويأسرني ، الصوت الحزين يتعالى وحَسن الذي أحِبه يجلس وحيدًا تعيسًا في الشرفة يحتمي من بردها وقسوة ليلها بشال جَدِه الدافيء، يبحث عن فهمٍ لكل ما مَر فيه وعاشه، ونهايةٍ سعيدة لِما يتمناه ، حَسن يبحث عن البداية وكيف صارت ليصل للنهاية التي يتوق لها ، كيف جرى كل ما جرى يا حسن ؟؟  وكيف عشتَ كل ما عشته؟؟ ولماذا حدثَ كل ما حدث ؟؟
بحثت عن العشق يحتويني ويسعدني فلم أعثر عليه ، فسِرت في الحياة رجلا مثل كل الرجال كما قال سليمان الوهيب ، شربت الملح وظننته متعة تسعدني، لكن الصقيع حطم عظامي وروحي ، لهوت بكل الطرق المتاحة والممكنة ، انتشيت وسعدت وفرحت وانتصرت ، وزعت الابتساماتِ والمشاعرَ ، كذبت كثيرًا ، أكاذيب بريئة وأكاذيب شريرة ، اخترت دربي وسرت فيه وتصورته حياتي السعيدة، وعلقت على جدراني ابتساماتٍ ودموعًا، وشربت في نَخب حَسن ومعاركه، وظننتي عركت الحياةَ وعرفتها ، وفي النهاية صفعتني الحياة بكل قوتها على وجههي عقابًا ربما أو لتعيدني لرُشدي وطيبتي ربما ، في النهاية أو في البداية ، صفعة عنيفة قوية كشفتْ وعرّت زيف كل ما عشته ، صفعة موجعة استحضرت كل الوجع والدموع والحزن وما فررت منه ، أتى كله عاتيًا ومعه الصقيع حاصرني ، وصرت لا أعرفني ولا أعرف ما عشته، ولا أعرف لماذا عشته!! وأتمنى لو أمحو كل الماضي وكل ما عشته وأبدأ ثانية صفحة جديدة ، أرسمها بعناية وثقة وطمأنينة وفرحة وعشق .. صفحة جديدة أعيشها معها ، هل ما يزال في دفتري صفحة جديدة أعيشها؟ أم هي نهاية الدفتر وآخر الأيام؟ وهي لن تشاركني ما تبقى من الحياة لو ما يزال فيها مِن العمر والأيام بقية؟ والصفعة الموجِعة أتتني بعدما فات الأوان عقابًا وتهذيبًا وليس بوابة عتْقٍ لفرصة أخرى في الحياة ؟؟
أجِب يا حَسن .. أجِب يا حسن عن السؤال الصعب ، هل هي النهاية التي تستحقها؟ أم هي البداية التي يتعين عليك الوصول إليها؟؟ أجِب يا حسن أجِب!!
شرائط الذكريات تمر أمام عيني ، حَسن الذي لا أعرفه ولا أحبه أراه أمامي بطلَ كل المَشاهد ، أري نصال قسوتِه تقتل ضحاياه بالصد والعبث والهجر والزيف والكذب والاستهتار ، وأراني صامتًا أخرسَ لا أمنعه، ولا أحميهن، ولا أصرخ رافضًا غاضبًا ، أراني مستكينًا، وربما مستمتعًا، وربما سعيدًا بعبثه بالحياة وعبثها معه ، لم أكن أعرف أنني الذي سيدفع الثمن!! وحين عرفت كان أوان التراجع قد فات، وصار الديْن واجبًا والوفاء عهدًا!!
شرائط الذكريات تمُر أمام عيني ، ها هو حَسن الذي لا أعرفه ولا أحِبه ، بطل كل المَشاهد ، تشاركه بعضَها الحاجّه منصفة وجَدي الذي لم أره ، بعضها سليمان بيه أبي وحرمه المصون رقية الكشميري ، بعضها زوجتي المصون مايسة وابنتي المصون منة الله ، سميرة وجلبابها الفقير ، وبجوارها فاطمة وعيناها المندهشتان ، شيرين ونظرتها اللعوب ، حتي العجوز الغجرية المخيفة تصارعهم جميعًا وتخطف لنفسها بطولة مشهدٍ كامل يتوارى فيه حَسن ويتركها وحدَها تسرق الكاميرا ، ها هي كريمة تلومه ، ونبيلة تخاف منه ، ها هي مايسة تفتقد وجوده ولا يكترث ، وها هي شيرين تتألم منه ولا يعبأ ، وها هي فاطمة تتمناه ولا يهتم ، الشرائط تجري وتجري والمَشاهد والأحداث تتلاحق وتتلاحق، وأسماء كثيرة تَظهر، ووجوه نسي أصحابها  تأتي، وكل المشاعر تتجلى، ابتسامات، دموع، فرح، ترقب، حزن، قلق، أمل، يأس ...!
فقط هي التي لم تظهر ولا ثانيةً في أي مشهد رغم بطولتها المطلَقة للكثير منهم ، فقط هي التي احتجبت وتوارت وفرت بعيدًا ورحلت إلى حيث لا أعثر عليها أبدا ، غضبى مني ولن تُريني وجهها مرة ثانية ، أنتفِض من الصقيع والتعاسة غاضبًا من استسلامي المهين لجموحها، لاستبدادها، لرحيلها الموجع ، لن تصفح عن حسن الذي لا أحِبه ولا أعرفه ، لكني لست هو ، أنا آخر ، أكثر طيبةً وأكثر نقاءً، وأكثر حنانًا وأكثر صدقًا ، لست هو صدقيني ، اختبريني ، اسمعيني ، أرجوكِ يا بشرى امنحيني فرصتي الأخيرة لأكون مثلما أتمنى وأستحق ، أرجوكِ انسيهِ وسامحيني!!
الساقية تدور وتدور ، وشريط العمر يجري على تروسها ويجري والمشاعر المتناقضة المتصارعة الغريبة تجري وتجري ، كل شيء أراه أمامي إلا هي، إلا بشرى ، تحتجب عني وتختفي ، تمنع روحها من أن تقترب من روحي ، تحرمني من وجودها ، تعاقبني لأني لم أكن كما تصورتْ وكما تمنتْ ، تعاقِب نفسها بصدِّي وهجري ، تعاقبني لأني ظهرتُ في حياتها في الوقت الخاطيء ، لم أختَر الوقت يا بشرى ولم تختاريه ، دعينا نحاول أن نعثر معًا على الوقت الصحيح ، أكلمها فلا تسمعني ، تفر من حَسن الذي لا أعرفه ولا أُحِبه ، ولا تمنحني فرصتي لتعرفني أنا وتحبني أنا !
البرد يشتد والريح تزأر، وأنين الساقية يتعالى ، أنتحِب أو أظنني أنتحِب ، تنهمر دموع روحي قهرًا ، الحيرة تلتهمني، تنهشني، تسحقني، أتمنى أن تصدقني وتمنحني فرصتي الأخيرة التي أستحقها، لكنها حتى الآن لم تصدقني ولم تعطني أي إشارة أو بشارة تخبرني أنها ستمنحني فرصتي الأخيرة !!! أظنني غفوت وما أعيشه الآن ليس إلا أحلامًا أو كوابيس أو خليطًا منهما  ، أظنني يقِظًا أهذي يأسًا وقنوطًا ، أظنني لا أعرف ما الذي يتعين علىّ ظنُّه !!
تقبض الحاجّة منصفة على ذراعي ، تهزني لأفيق ، تفتح حضنها لدموعي وتلومني ، مِن وانت صغير ساعات بتّوه وتبقي الحاجه قدامك وتدوّر وراك ، دوّر صح يا حسن ومسير اللي يتعب يتجازي، واللي يصبر ينول ، دوّر صح يا ابن الوهيب، إلا تعبك هدَر، وتايه وبتدوّر في الحته اللي عمرك ما حتلاقي فيها حاجه ، دوّر صح يا قلبي إلا التوهة ضنى !!  الرّك مش عليها ، الرك عليك انت ، انقذ نفسك يا ابن الوهيب لنفسك يا حبيبي ، وقبل أن أسألها أين يتعين عليّ أن أبحث لأنقذ نفسي من التوهة والضنى ، ترحل وتتركني ..!!
هامش - الحاج الطوخي 
أجلس قريبًا منه في الركن الدافيء خلف باب الشرفة ، أُنصِت لأنفاسه وأوقِظ نفسي لألبِّي طلباتِه لو أَمَر، لكنه لايأمر، وكأنه زهدَ الحياة ومتعَها، الساعات تسير بطيئة وهو كالتمثال الصخري لا يتحرك ولا ينادي ولا يكترث بي وبكل ما يحيط به ، أتى مع نفسه لنفسه ، هذا آخر ما اهتديت إليه في تفكيري ، سأظل إلى جواره لو احتاجني، لكنه أبدًا لن يناديني ، هو يحتاج نفسَه وفقط، كل شيء يقول إن الدنيا قست عليه وجاء يطبّب روحه ويكويها بالنار، ويتوجع وحدَه ويشفى ..
سنوات لم أره ، منذ رحلت الحاجّة منصفة فتحَ البيت وتقبَّلَ العزاء ورحل ولم يعُد ، سنوات كثيرة لم أره ، وحين أتاني أمسِ كسيرَ العينين، أسيرَ الروح، منطويًا على ذاته، تمنيت لو لم يأتِ وترك لي صورته القديمة في خيالي حفيد الوهيب، كما كنت أتمنى أن أراه قويًا مَهيبًا وريثَ اللقب والسراية والقوة ..!
أراقِبه في صمت ولا أقترِب منه، وأنتظِر أن يناديني لأخدمه، لكنه لا يناديني ، يخرج متسللا ويعود غريبًا، الوقت يقتله، والحيرة تستبد به ، لو أن الحاجّة منصفة كانت موجودة لرعَته وطبّبته وشَفَته مِن عشقه ووجعه!! نَعم لا يسبي الرجلَ إلا عِشقٌ لا يطوله ولا ينساه، هكذا همس الحاج الطوخي لنفسه ، هذا الحَسن عاشق يقهره غرامُه، وتقهره كبرياؤه، وتقهره الحبيبة التي لا تمنحه قلبها ولا يلفظها قلبه ...!
لو تباسَط َمعي في حديثه مثلما كان يفعل صغيرًا ويجلس بجوار التوته الكبيرة ويحكي لي همّه، لو باح وتكلم لنصحتُه وهوّنت عليه وساعدته وأخذت بيدِه، لكنه كبِر علىّ وعلى التوته ويخافني مثلما يخاف الدنيا كلها ، يخاف ضعفَه، ويخاف أن يُظهِره، ويخاف أن يفضحه، ويخاف أن يقهره فيصمت ويتوارى!!
هذا الحَسن عاشق، فلا يكسر الرجالَ ولا نفوسَهم الا عشقٌ مستبِد، عشق مالح كماء البحر لا يَروي ولا ينصِف، عشق طاغٍ  مرير كالحنظل لا يشفي ولا يسعد!!
أراقبه منذ وطأت قدماه أرض الحديقة بخطواته المرتبكة، والاثقال التي تنوء بها كتفاه وروحه ، نظرته الحيرى تبحث عن إجابات لأسئلة تَستعصي عليه ، اختلاجات وجهه الشاحب تكشف علته ودواءها ، تفضح عجزه وهو الطبيب المداوي عن علاج روحه ، فلا روحه تعود له ولا تغادره، ويبقى في برزخ الوجع معلقًا يتعذب !!
لو تناديني يا ابن الوهيب وتبوح لي بما يوجعك لساعدتك ، لا تستهِن بي ، فالشيخوخة والهرم والسنوات الكثيرة تملك إجاباتٍ لأسئلتك الحائرة ، والعاشق الحيران لا يفهمه إلا مَن خَبِر العشقَ وتعذّب به ، اسألني أنا ، عمّك الطوخي العجوز !!
