مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 13 يوليو 2012

كل هذا حدث في يوم واحد ( الجزء الرابع والاخير ) ا


الجزء الرابع
" رسالة حورس لاهل المحروسة " 





انا ابن كل اللي صانك
رمسيس و احمس و مينا
كل اللي زرعوا في وادينا
حكمة تضلل علينا





( 31 )
وصلة الردح

صوت البارجة عالي ، وصراخ الادميرال اعلي يتشاجر مع جنوده وضباطه ونفسه ، صوته المزعج يصلها في القريه البعيده ، يخيفها ، يخيف كتاكيتها ويفزعهم ، تجري الكتاكيت بسرعه بعيدا عن ابله لولو تهرب من خوفها ، خائفه من الذبذبات العالية الاتية من الشط البعيد تمزق امانها وروحها ، ابله لولو تنصت للصوت المزعج وتتنمر غاضبه ، الهي يابعيد يشيل ويحط علي قلبك ، الهي ماتوعي تكمل نباح ، الهي تتبط مكانك تتشل لاتعرف تروح ولا تيجي ، الهي تفتح بقك ماتقفله يتخشب زي الجثث المرمية علي الطريق لالاقيه حد يتشاهد عليها ولا حد يتوايها ويسترها ، الهي يابعيد تتهد الدنيا علي راسك تكسرها وانت عماله تجعر زي الجاموسه الشاردة ..
تنصت ابو لولو للصوت الذي اخاف الكتاكيت  ، وتتنمر اكثر واكثر وتستعد لوصلة ردح نهارية للادميرال الذي اخاف صوت بارجته كتاكيتها التي كانت تجري بأمان في شمس الساحه الخلفيه ليبتها الصغير ، لكن ابن اخيها القابع في مدينه الشهداء ، يرجوها تصمت وتكف عن " وجع القلب" ويشرح لها " مابيفهموش ياخالتي وفري حسك " فترسل له قبله من قلبها لروحه التي غادرت الجسد الطاهر وسكنت مدينه الشهداء وتحذر كتاكيتها ، كتكوت كتكوت " لما تلاقي العرسه جايه يمتك لاتتطمن ولا تستني ، اجري لغايه مالديك ينقرها في راسها ويجيب داغها " يضحك ابن اختها القابع في مدينه الشهداء فرحا بخالته ابله لولو وفطرتها البسيطه في فنون القتال والحرب ويتباهي بكلماتها علي الادميرال المتعجرف لانه لايفهم لا في " العرسة ، ولا في الديك " ...
و......... مازالت البارجه الحربيه واقفه مكانها ومازال المتحلقون حولها يحدقون فيها اعجابا واستغرابا ومازال الجنود يتلوون علي نغمات مصريه لايدركها طربها ويصرخون باصواتهم النشاز مصر هي امي مصر هي امي ومازال الادميرال يصرخ ، هو هو هو ، هو هو هو ، ومازالت مدينه الشهداء تضحك وتضحك وتضحك وتستعد لليلة الكبيرة و........ " قولوا لابوها ان كان جعان يتعشي ، قولوا لابوها ان كان جعان يتعشي ، والتورهد المسطبة ، التور هد المسطبة....

( 31 )
الهدايا

مازالت البارجة الحربية واقفه في قناة  السويس ، لو صعدت فوق جبل عتاقة لشاهدتها تسطع بالانوار وتتألق بالشرائط الستان التي تزين مدافعها وابراجها واسوارها ، لو صعدت فوق جبل عتاقة لتعجبت من تلك البارجه الحربية المزينه كالساحرات الشمطاء بالروج الوردي ليخفي اثار الدماء التي ارتشفوها من شرايين الضحايا ... لو صعدت فوق جبل عتاقه لانتابك الغضب من هؤلاء المتحلقين حولهم ، لاعمل لهم ولا وظيفه ، ساعات مرت وهم متحلقين حولها ينتظرون شيء لايعرفوه ، لكنه الامل اللعين في اقتناص فرص سانحه قبل الاخرين ، لو صعدت فوق جبل عتاقه لتمنيت تسالهم ، واقفين ليه ، مستينين ايه ، لاشغله ولا مشغله ، ماتيلا يابني انت وهو كل واحد يروح لحاله ، لكنك مثلي تماما لست فوق جبل عتاقه ومهما صرخت لن يسمعوك ، هو قدرهم اللعين دفعهم للوقوف حول البارجه ينتظروا مالا يعرفوه ، عليك وعلي ننتظر معهم لنري مالذي سيجنوه من البارجه الحربيه الامريكيه التي وقفت في مياههم الاقليميه تستريح من رحلات القتل الكثيرة التي انهكتها ..هو هو هو .... هو هو هو ، الادميرال يغني ، جينل بيل جينل بيل ..................
Jingle bell, jingle bell, jingle bell rock
Jingle bells swing and jingle bells ring
Snowing and blowing up bushels of fun
Now the jingle hop has begun
والضباط تصفق وترن الاجراس وتطلق الالعاب النارية في الهواء والجنود تصفق وتصرخ مصر هي امي مصر هي امي ......... وتتداخل الاصوات ، اصوات الضباط واصوات الجنود وصوت الادميرال يصرخ هو هو هو وهو يرتدي الطرطور الاحمر والذقن البيضاء وفي يد جرس يدق ويدق ، هو هو هو هو ......... اصوات متداخله نشاز ....
Jingle bell, jingle bell, jingle bell rock
مصر هي امي نيلها هو دمي ..
Jingle bells swing and jingle bells ring
مصر هي امي نيلها هو دمي ...
ويبدأ الاحتفال ... يقذف الضباط من فوق حافه البارجة للمصريين المتحلقين حولها ، اطنان من الشرائط الستان الوردية ، امطار ورديه تنصب فوق رؤوس المتحلقين ، هذا عربون محبتنا ، زينوا بيوتكم بالشرائط الستان الورديه ، اجدلوا بها ضفائر بناتكم ، اربطوها في نوافذكم ، الشرائط الستان الورديه صناعتنا الوطنيه نفخر بها ونهديها لاحباءنا وحلفائنا ، زينوا ملابسكم بالشرائط الستان الورديه مثلما نزين بارجتنا ببهجتها ، نحن من نحمل لكم البهجه لتلون وطنكم بالسعاده !!!  الشرائط الستان الورديه تنهمر امطارا من البارجه الحربيه فوق رؤوس المصريين القابعين يراقبوا مايحدث علي ضفتي القناة  !!! تكالب بعض العاطلين عن العمل حول البارجه ، تصوروها ستنثر فوق رؤوسهم استمارات ليحصلوا علي تأشيرات العمل في البلاد البعيده ، تكالبوا يصرخوا ، عايزين نسافر عايزين نشتغل عايزين نعيش !!! القت البارجه لهم الشرائط الستان الورديه وصرخ فيهم الضابط المتراقصين علي نغمات الموسيقي المصرية ونغمات عيد الميلاد ، صرخ فيهم ، مافيش سفر ومافيش شغل ، الكفيل زهق من ضربكم بالجزمه ، و اوربا قرفت من ريحتكم وامريكا بعيده وبوابتها مقفوله ، انتم تفضلوا هنا في بلدكم ، كل واحد يعلق الشريطه الستان في راسه ، وقتها ستشعروا بالبهجه وتنسوا ماتطالبون به ..... صفق الادميرال فرحا والمصريين يتكالبون علي اختطاف الشرائط الستان الورديه من بعضهم البعض ، يتشاجروا يمزقوا وجوه بعض الدماء تسيل تلطخ الشرائط الستان الورديه ، هذا يضرب هذا وهذا يقذف هذا بعيدا ويختطف مافي يده ، يصفق الادميرال يزيد حمية ضباطه وحماسهم ، اكتر اكتر ، هو هو هو ، يدق الجرس ، تنهال الامطار الستان الورديه فوق رؤوس المصريين ، اطنان اطنان ، يصفق المتحلقين حول البارجه فرحا ، اخيرا هدية ، نفسنا في هديه ، عمر ماحد افتكرنا بهديه ، اخيرا هدايا من فوق مركب الخواجات ، دهب مرجان ياقوت ، احمدك يارب!!!!
صرخ المصريين لله حمدا علي العطايا والنعم التي انهالت بها البارجه الحربيه فوق رؤوسهم ، وصرخ الضباط انفعالا وحماسا ، Jingle bells swing and jingle bells ring وصرخ الجنود مصر هي امي وهم يربطوا رؤوسهم واذرعتهم بالاشرطه الستان الورديه يشجعوا المصريين المتحلقين حول البارجه ليقلدوهم ، وصرخ الادميرال فرحا بخطتة العبقرية للغزو والاحتلال ، خطه سانتا كلوز وهداياه العظيمة ، الاشرطه الستان الوردية و......... مازالت الثعابين الورديه تتساقط من حافه البارجه للمصريين يلفوها حول اعناقهم وروؤسهم واذرعتهم وهم فرحين مبسوطين !!! ومصر هي امي نيلها هو دمي ، مصر هي امي نيلها هو دمي !!!

