مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 يوليو 2014

وهج وردي في اخر الليل .... الجزء الرابع


الجزء الرابع  




ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى

  
                                       " هو يعني لقمتي وبنتي هما اللي كانوا حيضلعوك؟؟"
                                                                                       سميحة


صرت خادمة ، نعم ، هذا ماصرت عليه في بيت عمتي نفيسة ، صرت خادمتها وسط كل الخادمات التي يملئن الدار ، تصرخ علي لاراقب الخبيز ثم تأمرني اخبز بنفسي فاخبز ، تصرخ علي لاراقب الخادمات وهن يخللن الزتون واعصفر اللمون وابنجر اللفت وسرعان ماتأمرني اخللهم بنفسي فاخللهم بنفسي ، تصرخ علي لاراقب الخادمات يأكلن الطيور في الحديقه وسرعان ماتأمرني ااكل الطيور بنفسي فااكلهم ....
يوما واسبوع وشهر ولم تعد تحتاج تصرخ علي وتأمرني، صرت اعرف مايتعين عليه افعله فافعله صامته ، يوما واسبوع وشهر وصرت اخبز واطبخ وااكل الطيور واخلل الزتون واجفف النعناع وعقود الويكه واعمل المربي والشربات وامسح الارض واطبق الغسيل ، صرت خادمتها ..
يوما واسبوع وشهر ، وخلي البيت علينا بعدما صرفت الخادمات لاننا اولي باجرهن ولان البيت زحمه علي الفاضي ولان تسلم ايديا وعينيا فصرت مسئوله وحدي عن خدمتها وقضاء حوائجها وتلبيه طلباتها وطلبات ضيوفها وبنتي واحتياجاتها فوق كل شيء ومعه ....
لم اعترض ولااتذمر ، لم ارفض ولم اغضب ، احسست الحياه تقودني لما يتعين علي فعله ، ارمله فقيرة وبيدي يتيمه صغيرة ولاسند لنا في الدنيا ولامورد رزق ولادار ، خالتي تفيده واخوة نادر رفضوا اعطاء منورة مليم احمر من ميراث ابيها ولا نصيبه في الارض ، خالتي تفيده قالت لعمتي ان الفلوس الكتير تفسد النساء وتلم عليها الدبابير واني مش محتاجه الا لقمتي ولقمة بنتي وهدمتي وهدمتها واكتر من كده افسد والصيع ينهشوني ، خالتي تفيده قالت لعمتي نفيسة ان الارض محفوظه للصغيرة وقتما تكبر ، واحنا مستعدين لو كليتم بمصاريف البت تبعتوها لينا نقوم احنا بيها ونتولي امرها ، عمتي نفيسة تكبرت علي خالتي تفيده والقيراطين العره اللي جايه تشتمنا في دارنا بسببهم ، عمتي نفيسة قالت لها اني ابنتها ومنورة حفيدتها والاكل بيتعمل ويترمي من كتره والخير كتير والدار واسع يساع من الحبايب ميه واللي لمنورة عندكم يزيد وبكره تكبر وتستحق ميراث ابوها ولغايه اليوم ده مش عايزين منكم قرش ...
عمتي نفيسة امرتني وامرت ابي نقاطع خالتي وتشاجرت مع امي لانها سمحت لشقيقتها تسبنا في دارنا وعايرتها انها سبب سعدها بزواجها من ابي وان خالتي ميلت بخلتي لما جوزتني لابنها المريض بعدما اخفت علينا مرضه ، عمتي نفيسة اصدرت حكمها النافذ بالقطيعه بيني وابنتي واهل ابيها وقالت بكره الصغير يكبر واللي له حق ياخده ومسيرك ياملوخيه تيجي تحت المخرطه ...
عشت في دار عمتي نفيسة خادمه بلقمتي انا وابنتي ، عمتي ابدا لم تكسر نفسي ولم تذكرني بحالي ولم ترفع طبق الاكل يوما من امامي ، لكني فهمت حالي ووضعي ، اعيش بلقمتي واخدمها جزاء احسانها واقامتي مع ابنتي في بيتها ، والشغل الشريف مايعيبش حد واخدمها واكل بنتي بدل ماادخل عليها راجل غريب يتحكم فيها وبدل ماامشي عوج علشان اكلها ....
الا بالحق ياابويا الحاج ، هو يعني لقمتي وبنتي هما اللي كانوا حيضلعوك ويكسروا ضهرك ويصعبوا الحياه عليك ، الا بالحق ياابويا الحاج ، كليت مني ومن بنتي فرمتني اخدم في بيت اختك وانت ولا كأنك شايف ؟؟ اسئله كثيرة تداهمني فابعدها عن روحي وعقلي واكمل طهي الاكل او نشر الغسيل او كنس عشة الطيور قبلما تزعق عمتي نفيسة تناديني وتأمرني بعمل اخر وتتهمني بالبطء واللوكعية وسرحان العقل ...
في البداية احسست غربه صعبه وانا اعيش وابنتي الصغيرة في حجرة الضيوف التي خصصتها لنا عمتي نفيسة ، احسست غربة صعبه ، حائرة تائهه ، اكتم صوت ابنتي وقت تصرخ خوفا من عمتي وغضبها ، احبسها في الغرفه ولااسمح لها تخرج للصاله تعبث في دار عمتي التي تستضيفنا وانا وهي غرباء كنا وسنظل ...
في البداية احسست غربة رهيبة داخل دار عمتي نفيسة ، كنت مرتبكه ، ليس دار ابي لاشعر براحه وليس داري لاشعر بسعاده ، لكنه دار عمتي التي صممت اعيش معها ، عمتي مات زوجها دونما ينجبا اولادا ، فاورثها الارض والثراء والسطوة ولقب كبيرة العائلة ، بسطت عمتي نفيسة سطوتها علي العائله كلها ، رجالا ونساء، كبار وصغار ، هي صاحبه القرار والكلمه المسموعه ، هي صاحبه المال الذي يفك ضيقه المزنوق وهي صاحبه الواجب الذي يسعد قلب المحتاج ، بسطت سطوتها علي العائله كلها وانصاع لها الجميع ، حتي عمي مصطفي ، نعم خالفها وتزوج خالتي فادية ، لكنه عاد طائعا لسطوتها ، يأتيها من القاهره وقتما تناديه ، ويبقي بجوارها حسبما تأمر ، هو طوع بنانها لكن فادية واولادها لا ، طالبته عمتي كثيرا يأتي باولاده ويتركه معها طوال الصيف ، اعتذر وتحجج بواه الاعذار ، الامر ببساطه ان فادية لاتقبل تترك اولادها في القريه مع عمتي نفيسة ، تخشي عليهم سلو بلدنا وسطوه اعرافها ، تخشي عليهم عوايد اطفالنا وسلوكياتهم ، فادية اقامت حاجز كبير بين اولادها واولاد العائله كلها ، اقامته ولم يفلح احد يجتازه او يجبرها تزيله ، ارسلت فاديه رساله واضحه لقريتنا ولكل العائله ، اولادي ليسوا كاولادكم وساربيهم بطريقتي وطريقه اهلي ، رسالة فهمتها عمتي نفيسة وحاولت بكل الطرق تهدم الجدار وتدخل المالح علي الترعه ونعيش كلنا في تبات ونبات ، لكنها لم تفلح ولم يمكنها عمي مصطفي ، فبقيت حانقة علي فاديه حتي ماتت ، حانقة لانها ابعدت اولاد العائله عن العائله فصاروا غرباء لايعرفوا اولاد عمومتهم لو التقوا في الطريق مصادفة !!!
شهورا طويلا اشعر بغربه داخل دار عمتي، الحق اشعر بغربه في الحياه كلها ، لماذا لم يعيدني ابي لداره لاعيش معه ومع امي ، لماذا انصاع لعمتي نفيسة وحكمها النافذ ، اسئله كثيرة اسألها لنفسي وانا انام تأتيني كالهلاوس تداهمني كالكوابيس المخيفه ، احسني محبوسة خلف قضبان عاليه ، اتمني افر منها واهرب بابنتي ، لكن الكابوس يقبض علي روحي ويتركني محبوسه ساخرا من غربتي وكأنه يقول لي ان ساظل مثلما انا علي حالي ووضعي وانتهي الامر .. وومازلت اخدم عمتي ومنورة تكبر بين اقدامنا لاتعرف لنفسها مكان ولا ارض تغرس فيها جذورها  ....


                                                     "هل احدهم فكر في منورة ؟؟؟؟"                                                                                     رضوي


رغم اقامتنا بالقاهره الا ان صلة ابي بقريتنا لم تنقطع منذ تزوج امي حتي دفناه هناك بعدما حسمت عمتي نفيسة الامر ولم تسمح لامي هذه المره تملي رايها عليها واتت لبيتنا وصاحبت الجثمان بنفسها لمقابر عائله المناديلي في قريتنا ..
منذ تزوج ابي امي ورحل عن القريه وعمتي نفيسة تربط روحه باودتادها كل يوم وكل لحظه ، مرات كثيرة سالت نفسي وكيف تنقطع علاقة ابي بالقرية وعمتي نفيسة صفصافة القرية والعائله تضلل بفروعها الضخمه علي الجميع من بحري لقبلي ولاتسمح لاي فرع شارد من شجرة العائله يضل طريقه ويبتعد عن حضنها ، مدت عمتي نفيسة الوصل بينها وبين ابي ومن بعده بيننا ، ادرك ان امي ضايقتها كثيرا لانها لم تسمح لنا بالاقامه كل اشهر الصيف مع عمتي التي لم تكل ولم تمل تكرر طلبها كل صيف منذ كنا صغارا في المدرسه الابتدائيه وحتي تخرجنا من الجامعة ، عمتي نفيسة مدت الوصل بين ابي وبين القريه ، واكم من ليالي سوداء طلبته في منتصف الليل تبكي لان ابن عم ابيها خطفه الموت او لان ابنة خالتها نقلت للمستشفي ، اكم من ليالي سوداء امرته يرتدي ملابسها ويسرع للقريه حتي اذا مااشرقت الشمس لحق جنازة احد الاقارب ووقف بين الاهل ياخذ العزاء ، امرته يذهب للقريه وهددته بخصامها وغضبها عليه لو تأخر وسرعان ماتلين كلماتها وتشرح لها حرصها علي ذهابه حتي لاينقطع حسه من الدنيا والناس تنساه ، نعم ، عمتي نفيسة لاتعرف ناسا الا في قريتها ، هؤلاء الناس الذين تعمل حسابهم وتراعيهم وتجاملهم وتقوم بالواجب معهم ، عمتي نفيسة تعتبر قريتها مركز الكرة الارضية تلف حولها وفقط ، هي تعتبر ذلك وعلي كل العائله وافرادها يعتبروا مثلها ويتصرفوا فيما يخص القرية والعائله بطريقتها وحسب ماتراه وفقط ....
ابي غادر القرية بعدما تزوج امي ، وعمي بقي في القرية حتي مات ، بقي فيها وايضا اسرته و اولاده ومنهم ابنته سميحة التي صمم زوجها الموظف في الوحدة المحلية بالقرية وقتما انجبت ابنته البكرية ان يسميها منورة رغم غرابه الاسم وندرته فرحا بجمالها وابتسامتها التي انارت حياته القصيرة ...مات نادر زوج سميحه بعدما قصفت  "كرشة " النفس عمره القصير وترك " منورة " مع سميحة ليصارعا في الحياة وتصارع فيهما ويعيشا ماكتب علي جبينهما ....
عمتي نفيسة حكمت علي سميحه تعيش معها في بيتها وتغلق دارها لان بقاءها وحيدة فيه هي وابنتها الصغيرة يخالف سلو قريتنا وعرفها الآمر ، عمي مرتضي فرح لان شقيقته ستتولي امر ابنته الارملة الشابة وصغيرتها  وتخفف عن كاهله حملها بعدما ترملت وبسرعه قبلما تفرح بشبابها ، عمي يعرف القرية وصخب نماميها وحلقات النهش التي تعقد في القهوة الصغيرة علي الجسر وفي ليالي حنة العرائس وفوق شواهد المقابر في ليلة نصف رجب وايام الاعياد ، يعرف ان القريه لن تترك سميحه في حالها ، ارمله شابه جميلة ، ستحوم طبعا حولها الشبهات والاشاعات ، سيغازلها الذئاب وحين تصدهم ينهشوها باكاذيبهم ، سيتقدم لخطبتها الصيع طمعا في الدار و" حتتين الصيغة " ووقت ترفض وتغلق باباها في وجههم سيمزقوها باشاعاتهم ، كل هذا يعرفه عمي ويؤرق لياليه بالهم ، ابنته الجميله سميحه صارت عازبة ، وهي وصمه عار في القريه الصغيرة التي تخاف علي سمعتها وشرفها اكثر من اي شيء اخر ...
عمتي نفيسة ، امرت وحكمت بانتقال سميحه لمنزلها ، واهي تونسني وتاخد بحسي واحميها وتخدمني ، انصاعت سميحة لحكم عمتي وموافقه ابيها وسطوة عائله زوجها الذين هددوها لو فكرت تتزوج وتدخل رجل غريب علي لحمهم لحرموها من صغيرتها للابد ....
عمتي نفيسة فكرت في نفسها واحتياجها لمن يؤنسها ويأخذ بحسها ويخدمها بعدما هرمت والعظمه كبرت والسن صار له احكام واوامر ، عمي مرتضي فكر في نفسه وبقيه اولاده والحمل الذي ستعيده سميحه لكاهله بعدما تصور انه خلص منها ومن مصاريفها ، خالتها وزوجها فكرا في نادر الذي اختطفه الموت من حضنهم فاورث ارضهم العزيزة لصغيرته منورة وارملته الشابه وخافوا علي الارض والطين يخرجوا لغريب تتزوجه سميحة ، سميحة لم تفكر في شيء واستسلمت لسطوة الاسرة واوامرها وسارت مثلما حكموا ، تغلق دارها ، حاضر ، تنتقل للعيش مع عمتها ، حاضر ، تخدمها ، حاضر ، وصارت الايام مثلما صارت ....
هل احدهم فكر في منورة ؟؟؟؟