 ( 16 )
" مولد السيدة "
صباح الخير يا هانم ، ولا اقول يا بشرى؟؟ استيقظتُ مبكرًا أفكر فيها وأتمنى أن أراها، أفتقِدها وأفتقد الدفء الحاني الفياض بوجودها ، استيقظتُ أفكر فيها مرِحًا سعيدًا وكأني قابلتها وجلست معها ونهلت من فرحتي بقربها ، سأتصل بها وأشاكسها وأغازلها وأخبرها أني أتمنى لقاءها ..... صباح الخير يا هانم ، ولا اقول يا بشرى؟؟ صمتٌ طويل، وحيرة متوجسة، وردٌ تمنيته لم أسمعه ، انا كنت باتطمن عليكي ، عامله ايه النهارده؟؟ كويسة يا دكتور ، الحمد لله ياهانم ... وتيجي نروح مولد السيدة؟؟ أراها بروحي وأسمع صهيل ضحكاتها منعِشةً كأمطار باردة في يوم قائظ ، يا خبر يادكتور وهو حضرتك عندك وقت ؟؟ مالكيش دعوه بالوقت ، تيجي تروحي مولد السيدة ؟ ولم أترك لها فرصة تعتذر ولا مبررًا تهرب ، الساعه سبعه حأمُر عليكي ، اتفقنا؟؟
وأنهيت المكالمة، ومكالمات مايسة وشيرين تلاحقني رنينًا مزعجًا سخيفًا يشتت أفكاري ، ايوه يامايسة ، عندي شغل متأخر النهارده،  نامي وماتستنينش !!  ايوه ماتستننيش سلام !! رنين مزعج يلاحقني ، ايوه ، فيه ايه يا شيرين خمسين مكالمة ؟؟ كلام كثير سريع متلاحق لا أكترث به ولا أعيه ، بقولك ايه  مش فاضي النهارده خالص ، فهمتي ؟؟ لا يعجبها كلامي ، تهمس بميوعة بكلمات شوق سخيفة ، نعم أحسها سخيفة ، أصرخ بكلام أكثر سخفًا لأحرجها ما تلِمّي نفسك!! وأضحك هازئًا مما تقوله ، استحملي لبكره ، تتحدث بسرعة وتشرح وتقول وتتساءل ، أكاد أُنهِي المكالمة مللا ، أزفر الأنفاس الغاضبة وأشعر بصبري ينفد وكأني على وشك انفجار ، ورايا ايه يعني ايه؟؟ أكاد أسبها وألعن أباها ، مين انتي لتحاسبيني ؟؟ بقولك ايه يا شيرين ، انسيني النهارده خالص ، مفهوم ؟؟ وأكاد أُلقي التليفون وأحطمه غضبًا من ملاحقتها السخيفة ، الليلة لا تخصك، وليس من حقك أن تسأليني عن أي شيء لا أرغب أن أخبرك به ، هو انتي نسيتي نفسك يا بت ولا ايه ؟؟ وأُنهي المكالمة وأُغلِق الخط في وجهها!!  
أهديء نفسي وأتنفس ببطء، وأعود بظهري في حضن مقعدي الوثير، وأُغمِض عيني وصدى التكبيرات والذِّكْر وصخب المولد وصراخ الأطفال يراودني ويسعدني ، يلفُّني ويخطفني لليلة مختلفه المذاق والمعنى ..
أضرِب الجرس فتدخل كريمةُ الغرفةَ ، افندم ؟؟ الغي المواعيد المتأخرة ياكريمة ، عندي عمليه ، حانزل على الساعه 6 .. تهمس بصوت بارد رخامي ، فعلا ؟؟ وبحزن وانكسار ، حاضر يا دكتور اللي تؤمر بيه ، وألمح حيرة على ملامحها وفضولا يكاد يقتلها، وتتمنى تسألني مالك فيه ايه؟؟ لكنها تعرف ما سيصيبها لو تجرأت ونطقت فيما لا يعنيها !!! وأتجاهلها حتى تَخرج من الغرفة وتغلق الباب خلفها وعيني ما تزال مغلقة وأنوار المولد وألوانها تسطع تحت جفوني، وقلبي يتراقص من الفرحة و..... شالله يا رئيسة الديوان يا ام العواجز ، شالله يا بنت بنت النبي ، شالله ...
هامش - بشرى
سأرتدي فستانًا قطنيًا خفيفًا ، سأعقف شَعري بشريط ملون ، سأرتدي حذاءً رياضيًا ، سأصلّي في المقام وأدعو السيدة  تهوّن الحزنَ على قلبي وروحي  ، انتبهت لِما أقوله وما أشعر به وتناقُضِه ، أتذهبين مع الدكتور حسن للمولد وتسلمين روحك لصخبِه وفرحته وضجيجه وزحامِه؟ وفي المقام تتمنين تهوين الحزن؟؟ أين الحزن يا بشرى أيتها الكاذبة؟؟ هل تتحدثين عن حزنك على زوجك الذي رحل منذ ستة شهور؟؟ وهل الأرملة الحزينة يا بشرى تذهب للمولد بصحبة صديق زوجها؟ وترتدي فستانًا قطنيًا خفيفًا وحذاءً رياضيًا؟؟ لقد رحل الحزن فعلا عن روحك وقلبك ونسيتِه ونسيتِ وجعَه ؟؟ نسيتِ الحزن ونسيتِ رحيم، وتعيشين حياتك حُرةً لأول مره منذ طفولتك، وتستمتعين بتلك الحرية، ولو بدت لك عابثةً قليلا أو جامحه بعض الشيء ، أبوكِ رحلَ بسلطته عليكِ، وزوجك رحل بقواعده وما يصِح وما لا يصِح، وأنتِ الآن تعيشين حياتك المؤجلة واحلامك الصغيرة ، لا تكذبي على نفسك ، رحيم مات وانتهت قصته مهما أنكرتِ، وأنتِ تعيشين الآن قصة جديدة وبمنتهى السعادة ، هل أزعجتُكِ وفضحت سِركِ وكشفتك أمام نفسك؟؟ هل غضبتِ مني لأني أصدقكِ القول؟ ولأني أُنبّهكِ لِما تعيشينه وحقيقته؟؟ اغضبي كما تشائين، لكني أدرك ما أنت فيه وما أنت مقبِلةٌ عليه ، الدكتور حسن أفلح فعلا يا بشرى في أن يتسلل لحياتك برقةٍ وهدوء، وأَجبركِ أن تفكري فيه وفي لطفِه واهتمامه ورقتِه ، أفلح في أن يتسلل لحياتك، وربما أنتِ فتحتِ له الأبواب على مصراعيها ، قلتِ لنفسك الحَي أبقى من الميت، وإنكِ تعانين الوحدة وتحتاجين الونَس، وإن الأمر لا يعدو بعض الصداقة وبعض الونس ، افتحي عينيك جيدًا وافهمي ما يحدث ، ليست صداقة، وليس بعض وَنَس، ما تعيشينه له وصفٌ آخر، ومعنى أعمق من كل الأكاذيب التي تكذبينها على نفسك !!
انفجرتُ باكيةً لا أُصدق ما أسمعه ، صوت يأتيني من مكان بعيد في روحي يؤنّبني على سلوكي وتصرفاتي التي لا أقصد معانيها الفاضحة التي يحكيها لي الصوت الهامس ، فجأة وكأن رحيم عاد للحياة ويرمقني بنظرته التي أكرهها وهو يُملي علىّ ما يصِح وما لا يصِح ، ولا يصِح يا بشرى أيتها الأرملة الوقور أن تخرجي بصحبة صديق زوجك، ولا أن تذهبي معه للمولد بصخبِه وضجيجِه وفرحتِه وانفلاتِه الكَريه !!
انفجرتُ باكيةً أنتحِب لأن قيودي أقوى مما أظن، ولأن عقلي مكبَّل وروحي أيضًا بكل الأوامر والنواهي التي تربيت عليها وشببت تحت إطارها وأُسِرت في قيودها ، الأصول تقول والعادات والتقاليد تقول، وهذا يصِح وذاك لا يصِح و.... أبكي وأبكي، وأُقرر بحسمٍ وخوف ، سأتصل بالدكتور حسن وأعتذر له عن مقابلته والخروج معه ، لن أقول له إني متعَبة لأنه سيأتي بأجهزته واهتمامه ليفحصني وينظر لي نظرته اللائمة لأني بخير ولا أعاني شيئًا ، سأقول له إني أنتظِر زيارة عائلية مفاجِئة ، سأقول له إن عكره المزاج لا أرغب في الخروج ، سأقول له إني أنتظِر أُمي التي قررت أن تأتيني في زياره مفاجِئة ، سأقول له أي عذرٍ أهرب به من المولد ومنه و..... ما زلت أبكي وأبكي، وقيودي تخنقني، وصوت رحيم يلاحقني في المنزل الخاوي من غرفةٍ لغرفة يهمس ما يصحش يا بشرى ، ما يصحش يا بشرى! وأهز رأسي مغلوبةً على أمري ، حاضر يا رحيم ، حاضر ...!
( 17 )
" ليه؟  "
كنت أظنه يمازحني بغيابه ، يختبر شوقي وصبري ، وأني سأستيقظ من نومي في النهار الثاني لأجده بجواري، وذراعه ملقاة على ظهري، وملابسه مبعثرة على أرض الحجرة ، كنت أظنه يمازحني باختفاءٍ مزعوم وعودةٍ غير متوقعة ، يلعب معي ، يكسر الرتابة والملل ومشقة الحياة وهموم العمل ، كنت أظنني سأستيقظ من نومي على صوت أنفاسه وشخيرِه ، كنت سأصرخ فيه ، انا زعلانه منك يا حسن ، وأنهال على ظهره لكمًا ، كنت سأعضُّه غضبى لأنه خلع قلبي وهدد أمانيَّ وأشعرني أنه خرج ولن يعود، وأني فقدته للأبد ، كنت سأقسِم برحمة أُمي ألا أُصالحه وأنا كاذبةٌ أعرف أني سأصالحه قبل أن يعتذر لي وأصفح عنه قبل أن يشرح لي لعبته المجنونة و" افهميني بس يا مايسة " ، كنت أظنه سيملأ الغرفةَ بورودٍ بيضاءَ وزنبق توقظني رائحتها الجميلة،  فكرت وقلت ربما يعود بهديةٍ ماسية ويطلب مني أن أترك منة الله مع أُختي وأسافر معه شهرَ عسلٍ جديدًا نعيد فيه تجديد مشاعرنا التي جمّدتها ظروف الحياة وانشغاله بعمله وإرهاقي في تربية منة والتدريبات وحصص الباليه ، هذا ما فكرت فيه قبل أن أنام ، وأنا أكاد أُجَن من اليوم الغريب الذي قضيته لا أصدق ما أعيشه، أبحث عنه بلا جدوى وبلا طائل ، بل جُنِنت فعلا ، عاجزة عن فهْم ما يفعله حَسن ، قصاصة ورقٍ تافهة وكلمات باردة ومبلغ كبير في حسابي بالبنك وتليفونات مغلقة!! جُنِنت من كل هذا ومنه ، قابعة في فراشي طيلة الليل أنصت لصوت الباب والمفتاح الذي أنتظره يَفتح به البيت ويدخل ، وقت طويل مَر وأنا أُنصِت لِما لا يحدث ، وفي النهاية غفوت متعَبةً مرهَقة واثقة أني سأستيقظ وأجده نائمًا بجواري ، توعدته حين أوقظه بخصام طويل عقابًا له على إفزاعي وترويعي ، غفوت والكوابيس تنهشني ، وحين فتحت عيني في الصباح لم أره بجواري، ولم أرَ الورود البيضاء، ولم أشُم رائحته، ولم أرَ ملابسه مبعثرة على أرض الغرفة ، وجدت كل شيء مرعبًا مثلما تركته قبل أن أنام ، انفجرتُ باكية خائفة فزِعة ، حَسن لا يمزح ولا يمازحني، وليست لعبة ولا فزورة ، حَسن رحل عن حياتي فعلا ولن يعود ، ليه يا حسن هو حصل ايه ؟؟ ليه يا حسن تعمل كده؟ ليه؟ ليه؟ هو حصل ايه؟ انا عملت ايه ؟؟
هامش -  رقية
الهلاوس التي تركَها لي سليمان وقتما مات، وأسكنها عقلي وتركها تتحدث معي وتحدثني وتنصت لي وأنصت لها صارت هديته الغالية الوحيدة التي تصبِّرني على فراقه ورحيله وموته، وعلى الحياة وحيدة هرمة خرفة أعيش وحدي وخادمة بلهاء وذكريات موجعه وموت لا يأتي ...!
الهلاوس التي تركها لي سليمان هدية وسلوان غيابه ، أفسدت عقلي وأسعدت حياتي وهوّنت غيابه وقوّتني على تحمله ، كنت أحِبه وكان زوجي ولم أكن حبيبتَه أبدا ، تشاجرت معه ليحبني فكرهني أكثر ، طلبت الطلاق فسخِر مني لأني مجنونة ، أنجبت حَسن ولم أنجب غيره ، منحته حَسن وقتما ظننته يحبني ، حسن ابن حبي وابن عمري ، وحين اكتشفت أني مجرد زوجته التي اقترنَ بها لينجِب أطفالا ويكوّن أُسرَة بخلت عليه بالأطفال مثلما بخِلَ علىّ بالمشاعر ، عاش يعذبني بصدِّه، ومات بعد ما ترك لي هلاوس غريبة أَسكَنها عقلي ورحل، وكأنها اعتذاره عن كل ما أوجعني وزاد صبري على فراقه ...!
