مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الثالث "


الجزء الثالث

و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش

 ( 15 )
ماما ماتت

ماتت نجوي فجأ واغلقت صفحتها في كتاب حياة نبيل ، ماتت فجأ ، لم تمرض ولم تمنح نبيل فرصه علاجها ، ماتت فجأ فأدرك ان الموت لايحتاج اذنه ولابراعته ولا علم الكليه التي قضي فيها سبع سنوات ليأتي او يرحل ، ماتت نجوي فجأ ، عاد لمنزله ليلا وجده ساكنا ، لم يسمع صوت الست ام كلثوم التي اعتادت تسمع غناءه يؤنس وحدتها ، لم يسمع صوت نحيبها علي الحبيب الذي استشهد وترك شبابها وابنها يتلظيان بغيابه ، لم يري الضوء الخافت لمصباح غرفتها كعادتها في تلك الساعه ، انتفضت الهواجس في روحه ، لو عم وصفي لم يعود لبور سعيد ومعه خالتي فردوس لتصورها عندهما تشاهد فيلم السهره ، لكن البسطه مظلمه والشقه المقابله ايضا ، اوجعها فراقهما وجدد احزانها ، عادت ارمله المقدم الشهيد ونسيت نوجه التي اعتادت فردوس تناديها بيها ، فراقهمها اوجعها وذكرها بكل مامرت فيه وعاشته ، مره ثانيه تخلو الدنيا عليها وعلي ابنها الذيي كبر وصار طبيب امتياز في المستشفي الجامعي منشغلا بدراسته وحياته واحلامه حسبما تتصور ، اليوم طويل عليها حتي مل منها الملل ، لم تعد تخبز مخبوزاتها وتهدي منها لخالتي فردوس ولم تعد تشاركها تفصيل الفساتين وجلاليب البيت ولم تعد تصاحبها لسوق السمك تسمع منها حصصا ودروس عن الشبار والصياديه وملوخية الجمبري ، تركاها ورحلا ، وعدتهما بالزياره لكنها لاتطمح في زيارات عابرة بل تتمناهما اسرتها مثلما كانا ، اعتل مزاجها وصحتها ، كأنها زهدت في الحياه وكرهتها ، تقضي ساعات طويله تحدق في وجه اسماعيل معتقلا داخل الاطار الاسود وشارات الحداد القديمه التي بليت فلم تغيرها ولم ترفعها وبقيت تذكرها بالعمر الذي ذهب ومعه احلامها وقلبها ، تفتح خزانته وتتشمم بذلته العسكريه وتطوف باصابعها علي دماءه المتيبسه المتخلله النسيج القديم ، رائحته تتسلل لانفها من خيوط البذله العسكريه فيجتاحها الشوق والوجع ، تمنت تنام علي ذراعه وفي حضنه تمنت لو عادت بها الايام وعاد لها ، مازالت تحدق في صورته ملامحه التي نسيتها ابتسامته التي حرمت منها شبابه الذي ضن علي شبابها بالفرحه ، تمنت تعود بها الايام فترافقه في رحله فراقه ولاتعود ، تصاحبه في موكب السماء ، اغمضت عينيها ونامت ، غرقت في النوم ، جسدها ثقيل وانفاسها بطيئه ، تحلم وكأنها تخرج من فراشها ، وكأنها تتجمل امام مرآتها وتتعطر لحبيبها ، تحلم وكأنها تراه علي باب غرفتها ينتظرها هادئا راضيا سعيدا ، تسمع صوته يبثه شوقه وحبه ، تسمع همس كلماته يدوي في روحها يروي الارض الجدبه بالحزن فتثمر ورودا وفرحه ، تحب الحلم الذي تعيشه ولاتتمني تستيقظ منه ابدا ، يمد لها اصابعه فتقبض عليها ، يسحبها خارج الباب والبنايه والدنيا والحياه فتسير خلفه بل بجواره ، يلقي ذراعه علي كتفها ويبتسم فتبتسم و............ ترحل نجوي لحضن الحبيب الذي طالما تمنت تعود لحضنه لحظه واحده لكنها الان في حضنها وللابد ...
ياعم وصفي ، ياخالتي فردوس ، يازين ، ماما ماتت ماما ماتت وانفجر باكيا ، صرخ نبيل في التليفون وسرعان مااستقل وصفي وزوجته سياره نهبت الطريق من المدينه الباسله للعباسيه وسط الليل وقبلما يصلا كان زين قد طرق بابه واحتضنه وبكيا معا واستقبلا معه بقيه العائله ليعيشوا معا بقيه الحزن المكتوب علي جبينهما قهرا علي وفاه الست ام نبيل حرم المقدم الشهيد !!!!
وخلا العالم اكثر واكثر علي نبيل واستبدت الوحشه بروحه يراقبه زين قلقا ، ينتظر منه مفاجأه غريبه يكسر بها وحدته مثلما اعتاد يفعل وقتما تستبد به الدنيا فيتجاهل استبدادها وكأنه لايشعر به ويمتطيها عابثا بدلا من الغرق في احزانها ، و............ حاتجوز يازين !!! صمت طويل طويل اخرس به زين انفاسه ينتظر تفاصيل الجنون المطلق الذي يقصه عليه نبيل بمنتهي الاستخفاف !!!!

( 16 )
ربنا ينجيك ياابني

ملقي علي الارض تحت الانقاض المتهاوية دمارا وخراب ، انفاسه تقاوم الموت تتصاعد شهيقا وزفيرا تتعثر يختنق يسعل ذرات التراب تخنق حنجرته وتغلق رئتيه بذراتها المشتعله يقاوم ويتشبث فتتصاعد ثانيه شهيقا وزفيرا ، صوت صفارات الانذار ودوي الانفجارات مازال يتسلل لبقايا وعيه وسط الالم الجامح الذي مزق اعصابه وجسده وروحه ، الصوت ينبهه مازلت حيا لاترحل بسهوله لاتترك موقعك لاتنسحب من المعركه ، عقر الدبابير لن يميتك ولو نهشوا قلبك ، صوت صفارات الانذار ودوي الانفجارات يربطه ببقايا الحياة ، ووجه عم وصفي ايضا ، يأتيه وصفي وهو ملقي علي الارض تحت ركام الانقاض ، يأتيه ويملس علي وجه برفق ويهمس في روحه بما ينتشله من غياهب الرحيل ، يأتيه وصفي المحارب المقاتل المقاوم الذي طالما حارب الاعداء وانتصر ، ولتم الاحباء وبكي ، يأتيه يناشده ، استني يازين معانا ساعتك لسه ماجاتش ، استني يازين ، يسمع صوت ابيه في اذنه في قلبه في روحه ، يلمح من بين الرموش الملتصقه بقطرات متجلطه من  دماءه الساخنه ، يلمح اشباح تفتح الباب الموصد وتزيح من خلفه الاحجار وبقايا الاثاث المحترق ،  يسمعهم يصرخوا ، لايصرخوا بل ينادوا اخرين ليساعدوهم ، يتمني يمد يده للاشباح لتقبض عليها ويذهب معهم ، يرفع ذراعه الممزق فلايرتفع من فوق الجسد المبعثر بالغدر ، يفتح فمه  ليأمرهما بصرامه عسكريه كعادته لكن شفتيه ملتصقتين لايخرجا اصواتا مفهومه ، يقاوم ويشحذ كل طاقته الدفينه  ليتشبث بالحياه ، يسمع الجندي همهماته المتحشرجه ، يصرخ ارفعوه معايا ، يقترب من جسده المبعثر ويلملم بقاياه في حضنه وكأن قوه جباره دبت في جسده النحيل ليحمل زين بجسده الضخم مره واحده فوق كتفه ، يحلق الجسد المتشبث بالحياه الخجل من الرحيل منها قبل الانتقام والنصر ، يحلق فوق كتف الجندي وكأنه يعاونه لينقذه ، وصفي يمد ذراعيه بقوه الشباب الذي ولي ، ويساعد الجندي يحمل زين فوق كتفه ، يرفعه من تحت ابطه ورأسه المدلاة في حضنه خوفا تسقط ، يقبض علي جذعه بقوة ويحمله للهواء ينفض عن وجه ذرات التراب وعن رأسه وشعره ويهمس في اذنه بادعيه تحفظه مثلما حفظت كل الرجال الذين حملهم وصفي من تحت الانقاض في كل الحروب ، وربنا ينجيك ياابني ... وفي الطائرة اتصلوا بالمستشفي العسكري لتستعد لاستقباله..
وتنسكب روحه بداخله اكثر واكثر وتنزلق تختبأ من الالم الذي يعصف بالجسد الممزق وتحمي نفسها من اعاصير وجعه و.............. صوت وصفي يدوي هامسا حانيا في اذنه ، ربنا ينجيك ياابني ، ربنا ينجيك ويكتب لك السلامه انت وكل اللي زيك ...