                                                                  " البت طفشت ياعمتي "
                                                                                      سميحة


انهالت عمتي نفيسة علي وجه منورة بالضرب ، كنت في المطبخ عندما سمعت صراخها ، قفزت مرتاعه ، اجري صوب الصوت وصوت دقات قلبي اعلي منه ، ياضنايا ، اصرخ لاافهم لماذا تصرخ منورة وكأن نهشها ثعبان ، دخلت حجرة عمتي وجدتها تمسك بمنورة من " قبتها " و" تلطش " فيها بعنف وقوة ، القيت ببدني علي منورة الصغيرة انقذها من جنون عمتي ، نعم ، عمتي وقتما تغضب تفقد صوابها وعقلها ، خير ياعمتي فيه ايه بس ، منورة "تفلفص" من بين يديها وتجري تحتمي خلف ضهري ، تتبعثر الكلمات من بين دموعها ، فرطت حبات سبحة عمي المرحوم ، شرحت لي عمتي ان ابنتي الشيطانه لاتكف عن العبث بالمنزل ومحتوياته ، وانها سامحتها يوم رسمت علي الحائط بقلم الكحل ، ولسعتها علي اطراف اصابعها وقتما كسرت برطمان المربي علي ارض المطبخ ، لكن هذا كله كوم وسبحه عمك المرحوم كوم ثاني ، السبحه في الدرج تمد ايدها عليها ليه ، تفتح الدرج اللي مايخصهاش وتطلع السبحه ليه ، ايه قله الربايه دي ، اري حبات السبحه علي الارض ، ادركت فداحه جرم منورة والمصيبة التي افقدت عمتي صوابها ، سحبتها من خلف ظهري ولطمتها علي وجهها ، منورة فزعت وانفجرت في البكاء والصراخ ، اشفقت عليها ، غضبت من نفسي لاني ضربتها ، لكن النظرات الناريه التي تقذفنا بها عمتي تدفعني لضربها اكثر واكثر، تصرخ وتصرخ ، عمتي تبعدها عن يدي ، خلاص ياسميحه عيلة ، لااهدء ولااكف عن ضربها ، تمسكي سبحة عمي المرحوم ليه ، لااستمع لشرح طفولتها البريء وهي تحكي لي انها حاولت ترتديها عقدا ، ادخلت رأسها فيها لكنها لم تمر ، دفعتها فتمزق خيطها الوهن القديم ، هي كانت تلهو ببراءة ، لكن عمتي نفيسه لن تسامحها ولن تسامحني ، هي السبحة التي ورثتها عن عمي المرحوم ، التي تسبح بها بعد كل صلاة ، اضرب منورة وابكي ، تشدها عمتي من تحت صفعاتي وتمسح دموعها وتصرخ فيها ، غوري يابت من وش امك دلوقتي ، تجري منورة وتختبيء منا جميعا ، تختبيء من جنوننا وحمقنا واندفاعنا الاهوج الذي يوجعها صفعات ولسعات علي جسدها الغض ، تختبيء منها وتبعد عن انفجاراتنا الحمقاء ، اجلس علي الارض الم حبات السبحه ، امد ذراعي ااتي بالحبة البعيدة تحت الدولاب وتلك التي تحت السرير ، يمسح ثوبي تراب الارض ويعفر وجهي ببقاياه ، الاهانه تجتاحني ، منك لله يابا ، منك لله ياحاج مرتضي علي اللي عملته فيه ، لما جبرتني اعيش مع عمتي خدامه بلقمتي ، ازحف علي الارض ابحث عن حبات السبحة ،  ساجمعها والضمها في خيط قوي لتسبح بها عمتي عقب كل صلاة ،  تتحرك عمتي بعصبية في الغرفة ذهابا وايابا وهي تشاور لي ، وهنا ، وكمان هنا ، اسمع صوتها واري قدميها يقفزان بعصبيه وكأنها تسير فوق رأسي ، احسني دودة في الارض كمثل التي كنا نمسك بها صغارا طعما في السنارة ، احسني نملة صغيرة تجري بعيدا عن قدم طاغيه تبحث عنها لتدهسها انتقاما وغضبا من لسعه صغيرة لاتقصدها ، اجمع حبات السبحه في وعاء جلابيتي ، تنهمر دموعي ذلا واهانه ، يفيض بي الكيل والقهر ، الطم علي وجهي ، الطم اكثر واكثر ، لاافهم عمتي ولا سلوكها الاحمق، تضرب ابنتي وتبعثر كرامتها وحين اضربها انا تهربها من يدي ، لاافهم مالذي تريده ياعمتي مني انا وابنتي ، هل يعجبك زحفي علي الارض امامك ذليلة منكسرة ابحث عن حبات سبحة عمي المرحوم ، هل يعجبك انفطار ابنتي بكاءا امامك صغيرة قليلة الحيلة ، مالذي تريديه ياعمتي ؟؟؟
اعدها بتصليح السبحه واعتذر واعتذر واعفر وجهي بتراب حجرة نومها وخطوات مداسها واخرج من حجرتها ذليلة ، ابحث عن ابنتي فلااجدها ، اختبئت من جنوننا ، اناديها فلا ترد ، تخاف منا جميعا ، لو لم تخاف منها لخفت عليها ، اظنها فقدت الاحساس والانسانية ، طبيعي جدا تخاف من عمتي العجوز التي مزقت وجهها ضربا ، طبيعي جدا تخاف مني امها الحمقاء قليلة الحيله التي اكملت ضربها ظلما وقهرا ..
اختبئت منورة منا جميعا واعيانا البحث عنها ، في الحديقه ، في عشة الفراخ التي اعتادت تلاعبها ، تحت منضده السفرة ، في حجرة الجلوس ، اختبئت منا جميعا ، كنت ابحث عنها مرتاعه ، وحين مر الوقت ولااجدها ، بدأت ابكي ثم اصرخ ثم الطم ، اتمني امزق وجه عمتي القاسيه ، وجه ابي البليد ، وجه زوجي الذي رحل وتركنا اذلاء ، وجه خالتي مفيدة التي خافت علي الطين ولم تخاف علي الضنا ، وجه امي الصامته كأني لست ابنتها ولاتعرفني ، يامنورة ، يامنورة ، اصرخ وابكي ، البت طفشت ياعمتي ، طفشت ، تنهرني عمتي ، حتروح فين ياهبله ، حتلاقيه مخفيه هنا ولا هنا ، اناديها واصرخ ، بحثت في البيت وفي الحديقه وفي الشارع وعند بائع الارواح وعند الجميزة البعيدة علي المصرف وعلي راس الشارع البعيد فوق الجسر ، اجري حافيه في الشارع ، شعثه الشعر وجهي اسود من الخوف وتراب السكة المعجون فوق وجهي بدموعي ، يامنورة يامنورة ، يجري الاطفال خلفي ، يصرخون معي ، يامنورة يامنورة ، سنه سودة واسود من قرن الخروب ياضنايا ، رحتي فين ياضنايا ، اخاف اذهب لبيت خالتي واسال عن بنتي ، ستتهمني بالاهمال ، ستتهمني اني لااكترث بها واني انجبتها والقيتها كالخرفان الصغيرة في الحديقه وتفرغت لخدمه عمتي ، اخاف اذهب لبيت ابي واسال عنها ، سيلطمني علي وجهي ، ستصوت امي في وجهي لاني ام عار لم انتبه لابنتي وانشغلت بنفسي ، يامنورة يامنورة ................
كم ساعه مرت وانا ابحث عنها ، ساعه اثنين ، يوم اثنين ، سنه اثنين ، احسست الوقت دهرا كاملا ، الف عام فوق الف عام ، احسست ان ابنتي ضاعت للابد واني سأموت بحسرتها ، عدت بيت عمتي متوحشه اتمني انهش رقبتها واشرب دمائها وامزق السبحه وافرط حباتها في الرياح ، حياة ابنتي ووجودها امام سبحة عمي المرحوم ، يلعن عمي المرحوم وايامه السوده ويلعنك ياعمتي وايامك السودة ويعلن ابو العيشه كلها ، الطم وامزق وجهي ، عدت لبيت عمتي ، قابلتني علي السلم تصرخ في ، منورة هنا ياسميحه ، منورة هنا ، تأتيني من داخل الدار للحديقه ، افتح حضني واغلقه عليها ، ابكي واهذي ، كنت فين ياضنايا ، كده ياامه ، كده تعملي في امك كده ، كنتي فين ياقلب امك ، مالها بارده في حضني هكذا ، مالها صامته لا ترحب بي ، مالها تحدق فيا بعينين زجاجتين بلا مشاعر ، تشرح لي عمتي ، لقيناها خافيه في سندرة الحمام الصغيرة ، نايمه علي الارض بتعيط ، نزلتها من فوق وخدتها في حضني واديتها ارواح ، جريت وراكي اندهكي كنتي فص ملح وداب ......
مسحت دموعي وظننت ان منورة عادت لحضني !!! لكنها ابدا بعد ذلك اليوم لم تعد ، وغابت للابد!!!!

                           

                                                         "لن افشي لك ياامي سرنا الصغير"
                                                                                      مايسة