منذ وفاة سليمان وحياتي وحيدة أنا وهلاوسِي ، أتصوره يعود من الخارج يحتضنني ويقبِّلني ويعترف بحبي، ويطلب مني أن أنجب له عشر بنات يشبهنني، وعشرة أولاد يشبهون حبه لي ، أتصوره يقبض على كفي لا يتركها، وأنام على ذراعه وفي حضنه، وقُبُلاته الدافئة تنهال كالمطر فوق شفتَي ، هلاوس سليمان استبدت بعقلي وتمكنت مني بعد ما أحببتها وسكنت فيها ، ولم يعد الأمر رغم موته أني أتصوره يحبني ويبثني شوقَه ويهدهدني ويدللني ، بل صرت أراه حيًا معي ، يسير بجواري وينام بجواري، ولا يأكل إلا معي ولا يبارحني، هلاوسي الجميلة أعادته حيًا رقيقًا محِبًا مخلصًا حانيًا لحضني وحياتي!! نعم   نسيت اسمَه مِن وطأة الهلاوس، لكنه لم ينسَ اسمي ، نسيت اسمَه ثم نسيت الأسماء كلها ، نسيت شكله ثم نسيت الجميع ، صار سليمان غريبًا، وصار العالم كله غريبًا ، إلا حَسن ..!
حَسن هو ابن حبي لسليمان ، يأتيني بعض الأحيان لطيفًا حنونًا، ويغيب كثيرًا جاحدًا باردًا ، يأتيني أحيانًا مع سليمان وسط طوفان الهلاوس يضحكان ويتحدثان ويحملانني على أذرعتهم القوية يؤرجحانني في الهواء فأضحك ويضحكان ، ويأتيني أحيانًا في الحقيقة ، يجلس بجواري ويربت على كتفي ويحتضن وجهي بكفيه، ويقبِّلني ويهمس بكلمات لا أفهمها، لكن معنى الحب هو المعنى الوحيد الذي يخرج من قلبه لقلبي ..
أمسِ أو ربما أول أمس ، لا أتذكر ، أتاني حسن بباقة ورودٍ بيضاءَ ، أوصى الخادمةَ التي لا أذكر اسمها ، قبَّلَ يدي وطلب مني ألا أغضب منه لو غاب ، تمنيت أن أرد عليه لكن الكلمات تاهت والمعاني ضاعت ولساني يتحرك بين شفتَي لا يقول ما أشعر به ، تمنيت أن أقول له إنه ابن حبي ولا أغضب منه، لكني أشتاق له وأطلب منه ألا يغيب عني وألا يطيل بُعدَه ، تمنيت ولم أفعل ، لم أعثر على الكلمات التي أرغب في قولها ـ ابتسمتُ له صامتة واثقة أنه سيفهم كل ما أرغب في قوله ، وعدَني أن يزورني في الهلاوس مع سليمان ويقضي معي من الوقت ما يستطيعه ، قال كلامًا كثيرًا في الحقيقة والهلاوس ، حاولت وحاربت مع لساني وأفكاري وهمست أنت حبيبي ، ابتسمَ ابتسامة جميلة وقبَّلَ رأسي وودَّعَني ، واختفى ، لوّحت له أودِّعه وأوصيه على نفسه ، قلت له لا تتأخر في هلاوس سليمان، قال أنا معك فعلا أنا وسليمان ، ضحكت وقلت الهلاوس جميلة تحقق لنا ما لا نقوى على أن نحققه في الحياة الموجِعة ، سألني ، وهو ضروري تبقى الحياة موجعة؟؟ في الهلاوس رددت عليه بكلام كثير لا أذكره ، فقط سألته امتى قلبك نوّر بالحب يا حسن ؟؟ ابتسم ابتسامه ساحرة وقال لما طلع لي قلب يا ام حسن!! ما تغيبش علىّ يا حسن ، انت حبيبي حبيبي ، ضحكَ ، أضفتُ  حبيبي وابن حبيبي واللهِ يا حسن!!
 ( 18  )
" حرِّص على بتّك  "
اقتربت العجوزُ الغجرية بملابسها الغريبة، والكحل الثقيل في عينيها، وطابع الحُسن الأزرق الموشوم على ذقنها من نافذة سيارته ، ابتسمت في وجه حَسن ابتسامة غريبة لم يدرك معناها، تَصورها تتسول فبحث بسرعة عما ستجود به يده ليدها ، دَفعت يدَه برقة تبعِدها عن وجهها وفحّت بصوت مخيف ، حرِّص على بِتّك يا ضنايا ، الا ربك ما بيسيبش!! ارتجف قلبه خوفًا وصمتَ طويلا، وسرعان ما تَظاهر أنه لم يكترث بما قالته الخرفة، لكنه أبدًا لم ينسَه!!
هامش -  حسن
اتركي ابنتي وشأنها أيتها العجوز الخرفة ، ابنتي صغيرة بريئة لا شأن لها بي وبحياتي واختياراتي وما أعيشه، ولن تحمل ذنبي ولن تسدد دَيْني ، لو أنكِ غضبى مني كلميني أنا ، حذريني أنا مِن مصيري الأسود ، لو أنك خائفة علىّ نبهيني أنا ، انصحيني أنا ، خذيني في حضنك واهمسي في قلبي وروحي بما ترينه ينقذني من مصيري الذي يخوّفك ، اتركي ابنتي وشأنها أيتها العجوز الخرفة ، إلا منة .. أرعبتني العجوز بحديثها ، لم ترعبني فعلا  لكنها وتَّرَتني ، أفسدت مزاجي ، أغضبتني ، عجوز غبية ، أكره الغباء وبالأخص المرأة الغبية ، تفلح وبسرعه في أن تفسد مزاجي وتوترني وتخرجني من حالتي اللطيفة التي أعيشها ..
مخيفة وغبية تلك العجوز ، أحسستها تحذرني من عشق بشرى، وانكسار مايسة، وقهر شيرين، وضياع فاطمة، وحزن كريمة، و.... لا أذكر بقية الأسماء ولا وجعهن ، أحسستها تحذرني من نفسي ، أحسستها تذكّرني بجرائمي التي أعيشها كل ليلة وطيلة عمري، بمنتهى الضمير المستريح والقلب البارد والاعتياد البليد.  
فكرت أن أعود بالسيارة وأبحث عنها ، لن أوبخها ولن أتشاجر معها ، فقط سأشرح لها مشاعري وأني لا أقصد إيذاء أي منهن ، سأشرح لها أني رجل كباقي الرجال، وعليها إذا لم تصدقني أن تسأل سليمان الوهيب!! سأشرح لها احتياجاتي التي لا تلبيها أي منهن وحدَها ، كل منهن تعيش جزءًا مني ويكفيها ، وأنا لا أعيش أيهن، ولا تكفيني أي واحدة منهن وحدَها، وأحيانًا أشعر أن كلهن أيضًا لا يُشبِعنني ، جزء مني يزيد عن رغبات مايسة التي يكفيها حضن وليلة عشق وبعض الاهتمام ، جزء مني يزيد عن احتياجات شيرين التي يكفيها سهرة صاخبة، وهدية غالية، ونظرات نهِمة، ولعاب يسيل على صدرها ، جزء مني يزيد عن أحلام فاطمة التي تكفيها نظرة إعجاب، وبعض الشوق البارد، ومكالمة تليفون ، جزء مني عبث مع كريمة وعاد وترفَّع ، جزء مني حلم بسميرة واشمأز ، بعض مني يزيد عن احتياجات بشرى!  
انتبِه يا حَسن ولا تكذب على نفسك ولا على العجوز ، انتبِه جيدًا وأنت تتحدث عن بشرى ، إلا بشرى ، لا شيء أبدا يكفيها ، نظراتها تفضحني وكأنها تقول لي أعرفُ أنك تمنحني جزءًا منك وتفر ببقيتك، وأنا لن أمنحك كُلِّي إلا لو منحتني كُلَّك ، بشرى التي لا يرضيها شيء ولا يكفيها جزء مني ولا اثنان ، تهددني بالحرمان من جنة وجودها ، تهددني برقةٍ تشبهها تطردني من فردوسها ، وأتظاهر بالغباء وكأني لا أفهم وأفر من نظرات لومِها وكلمات وجعها، أهرب وأنا أتمنى أن أعود، وأتمنى أن أمنحها كُلِّي، وأسرقها كلها، لكني عاجز عن تحقيق رغباتها، وهي رافضة ومتمردة على رغباتي، لكني سأفلح معها وإن طال الزمن، سأجبرها أن تقنَع ببعضي وتترك البعض الآخر لا شأن لها به !! سأفلح معها وإن طال الزمن!!
كل هذا سأشرحه للعجوز ، سأشرح لها أني لا أستحق لومَها ولا غضبها ولا تحذيرها ، أنا رجل مثل كل الرجال ، لكن كيف ستفهم العجوز الغجرية كل هذا؟ مَن هي لتفهم سر الدكتور حسن وتلافيف نفسه وأفكاره التي يرتبها؟ ونفسه التي لا يمنحها لواحدة فقط ولن يمنحها أبدا؟ كيف تفهم العجوز أن للرجل وجوهًا كثيرة؟ وأن ينبوع امرأةٍ واحدة أبدًا لم  ولن يفلح في أن يروي أطراف حديقته الشاسعة؟ كيف تفهم العجوز كل هذا؟ لا تفهم ولن تفهمني، وستتصورني أُوجِعهن وأنا لا أرغب أبدًا في وجعهن ، تتصورني أؤذيهن وأنا أبدًا لا أرغب في إيذائهن ، هي لا تفهم أنهن اللاتي يوجِعن أنفسهن، ويؤذين أنفسهن وقتما تقرر كل واحدة منهن أن تنبش خلفي وتبحث في أسراري، وتتمنة هتْك حُجُبي ، وقتها ستجد كل منهن ما لا تتحمله ولن تتحمله ، أغمضي عينيك يا حبيبتي، واسكني في حضني، واقبلي بفرحة ورضا ما أمنحه لكِ ، وقتها ستعيشين السعادة التي تتمنينها وأكثر، سأعود بالسياره للعجوز وأقول لها إني أبدا لا أؤذيهن، ولا أجرحهن، ولا أخونهن ، نَعم لست خائنًا ولاعابثًا ، أخون أيًا منهن لو كنت منحتها روحي ثم سرقتها منها ، لكني دائمًا  أمنحها جزءًا من نفسي وأكتب عليه اسمها وأُبقيه لها، ولا أعتدي عليها أبدا وأمنح غيرها ما منحته لها ، أين الخيانة إذن؟؟ سأعود للعجوز غدًا وسأبحث عنها، وعندما أعثر عليها سأشرح لها ما لا تفهمه ولو عجزتُ عن الشرح سأنادي لها سليمان الوهيب ليشرح لها بطريقته البسيطة كل ما شرحه وأفهمَه لي ، لو شرح لها سليمان الوهيب الحكاية أولها وآخرها ، ستفهم وتصمت ، ستدعو لي بالستر، ولابنتي بالفرحة، وتكف عني أذاها وتهديدها، العجوز الخرف أيضًا لا تفهم شيئًا !! مَن سيفهمُكَ في هذا العالم الغبي يا حَسن؟؟


نهاية الفصل الثالث
ويتبع بالفصل الرابع

تعويذة العشق والدموع ... الفصل الرابع


الفصل الرابع

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادفَ قلبًا خاليًا فتمكنا ( 4 )


(  19 )
" ما تخافيش مِني "
انتي خايفة ؟؟ سألني فجأة ، ارتبكتُ ولم أجد إجابة ، لا ، همستُ بصوت مرتعش ،  ضحكات متلاحقة ساخرة عالية ونظرة حنان ، انتي خايفة يا بشرى؟ بتحدٍ وغضب لأنه رأى ما أُخفيه ، افرض!  نعرف انتي خايفه من ايه، ونحاول نخليكي مش خايفة ، أتمنى أبكي، لكني أخاف من دموعي ومِنه ...
يجلس في غرفة الصالون وأمامه فنجان القهوة ، استقبلتُه بثوبي الاأسود ووجهي الشاحب وعينَي الحمراوين ، أتاني منزعجًا بعد المكالمة المقتضَبة التي اعتذرتُ فيها بصوت متحشرج عن الذهاب معه للمولد ، لم يسألني في التليفون عن سبب اعتذاري ولم يلاحقني بإصراره على معرفه السبب ، فقط قال بصوت حانٍ إنه سيزورني في أقرب وقت للاطمئنان علىّ ، وها هو أتى بعد ثلاثة أيام تركني أفكر فيها مع نفسي ، أفكر وأبكي ، أتى بعد استئنذانٍ تليفوني رقيق ، دخلَ في الموضوع مباشرة ، انتي خايفة يا بشرى !! أتمنى أن أبكي، لكني أخاف من نفسي ومِنه ، سيحتضنني ويهدهد روحي ، انتي خايفه من ايه ؟؟ مني؟؟ لا بد أن أُصارحه وأُصارح نفسي بكل ما أشعر به ، بصراحه خايفه جدا، ضحكاته المتلاحقة الصاخبة ترسم على وجهي ابتسامة رغم معاندتي وإصراري ألا أفعل ، ليه يا بشرى ؟؟ انت راجل متجوز وعندك بنت وانا ..... قاطعني ، ماتخافيش مني والله ، لماذا أصدقه؟ نعم أصدقه ، أتمنى أن أقول له إني لا أخاف منه ، أخاف من رحيم ولومِه الذي لا ينقطع ، أخاف من العائلة وأُمي ، أخاف من المجتمع الذي سيصِمني بما لا أستحقه ، لا أخاف منك يا حسن لكني أخاف من كل شيء آخر ، أتمنى أن أخبره بدفين مشاعري ، لكني أصمت وأنتظِر بقية حديثِه ، ماتخافيش مني ، دي الحاجه الوحيده اللي اقدر اقولها لك دلوقتي ، ماتخافيش مني،  بقيه الكلام المهم نبقي نقوله في وقت تاني لما تهدي!! وترك فنجان القهوة دون أن يمسسه، واستأذنَ وغادرني وصدى صوتِه يتردد في روحي ، ماتخافيش مني!!