( 32 )
المضاجعة العسكرية

اطنان من الثعابين الستان الورديه تنهمر من البارجة الحربية فوق رؤوس المصريين المتحلقين حولها ، الجنود ترقص والضباط تغني والادميرال يلوح بيديه يحيي الضحايا الجدد ..
تزاحم المصريين حول البارجه يفتشون في الشرائط الستان الورديه عن هدايا قيمه تبرر انتظارهم الطويل ، كاد البعض يشعر بخيبه الامل وينصرف تارك الشرائط خلفه ، لم ينجب الا ذكور والشرائط الستان لاتجدي الا في جدائل البنات الصغيره ، البعض الاخر قرر ياخذ بعضها يزين سيارته القديمه التي عجز عن تجديدها واب اخرج من جيبه مقص واخد شريط طويل ودسه في جيبه وهمس لجاره ، اهو ينفع في اي حاجه واللي يجي منهم احل من عينيهم !!!
احس الادميرال بخيبه الامل ، مازال هؤلاء المصريين مستعصيين علي طاعته ، لم ينبهروا بالشرائط الستان الورديه ولم يهللوا له كما يستحق ولم يشكروه علي عطاياه الثمينه ، عجبا لهؤلاء البشر ، لم تفلح القناة المشبوهة اياها  بكل اكاذيبها تضللهم للحد الذي يبهرهم بالشرائط الستان الورديه التافهه ، مالذي سيفلح معهم ؟؟؟ يسال نفسه الادميرال غاضبا خائفا علي عضوه الذكري الصغير من الانسحاق وقتما يعلقه حملة اسهم مصانع السلاح واحتكاراته القوية في تمثال الحريه رمزا للفشل العسكري الرهيب ، مالذي سيفلح معهم ؟؟؟!!!
يصرخ في ضباطه ، انزلوا من البارجه واندسوا وسطهم علي الشط ، تزينوا بالشرائط الستان ، اشرحوا لهم كيف يفرحوا بها وكيف يستخدموها ، انزلت البارجه السلالم الخشبيه علي حوافها ، وهلل وكبر مذيع القناة المشبوهة اياها وهو يذيع لمشاهديه اول لقطات المضاجعه العسكريه بين البارجه الحربية واهل المحروسه ، هاهم يمدوا لهم ايديهم بالحب وهاهم يتواضعوا ويتركوا بارجتهم وينزلوا لارضهم بالهدايا والعطور وكنوز الغرب ...
 يصرخ المذيع بالاكاذيب فتسبه ام ميلاد ، ايش جاب الغراب لامه ياحيلة امك ، نازلين ايد ورا وايد قدام وانت عمال تميس وتقول جابوا وجابوا ، مازالت تضفر الغله الخضراء صلبان وايقونات وهي تراقب التلفزيون امامها ، الكدب مالوش رجلين ياحيله امك ، ان صدقوك النهارده حيكشفوا كذبك بكره ، ايش تكون شويه " الخرق " اللي بيوزعوها علي الناس جنب اللي حدانا ، ده احنا ياحيلة امك اللي بنينا الهرم معجزه الدنيا وحيرنا الكل في اسراره ، جايين انتم تضحكوا علينا ، مش مكسوفين من خيبتكم انتم والخرق بتاعتكم دي ؟؟؟
ينتابها الخوف فجأ ، تخاف علي الاحباء من خديعه الذئاب وشرائطهم الستان الورديه ، تثق في بصيرتهم لكن النور الساطع اعمي القلوب والعيون ، تحدق ام ميلاد في صورة ام النور وتستجير بها ، نوري قلبهم ياام النور وزيلي الغشاوه من علي بصيرتهم ، بصيرهم ياام النور ان الحدايه مابتحدفش كتاكيت وان الديب يفضل ديب لو عمل فيها معزه ونعجه وخروف ، بصريهم ياام النور وردي الكيد لاصحابه واحمينا !!!!
مازال الادميرال يصرخ في الضباط ، اهبطوا لهم كي تصعدوا للسماء ، اهبطوا لهم علي شاطئكم الذي سيكون وقتما تسرقوه منهم وهم فرحين ملهيين في هداياكم التافهه ومازالت السلالم الخشبيه تحيط البارجه الحربيه والضباط يهرعون للمتحلقين حول البارجه علي الشط يلوحوا لهم و............ اطنان الشرائط الستان تنهمر من فوق البارجه للشط وكأنها امطار الفرحة !!!

( 33 )
حي علي مصر

تراقب نجية الحكيمه مايذاع امامها علي الشاشة ، الضباط يقفون علي الشط يشرحون للمتحلقين حول البارجه الطريقه المثلي لاستخدام الشرائط الستان الورديه ، يقول احد الضباط بصوت عالي وهو منتفخ الاودان سعيد ، في اوربا والدول المتقدمه ، يربطوا شعورهم الطويله بالشرائط الستان الورديه ، فيقترب منه رجل اصلع حاف واللي معندوش شعر يعلقها فين ؟؟ ارتبك الضابط ثم صفق بيديه فرحا وكأنه ارشميدس بعدما عثر علي قانون الجاذبيه الارضيه ، صفق بيديه فرحا وصرخ فيه علقها في البنطلون !!!
سمعت نجية الحكيمه صوت ضحكات متتاليه كمثل التي تذاع في البرامج الكوميديه التافهه في المحطات الخواجاتي !!
اشاحت بوجهها عن كل مايحدث وهمست ، دمكم تقيل سم ، الا مافيه حاجه تضحك ، لكن ااقول ايه ، رزق الهبل علي المجانين ، اضحكوا اضحكوا ، سالت نفسها فجأ ، الا المضحكاتيه دول بيقبضوا كام علشان يسيبوا الدنيا كلها ويشتغلوا ارجوزات يضحكوا من غير سبب ، مازالت القهقهات تلاحقها والضباط يشرحوا للمتحلقين حول البارجه الحربيه الطرق الحديثه في ربط الشرائط الستان الورديه طبقا لاحدث صيحات الموضه في بيوت الازياء العالميه !!!
الرجل الاصلع اعجبته الفكره التي شرحها له الضابط ، سيعلق الشريط الستان الوردي في بنطاله ، سينصع ذيلا ورديا ، من حقه يعيش مثل الاخرين ، فاذا كانوا هم سيربطوا الشرائط الستان في شعورهم فهو سيلصقها في بنطاله ومحدش احسن من حد !!!!
تراقب نجيه الحكيمه الرجل الاهطل وتشعر بالأسف عليه ، عديم التمييز ، مش عارف الفرق بينه وبين الحمار ، الحق مش عليه ، الحق علي المدرس اللي ماعلموش والاب اللي مارباهوش والايام السوده اللي كسرت نفسه وخلته مبسوط انه حيبقي حمار !!!
نهرها الضابط الواقف علي الشط وسمعت صوته في شاشه تلفزيونها ، اخرسي ، انتفضت من مكانها ، مين ده ياواد ياعره انت اللي يخرس ، انا ، انا اخرس وانت تتكلم ، جاي من بلدكم ياواد ياعره انت علشان تقولي اخرسي ، اخرس انت واللي يتشدد لك ، اياكش ياواد فاهم ان حبتين الاونطه دول يخشوا علي، اياكش فاهمني ياواد ياعره انت اخاف من المدافع بتاعكم ولا الرصاص علشان اخرس ، انت ياعره اللي تخرس انت واهلك كلهم ومسيري اقطع لسانك واوريك جزاه اللي يتعدي علينا في بيتنا ، وعلي راي المثل ، البيت بيت ابونا والغرب بيطردونا !!!
وصرخت في الرجل الاهطل ، اصحي ياحاج وماتسمعش كلامهم ، ربنا كرمك وخلقك بني ادم ، ماتعصاهوش وتتبدل حمار ، حرام عليك نفسك !! لكن الرجل الاهطل منشغل بالشرائط الستان الورديه وكيف سيلصقها فوق بنطاله البالي ، متصورا ان الشريط الستان الوردي سيمنح البنطال البالي ويمنحه اناقه عجز عن دفع ثمنها بعدما حجزت المحكمه علي عفش داره سدادا للكمبيالات التي وقع عليها ليشتري تلفزيون كبير يشاهد منه القناة المشبوهة اياها  واخبارها الكاذبه ، الرجل الاهطل لم يكترث بتحذيراتها فدعت له نجية الحكيمه بالبصيرة ورددت ام ميلاد الدعاء خلفها و......... ربنا قادر علي كل شيء !!!!
ابتسم الرجل الاهطل ببلاهه وزين بنطاله بشريطه ورديه طويله ، تضاحك عليه الاطفال المتحلقين حول البارجه ينتظروا هداياهم ، الحمار اهو الحمار اهم ، نهرهم لانهم لايفهموا في معني البهجه التي توزعها البوارج الحربيه ، ربط البعض الشرائط الستان حول راسه ينتظر البهجه ، والبعض الاخر عقدها فيونكات وزين بها طرف اذنه ، البعض الثالث تمادي في الطمع ولم يكتف بشريطه حول راسه واخري خلف بنطاله والثالثه فوق اذنه ، لكنه ربط وسطه بشريطه ستان ورديه طويله مره الثانيه الثالثه ومشي يرقص في الشارع فرحا لان البهجه التي منحتها له البوارج الحربيه انسته البطاله والاحلام والامل في العيش الكريم !!! 
تتابع نجية الحكيمه كل مايحدث امامها في الشارع وهي تلعن البارجة واليوم الاسود اللي زارتهم فيه ، يسمعها حورس وسط اليمام ، يهمس لها ، ليه ياخالتي كده ، بتلعنيهم ليه ، بالعكس ، اشكريهم ، الوقت بيقرب والساعه حتحين وكل واحد ياخد من الدنيا نصيبه !!!
سمعته نجية الحكيمه وخافت عليه من نبال الصيادين ورصاص القناصه ، رجته يصمت ، رفرف بجناحيه القويتين وسط اليمام وطمئنها ، خلاص ياخالتي وقت السكوت خلص ، انا برضه اللي حاقول لك !!!
تردد في اذنها صوت السيدة الطيبه تحت سطح البحيره المقدسه وهي تراجع معها ترتيبات اللحظه الاخيره ، لما يجي اليوم اللي ماينفعش فيه السكات ، تعرفي ان الساعه حانت ، تعرفي ان الكدب مالوش رجلين ،تعرفي ان اللي سكت دهر حينطق ، تعرفي ان حورس حيسيب عش اليمام ويطير في السماء وان يوم ست قرب خلاص !!! تتذكر نجية الحكيمه ماقالته له السيدة الطيبه وهي تلقنها الحكمه الاخيره في الدرس الطويل ، في الوقت ده ، هما حيفهموا السكوت ضعف وحيحاولوا يخرسوكم ، في الوقت ده ، اوعي تستكتي ، انت بالذات اوعي تستكتي ، تجمدي قلبك وتتكلمي ، تقولي اللي مفروض يتقال ، الناس حتبقي بتتنشق علي كلمه صادقه تقوي قلبها ، ده دورك ، كلمتك حتلف الدنيا وتشد الضهر وتقوي الروح وتعالج وتصبر وتهون وتقوي!!!!
تتذكر كلمات السيدة الطيبه في الحلم الذي لم يكن حلم وتتمني لو يوسف طمئنها ، ابا يوسف ... هل انتهت السنوات العجاف ياابا يوسف وحان وقت الفرحه !!! اه لو ابايوسف يطمئنها ويقول لها ماتتمناه !!!!
يهمس لها حورس ، ماانا بقول اهو والست الطيبه قالت وانت بتقولي ، السنوات العجاف تخلص لما احنا نقرر ان كفايه عليها كده ، انت رايك ايه يانجية ياحكيمه ، همست ، الحق اه كفايه عليها كده !!!!
صفق حورس بجناحيه القويين ، مش بقولك خلاص ، الساعه شكلها حانت والامارات بانت وكل اللي عليه دين يوفيه وحي علي مصر !!!!