اخرجتني منورة من مصر الجديدة وشوارعها الضيقة لعالم واسع لم اكن اعرفه ولااتصور اني ساراه ، اخرجتني منورة من مصر الجديدة للقاهره الواسعه التي لم اكن اعرفها ، صلينا العيد في الحسين وسرنا وسط القاهره القديمه نهار العيد ، تسحب صغيرتيها في يدها وتضحك بلاسبب ، اكلنا رز بلبن بالقرفة وشربنا " حاجه ساقعة " من كشك مزركش بالبالونات والزينه البراقة ، اشتريت لابنتيها طراطير زاهيه فشكرتني منورة بصدق ، اوصلتها بسيارتي للمطرية ، اقسمت علي ادخل منزلها المتواضع واتغذي معها ، وعدتها بزياره ثانيه ، لمعت الدموع في عينيها وكأني خذلتها ، اقسمت لها بزياره سريعه واني ساقضي معها اليوم ، احتضني تهمس ، ربنا يجبر بخاطرك ، اخرجت زوجها ليعيدني للشارع العمومي خوفا علي من الزحام ...
الشوارع مزدحمه والمراجيح الخشبيه الملونه علي الارصفة والاطفال الصغار صاخبين فرحين يصرخون بلا سبب ، اتأمل الزحام والملابس الملونه البسيطه ، اتأمل جدائل الفتيات والفارق المعووج وسط رأسهن ، اتأمل الصبية الصغار يركبون العجل المزركش بالكريشة الملونة ، يتركون المقود ويلوحون بكفوفهم في الهواء ، يتراقصون بالدراجات وسط السيارات بجراءة واندفاع ، اصرخ خوفا عليهم وخوفا اصدم احدهم بسيارتي الكبيرة ، يطمئني يحي زوجه منورة ، ماتخافيش العيال هنا عفاريت وعمر الشقي بقي ، فجأ تتملكني رغبه اترك سيارتي الكبيرة التي اخجلتني وسط الاهالي الطيبين البسطاء الفقراء واستعر دراجه احدهم واقودها مثله والوح بذراعي في الهواء بمنتهي الحرية ، الشوارع مزدحمه وصاخبة وبائعي غزل البنات ينفخون في ابواقهم وبائع الطراطير يتراقص وهو يغني ويغوي الاطفال بالشراء والبنات الصغيرات يجرين وسط السيارات بجراءة خلف بائع البالونات ليشتروا منه فرحين بالعيد ، ابتسمت يعجبني الجو الحميم الذي تعيشه المطريه ولاتعرفه مصر الجديدة ، ابتسمت وتمنيت لو عدت لمنورة وجلست معها علي الكنبه المريحه تحت الشباك الكبير المطل علي الميدان واحتسيت الشاي بالنعناع الاخضر واكلت من القراقيش المحمرة باللية التي طهتها للفطار قبل الفتة والرقاق ، تمنيت لو عدت لمنورة ، لكني لم افعل ، ساعود لامي واسرتي واحتفل معهم بالعيد ، سازور منورة قريبا ، سابقي معها يوم بحاله ، سازور جارتها الطيبات كمان تصفهن ، ساجلس معها علي السطوح و" نقلي " لب البطيخ ونضحك و" مانحتلش " للدنيا هم ، كنت اتصورها اكثر الناس سعاده ، هكذا كنت اتصور قبلما اقترب منها وتفتح لي سرداب احزانها وتقص عليه كل عذاباتها ...
عدت مصر الجديدة ، الحي مازال نائما ، الشوارع صامته والبنايات العالية ايضا وكأن العيد لم يأتي هنا ولم يمر ببهجته علي الشوارع والسكان ، تركت سيارتي امام باب العماره وصعدت لمنزلنا افتقد الفرحه التي عشت بعض وقتها في المطرية ، سألتني امي اتأخرتي ليه ؟؟ وصلت منورة وبناتها المطرية ... وعرفتي ترجعي لوحدك ، اه ، مالك يامايسه ، سالتني امي ، ولا حاجه ، سالتني بالحاح اكثر ، وايه حكايه منورة هانم معاكي ، ابتسمت مافيش حكايه ، لن افشي لك ياامي سرنا الصغير ، كل منا تفتح ابواب عالمها للاخري ، لن افشي لك مااتفقنا عليه وماسنفعله ، لن اخبرك اننا سنذهب عند جامع الرفاعي لنأكل كباب في الشارع ، لن اقص عليك ماعرفته عن البرنس والملوخيه الجميله التي يصنعها ، لن احكي لك عن حمام السوق في باب الشعريه ، لن اخطرك بنيتنا نذهب لحضرة السيدة نفيسة وحلقه الذكر هناك ، لن اخطركي شيئا ، فهذا عالمي السري الذي سألج اليه مع منورة التي اتت من بلدتها غريبه عن القاهره التي عشت حياتي كلها فيها فاذا بها تعرف القاهره وانا لااعرفها ، طيب يالا اغسلي ايديك علشان نفطر ، ابتسمت ، حاضر ياماما وحلقت بعيدا بخيالي للمطريه اتساءل مالذي تفعله منورة الان ؟؟


                                                                وقالت حبات السبحة ......


اشعر ذنبا فظيعا يتملكني ولااقوي منه خلاصا ، انا التي ناديتها ، همست بصوت خفيض فسمعتني الصغيرة بقلبها ، كان الملل يتملكني وانا راقده تحت اكوام التراب في قاع الدرج العتيق الذي لم تمتد له يد منذ سنوات طويلة ، منذ مات الحاج صاحب المنزل وزوج الحاجه نفيسة وانا ملقاة باهمال موجع في قاع الدرج ، قبلها كنت في يده لاافارقه ، يتحرك بي اينما ذهب ويعود بي وقتما يعود ، اخرج معه للحقول الواسعه تحت الشمس واجلس معه في الدوار اسمع حديثه والاصدقاء والندماء ، في امسيات رمضان يسبح بحمد ربه علي حباتي فاسبح معه واشكر ربي علي كل نعمه ، في نهار العيد اذهب معه للجامع واسمع التكبيرات وارددها ، تسيل قطرات عرقه فوق حبلي تقويه وفوق حباتي تغسلها وتكسوها بروحه ، كنت في يده لاافارقه ، لكنه فارقني ومات ، رحل عن الحياه والدنيا وتركني كأني شيء لاقيمه له وانا التي طالما تسارعت حباتي بين اصابعه استغفارا ورحمة ، الحاجه نفيسه حملتني بحب ورفق والقت بي قاع الدرج العتيق ونستيني ، شكرت ربي انها لم توزعني مثلما وزعت بقيه ملابسه علي الغرباء وعابري السبيل ، نسيتني في قاع الدرج ، يوم اثنين ، سنه اثنين ، وكثرت سنوات الهجر وثقل الظلام وخنقة التراب فنسيت عدد السنوات ونسيت كلمات ربي واستغفاره وبقيت شيئا لامعني له ولاقيمه ...
في ذلك الصباح المشئوم ، سمعت خطواتها تتسلل للحجرة ، شممت رائحتها ، عرفت بوجودها ، بل اقول رأيتها تتراقص امام المرأة وتضحك ، حقدت عليها ، حره هي واسير انا في قاع الدرج ، اشتقت للمسه حب واعجاب ، تمنيت لو فتحت الدرج واخرجتني ، لو لمست حباتي باصابعها الصغيرة ، ربما تمنحني روحها بعض الحياه التي غابت عني وقتما مات الحاج وتركني وحيدة ، ناديتها ، نعم ناديتها ، كنت واثق ان الغرفه تخلو الا منها ، لن يسمع احد صوتي الا هي ، لو افشت سري للكبار سيقولوا عليها صغيرة حمقاء تخرف وتهذي ، لن يشك احدهم اني تحدثت معها فعلا وكيف يصدقوا مايصعب تصديقه ، ناديتها ، رجوتها تفتح الدرج وترفع عني روحي التراب الكثيف وتحتضني باصابعها الرقيقة ، رجوتها تفك اسري ، طاوعتني والفضول يتملكها ، فتحت الدرج بصعوبه ، الدرج ثقيل وعتيق وصرير فتحه مخيف، خافت وكادت تغلقه ، طمئنتها ، صدقتني ، فتحت الدرج وبعثرت اوراقه وعثرت علي في قاع الدرج ، حين لمستني عادت الحياه لروحي ، تشبثت باصابعها ، تسللت خارج الدرج علي اطراف اناملها ، اخذت تحدق في اعجابا وحبا ، مسحت التراب من فوق وجهي بذيل ثوبها المزركش ، سطحت حباتي بوهج العقيق وكأنها جمر من نار تسطع تحت رماد المنقد ، ضحكت وسرت ، اخذت تتقاذفني بين كفيها الصغيرتين ، كنت اطير واحلق سعيدا باللهو معها ، احلق من هذا الكف واحط علي الكف الثاني ، واعود ثانيه واحلق مره ثالثة ، الخطأ خطئي انا ، كيف فات عني ان الخيط الذي يربط حباتي بلي مع الايام وتحللت انسجته مع الزمن ، الخيط لم يسايرنا لهونا ، اتقافز من كفها هذا لذاك مره والثانيه وفي الاخيرة ، تمزق الخيط وانفرطت حباتي تجري في ارض الحجرة ، مازلت اتذكر نظرة الفزع والرعب التي ارتسمت علي وجهها ، كأن ملاك الموت حط علي كتفها ، كان مارد عفريت اشهر سيف في وجهها ، نظره فزع ورعب ، في البدايه لم افهم سببها وسرعان ماانتبهت ، دخلت جدتها العجوز الحجرة وبسرعه وذكاء مخيف ادركت ماحدث ، لاحظت الدرج المفتوح ، تعثرت في احد حباتي الي اختبأت تحت حذائها وكان ماكان ، امسكت منورة من ملابسها وانهالت علي وجهها ضربا ..... فررنا جميعا بعيدا عن ذلك الجنون ، كدت ارجوها تصفح عنها ، كدت انطق واتوسل اليها تعذر طفولتها واغوائي ، كدت وكدت ، لكني صمتت وخرست وتورايت وكأني لم ارتكب جرما ، اغمضنا عيوننا جميعا وتوارينا تحت السرير والدولاب الطويل وخلف المرايه وتحت السجاده وكأننا لسنا هنا ، اغمضنا عيوننا وتجاهلنا مايحدث لمنورة بسببي ، نعم انا شريكه تلك المجرمه في ضربها ، انا شريكة تلك العجوز في وأد براءتها واهدار طفولتها ، كدت اصرخ فيها ، زوجك مات وكدت انا وحباتي نتفتت مللا ، افرجت عنها وفرحتنا ومنحتنا بعض روحها وهاانتي تعاقبيها علي فرحتنا ، يالكي من امرأه شريرة ، كدت اصرخ فيها لكني صمت ، اغمضت عيني ولم اري مايحدث ، لكني بقيت اشعر ذنبا رهيبا لم افلح ابدا اتخلص منه ، كرهتني منورة وهي محقة ، كرهتني وكرهت الدرج ، لم تفشي سرنا لجدتها ولا امها ، لكن الضرب المبرح والوجع والاهانه الذين عاشتهم كرهوها في الي الابد ، ومازلت انا ملقاة في الدرج باهمال موجع والتراب فوقي خانق لروحي ومازالت هي تكرهني .... ليتني لم اناديها ، ليتني قنعت بحالي وتركتها في حالها ... ليتني وليتني ....



نهاية الجزء الرابع

وهج وردي في اخر الليل .... الجزء الخامس


الجزء الخامس  



ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى




                                                          " اعذريني البيت مش قد المقام "
                                                                                       منورة