( 17 )
عصير برتقال

خلع ملابسه الانيقة والقي بجسده علي الفراش المعدني في الغرفه الصغيرة في استراحه المستشفي وحدق في السقف يتحدث مع نفسه كعادته وقتما تخلو الدنيا من الاحباب ، يحدق في السقف ويتمني يتصل بزين ليخبره ان ليلي هجرته ، قررت تبعد عنه ورفضت كل عروضه بالزواج منها ، يتمني يتصل بزين ليخبره ان ليلي التي كان يسبها لانها تخطفه من زوجته بمنتهي الانانيه هي التي فكرت في نورة وضحت بمشاعرها من اجلها وانها جميله يازين جميله جدا ولاتستحق هجومك ولا غضبك عليها ، لكن الوقت تأخر وهو مرهق وتعب ، غدا ساتصل بزين واخبره عن ليلي ، عله يحبها ويحترمها ويكف عن ظلمها ، غدا ساتصل بزين ، ومازال يحدق في السقف يتحاور مع نفسه ويسألها وتجيبه وكأنه مع صديق يحبه في مقهي اعتادا الجلوس فيه ، هل اتيت لزيارة هذا الصديق لتتغير حياتي كلها ، هل قادتني الصدفة لهذه المستشفي لاعود لنفسي ولاعثر علي ليلي وعلي السعادة ؟؟
مازال صوت نحيبها تأثرا لرحيل احد الابطال من فوق طاوله العمليات يوجع قلبي ، يومها تمنيت لو اقوي امسح دموعها وابدد احزانها ، لكن الحزن كان يسكني ودموعي تنتظر لحظة لتنفجر ، هل جمع الحزن بيننا ياليلي ، لماذا لم نلتقي في الشارع وقت المطر والحياه ادفء واجمل ، لماذا لم نلتقي علي البحر وانا اجري خلف الموج وهو يطاردني والفرحه تلون الوجود بالسعادة ، لماذا لم نلتقي في احد المقاهي تأكلين الشوكولاته وتحتسين عصير البرتقال فاتتيك بقهوتي واغازلك ونتعارف ، لماذا التقينا هنا ، في لحظه الوجع المتجدد ، لحظه الدموع المنهمرة ، لحظه الرحيل الدائم ، لماذا التقينا هنا ، هل اتيتي تشاركيني الحزن ، تقاسميني الوجع ، تهوني علي قسوة الايام ... مازال يحدق في السقف ، تلك الليلة كانت طويلة والمصابين كثر ، عملنا ساعات طويلة في غرف العمليات ، نتنقل مابين مصاب واخر ، نستخرج رصاصات غادره ونرتق الجروح ، نمدهم الدم والحياه ، نعبر بهم من معابر الرحيل لبوابات العودة للحياة ، في نهايه الليله 
خلعنا ملابس العمليات سعداء راضيين ، ابتسامات الامتنان للمصابين ان قرروا يبقوا معنا ويعودوا للحياة مره اخري من بوابات فرحتنا ، لمحتها تجر ساقيها ارهاقا صوب غرفتها في الاستراحة ، علي وجهها تعبير جميل ، ابتسامه ربما ، تلمع حدقتيها ببعض السطوع ، اسير في طريقي ايضا لغرفتي في الاستراحه ، ساقترب منها واكلمها ، لست طبيب وليست ممرضه ، ساكلمها لاني وحيد يحتاج ونس ، ساقص عليها حكايتي ، ابي وعم وصفي ، خالتي فردوس وامي ، زين واخوة العمر ، ساقص عليها مااعانيه في بيتي مع السيدة التي صارت زوجتي ولم احسها ولا احس بها ابدا ، ساقترب منها واكلمها ، سادعوها علي كوب شوكولاته ساخن خارج المستشفي ، سنفر انا وهي بعض الوقت بعيدا عن المستشفي وروائحها النفاذة وصراع الحياة والموت ، سنفر انا وهي بعض الوقت خارج الزمن الذي نعيشه وصعوباته ، ساتحمم واخلع جلدي واتعطر وارتدي ملابس انيقة تليق بجمالها ، ستأتيني نضرة الوجة جميله الملامح بشفتين ورديتين ، ستحكي لي حكايتها التي لااعرفها ، لم تعش حياه قاسيه مثلما عشت ولم تتوجع مثلما توجعت ، ستقص لي وسانصت ، في المقابله الاولي ساطلب منها الزواج، ساقول لها صادقا انها التي كنت ابحث عنها ، ستصدقني وتوافقني ونتزوج ، سنفر من الزمن الذي نعيشه لزمن نصنعه معا ببهجة وجودنا معا ..
مازالت تسير صوب غرفتها ومازال نبيل يتابعها ببصره ، خطواتها بطيئه ارهاقا وخطواته سريعه اعجابا ، اقترب منها ، ليلي ، ثبتت مكانها وابتسمت ، تسلم ايديك يادكتور نبيل انت النهارده عملت شغل عظيم ، بجد تسلم ايديك ، ابتسم ، تيجي بكره اعزمك علي عصير برتقال بره المستشفي .. و..... بدأت القصة التي سرعان ماانتهت ، بدأت مع كوب عصير برتقال وانتهت مع كوب اخر ، ومابينهما ادركت ليلي ان الارتباط بنبيل مستحيل ، لن تسرقه من زوجته ولن تهدم بيته ولن تفسد حياة ابنته ، ادركت ليلي ضرورة رحيلها عن المستشفي وحياته ، لن تبقي تحبه بعيدة وتتوجع ولن تستسلم لمشاعرها فتفسد حياته وحياتها ، ادركت ليلي انه لابد من الرحيل وبسرعه بعيدا عن ذلك الرجل الذي تمنت تقابله في زمن اخر في وقت اخر في حياة اخري تسمح لهما يتكاملا ويعيشا مشاعرهما ، قررت ليلي وبسرعه تفر منه ومن مشاعره ، عندما اتاها يخبرها بقراره يطلق زوجته ويتزوجا ، في تلك اللحظه ادركت ان علاقتهما انتهت ، تحبه نعم لكن الحب غير كاف لتعيش معه سعيده ، لن تبني فرحتها علي اطلال جماجم ونحيب الغدر وقتما يقذف زوجته كالحذاء البالي بعيدا ووقتما يشرد صغيرته ويكسر طمأنينه روحها وامانها ، في تلك اللحظه ادركت انه يتعين عليها الرحيل ، حاولت تحصل علي اجازه من المستشفي لكن مديرها رفض ، فهذا الوقت الصعب ليس وقت الاجازات ، المصابين والجرحي يتوافدون علي المستشفي ليل ونهار والبلد في حرب ، ستبعد عنه ولو تلاصقا ، هكذا قررت ، ستخبره بقرارها ، احبك لكني سابتعد ، ولماذا احبك لانه يستحق ولماذا سابتعد لاني استحق حياه اكثر انسانية من الغرام الموحش المحاط بالدموع واللوم وقهرة النفس ، مابين كوب العصير الاول وكوب العصير الاخير الذي دعته له ، عاشت سعاده مسروقه سرعان ماانهت لحظاتها ، مااشق تعيش سعاده مسروقه تفسد عليك الفرحه والاحلام ...
من اين اتيت بتلك القوة ياصغيرتي ، يتمني يسألها وهي تخبره باصرارها علي البعد عنه ، وهي تخبره انها ستترك المستشفي وتنتقل لاخري اقرب لمنزلها ، وانها احبته لكن ستبتعد ولن تكون سعادتها انشوطه القهر حول رقبة نورة ، يحدق فيها لايصدق ان الفتاه الصغيرة الجميله التي كانت تنتحب مقهورة هي ذاتها الشابة القوية التي تخبره عن قراراتها الصارمه ، تمني لو سألها كيف اصبحت قويه ولماذا لم اصبح ، لكن الخرس الصق شفتيه ببعضهما ، هاهي ليلي ايضا توجعه وكأن قدره في الحياه ان يوجعه الجميع ، مكتوب علي الشقاء وهذا قدري ، حاول يثنيها عن قراراها لكنها صممت بقوة اعجبته ، لو كانت الايام غير الايام والزمن غير الزمن ، كانت تلك الشابه تملك تسعدني واقوي اسعدها ، لكن السعاده مازالت بعيده وربما لن تأتي ابدا ... ليلي طوت الصفحة بينهما واغلقتها ومابقي كان مجرد وجع جديد يضاف لكل الاوجاع الاخري ... ومازال يحدق في السقف ، ربما غفي ويحلم ، ربما مازال يقظ  وهائم مع افكاره وذكرياته ، كل هذا لايهم ، مايهم ان ليلي طوت الصفحه بينهما وانتهي الامر ، او هكذا كان يظن وقتها ..

 ( 17 )
انا بنت الشهيد

الوقت ليلا ، انين الجرحي والمرضي هدأ بعدما سرت الادوية المخدرة في عروقهم وتسلل بعض النوم لاجسادهم المرهقه بالاوجاع ، تسلل نبيل من عنابرهم مطمئنا وتركهم موصيا الممرضات بمتابعه حالاتهم واخطاره بكل تطوراتها ، تسلل لغرفته الصغيرة ، القي بدنه علي السرير الحديدي البارد كمثل اجساد المرضي وقتما تفر ارواحهم من اوجاعها وتترك الجسد شاحبا باردا ، تداهمه الافكار والخيالات ويتمني بعض النوم العزيز لكنه لايأتي ولن يأتي ، يفتح التلفزيون ويبحث في برامجه الاخباريه عما يسرق وعيه اليقظ المتوجع بحال مرضاه ، تقتحم مايا غرفته بصوتها المرتعش الغاضب ، تصدمه ملامحها المشحوذه الوجع و وجهها البريء الغاضب وهي تصرخ وتتحدي انا ابنة البطل الشهيد محمد المبروك ، صوتها المتهدج والدموع الزجاجيه المعلقة في حدقتيها يذبحوه ، يغيب صوتها عن اسماعه تفر بقيه كلماتها بعيدا عن وعيه وادراكه ، قولي يامايا ، تقول مايا وتقول ، المشهد ثقيل وصوره ابيها في خلفيه دموعها ، مااقسي البشر الذي يحولون الاب لصورة وذكري واضغاث كوابيس ، ويحولون الطفل الذي كان عاديا مثل كل الاطفال ليتيم يتبرع الكثيرين بالشفقه له وبعض الرأفه وكثير من الحزن ، يعرف تلك المشاعر جيدا ، يعرف تلك الملامح ، يعرف هذا الوجع ...
تصرخ بتحدي ، انا بنت الشهيد البطل محمد المبروك ........ كلماتها تدوي في اذنه وتهبط علي قلبه بمعاولها الثقيلة تمزقه ، يتمني يأخذها في حضنه ويهمس في اذنها بأن كلنا ابيك وانت ابنتنا كلنا ، يتمني لو ايقظ نورة من فراشها الدافيء والبسها ثوبها الجديد واصطحبها لبيت محمد المبروك وعرفها بمايا وتركهما يلعبا معا بالعاب الطفوله البريئه ويتشاركا الحزن الدفين ، يعرف نوعيه ذلك الحزن الدفين ، الحزن الموجع الازرق البارد الذي يتسلل في الاورده والشرايين ويحتل الروح ، وقتما يشعر الطفل بأنه صار بلاسند ولاحمايه ، صار محط شفقه الكبار وحزنهم ، صار وحيدا لااحد يعرف بحق مالذي يعتمل في روحه وحزنه وجرحه ووجعه ، يعرف مالذي تمر به مايا ، يعرفه لانه مر به ، نعم كان اصغر منها لكنه مازال يذكر كل لحظه حزن وكل ثانيه وجع ، يعرف الكابوس الذي يحتل عقله وروحه ويمني نفسه يستيقظ منه فيجد ابيه في الصاله يقرأ الجريده مثل عادته فيناديه وقت يراه ويجلسه علي ساقيه ويهدهده ، ساستيقظ من الكابوس لاجد ابي في الصاله مثلما اعتاد ، سيطلبني في التليفون وارد عليه ، سيقول لي وحشتني فاقول له وانت اكتر ، اساله جاي امتي يقولي قريب ، وفعلا يجيي قريب ، لكن التليفون لايرن وابي لايطلبني وامي تبكي وجدتي ايضا والنسوه بملابس الحداد يتوافدن علي منزلن يبكين مع امي وتأخذني كل منهن في حضنها بقوه تهرص ضلوعي ومعلش ياحبيبي ، واصمت وابكي واحيانا اتوجع واجري ، اكره احضان الحداد ، اكره احضان الحزن والشفقه ، اكره كل ماتقولوه وتفعلوه ولاارغب الا في عوده ابي يأخذني لحضنه فأطمئن وانام يمسح دموع امي المنهمره علي وجهها المحتقن فتطئمن وتبتسم وتعود الحياه مثلما كانت ، لكن احلام الصغار لاتتحقق وتبقي جنياتها الطيبه تاتيهم في النوم واليقظه تطيب خاطرهم لان الاحلام تبقي احلام والواقع المرير يفرض نفسه عليهم وعلي الحياه كلها ...
امه تبكي في ركن بعيد ، النسوة اللاتي يتوشحن بالسواد يشاركوها البكاء ، لااحد يخبره اين ابيه ولماذا تبكي امه ، ودعه ابيه قبل عده ايام ، ودعه ابيه مرتديا زيه العسكري ووعده حين يعود في اول اجازه في نهايه رمضان يصطحبه لمبارة الاهلي والزمالك ، لكنه لم يأتي والغيت المباراة وكل المباريات من حياته وغاب ابيه ايضا للابد ، الحياه كلها توقفت في منزلهم وكأنهم رحلوا مع رحيل ابيه للضياع ومستنقعات الحزن ...
انا مايا ابنة الشهيد البطل محمد المبروك باقول لهم ، صوتها يرتعش ونبراته تختلج وقلبها ينتفض والحزن يرسم ملامحه الزرقاء علي وجه طفولتها فيسرقها الطفوله ويبقي لها اليتم جرحا غائرا في قلبها ، يتمني يبكي ، ابكي يانبيل ، ابكي وشاركها الحزن ، ابكي واقتسم الحزن معها ، انا اليتيم الذي كان وانتي اليتيمه التي صارت وجميعنا في الحزن وحب الوطن شركاء وضحايا ، لكن دموعه تحولت احجارا تمزق نياط قلبه ولاتنهمر ، يحدق في حدقيتها ، يعرف تلك النظره ، يعرف ذلك التحدي ، يعرف ذلك الغضب ، يعرف تلك الكراهيه ، الرصاصات التي تخرج من فوهات اسلحه الاعداء لاتخلق موتا ولا وجعا ولاحزنا فقط ، بل تستجلب الكراهيه وتلوث بها قلوب الاطفال الابرياء و"" ليه يازمان ماسبتناش ابرياء " ؟؟؟ الكراهيه التي في قلبك يامايا ، هي الكراهيه التي في قلبي ، انا وانتي ضحايا العدو الواحد ولو تلونت الوجوه والاشكال والاسماء ، العدو لوطننا واحد ومن قتل ابيكي قتل ابي ومن يتمك يتمني والعلم الذي تحمليه رمزا لابيك حملته رمزا لابي وشاركتك حزنك واعرفه مذاقه ووجعه وسمه و... باقول لهم ... ولايسمع بقيه كلماتها ، ترتسم الاحرف علي شفتيه كلمات قالها وهو يبكي في المدرسه وسط زملائه يتوعد العدو بالهزيمه الساحقه انتقاما لابيه ، نفس الاحرف التي ترتسم علي شفتيها تتوعد نفس العدو بنفس الهزيمه ، والحق يامايا ان الوطن لم يبخل علينا بالفرحه وانزل بالاعداء الهزائم تلو الاخري ورفع راياتنا المخضبه بالدماء الشريفه الطاهره للاباء الغاليين لكن الوجع بقي والقهره بقيت والحزن بقي واليتم بقي ، انتصر الوطن لنا لكنه عجز يخلع الحزن من قلوبنا الصغيرة ، ويحكي ويحكي ، يحكي لها عن كل ماعاشه واحسه ويتصورها تسمعه ويتمني يقفز داخل الشاشه وياخذها في حضنه ، لن تجدي فيه شوكا مثل احضان الكاذبين المنافقين ، لن تجدي فيه صقيعا مثل احضان المزيفين ، ستجدي فيه الحنان الذي تستحقيه ياابنة الغالي ياابنتي وابنة شريكي في الوطن والوجع !!!
يتمني يقفز داخل الشاشه ويربت علي شعرها المنسدل علي كتفيها ويطمئنها بأنه موجود هو وغيره من محبي وعشاق هذا الوطن ، موجود وتحت امرها دائما ، لكنه يجلس علي السرير المعدني المتراقص في الغرفه الصغيرة البارده في وقت راحته بين العمليات الجراحيه وتشييع الموتي والدعاء للارواح الطاهره بالجنه ونعيمها ، يجلس بعيدا عنها اميال واميال ، وفي الغرف الكثيرة التي تملأ ردهات المستشفي يرقد الغاليين ينازعوا الموت ويفروا منه ويتمسكوا بالحياه ويتشبثوا بها لايعرفون الاقدار ومالذي تحمله لهم وستأتيه بهم ، شرف الاستشهاد ووجعه ام الشفاء واستكمال المعارك والحروب حتي اللحظه المكتوبه في اللوح المحفوظ ، لايعرفوا ولايعرف هو ، هو يعمل ماعليه ، ينزع من اجسادهم الرصاصات وشظايا الدانات ويرتق الجروح والارواح ويوصل لشراينهم الممزقه دماء علها تمنحهم بعض الحياه وبعض الامل وتبقي لاولادهم الطمأنينة ، يحاول ويحاول ، لكن القدر والمكتوب والنصيب ينفذوا فوق رأسه ورغم ارادته وكل مصاب غالي يلاقي المقدر له والمكتوب علي جبينه !!!
ومازال يحدق في وجه مايا حزين موجوع ، ويقرر انه سيزورها وقتما يعود في للقاهره في اول اجازه ، ابتسم ساخرا من سذاجته ، انت في القاهره يانبيل ، انت في القاهره فعلا يانبيل !!! يري المستشفي الصغير الذي يعمل فيه علي خط النار وجبهه القتال ، يري الصحراء تحيط به وبالمستشفي ، يري المصابين وجثث الشهداء ممزقه بذات الدانات والرصاصات الغادره ، يري الملابس المخضبه بالدماء كمثل بدله ابيه التي مازال يحتفظ بها في خزانة ملابسه يفوح منها عنبر الشهداء ومسكهم ، ساذهب لها غدا ، هذه هي اخر كلمه قالها نبيل لنفسه قبلما يغرق في بعض لحظات النوم القصيره التي سرعان ماستنتهي علي صراخ ليلي وهي توقظه ، اصحي يادكتور طواريء طواريء !!! ليلي ؟؟؟؟ يبتسم وهو نائم لان هذه الليلي مازالت قادره تشحن روحه ببعض الامل وبعض الغرام وبعض الحياه رغم كل مايحيطهما من موات وقتامه وحزن !!!! ليلي جرحه الجديد ووجع قلبه وذنبه الذي يحمله بوعي واراده وليذهب العالم كله للجحيم !!! الاختيار ثمن يانبيل ، وانت قررت تدفع الثمن وتسدد كل الفواتير القديمه ، تحمل يارجل تحمل !!!