( 34 )
تصبحوا علي خير

وقفت البارجة الحربية الامريكية حاملة الطائرات في قناة  السويس لتستريح من رحلتها الطويلة !!!! مازال الليل بعيد ، لكن البارجه اطفئت انوارها وكأنها ستنام ، هوهو ننه هوهو ، هو هو ننه هوهو ، همست البارجه توزعا نوما ومواتا علي الاحياء حولها ، يالا حننام ننة !!! همس الضباط والجنود وقرروا يبكروا الليل علي امل ينام المصريين فيقتلوهم بسرعه وهم نيام ويعودا بسرعه لوطنهم !!!!
هوهو ننه هوهو ، هو هو ننه هوهو !!!!
ادخلوا كبائنكم وغرفكم ولاتقتربوا من سطح البارجه ولا حافته ، دعوهم يصدقوكم وانكم نمتم ، دعوهم يحتذوا بكم ويناموا مثلكم ، تمني لو ضرب قرص الشمس بصاروخ فيطفئه ليحل الظلام مبكرا !!!
صرخ مذيع القناة المشبوهة اياها  ، فاصل اعلاني وننام بعده ، الوقت وقت النوم للاطفال الحلوين ، وتصبحوا علي خير ، واطفئت الشاشات انوارها ، تنشر وهما علي ملايين المتفرجين ان وقت النوم حان ونايتي نايتي !!!
نظرت انتي صفيه في ساعتها وهمست ، ايه الغش ده ، ده احنا لسه الساعه ستة ، همس لها مذيع الالقناة المشبوهة اياها من فراشه بجوار البارجه الحربية ، ششششش نامي عيب لحسن يضربوكي اه اه !!! ضحكت انتي صفيه علي طريقته الرقيقه الركيكه في الخداع والكذب وعاقبته واغلقت التلفزيون في وجهه " شوف بقي مين اللي حيعبرك ؟؟" ودخلت المطبخ لتخبز كيكه لصديقاتها التي سيحضرن لزيارتها في التاسعة !!
فتحت ام مجيب نافذتها فوجدت الشمس مازالت تزين السماء وعبد الله لم يعد من رحله الصيد التي يعود منها بعد العشاء ، نادت علي جارتها وسالتها ، الا المغرب ادن ؟؟ نفت جارتها لكنها شرحت لها ، التلفزيون بيقول تصبحوا علي خير ، ضحكت ام مجيب ، تلاقيه بيكلم الناس اللي في النص التاني من الدنيا ، ماهم نهارنا عندهم ليل ، تلاقيه بيكلمهم هما ، وافقتها جارتها ، عندك حق ماهو مش معقول عايزينا ننام من دلوقتي ، ده انا يادوبك لسه مخلصه شغل البيت وسالته ايدي من الغسيل وباقول حاريح جتتي واقزقز لب البطيخ وابتدي السهرة يقول لينا ناموا ، نامت عليه البعيد حيطه لخبطني !!!
همس يوسف لزهيرات عباد الشمس المحيطه به ، بيقول ايه الراجل المخبول ده ، ضحكت زهيرات عباد الشمس وهي مازالت يقظه لم تغلق اوراقها علي اخر لحظات النهار ، ماانت قلت ياابا يوسف مخبول ، في عز النهار عايز الناس تنام والشمس لسه مصهلله في السما وبيقول لهم الدنيا ليل ، ابتسم يوسف ساخرا من حماقه مذيع القناة المشبوهة اياها واكاذيبه الواضحه وحفر بازميله علي جذع الجميزه تاريخ اليوم وساعة الكذب ليذكره نفسه باللحظه التي بدأ فيها الكذب المفضوح ، يتذكر السيدة الطيبه في قاع البحيره المقدسه ، في الاول حيكذبوا ولاكأنهم قاصدين وفي الاخر لما يحتاروا فينا ، حيكدبوا الكدب المفضوح ، ساعتها تعرف ان الساعه قربت ، اصل لما محدش حيصدق كلامهم حيبطلوا يكدبوا ويفتحوا النار علشان يموتوهم ، فاهمني يايوسف ، فاهمك طبعا ، مازال الحلم الغريب يراوده وفرع المرجان في جيبه قريبا من قلبه ينتظر اللحظه التي سيسود فيها الظلام بحق ليزرعه في الارض فتنير الدنيا بنور لايطفيء سطوعه ولا كل دانات البارجه الحربية ولا موت رصاصها !!
دخل الادميرال غرفته ليحتسي كأسا من الويسكي الفاخر في صحة نجاحه في خديعه هؤلاء البلهاء المتحلقين حول البارجه بعدما اكتسوا بالشرائط الستان الوردية !!!
حدق في المرأة وتحسس عضوه الذكري الصغير واطمئن عليه وان احد لن يعلقه منه في تمثال الحرية وقتما يعود فاشلا مثل مئات المرات السابقه ، حدق في المرأة ورفع كأسه في صحة نفسه فرحا بعبقريته وذكاءه وبراعته العسكرية و............ هما يناموا من هنا واحنا نضربهم من هنا .......... وفي صحتك ياسعاده الادميرال !!!!