ازاي يا حسن مااخافش منك ؟؟؟ ومراتك وبنتك والناس ورحيم  وماتخافيش مني والله ، ماتخافيش مني!! وأبكي مقهورةً عاجزة عن التفكير والتصرف ، وكأني ما زلت في المَدرسة أتعثر في كل القيود التي نسَجَها الجميع حولي كخيوط العنكبوت تقيدني ولا يراها ولا يشعر بها غيري  ، الخوف يتملكني من أبي وأُمي، والعائلة والأقارب، والغرباء وكل الناس ، الخوف يتملكني فلا أملك إلا دموعي أذرفها ساخنة، أتمنى عونًا لا أعرف مِن أين سيأتي ولا متي؟؟ ماتخافيش مني والله ، ماتخافيش مني يا بشرى، وأتمنى أن أقول له حاضر  لكني لا أقول !!
هامش - حسن
أنت كاذبٌ ومراوِغ يا حسن، لكنك بارع حتي كدت أُصدقك ، هذا الصوت أعرفه ، إنه صوت سيادة الدكتور سليمان الوهيب ، جلس بجواري في السيارة وأنا ذاهب لشيرين لأسهر معها  وتليفوني مغلق لأني مشغول بالعمليات المهمة كما تظن مايسة ، كاذب ببراعة ، يضحك ويضحك ، أهز رأسي نفيًا لست كاذبًا يا دكتور سليمان ، ينظر لي بطرف عينِه ، أضحك ، مش قوي يعني، يضحك وأضحك وأُكمِل سيري مسرعًا في الشوارع المزدحمة، لكن عينيها تلاحقانني وكأنهما يرغبان أن يخترقا جمجمتي بحثًا عن الحقيقة ، يودِّعني الدكتور سليمان ويتمنى لي وقتًا لذيذًا مع عشيقتي المثيرة ، أودّعه وعلى طرف لساني قول لم أَجهر به ، لست كاذبًا يا دكتور سليمان ..
شعور غريب يجتاحني حتى أتمنى أن أعود لها وأقسِم لها أني لست كاذبًا علّ الدكتور سليمان يصدقني ، يُدخِل رأسه من نافذة السيارة وأنا أركنها أمام البار الذي سأقابِل فيه شيرين ، يُدخِل رأسه ويهمس ، المهم انت تصدق نفسك !! أُلقي مفتاح السيارة للمنادِي الذي يهلل مرحبًا بي وألوِّح لطيف الدكتور سليمان مودعًا وأنا اؤكد له أني لست كاذبًا ، ربما كاذبٌ بعض الشيء لكني لن أكون ، أعِدك!! وأَدخل البارَ بوجهي العابث، وأفتح حضني لشيرين ومجونِها، وأطرد بشرى وعينيها من البار وأزجرها؛ لأن السيداتِ المحترمات مثلها لا يليق بهن التواجد في مثل هذا المكان وسط الساقطات، وأغضب جدًا لأنها تسللت من خلف ظهري لهذا المكان المنحَط !!
 ( 20 )
" أين أنت يا حسن ؟؟"
سألني أبي ، مالك يا مايسة؟؟ فكرت لثانية أن أقول له إن حسن اختفى ولا أعرف مكانه ، لكني جبنت وخفت من أبي ورد فعلِه العنيف ، ولا حاجه، مصدعه شويه ، ألح أبي ، يعني كله تمام ؟؟ أيوه .. وأنهيت المكالمة بسرعة قبل أن يختنق صوتي ببكاء العجز!!
أين أنت يا حسن؟؟ ها هو اليوم الثاني أوشك أن ينتهي وأنت ما زلت غائبًا ، يبدو أنك فعلا كنت تتصرف بجديةٍ لم أصدقها في البداية ، يبدو أنك رحلت بغير رجعةٍ دونما تفسيرٍ أو شرح ، كالأسد الحبيس في قفص ضيق أدور وألُف حول نفسي ..
تطلبني كريمة تسألني عن الدكتور، أقول لها بخير، وأنهي المكالمة بسرعه قبل أن تسألني بخير ازاي ؟؟
أتخبط ككُرة الإسكواش بين الجدران الملساء ، أبحث عن أي شعاع يهديني وسط الظلام الدامس لأي فكره تنقذني من جنوني الذي يتسلل ببطء لعقلي ورأسي ، وكأني أعيش كابوسًا، أصرخ وأتمنى أن أستيقظ منه ، كأني أرى فيلم رعبٍ يخطفني أشراره من طمأنينتي ويلقون بي في الفراغ المرعب وحيدةً فزِعة ، أُحلِّق في الفراغ وكأني بالونة هيليوم أفلت رباطها من أصابعَ صغيرةٍ فحلقت في السماء صوبَ اللاشيء ، أبحث عن حسن الذي ما تصورت أبدًا أنه سيبعد عني ، أبحث عنه في عالمه الذي لا أعرفه ولم يسمح لي أبدًا بالاقتراب منه ، أحاول أن أكتشفه من أول وجديد ، أحاول أن أكتشفه بحق وليس بما سمح لي قبل ذلك باكتشافه ، قاسٍ لحد لا يمكن أن أصدقه عنه ، قاسٍ لحد أنه تركني أحترق بحيرتي غير مكترثٍ أو عابيء ، قاسٍ لحد أنه ضَن علىّ بالشرح والتفسير ، قاسٍ لدرجة أنه يوجعني وهو يعرف غير مهتم ، كيف تفعل بي ما تفعله الآنظ تختفي وتتركني عاجزةً عن الفهم وعاجزةً عن التقبّل ، وعاجزةً عن الشرح للآخرين الذين يسخَرون مِني وأنا قليلة الحيلة بلهاء ؟؟
ما زلت في القفص الضيق الذي يزداد ضيقًا وتقترب قضبانه من جسدي المعتقل أكثر وأكثر ، تضغط علىّ ، تخنقني ، تضيق أكثر وأكثر ، ابتسامته الساخرة تَظهر لي وكأنه يغيظني ، هو حيث أراد وقتما أراد، يعيش ما رغبَ فيه بمنتهى الأنانية، وليذهب العالم كله للجحيم ، وأنا محبوسة محتجزة معتقَلة في بيته مع ابنته، مع مشاعري وحبي وخوفي وعجزي، بلهاء ساذجة أفكر  فيما لا أعرفه، وأحاول أن أكتشف ما تَعمّد أن يخفيه عني ، هل تعاقبني يا حسن على خطأ لا أعرف؟ه ولا تكترث حتى لتشرح لي خطأي؟؟
صرختُ فجأة ، هو لا يعاقبني ولا يغيظني ، هو في الحقيقة لا يكترث بي ولا يفكر فيّ ، أنا جزء مما يهرب منه ، وربما كنت أنا التي يهرب منها بالأساس ، لا يكترث بي، ولا يفكر فيّ، ولا يعاقبني، ولا يكافئني، أنا لست موجودةً معه وعنده ، أنا شيء تركَه ورحل ، مثل العيادة والمَرضي والنقود التي في البنك والسيارة !!
أين سيارته ؟؟ هل سافر بها ؟؟هل تركها وتحرك بغيرها حتي لا أتتبعه منها ومِن خط سيرها؟!!
ضحكتُ ضحكًا هستيريًا ، أراني مخبِرًا بنظارة سوداءَ ويخفي وجهَه بجريده بالية، ارتدى معطفًا قديمًا وهو واقف تحت المطر أمام عيادته علّني أراه وأسير خلفَه وأعرف سره وأقبض عليه ، ضحكٌ هستيري مجنون أخافني على نفسي وعقلي ، كوابيس تطاردني في يقظتي وأفكار حمقاء تقبض على رأٍسي، وضحك أحمق يداهمني، لقد جُنِنت فعلا ، هل هذا ما ترغب فيه يا حسن ، أن أُجَن؟؟ أم أنك لا تكترث بي أساسًا؟ وحتى لو جُنِنت فلتذهب للجحيم يا حسن ، فلتذهب للجحيم أنت وأسرارك وغموضك ورحيلك واختفاؤك ، فلتذهب للجحيم أيها الأناني المجنون!!
أين أنت يا حسن؟؟ ضحِكٌ هستيري يتردد صداه في جنبات الغرفة المغلقه المحتجزة فيها أنا، ومخاوفي، وجنوني !!
هامش - فاطمة
سألتني زميلتي في المحل ، مالك يا بت ؟؟ حيكون مالي يعني ؟؟ بعصبيةٍ وغضب انفجرتُ فيها لا أُطيق سؤالها ولا كلامها ولا حياتي كلها!!  قفزتْ بعيدًا عني ، أتاني مدير الوردية غاضبًا ، افردي بوزك يا بت ، فتحتُ فمي على مصراعيه، ورسمت ابتسامة مجنونة على وجهي، وسألته بعصبية ، حلو كده؟ أشاح بيده في وجهي ، اعدلي وشك يا بت لاعدلهولك ، أغلقت فمي ومحوت ابتسامة الزيف ولمعت الدموع في عيني ، لا ده انتي حالتك صعب قوي ، خدي اجازه احسن لك ، انفجرت فيه بصوت خفيض وغاضب ، على حساب مين؟ على حسابك ؟؟ بقولك ايه والنبي تحل عني الا مش ناقصه رواقة ، صرخت فيه فابتعدَ عني وهو يظنني مجنونة!!