مرتبكه ادور حول نفسي ، اتأكد من نظافه الصاله وادور باصابعي فوق المنضده والاذرع الخشبيه للكنب والمقاعد للمرة العاشرة اؤكد لنفسي نظافتها من الاتربة وعوادم السيارات وهواءها الملوث الثقيل ، افكر في ال" البطيخ " المثلج الذي اعددته لها وبرطمان الزتون الذي ساهاديها به ، كلما اقترب الوقت ازداد ارتباكي وتوتري ، لن يعجبها المنزل ، لن تزورني ثانيه ، ستتركني وترحل بسرعه متأففه من صخب الشارع وصراخ البنات ، ستفضحني عند امها التي ستذكرها بتحفظاتها تجاهي ورفضها لتعميق العلاقة بيننا ، ستتصل امها بجدتي نفيسه وتشكو لها قله ربايتي لاني تجرأت ودعوت مايسه بنت الاكابر في منزلي الفقير الحقير المتواضع في حاره صغيره بالمطرية ، ستتصل جدتي بزوجي وتأمره يضربني لاني خرجت عن طوع الكل و" باصة " لفوق ومديت قدمي خارج لحافي وعرضت حفيدة الاكابر لما لا تقبله العائله لها ، سيضربني زوجي فامزق وجهه باظافري واسب جدتي نفيسه التي افسدت حياتي صغيرة ومصممه تكمل افسادها..
سيعجبها منزلي وستحبني وتحب بناتي ، سترتاح من الحياه الضاغطه التي فرضتها عليها خالتي رضوي وجدي مصطفي ، ستجد راحتها عندي وتأتي بدل المره اثنين وعشره ، كل الافكار تتعارك في عقلي ، لااعرف كيف ستكون الزيارة ، مسحت الارض مره واثنين واخرجت المفرش الجديد لمنضده السفرة واخرجت اكواب الجهاز التي استخسرت استخدمها في البلدة ورفضت اقدمها لضيوف الباشتمرجي يحيي افندي زوجي ، اخرجتها ساقدم فيها العصير والحاجه الساقعه والميه المزهرة ، بيتي متواضع لكنه نضيف ، الحي شعبي مزدحم لكن حميم ، الصخب مزعج لكن مبهج ، هنا نعيش الحياه وعندكم في احيائكم الراقية الانيقة كل شيء جميل وبلا حياه ، طمأنت نفسي ، ستحب مايسه بيتي وحياتي ، وستقترب اكثر واكثر ...
دق جرس الباب دقه رقيقة مثلها ، وصلت ، لو جارتي لحطمت الباب من كثرة الطرق ولو ابناء الجيران لنسوا اصابعهم فوق الجرس وحرقوه ، تلك الدقه الرقيقه لمايسه ، تشبهها ، فتحت الباب وانفاسي متسارعة ، اهلا ، اهلا وسهلا ، نورتيني والله ، ابتسمت مايسه ابتسامه طيبه طمأنتني ، احتضنتها اهمس ، اعذريني البيت مش قد المقام ، تجاهلت همسي ودخلت للصالة بطبيعيه وكأنها تعيش معي ، بحثت عن نرمين ونسرين ، مرتبكتين يختبئا خلف ظهري وانا اكثر منهن ارتباكا ، فتحت حقيبتها ومنحتهما شوكولاته واحضان ، هنقعد فين ، سألت ، اشرت للكنبة الاسيوطي ، اتفضلي ، جلست وخلعت حذائها ورفعت ساقيها فوق الكنبة ، سألتها نسرين ، فين اولادك ، لطمتها علي وجهها ، ابلتك مايسه لسه مااتجوزتش ، ضحكت مايسه ، خدوا فالكم من عيالكم يبقي خلاص شكلي حاتدبس قريب ، وهمست ، تصدقي بنتك حرقت علي الكلام اللي كنت جايه اقوله ، اصل ، قاطعتها ، ايه جايلك عريس ، ضحكت لا مش قوي كده يامنورة ، لم افهم ، زميلي في الجامعه وبنحب بعض ، اظن وجهي اشتعل خجلا وصبغ بالحمرة القانية ارتباكا وفضولا ، صرخت في البنات لابعدهن عن حديثنا ، همست في اذنها ، وبتحبوا بعض حب حب يعني زي افلام السيما ، انفجرت ضاحكه ، ايوه ، زي افلام السيما يامنورة و............... لااعرف كيف دخل علينا الليل ونحن جالستين نحكي ونتكلم ، نخرج من موضوع للاخر وننسي ماكنا نتكلم فيه وقتما تبدأ واحده منا وبشكل عفوي الكلام في موضوع اخر جديد ، حكينا عن كل شيء في حياتنا والاهم حكت لي عن حبيب القلب الذي ستتزوجه قريبا ... ساعات وجودها مرت كالثانية ، ضحكنا واحسسنا بالسعاده ، البنات يرقصن وهي تصفق ، نشرب الشاي ونأكل الكيكه التي صنعتها لها خصيصا واعجبتها ، تسالني عن يحيي اخبرها انه يعود من عمله متأخرا ولانري بعضنا البعض ، تتخابث علي ، بتحبيه ، اشوح لها بيدي ، عندنا مايعرفوش الحب ولا بيصدقوا فيه ، راجل مناسب يعمر البيت ويستر البنت وخلصنا ، غصبوكي عليه ، اضحك ، عادي ، سلو بلدنا ، وانتي مارفضتيش ليه ، اضحك ودموعي تنهال علي وجنتاي ، رفضت وصوتت واتضربت علقه موت بالخرطوم واتجوزته وانا مجبورة ، عادي !!
 يرتسم الاسي علي وجهها ، المسافه بين بلدتنا واجباري علي الزواج وبين مصر الجديدة وزميلها الذي تحبه كالمسافه بين السماء والارض ، يمر الوقت ونحن سعيدتين و.... لازم امشي بقي ، احتضنها بحب فرحه بوجودها سعيدة بزيارتها و ... لازم تكرريها ، طبعا ورحلت ومعها الفرحه مثلما اتت بها ...
وحين انتصف الليل والقيت بدني المتعب علي فراشي ، حدقت في سقف الغرفة لااصدق مااعيشه ، مايسه بنت جدي مصطفي بنت الاكابر عندي انا منورة بنت مرتضي في المطرية وقعدت وكلت وشربت وضحكنا واتكلمنا وحكت لي عن حبيب القلب ، احدق في السقف لااصدق مااعيشه وما وصلت اليه ...
ايه يامنورة ، هي الدنيا ناويه تصالحك ولا ايه ؟؟؟؟
سألت السؤال وغفوت عميقا قبلما اجد اجابته ......

                                                                        " لازم نرجع البلد "
                                                                                        يحيي


ادي مصر وادي ايامها السودة ، مبسوطه ؟؟احدق في وجه منورة وهي جالسه علي الكنبة الخشنه في الغرفه الصغيرة التي تطل علي الشارع المزدحم ، عائد من عملي مقتول من كثرة الارهاق والتعب ، ساعتين اقضيهما كل يوم للذهاب للعمل ومثلهما للعوده لمنزلنا.. رفعت وجهها في وجهي وابتسمت ، اه..
تركتها ودخلت لحجرة النوم ، الجدران تكاد تطبق علي نفسي ، صخب الشارع يقتحم الجدران ويحتل الشقه الصغيرة بجنونه ، القي ببدني علي الفراش واغمض عيني نادما لاني رضخت لدموعها وتركت بلدة الخير الامنة الهادئه وحياتي البسيطه هناك لاتي هنا لهذه المدينة المتوحشه التي تدهس الغرباء وتزيد حيرتهم ، كل شيء في هذه المدينه يقتلني ، الصخب الزحام الاتربه المتطايره تردم انفي وفمي ، المواصلات المزدحمه ، طابور الخبز الذي يهد حيلي حتي اجلب لبيتي وبناتي وامهن الخبز الرديء الذي يتأففن منه ، اتذكر خبيز امي ورائحه الخميرة والمرحرح الساخن واندم اكثر واكثر ...
العمر كله مر ونحن في ذلك الصندوق الاسمنتي الضيق ، الشقه الصغيرة التي لم افلح براتبي الصغير في استئجار غيرها ، الحي المزدحم ازداد ازدحاما ، الحارات المتكدسه بسكانها ازدادت صخبا وجنون ، مشاجرات الجيران توقظني من اعز نومه مفزوعا ، اصوات السيارات ونداءات الباعه وصخب الماره ، كل هذا يزيدني جنونا ، منك لله يامنورة ، ادعي عليها من اعماق قلبي ، كنت هانئا في قريتي الصغيرة ، اعيش في داري الملك واتابع ارضي وزراعتي واود امي واستريح علي المقهي الصغير علي رأس الجسر مع اصدقائي نضحك بلا هم ، تركت كل هذا خلفي وتبعت زوجتي الحبيبه وتركت داري فقل مقداري وطار عقلي وتملكني الجنون ، صرت عصبي ،اتشاجر وذباب وجهي ولااطيق نفسي ولا الجميع ، اتشاجر مع زوجتي واصرخ فيها ، اصرخ واصرخ وهي بارده تتابع صراخي وكأنها تعرف اني في النهايه ، سانزل علي "فاشوش" ، بعض الغضب الاحمق وسيذهب لحاله ، اتشاجر معها واضرب البنات واحطم الاطباق واعوي كالذئب الاسير ، احنا لازم نرجع بيتنا يامنورة ، تحدق في وجهي وتكاد تضحك ، سلامتك ياباش تمرجي مااحنا في بيتنا ، تفهم مااعنيه لكنها تلاوعني تكيدني ، لااقصد تلك الحجرة الاسمنتيه التي تفح جدرانها بالحرارة والرطوبة والخنقة والموت ، اقصد داري في البلد ، شرفته البحريه وارضي التي تحيطه بمزروعاتها اليانعه ، اقصد داري في بلدتي الصغيرة ، البلدة التي يطمئن هدوءها قلبي ويسكن روحي ويحيطني بدفئه وهناءه ، هي تفهم مااقصد لكنها تلاوعني ، شرحت لها بدل المره عشره اني لااطيق الحياه هنا ، ترد علي ببرود ، ارجع براحتك لاانا ولا البنات حنتحرك من مكانها ، البنات ، الشوكه التي توخز جنبي ورجولتي ، البنات كبرت في الغربة ، تغيرت اخلاقها وشكلها ، صرن مثل الفتيات الغريبات التي اراهن في الشوارع المزدحمه ولايعجبني شكلهن ولا اخلاقهن ، بنات وجهها مكشوف وبرقع الحياء سقط تحت اقدامها منذ زمن بعيد ، خلعن الجلاليب الواسعة بورودها الكبيرة وارتدين الفساتين " الالفرنكه " التي تأتي بها لهن منورة ، تغيب عن المنزل ساعات طويله وتعود بحقائب مكدسه ، تزور اقاربها وتقضي ساعات طويله معهن ، منورة شكلها تغير وطباعها ايضا ، ليست هي الفتاه الوديعة الجميله التي عشقتها وافلحت اخطفها في حضني وداري ، ليست هي التي كانت مكسورة الجناح تعيش في بيت جدتها الحاجه وتتمني الفرار من بطشها وقسوتها ، ليست هي التي جحدتني بنظراتها النارية اللعوب وكتبت لها تتمناني اتقدم لخطبتها لانقذها من جدتها وعنفها ، تغيرت منورة وتغيرت البنات ، تغيرت الحياة كلها ، حتي انا تغيرت ، الحكيم سألني عما فيه وسبب عصبيتي وجنوني ، مللت من الاعتذارات اليوميه التي اسوقها له وقتما افتح العيادة متأخرا عن ميعادي ، كل يوم تخطفني المواصلات وتفقدني وعيي وصوابي ورزانتي ، الشوارع المزدحمه ورائحه العرق النفاذ والحرارة الخانقه ورائحه العوادم ، كل هذا يحتلني ، يفسد نهاري ويومي ، اصل لعملي متأخرا ، اعتذر للحكيم عن حالي ، اذكره بانضباطي وقتما كنا في بلدة الخير ، اشكو له من العفريت الذي احتل روحي وقتما تغربت عن ارضي وسكنت المدينة الموحشة ، يضحك الحكيم ويطالبني بالتعود علي حياتي الجديده ، اسمع نبرات صوته البارده واكرهه ، انت سبب انهياري وفساد حياتي ، لو بقيت في بلدة الخير ماعشت الاهوال التي اعيشها ، لااتعود ولن ، اصرخ انادي منورة ، تأتيني هرعه ، لازم نرجع البلد ، تضحك ساخره ،بل وتلاعب لي حواجبها وتؤكد علي ، ارجع انا ، لاانا ولا بناتي حنتحرك من مكانا ، اهم لاضربها ، تبقي ثابته وكأنها تتحداني ، لاتخاف مني ولاتعمل حسابي، لو اقتربت اكثر ستضربني، نعم ، واثق من مشاعري ، توحشت منورة وستضربني وتبعثر كرامتي في بيتي لاقتلها ، في بلدة الخير لو رفعت المرأة صوتها علي زوجها لحطم عظامها واشتكاها لابيها ليكمل عليها ضربا وسبا ، المرأة المؤدبه المتربيه التي خرجت من بيت اصول لاترفع صوتها علي زوجها ، هكذا كانت منورة ، كنت اسبها وتصمت ، والكم صدرها بقبضتي وتصمت ، واجذبها من شعرها وامزقه فتصمت ، كبيرها تبكي حتي ارأف بحالها واصالحها ، ابدا لم ترفع صوتها علي وطبعا لم ترفع يدها صوبي ، الا هنا ، في تلك المدينه المتوحشه ، توحشت منورة ، اصرخ فيها فتصرخ بصوت اعلي وتمتليء صالتنا الصغيرة بجاراتها يلوموني لاني لااصونها كمان يتعين علي ، ذات ليله سوداء جذبتها من شعرها ، كانت تخبرني بنيتها زياره اقارابها طيله يوم الغد ، صرخت فيها ان البيت زباله والبنات سايبه وانها لاتقوم بواجباتها الزوجيه ولا تطهي ولاتغسل ملابسي ولا تدللني ، شددتها من شعرها ولففت خصلاته الطويله علي قبضه يدي ، اهتزت رقبتها وكأنها ستسقط فوق صدرها ، تصورت اني روضتها وادبتها وعاقبتها ، تصورت اني كسرت نفسها ، لكنها صرخت بصوت عالي شق الليل الساكن بفضيحته ، صرخت وصرخت ، ارتبكت ، اخرسي يابت ، لكنها لاتخرس ، اجذبها من شعرها اقوي علها تصمت لكن صوتها يرتفع ويرتفع ، تسبني ، نعم ، هذا ماسمعتها تقوله ، ياراجل ياعيضه ، تركت شعرها وانهلت علي وجهها تلطيشا ، مازالت تصرخ وكلماتها القاذعه تحاصرني وتهدم رجولتي وكياني ، ماعاشت ولا كانت من تتطاول عليك يازينه الرجال ، وكأني سمعت امي ترثي لحالي ووضعي المهين ، انهلت علي وجهها اقلاما وعلي رأسها لكمات قويه لتحطمها ، تدفعني في صدري ، تدفعني بعيدا عنها ، من اين اتت منورة التي تزوجتها مكسورة الجناح بتلك القوة ، تدفعني بعيدا عنها بكل قوتها فاكاد اطير ، تتراقص قدامي علي الارض وكأني سأهوي ، يجن جنوني ، اضربها اقوي واقوي ، ساحطم ضلوعها ساكسر جمجمتها ساسحقها ، ازداد عنف وجنون ، تزاد جنون وغضب وحمق ، المح كفها يأتي من السماء ليهوي علي وجهي ، ساقتلها ، ابتعد عن كفها ليهوي في الفراغ ، اقبض علي ذراعها لاكسرها ، افلتت ذراعها مني وصراخها يحطم الجدران ، صراخها وصراخ ابنتيها ، مادت بي الدنيا ودارت ، احس دماءا بارده تصعد لرأسي وانتشر الضياء وسط ظلمه الليل ، فهويت ...................... من يومها وانا مقهور كسير النفس لاافكر الا في العودة لبلدتي وداري واهلي والحقول الخضراء ، كل نهار اخرج من منزلي مقررا الا اعود ، لن اذهب للعمل ولن اعود لها ، ساغادر تلك الحياه الموحشه لبلدتي ، بلدة الخير ، كل يوم اقرر وكل يوم ادور في ساقيه الحياة اسيرا ، اذهب للعمل واعود للمنزل اتشاجر معها واسبها ولاتكترث بي وحياتي تسير سوداء اسود من ليل البلدة في ليالي غياب القمر ، غدا سأرحل ، وغدا لايأتي ، غدا سأرحل ، وغدا يتواري منه فلايرحل ويبقي ..
مغمض العينين علي الفراش المتأرجح يحلم بالفرار من المدينة المتوحشه لبلدة الخير ، يضغط علي اسنانه ويتوعدها بالموت حين يعود للبلدة ويقص علي جدتها فضائحها وقله ربايتها وسفالتها وارتفاع صوتها ، يتوعدها بالموت حين يطلقها ويعيدها ذليله لبيت جدتها تخدمها ويحرمها من بناتها ويطلق لسان امه السليط علي بدنها يجلده و........... يرتفع صوت شخيره عاليا وهو يحلم ينتقم من منورة التي اذلته بحبها وغربته وايامها السوداء ...
ويهمس بين اضغاث احلامه ، سأعود للبلدة ، سأعود ...