( 18 )
روح دور علي نفسك

انت ضحية الجميع !! ضحية ابيك الذي استشهد من اجل الوطن وتركك صغيرا تتلظي بنار اليتم ، ضحية امك التي افسدت حياتك ببكاءها وحسرتها وخوفها عليك ووجع قلبها علي الحبيب الذي غاب ، ضحية نادية التي قبلت تتزوجك بحثا عن مأوي بعدما قهرتها زوجه ابيها وموت امها ، ضحية ليلي التي رفضت مشاعرك خوفا علي ابنتك التي نسيتها وسط براكين عواطفك وعشقك ، ضحية نورة التي ضحيت بحبك وهناءك من اجلها ، انت ضحية الجميع ، هذا ماتظنه يانبيل عن نفسك وحياتك ، اليس كذلك ؟؟؟ صغيرا جالسا علي مقعد خشبي في فصل تزأر فيه رياح الشتاء الباردة من النوافذ المكسورة وامامه زين مدرسا مهيبا يمسك عصا كبيرةيلوح بها في وجهه وكأنه سيضربه بها ، يبتسم نبيل ساخرا مما يقوله زين ، الحق يبتسم ساخرا لان الفيلم الذي يعيشه الان لايعجبه وليس حقيقي ، انت تحلم يانبيل تحلم ، استيقظ واخرج نفسك من تلك الحصة السخيفه التي يقرعك زين بكلماتها علي راسك ، استيقظ يانبيل استيقظ ، لست تلميذا وزين ليس مدرسك ولاولي امرك ولايملك يضربك بالعصا لاتخاف منه ولا تسمع كلماته السخيفة ، كل ماتعيش ليس الا كابوس سخيف ....
استيقظ يانبيل ، يهمس التلميذ الصغير لنفسه وجسده يرتعش من البروده والهواء يمزق وجهه بسياطه اللاسعة ، احنا صحيح بنلعب لكن اللي بقوله لك ده كلام بجد ، كلام بره اللعبه ، يلوح زين بالعصا في وجهه وهو يشرح له مايعيشاه معا في تلك اللحظة ، يحدق التلميذ الصغير في وجه زين المدرس ويتمني يصرخ فيه ، لماذا تؤنبني ؟؟ هاانت تؤكد لي انك ضحيه الجميع حتي انت ، انا اؤنبك واوبخك وانت لاتستحق ، انت الضحيه والجميع جناة ظالمين قساة ، فلتشكو منا جميع للحياه واطلب منها تعصف بنا جميعا ، تنتقم منا لك وتطيب خاطرك وتهدهدك وتصالحك ، انت الضحيه وجميعنا الجناه ، هل هذا مايسعدك ؟؟ استيقظ يانبيل استيقظ ، اللعبه التي تلعبها رغم انفك مع زين ليست الا لعبة في كابوس ، يقترب منه زين المدرس المهيب ، يقترب منه صغيرا علي المقعد الخشبي يرتعش بدنه من البروده والهواء اللاسع ، يقترب منه ويمسك ذراعه ، قبلما تستيقظ احفظ كلماتي ورددها علي اسماعك ولاتنساها ابدا ، احفظها عن ظهر قلب ، قبلما تستيقظ سمع لي كلماتي وافهم معانيها ، لاالومك لاني احب اللوم وتبكيت الاخرين ، وانت ايضا لست اخرين ولا من ضمنهم ، الومك لاني احبك واشفق عليك من نفسك من اختياراتك من الجب الذي تغرق نفسك فيه بنفسك ولاتسمح للحياه تنتشلك منه ، لست ضحيه للجميع ولا ضحية لاحد ، انت مثل كل ابناء الحياه يعيشوا حياتهم باقدارهم باختياراتهم بمصيرهم ، انت مثلنا جميعا عشت ماقدر عليك ، لكنك استسلمت للقدر ولم تحاول مع نفسك ومعه تخرج من الجب وتنقذ نفسك ، مازال التلميذ الصغير يرتعش من البرد ومازال المدرس المهيب يلوح في وجهه بعصاته الكبيرة فيرتجف قلبه رعبا وفزعا ، الكلمات التي يلقيها المدرس علي اسماعه اكبر من عمره واصعب علي فهمه من الفهم ، ينفجر التلميذ الصغير في البكاء ، يرتفع صوب نحيبه ، تنهمر دموعه ، يرتجف ويرتجف ، يقترب منه المدرس المهيب اكثر واكثر ، يلقي بعصاه بعيده ويحتويه بين ذراعيه ويهدهده مثلما كان يفعل عم وصفي وقتما عصفت به الحمي والمرض ، يحتويه بين ذراعيه ويطمئنه ، لست وحيدا انا معك دائما واحبك واخاف عليك ، لكنك لاتساعدني ولاتساعد نفسك ، لست وحيدا انا معك دائما لكنك انت الفار من نفسك ومني ، انت الفار من حياتك ومن الحياه عموما .....
استيقظ يانبيل استيقظ يانبيل ، ماتعيشه كابوس موجع ، نعم ، الحضن الذي احتواه فيه زين اوجعه اكثر من كل الكلمات المشحوذه والدرس القاسي ، الحضن الذي احتواه فيه زين اوجعه اكثر واكثر ودموعه تنهمر بحق علي وجهه تلميذا صغيرا وفوق مخدته التي ينام عليها والكابوس يعصف بعقله الباطن ويخيفه ، استيقظ يانبيل ، يهمس المدرس المهيب في اذنه وهو في حضنه ، قبلما تستيقظ اسمعني جيدا ، لست ضحية ولست مظلوم ولست عديم الاراده مشكلتك الاكبر انك لم تجد نفسك بعد ، كل هذه الحياه والسنوات والاختيارات والتمرد والحزن ، كل هذا عشته ولم تجد نفسك بعد ، بقولك ايه يابلبل ، روح دور علي نفسك ، فجأ تحول المدرس المهيب لتلميذ صغير يجلس بجواره علي المقعد الخشبي في اخر الفصل ، تحولا صديقين يتجاورا المقعد الخشبي والاسرار ، يتجاورا المقعد الخشبي والمنزل ويتشاركا الحياه ، بقولك ايه بلبل ، روح دور علي نفسك وكفايه تضييع وقت ، تجف دموعه بسرعه ويبتسم ويتمتم بكلمات ممضوغه لاتفهمها ناديه حين تسمعه يهذي وسط الليل كعادته ، روح دور علي نفسك ولما حتلاقيها حتستريح وتريحنا كلنا !!!
وتدخل نجوي رأسها من باب الفصل وتنادي نبيل ، تعالي ياحبيبي يالا حنروح ، وتدخل ناديه براسها من باب الفصل وتتشاجر معه لانها تنتظره وكعادته يتأخر عليها ، وتدخل ليلي رأسها من باب الفصل وتلوح له تودعه وتعتذر له عن كل الوجع الذي اوجعته له ، وتتسلل نورة من باب الفصل وتقترب من التلميذ الصغير وتلقي نفسها في حضنه وتقبله من وجنتيه وتمسك قلم ملون من اقلامه وترسم شمس وقمر ومنزل ملون وقلب تكتب فيه اسمه واسمها ويسكن كفها في كفه وتقبض اصابعها الصغيره علي اصابعه الصغيرة وتنتظره ليصاحبها في طريقها الطويل ، وتدخل فردوس رأسها من باب الفصل وتدعو له بالسلامه والصحه والستر وراحه البال و............... يبتسم الصغير ويتمني لو ظل نائما للابد ودعاء فردوس يغمر روحه بالطمأنينة والتفاؤل و..... استيقظ يانبيل استيقظ وقت الاحلام انتهي وحان عليك تعيش الحقيقه ، يهمس زين له ، دور علي نفسك يابلبل ، دور علي نفسك !!!!
ويفتح نبيل عينيه ويغلقها ويفتحها ويغلقها وتتسلل اليقظه والوعي ببطء لعقله المرهق وصوت زين يلاحقه ، دور علي نفسك ، دور علي نفسك و.... يغمض عينيه ويعود للنوم بسرعه كأنه يهرب من صوت زين الذي لايتركه يهنأ بنومه ويلاحقه بصوته القوي ، دور علي نفسك يانبيل ، دور علي نفسك!!!!