( 35 )
بارود

وصلت كتائب الجنود والضباط المجهولين من رحلتهم الطويله لشط القناة  ، لوحت لهم مدينه الشهداء تحييهم ، فتحت بواباتها ورحبت بهم ، دقت اجراس الكنائس ورفع الاذان من فوق كل المأذن ، تبجيلا واحتراما لكل الاحباء العائدون من فوق جدران المعابد والنصب التذكاري واللوحات المزينه بشرائط الحداد لساحات المعارك ، ومازالت المياه هادئه وشط القناة نائم وكأن شيئا لايحدث تحت سطحه وكأن الناس موتي لن يستيقظوا حتي يموتوا بحق وقت القصف الذي تخبئه لهم البارجة الحربية هدية اخيره للحمقي الغائبون !!!
مازالت المياه هادئه ساكنه ومدينه الشهداء تنتظر الاشارة من حورس وحورس يودع اليمام الابيض الذي خبأه واحتضنه ومنحه الحياة ويستعد للانتصار الجديد علي ست بعدما تعامد قرص اتون فوق راسه - او اوشك علي - ومده بالروح والقوة والعزيمة ....
في تلك اللحظة ، انتشرت الشرائط الستان الورديه فوق الخريطه ، زين بها الرجال رؤوسهم واذرعتهم وبعضهم لصقها في بنطاله وبعضهم لف جسده كله بها وساروا في الشوارع الخاوية وكأنهم ابطال لايدركون الفخ الذي نصب لهم ووقعوا فيه فرحين سعداء !!!
صرخت ام سعد من فوق سطوح منزلها ، الولس كسر عرابي ، الولس كسر عرابي ، تحذر الجنود في التل الكبير وكفر الدوار والسويس ومنف من الولس والخديعه وتطالبهم السائرون مغيبين برائحه البارود المنبعثه من الشرائط الستان الورديه تطالبهم يخلعوا الشرائط ويرموها بعيدا ، اصحوا ياجدعان وماتضيعوش نفسكم ، الولس كسر عرابي والخديو باعه وخنفس سلم البلد ووالي عكا فتح البوابات للفرنجه ومش كل مره حيطلع لكم صلاح الدين ، المره دي الدور عليكم انتم ، كل واحد يدافع عن داره وعن حياته وعن حريمه ويسترجل ، المره دي الدور عليكم ...صرخت من فوق سطوحها ، الولس هزم عرابي وكفايانا ولس!!!
امسكت نجية الحكيمه بالشرائط وشمت رائحتها وصرخت ، ده بارود  ، تشرح لهم للسائرون في الشوارع خدرين مغيبي العقل ، انهم يوزعوا عليكم فتائل لقنابلكم ، فتائل ننشرها بايدينا في البيوت والملابس والارواح ، وعندما يقرروا وتحين الساعه سيشعلوا فينا حريقهم الاكبر ، سيجدوا فتائلهم تنتظرهم في عيوننا ومقائينا ومنازلنا ورؤوس اطفالنا ،
نزعت نجية الحكيمه الشرائط من فوق الرؤوس والاذرعه والاجساد الرخوه والقتها بعيدا ، صرخت ،لا تصدقوهم ولاتطاوعوهم ، لاتاخذوا هداياهم ، لاتشتروا بهجتهم ، لم نتعلم طيله ايام العمر الطويله ان البارجات الحربيه توزع بهجه و....... لاانتم اتهبلتم ؟؟!!!
نظر بعض الحمقي باستغراب ، مالكي تتشككي في كل ماتريه ايتها العجوزه المخرفه!!!  هي هدايا لايقصدوا منها شرا ، وانت خرفه هرمه لن نسير خلفك ولن نسمع تحذيراتك ، الخوف نهش عقلك فصرت عاجزه عن التفاعل مع الحياه بالطريقه الحديثة ، تتشكيين في الغرباء حتي خفت من الشرائط الستان وتصوريتها بعقلك المريض بارودا يقتل ويحرق ، وقفت نجية الحكيمه في السوق تتشاجر مع البلهاء ، مين دي اللي بتخرف يانطع منك له ، انتم اللي البودره كلت عقولكم ولحست مخكم ،والاكل كبس علي مرواحكم وقله الفعل كسحتهم بقيتم لابتميزوا ولا بتفهموا ، امسكت الشرائط الستان الورديه وشرحت لهم ، دي فتايل غرقانه بارود ، طبعا حتشموها ازاي ومناخيركم مقفوله من كتر البودره ، دي غرقانه بارود ، وزعوا علي كل منكم قنبله ، ادوهاله في حضنه ، كسروكم مع نسوانكم بالميه المسممه والفراخ البيضه وخلوكم لانافعين طبله ولاطار وبدل ماتقضوا الليل تدلعوا الحريم ، ادوا كل واحد منكم قنبله ينام فوقيها وهو بيحمد ربه انه لقي حاجه يتلكك بيها لمراته علشان ديها ضهره وضميره مستريح ، دي قنابل يابعدا ، قنابل ، خدوتها في حضنكم وانت مش دريانين ، ولما الليل يليل بحق وابو خيمه زرقه يحط رحاله علي بيوتكم ، وقتها ، حيصطادوكم زي العصافير المتربطه في الفخ ، الفتيل حيشاور علي صاحبه وحتموتوا فطيس !!! ارموا الفتايل واستعيذوا بالله واصلبوا ضهركم وفوقوا ، ارموا الفتايل عليهم ، عمر مالبوارج الحربيه بتوزع علي اهل البلاد البعيده الا الخراب !!!! اصحوا وفقوا !!!   
هاهي تقول مامفروض عليها تقوله ، لن تصمت بعد الان ، تنفذ وصيه السيدة الطيبه وتتكلم وتقول مامفروض عليها تقوله !!! 