                                                                    " مش حيحصل ابدا "
                                                                                       مايسة


انتي جيتي القاهره ليه ؟؟سألتها لاانتظر منها اجابة ، لكنها قالت وقالت ...
حكت لي بالتفصيل عن كل حياتها ، كأنها كانت تنتظر سؤالي الذي تأخر طويلا ، كنت انصت لها وانا لااصدق الفيلم الذي تقصه علي ، لايمكن تكون هذه حياتها ، احدق في وجهها المحتقن وهي تحكي وتحكي ، عروق رقبتها النافرة ، اسنانها التي تضغط علي بعضها تكاد تفتتها  ، دقات قلبها المتلاحقة كأنها تعيش كل ماعاشته مرة اخري ، تتسع حدقاتي اكثر واكثر ، غاضبه من جدي مرتضي وجدتي نفيسة ، اشفق علي خالتي سميحة ، اكره يحيي ، احزن علي نادر الذي اختطفه الموت ، روحي تتلبس جسدها وتمتزج وروحها واعيش معها كل ماعاشته ، تتساقط دموعي فزعا وتبقي دموعها احجارا تمزق مقلتيها ولاتسقط فرجا ، تربت علي كتفاي وتشدني لحضنها تهون وجعي ، انا التي اتوجع علي مامررت فيه وانتي التي تهوني علي وجعك ، لااصدق مااعيشه معك يامنورة ولااصدقه ماعشتيه ..
هل تلك الليلة كانت الفارقه بيننا ، وكأن كل ماعشناه معا مجرد لحظة صغيرة تافهه وماعشته معها في تلك الليلة وذلك الوقت الموجع ومابعده عمرا حقيقيا نسج بيننا حكايه وقرابة ووصل فصار بيننا كل ما صار...
في تلك الليلة الغريبة فرت منورة من يحيي  وتركت ابنتيها وخرجت متسلله وسط الليل من الحارة الصغيرة التي تعيش فيها واتت منزلي ورجاء ترتعش وتبكي ، في تلك الليلة الحياه ضغطت عليها اكثر مما تتحمل وتقوي ، وهنت عزيمتها وارادتها في القتال والحرب، احست نفسها اسيرة كالذبيحه تساق جبرا للسكين بلا حق حتي في الغضب ولا الحزن ، قررت تفر من حياتها ومنهم جميعا ، ساقتل نفسي ، قالت لنفسها ، فتحت الباب وخرجت وسط الليل هائمه علي وجهها في شوارع المدينه التي رغم كل ماعاشته فيها غريبه عنها لاتعرفها ، تمنت لو دهستها سيارة فتموت وتستريح ، لكن السيارات تحاشتها وهي تلقي نفسها في نهر الطريق تحت عجلاتهم ، طال سيرها اليائس في الشوارع ولم تجد امها الا بيتي لتحتمي فيه من كل ماتعيشه ومن نفسها ...
 طرقت الباب بدقات قوية فزعه وكأنهم يطاردوها ليقبضوا علي روحها وعليها ، فتح لها رجاء غاضبا من ازعاج الغرباء وسط الليل متصورها تائه ضل العنوان او عامل في احد المطاعم القريبه نسي رقم الشقة التي يحمل لها الطعام ، استعد رجاء لمشاجره عنيفه مع الطارق علي الباب الواقف خلفه ، حينما شاهدها تنتفض وتبكي نسي غضبه الذي تبدل وبسرعه لشفقة فياضة ، منورة ؟؟ لايصدق مايراه ، اتفضلي ، بقيت مكانها خجلة مرتبكة وكأنها تعتذر عن ازعاجه وعن زيارتها المفاجئه ، لم يتركها رجاء علي الباب تنتفض وتبكي ، سحبها من ذراعها وادخلها لغرفتي والقاها بجواري علي فراشنا الذي تركه ونام في الصالة واوصاني اهتم بها ، يحبها رجاء ويشفق عليها ، لايعرف لمشاعره سببا حقيقيا ، هي واحدة من قريباتي وليست الاقرب ، يعرف رجاء واعرف انا ، لكن الوصل بيننا ممتد وصادق ، يصدقها رجاء ، قال لي منذ لحظه لقاءهما الاولي انه يصدقها ، ينفض عنها الصخب والزيف ويجد في اعماقها البعيده فتاه حائرة مرتبكه تخاف من كل مايحيطها صادقه في مشاعرها التي تخفيها وتراكم عليها طبقات ثقيله من الاكاذيب والزيف دفاعا عن وجودها في الحياة التي لاتعترف بوجودها ...
انها تلك الليلة الموجعه التي عرفت فيها منورة بحق وعرفت كل ماتخفيه في نفسها من اوجاع وحزن ، عرفتها وعرفت كل تفاصيل حياتها المحزنة ، وقبلما ننام والفجر يداهم الليل بضياءه سألتها ، انت سبتي بيتك ليه ؟؟؟ همست يحيي عايز يرجعني البلد بالغصب ، وجدتني انتفض ، مش حيحصل ابدا ، في تلك اللحظه طالعني وجه عمتي نفيسه وقسوتها وخالتي سميحه وانسحاقها وجدي مرتضي وسلبيته واحسستني مسئولة عن منورة وحمايتها ، الكل تخلي عنها ليحيي واستراح من عبئها والقي همها علي الزوج الذي ابدا لم تحبه وابدا لم يفهمها وتركوها له ليدمر ماتبقي من حياتها ويكسر ارادتها ، علشان كده طفشت !!! اخذتها في حضني وانا اعدها ، اني ابدا لن اتخلي عنها ولن اسمح له يجبرها تفعل مالاتريده و...... الصباح رباح ....


                                                                  " والناس جابت سيرتنا "
                                                                                       نفيسة


هي بتك فاكرة نفسها ايه ؟؟ فاكرانا انكسرنا ومالناش كلمة عليها ؟؟ صوتي واهن لكنه قوي وحازم ، تجلس امامي سميحه علي طرف الفراش ، هي فاهمه انها حتمشي علي كيفها وتحل شعرها وتفرد قلوعها ، تحدق في مرتبكه ، مابترديش ليه ، تهمس سميحة ، معنديش كلام يتقال ياعمتي ، ليه ، شدي ليها تليفون وازجريها وهدديها باخوالها وفهميها ان حياتها رخيصه ولاعاش ولا كان اللي يلطخ شرفنا في الوحل ، يرتفع صوتي فاسعل سعال جاف موجع ، تجحظ عيناي وكأن روحي ستخذلني وتترك جسدي الوهن وترحل قبلما اكسر رقبة منورة واعيدها للادب والاصول ، طيب اهدي ياعمة اهدي وكل شيء يتصلح ، لايعجبني حديثها الماسخ ورقتها فيما لايجوز فيه الرقة ، بتك خرجت عن طوع جوزها وعصت كلام ابوكي ورفضت تجيني وماشيه علي هواها وانت لاكلمه ولا فعل ، طول عمرك خايبه ياسميحة ... تصمت وتلمع الدموع في عينيها ، ايوه خايبه وقليله الحيلة ، لو دي بتي كنت بحرت ورحت حداها ونسلت المداس علي راسها وكسرت رقبتها علي صدرها وجريتها وبناتها ورايا ورجعتها لطوع جوزها وطوعنا ، لكنك قاعده تعيطي وبس ، الراجل داخل خارج واهله بيشتكوا والناس جابت سيرتنا ومرغت هيبتنا في التراب وانت ولا فارق معاكي بتعيطي وبس ... يرتفع صوتي وتنفر عروقي وينهمر العرق البارد من جبهتي واتمني لو منحني ربي بعض القوه لاقلع منورة من الارض الشراقي واعيدها لدار زوجها طوع كسيرة الجناح والنفس ، لكن القوه ذهبت والحيل اتهد ومابقاش فيا غير لسان يسلخ سميحه زي الكرباج بلا فائده ولا طائل ...
اسعل واسعل واسعل ... تأتيني سميحه بكوب ماء وتتشاهد ، اتشاهد واشرب واعتدل علي الفراش ، ساعديني يابت ، تقبض علي وسطي وتكاد تحملني ، تضع المخده الصغيره خلف ضهري ، اسمعيني كده وماتصغريناش ، اؤمري ياعمتي ، هي بتك بتعمل ايه في مصر ، بتربي عيالها هناك ، بتصرف عليهم منين ، اياكش عايشه علي اعانات رضوي وبناتها زي الشحاتين والغجر ، تهز راسها نفيا ، العيب مش عليها ، العيب علي اللي فتح الباب للطوفان ، العيب كله من مصطفي واللي عمله فينا وفي العيله ، لاف علي الغريبه البندريه وهجر البلد ونسي الاصول ، واهي بنتك زيه بتمد جدرها لبره ، ياعمتي منورة غلبانه وعايشه هناك بتربي بناتها بتشتغل عليهم وكاسره ضهرها لصالحهم ، وايش جبرها ، مارجعتش تخبز وتعجن وتنضف دار جوزها ليه ، ايش جبرها ، ولا يابت تكون بنت لايفه علي بندري زي عمك وطفشت جوزها و.... تنتفض سميحه وتقاطعني بغضب رهيب ، كله الا كده ياعمة ، الا الشرف والعرض وسيرة الحريم ، لااصدق ملامح الغضب علي وجهها ، لاصدق نبرة صوتها العاليه ، لاافهم لماذا انتفضت من مكانها وكأن عقربه سامه لدعتها ، اسمعي ياعمه ، انا استحملت كتير وصبرت كتير وقلت وماله قدري ومكتوب علي جبيني ، احاول اقاطعها وانهرها لكنها لاتعطيني فرصه ، تتكلم بسرعه وقوة وعنف ، وكأنها ليست سميحه التي كسرت رقبتها ونفسها وعلمتها تنام تحت قدمي كالكلب البلدي ، انا شربت المر من كيعاني علشان اربي البت دي وعملت كل اللي ربنا قدرني عليه ، كفايه انا ياعمه ، كفايه اللي عملتيه فيا ، انسي منورة ، انسيها ، سيبها تعيش حياتها ، الحلو ليها والوحش ليها ، انسيها ياعمة ، وحياة النبي تنسيها ، البت بتربي بناتها وبتشتغل عليهم والبنات في المدارس وحتدخلهم الجامعه ، انسيها وخلي البلد واهلها ينسوها ، وليها رب اسمه الكريم ....
احدق في سميحه لااصدق ماتقوله ، سميحه فاعت وابنتها فاعت ونسيوا الاصول وصغرونا ....
احدق فيها غاضبه من الشيخوخه والعجز ، لو كنت بصحتي لسافرت وجذبتها من شعرها وكسرت عظامها وعلمتها الادب وان الله حق وسلو بلدنا سيف علي رقبتها وتقاليدنا وعادتنا اهم من ابوها وامها وان طاعه زوجها من طاعه ربها وانها فاجره وخرجت عن طوعنا وانها ملعونه دنيا واخرة ، لكني مريضه عجوز وهنة لااقوي حتي علي دخول الحمام الا بمساعده سميحة التي انتهزت مرضي وفردت قلوعها وطاحت وكأن كل عمرنا وتربيتنا ضاعوا هباء ، احدق في سميحه لااصدق مااسمعه منها وابكي وابكي ، ابكي بلادموع فقط حسرة ووجع و............ تقسم لي سميحه ايمانات مغلظه اني نمت مكاني وارتفع صوت شخيري وانها احكمت علي الغطاء واظلمت الحجرة وخرجت ، كل هذا وانا لم اشعر بها ، انصت لها صامتة لااصدقها .... اللعنة علي العجز والشيخوخه وطول العمر ....