( 19 )
لاتغلق الباب ، سوف نعود

شرح له زين ، مازلت اذكر كل تفاصيل تلك اللحظة ، رغم صغر سني وقتها لكني مازالت اذكر كل وجعهها ، عندما تتحول حياتك لحقيبه سفر بالية محشوة بتفاصيل ايامك ، عندما يتحول بيتك لصور في خيالك تذكر نفسك بها كل يوم خوفا تفقدها فتضيع وتنقطع صلتك بالارض والطمأنينه للابد ...
" لاتغلق الباب ، سوف نعود " عباره يرددها مهجرين الحرب بمنتهي الرضاء وهم يودعوا منازلهم وارضهم وذكرياتهم ، يقص زين علي نبيل وهما جالسين علي سطح العقار القديم الذي يتجاورا سكني دوره الثالث والاخير ، يقص عليه ماعاشه ومايذكره  ، سنوات طويله قضياها معا،منذ طرق العم وصفي باب شقه الست ام نبيل في نهايه الستيتنيات و اخبرها انه جارهم الجديد وانه ترك بيته وحاله وماله في المدينه الباسلة  خلف ظهره لان الاوغاد لايقوون علي الجيش فيتشطروا علي المدنيين ، وكان لابد من الهجره وترك البيوت والارض والمدن خاويه الا من حماتها لتخفيف الضغط عن الجنود والضباط والقياده السياسيه المنشغله بتأمينهم اكثر من انتباهها للحرب الدائرة ضروس لاتنقطع ، كان لابد من الهجره حتي لاينشغلوا بنا وبهمنا وكفاهم المعارك التي لايكفوا يخوضوها والحرب الدائرة بقوه وعافيه حتي لو كانت القاهره وقاطنيها لايعرفوا بحق ابعادها ومعناها ومنشغلين باسئله سفسطائيه عن ميعاد الحرب التي لايعرفوا انها تدور فعلا ، ادركت  نجوي ان جيرانها الجدد من اهل المدن التي قدرت عليها الحرب وفرض عليها دفع الثمن الغالي ، اوضح لها العم وصفي انه ترك بيته خلفه مفتوح الابواب والنوافذ لايخشي سرقته ولا احتلاله بالحيوانات الضاله ولا تلف مفروشاته ، ترك خلفه الابواب مفتوحه لاننا سنعود ، ابتسمت ودعته لاحتساء القهوه معها ، وعدها يأتي في يوم اخر بعدما تعود زوجته من عملها ويعود ابناءه من المدرسه ويلتقوا جميعا ، ودي ايام صعبه يامدام لازم نحط ضهرنا في ضهر بعض ونتسند علي بعض ونعديها ، يعرف قصتها ، ولانه يعرف قصتها قرر لاينتظر حتي تأتي زوجته من عملها وتطرق باباها معه ، قرر يبادر بالتعارف ومد الايدي الطيبه للقلوب المنهكه ، قرر يقتحم حزنها وعزلتها وسرعان ماسيعتبرها اخته التي لم تلدها امه ، وستعتبرها فردوس شقيقتها الصغيره التي تشبهها تماما ، يعرف قصتها ، قالوا له الشقه اللي انت مأجرها قدام شقه حرم المقدم الشهيد ، تمتم العم وصفي بكلمات لانعرفها وكأن الشهداء يطاردوه من شوارع بورسعيد لشوارع العباسيه ، كأنه لم يستكفي من الشهداء ووجع القلب والروح عليهم فينتقي من بين الوف الشقق والبنايات ، هذه العماره القديمه العريقه ويستأجر الشقه رقم 5 التي يجاورها علي نفس البسطه الشقه رقم 6 التي تعيش فيها الست ام نبيل حرم المقدم الشهيد !!!!
زين اخر عنقود اولاد عم وصفي وخلفة الشيبة ، تصور عم وصفي وخالتي فردوس بعدما دخل اصغر ابناءهما الجامعه ودخلت فردوس عتبات الاربعين ، تصورا ان الحب العميق بينهما لن يثمر الا فرحة لكن رحم الست فردوس احتضن فرحه اكبر فاخبرت زوجها خجله بأنها حبلي وحنعمل ايه ، هل قال لها العم وصفي وقتها انه كاد يطير من الفرحه لان اولاده كبروا وخرجوا من تحت جناحه فكاد يشعر بأنه لاقيمه له في الحياه وانه كان يتمني ذلك الجنين يمنحه رساله جديده وامل جديد ومعني جديد لحياته ، احتضنها وانهال عليها بقبلاته فرحا بالهبه التي منحها له المولي القدير وسرعان مااتي زين بوجه الجميل وملامحه المنمنمة وابتسامته ليسعد قلب عم وصفي وزوجته خالتي فردوس ، احساه لعبتهما الجديده في الحياه و........... وصار " زين " زينه حياتهما وفرحه ايامهما ...
وقبلما يعرف زين معني المدينه الباسله ويسمع من ابيه اساطيرها واسرارها و انتصاراتها الغاليه علي اسرائيل وقبلها انجلترا وفرنسا وقبلما يتعرف علي ابطال المقاومه الشعبيه اصدقاء ابيه واحباءه ، قبلما يفهم اي شيء ، جمعت الست فردوس ملابسه والعابه الصغيره في حقيبه باليه واخبرته انه مسافرين و....... ترك زين المدينه الباسله خلف ظهره وتوجه صوب العاصمه الصاخبه القاهره المزدحمه المتوترة المدينه المهزومه التي ادمن ابناءها الصخب مواراه لاوجاع قلوبهم ومراره الهزيمه التي كسرت فرحتهم ، وعاني عم وصفي واسرته الامرين في القاهره ، تنقلوا بين شقق كثيره ، احياء يكرهوها لبرودها واحياء يعجزوا عن التواصل مع اهلها المتربصين بالغرباء المتلصصين علي احوالهم ، مدينه يملأ قلبها الشك تجاه الغرباء وكأنهم اعداء فارين من جبهه القتال ينوون باهلها شرا ، تنقل عم وصفي واسرته بين شقق كثيره حتي استقر به المقام في العباسيه ، شقه رقم 5 امام شقه رقم 6 التي تسكنها الست حرم المقدم الشهيد ، تفاءل وصفي بالشقه والعقار القديم ، ذكره ببنايات الشوارع التي يحبها في المدينه الباسله ، البنايات صاحبه التاريخ التي بقت اثار اقدام قاطنيها ومحبيهم عالقه محوا علي درجات السلالم القديمه ، التي مازالت اثار الاصابع وقبضات الاكف علي درابيزن السلالم الخشبيه المتأكلة ، احب عم وصفي البنايه القديمه والحي ، احسه حميم عريق صاحب تاريخ مثل مدينته الباسله وشوارعها التي تحكي وتقص عن التاريخ الذيي عاشته ، احبها في البدايه وحين عرف ان شقته تحمل رقم 5 تفاءل خيرا لانه ذات رقم شقته التي تركها وبابها مفتوح ينتظر عودته ، وحين عرف ان جارته حرم المقدم الشهيد ابتسم وعرف لماذا قادته قدميه لتلك البنايه ، عرف انه يحمل علي كتفيه دين لتلك السيده واسرتها التي لايعرفها لكنه سيعرفها ، هي دفعت الثمن الغالي من اجل التراب الغالي ، وعليه واجب صوبها واسرتها ، يعوضهم الفقد والوجع واليتم والغياب ، يعوضهم الوحده والعزله والانكسار الذي يعيشوه لايدرك من حولهم فداحه الثمن الذي دفعوه ، ومن يقوي يعرف اكثر مني انا ، انا الذي حملت الجثث الساخنه لمثواها الاخير ، ولقمتهم الشهادتين وربطت رؤوسهم بمناديل طويله مزقتها من قمصاني وملابسي الداخليه ، انا الذي شاهدت الرجال تحلق صوب الفخر وتعتلي فرس النبي صوب السماء وتأتي بطولات انتحاريه لتمحو الحزن من علي وجه الوطن وتمحو الهزيمه من سجلاته العسكريه ، انا الذي دفنت الاحباء اكثر من اشعر بحزنك ، تعالي اقص عليكي كيف كانوا يسعوا للموت ببطوله واستبسال ، كيف كانوا يموتوا فرحين بابتسامات تنير الليل الحائل فجرا حاني ، انا اكثر من سيشعر بها تلك الارمله الوحيده الحزينه وابنها الصغير ، صار واحد من اسرتي وهمي وصارت واحده من دمي ولحمي ... و.............. ادرك ابن المدينه الباسله ان ديون الشهداء تطارده وستظل تطارده حتي بعدما تصور انه هاجر من مدينته للعاصمه ليعيش وسطها الايام الضروريه حتي يعود لبيته بعدما ترفع رايات النصر خفاقه علي ضفتي القناه ، لكن الشقه 5 وارمله المقدم الشهيد اوضحا له ان العطاء مستمر والحب ايضا وان شهداء هنا شهداء هناك والجميع مكلوم يدفع ثمن باهظ حتي يتحرر الوطن من هزيمته ويمحي العار و................... انا جاركم الجديد ، عم وصفي ، في مقام والدك يابنتي وانت في مقام كل الغاليين وقلت اتشرف بيكي مؤقتا لغايه مانتعرف وبحق !!!


واجتاح الدفء قلب نجوي وحياتها بعدما هاجرت اسره عم وصفي من المدينه الباسله لجيرتها بعطاء وحب لم تتصور تصادفه ولا تعيشه بعدما رحل الحبيب الغالي المقدم الشهيد ، وصار لنبيل اخا اسمه زين ، زين الابن الاصغر واخر العنقود في عائله العم وصفي ، تائه بين اشقاءه الاكبر وشقيقاته لايجد لنفسه ممكانا ، طالما شعر وحده تعصف بروحه ، رغم كل الاهتمام الذي يمنحه له الاب العجوز ورغم كل القصص والحواديت والارواح وصوابع الموز وصواني الصياديه التي يصنعها له بيده ورغم رحلاته النهارية علي شط القنال والذكريات التي يقصها عليه وهو يقبض علي كفه الصغير ، رغم كل هذا  ، بقي  وحيدا غريبا حتي التأمت روحه بروح نبيل ، لم يتصادقا بل صارا اخوه من اللحظه الاولي التي تعارفا فيها ، احتل زين منزل نبيل ففرحت نجوي لان ابنها اليتيم وجد من يؤنس وجوده وسط دوائر الاحزان التي يعيشها منذ رحل ابيه وتركه يتيما وحيدا يعيش في عالمه الموصد مع ذكرياته الضبابيه وخيالاته المقهورة عن اب رحل واخوه لم يأتوا وام تبكي وفرحه لايعرف بحق مذاقها ويتصورها فلايفرح  !!!

" نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع " 

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الرابع "


الجزء الرابع

و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش

( 20 )
مازال الليل في اوله

و.................. صوت صاخب حطم رأس نبيل ، فتح عينيه فزعا ، حدق في مريضه خائفا يكون الصخب هو رحيل الروح التي ملت الاسر في الجسد الممزق ، لكنه مازال نائما امامه وكأنه يغرق في الاحلام الطيبه ، ينتبه نبيل فاذا بالكهرباء التي قطعت ساعات طويله عادت والضياء يسطع فوق الجدران الخضراء ، مادت الارض تحت قدميه المتيبستين محتجزا علي الكرسي الخشبي الثقيل امام الفراش الاخضر الذي يرقد عليه جسم يقاتل ليبقي محتفظا بمكانه في الحياة ، المولد الكهربائي الذي كان يدير الاجهزة الموصوله بجسد زين انطفيء فجأ فارتعشت الشاشات وسرعان ماعادت لكفاءتها بعدما حل التيار العمومي في الاجهزه بديلا لكهرباء المولد التي دعي نبيل طويلا الا تنفذ فيموت زين !!!
غرفه صغيره بارده علي جدرانها لافتة العنايه المركزة ومصاب ينزف دماء كثر من ثقوب كثيره في جسده يحاول نبيل معاونته ليبقي حيا ، غرفه صغيره بارده علي جدرانها لافته العنايه المركزة تحتجز نبيل وزين وصراع عنيف بينهما والحياة من جهه وبين الموت وملائكته من جهه اخري !!!
يفتح نبيل عينيه ويحدق في زين ، مازال حيا ، مازالت انفاسه تتلاحق ببطء ومازالت الشاشات تقرأ بعض الحياه الباقيه في جسده الممزق بشظايا ورصاص خرج ودخل ودخل وخرج ومزق جسده وروحه وكاد يوصل بينه وبين المعبر الاخير ليغادر العالم الموحش ويحل ضيفا عزيزا علي الفردوس الاعلي ، لكن نبيل اناني لايرغب في رحيل زين ولا تزيين صفحته بقلاده الشهداء ولا منح امه معاش استثنائي ، نبيل يمسك بتلابيب زين ليبقي ويصارع الحياه ويثأر لجروحه الكثر بتطبيق القانون علي القتله المجرمين يفتح نبيل عينيه ويحدق في زين ، في الشاشات ، في اللمبه الساطعه في السقف باشعتها البيضاء البارده ، في الجدران الخضراء ، ويتنفس الصعداء ، رغم كل شيء ، افلح يقبض علي روح زين في جسده ويسد ثقوب اللحم الممزق ويوقف شلالات الدماء الساخنه ويؤجل رحيله ولو بعض الوقت!!!
ستفلح يابنيل ، ستفلح !!!
منذ لحظه الهرج التي مزقت سكونه في غرفته الصغيره وليلي تصرخ تناديه ، يادكتور نبيل ، وقتها كان مستلقيا فوق فراشه بروح متعبه بعدما مات المصاب الذي حملته الطائرة الهليكوبتر من العريش  لطاوله العمليات اتي ممزقا من دانه القيت فوق جسده مباشرة ، كان يكتب رساله لزوجته ، اتت معه بين اصابعه بلا معاني بعدما اغرقتها الدماء وامتزجت مع الاسطر والحبر ، هب نبيل من فوق فراشه وهرع مرتاعا لغرفه العمليات ، يصرخ ، دم ، يعرف مالذي سيلاقيه في الجسد الممزق الذي حملته الطائره في محاوله لانقاذه وان مات يموت وسط اهله بعيدا عن الارهاب المعشش غربان سوداء علي الجبل الذي احتله اولاد الحرام ، دم هاتوا اكياس دم ، يصرخ دم دم ويجري لغرفه العمليات ، يعرف تلك الملامح علي مثل ذلك الوجه ، انها الروح التي رحلت وتركت جسدها يعاني حتي يتركه الاطباء وشأنه ، يعرف تلك الملامح ، الوجوه المعووجه والعيون نصف المغلقه والانفاس ذات الرائحه الغريبه ، والدماء اللزجه التي تنسكب من الشرايين والاورده بلا اراده في الحياه ، يعرف تلك الملامح ، هذا شهيد رحلت روحه وامتطت فرس النبي وتصعد الان للسماء السابعه والفردوس الاعلي ، روح رحلت وتركت جسد سيرحل بسرعه ، بعدما يعجز الطب يغير كتاب الاجل وميعاده وبعدما يعجز الاطباء بكل علمهم واصرارهم وحماسهم في مد الجسد الذي رحلت روحه عن الحياه بالحياه ، يعرف نبيل تلك الملامح ، يبتسم ، يقرأ الفاتحه ، يتعقم ، يمسك مشرطه وابره الخياطه وخيطها المعقم ، يمزق الملابس المخضبه بالمسك والعنبر ، يمزقها بحثا عن جسد يرغب في الحياه لكن الملابس المخضبه بالبطوله ترفض تترك صاحبها وتلتصق في عظامه وتختلط بلحمه وجلده ، هذا كفني وهذا جسدي وسنرحل معا ، رحلنا فعلا ، وانتم بؤساء تضيعوا وقتكم وجهدكم وتحاولوا فيما لايجدي!!!
ورحل البطل الذي لايعرف نبيل اسمه ، رحل والمشرط يبحث عن جرح يفتحه ويطهره من الموت المحقق والخيط المعقم يبحث عن جرح يرتق طرفه مع طرفه الاخر ، رحل وصمت القلب وكفت الرئتان عن الحركه واستسلم الجسد لرحيله وارتسمت ابتسامه علي وجه تتغير ملامحه بسرعه من مصاب متوجع لشهيد بطل يزف علي فرس النبي وحوله الملائكه لعرش الرحمن !!!
يبكي نبيل وتبكي الممرضات لان الجدع راح ، يبتسم الجدع لانه في طريقه للجنه لكنهم لايعلمون !!!
يخلع نبيل البالطو الذي كان ابيض ويغسل دماء الجدع من علي اصابعه ويتسلل لغرفته الصغيرة يبحث عن بقايا الاحجار المشحوذة التي تسكن جفنيه لتسقط دموعا ، يتسلل لغرفته ويطفيء النور ويمني نفسه ببضعه ساعات بلا حزن جديد ، لكن امنيات نبيل لا تتحقق ولن تتحقق ، قدر له يشهد لحظات الرحيل لجسد لايعرفه ، وقبلما تهدأ روحه وتلملم نفسها المبعثره حزنا علي الاحزان التي تحاصره وتحتله ، قبلما يصالح نفسه علي نفسه ويطمئنها انه سينقذ المصاب القادم مهما كانت شدة اصابته وانه باراده ربه وقدرته سينتشله من الموت سيعيده لزوجته فتعيد ملابس الحداد لخزانتها وتغلق عليها بقفل ترمي مفتاحه بعيدا ، سيعيده لامه فتدخر دموعها لتبكيها علي اولاد الاخريات التي يخترن الفخر ويرحلن شهداء عرسان للسماء ويتركن القلوب تحترق والعيون تبكي دما وهما وحزنا ووجع لايضاهيه وجع ، سيعيده للحياه وللارهابيين القتله يتقص منهم ويثأر لزملاءه الذي فشل نبيل يشد اواصر حياته لجذورها في الارض الطيبه فتركته وحلقت للسماء ، قبلما تهدأ روحه ، تطرق ليلي باب الغرفه بطرقات يعرف معناها ، تهمس بصوت جزع يخلع قلبه ويحرك مشاعره التي ظنها ماتت من زمن بعيد ، يادكتور الطياره علي وصول ، ينتبه ، وجع جديد سيصل حالا ، دماء ومشرط وخيوط معقمه وصراع مع الموت وتشببث بالحياه وتحدي مهني يطارده من فشل لفشل ومن رحيل لرحيل ، يهرع للساحه الخلفيه للمستشفي وهي خلفه وبقيه زميلاتها وزملائها ، يعلو صوت الطائره في اذنه وسرعان ماتكاد رياح مروحتها الهادره تخلعه من الارض تلقيه في الفراغ ريشه تائه وسط الاعاصير ، يسكن المحرك ويهرع نبيل والممرضات وعمال الاسعاف صوب باب الطياره ويلقي نظره سريعه علي وجه المصاب و.............. يكاد يقفز من مكانه وينسي انه الطبيب المعالج وان حياه المصاب امانه في عنقه ، زين !!! يصرخ بصوت مخنوق ، وبسرعه تنقل الايدي المدربه الجسد الممزق للنقاله ويجري عمال الاسعاف ومعهم الممرضات وامامهم نبيل يهمس لزين ، الا انت ، الا انت يازين ، حرام عليك اللي بتعمله في واللي حتعمله فيا وفي نفسك !!!
ويحدق في قطرات الدماء تتناثر من جسده علي الارض ترسم طريقه الذي لايعرف نبيل بعد نهايته وهل هو سكه السلامه ولا سكه اللي يروح مايرجعش ، ويجري عمال الاسعاف صوب غرفه العمليات وخلفهم نبيل ودموعه تنساب علي خديه رغما عن ارادته وقوته تفضح حبه لصديق عمره الذي اختار يموت حسبما تصور نبيل علي يده هو دون كل الناس ، اختار يموت علي يد  صديق عمره !!!
( 21 )
ليلي