( 36 )
منفضة السجاد

مازال السائرون خدرين في الشوارع الساكنه يتراقصوا والشرائط الستان الوردية تكبلهم دون يدروا وتشير الي رؤوسهم ومواضع قتلهم دون يدروا ، صرخت الجثث التي ماتت تحت الاقدام بعدما خدرتها الشوكولاته المحشوه بالغيبوبه علي شط القناة ، صرخت ، لاتاخذوا شرائطهم ولا تطمئنوا لورديتها ولا تصفقوا لرقصهم ولا تفرحوا ببهجتهم ، انهم قتله مهما ابتسموا في وجوههكم !! 
صرخت الجثث المقتوله بالشوكولاته ، انظروا الينا واتعظوا ، متنا دون انتباه وداست علينا الاقدام ولم تمنح اسماءنا فخرا ولا قلادات ولا فتحت لنا مدينه الشهداء بواباتها ، قتلنا بالغفوة وقتما التهمنا السم سعداء ، لم نفكر فيما نأكله ولا من يمنحه لنا ، متنا وعفننا وخرجت الديدان من اجسادنا دونما يتذكرنا احد اويترحم علينا احد !!!
انتبهوا انتبهوا ... صرخت الجثث المقتوله بالشوكولاته !!!
اطلقت البارجه صاروخا قتل الاموات مره ثانيه وحذرهم ، لو نطقتم وانتم اموات سنقتلكم الف مره ، دعونا نحتفل بالبهجه في هدوء خالي من ازعاجكم وعويل ارواحكم وغبائكم !!! وماتت الجثث مره ثانيه وهي لاتفهم من قتلها ولماذا ماتت وبقايا الشوكولاته المحشوه بالغيبوبه تسيل من بين شفاههم سما يتسلل للارض الطيبه يقتل خصوبتها وينشر في ترابها حشرات قارضه تلتهم الارض والجثث والفهم !!! 
ومازال مذيع القناة المشبوهة اياها يهمس للمشاهدين ، ليله سعيده واحلام سعيده ، حان وقت النوم ، حان وقت النوم !!!!
يسأل الكتكوت المشاكس ابلة لولو ، حننام دلوقتي ؟؟ هزت ابله لولو رأسها نفيا ، لكن القناة المشبوهة اياها بتقول .... ، صرخت ابله لولو وقاطعته ، يادي القناة المشبوهة اياها وايامها السوده ، تخلي الليل نهار والباطل حق والسم عسل والكل قاعد يشتري من بضاعتها ويعيط !! يادي الخيبة علي اللي بتقوله القناة المشبوهة اياها ، تدخل البيت مسرعة وخلفها الكتاكيت تجري ، تفتح التلفزيون ، تضبط القناة  ، تأتي بالقناة المشبوهة اياها  لبيتها الريفي الصغير وتقرر تعطيهم درس العمر ، تأتي بمنفضه السجاد وسيخ الفرن وتنادي المذيعين ، يالا ياخويا انت وهو ، واحد واحد يالا ، تجذبهم من ملابسهم الانيقة الغاليه وتخرجهم من الشاشة وتوقفهم وجههم للحائط وتنهال علي مؤخراتهم ضربا ، هو انتم ايه ، ولاد حرام ، ماقاللكوش زمان الكدب حرام ، ماقللكوش زمان ان الفتنه اشد من القتل ، ماقاللكوش زمان ان ابن الحرام هو اللي ياكل من خيري ويلوف علي غيري ، مالكم فيكم ايه ياولاد العرب ، بيدوكم ايه علشان تقتلونا وضميركم مستريح ، كام عرسه عششت عندكم واكلتوها كتاكيتنا ، بيدوكم ايه ، شويه فلوس مالهاش عازه وقت الحساب لان الكفن مالوش جيوب ، شهرة ، شهرة الشوم واللوم ، الشهره اللي يسعي ليها النفر المحترم ، هي الشهرة اللي تخلي الناس يفتكره بالخير ، لكن لما تتشهر اساميكم علي كل لسان علشان اللعنه تطاردكم ليل ونهار تبقي تغور الشهرة واللي عايزينها ، مالكم ياولاد العرب ، بتقولوا ليه ان الليل جه والدنيا لسه نهار ، بتنيمونا ليه ، قاصدين ايه ، شر طبعا ، ماهو في الضلمه الحراميه يسرقوا والديابه تسرح والعرس تغدر بالكتاكيت ، قاصدين شر طبعا ، طيب ليه ، علشان قرشين واسم نجس وشتيمه تجيب سلسال ابوكم ليل نهار ، تنهال علي مؤخراتهم ضربا وهم يتلوا تحت ضربات منفضة سجاجيدها العتيقة، الا البعدا طبعا مابيحسوش ولا البرشماجيه اللي ضاربين صراصير ، والا جتتكم بتطلب الشتيمه وتهرشوا زي المدمنين لما نبطل نشتمكم ، طبعا مابتحسوش ، لا ضرب بيحوق ولا شتيمه بتلوق ولا فيه فيكم فايده !!! تحذرهم ، ورحمه الغالي لو اتحركتم من قدام الحيطه لاغزكم بالسيخ المحمي ده واقول عصابه حراميه وهجمت علي بيتي ، ال تصبحوا علي خير ال ، ان شالله انتم ولا تتصبحوا ولا تتمسوا باي خير يابعدا !!!!
نظرت ابله لولو للكتكوت المشاكس ونهرته ، اسمع ياوله ، القناة المشبوهة اياها دي زي العرسه اللي بتخش عليكم بليل ، لاعمرك تامن لها ولا تسمع منها ولا تتطمن !!! لما يقولوا تصبحوا علي خير يبقي النهار طالع وهما ليهم غرض موزوزين علينا بيه ، دول زي الضبعه ياكلوا الجيفه ولا يقرفوا ولا يحسوا ، صرخت في الكتكوت ، فاهم ولا اقول كمان ، جري الكتكوت المشاكس علي العشة وهو يؤكد لها فاهم فاهم ...
اغلقت باب الدار علي مذيعي القناة المشبوهة اياها ووجوهم في الحائط وهي تحذرهم ، وحياه رحمه الغالي لو سمعت ليكم حس ليومكم مدوحس ، اكفوا شركم عنا واحنا ننساكم وخالتي وخالتك واتفرقوا الخالات ، عادت لكتاكيتها وصوت البارجه الحربيه يدوي في اذنها فتصرخ ، بيتك بيتك وتحمي الفرن وتستعد للخبيز ، الا الساعه شكلها حانت وكل واحد بقي يعمل اللي عليه علشان نعدي من المصيبه اللي بتترتب لنا ونفوق !!!
بيتك بيتك ..... بيتك بيتك ..... بيتك بيتك !!!!!!

( 37 )
الخلايا النائمة

البارجة الحربية اطفئت انوارها واستعدت للنوم !!!
الضباط حشوا مسدساتهم بالرصاص الحارق والجنود وقفوا خلف منصات الصواريخ المحمله بالموت والادميرال خاطب قيادته عبر القمر الصناعي وشرح لهم ان الوقت حان وانتظروا اخبار سعيدة !!!
ساعات قليله وتبدأ المعركه وساعات اقل وتنتهي !!
ليست معركه بالضبط ، لايوجد نزال ولاقوات بريه ولا جيوش المارينز ولاالتحام جسدي، المعركه بين الصواريخ الذكيه التي لاتفهم الا في القتل وبين المصريين الغافين عن قتلهم منشغلين بالطريقة المثلي لاستخدام الشرائط الستان الوردية !!!
ليست معركه بالضبط ، بل هي نزهه عسكريه ستنتهي بدك المدن البالية والبيوت العتيقه والمعابد والتاريخ ليرفع النظام العالمي الجديد رايته في عين حورس معلنا بدايه اسره جديده من اسر الغزاه الذين حكموا مصر وسيحكموها حتي نهايه التاريخ!!!
ليست معركه بالضبط ، لكنها " علقه موت " لخريطه رفضت تنشر القواعد العسكريه علي حدودها فلم يكن امام اصحاب القواعد الا دك الخريطه وحدودها فوق رأس مواطنيها البلهاء المنشغلين بالشرائط الستان الوردية ..
استيقظت الخلايا النائمه في شقوق الخريطه واستعد الطابور الخامس لعمله الخطير بعدما همست المذيعه بكلمه السر وسط نشره اخبار السادسة مساء ، همست و... تصبحوا علي خير ، فاستيقظت الخلايا النائمه واستعد الطابور الخامس لدفع حصان طرواده داخل المدينه لينفتح بابه في الظلام ويخرج الغازين يزركشون المدينه بالشرائط الستان الورديه ارشادا للصواريخ الذكيه عن اهدافها السهله !!!