في الحقيقة ، ظنُّه في محله ، لقد جُنِنت فعلا ، دخلت لغرفة تغيير الملابس وانفجرت في البكاء ، أحِس قهرًا رهيبًا لا أعرف له حلا ولا خلاصًا ، أُدرِك أني مجرد بائعة حلويات على قد حالي، وأنه الدكتور المشهور بالغ الصيت ، أدرِك أن الفارق بيننا هو الفارق بين السماء والأرض ، أدرِك هذا منذ اللحظة الأولى، ويدرِكه هو أيضًا ، لِمَ اقتربَ مني؟ لِمَ رفع بيننا الحواجز؟؟ لِمَ هدمَ الجدران العالية؟؟ لِمَ تباسَطَ معي وغازلني وبثني شوقَه وهيامه ؟؟ لماذا انتَبَه لوجودي أساسًا وهو المحاط بالجميلات الثريات الأنيقات؟؟ لِمَ أصَر أن يقترب مني وزاد إصراره وقتما صددتُه واتصل بي بدلا من  مرة عشر مرات؟ وزار المحل كل يوم وأثنى علىّ لمديري وقال له إني بائعة بارعة، وإنه لن يشتري إلا مني وطلب لي مكافأة استثنائية؟ لِمَ مَد حبال الوصل بيننا وأَظهر اهتمامًا وحنانًا؟ وسألني عن أُمي المريضة وطلب مني أن أصحبها لعيادته؟ لماذا وألف ألف لماذا ؟؟
وحين تعلقتُ به ووقعت في حبه يائسةً خائفة لأني حكمت على نفسي بالموت، وهو الذي أبدًا لن ينظر لي ولن يراني ، فتحَ لي طريقه ودعاني أسير معه فيه، وأكدَّ عليّ أنه يعرف الفوارقَ بيننا لكنه يحبني ويحبني أنا ، يومَها جحظت عيناي من الفرحة وعدم التصديق، وانهمرت دموعي التي أخذ يجففها بمنديله الحريري ، يومَها قال إن لون عينَي يعجبه، وإن نظرتي الناعسة كلها حنان يفتقده ، قال لي إنه متزوج من سيدةٍ فُضلَى أُم ابنتِه، وإنه أبدًا لن يهدم بيته ولن يطلِّقها من أجلي ، نَعم هو يحبني أنا، لكنه لن يهدم بيته ويشرد طفلته بأنانيته ، يومَها قال لي إنه يحبني وإن براءتي أَسَرَته، وطيبة قلبي أَعجَبته، وطلب مني أن أصبر عليه حتى يرتب أموره ويرى كيف سنكون معًا وللأبد ، هل صدقتُه وقتَها ؟؟ طبعًا صدقته ، كنت أتمنى أن أصدقه ، انتظَرَني في سيارته بالقرب من المحل ، فتح لي الباب وأجلسني على مقعدها الوثير بجواره ، أهداني سلسلةً ذهبية بقلب صغير ، دعاني للعشاء ، قال إنه يتمنى يجرب معي بعض سعادة الحياة التي لا يعيشها مع زوجته المتعجرفة ، أكَلنا في أحد المحلات على الرصيف ، أكل بيده وترك الشوكة والسكينة حتى لا يحرجني ، قال إنه معي يعيش نفسه ويكون ما يحبه، ويتحرر من الشكليات الزائفة والقيود الخانقة ، قال إنه يتمنى لو خلع البذلة والكرافتة وارتدى جلبابًا مريحًا مثل جلباب جَده ، قال إن جَده فلاح لم يخلع الجلباب أبدًا ، قال إني أُذكِّره بجَدته الطيبة وإني أُشبِهها ، هل صدقته؟ طبعًا صدقته ، ولِمَ لا أُصدقه ؟؟ كيف أشُك في أنه يكذب علىّ أو يتلاعب بمشاعري؟ مَن أنا ليكذب علىّ الدكتور حسن الوهيب؟ مَن أنا ليتلاعب بمشاعري؟ مَن أنا ومَن هو لينظر لي أساسًا؟ هل صدقتُ كل ما قاله؟ طبعًا صدقته ، كنت أتمنى أن أصدقه ، عيناه اللامعتان، وابتسامته الجميلة، وطيبة قلبه، والسعادة الظاهرة عليه وهو بصحبتي يأكل على الرصيف، ويسمع أغاني المهرجانات، ويقف بسيارته الفارهة على الكوبري ويأكل دُرَة وحُمّص الشام ويشتري لي سميطًا وجِبنة ، كل هذا أكد لي صدقه وأنه معذَّبٌ مع زوجته المتعجرفة التي تضيق عليه وتحرمه من المتع البسيطة والفرحة التي يعيشها معي ، صدقته طبعًا وكيف لا أصدقه؟ شهورًا طويلة يلاحقني، وشهورًا أطول يصاحبني من مكان لمكان، ومن متعة لمتعة ، كيف لا أُصدقه؟؟ شهورًا أنتظره يرتب نفسه وهو يعِدني كل مرة أنها هانت واقتربت ، وقريبًا سنكون معًا وللأبد ، صدقته ، طبعا صدقته ، ولماذا يكذب علىّ؟ ومَن أنا ومَن هو ليرهق نفسه ويكذب عليّ؟ كنت أراه بعض الوقت النادر القليل ، لكنه كان يحتل بقية الوقت والحياة كلها ، لا أتصل به إلا قليلا، لكني أُفكر طيلة الوقت أن أتصل به ، أنتظِره طيلة الوقت ، وانتظاره منحني جمالا وحبًا للحياة ورغبة في النهل من سعادتها ومتعتها ، وهانت وقربت قوي ، وبعدين ؟؟ ولا قبلين !!
فجأة ، اختفى ، كما أَقبلَ غاب، وكما أغدقَ نضب، وصرت معلّقة في حبال العشق الواهية أنتظِر حبيبًا لا أجروء على السؤال عنه ولا الجهر بحبِّه ، والصد والهجر يقتلانني كل ثانية ألف ألف مرة!!  وماذا بعد ؟؟
وأبكي، وأبكي، وأبكي، وأبكي  .. وأبكي  ......!
 ( 21 )
" انتي كويسة ؟؟ "
اتصلتُ بها لأطمئن عليها ، انتي كويسة يا بشرى هانم ؟؟ ايوه يا دكتور .. طيب الحمد لله ، وصحتك؟؟ الحمد لله ، الحمد لله ، مع السلامه ، بصوتٍ حانٍ مرتبِك تهمس ، مع السلامه يا دكتور .
مشاعر متناقضة تجاهَها ، أتمنى أن أقتحم عالمها الموصَد وأُطمِئن خوفَها ، وأغضب منها ومن صدها، ومن النبرة الرسمية التي تكلمني بها ، أُصمِّم أحيانًا أن أغزوَها وأتوعدها وأنا خارج من البار وشيرين تقبض على ذراعي وتتمايل علىّ ، أصمّم أن أغزوها وأطرق بابها في تلك الساعة المتأخرة من الليل وأصارحها برغبتي فيها، والاقتراب منها والاحتماء بدفئها من الصقيع الذي يحيطني ، أشعر بهذا أحيانًا ، أحيانًا أخرى وأنا على فراشي وظهري لمايسة وهي تقترب مني وتلتصق فيّ وأنا أبتعِد عنها وأنكمِش داخل نفسي ، أتمنى أن أطلبها في التليفون وأصرخ فيها مَن تظنين نفسكِ أيتها المتعجرفة لتصديني؟ ألا تعرفينني؟ ألم تسمعي عني ؟ ألم تروادك الرغبة للاقتراب مني مثل شيرين؟ والالتصاق بي مثل مايسة؟ ومجرد الكلام معي مثل فاطمة؟ ألا تفتقدين نظرات حناني مثل كريمة؟ مَن تظنين نفسك أيتها المتعجرفة ؟؟ أتمنى أن أطلبها وأصرخ فيها ، لكن الصقيع الذي يلفني ويوجع روحي يذكرني بما أعيشه وبما أفتقِده ، كل هؤلاء النسوة لم يُفلِحن في أن يبددن الصقيع، ولم تمنحني روح أي واحدة منهن أيَّ دفء ولا حنان ، هي فقط التي منحتني الدفء ، أحتاجها ، هذا ما أعرفه جيدًا ، أحتاجها وأتمنى أن تحتاجني ، أتمنى الاقتراب منها وأتمنى أن تفتقِد قربي ، أتصِل بها لأطمئن عليها ، نبرة صوتها ترجف روحي ، الدفء الذي ينبعث من روحها يصلني ويطمئني، ويوجعني ويشعرني بما أفقده وأفتقده !!

هامش - بشرى
أسبوع كامل لم يتصل بي ، عددتُ الأيام وأحسستها ثقيلةً بطيئة ، أنتظر اتصاله كل ثانية ، أفر من رحيم ونظراته اللائمة، ومن أبي وصارم أوامره وأنتظر اتصاله ، لو دعاني للسينما سأذهب معه، ولو قال إنه سيأتي ليشاهد معي مباراة كأس مصر سأرحب به ، لو قال إنه سيمر علىّ لنأكل آيس كريم سأوافقه ، لو  طلب مني فنجان قهوة في صالوني الأنيق سأدعوه ، لكنه لم يتصل ، يوم والثاني ، عصبيتي تزيد، وغضبي منه يزداد أكثر ، لن يتصل بي ثانية؟ فكرة طرأت على  رأسي ، خوف شديد اجتاحني ، كدت أبكي لأني تصورت أني فقدته للأبد، وأظنني فقدته فعلا للأبد !! أسبوع كامل مَر علىّ باردًا وسخيفًا ، ممِلا وموحِشًا ، أمي سألتني عن سبب عصبيتي ، قلت لها يعني مش عارفه؟ تصورت أن عصبيتي سببها رحيل زوجي ، قالت ادعي له بالرحمة ، قلت برتابة ، أدعو ، صرختُ في الخادمة لأنها لم تأتِ في ميعادها ، بكيت وقتما وجدت تليفوني مغلقًا أخرسَ لأن البطارية فرغت ولم أنتبِه ، تصورت أنه حاول أن يكلمني وفشل !!
أسبوع كامل أنتظِر اتصاله ، اليوم ومع فنجان قهوتي النهارية ، شاهدت اسمَه على تليفوني المحمول ، كدت أصرخ  من المفأجأة والخوف والفرحة ، باتطمن عليكي ، همس وانتظرَ ردي ، تمنيت أن أدعوه على فنجان قهوة لكني خرست ، انتي كويسة؟ سألني وهو لا يقصد يسألني عن صحتي بل يقصد يسألني ألا تفتقديني طيلة الأسبوع ؟؟ لو سألني بشكل واضح عن مشاعري طيلة الأسبوع لبحتُ له بالوحشة التي تملكتني، والخوف الذي اجتاحني، لكنه لم يسألني ، كلمتان والثالثة وأنهى المكالمة ، بقيت أحدق في التليفون المحمول وكأني أنتظِره أن يطلبني ثانيةً، لكنه لم يفعل !!
ثابتةٌ مكاني كتمثال حجري، ومشاعري بليدة لا أفهم ما الذي  يحدث بيني وبين الدكتور حسن الذي اندفع صوبي فصددتُه ، أو هكذا تصوَّرَ ، فثبتَ مكانه وتمنيت لو أناديه لكني لم أفعل ، ما الذي يحدث وسيحدث؟؟ لا أعرف لكني ما زلت خائفة !! وكأنه يسألني مِني؟؟ وأتمنى أن يسألني لأجيبه ، لا خالص مش منك بالعكس .. لكنه لم يسأل، وما زال كل ما يحدث غامضًا مخيفًا!!
( 22 )
" اُمّال راجل ازاي !؟؟"
ضحكتْ جَدته الحاجّة منصفة حين شكَت لها رقية أن صغيرها حَسن مثل أبيه، قليل الأدب وبلا أخلاق، وأنه يتلصص على الخادمة الصغيرة وهي تغيّر ملابسها من شق الباب ، ضحكت الحاجّة منصفة ولامت رقية على كلامها الخايب ، وهي دي قله ادب يا رقية ؟؟ امّال ايه يا ماما ؟؟ لا قله الادب انه يرد عليكي ، مايسمعش كلام ابوه ، وقتها اه نزعل ونكسر رقبته ، لكن دي مش قله ادب. لا تصدقها رقية ، امّال ايه يا ماما ؟؟
شرحت لها منصفة إنه راجل من ضهر راجل  وانه مثل ابيه وجده وكل رجال العائلة ، رجاله تشرف ، لم تفهم رقية ما تقوله منصفة  ازاي يعني؟ ضحكت منصفة ، بُكره تفهمي، ولا مش مهم!! أمرَتها منصفة أن تتركه وشأنه يكبر ويتعرف على الدنيا بطريقته، وطمأنتها أن الخادمة الصغيرة ستخافه، ولن تشكوه لأحد، ولن تذيع سره ولن تنطق، ولن تضيرها نظراته العابثة. وضحكت وهي تشرح لرقية إن بُكره كمان حيزنق البت في الحيطة ويجرب فيها اللي نفسه يجربه !!
فزعت رقية من كلام منصفة ومن طريقتها في الحديث فرِحةً فخورة بجريمة الصغير وقلة أدبه ، قالت إنها ضربته وهددته أن تشكوَه لأبيه، وتوعدته لو فعل ما فعله مرة ثانية ستعاقبه عقابًا شديدًا ، ضحكت منصفة لأن زوجة ابنِها خايبة ومش فاهمه حاجه، قالت لها لو أخبرتِ أباه بما فعله حَسن لفرح به وشجّعه وتباهى به؛ لأنه ابنُه بصحيح ، حذّرتها من أن تتعرض له ثانيةً في كل ما يفعله، وناشدتها غمضي عينك يا رقية ولا كأنك شايفاه ده راجل وما يعيبوش غير جيبه وخيبته بعيد يا شر ، فما تخيبيهوش جنبك الله يخليك، وسيبه يتعرف على الدنيا، والصغير النهارده بكره يكبر، ولازم يرفع راس ابوه واسم عيلته ويشرفنا والراجل اللي مش راجل يفضح ويقصف العمر ومالوش لزمه ولاينفع طبله ولا طار  يكفينا الشر ...
نادته منصفة فرِحةً فخورة به، واحتضنته ومنحته جنيهًا ليشتري ما يريد، ونظرات رقية الفزِعة لا تفهم ما الذي تفعله الجَدة العجوز مع حفيدها الصغير وسنوات عمره الثمانية، وكأنها تشجعه على قله أدبِه ، معقوله كده يا ماما ؟؟ ضحكت منصفة وهمست لرقية إلا معقولة ، طبعا معقوله جدا ، ده راجل يارقية راجل ، عايزاه ايه ، يشد الجيبه على ركبته لما يقعد ؟؟؟ سيبه يارقية الله يخليك ومالكيش بيه صالح وربنا كريم ينصفنا بيه ويعلى اسمه كمان وكمان ، سيبه يارقية ده مش بنت حتعلميها الحيا والخشا وتكسري ضلعها ، ده راجل من ضهر راجل ولازم يتعلم يحرت الارض ويزرعها ، امال راجل ازاي !!! وما زالت رقية فزِعة لا تصدق ما تسمعه، وما زالت الحاجّة منصفة فرِحةً فخورة بحفيدها .. والاماره، والبشاره، والرايه، المرفوعه ....!