طرقات الباب اعادت اليه بعض الانتباه ، وحيدا في حجرته الصغيرة في المستشفي ينتظر نداءات صارخه لتوقظه لينقذ مرضاه ، طرقات الباب اعادت اليه بعض الانتباه ، يعرف تك الطرقات الرقيقه ويعرف صاحبتها ، تحرك من فوق فراشه بعدما سوي ملابس نومه مرتبكا ، فتح الباب وجدها كالقمر وسط الليل الموحش ، ابتسمت ارتبك ، ارتبكت اكثر لارتباكه ، تمني لو ياخذها في حضنه ، رحب بها ، اتفضلي ، همست ، انا جايه اودعك يادكتور ، لم يفهم ماقالته ، انا مسافره الفجر وقلت مايصحش امشي من غير مااودعك ، ليلي صرخ بصوت هامس ، مسافرة ، مدت اناملها الرقيقه لتودعه ، لايفهم ولن يفهم ، بعد كل ماكان بينهما ، هل مابينهما كان ولم يعد ، اسئله كثيره تدور في رأسه وهو يشاهدها امامه جميلة نضرة ، بعض الحزن يسكن ملامحها ، نعم ، بعض الحزن يسكن ملامحها ، هكذا قرر ، حزينه هي لفراقه ، اكيد حزينه ، كأنها طعنته بخنجر في قلبه ، بل كأنها مزقت قلبه قطع صغيره ، كأنها مزقته باسنانها ، ليه ياليلي ، نظرت له نظره عميقه تحمل كل الاجابات ، انت تعرف وانا واثقه انك تعرف ، انت تعرف لماذا افر منك وتعرف اني افعل مايتعين عليه افعله ، سحبت اناملها من كفه البارد واعطته ظهرها وسارت بعيدا عنه وتركته مذهولا علي باب غرفته غير مكترثه بما اصابه  وكأنها ابدا لاتعرفه ، خطواتها تبتعد تبتعد في الممر الطويل المظلم ، وهو مازال ثابتا مكانه خلف باب غرفته المفتوح لايصدق ماسمعه ولا ماقالته له ....
من مكان ما خفي لايعرفه يستشعر وجود زين ، نعم زين هنا ، يراقبه ويشاهد المشهد كل ، يراقبه بنظراته الحاده التي يعرف وهجها وقت يتملكه الغضب ، زين يراقبه غاضبا لانه لم يهجر ليلي حتي هجرته ، زين يباركها ويبارك اختيارها الصعب ، يشفق عليها لكنه يبارك اختيارها ، يراقبه زين بنظراته الحاده وكأنه يلومه علي كل ماعاشه وماعرضه نفسه له ، اين انت يازين ، اين تختبيء وتراقبني ، لماذا تلومني وانت اعرف الناس بمااعيشه ومااعانيه ، النظرات الغاضبه مازالت تلاحقه ، لاتمنحه عذرا ولا مبرر ، يصرخ نبيل ، انت حرضتها علي هجري ، انت قتلتني وهي ايضا ، ويجري صوب الباب يلاحق خيالها الراحل بعيدا ، ليلي ، يتذكر لمساتها الاخيره وهي تودعه ، يقبض باصابعه علي راحة كفه وكأنه يقبض علي اناملها الرقيقة ، مازال لم ينتبه ، نعم لم ينتبه لقصاصه صغيره تركتها في كفه ، لم ينتبه لها فلم يقرأها ، بقي يحدق في ظهرها وخيالها وهي تغيب تغيب غاضبا منها ومن زين  و....... سرعان ماتراجع داخل غرفته واغلقه عليه الباب وتمني لو لم يكن في المستشفي ، تمني لو كان في الصحراء ليصرخ عاليا ، يصرخ من اعماقه بكل الوجع والالم الذي اشتعل في روحه وروحه تتركه يتظلي بغيابها ويحترق ببعدها وتهجره وتختفي ويصرخ ويصرخ بصوت محبوس لايخرج من حنجرته !!!
ليلي ........... صرخ بصوت مذبوح ، ليلي ، ليلي ، ليلي ، ليلي وتنهمر دموعه !!توقظه نادية وهي تهزه هزات عنيفة ، اصحي يانبيل اصحي ،  تهزه اعنف واعنف ، يفتح عينيه مرتعبا والدموع تنهمر منها ، يفتح عينيه ويغلقها بسرعه ، في فراشه بجوار ناديه لايريدها تشاركه الحلم ، يكفيها الحياه كلها ، انه سره الصغير الذي لايشاركه فيه احد ، لتأتيه ليلي براحتها ويبكي براحته ، اغلق عينيه بسرعه وكأنه يخرج نادية من حلمه رافضا تشاركه لحظته الخاصه جدا ،تلك اللحظه التي ودعته فيها ليلي وكسرت قلبه وادمته وابكته ، نعم وقتما قررت ترحل وتتركه وتمضي ، لحظتها لم يبكي ، لكنه يبكي اللحظه كل يوم ...
يغمض عينيه ثانيه عل ليلي تعود له وهو يقظ مشتاق لعودتها ووجودها في حياته ، لكنها ظالمه  ، ظالمه قاسية لاتزوره الا في الحلم وتأتيه بطوفان دموع ووجع يشعل اعصابه الما ، ظالمه هي الجميله التي يعشقها واختفت بعدما اكدت له انها تحبه وستحبه للابد لكنه يتعين عليها ترحل من اجل نورة التي تحبها ربما اكثر منه ، نورة ، هجرته من اجل نورة وتركته يلتظي بحرمانه منها حانقا علي ناديه زوجته لانه تزوجها هي ولم يتزوج ليلي ولانها انجبت له وحيدته نوره ولم تمنح ليلي فرصه لانجابها فتصبح حبيبته وام ابنته ، ناديه سرقت منها الامومه ولم تترك لها الا الحب ، ليلي التي اجتاحته بحبها فتعلق بها وعشقها وتمناها زوجة وكاد يطلق زوجته لاجلها ويشرد نورة لاجلها ، كاد وكاد ، قرر واختار ، صمم وتهور ، لم يكن احدا في الحياه يفلح يثنيه عن اختياره الا هي ، نعم هي التي كسرت ارادته و هجرته وهي تحبه من اجل نورة التي كاد يضحي بامانها من اجل حبه !!!عجزت عن الاختيار يادكتور فاختارت هي ، همس زين في اذنه ، ليلي اختارت الرحيل وانت اخترت الكوابيس والبكاء ، وليدفع كل منهكما ثمن اختياره ، مازال صوت زين يرن في قلبه ، يتذكره حانقا عليه وحانقا علي ليلي وعلي ناديه وعلي الحياه كلها ، يعرف كل ماقاله زين ومالم يقله ، ورغم هذا يتمناها تعود وليذهب العالم كله للجحيم ، حتي نورة ؟؟ يسأله زين ، فيغلق عينيه بقوه وكأنه يخرسه ويخرس صوته الذي يلاحقه باللوم والغضب!!!!!
يغمض عينيه ويتمني ينام ، لتعود له في الحلم ولو كانت عودتها موجعه ورحيلها المتجدد في كوابيسه وكل لياليه موجع اكثر ، لكنه يتمني يراها ولو ثواني قبل الرحيل ، اغمض عينيه وصمت تماما وانزلق تحت الغطاء و اعطي نادية ظهره وزين ايضا ، اغمض عينيه اكثر واكثر وانتظرها ... انتظر ليلي تأتيه في الحلم ككل ليلة !!!

( 22 )
نونس بعض

علي سطح العقار القديم الذي يسكنا في دوره الثالث معا ومنذ سنوات طويله ، حدقا في بعضهما البعض بنظرات وداع وادركا ان هدنة الطمأنينة التي اختلساها من الزمن الصعب انتهت ... حزن كبير يداهمها ويؤرقهما ، خلال ايام سيعود وصفي للمدينه الباسله وتفترق فردوس عن نجوي ، وتغلق الشقه التي لم يغلق بابها كل تلك السنوات ، وتعود نجوي لوحدتها ونبيل لعزلته ويعود وصفي وفردوس وحيدين دون كل فروع شجرتهما للمدينه التي حاربت فهجرت اهلها خوفا عليهم فشتتهم وكبر الابناء بعيدا عنها وعن حضنها فلم يعرفوها مثلما يعرفها وصفي ولم يحبوها مثلما احبها ولايطربوا لنغمات سمسيماتها وسهرات الانس علي شط القنال وفي السعيديه مثله ، صار الابناء غرباء عن المدينه وعن وصفي ، فقط زين الذي لم يعيش فيها الا قليلا يتمني يعود لها يحارب مثل من حاربوا وينتصر مثل من انتصروا ويستشهد علي ترابها متشبثا بوجوده فيها فتهجيره مبكرا شد وثاق روحه لارضها والموت عليها احن عليه من فراقها ، هل هجرته صغيرا مدت جذوره في الارض خوفا ينساها فلم ينساها ، هل الحقيبه الباليه التي حملها بملابسه وكتبه وقبضه من ترابها حافظت علي الوصل بينه وبينها ، سيعود وصفي وفردوس للمدينه الباسله لشقتهما الواسعه والتراسينه البحريه والذكريات ، سيعودوا لبيتهم ، بعض الفرحه وبعض الحزن وكثير من القلق وكأنه الغربه احتلت ارواحهم فصاروا غرباء عن كل الاماكن والمدن حتي مدينتهم الباسله ، نجوي تعدهم بالزياره وفردوس تقسم عليها برأس كل الغاليين تنتقل لتعيش معها والبيت واسع و" نونس بعض وناخد حس بعض " فتعدها كاذبه بالذهاب والبقاء ، ومن جديد ، تفرقت العائله التي ربط الحزن والوطن بين ابناءها الغرباء فصاروا عائله بلا دم ولانسب ، تفرقت العائله او هكذا تصور الجميع وقت تبادلوا الاحضان والدموع علي بسطه السلم التي طالما شهدت وصلهم ووطدت قربهم ، تفرقوا وتصوروا الايام ستبعد بينهم وتباعدهم ، لكني انا التي اراهم من عل ، اعرف ان كل مخاوفهم اوهام لاعلاقه لها بما سيعيشوه ، انا التي اراهم من عل ، اعرف انهم صاروا عائله واسره وهم ودم ، ومهما تباعدوا لن يبعدوا و....... جففوا دموعهم ربما تمنحكم الايام بعض الفرحه قبل فيضانات الدموع الاتية !!!

( 23 )
ازيك ياحبيبي

مكالمه من بورسعيد ، همس لنفسه وهو يقرأ الرقم المجهول الذي يومض علي شاشه تليفونه ، الو ، تصوره زين ، ربما هو في اجازه قصيره في بورسعيد وفرغت بطاريه تليفونه كالعاده ، الو ، اتاه صوت فردوس ، ازيك ياحبيبي ، اهلا اهلا ياخالتي ، صوتها يومض في قلبه بالفرحه ، معلش ياحبيبي باكلمك وسط مشغولياتك ، ياخالتي انت تؤمري ، يقصد كلماته بحق ، يحبها كأمه بل ربما اكثر لكنه يخجل يصارح نفسه بمكنون مشاعره تجاهها ، هي الام التي احس امومتها ، لم تبكي كلما رأته ولم تنهره لتوترها الذي وقت طفولته لم يعرف سببه ، لم تتشاجر معه ليذاكر ويتحمم ، لم تقسو عليه بحجه حسن تربيته ، هذا كله ماعاشه مع نجوي ، امه التي قهرتها الظروف فقهرته ، فردوس هي الام التي شاهدها في الافلام ، حنان فياض لاينضب ، هي التي اخذته في حضنها وحمته من غضب امه ودعت له ورقته بعد صلاتها ، هي التي اشترت له ملابس العيد رغم انف امه التي عانت دائما من ضائقه ماليه قسّتها عليه ، فردوس هي امه وام شقيقه ، نعم زين اخيه الوحيد ، هكذا احس من اللحظه الاولي التي شاهده فيها وسيظل هذا احساسه به حتي يموت ، اؤمري ياخالتي ، قصت عليه ان جارتها مريضه ودارت علي الاطباء في المدينه الباسله فلم تشعر راحه ولم تشفي ، اخبرته انها تحب جارتها التي تتعذب بمرضها وانها عرضت عليها ترسلها له في القاهره ، تقدر تعمل لها حاجه يانبيل ، طبعا ياخالتي ، سيهتم بها ويحجز لها عند افضل زملائه المشهورين وسيوصيهم عليها لانها من طرف خالته الغاليه ، اصل انا باتباهي بيك وبشهرتك ونجاحك يانبيل ، يرتبك لمديحها وينهي المكالمه سريعا وهو يؤكد عليها انه ينتظر جارتها وانه سيفعل لها كل مايمكنه واكثر ...
صار طبيبا مشهورا ذائع الصيت ، هل كنت تتصور يانبيل انك ستكون هذا الطبيب ، لم اتصور شيئا لكني لست سعيدا ، هذا مايقوله لنفسه دائما ، هل يعرف العالم كله انه نبغ في الطب لانه منحه كل حياته التي لايوجد بها الا ذكريات زرقاء وزوجة متيبسة ومذاكره كثيرة ووقت طويل لايجد مايقضيه فيه الا الاهتمام بعمله ومرضاه ، لست سعيد ، كنت اتمني امنح نفسي بعض الوقت السعيد ، اقضيه مع زوجه تحبني وتحتويني وتشاركني الخروج والتنزه ودخول السينما ، كنت اتمني امنح نفسي بعض الوقت السعيد اقضيه في منزلي علي الاريكه المريحه امام التلفزيون احتسي شاي ساخن وقطعه كيك طازجة تصنعها لي زوجه محبه ، كنت اتمني اكون اي شخص غير ماكنت ، الشهرة والنبوغ العلمي والتفوق والوقت الطويل الذي امنحه لمرضاي هروب منظم من البيت الموحش والزوجه البارده والحياه الرتيبه الكئيبه ، لست سعيد ياخالتي ، تمني يدخل حضنها ويبكي ، تمني يحكي لها عن مشاعره ووحدته وامنياته التي بقت حبيسه ، تمني يحكي لها عن رغباته في تغيير حياته كلها ، الزوجه والعمل والمنزل ، يتمني لكن لايقوي ، مش قادر ياخالتي لكن مش مبسوط ، لو سمعته لحرضته يطلق زوجته الكئيبه بنت الكئيبه ويغير عمله لان المهم سعادته ويغير المنزل لان عتبته ناشفه وضلته نار جهنم  ، لو باح لها بوجعه لطيبت جروحه وسايرته في احلامه وفتحت له طاقات الامل ، لكنه يخجل يقص عليها همه ، الم يكفيها كل ماباح لها به في طفولته ، الم يكفيها كل الدموع التي بلل بها ملابسها صغيرا فارا من عقاب امه لحنانها ، لست سعيد ياخالتي !!!
يحدق في شاشه تليفونه وكأنه يتمناها تطلبه ثانيه ، لو فعلت لباح لها بكل همه ووجعه ، لو فعلت لصارحها بما يعتمل في نفسه ، مل الحياه كلها بكل تفاصيلها لكنه عاجزا عن تغييرها ، دق رنين التليفون وهو محدق بشاشته غائبا لايري هائما في افكاره ، تصورها طلبته استجابه لاستغاثه روحه التي ارسلها لها عبر الاثير ، انتبه وحدق في الشاشه ، نادية !!!!
ستسألني متي ساعود للبيت ، ساخطرها ان العياده مازالت مكدسه بالمرضي واني لن اعود مبكرا ، ولتتعشي وتنام ولاتنتظره ، يعرف كل ردودها ، ستهمس طيب وتمنح التليفون لنورة لتهمس لابيها الذي ستنام قبل عودته للمنزل ، تصبح علي خير يابابي ، سيهمس وانتي من اهله ياحبيبه بابي ويبقي صامتا علي مكتبه طويلا يفكر في كل شيء ولايفكر في شيء ، سيبقي صامتا ثابتا حتي تطرق الممرضه باب الغرفه وتخطره ان المريض مل من الانتظار فيشاور لها لتدخله وهو يهمس لنفسه ، لست سعيد !!!
ومازال جرس التليفون يطارده فيفتح الخط ويهمس ، ايوه يانادية !!!