( 38 )
كلمة السر

مازالت الشاشات تصرخ ، تصبحوا علي خير ، تصبحوا علي خير وتنشر الغيبوبه فوق الخريطه دعما للبارجه وصواريخها الذكيه ...
صرخت نجية الحكيمه في الشباب العائدين من عند البارجه الحربية صاخبين فرحين ، صرخت فيهم وقتما وجدتهم مزركشين بالشرائط الستان الورديه ، صرخت فيهم ، سلامتكم ، يعيش الرجاله والله ، هو خلاص كده ، بقي كل واحد فيكم عامل زي عروسه المولد مزين راسه بالبمبه الحلاوسكه وعماله يترقص ، سلامتكم ، فين الاشناب وفين العضلات وفين القوه بتاع شجيع السيما ، نظر لها الشباب لايصدقوا كلامها ، وتجرأ عليها اسفلهم وسبها ، انتي ولية جاهله غبيه ماتفهميش لا في البهجه ولا في الحياه ، لم ترد عليه بلسانها لكن كف يديها القوي لطشه علي وجهه بضربه اطاحت به من علي الارض ، بصقت عليه وهي تخلع الشريطه الستان الورديه من فوق راسه ، حمار وقلنا يتعلم لكن سافل كمان ، يبقي مالكش غير كف يفوقك ، يابني افهم ، تشرح له وهو متكوم علي الارض يبكي ، دي فتايل قنابل وباردوها ريحته فايحه ، لما البعيد حينام حيصادوه زي البرص من الحيطه بشبشب معفن ، انت بتدلهم علي مكانك يقتلوك وانا خايفه عليك ، افهم يابني !!!
لكن الدموع التي كست العيون البليدة والعقل الذي لم يتعلم لايفهم ولايفكر اعجزا الشاب السافل عن الفهم !!! لملم نفسه المبعثره علي الارض واختطف منها الشريطه الستان الورديه وحزم وسطه وجري بعيدا عنها وهي تلاحقه بأسي !!!
سمعت خالتي ام ميلاد صراخ جارتها فدخلت عليها وجدتها تتشاجر مع ابنها العائد من عند البارجه بذيل طويل يسقط من خلف بنطاله ، شريطه ستان طويله تلامس الارض ، شاهدتها تلطم علي وشها وهي تصرخ فيها ، ياخساره التربيه وخساره التعب ، اخرتك حمار بديل ستان ، مين يامخبول اللي عمل فيك كده ، مين ياواد اللي لخبطك وخلاك مش دريان انك بقيت حمار ...
همست الجثث التي ماتت من سم الشوكلاته الصديقه ، قلعيه الشريطه وانقذيه !!!  انطلق صاروخ اخر من البارجه الحربيه وقتل الجثث مره عاشرة ، وحذرتهم البارجه ، لسه فيكم روح تتكلموا ، صواريخ واتضربتم ، سم واتسممتم ، اخرتها معاكم ايه ، حتموتوا وتتخرسوا امتي؟؟ ، وتشاجر الادميرال العجوز غاضبا مع صانعي الشوكولاته لانهم لم يحشوها بالغيبوبه الكافيه لاخراس الجثث وتوعدهم بجونتيانوا وقتما يعود لارض الوطن سالما ،  وتشاجر مع صانعي الصواريخ لانها لاتنشر الموت بالقدر المطلوب لاستمرار حفلات البهجه والرقص ورفع رايات النظام العالمي الجديد وتوعدهم بالتعليق فوق تمثال الحرية عقابا مخيفا لكل من يفشل في صناعه صواريخ تقتل ومن المره الاولي !!!
مازالت خالتي ام ميلاد تراقب جارتها وشجارها مع ابنها المتمرد ، صرخ الابن في امه بتتخانقي معايا ليه ، تفهمي ايه انت في البهجه ، ولاتفهمي ايه في الهدايا ولا تفهمي ايه في الحياه عموما ، عايزاني اقعد جنبك ، تشحتي لي وظيفه حقيره زي جوزك ، وظيفه يادوبك تدفع تمن مواصلاتها ، لاتخليني اشتري عربيه ولا البس اتناشر بدله ولا اتجوز موزه ولا انام باشا واصحي ملك ، بتصرخي ليه ، ايش فهمك انت في البهجه ، خبطت الام علي صدرها وقالت له ، يااهبل اتنصح ، بهجه ايه وشرايط ستان ايه واتناشر بدله ايه ، مين ياواد اللي غسل مخكم وخلاكم حمير برضاكم ؟؟ هي ياواد الشرايط دي حتجيب لك وظيفه وعربيه واتناشر بدله ، مين ياواد اللي ضحك عليك وقالك كده ، لم يعجبه كلامها وصرخ ، انتي كده ، زي كل الامهات والابهات ، لابتفهمونا ولا بتحسوا بمشاعرنا ولا بتقدرونا ، وربط الشريطه الستان في وسطه واخذ يتراقص علي نغمات البارجه الحربيه التي وقفت في قناة  السويس لتستريح من رحلتها الطويله !!! انفجرت الام في البكاء ، ياحظي الاسود ابني الحيله بقي حمار بديل وبيرقص زي الغوازي من الفرحه ، منه لله اللي كان السبب منه لله اللي كان السبب!! 
انتبهت الام فجأ لوجود خالتي ام ميلاد ، القت بجسدها في حضنها وهي تصرخ ، الحقيني ياخالتي الواد حيضيع !!! طبطبت خالتي ام ميلاد علي ضهرها وهمست ، ماتخافيش عليه ، بكره يفوق ويوعي لنفسه ، سالتها الام وسط نحيبها ، امتي بس ، اكدت عليها خالتي ام ميلاد ، بكره يعني بكره ، صدقيني وماتجزعيش !!!!
وعرفت خالتي ام ميلاد ان اللحظه الموعوده اقتربت جدا !!!!
الم تقل لها السيدة الطيبه تحت سطح البحيره المقدسه انه في الايام الصعبه سيفقد الناس بصيرتهم وينخدعوا ويروا الحق باطل والباطل حق ، الم تقل لها ان الناس ستتوه في الدروب التي اعتادوها ويتحولوا لغرباء ناقمين لايعجبهم العجب ولا الصيام في رجب ، قالت كل هذا واكثر والان .... يحدث كل ماقالته ، اذن ، اللحظه الموعوده اقتربت جدا ، همست خالتي ام ميلاد لنفسها وعادت لمنزلها مسرعه تضفر في الغله الخضراء صلبان وايقونات ، ستوزعها علي الجيران ، كل سيحمي داره بغلتها الخضراء من العفاريت والاشباح والاشرار والطابور الخامس ومن اتباع ست !!!
انها اللحظه الموعوده ، انها اللحظه الموعوده !!!!
ونطقت خالتي ام ميلاد بكلمه السر لجيوش حورس دونما تدري !!!
انها اللحظه الموعودة ، انها اللحظة الموعودة !!!
وحي علي مصر ، حي علي مصر !!!!

( 39 )
حصان طرواده

وانطلت الكذبة علي الناس ..
وصدقوا ان الليل اتي والنوم حان وقته ...
وفقئوا عيونهم وتجاهلوا مايروه امامهم ونااااااااااااااااااموا !!!
اطفئت الخريطه انوارها ونام اهلها الطيبين في اسرتهم و.............بدأت الاحلام والكوابيس واضغاث النوم.. .....
ساد الظلام لوقت قصير وسرعان ماسطع الضوء الفوسفوري من الشرائط الستات الورديه وتحول لاسهم وعلامات ارشاديه ، هنا ، يرقد قتلي ينتظروا قنابلكم وصواريخكم الذكيه وداناتكم المزركشه بالفرحه ليموتوا براحه وسعاده ...
وفتح حصان طرواده بوابته فخرج منه الوف الجنود ومعهم اطنان من الشرائط الستان الورديه ، يربطوها في اعمدة النور ومحطات الكهرباء والكباري ومدارس الاطفال والقناطر الخيرية والمستشفيات وفي قلوب البنات واشناب الرجال وارحام النساء ومقابر الاحباء ، فسطع الضوء الفسفوري اكثر واكثر واستعدت الخريطه للفناء والموت !!!!


( 40 )
حورس

سطع قرص اتون في وسط الليل فانطلق حورس من عش اليمام ، قويا وضرب بجناحيه في السماء ، ارتفع موكبه وخلفه سرب اليمام الابيض يحيه ويحيط به ، تحرك صوب مدينة الشهداء التي اصطفت جيوشها كتائب وفرق ، ووقف كل قائد امام جيشه والكل مستعد للشهاده والانتصار ..ارتفع الاذان في مدينة الشهداء وفي كل بقعه علي الخريطه النائمه ودقت اجراس الكنائس ، حي علي مصر حي علي مصر ....
ودوي صوت السيدة الطيبه في قلوب الفتيات الصغيرات ويوسف وكأنهم تحت سطح البحيرة المقدسة في تلك الليلة البعيدة ، دوي صوتها حنونا واضحا تذكر كل منهم بالمطلوب منه في اللحظه التي طال انتظارها ، اللحظه الموعودة ....