هامش - حسن
كنت كعادتي أتلصص على جَدتي وأُمي، وأسترق السمعَ لحديثهما، أُمي تشكوني لجَدتي، وجَدتي تضحك ساخرةً من قيود أمي وصارم أوامرها ، تشكوني أمي لجَدتي لأني اختلست بعض النظرات البريئة للخادمة الصغيرة التي تعمل في منزلنا ، لم أفعل يا أمي ، تمنيت أن أقول لها إني لم أقصد أن أنظر لها ولا أن أحدق فيها ، مجرد صدفة سعيدة قادتني لباب غرفتها وكان ما كان ..!
ذات يوم يا رقية هانم ، وبالصدفة البحتة فتح البيه الصغير "حسن بيه" كما تناديه الخادمة سميرة ، فتح عليها باب غرفتها لا يقصد تلصصًا ولا اختلاس نظرات ولا قلة أدب كما تظنين ، فتح الباب عليها فوجدها عاريةً بقميصها القطني الخشن وذراعيها العاريتين، وشَعرها المبلول مبعثر على كتفيها ، ارتبكت سميرة وصرخت " يا لهوي "  وخاف البيه من صراخها فأغلق الباب مسرعًا وكأنه ارتكبَ إثمًا وجريمة ، خاف البيه من صراخها وخرج مسرعًا من الغرفة ، لكن ذراعيها العاريتين وقميصها القطني الخشن وفتحة صدرها الواسعة لم يفارقوا خيالَه ، فجأة اكتشف البيه اللي هو حضرتي ، اكتشف أن لسميرة أسرارًا تخفيها عنه، وجسدًا تبعد عينيه عن اكتشافه ، صرختها ، يا لهوي ، لم تفارق أُذُني ، أتذكرها فابتسم وأضحك ، أتذكر ارتباكها وانتفاضتها وذراعيها اللتين عقدتهما على صدرها فأبتسِم وأضحك ، في البداية كنت أبتسم وأضحك ، لكنّ إحساسًا آخر لا أعرفه ولم أفهمه صار يداهمني كلما تذكرت سميرة في تلك اللحظة ، إحساسٌ اخر كالجوع يقرص جوفي، يستفزني، ويدفعني لأكتشف سرها الكبير ، يا لهوي؟؟  ما الذي تخبئينه عني يا سميرة؟ ما الذي خِفتِ عليه فعقدتِ ذراعيك أمام عيني تحجبين بصري عنه ؟؟ والإحساس الغريب يكبر ويكبر ، يستفزني أكثر وأكثر ، وصرت لا أفكر إلا في سميرة وسرها وما تخفيه ، يا لهوي ، صرخة لا تعرف ما الذي تفعله فيّ وقت أن ترن في أُذُني، أرتبِك، أتلعثَم ، سأطرق عليها الباب وأسالها ما الذي تخفينه؟ لماذا صرختِ؟ وما الذي تخبئينه عني؟ سأفتح الباب فجأة وأدخل الحجرة وأسالها لماذا صرختِ يا سميرة؟ سآمُرها أن تخلع جلبابها وتكشف لي قميصها القطني الخشن ، سآمرها أن تُبقِي ذراعيها لصيقتين بجسدها وألا تخفي عن عيني ما أخفته المرة الفائتة ، سآمرها وستطيعني ، ألستُ أنا البيه التي أتت سميرة منزلنا لتلاعِبه؟؟ لقد سئمتُ كل الألعاب التي لعبناها معًا ، السبع طوبات، وصيادين السمك، وتماثيل إسكندرية، سئمت كل الألعاب ولم أعُد أفكر إلا في لعبة واحدة ، أن أدخل عليها الحجرة وآمرها أن تخلع جلبابها وتكشف لي قميصها الخشن !!
خِفتُ من أمي أن تقتلني لو عرفت ما أفكر فيه ، خِفت أن تشكوني لأبي لأني قليل الأدب وأفكر فيما لا يجوز أن أفكر فيه ، ولِمَ أُعرّض نفسي لغضب أمي وجموحها؟؟ لو دخلت الحجرة على سميرة ربما تصرخ مرة أخرى يا لهوي يا لهوي ، ربما تدفعني بقبضة يدها القوية في صدري ، ربما تسحبني من ذراعي وتشكوني لأمي مثلما فعلتْ يومَ قصصتُ بعض شَعرِها وهي نائمة، يومَها استيقظتْ فزِعة تصرخ، وحين لمحت المقص في يدي وخصلات شَعرها مبعثرة على مخدتها ، يومَها سحبتني من ذراعي لأمي وصرخت وبكت وعاقبتني أمي عقابًا شديدًا وحرمتني من الخروج من غرفتي ثلاثة أيام، وأجبرتني أن أعتذر لسميرة لأني قليل الأدب ، ما الذي يضمن لي ألا تسحبني سميرة من ذراعي لأمي وتشكوني لها أنا وأفكاري قليلة الأدب؟ فكرت طويلا في أمي وعقابها، وقررت ألا أُعرّض نفسي لغضبها ، هل سأُخرِج سميرة من رأسي؟ أرغب في هذا ، أُخرِجها هي والإحساسَ الغريب الذي ينهش في جوفي ، لكن الإحساس لا يغادرني، ولا رغبتي المحمومة في اكتشاف عالمها الخفي الذي صرختْ بسببه يا لهوي ، وتعلمت أن أسير على أطراف أصابعي وأنتظر نومَ أمي بعد الغذاء، وأتسلل من غرفتي صوبَ المطبخ ، أشرب بعض الماء ، هذه حجتي لو سألتني أمي لماذا ذهبتَ للمطبخ؟ ذهبتُ لأشرب ، أتسلل من غرفتي للمطبخ ، أشرب بعض الماء وأسير بخفةٍ أكثر وأكثر صوب حجرة سميرة الملاصقة للمطبخ ، تدخل بعد الغداء وغسيل الأطباق ونوم أمي ، تدخل للغرفة ، تبدّل ملابسها بأخرى تخدمنا بها بقية اليوم ، أعرف كل هذا وأتربص بتلك اللحظة ، أتربص بتلك اللحظة ، حين ترفع ذيل ثوبها لأعلى وتسحب جسدها من الجلباب  وتبقي بعض الوقت بقميصها القطني ، لا تغلق الباب عليها ، طبعًا لم تتصور أن البيه الصغير اللي هو انا ، بدأ يفكر في مثل تلك الأشياء ، تراني طفلا صغيرًا لا يشغله إلا اللعب والرسم ومباريات الكرة وركوب الدراجات ، لا تتصور أن الطفل الصغير يعاني إحساسًا غريبًا ينهش جوفه ويدفعه بإصرار لاختلاس بعض النظرات لجسدها وقميصها الخشن وذراعيها العاريتين ... ويوم وعشرة، وربما أكثر أو أقل لا أذكر ، أفلحتُ في أن أقف ثابتًا كتمثال لعبة تماثيل إسكندرية كاتمًا أنفاسي أختلِس النظرات من شق الباب المفتوح ، أراها وهي تخلع ثوبها وتبقى بقميصها الداخلي بعض الوقت، ثم تسحب جلبابًا آخر وترتديه وتربط شَعرها بإيشارب نظيف، وقبل أن تمد أصابعها على مقبض الباب وتفتحه أُحلّق مسرعًا لحجرتي، أُحلِّق مختفيًا من أمام بابها، وحين تفتح الباب وتناديني لنلعب ، أرفع صوت شخيري الزائف فتبتسم لأني نائم وسأرحمها بعض الوقت من ضجيجي وصخبي !!
يوم وعشرة ، أختلِس النظر لجسدها وأهتك ستر سرها الصغير وأبتسِم، لا أعرف سببًا، والإحساس الناهش في جوفي يهدأ ويستكين ، لكن أمي لم تتركني في حالي ، ذات يومٍ صرختْ في أُذُني وأنا خلف باب سميرة ، صرخت ، بتعمل ايه هنا يا ولد؟!!
وكانت الفضيحة التي كبَّرتها أمي ، نهرتني وعاقبتني على قلة أدبي وسوء تربيتي، ونهرت سميرة لأنها لا تغلق عليها باب الحجرة، وأنها قليلة الأدب والتربية، وهددتها أن تعيدها للقرية مع البهائم لأنها واحدة منها ، هكذا قالت أمي ، بكت سميرة وأقسمت أنها لم تفعل شيئا ، سمعتها فكررت على أمي ما قالته سميرة ، لم أفعل شيئا ، صرختْ أمي وكنت عايز تعمل ايه كمان يا قليل الادب؟ ولم أكن وقتَها أفهم ما الذي يمكن عمله؟ ولماذا تصفني أمي بقلة الأدب؟ لم أفعل شيئا إلا محاولة اكتشاف السر ، بعض النظرات المبعثرة وأعود لغرفتي وفراشي ، شكتني أمي لأبي فضحِك ولامَها لأنها عملت من الحَبة قُبة ، غضبت أمي منه وحذرته من إتلاف أخلاقي ، شكتني أمي لجَدتي التي أمرتها أن ترفع يد عقابِها عني ، خاصمتني أمي أيامًا كثيرة، ولم تصالحني إلا بعدما وعدتها ألا أكرر أبدًا ما فعلته، وأني سأكون دائمًا عن حُسن ظنها، وولدًا مؤدبًا .. وسوري يا مامي !!!
لم تفهم أمي أبدًا ما الذي كان يفور في روحي ناهشًا جوفي ، لم تفهم أبدًا أن بعض النظرات السريعة للقميص القطني الخشن والذراعين العاريتين كان يُسكن إحساسي ويسعدني ..
ابتعدتُ عن باب غرفة سميرة كما أمرتني أمي ، لكن سميرة أبدًا لم تبارح خيالي ، أفكر فيها وفي جسدها البض ، تأتيني في اليقظة والنوم ، تصرخ يا لهوي ، فأصرخ يا لهوي ، ويا لهوي هذه غير تلك ، تأتيني في الكوابيس تهددني أنها ستشكوني لأمي وتأتيني في اليقظة فرِحةً وكأنها سعيدة بنظراتي المتلصصة ...!
ابتعدتُ عن باب غرفة سميرة ، لكن سميرة لم تبتعد عنها ، وأتت هي لغرفتي!! نَعم أتت لغرفتي ولم تصرخ يا لهوي ولم أصرخ يا لهوي ، وكانت هذه قصه اخري .. يا لهوي ...يا لهوي ...!!
( 23 )
"إيه اللي جابِك هنا يا فاطمة؟ "
فوجئتُ بها تفتح الباب بقوةٍ وتجرني بعنف من فراش جَدي، توقظني من عميق نومي ، فتحتُ عيني لا أصدق أني أراها أمامي، فاطمة؟؟ قفزتُ على الأرض لا أصدق أن فاطمة عثرت علىّ في المخبأ الذي فررتُ فيه منها ومن غيرها ، هل هذه المرأة المتنمرة شعثة الشعر عاقدة الحاجبيْن هي فاطمة التي أعرفها منكسرةً خاضعة ممتنة قليلة الحيلة؟؟ ايه اللي جابك هنا يا فاطمة؟ أسألها وأظنني أهذي، أتخيل، أتصور، ولا أعيش إلا وهمًا غريبًا !!
أصرخ فيها ، فاطمة !! لا أصدق ما أراه أمامي ، هل فعلا أظافرها الطويلة تمزق وجهي وتشوّه ملامحي؟ هل الكلمات السافلة القبيحة التي أسمعها هي ما تتفوه به فاطمة؟ تسبّني وأهلي واليوم الأسود الذي شاهدتْ وجهيَ الأغبر فيه؟؟ أدفعها بعيدًا عن وجهي وأبادلها السباب بأقذع منه ، وأصرخ بتعملي ايه يا مجنونه يا بنت المجانين؟!!
ليه يا دكتور عملت فيا كده؟؟ انا ماعملتش حاجه ، انتي اللي كان نفسك تحبيني ، نفسك تبصي لفوق وتعيشي الوهم ، انتي اللي خدعتي نفسك وكذبتي عليها ، انتي اللي قررتي تصدقي ان حسن الوهيب بجلاله قدره يحب واحده زيك ، انتي كانت نفسك تتخدعي وانا عملت لك اللي نفسك فيه !!
تقفز بأظافرها الطويلة صوبَ وجهي ثانية، تمزق فيه وهي تصرخ ، هي دي الحسبه اللي بتنام وانت حاسبها وراضي عن نفسك وضميرك مستريح ؟ هي دي الحسبة ؟ اني انا اللي عملت في نفسي كده؟!! طيب انا كان نفسي اتخدع وخدعت نفسي ، انت بقي يا بيه يا ابن الاصول خدعتني ليه ؟؟!!