( 24 )
انت لها

حدق في وجه المصاب محمولا علي النقاله امام ولم يصدق نفسه ، زين ؟؟ نعم هو ، زين ، اخيك وبقيتك ودمك وهمك ، نعم هو زين ، الضابط الذي مزقت جسده الاسياخ الحديد التي انهارت مشحوذه فوق رأسه وقتما تهدمت الجدران وتهاوت بسبب الانفجار الكبير الذي وقع هو زين ، الضابط الذي تلطخته بذلته العسكريه بدماءه الساخنه هو زين ، هل سيخلع عنه البذله ويحتفظ بها بجوار بذله ابيه ليفوح منهما المسك والعنبر يحكي ويقص عن الابطال وبطولاتهم العظيمه ، يهز نبيل رأسه نفيا كأن كابوس يثقب جمجمته ويحتل تلافيفها ، لا ، لن يكون زين اسماعيل ثاني ، يحرق بغيابه قلب نبيل ويكمل علي بقيته ويسود ايامه بغيابه ، لن ترحل يازين ، يحدق في الجسد الممزق امامه ، يدقق النظر في الوجه يبحث عن ملامحه المعروفه المألوفه التي يحبها ، ملامحه غابت وضاعت تحت خليط من التراب والدماء الساخنة وبعض الدموع ، خليط رسم علي الوجه الذي يحفظه شكله ملامح غريبه ، يحدق في الوجه يبحث عن ابتسامه القوة التي طالما استمد منها قوته في الايام الصعبة ، امسك نبيل بالنقاله يوقفها ، لن يجري وراءه ، سيصاحبه في رحلته للشفاء خطوه خطوة ، استنوا ، هل هذا الصوت العالي الصارخ المرتجف صوته ؟؟ هل هذه الرجفة التي دوت بين جدران الممر الصامت في المستشفي تخلع القلب هي رجفة قلبه ؟؟ استنوا ، مد كفيه يملس علي شعر زين ، كأنه ينقيه من ذرات التراب وبعض الحصي المدفونين بين خصلاته ، مد كفيه يمسح عن وجهه التراب ، يزيله من علي جفنيه ووجنتيه وشفتيه وفتحتي انفه ليساعد الهواء النقي يشق مساراته للرئتين المحشورتين بين عظام القفص الصدري المهشمة تحت الجدران الثقيله الحجريه التي تهاوت فوق رأسه وجسده ، يحدق فيه لايصدق مايراه ، زين ، يهمس ،يتمناه يفتح عينيه ويراه ، انا جنبك هنا ، يتمناه يسمعه ، زين ، يناديه ليوقظه ليعيد بعض الوعي لرأسه ليطمئنه ، زين ، لايرد عليه ، يقف بجواره مرتاعا ، لست طبيب ولست مصاب ، انت اخي وانا اخيك ، انت مني وانا منك ، انا بقيتك وانت بقيتي ، رد علي يازين ، تأتي ليلي مسرعه من خلفه ، اتحركوا مستنين ايه ، تصرخ في المسعفين يحملون النقاله ، اتحركوا بسرعه علي اوضه العمليات ، تقترب منه وتدفعه بكفيها قليلا للامام ، يالا يادكتور نبيل ، يالا علي اوضه العمليات ، اتحركوا ، صوتها حاسم قوي يأمرهم فلم يترددوا وهرعوا علي الارض بخطوات ثقيله سريعه صوب غرفه العمليات ، تجري خلفهم ، تدفعه امامها ، يجري لايعرف مالذي سيحدث ، يجري صوب غرفه العمليات لايصدق انه سيتعقم ويرتدي الملابس الخضراء ويمسك مشرطه ويشق في لحم زين لينزع الموت من تحت اعصابه ويمنحه بعض الحياه التي تنقذه من الموت الذي يحاصره ويتسلل تحت جلده وفي شراينه واوردته يخنق انفاسه ويغلق عينيه ويطفيء وهج عقله ويفسد اعصابه واحاسيسه ، لايصدق مايفرضه عليه القدر ، لم تنقذ ابيك ومات مصابا غريبا وحيدا ، ولم تفلح تشفي امك فماتت في فراشها وحيده وانت بعيدا عنها ، الان ، امامك الفرصه ، الان تملك وتقوي ، الان زين بين يديك ، اختبار صعب لكنك ستفلح فيه ، ستنقذه ولن تتسلل حياته من بين يديك ولا من تحت مشرطك ، اختبار صعب ، انت له ، تصرخ ليلي ، يالا يادكتور نبيل ، يجري ويجري ، يدفع المسعفون باب غرفه العمليات وينقلوه برقه علي منضده العمليات ويخرجوا مسرعين ، خلفهم يدخل نبيل ، يحدق في زين علي طاوله العمليات وينسي انه شقيقه وحبيبه وبقيه عمره ، ينسي كل شيء ويصرخ في معاونيه ، يالا ، ربع ساعه ونبتدي ، اتكلنا علي الله ، ويخرج مسرعا للغرفه الملحقه بغرفه العمليات ليتعقم ويرتدي الملابس المناسبه ، تنهمر دموعه رغم انفه ، تنسال فياضانات حزن يترك لها المجال لتخرج من روحه التي قويت وصممت واتكلت علي مولاها وعلمها لتنقذ زين .... مازال يبكي ويعمق ذراعيه وكفيه ، تقترب منه ليلي ، وجودها يقويه ، وجودها يحمسه ، وجودها يشعره بالطمأنينة ، تقترب منه وترجوه يكف عن البكاء فحياه صديقه تستحق قوته كلها وعلمه كله وارادته كلها ، ترجوه يكف عن البكاء فهذا ليس وقته ، يغطي وجهه بالماسك الطبي فلاتبقي الا عينيه ساطعتين ببقايا الدموع ويتحرك صوب غرفه العمليات لينقذ زين ... يلمح وجه فردوس وعمي وصفي وكأنهما يوصياه علي زين ، يتمتم بالادعيه ويعدهما ينقذ زين باذن ربي ، و....... اتكلنا علي الله ويبدأ عمله لانقاذ الجسد الممزق امامه وكأنه لايعرفه ولايحبه ولا يخاف عليه ولايتمني اي شيء من ربه الان وفي هذه اللحظه الا انقاذه ....

( 25 )
اين انت يازين ؟؟

قرر يغلق عيادته ، قرر يعتزل الطب ويغير مسارات حياته ،مل من المرضي والمرض ودموع الرحيل وترقب الامل ،مل كل هذا واكثر ، الحق مل حياته كلها ، سيتقاعد ، هكذا قرر ، وعجبا ماقرر ، مازال في سن العطاء والحياه تنتظر منه الكثير ، لكنه مل من كل شيء وفقد حماسه لكل شيء ولن يفلح يمنح الحياه اي شيء لو بقي علي حاله مثلما هو ، حسم امره وقطع علاقته نهائيا بالطب ، او هكذا قرر ، لم يشر ناديه في اي من قراراته ، ستعارضه كعادتها ، كل مايقرره لايعجبها ، هو نفسه لايعجبها ، لكنها تزوجته وانتهي الامر ، منذ لحظه زواجهما الاولي وحين اغلق عليهما الباب وبعدما سكنت بين ذراعيه ، عرف ان الهوة بينهما سحيقه وانه تسرع في الزواج منها ولعن القدر والزمن والحياه التي حرمته من ابيه صغيرا ومن امه كبيرا ففرضت عليه الوحده الموحشه التي لم يجد الا ناديه لتملأ فراغها فاذا بها تزيد الفراغ فراغا والوحدة تعقيدا ، تمني لو يخرجها من حضنه ومن حياته ويختفي بعيدا عنها ، تمني في الليله الاولي يطلقها ويعتذر لها ويمنحها اي تعويضات او حقوق ترضيها لتخرج من حياته ، لكنه جبن يصارحها وكذب عليها وادعي انه يحبها ومنحها جسده ورجولته وبيت امه وعفشها القديم ، وصارت الدكتورة ناديه زوجته وصار زوجها ، هل كان يعرف معني الزواج قبلما يغلق عليهما الباب ، لم يعرف ولم يتصور ، اتي بغريبه تشاركه حياته ، تتدخل في قراراته ، تفرض عليه رغباتها ، اتي بغريبة تحمل اسمه وتنجب اطفاله وتشاركه فراشه وتصمم علي اطفاء كل انوار البيت لانها لاتنام الا في الظلام الدامس ، احس حياته معها ومنذ اللحظه الاولي وكأنهما في خندق الحرب وصافرات الانذار تدوي، احس معها بالحرب التي تنتهي خطر وتوتر قلق ووجع ، حتي نورة ، ابنته الحبيبه وقره عينيه لم تفلح تغير مشاعره تجاه امها ، هي ابنته وحده وكأنه انجبها من رحم القدر وحده ، صارت نورة ابنته وحده ،نعم الدكتورة ناديه امها ،لكن الدكتورة ناديه لاتخصه ولن تخصه ، فهمت بذكاءها كل مايدور في نفسه وانها مجرد زوجه تشاركه الفراش وتعد له الطعام ولا تحتل اي مكان في قلبه ، قبلت مشاعره وعاشت معها وتعايشت ، كثيرا تسال نفسها لماذا قبلت ولماذا رضخت ولما استمرت في تلك الزيجه المؤلمه ، نعم زواجها بنبيل اوجعها منذ لحظته الاولي وحتي الان ، تمنت لو احبها مثلما تحبه ، لكنه لا يحبها ولن يفعل ، المصيبه انها اكتشفت وبسرعه انها ايضا لاتحبه ، وانهما تشاركا في زيجه لقتل الوحدة والطمأنينة ، تشاركا في زيجه بارده منذ لحظتها الاولي وستظل ، نادية شغلت نفسها بعملها واموتها ونسته ، هو قتل نفسه في العمل ، يتمني يؤمن لنورة مستقبل سعيد لاتعاني فيه شظف العيش مثلما عاش ولا اليتم مثلما توجع ، غرق في العمل وافلح بسرعه يراكم الثروات الصغيره فوق الثروات الصغيره ،العمرذهب في مراكمه الثروات والكشف علي المرضي وحب نورة ، بمقاييس الاخرين هو طبيب ناجح ورب اسره سعيد ، وبمقايسه هو لقد بدد عمره في زيجه فاشله وعمل مضني وحياه تسير كالزورق المثقوب في بحر يهدده كل يوم بالغرق ...
عشره سنوات مع الدكتورة ناديه والحياه بارده كئيبه ، لايمنحه فيها بعض اللحظات القليله من السعاده الا نورة ، يتمني كثيرا لو يخطفها ويبعد عن الدكتورة وصرامتها وبرودها ، وتمني كثيرا لو قوي وطلق ناديه ، سيطلقها ويمنحها اكثر من حقوقها الشرعيه ، سيترك نورة تعيش معها وسينفق عليهما بسخاء شريطه يري ابنته وقتما يحب ، سيطلق ناديه ويعيش حياته التي افسدها القدر ووجعه واختياراته الفاشله ،  لكن نورة تحب امها تعشقها وتحبها ولن يقوي يكسر قلبها ويشتت امانها ويفسد حياتها ويمنحها يتما موجعا وهو علي قيد الحياة ، لن يطلق ناديه وسيحافظ علي المنزل واستقراره ، لن يطلقها لكنه سيغير حياته من اجل سعادته ،كفاه عمل مضني وليمنح نفسه بعض الوقت ، يمنح روحه بعض الحريه ،سيغلق العياده ويبع اسهمه ويودع النقود في البنك بأسم ناديه ويتركها ويرحل ، سيكذب علي نورة وقت الوداع ويخبرها بأنه عمله صار في مدينه بعيده وانه سيزروها كلما قوي ، سيخبر ناديه انه مل الحياة معها وان لن يطلقها كرامة لنورة وسيترك لها الثروة والمنزل ونورة ويرحل ، لماذا سيرحل ، هذا ماسيعرفه وقتما يرحل ويبعد ويختلي بنفسه التي طالما تمني يختلي بها ...
عاد لمنزله مرحا ، حرا ، اخيرا سيعيش مثلما يرغب ، اخبر ناديه بكل ما فعله وشرح لها انه اودع النقود بأسمها في البنك لتنفق علي نورة بسخاء ، اخبرها انه سيرحل ، تصور انه سيرحل فعلا ولن يعود ، الغريب انها لم تسأله عن سبب رحيله ولم تحاول تثنيه ليبقي ، الغريب انها استراحت من قراره وتنفست الصعداء ، لم تخبره ولما تفعل ،وودعها بقبله بارده علي وجنتها تمنت تمسحها مثلما تمنت تمسحه من حياتها ،تمنته يرحل ولايعود ،تمنه ينساها وينسي نوره ويخرج من حياتهما ، ودعها بقبله بارده وطرق الباب بعنف وسار في الشارع يحلق بذراعيه كالعصفور الذي سيتعلم الطيران مرحا سعيدا ، وفجأ قفز زين لخياله ، راه غاضبا حزينا ، سمعه صوت مشاجرته وصراخه ، عندما يعرف زين كل ماحدث سيتشاجر معي ، ابتسم نبيل ، وكأن زين ابيه وكأنه مدرس المدرسه الذي عاقبه لانه لم يحل الواجب ، كأنه شيخ المقرأه الذي طالما دفس وجهه في الحائط عقابا لانه لايحفظ الايات التي يتعين عليه حفظها ، زين هو ضميره الذي مازال حيا ، ضميره الذي لم تفسده الحياة ولا نهم جمع الثروة ولا برود ناديه ولا قسوه الزمن ، تمني لو لحقه زين وصعدا معا للسطح وجلسا يتحدثا ويتشاجرا مثلما اعتادا ، لكن زين بعيد وعمي وصفي ايضا ، تمني لو سافر بورسعيد والقي ببدنه وروحه في البحر يغسل همومه ويستريح!!!
اين انت يازين ؟؟؟
( 26 )
اوعي تموت