( 41 )
فرع المرجان

كان الظلام دامس والخريطة نائمه ، تسطع فيها الشرائط الستان الوردية ، علامات ترشد عن الطيبين النائمين في غفوة الخديعه ، وقفت ابله لولو تصرخ في النائمين ، بيتك بيتك ، يالا علي هناك ، لما تخشوا  محدش يخرج ولايأمن للغدارين الا لما يسمع الزغاريد ، العرس في البلد طاحت ، ااقلعوا الشرايط وادفنوها في الصحراء ، ارموهم عليهم ، اللي رايدينه لينا يرد عليهم والبادي اظلم ، جلست امام فرنها البلدي الصغير ، اضاءت ناره والقت بعيشها المخبوز من زمن بعيد استعدادا لتلك اللحظه ، انضجت النيران الخبز بسرعه فقسمته ابله لولو كسرات كسرات ، وحملت في الظلام قفه العيش وخرجت تطرق الابواب ، تمنح الطيبين واطفالهم الابرياء والمستقبل الجميل كسرات الخبز التي ستقيهم شر الجوع وقت الاحتماء الطويل بالسراديب السحرية والغرف الموصده الامنة هناك ، شرحت لهم ، بيتك بيتك ، هناك ، الطمأنينة هناك والزاد معاكم والقلب جديد والجدعان حتطفش العرس والتعالب واحنا علينا نشد ضهرهم ونساندهم ، يالا بيتك بيتك ، وتشير لهم علي الهرم الكبر شامخا في الظلام حضن كبير ينتظرهم جميعا ويحميهم جميعا ، ماتخافوش من الضلمه ولا العرس ، الجدعان حيعملوا اللي عليهم وزياده، انتم بس لاتخافوا ولاتخرجوا ، اتطمنوا وانتم هناك ، ورانا اسود تحمي و.... تنظر لابو الهول الرابض مكانه في صمت مهيب ، يالا بيتك بيتك وتشير علي الهرم الاكبر الشامخ وسط الوحشه .. ومازال الظلام دامس ....
كان الظلام دامس والخريطه نائمة ، تسطع فيها الشرائط الستان الورديه ، اسهم للوحات ارشاديه تهمس للقتلة ، هنا تنام ضحاياكم  ، وجهوا صواريخهم صوب رؤوسهم و، حطموها بداناتكم الذكية ، حطموا رؤوسهم نبع الحكمه والحضارة والوعي بالتاريخ والجغرافيا ، صرخت انتي صفية ، طفوا النور في عينيهم واخلعوا الشرايط وارموها تحت رجليهم نار عليهم ونور لينا ولسيوفنا ، ياجيش عرابي قوم ، قوم ياجدي ، اصحي من رقدتك وافرد سيفك وارفع راياتك واستقبلهم باللي يليق بيهم وليهم ، اصحي ياكل بطل استشهد في معارك حماية وتحرير العزيزة الغاليه ، اصحوا من كل معركه واستعدوا للفرحة ، صرخت في النائمين في البيوت الصغيره المتلاصقه والحارات الضيقة ، ضموا ليهم ، ضموا ليهم ، دي اخر معركه ، بعدها لاحنعيش ولاحيكون عندنا حاجه نخسرها ، اصحي ياجدي اصحي ياجدي ... وصهلت الخيول ودقت الطبول ووقفت الصفوف خلف الصفوف !!!!
كان الظلام دامس والخريطه نائمه ، الناس استيقظوا علي صوت الاذان واجراس الكنائس ، حورس يحلق في السماء وحوله سرب اليمام الابيض وجيوش الشهداء خرجت من المعابد تحمل المسلات الكبيرة بنقوشها والانتصارات المدونة علي سطحها بقممها الذهبية ، وقفت ام سعد فوق سطح دارها وابصرت مالم تراه منذ سنوات بعيده ، اتسعت حدقتيها فابصرت الحقيقة ،  صرخت تحذر الشهداء من الولس والغدر والخونه والعملاء ، صرخت تحذرهم من حصان طرواده الذي انزل رجاله في جنح الظلام يزينوا الخريطه بالموت ، يدقوا الردارات في الارض الخصبه ينتظروها تنادي صواريخ الموت لتستبدل الخصوبه جدبا والوادي الاخضر صحراء ، صرخت تحذر جيوش الشهداء من خنفس الذي سلم حامية القاهرة ومن والي عكا الذي فتح ابواب المدينة للفرنجه ومن كل خائن وغادر ملعون في كل كتاب .. ام سعد تحذرهم من الخونه وتعد العائدين من ميادين القتال بوجباتها الشهية احتفالا بالنصر ...
كان الظلام دامس والخريطه نائمه ، صرخت خالتي ام ميلاد تنادي اطفال الحارة وشبابها ، وزعت عليهم الصلبان والايقونات المصنوعة من الغلة الخضراء ، خدوا من ايدي وارشقوها علي كل باب تطرد الشياطين والجواسيس واولاد الحرام ، علقوها علي كل الشبابيك والبلكونات تحمي النائمين وتبعد الصواريخ وتشوش علي الرادارات ، صرخت وهي تتابع الايقونات تزين كل الابواب وتحميها ، ياام النور اتشفعي لينا يتفك الكرب ، اتشفعي لينا ببركه المقدس روحه ابونا بطرس والمرحوم الشيخ عبد الوهاب ، اتشفعي لينا تحل البركه والخير واحمي ولادنا واحمينا و............... ردي ابراج الفرنجة الجدد عن ارضنا الطاهره واكرمينا .... ياام النور ... ياام النور ....
كان الظلام دامس والخريطه نائمه ، خرجت نجية الحكيمة من دارها تجري حافيه ، طرقت كل الابواب ، قوموا ، قوموا ده مش وقت نوم ، اللي عنده شمعه ينور بيها الضلمه قدام داره يقيدها ، اللي عنده فانوس يجيبه ويجي ورايا ، اللي قلبه حديد وبيحب البلد دي يضم علي الجيوش اللي قامت ، جايه من اخر التاريخ ، نازله من فوق المعابد ، طالعه من تحت القناة  ، قوموا يالا ضموا عليهم ، الحريم قبل الرجال والرجال قبل الحريم ، كل مصري يحب بلده يقوم ويهم ، لاوقت خوف ولا وقت هم ، واللي مالوش عازه النهارده عمره ماحيبقي ليه عازه ابدا ، النهارده اليوم اللي بعده يانكون يامانكونش ، يالا بينا علي القنال ، قبل مايتعشوا بينا احنا نتغدي بيها ، زي ماعاشو يسممونا جه دورنا نرد عليهم ، علي القنال ، كل الجيوش حتيجي هناك عند القنال ، يالا بينا ، تجري نجية الحكيمه حافيه وسط الخريطه النائمه توقظ اهلها بكلمات الحكمه التي لقنتها لها السيدة الطيبه تحت ماء البحيرة المقدسه ، تفتح بمفتاح الحياه كل باب تلاقيه مقفول في سكتهم الطويلة ، تطلق بخور اللوتس يقوي العزيمه وتبص علي السماء تتأكد انها واخداهم وماشيه في طريق حورس مارايح ، يبقي صح ، ده طريقنا اللي النهارده بالذات مالناش غيره طريق ......
كان الظلام دامس والخريطه نائمه ، وقفت ام مجيب امام شط القناة  ترمي السمك اللي لسه صاحي يلعب لمجيب وكل اللي معاه ، تقوت قلبهم وتدعي هي وكل الجيران للشهداء بطوله العمر والجنه جايزه اللي ربنا راضي عنه ، الشهيد عمره مامات والسمك رزق وخير والبحر خير لينا وشر علي اللي يعادينا ، واللي ناوي علي خيرنا حبيبنا اهلا بيه معانا واللي ناوي علي شرنا مالوش غير النوة وصفه تبعده  عن ديارنا بعد ماتحطم مراكبه وتكسر مجاديفه وصواريه وتقلب راسه واطيه ، البارجة الحربية تتأرجح في الظلام فوق وجه القناة  ، لاتري جيوش الشهداء تحيطها من كل فج عميق وعلي الشط جيوش جايه من بعيد مستنيه اللي ينزل منها ويحاول يستخبي علشان تقبض عليه وتلبسه الشريطه الستان الورديه وتحوله لهدف تضربه صواريخه بنارها وتحمي ارضنا من كل شر ومن كل رضية ....
كان الظلام دامس والخريطه نائمه ، تسطع فيها الشرائط الستان الوردية ، فتيل قنابل لم يشتعل بارودها بعد ، صرخ يوسف وهو يغرس فرع المرجان في الارض الطيبه لتنير لاصحابها طرقهم ودروبهم ، صرخ يوسف ، الوقت جه ومابعدوش وقت ، هزت شجره الجميزة جذعها الثقيل  والقت من فوقه كل الاسماء والاحباء ، غرستهم في الارض الخصبه المروية بماء البحيرة المقدسه ، فعادوا ابطال شهداء بدمائهم الساخنه هرعوا صوب القناة  ، لن تدنسوها طالما بقينا احياء ونحن احياء لاخر الدنيا عند ربنا نرزق بنعمه وكرمه ، لن تدنسوها والا لماذا متنا من قبل وستموت من بعد ونظل نستشهد ونعيش ونعيش ونستشهد ، القت شجره الجميز بجميزها الاحمر زادا للمحاربين المبعوثين من كل زمن بعيد ، عادوا للحياة ببأسهم بقوتهم باصرارهم علي النصر باسلحتهم المشحوذه للاعداء بارواحهم التي قدموها للشهاده مره واثنين ، اضاءت الدنيا بنور المرجان الاحمر ففقدت الشرائط الستان الورديه ضوءها الفوسفوري التافه وتلاشت تحت اشعه اتون الذي بزع وسط الليل لينير لابناءه طريق انتصارهم ... حدق يوسف في فرع المرجان المنير وهمس لنفسه ، ثريا ، سطع المرجان الاحمر ، ثريا في قلبك وروحك وارض ووطنك ، تعيش فيك طالما تعيش فيها ، فرع المرجان الاحمر اضاء بسناءه للشهداء دروب فرحهم وانطفيء الضوء الفوسوري الكيميائي الشاحب وتراجع الغازين وتقدم الشهداء في مواكب فخرهم صوب الانتصار الجديد ورفعت الرايات المخضبه بالشرف فوق قمه الهرم وفوق كل المعابد والمسلات ... وسلامتك ياام الانوار ياغاليه من العدا والرضي والسو وست وولاد الحرام الخونه ومن النظام العالمي الجديد ....