نهاية الجزء الخامس

وهج وردي في اخر الليل .... الجزء السادس


الجزء السادس  




ماخابرش ليه الوجع
ما بقاش بيوجعنى
و ليه دموعى السخينة
دايما ترجعنى
للى مضى و انقضى
و ارحل ... ترجعنى
بادق بابك .. يا تفتح
يا ترده ....يوجعنى





                                                               " حاجي لك بكره نتكلم "                                                                                       مايسة

مابتفكريش تشتغلي يامنورة ؟؟ سألتها واثقه من اجابتها ، سترفض ، ستخاف من التجربة ، مازالت القاهره تربكها ، كل شيء جديد تخاف منه كأن ذئب متوحش سينهش قلبها ، ياريت !! صرخت في التليفون ، بجد يامنورة برافوا عليكي ، كنت خايفه قوي ترفضي ، ارفض ليه هي مش شغلانه شريفه ، طبعا ، يبقي خلاص ...
شرحت لها ان زوجي يحتاج معاونه له في عمله يثق فيها واننا لم نجد خيرا منها لتشغل تلك الوظيفه ، ازرق صوتها وانطفئت بهجته ، لا كده بقي كلام ثاني ، انا صعبانه عليكي وعايزيه تتصدقي علي ، اصرخ فيها ، ايه الكلام الفاضي ده طبعا لا ، هو انا ينفع اشتغل مع المهندس راجي ، افهم انا ايه في شغله ، بقولك ايه ، حاجي لك بكره نتكلم واشرح لك الموضوع ، حتلاقيه بسيط جدا مش زي ماانتي متصورة ، بكره علي 7 بليل حاجي لك اتفقنا ، بصوت مرتبك ، اتفقنا و..... انهيت المكالمة ...
ذكيه جدا منورة ، لماحة ، ارغب في مساعدتها ، زوجها عاد للبلد وطلقها وتركها تعاني الحياه بتفاصيلها المرعبه وصغيرتها في يدها ، ارغب في مساعدتها ولاارغب اتصدق عليها ، ليست القصه مبلغ شهري يصلها تدير بيه حياتها وهي البارعه ويكفيها اقل القليل ، ارغب في مساعدتها ، في اخراجها من الجب الذي اسقطتها فيه جدتي نفيسه وجدها مرتضي والظروف والزمن والبلدة واعرافها المتسلطة ، لم تكمل تعليمها واكتفوا لها بشهاده الدبلوم وزوجوها ، لم يؤمنوا لها مستقبل ، لم يفكروا في حياتها ومصيرها لو طلقت ، الطلاق بعيد عن ذهنهم ، البنات المحترمة في البلدة لاتطلق تتحمل ولاتطلق تسف التراب ولا تطلق فلماذا نفكر فيما لن يحدث ولن نسمح بحدوثه ابدا ، هذه افكارهم وعقليتهم ، ولو مات زوجها وترملت تعود بيت ابيها لتعيش وتأكل وتخدم الاسرة كمثل كل ارامل البلدة ولو ضاقت من الخدمه تلقي باطفالها لاهل زوجها وتتزوج وتنساهم ، هذه قراراتهم واوامرهم التي تسير كالسيف علي رقاب كل الاناث ، لااحد يفكر في مستقبل للسيدة وقتما يغدر بها الزمان ، لكن الزمان غدر بمنورة ، طلقها يحيي بعدما استقال من عمله واصر يعود للحياه في البلدة ، امرها تصاحبه وتعود معه لداره والحياة التي يعرفها ويحبها ، رفضت ، هددها بالطلاق ، كانت تموت وقتما تفكر فيما يتعين عليها تفعله ، فكرت كثيرا حتي نحل عقلها وظنت انها جنت من كثر التفكير ، جافت النوم والحياه ، يحيي يضغط عليها والحياه ايضا ، احلامها تضغط عليها والبلدة ايضا ، العوده للبلده وحياتها الراكدة البائسة اليائسة موت مخيف  ، وبقاءها مطلقه في القاهره بصغيرتيها وحيده بلا سند وبلا عائل وبلا مستقبل موت مرعب  ، تحداها يحيي فتحدته ، اراد يكسر رقبتها فكسرت ظهره ، لن تعود لسجن جدتها نفيسه وسطوه البلده واعرافها وداره التي يحبها وتكرهها ، لن اعود معك ، صرخت في وجهه ، لم يأخذ صراخها مأخذ الجد ، تصورها ستلحق به مرتاعه وقتما يترك ويعود ، لكنها لم تلحق به ، انتظرها يوم واثنين واسبوع واثنين وهي عنيدة مصرة علي موقفها ، استعدي عليها اهلها ليضغطوا عليها لتعود له ، تصورهم سيسافروا يجروها من شعرها ويأتوا بها مربوطه بحبال جبروتهم لتلثم قدميه وتتمناه يصفح عنه ، لكنها لم تفعل ، انتصرت عليه وعلي اهلها ، بيعي العفش ورجعي الشقه لصحابها وارجعي ، مطرح ماجوزك يكون تكوني ، انت ضله ومكان مايمشي تمشي وراه ، رفضت وصممت ، لاانتي بنتنا ولا نعرفك ، لما نموت ماتجيش تاخدي عزانا ، حنفتح الطربه ونقفلها وننصب صوان وناخد عزاكي ونقول بنتنا ماتت ، اخواتك حيجيوا يربطوكي من ايديكي ورجليكي وياخدوكي في شوال ويرجعوكي لجوزك ، ماعنداش بنت تعصي جوزها وتدور علي حل شعرها ، كل شيء فشل معها ، حاموت نفسي والختمه الشريفه ، خدوني جثه ادفوني وصوتوا علي ، انسوني وقولوا ماتت ولي رب اسمه الكريم ، وانتصرت منورة علي البلدة واعرافها وماتت بامر جدتي نفيسه التي امرت الجميع يقطع علاقته بها ومالناش بت في مصر اسمها منورة ، كانت والله يرحمها ...
سألت نفسي كثيرا كيف تعيش ، كرامتها عزيزة ، تراوغني كلما اقتربت من تلك المنطقه الضبابيه ، كل شيء بيننا مكشوف وكل خصوصياتنا معروفه الا ذلك الامر ، تعمدت منورة تبعدني عن تفاصيل حياتها ، لم تقل لي كيف تعيش وكيف تنفق علي صغيرتيها ، حاولت اعطيها بعض المال رفضت وخاصمتني ، انا مش شحاته ومش حاكون ، لما احتاس في نفسي والنار تجري في القصب والحيل يتهد ، حارجع البلد واللي مكتوب علي الجبين لازم تشوفه العين ...
اقترح علي زوجي اشجعها لتعمل ، دي مابتعرفش تعمل حاجه ، تتعلم ، هي ذكيه وحتتعلم بسرعه ، مابتفكريش تشتغلي يامنورة ؟؟؟
وساذهب اليها غدا ، ساتحدث معها بلاخجل ، ساخبرها انها ذكيه لكنها تحتاج تتعلم كثيرا لتصلح في الوظيفه التي يقترحها عليها زوجها ، ستقبل وستتعلم بسرعه وستنجح في وظيفتها الجديدة وستتغير حياتها بحق فتملك زمام امور حياتها ومستقبلها وتتمرد بحق ولاول مره علي البلدة وتقاليدها واعرافها المستبده وعلي جدتي نفيسة ....


                                                                   وقال المكتب العتيق .....