يجلس صامتا يراقب الشاشات وكأنه لايفكر ، لكنه لا ولم يكف عن التفكير ...
كل شيء يجري امام عينه وكأنه يعيش ثانيه ، تتابع في مخيلته اللقطات نفس الاصوات نفس المشاعر نفس البشر ، كل شيء يجري امامه وكأنه يعيشه مرة ثانية ...
زين ... يصاحبه في كل اللقطات والمشاهد والمشاعر ..
يحدق فيه نائما علي السرير المعدني ويتمني لو يبكي ، لكن دموعه لاتطاوعه كالعادة والمرارة تفيض من جوفه للحياه ، يحدق في زين ويتمتم بكلمات ممضوغه ويهمس ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت !!!
لم يعد طبيبا ولا زين مريضه ، بل هو صديق يجاهد لانقاذ حياة صديقه الاعز ، بل اخيه ، يجاهد لانقاذ حياته ويتشبث ببقاءه ويتشاجر معه لانه لايعاونه وكأنه يتمني يرحل ، يتمني يصرخ بصوت عالي راعد مخيف ، اوعي تموت يازين ، يتمني لكنه يكتم صوته مثلما اعتاد يكتم كل شيء بداخله ، مشاعره مخاوفه حبه ضعفه وجعه ، كل شيء مكتوم بداخله يفور كبركان اوشك ينفجر !!!
يحدق في زين امامه ويتمني يبكي او يصرخ ، لكنه عاجز فيهمس بكل الرجاء والتمني ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت !! ومازال الليل طويل والامنيات كسيحه لاتجد نهارا صحوا يقويها فتتحول حقيقه مبهجه!!

 ( 27 )
وحلقت النوارس وحلقت
وطارت وارتفعت بعيدا عن الارض
وعادت بسرعه وقذفت ببدنها وسط الماء
وبكت وكأن احدا لن يراها
و... فعلا .. احد لم يراها ...

اشرقت الشمس وغابت ، وخيم الليل علي الحياه وادبر ، سطعت النجوم وغامت ، غربت الشمس واتت ، ايام متعاقبه خلف ايام وهو راقدا في غيبوبة تبدو عميقة وكأنه مات او علي وشك الموت ، لكنه حي ، مازال حي ...
اسير لحظه لايفهمها ولايعرف معناها ، هو حي ميت ، انسكبت روحه بداخله فبدا وكأنها تستعد للرحيل ، من يراقبه يتصوره رحل او كاد ، لكنه لم يرحل ولن ، سيبقي لان ميعاد الرحيل مازال بعيدا ، هو يعلم والجميع لايعلمون ، يتصوروه سيموت، لكنه يعرف وهونصف ميت انه لن يرحل وان في عمره مازال بقيه تشده للحياه وتبعد ملك الموت عن روحه ، تلافيف مخه تهذي مع خيالاته اسيرة عقله الباطن فيري احلام ويعيشها ويسمع الحان ويغنيها ويلمح فتيات جميلات فيغازلها وتجتاحه الانفجارات فيدوس علي زناد سلاحه ويطلق رصاصات تخيف الجبناء ، يبتسم وينادي الجميلات لتأتي، تراقصه علي ساحه الرقص في كازينو بالاس ، تراقصه علي دقات البيانو ونغماته الدافئه ، يبتسم اكثر، يضحك ويضحك ، يتذكر طفولته وقتما ترك البيت ورحل ، ويتذكر فرحته وقتما عاد ، فتح الباب وصرخ فرحا ، مازالت بقايا الجدران قائمه تحتفظ بخطوطه طفولته العابثه رسمت في الايام الهانئة شموس ومراكب ، يصرخ فرحا لان البيت الذي لم يغادره انتظره حتي عاد ، ابيه يصرخ فرحا لانه عاد للمدينة التي تصور انه لن يراها ثانيه ، امه تبكي بدموع الفرح التي ندرتها احتفاءا بالعوده ، كل شيء الان جميل ، كل شيء الان جميل ، هكذا قررت الروح الحبيسه خلف الحجب داخل الجسد الوهن علي الفراش المعدني في المستشفي الصغيرة ، الروح الحبيسه داخل الجسد الذي مزقته الجدران التي انهالت عليه وبعض الشظايات التي تسللت من الجدران المتهدمه ولسع الدباير والخسه ، كل هذا مزق الجسد فتهاوي وانسكبت منه الدماء الحمراء والحيويه والحياه وكاد يبرد بالموت والرحيل ، لكن الروح ابت تغادره وصممت تبقي ، استكانت لمشارط الجراحين ورتق الجروح والادويه السائله تتسلل في العروق تستجدي شفاء يبدو مستعصي علي الاطباء ، الروح ترتق جروحها وتطبب اوجاعها وتهدهد المها وتكافح مع الاطباء ليصمد الجسد ويبقي ، تؤنسه بذكرياتها وتقص عليه حواديتها وتاخذه بعيدا عن اعصاب الالم المكشوفه الموجوعه لاحلام اكثر طمأنينه وامن ، يبتسم ويسايرها ، تسحبه من يده علي شط القنال ، تقذف بالموجيات الصغيره تحت قدميه منعشه بارده ، تحمص وجههه بلهيب شمس الصيف فتجري في وجنيته الدماء ، تغني له علي السمسميه وتصفق فيتمايل جذعه ويتراقص فرحا طربا فتدور الدوره الدمويه في الاورده الممزقه تشفيها وفي الشرايين المثقوبه ترتقها وتندفع الدماء ساخنه في مساراتها فيسعد القلب وصوت البيانو يلاحقه بدقاته المرحه وليل كازينو بالاس يؤنس ليله المشحون بالوجع والخوف ، والروح تقاوم وتقاوم ، والمقاتل الصلب العنيد النائم علي فراش الموت يستجيب للدعاء والادوية ويقاوم الرحيل و..... صوت المعدية لبور فؤاد يناديه كمثلما طالما ناده ، يقفز من فوق السور ويلوح للشط الذي يبتعد ويتمني يقفز وسط ملايين الفقعات الصغيره التي تتقافز تحت الشمس الطيبه مع النوارس ويحدق في السماء الصحو البعيده مطمئنا ويجري برعونه الاطفال علي سطح المعديه وسط السيارات ويلوح لراكبيها فيلوحوا له ، يطرق الزجاج والابواب وينادي الصغار ليلعبوا معه ، يتمني تمطر السماء نثرات من الكاساتا والفراوله ، يلوح بكل قوته للسفن العاليه ويتمني يحلق فوق سواريها ، وتتناثر المياه ورزادها البارد علي وجهه فيصرخ من النشوة ، يصرخ يصرخ !!!

وينتفض الجسد المتخشب فوق فراش المستشفي ، ينتفض وكأنه سيقوم وترتبك الشاشات وتسجل ارقاما غريبه ومؤشرات لاتفهمها ، ينتفض الجسد كأنه يقول مازلت حيا وسأظل ، ينتفض الجسد يصارع يقاوم يناضل الموت الرحيل الافول ، ومازال الصغير يجري علي سطح المعديه ومازالت قطرات الماء البارد ورزازها المنعش يرسما علي وجه الصغير البريء فرحه وتحلق النوارس وكأنها تحتفي به وتتراقص الموجات الصغيره تهدهد المعديه تتبختر صوب الشط الاخر وكأنها اوشكت تصل لبر الامان.... ومازالت المعركه مستمرة ومازالت الروح تقاوم ومازالت تقوي الجسد لينتصر ، لكن الانتصار مازال بعيد والشط الاخر ايضا ، و....... تعلو صافره المعديه وتحلق النوارس فوق راس زين كأنها تحرسه وهويصارع وجسده الوهن وروحه المقاتله كل ماغدر به وكاد به يفتك ، الصافره تعلو وتعلو فتبتسم الروح للجسد المتعب وتطمئنه هانت ، والشط التاني قرب وقربنا نوصل بالسلامه !! وتعلو الصافره وتعلو ............... ومازال راقدا في غيبوبة تبدو عميقة وكأنه مات او علي وشك الموت ، لكنه حي ، مازال حي ...

" نهاية الجزء الرابع ويتبع بالجزء الخامس "