أدفعها بعيدًا أصفعها بقوةٍ على خدها الأيمن ، تترنح وتطير عن الأرض وتسقط وتبكي وتنتحب ، انا كنت بالعب!! تفتح عينيها رعبًا لا تصدقني ، تلعب؟؟ فجأة يَخرج حَسن الذي كان صغيرًا ببنطاله القصير من خلف سرير جَده ويجلس بجوارها على الأرض بطيبة وبراءة يمسح دموعها ويشرح لها ، كنت بالعب يا فاطمة ، هو انا مش صغير برضه ومن حقي العب ؟؟؟ تحدق فاطمة فيه لا تصدق ما تراه ، بس انت كبرت يا دكتور ومش من حقك تلعب بينا!! يضحك حسن وتدمع عيناه من كثره الضحك ، مين قال اني كبرت يا فاطمة؟ ماانا لسه صغير قدامك اهو ، وبعدين انا ماكنتش بالعب بيكم انا كنت بالعب معاكم وانتي قبلتي تلعبي معايا يا فاطمة ، زعلانه ليه بقي؟؟
ترتبك فاطمة وهي على الأرض تبكي، وخدها الأيمن يوجعها من الصفعة الشديدة التي ضربها لها الدكتور حسن، ودموعها يمسحها حسن الصغير بطيبةٍ ورِقة ، انت لسه بتلعب يا حسن! يضحك حَسن ايوه ، لسه بالعب ولسه عايز العب ، تلعبي معايا يافاطمة ؟؟!!
تدخل سميرةُ الغرفةَ وهي تنهرنا جميعًا ، شششش ، البيه الكبير نايم ولو سمع حسكم حيدور فينا كلنا الضرب !! ينادي حسن الصغير سميرةَ ويسألها ، مش انا كنت بالعب ياسميرة ؟؟ تضحك بخجل، ايوه بس كنت قليل الحيا ، تشرح لفاطمة ، كان قليل الحيا من يومه ، بس الحق كان صغير  وبيلعب ، الست منصفة نادتني في المطبخ وطيبت خاطري وقالت لي ماقولش لحد على اللي حصل في البيت لان البيوت اسرار وعلشان ابويا يفضل ياكل عيش في السرايه ، وقالت البيه كان بيلعب وقلت لها طبعا كان بيلعب !! وبعدين الست رقية جابت ابويا وعملت فضيحه وقالت له كلام معرفوش بسببه قطع جسمي نساير ، قلت له زي الحاجه ما قالت لي ده عيل وكان بيلعب ، لطخني قلم على وشي وقالي لعب ايه يا قليله الخشا هو ده لعب برضه ؟؟!! تشرح سميرة لفاطمة ، خفت اقوله لعب حتي اسال الحاجه منصفة ، واتخرست!!
ينظر لهما حسن الصغير ببراءة ، كنت بالعب ولسه عايز العب ، تلعبوا معايا ، لملمت فاطمة دموعها ورحلت ، ما كنتش فاكراه لعب ، كنت فاكراه بحق وحقيقي !! سميرة عقدت حاجبيها وقالت لحسن بغضب وعصبية ، كفايانا اللي نابنا من لعبك يا بيه ، حد الله بيني وبينك!!
وبقيت الحجرة خاويةً إلا مني ومن حَسن وقتما كان صغيرًا وجَدتي منصفة ، كفايه لعب ياحسن ، اوان اللعب عدي وانت مفروض كبرت وعقلت وسيد الناس ، كفايه لعب ، وارسي على بر ياحبيبي الا كثير النط قليل الصيد ، ارسي على بر ، ونظرت لحسن الصغير ونهرته ، كفاياك شقاوه وكفايه اللي طاله بسببك وسبب لعبك !!
وأجلستني جوارها على فراش جَدي وقالت ، دوّر عليها يا حبيبي واستسمحها واشرح لها حكايتك وقول لها على اللي صار، وقول لها ان قلبك نوّر بحبها، وان اللي فات غير اللي جاي وكل وقت وله أدان ...وقبل أن أرد عليها دخلت بشرى غضبى من الباب وسألتني بعصبية ، انت كنت بتلعب يا حسن؟؟ كنت بتلعب معايا انا كمان ؟؟ كدة برضه يادكتور يا ابن الاصول ، كده برضه؟؟ همست كريمة التي فوجئت بها في منتصف الغرفة ، ما كانش العشم يا دكتور ما كانش العشم تلعب بينا وتبهدلنا معاك كده ، ماكانش العشم ... واستيقظتُ من النوم لا أصدق الكوابيس التي تفسِد نومي ونفسيتي وحياتي!!
جلست على الفراش وأشعلت سيجارة، وعشت الكابوس مره ثانية وكأن الفيلم يعاد من أوله ، وشاهدت فاطمة ودموعها ، وسميرة وخوفها  ، وكريمة وانكسارها ، وبشرى وغضبها ، همستُ ، والله بالذات معاكي انتي يابشرى ماكنتش بالعب ، فصرخن جميعًا كداب يا حسن!! واستيقظتُ من النوم مفزوعًا من صدى صوتهن العالي يدوّي في أُذُني ويكاد يحطم رأسي وجدران السرايه ويدفنني تحتها!!
هامش -  سميرة
هو كان البيه وانا كنت الخدامه اللي كانت تلاعب البيه ، مخدتش بالي واحنا بنلاعبه انه كبر، وان عرق الوهيب البصباص مادد لحداه ، مخدتش بالي ان العيل الاهبل الزنان اللي طول الوقت ممروع وعايز الدنيا كلها في عبه كبر فجأة وعينه تتدب فيها ستين رصاصه وعامل فيها راجل وال ايه بيزنق عليا في الحيطه!
الاول ماخدتش بالي ، ولما خدت بالي عملت مش واخده بالي ، اجيب لروحي نصيبه ويكذبوني ويصدقوه ويقطعوا عيشي ويفضحوني ويتبلي العيل عليا ويلبسني بلوى ؟؟ عملت روحي مش واخده بالي ، كنت بازقه بعيد عني وامسك ايديه واقوله حاكسرها  واهدده حاشيكك لامك لكن ولاعمري كنت حانطق ، كنت اشوفه فين واقعد في حته تانيه ، الواد طلع حويط وكبر فعلا وانا مش واخده بالي وسبق عليا واشتكاني لامه قال ايه مابلاعبوش!! امه على نيّاتها ومش هنا ، الاول شخطت فيا وبعدين انتبهت ، زعقت له وفضحتني ، ومعرفش قالت لابويا ايه  لكنه قالي وعينه بتطق شرار ، لمّي هدومك ونزل فيّا ضرب ، ولما رجعت البلد قال لامي لازم نطاهرها ونجوزها ، وميل عليها وقال لها اللي معرفوش ، خبطت على صدرها وقالت كده يا سميرة ؟؟
العيل اللي كبر من غير مااخد بالي ، قطع عيشي ورجعني للبلد وفضحني افترا وزور وخلي ابويا حلف عليا اول واحد يخبط على الباب يسلمني له بجلابيتي من غير شروط ولا حنة !!
بالحق انا غلطانه اني سكت ؟؟ كان مفروض اسكعه كف وافضحه عن ابوه ، لا غلطانه ايه ؟؟ ولاعمرهم كانوا حيصدقوني ويكذبوه، انا حيالله حتة خدامه في البيت وهو البيه ابن البيه ابن الهانم!
وأهي الايام راحت لحالها وعدت واتكفي على الخبر ماجور وكلنا نسينا وكأنه عمره ما حصل ، الايام راحت لحالها وعدت والبيه الصغير بقي البيه الدكتور، والنهارده عم الطوخي بيقول ان جاي هربان من مصر وانه عاشق قلبه مكسور وانه مش طايق روحه ومش طايق حد يكلمه!!
ده ذنبي يا دكتور ، ذنبي ربنا بيخلصه منك ، والذنب حق لسه له بقيه ، وكل الحق حيوصل لغايه عني وانا قاعده مكاني وسايبه ايدي .. وابقي قولي سميرة الخدامه قالت !!
( 24 )
" و.. أنا نسيته  "
شهرانِ مَرا والدكتور حسن لا يتصل بي إلا نادرًا ، اتصلَ مرتين، ثلاثًا، وربما أربعًا ، لا أتذكر بالضبط ، فكرت فيه بعض الوقت وفي صمته وندرة اتصالاته، ثم قررت أن أتجاهله وأتجاهل أحاسيسي ، قررت أن أرسم له إطارًا أعتقِله فيه ، الحق أعتقِل نفسي ، لكنه الإطار الممكِن المتاح والمنطقي المقبول في الظروف المعقدة التي أعيشها ، هو مجرد صديقٍ لرحيم اقتربَ مني ليواسيني، وأخذَته الأيام في عمله وحياته وزوجته وابنتِه ونسيني ، أوجعَني ما قررته وما ظننته، لكني قررت أن أتعايش معه وأعيشه بمنتهى الكبرياء ، هو نسيني وأنا نسيته، والأيام مرت ثقيلة باردة لأن زوجي رحل فجأة وتركني ...
قضيت الأيام خلف الأيام، والأسابيع خلف الأسابيع، بلا روح، بلا نفس، بلا حماس،  أضغط على أزرار الريموت كنترول، أقلِّب في القنوات ، أتابع البرامج ولا أسمع ما يُقال ، أشاهد الأفلام ولا أنتبِه لأحداثها ، بعض الزيارات للأصدقاء تقتل بعض الوقت ، صداع يحطم رأسي ومسكنات تهوِّنه ، وفي الليل وعندما أُطفيء كل أنوار الشقة ، أسمَع صدى صوتِه يحدثني ، لا أقصد رحيم ، بل أقصد الدكتور حسن ، أسمَع صدى صوتِه يحدثني ، أتجاهله بالعمد وكأني لا أسمعه، وأقرر لنفسي وبمنتهى الحزن أنه نسيني، وأقرر أني أيضًا نسيته، وأنام أنا وكوابيسي والوَحشة !!!
هامش - حسن
ناديت كريمة في نهايه اليوم المزدحم وسألتها ، هي مدام بشرى مش ليها استشارة؟؟ مدام بشرى أرملة الدكتور عبد الرحيم الرواني مش ليها استشارة؟؟  هزت كريمة رأسها ، عارفاها يا دكتور عارفها ، بس  ده كان من خمس شهور ، ميعاد الاستشاره بتاعتها عدّى من زمان !!
دفنت رأسي في الأوراق أمامي غاضبًا من اندفاعي وسؤالي الأحمق ، تقف كريمة أمامي تنتظر بقية كلامي الذي أخرسته غاضبًا ، أطالت الوقوف وفي عينيها سؤال ملِح ، وايه اللي فكرك بيها يا دكتور؟؟ يطول الصمت حتى تسألني ، أي خدمه يا دكتور؟  شكرًا يا كريمة ، ااقفلي الأنوار،  وروّحي !!
بقيتْ مكانَها وعيني في الأوراق المبعثرة تهرب من أسئلتها السخيفة، فيه حاجه يا كريمة؟ مستنيه حاجه؟؟ ابتسمتْ ، سلامتك يا دكتور، خلاص حامشي ، بس عايزه اقول لحضرتك ان فيه كتير قوي من المَرضي ليهم مواعيد استشاره وماجوش مش ارمله المرحوم عبد الرحيم بس! هززتُ رأسي بلا مبالاة مصطنعة، ان شالله عنهم ما جُم ، يلعن ابوها على ابوهم !!!  ألمح ابتسامتها الساخرة، ونصرٌ صغير حققته علىّ وقتما أخبرتني أنها كشفت سري الذي أخفيه عنها ، تصبح على خير يا دكتور!
وتَخرج وأبقى وحدي حانقًا عليها، أتمنى أن أمزق وجهها بغيظي، فضوليه انتي يا كريمة، وتتدخلي فيما لايعنيكي ولايخصك،  سؤال سألته ليكي واجبتي عليه وانتهي الامر ، مالك انتي وبقيه المرضي تفكريني بيه؟؟ هل استرحتِ وقت أن عرفتِ أني منشغل ببشرى وأفكر فيها وأتمنى أن أراها؟ ولو أتت للاستشارة بعد خمسة شهور من ميعادها؟؟ هل استرحتِ؟؟ ملعون ابوكي، على أبوها، على أبو المرضى، على أبوالحياة كلها!!
( 25 )
" عايز حاجه يا سي حسن ؟؟ "
أيقظَني حفيف خطوات صغيرة بطيئة محلّقة صوب غرفتي ، انتبهتُ من نعاسي وسؤال لا أعرف إجابته وقتها ، مَن سيفتح علىّ الباب الموصد ويقتحم غرفتي ويقتحمني في هذا الوقت؟ البيت خاوٍ إلا من جَدتي النائمة في غرفتها ، وأبي وأمي لن يعودا من السينما مبكرًا، البيت موحِش صامت، والليل مخيف، هذا ما كنت أحسه والنعاس يفِر مني ولا أقوى أن أعيد سُباتَه لروحي ..
مستلقٍ فوق الفراش أتصفح مجلاتي، ونُعاس خدِر يحاصرني وينتشل وعيي بعيدًا في غياهب المناطق الغريبة الساكنة، هذا آخر ما أتذكره ، متى غفوت وسقطت المجلات على الأرض وألقِي ذراعاي متخشبتين من فوق الفراش؟ لا أعرف ولا أتذكر ، لقد غفوت فعلا ، هذا ما اكتشفته وقتما استيقظت على وقع الخطوات المحلقه صوبي ...