علي ذات الكرسي وامامي من سنوات بعيدة ، جلس اناس كثر ، جميعهم يأتوني شباب طموح يراوده الامل في شيء جميل لايعرفه وينتهي بهم الحال موظفون غاضبين يشكوا من الرتابه يكسوا ملامحهم ذات التراب الذي يطبق علي انفاسي وسطحي ينتظروا ساعه الانصراف للرحيل وينتظروا اول الشهر لقبض الراتب القليل وينتظروا مغادره المدير للمبني ليكفوا عن الادعاء بالانشغال ومراجعه الملفات الكثيرة المتراكمة فوق سطحي ...
كنت في ذات يوم بعيد ، مكتب خصصني المدير لسكرتيرته الحسناء ، كانت تملأ ادراجي بادوات التجمل وامشاط الشعر ودواوين العشق والغرام ، تقضي يومها هائمه غائبه الفكر ، ذراعيها ملقيتان باهمال جميل فوق سطحي الاملس وعنقها الصغير مسنود عليهما وحدقتيها مفتوحتين غائبتين في افكار فشلت كثيرا لافهمها ، حينما اكتشف المدير انها خامله لاتعمل رفدها واحضر رجل فظ ليكون مدير مكتبه ، فتح الادراج والقي كل مافيها في سله القمامه وشهر بالسكرتيرة السابقة واسماني صالون الحلاقة وصمم يخرجني من غرفته ويأتي بمكتب جديد يناسب جديته وتفانيه في العمل ، القاني الساعي العجوز في غرفه مليئه بالاشياء المحطمة ، وسرعان ماعرضتني المؤسسة للبيع ، اشتراني بائع روبابكيا واحتفظ بي متباهيا بخشبي العريق وتصميمي الانيق وان جار علي الزمن ، بقيت علي الرصيف امام محله الصغير تتراكمي علي سطحي قاذورات الطريق والاوراق التي تلقيها السيدة المجنونه من سطح العقار ، كدت ايأس من حالي وتصورتني قريبا احطم لقطع صغيرة من الاخشاب تشعل "راكية" النيران التي تدفيء مالكي في الليل البارد كل ليلة امام دكانه الصغير ، لكن الرجل الانيق الذي وقف امامي يتأملني ودار حولي اعجابا وفحصا انقذني كملاك حارص من مصير محتوم ، ابدي اعجابه بخشبي وتصميمي ومنح مالكي مااراده من سعر وحملني بمنتهي الاحترام لشركته الصغيرة ، سمعته يصف جمالي لزوجته ويؤكد لها انها ستبهر وقتما تراني ، جلب لي نجار واوستورجي وطلب منهما يعيدا بهائي مثلما صنعت منذ سنوات بعيدة ، الحق بذلا كل ماقويا عليه من جهد ببراعه ودقه فسطع سطحي كالمرآه وتحررت من الجلخ والقاذورات وكفت قوائمي عن الصرير وتحولت لقطعه فنية كعروس ليلة زفافها ، ابدت مايسه زوجه رجاء مالكي الجديد اعجابها بي ، بل عبرت عن انبهارها بشكلي وحاولت تبحث عن توقيع ممسوح علي احد ادراجي هنا او هناك يكشف عن شخصيه الصانع البارع الذي نحتني من جذع البلوط الكبير ، طلبت مايسه من رجاء يحلمني لمنزلهما لكنه رفض وتشبث بي وقص عليها قصتي وانه يتفائل بي وساكون قدم السعد علي شركته الصغيرة واكد لها اني ساكون لمدير مكتبه وفي صدر الصاله الكبيرة التي سيمر عليها زبائنه قبل الدخول لحجرته ، ابتسمت فرحا ، اخيرا عثرت علي من يقدر قيمتي ويقدرني ، حملني رجاء ومساعده لصدر الصالة التي احتفت بوجودي كأني زهرة جميله وسط الحديقة الغناء ، احضر رجاء قرص زجاج بنور ساطح فوق سطحي ليحمي قشرتي الرقيقة من انفلات الموظفين وساعه غضبهم وتراكم الاتربه تشوه جمالي ، انتظرت بعض الوقت حتي اتت السيدة التي خصصت لعملها ، منورة ، هكذا قالوا اسمها فابتسمت ، اسم غريب غير مألوف ، سلوكها المرتبك يفصح لي وانا الخبير في شئون الموظفين والاعمال عن انعدام خبرتها وعلمها ، جلست تحدق في سطحي وكأنها تري وجهها فيه ، اخرجت من حقيبتها الرخيصه منديلا قطنيا ومسحت وجهي بحب وازالت بعض نثرات التراب التي تسللت من النافذة القريبة ، احببتها واطمئنيت لها ، ستحافظ علي كما ينبغي عليها وكما استحق ، خفت منها في البدايه تحفر احرف اسمها الاولي بسن الابرة علي سطحي وتوخزني ، خفت تترك التراب يتراكم علي وجههي ويكتم انفاسي ويخنق مسامي ويسمح للسوس يبني اعشاشه بين اعصابي ، خفت تلسعني بكوب الشاي وتحرق قشرتي الانيقه ، لكنها ابدا لم تفعل اي شيء من تلك الجرائم التي طالما صادفتني ، بالعكس ، كانت تهدهدني وكأني ابنتها الصغيرة ، تمسح وجهي مرتين وثلاث في اليوم الواحد ، وتفتح ادراجي وتنظفها وتضع بعض الاوراق الصغيرة تحت اقدامي حتي لا اتراقص بطريقة مهينه لاتتفق ووقاري الجميل ، في البدايه كانت مرتبكه ، كنت اشعر ببدنها يرتعش وقتما يدق رجاء مديرها الجرس ويناديها ، ترتعش وتنتفض وتتلعثم الكلمات في حلقها ، في البدايه كانت خائفه ، لكنها ذكيه وسرعان ماتمالكت نفسها وفهمت تعليماته ونفذتها وتعلمت وبسرعه ، ذات يوم مبهج سمعته يشيد بها وببراعتها في العمل ويخطرها انه سيرفع قيمه راتبها لانها اذهلته بذكاءها وقدرتها علي التعلم ، يومها شاهدت لاول مره دموع فرحها وسمعت صوتها ضحكاتها الهامسه وهي تتحدث لصديقتها التي لم اسمع اسمها جيدا وتقص علي كل ماحدث في يومها الجميل كما وصفته ...
احببت هذه السيدة وتفائلت بها واحببتني ، سمعتها ذات يوم تهمس لي تشكرني لاني كنت سبب سعدها ، انت ايضا سبب سعدي ياسيدتي ، نورك اشع ببهاءه علي روحي فاحياها وكأني مازلت صغيرا في الغابه تتقافز حولي السناجب ، زرعتيني في ارض فرحتك و..... احببت هذه السيدة ومازلت احبها وانتظرها منذ لحظه رحيلها عن الشركه وحتي عودتها في النهار التالي ، انتظرها بشوق وكأني امي التي لاارغب تفلت كفي الصغيرة من يديها وكم عانيت ايام العطلات الرسمية ووقت اغلاق الشركه من غيابها وتمنيت الا تغيب ابدا .... لكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه ، يومين مرا واليوم هو الثالث وهي غائبه ، التراب يتراكم بين مسامي يخنقني واكواب الشاي المبتلة تطبع قبحها فوق زجاجي الساطع ، تمنيت لو اعرف منزلها لاذهب لها واحضرها عنوه لتهتم بي ، تمنيت لو اعرف رقم هاتفها فاتصل بها واطمئن عليها ، تمنيت لو كنت انسان يملك اراده وقرار فاترك الصاله الكبيرة للشركه وازورها في منزلها للسؤال عنها ، سمعت رجاء يسأل عن صحتها بصوت قلق ، فهمت من حديثه مع زوجته ان السكرتيرة البارعه مريضة ، بكيت حزنا عليها ، نعم بكيت وهل تتصورن انتم فقط انكم من تشعرون وتتوجعون وتتألمون وتحزنون ؟؟؟ بكيت ودعوت لها بالصحة وتمام الشفاء وانتظرتها تعود لكن انتظاري طال وطال ومازالت انتظر ، و..... الف سلامه عليك ياست منورة ، الف سلامه عليكي .....


                                                               " ماتبقيش خايبه زي امك "
                                                                                      منورة


تدخل مايسة الحمام وهي فرحه ، ازغرد ، منورة ياام العروسة ، ترتبك مايسه ، لاتصدق ان سالي كبرت وستتزوج وان العمر جري خلف ظهرها ، تحدق في ابنتها الوحيدة وكأنها لاتصدق ماتراه امام عينيها شابه صبية جميلة ، اللهم صلي علي سيدنا النبي اهمس واخمس في وجه مايسه ، ماتبحلقيش فيها كده لاتتنظر ، تضحك سالي فرحة وتضحك مايسه مرتبكة ، اشاكسها فاكره ليلة دخلتك وراجي ، يتشعل وجهها احمرارا ، مازالت تخجل من كلماتي وبجاحتي ، ومازلت اشاكسها عامدة ، سنوات مرت طويلة علي اخوتنا ، لااقول صداقتنا فانا وهي لسنا اصدقاء ، صرنا شقيقتين ، تجري في عروقنا دماء واحدة ، بذلنا مجهودا مرهقا معا لنتجاوز كل الفروق بيننا ، لنعبر العثرات والفجوات الواسعه بين مصر الجديده وبلدتنا الريفية الصغيرة ، بذلنا مجهودا مضنيا وصرنا شقيقتين ، لكن مايسه مازالت متحفظة تخشي من بجاحتي ووجهي المكشوف وانا اختنق من ادبها الجم ، لكنها تعلمنا معا وعبر الف موقف صعب وشائك ، تعلمنا نتقبل بعضنا البعض علي مانحن عليه ، اليوم حنة سالي ابنة مايسة ، اقسمت برأس ابي الذي لم اراه لاتي لمنزلها واحممها وانزع الشعر من جسدها وارطبه بالكريمات وانعمه كالحرير ، رفضت مايسه في البدايه واكدت لي انها حجزت لهنا في النادي الصحي وانهم سيتولوا امرها ، خبطت علي صدري بطريقه ازعجتها ، تاني ، لامتني وكأنها تقول لي لم تنسي البلدة وحركات النسوة فيها وطريقه جدتنا نفيسه ، ايوه تاني ، تمردت عليها وعلي تقاليد مصر الجديدة وخنقة الروح التي تعيش فيها ، اكدت لها اني سالي مثل نرمين ونسرين ، ابنتي ولن اتركها للغريبات يعبثن بجسدها واني التي ساجملها بالطريقه " الفلاحي الاصلي " وغمزت لها بطريقه موحيه ففهمتني وارتبكت وخجلت وتركتني افعل ماقررته دون اعتراض ...
وصلت لمنزلها وسحبت سالي من ذراعها للحمام ، رفعت عقيرتي بالزغاريد والاغاني التي حفظتها في ليالي الحنة في البلدة ، امتلأ الحمام بالبخار فرسمت علي مرايته الساطعه قلبا وكتبته في منتصفه اسمها واسم عريسها ، سالي فرحة وانا ايضا ، اخذها في حضني وقتما تتوجع ، وافتح عينها علي ماستلاقيه وهي خجله مرتبكه ، اقص عليها ليلة دخلتي علي ابو البنات ، وكيف خرج خالي بامارة الشرف علي الرجال فاطلقوا النيران فخرا وتكومت مكاني علي الفراش لاارغب فيه يقترب مني ، همست سالي ، ده كان زمان ياخالتي ، ابدا وحياتك ولسه لدلوقتي بس اللي تسلمهم بناتها تستاهل ، طفت الاحزان علي روحي وكدت افسد لحظه الفرح التي تنتظرها سالي طويلا ، نفضت الغلب عن روحي وتشبثت بمكاني الجديد ومكانتي المختلفه عما كنت عليه في البلدة في رقبه يحيي الباشتمرجي وتحت سطوة جدتي نفيسه وقله حيلة امي سميحه الارملة مكسورة الجناح ، دخلت مايسه الحمام تتابعني وانا اجمل ابنتها ، سألتها عن ليله دخلتها ، ارتبكت ، ضحكت وغمزت لهنا ، ماتبقيش خايبه زي امك وضحكنا جميعا والوقت يجري سريعا وكأن كل ماعشته لم اعشه وكأني ولدت سعيدة وفرحة وهانئه وفي فمي معلقه ذهب وحظ اخضر تحت قدمي ....
كيف وصلت لحمام مايسة اهيئ ابنتها لليلة عرسها ، كان مشوار طويل بدأته لحظه خاصمت يحيي ومنعت جسدي عن رغبته الجامحة ولساني لم يخاطب لسانه ، اسبوع و اثنين ، ابكي في فراشي اهدده بقتل نفسي والانتحار بقطع شرايني ، تجاهلني في البدايه وشكاني لامي ولجدتي نفيسة لاني مجنونه ومصممه اجبره يقبل الوظيفه التي عرضها عليه الدكتور الكبير وينتقل للقاهره ، شكاني لهم كلهم ، امي كادت تضربني وهي تصرخ في تطالبني اعقل وانا اصرخ فيها تركت العقل لكي عملت ايه بيه ؟؟ اذكرها بحالها وخدمتها لجدتي نفيسة وقلة حيلتها والايام التي دهستها وترغب منها تدهسني ، جدتي نفيسة طلبتني اذهب اليها لانها لاتقوي علي مشوار بيتي البعيد  ، رفضت اتحرك من فراشي ، رددت مرسالها خائبا لاني اموت ولن اقوي علي الذهاب اليها ، اعرف مالذي ستقوله لي ، اعرف كلامها الخائب عن النصيب والمقسوم والمكتوب واللي علي الجبين ولازم تشوفه العين ، لست سميحه ياحاجه لتحوليني لخادمة انا ايضا ، لست مكسورة الجناح مثل امي التي استقويت عليها وتمكنت منها واجبرتيها تخدمك بلا اجر وتمني عليها بفراشها ولقمه ابنتها ، لست قليله الحيله مثلها ابكي ولا اغير من حالي ، لن ارضخ لكم جميعا ، اشتكي يحي لجدي مرتضي الذي اتي لمنزلي بعصاه الخشبيه الكبيرة ليضربني بها علي راسي لاني ناشز ولااطيع زوجي وامنع عنه حلاله واعصي امره والملائكه تلعنني في السماء كل ساعه ، اعرف مالذي سيقوله ، صرخت في وجهه ولطمت علي وجههي ومزقت شعري وهددتهم القي بنفسي من الشرفه وان موتي اهون واقرب لي من طاعتهم في خراب حياتي ودمارها ، فرصه وجت لي ياناس اسيبها تفلت من ايدي ازاي ، نعمه وربنا وهبها لي ارفضها واستغبي واعيش زي الحمار من الغيط للدار رايح جاي ، يحدق بي جدي مرتضي ولايصدق مايسمعه مني ، لايصدق شكواي من حياتي ، لايصدق ماادخرته في قلبي الاسود ضدهم جميعا ، انا اليتيمه اللي رمتوني في بيوت الغرب ، غرب ، ايوه ماهي نفيسة دي اختك انت ولاتقرب لي ولا انا من لحمها ولا من دمها علشان تسيبوني تأكلني وتجبي علي وتسمم بدني بكلماتها عن عيله ابويا اللي رمتني وهي لمتني وكبرتني ، انا الشابه التي قهرتوها بحرمانها من التعليم ، تعليم ، ايوه كنت خدت شهاده ساعدت نفسي بيها واستقويت بمرتب وظيفتها وحفظت كرامتي المتهانه ، انا الشابة التي اجبرتوها علي زيجه فاشله ، يحي وحش ، لا مش وحش لكن مالوش مستقبل ولا لينا امل معاه يعيش باش تمرجي ويموت باش تمرجي يضرب حقن ويشرط تطعيم ويقيس الضغط والمرتب تلاته تعريفه لما يزيدوا يبقي خمسه تعريفه واللي نعيش فيه نموت فيه وعليه لاحد يحس بينا ولا لينا مكان في الدنيا ، يسمعني جدي مرتضي لايصدق ما اقوله ، يحيي يلتصق بالحائط وانا اصرخ في وجه جدي مرتاعا ، هذا خط دفاعه الاخير ليكسر رقبتي لكني كسرت رقبه الكل ، استقويت عليهم جميعا مثلما استقووا علي جميعا ، الفرصه جت لحدي يرفضها يبقي لاجوزي ولا اعرفه وحاموت وذنبي في رقبتكم كلكم ، اصرخ في جدي مرتضي فيرتعد يحيي خوفا علي ، نعم يحيي يخاف علي وعلي زعلي ، يحبني ولا يقوي علي زعلي ، اعرف هذا لذا قررت انتهز فرصه الوظيفة لادهسه باصراري ، اما يخضع لي واما يخسرني وللابد ، وحياة رحمه ابويا يايحيي لاانت جوزي ولا اعرفك لغايه مانروح مصر ، هناك انا حبيبتك وخدامتك وانت حبيبي وتاج راسي ، هددته ونفذت تهديدي ، ابكي واستعطفه ، نقب علي وش الدنيا يايحيي زي بقيه خلق الله ، قصدك زي عيله جدك مصطفي ، وماله ايوه هو ده قصدي ، هما احسن منا في ايه ، ومانبقاش زيهم واحسن ليه ، يامنورة صلي علي اللي حيشفع فيكي ، عليه افضل الصلاة والسلام ، اقاطعه ولااترك له فرصه يكمل حديثه ، انا قلت اللي عندي ومافيش عندي غيره ، تركت فراشه باردا وكلمته مكسورة ، حاصرته بدموعي وقهرة قلبي وعلة جسدي الوهن الاصفر ، حاول يحيي يكسر ارادتي ولم يفلح وحاصرني باهلي ليكسروا رأسي العنيد فتوحشت عليهم دفاعا عن فرصتي الاخيرة في مكان تحت الشمس في العالم الذي احلم انتمي له ، حاول وحاول وفي النهايه اتاني راضخا ، انا كلمت الدكتور وقلت له اننا نازلين مصر و.......... صرخت من الفرحه وقبلته وزغردت ومنحته اجمل ليل حب لم ينساها ابدا و............. نزلنا مصر التي تمنيتها ولااعرفها وحين عرفتها متوحشه قاهره حاولت تكسرني ، كسرت قلبي ونفسي وروحي واستقويت عليها وعشت فيها اصارعها وتصارعني وكان ماكان ...
مازلت ازغرد واتراقص وسالي تضحك ومايسة تدخل علينا الحمام وتخرج فاغني بصوتي الفرح ماتزوقيني ياماما قوام ياماما ..... ونضحك جميعا واضحك فرحة سعيدة !!!