فتحتُ عينَي الملتصقتين ببعضهما بصعوبةٍ، وكأن صمغًا يلصق جفنَي بخدرٍ ثقيل ، ألمح خيالاتٍ تتراقص من أسفل الباب المغلق، ومحاولات وجلة لفتح مقبضِه الثقيل بيدٍ مرتعشة ، يسقط جفناي فوق بعضهما ويلتصقان أكثر وأكثر ، حفيف الخطوات المحلقة يعيدني لوعيي الغائب ، ما يزال مقبض الباب يرتعش مهتزًا ثقيلا وكأنه متردد يستجيب لمحاولات فتحِه أو يقاومها ويحكِم إغلاقه ، اليد القابضة عليه ليست يدَ جَدتي وقتما تقتحم خلوتي بمنتهى القوة والثقة ، وليست أصابع أبي القوية التي تكاد تخلع الباب نفسه من حَلقِه ، وليست كف أمي الرقيقة الباكية وهي هرِعة تفتح الباب لتطمئِن على وحيدها ، مَن يحاول فتح بابي والبيت خالٍ إلا مني ومن جَدتي ومن أشباح الليل؟؟
يسقط جفناي مرة أخرى ملتصقين، وتسحبني يدٌ عملاقة من بعض الوعي لنفقٍ ساكنٍ صامت إلا من أنفاس النعاس وخدر غفوته ، أردد على مسامعي وأنا أتأرجح بين الغفوة واليقظة، إنها هلاوس النوم التي تصور لي ما لا يحدث وكأنه يحدث فعلا ،  هلاوس تصوّر لي اقتحام غرفتي لسبب لم أعرفه بعدُ كعادة كل الهلاوس في بدايتها، لكني سأعرفه وقتما تصل بي لنهاية جموحها وجنونها ، هلاوس الليلة تصوّر لي وكأني معتقَل في زنزانة، وكأن سجّانها يفتح البابَ ويدخل، في يده سوط يمزق روحي وجسدي وأمانيّ ، أردد على مسامعي وبصوت لا يسمعه إلا عقلي ، لا تَخف يا حسن ، إنه مجرد كابوس ستعيشه بعض الوقت ويذهب ككل الكوابيس التي أخافتك ، لا تَخف يا حسن ، إنه مجرد كابوس يصوّر لك أن احدهم يتلصص على باب غرفتك، ويده تحاول مرتعشة أن تفتحه، وأن ساقيه ستحمله إليك لينتزعك من فراشك ، كل هذه هلاوس يا حسن لا تَخف منها ، صوت آخر يرد علىّ ويجيبني من داخل رأسي وتلافيف عقلي ، لا أشعر خوفًا، وما أعيشه ليس بكابوس مزعج ، شيء مريح يجتاحني من هلاوس الليلة وتفاصيلها ، شيء مريح يجتاحني وكأن هلاوسي الليلة تخطفني لحلم رقيق يهدهد روحي ويسعدها ، شيء مريح يجتاحني وأسكن لهلاوسي وأنتظرها تفصِح عن غموضها وغرائبها .. 
أشُد جفنَي بعيدًا عن بعضهما ، أشُدهما ومعهما أجذب وميض بعض الانتباه واليقظة من قاع جمجمتي ، ما أعيشه حقيقةً وليس حلمًا رقيقًا ولا هلاوسَ غريبة ، ألمح شعاعَ ضوءٍ شاحب يتسلل لغرفتي من الشق الصغير الذي أفلحت اليد المرتعشة الممسِكة على مقبض الغرفة في فتحِه بين الباب الثقيل وحلقِه الراسخ ، لا أتبين ملامح ولا قسمات ، أكاد أصرخ مَن يفتح الغرفة؟ لكني أبتلع صوتي ، ستستيقظ جَدتي فزِعة، وربما تموت من شدة الخوف ، ربما تجري من غرفتها فترتطم بالمنضدة الزجاجية الكبيرة وتَسقط وتتحطم ساقاها، شعاع الضوء يكبر، والفتحة الصغيرة تتسع، والشبح الذي يفتح الغرفة يتراءى أمام عيني، وسط الظلام الدامس رأس وجسد أعرفهما ولا أعرفهما ، خطوات محلقه تقترب من فراشي ، أغمض عيني بقوة ، لن أفتحهما ، صوت هامس أعرف نبراتِه يقترب من أُذني ، أنفاس ساخنة تلفح رقبتي ، مش عايز حاجه يا سي حسن ؟؟ أفتح عيني لا أصدق ما أدركته ، سميرة؟؟ أفتح عيني مندهشًا ، سميرة ؟؟ مش عايز حاجه يا حسن ؟؟ أهز رأسي نفيًا ، في هذه اللحظة أحس عطشًا رهيبًا ، سأطلب منها كوب ماء ، كيف دخلت حجرتي وأيقظتني وسألتني عن عطشي الذي لم أكن  أشعر به حتى أدركتُ وجودها؟ ما لأنفاسها ساخنة متلاحقة؟ أرتبِك!! نَعم أرتبِك ، هذا هو إحساسي الغريب الذي شعرتُ به ، جسدها قريب من ذراعي ، وجهها لصيق بوجهي ، صوتها الهامس يوترني ، لِمَ لا أصرخ فيها ، عايزه ايه يا بت؟ ايه اللي دخّلك هنا ؟؟ أتمنى أن أصرخ فيها لكني لا أصرخ ، لو صرخت فيها لفزعتْ ، سأشكوكِ لأمي ، لو هددتها لخافت وخرجت بسرعة من الغرفة وأحكمت إغلاق بابها ، لكني لم أفلح ، أحبالي الصوتية تيبست، والكلمات أحجار تمزق لساني ولا تخرج من شفتَي الجافتين ، عايز حاجه يا سي حسن ؟؟ هل هذا صوت سميرة التي أعرفها وأعرفه ؟؟؟ لا أعيش ما أراه وأحسه ، بل هو هلاوس الليلة وحلمها الرقيق ، هلاوس الليلة أتت بسميرةَ من فراشها وحلقت بها صوب غرفتي وأقحمتها في نومي ، زيَّنَتها وعطَّرتها وجَمّلتها ، ليست هي التي أعرفها، بل أجمل وأرق وأحَن ، احتفظت الهلاوس لسميرةَ باسمِها وغيّرت فيها كل شيء، وجرَّأتها حتى اقتحمت غرفتي وها هي ستقتحم فراشي وتلتصق بجسدي وتنام بجواري .. وعايز حاجه يا سي حسن؟؟
في هلاوسي تبدلت سميرة وصارت أجملَ وأرق وأحَن ، صار جلدها القشف ناعمًا حريريًا ، وشَعرها الأشعث جدائلَ طويلة  ، ورائحتها المنفرة عطورًا نافذة ، تبدلت سميرة وتبدلتُ أنا ، لم أعُد الصبيَّ الصغير ذا البنطال القصير والساقين الرفيعتين والصوت الأخنف ، تبدلت الشعيرات المتناثرة فوق شفتَي لشنبٍ كثيف وقوي، ذراعي حد حملتها على ساعدٍ واحد منها وألقيتها طائرة فوق الساعد الاخر ، تبدلتُ وصرت رجلا قويَ الجسد والعزيمة والروح ... وعايز حاجه يا سي حسن ؟؟؟
واستيقظتُ صباحًا خائفًا فزِعًا، سعيدًا مرتبِكًا، أتمنى أن  أسألها هل قاسمتِني ما عشته أمسِ؟ وأتيتِني فراشي وشاركتِني البهجة التي عرفتُها؟ أَم هي هلاوسي الجميلة وأنتِ لم تبرحي غرفتك وفراشك وجلبابك الخشن؟؟ استيقظتُ أتمنى أن أنام مرة أخرى وتداهمني هلاوسي مرة ثانية، وخامسة، وعاشرة، وأن تتلون الغرفة بألوان ساطعة، وأن تصدح الموسيقى الغريبة، وأن تتناثر ضحكاتها شموسًا وسط الليل !!
عايز حاجه يا سي حسن ؟؟ لمْ تواتِني الجرأة لأسألها ، لكن في يوم قريب سأتجرأ وأسألها، وأعرف منها وبدقة إجابه كل الأسئلة التي حيّرتني وما تزال..!
هامش - الحاجّة منصفة
نادته كعادتها كل صباح وقت أن تسمع خطواته في الممر اللصيق بغرفتها ، نادته وقد استيقظتْ مبكرًا ليؤنِسها ويكسر صمت البيت الأخرس، واصحابه ما يزالون نائمين ، حسن تعالى يا حبيبي انا صحيت خلاص ، يدخل غرفتها مبتسِمًا ، أهلا أهلا يا حبيبي ، تفتح حضنها له فيقبّلها على وجنتيها قبلاتٍ سريعة مختلفة عن التي اعتادتها منه كل يوم، ولا يسكن بين ذراعيها ولا يسكن حضنها ، يسعِد صباحك يا حبيبي ، بنجور يا جدتي ، تضحك ساخره ، آدي اللي خدناه من الست رقية الكشميري ، بنجور يا حسن مش للرجاله ، لِمامتك وخالتك والحريم البسكويت ، مافيش راجل من ضهر رجل من عيلة الوهيب يقول بنجور يا حبيبي !!! يرتبك حسن وهي تحاول أن تُمطِره بقبلاتها ، حاضر يا ستي ، صباح الخير ، صباح الورد والفل يا حبيبي ، يتملص من حضنها وذراعيها ، تتركه يبتعد وتحدق فيه ، ازيك يا حسن ، ازيك يا ستي !! مرتبكًا يتحرك في الغرفة وكأنه يتمنى أن يخرج منها مسرعًا ، لا يجلس بجوارها على الفراش، ولا يلقي برأسه على صدرها، ويتصرف بطريقة غريبة على غير عادته !!
تحدق فيه صامتة بعينيها الضيقتين ، تحدق فيه وتفحصه كأنها تبحث عما سيفاجئها وقتما تكتشفه ، حوارها الداخلي صاخب ، أفكارها تتلاحق بسرعه كشريط سينمائي منذ لحظة ميلاده حتى هذه الثانيه التي يقف أمامها فيها ، غريب أمر حسن هذا الصباح، كأنه نام صبيًا واستيقظ شابًا ناضجًا ، كأنه نام صغيرًا ساذجًا واستيقظ كبيرًا منتبِهًا ، صوته الصغير كبر واخشوشن ، جسده المطوي المرتبك " اتفرد " وشد ، ابتسامته البريئة صارت أخبثَ وأعمق ، ليلته أمس تختلف عن كل الليالي السابقة ، نام صغيرًا واستيقظ رجلا، ولو لم يدرِ  ولو لم ينتبِه بعد ...!
ابتسمت الحاجّة منصفة فخرًا ونادته ليقترب منها ، ناولته مصروفَه اليومي وسألته بخبث ، انت طيب يا حبيبي ؟؟ ارتعاشةٌ صغيرة فوق شفتيه، وشعيراته النافرة المبعثرة فوقها أكدت لها إحساسها ، ايوه يا ستي ، الف بركه يا حبيبي ، دايما يا حبيبي دايما ..
تملّص من حضنها وفر بأسراره بعيدًا عن عينها الثاقبة ، ضحكت وضحكت فرِحةً بحفيدها ، نادت سميرة بصوت آمر هرع بها من المطبخ لغرفة الحاجّة الكبيرة في طرفة عين ، تجاهلتها وهي واقفة أمامها ترتعش من الخوف ، خير يا ست الحاجّه؟ اؤمريني.  تركتها أمامها وكأنها لا تنتبه لوجودها وفحصتها من رأسها لطرف إصبعها، وبسرعة وبعين خبيرة ، بقايا النعاس وعلامات البطانية الخشنة على وجنتيها، والشعر المكبوس من ثقل المخدة فوق رأسها ، كل هذا أكّد لها أنها لم تغادر فراشها في تلك الليلة التي كبر فيها حسن واتفرد ضهره ، أمَرَتها ، بت يا سميرة تعرفي تعملي قهوة؟ طبعا يا حاجّه ، طيب وريني شطارتك!!
ضحكت الحاجّة منصفة وضحكت ، سأنبّه سليمان لابنِه ، سأخبره أن الصغير بيكبر، وان الولد شد عوده وفرد ضهره ، سأنبّه سليمان يتحدث معه ويهديء روعه ويشرح له كل ما يتعين عليه شرحه !!
وخرجت من الحجرة وهي تنبّه على سميرة ، هاتي القهوة في الصاله ، حاشربها مع سيدك سليمان ، وانتظرت ابنَها يخرج من غرفه نومِه لتتحدث معه عن حَسن .. واللي جرى لحسن !!!

نهايه الفصل الرابع
ويتبع بالفصل الخامس