                                                                       وقال الخرطوم ......


اكره هذا اليوم ، كلما تذكرته اكرهه واكره نفسي ..
كنت ملقيا علي ارض الحمام كعادتي في نهايه اليوم ، انهت سميحه تنظيف المنزل وغسيل الجدران ومسح الارض ، لملمت الطست والجردل والمقشه وكومتهم في الجانب المظلم من الحمام المهجور الذي كان مخصصا للخدم وقتما كانوا يملئون البيت صخبا ونميمة ، ملقيا علي ارض الحمام كعادتي واكاد اغفو ، فجأ فتحت السيدة العجوز صاحبة المنزل باب الحمام ، تصورتها كسرته ، دفعته بقدميها وذراعيها بقوة ، كان ينخلع ، الرعب افزعه فكاد يهوي محطما ، فتحتي عيني مرتاعا ، ربما لصوص يداهمون البيت وسيسرقوا النحاس المتراص في السندره العاليه ، انتبهت لما يحدث وبصيص نور صغير يتسلل لقلب الحمام من الصاله البعيدة ، وجدتها شعثه الشعر مرعبه الملامح ، تضرب الاشياء بقدميها وكأن عفريتا تلبسها وافقدها صوابها ورزانه سنوات عمرها ، تبحث عن شيء لااعرفه ولا اي شيء في الحمام المظلم يعرفه ، فجأ ، قبضت علي رقبتي وروحي وسحبتني من علي الارض وخرجت كالمجنونة تجري ، تجرني خلفها علي الارض فأتألم واكاد اتوجع بصوت عالي لكني اكتم انفاسي لاعرف مالذي سيحدث ومالذي ستفعله تلك المجنون ، تصورت ان سميحه لم تمسح ارض الصاله جيدا وان العجوز ستفتح الماء وتملأ جوفي به وتفرغني علي بلاط الصاله تقهر سميحه لتمسحه مره ثانيه ، لكنها عبرت الصالة وضربت باب الحجره الكبيرة بقدمها ودخلت علي منورة ، نعم ، اسمها منورة ، انها الفتاه الصغيرة التي تعيش في هذا البيت الواسع مع جدتها تلك العجوز الخرقاء ومع امها تلك الشابة المنكسرة ، اقتربت العجوز من منورة ورفعت ذراعها التي تقبض علي روحي ورفعتني في الهواء والقتني بشكل مباغت علي جسد منورة ، صرخت منورة وصرخت انا ، بسرعه فهمت مالذي يحدث ، انها تعاقبها بالضرب المبرح واختارتني من دون ادوات المنزل واشياءه لتستخدمني في وجعها ، غضبت بشده مما تفعله تلك العجوز بي ، حولتني لسوط حارق ، انهالت ببدني علي جسد منورة تكيل لها الضربات في كل مكان من جسدها ، تصرخ فيها كالمجنونه ، بل وهي فعلا مجنونه ، تصرخ فيها ، معندناش بنات تختار رجاله ، لاتقولي ده باحبه ولا ده باكرهه ، ناقصه تقولي عاشقه وعايزه اللي عشقاه ، تصرخ وتمزق جسدها بسياطي ، لن اشارككي في تلك الجريمه ، اتلوي بين اصابعها فتخيب الضربه وتخيب الثانيه ، يزداد جنونها ، تحكم اصابعها علي وترفعني لاعلي مايصل اليه ذراعيها وتنهال علي ذراع منورة العالي، تختبيء منوره داخل نفسها ، تحمي جسدها بذراعيها ، تتقي الضربات وتفر وتقفز ، تحجل وتتقافز ، يزداد جنون السيدة المجنونة ، ماله يحيي ، مش عاجبك ليه ، فاهمه روحك ايه ، بنت قنصل الوز ، ابوكي سابك الابعديه وبتتشرطي علي حسها ، اشحال ماجدتك داست علي ميراثك وقالت جبرنا ، اشحال ماابوكي مات وسابك بين ايدين الله وكبرناكي صدقه ، اشحال ماامك كسرت ضهرها عليكي ، اخرة المتمه تقولي مش عاجبني ومش عايزاه ، من امتي البنات المحترمه بتنطق ولا تقول اه ولا لا ، مين اللي فتح عينك وقواكي علينا ... تصرخ منورة وتصرخ واصرخ انا واتمني اتمزق نثرات صغيرة بين اصابع السيدة العجوز فلاتفلح تستخدمني لاهانه منورة وتمزيق جسدها الجميل ، منورة تصرخ وتصرخ وكأنها تخيفها لكن عيونها متحجرة كقوالح الذره في المنقد قبل اشعاله ، لادمعه تسترق قلب العجوز ولا رجاء يوقف جنونها ، تصرخ منورة لتخيفها ، تدافع عن نفسها بالصراخات المفزعه ، كله كوم يابنت سميحه ويحيي كوم ، مدام احنا وافقنا وادينا له كلمه مالكيش بعدينا كلمة ، احاول الفرار من قبضه العجوز لانقذ منورة ، اين سميحه ، اين تلك الام البليدة لتنقذها من جنون العجوز وتحميها ، اختفت تماما وكأنها تركت ابنتها فريسه للعجوز المجنون تلتهما وتمزقها اربا اربا ، اكاد اقول بضمير مستريح اني اكره سميحه ، كتب الكتاب الاسبوع الجاي واياكش تتملعني وتفتكري نفسك ياما هنا ياماهناك ، اللي حكمنا بيه حيمشي عليكي وعلي رقبه التخين واسالي امك عن غضب جدك لو قيامته قامت ، حيدفنك بالحيا ويقول داسها حمار ،انت حرة ..
تلقيني علي الارض فاكاد ازحف كالثعبان بعيدا عن نظرها ، ساختبيء تحت السرير ، تحت الكليم القديم ، تحت الارض ، ساهرب واعود لمخبيء ، لن اسمح لها تضربها بي تاني ابدا ، اشفق علي الشابه التي تضرب صامته لاتبكي وتسمع كلام سمم روحها ولا ترد عليه ..
في تلك اللحظة ، دخلت سميحه تجري من الباب لاتفهم مالذي يحدث في غيابها ، ابعدتها عمتها عن البيت لتنفرد بمنورة ، تصرخ ملتاعه ، فيه ياايه ياعمتي ، فيه ايه يابت ، عملتي ايه ، تجحدها منورة بنظره عتاب وغضب وتبقي صامته ، تشرح لها عمتها ، البت فارده قلوعها ومستوقيه ، ماهو العيب منك لو كنتي كسرتي ليها ضلع كان زمانها طوع ولمت نفسها ، لاتفهم سميحه وتتمني لو نطقت منورة وفهمتها مالذي يحدث ، البت مش لادد عليه العريس وبتقول عايزه اكمل تعليمي ، البت فاهمه انها ليه كلمه وشورة ، قلت افوقها ، وكأن تلك الكلمه الاخيرة كان وقود الحمق الاكبر ، انقضت نفيسة علي منورة تمزق وجهها باظافرها ، تشد شعرها ، تعضها في ذراعها ، القت سميحه بدنا علي منورة لتحميها من جنون العجوز وحمقها ، العجوز لاتكف عن ضربهما معا ومنورة لاتكف عن الصراخ وسميحه تتوسل لعمتها لترحم ابنتها ، حتتجوزه ياعمتي وحياه النبي حتتجوزه ، حتسمع كلامنا وتتجوزه ، صح يابت ، لكن البت لاتنطق ، اهي بتقول اه اهي ، اهي بتقول موافقه ياعمتي ، صح يابت ، لكن البت لاتنطق ، حقك علي ياعمتي ، جميلك علي راسي ، حقك علي خلاص هي فهمت غلطها وحتسمع الكلام ، صح يابت ، لكن البت لاتنطق ....
اتابع المعركه الحمقاء من مخبيء تحت السرير ، تبحث عني العجوز المجنونة ، تبحث عني لتكمل علي حفيدتها تمزق بدنها ، اكاد اتدخل في المشاجره واردع العجوز والف كفيها وقدميها مع بعضهما واقيدها في سريرها ابعدها عن منورة ، لكني لااملك الا ابقي مكاني وكأني مجرد شيء لاوجود له ولاانتباه ، كثيرا تمنيت لو دبت في الحياه كحياتهم ، لكن حياتي التي اعرفها وهم لايعرفوها لاتسمح لي اتدخل بينهم ، ارحميها بقي ، ارحمها يارب ... همست داعيا ربي يستجيب دعائي وجسد الشابه احتقن وصار قانيا كالبلح الزغلول قبل حصاده ، فجأ ، القت العجوز الحمقاء جسدها علي الفراش متسارعه الانفاس مرهقه من كثره ضرب الشابه واصرارها علي كسر رقبتها ونفسها ، اشاحت لسميحه ومنورة للخروج من الغرفه ، هاتي كوبايه مره وغوري انتي وبنتك بره الاوضه ، خرجت سميحه مسرعه وعادت بالماء للعجوز تسقيها وتروي عطشها ، فهمي بنتك ياسميحه غلطتها فين ، مش ناقصنا فضايح ، احنا ربطنا كلمه مع العريس والفرح الاسبوع الجاي واللي حكمنا بيه حيمشي علي رقاب الكل ولا عندك راي تاني ، صمتت سميحه كسيرة ذليلة ، اللي تشوفيه ياعمتي ....
وتزوجت منورة من الرجل الذي كرهته كره العمي وانا لااعرفه ...
وبقيت في مخبأي شهورا طويلا ولم اسمح لاحد يعثر علي ولا ينضف صاله منزلهم بماء جوفي ، غاضب منهم بل واكرهم في احيانا كثيرة ...
بقيت في مخبأي رغم كل محاولات سميحه للعثور عليا وقتما تصرخ فيها عمتها ، الخرطوم راح فين يعني ، الارض انشقت وبلعته ، ماهو كان معايا يوم مالبت هدت حيلي من كتر ضربها !!!!
بقيت في مخبأي طويلا وانا اكره العجوز والعريس واشفق علي الام انكسارها وانسحاقها وانتظر من منورة غضب عارم ينفجر ذات يوم ردا علي كل الاهانات الي عاشتها بسبب تلك العجوز المجنونة ..



نهاية الجزء السادس