( 42 )
الانتصار

هل انتصرنا ، نعم انتصرنا ..
ولكن من قال انها المعركه الاخيرة ؟؟
حورس عاد يختبيء وسط اليمام ينتظر معركه جديده ونصرا جديد ...
مدينه الشهداء احتفلت بالنصر الجديد ثم نامت وتركت الحراس علي اسوار المدينه يراقبوا ست وهل سيعود مره اخري ام سيموت للابد ..
ابله لولو عادت لكتاكيتها تلاعبها تحت الشمس الامنة وهي يقظه للعرسه والثعالب ..
ام سعد مازالت تلضم عقود الويكه وتحتاط للزمن الغدار الذي قد يأتي فجأ فلا يباغتها بغدره وكفي عرابي وقتما هزمه الولس وترك لنا درس لن ننساه ابدا ..
انتي صفيه زينت الجدران المطليه بلون الانتصار بالنياشين الجديده التي حصل عليها جدها الاكبر وابيها وزوجها وكتبت في كتاب تاريخ العائله ان شهداءها الابطال حاربوا مره جديده وانتصروا مره جديده ومازالوا مستعدين دائما للشهاده .. 
نجية الحكيمه رجعت للسوق ، تحكي للصغار اللي بيعدوا علي محلها ، تحكي ليهم حواديت تنور العقل والقلب بدل حواديت العفاريت وامنا الغوله ، تديهم كراميله وارواح وتبوس قلوبهم الخضرا وتدعي ليهم بالعمر الطويل والجسارة وقوة الروح ..
خالتي ام ميلاد مازالت تزركش الابواب الطيبه بالصلبان والايقونات وتطلب من ام النور تحمي الاحباء ببركتها وتأكل الصائمين في رمضان وفاء لدين الشيخ عبد الوهاب ..
ام مجيب مازالت تخرج علي شط القناة  وتلقي بالسمك لمدينه الشهداء وتزغرط فخرا كلما تحرك سطح الماء بموجيات صغيرة ترد للشهداء التحية والسلام ..
واجتمعت النسوة الست في الحلم مره جديده ، يغسلن الشرائط الستان الورديه في ماء البحيره المقدسه ويطهروه باللوتس وطمي النيل ويزينوه به الخريطه وقت احتفالها بالنصر الجديد ..
يوسف ، ايقن ان سنوات الرخاء جاءت لكن سنوات الجدب تتربص بالاحبة فابقي فرع المرجان في يده ليغرسه في الارض الطيبه كلما حل الظلام ....
اما البارجة الحربية الامريكيه ، فقد اختفت بدنسها من فوق وجه القناة  وعجزت الاداره الامريكيه عن العثور عليها او بقاياها ، لم تغرق ولم تحترق وليس لها اي اثر .... ابتسمت السيدة الطيبه تحت سطح البحيره المقدسه ساخرة من النظام العالمي الجديد الذي عجز بكل اقماره الصناعيه واجهزه الردارات والاستشعار عن بعد وقرب ، عن العثور علي البارجه الحربية بادميرالها الاحمق اسيرة تحت سطح البحيره المقدسه مع كل اعداء الخريطه الذين انتصر عليهم حورس منذ فجر التاريخ وابقاهم في متحف الفخر المصري عبرة لمن يفكر يوما يستخف بابناء الحضارة العظيمه واحفاد ايزيس !!!!


تمت

السبت، 16 يونيو 2012

السطر الناقص في بحث الدكتور منسي ( الجزءالاول )


في هذا الوقت الذي يضطرب فيه الفكر في مصر
ويضطرم بحثا عن شخصيتها ودورها الإنساني والحضاري ،  
فإننا في حاجة إلى فهم كامل لوجهنا ووجهتنا
لكياننا ومكانتنا, لإمكانياتنا وملكاتنا ، وأيضا لنقائصنا ونقائضنا
بلا تحرج ولا تحيز أو هروب 
(جمال حمدان)



من يشاهدون النيل في تمام فيضانه
يرتعدون خوفا
 
أما الحقول فانها تضحك
وجسور النيل تغمرها المياه
 
ومن ثم تنزل موائد الآلهة
وتشرق وجوه القوم
وتبتهج قلوب الآلهة

المجد لك ايها النيل..
الذي يحمل الخير لمصر
وعندما تفيض يعم الفرح البلاد
انت تجري، فتسقي الحقول
وتنعش القطعان
وتمد الناس بالقوة
اذا تأخرت عطاياك
توقفت حركة الحياة
واذا غضبت.. حل الذعر بالبلاد
بدونك.. لا نجد الأسماك
وبدونك لا ينبت القمح والشعير والذرة
انت الذي تخلق كل جميل

انشودة الفرح بالفيضان ..متون الأهرام



الجزء الاول

( 1 )
ايام سودة

همست السيدة التي تقف داخل المحل فرارا من المظاهره الكبيرة التي تسير في الشارع التجاري الكبير في وسط البلد ، همست بصوت مرتعش مخنوق تسال صاحب المحل الذي يقف علي الباب امامه ، هي الاعلام السوده دي مكتوبه عليها ايه ؟؟ اشاح صاحب المحل بيده ، مكتوب عليها اننا حنشوف ايام سوده !!!
ازداد ذعر السيدة ، هما خلاص مشيوا ولا ايه ؟ عايزة اروح ، همست العامله بجوارها ، لسه بدري ، دول كتار قوي ماتشوفيش اولهم من اخرهم ، ولسه اخر المظاهره بعيد !!!
سالت السيدة صاحب المحل ، هما عايزين ايه؟؟
انتفض صاحب المحل غاضبا ، تصدقي يامدام ، علي الحرام من بيتي ، ولافاهم ، عايزين ايه بالضبط الجماعه دول ،طلباتهم منا ايه ، ولا عارف !!!
وبقنوط رهيب همس لها ، ادينا حنشوف اخرتها ايه ؟؟
سالته السيدة بصوت هامس ، وهي ليها اخر ؟؟
ضحكت البائعه ، طبعا ، كل اخر له اول وكل اول له اخر ، مسيرنا نفهم عايزين ايه الجدعان دول ..
وهنا.......... قرر الكاتب تثبيت الزمن في تلك اللحظة وتصوير كل لقطاتها بكاميرته الفوتغرافيه !!!
لا هذا ليس قرار الكاتب ، الكاتب مغلوب علي امره ، الزمن قرر يثبت ولايتحرك ، فلم يكن امام الكاتب الا الانصياع لحكمه القاهر ، وقتما يثبت الزمن ويُلبس الاحياء ثوب الاموات ويقطع انفاسهم المتلاحقه ، هنا لايملك الكاتب الا تصوير مايراه بعدسه فوتغرافيه ، لايملك الا التقاط صورا متلاحقه تنتظر يتحرك الزمن لتدب فيها الحياه مره اخري ....
صاحب المحل امام بوابته وعلي وجه ملامح مرتبكه ، السيده تجلس علي الكرسي وسط المحل مرتاعه ، البائعه تراقب الشارع بوجه شاحب يفصح عن رعب دفين و...................ثبت الزمن في كل شيء الا  المظاهره الكبيرة التي مازالت تسير بالشارع ترفع اعلامها السوداء ترفرف في السماء ، الزمن لم يثبت عند المتظاهرين الغاضبين الذين يصرخون بصوت عالي ممضوغ بهتافات لم نفهمها بعد !!!ا
ثبت الزمن داخل المحل وفي الشارع وفي المدينة ، وبقي السؤال الحائر علي كل الوجوه الجامدة ، مين دول ؟؟؟؟ مين دول ؟؟؟ مر وقت طويل ومازالوا جامدين والزمن لم يتحرك لانه لم يعثر علي الاجابة بعد!!!!

( 2 )
النادي

شقه كبيرة ، شقتين كبيرتين ، تحولتا من سنوات بعيده وبعد التعديلات المعماريه وهدم الحوائط وفتح النوافذ وتغيير التصميم الداخلي الذي قام بهم الخواجه كريساسي المهندس المعماري الشهير الذي ترك توقيعه علي ابنيه كثيرة من ابنيه تلك المدينه ، تحولت الشقتين  لساحه كبيرة تقع في الدور الرابع والرووف من مبني عتيق في الحي القديم الذي كان ارستقراطيا !!! كان حي ارستقراطي يخشي العامه وابناء الدهماء الاقتراب من شوارعه الواسعه ...حي لايرتاده الا سكانه واصدقائهم من سكان الاحياء الراقيه الاخري ، هكذا كان الحي ، الان صار مثل كل الاحياء بلا ملامح بلا هوية ، طغي عليه القبح المعماري فافسد الابنيه الجميلة وشوه ملامحها الانيقة ، الان ، صار مرتعا للمتسعكين والصعاليك ، يرتادوه للتنفيس عن انفسهم والمشي التائه الذي بلا هدف !!!
في هذا الحي الذي كان ارستقراطي ، يقع النادي في بنايه قديمه عاليا مطلا علي اكبر ميادين الحي والمدينه العريقة .. شقتان تحولتا لساحه كبيرة تحيطها حجرات واسعه ربما خمسه ربما تسعه لااحد يعرف ، فالابواب المغلقه لاتفصح عن عدد الحجرات المختبأه خلفها ، هنا ، كان الخواجات والاجانب يعيشون حياتهم السعيده بعد انتهاء ايام العمل الطويله ، هنا كان يأكلون ويرقصون ويحتسون الخمر ويصاحبوا النساء الجميلات بالاكتاف العاريه والفساتين الواسعه والاحذيه اللامعه بكعوبها العالية !!! هذا مايذكره الخواجه صاحب النادي عن النادي قديما وقتما كان طفل صغير يصاحب ابيه لمقر عمله ..
هل ورث الخواجه المكان عن ابيه الذي ورثه عن ابيه الذي اشتراه وقتما حط علي القاهره من بلاده البعيده مغامرا يبحث عن عمل وفرصه للرزق !!! هذا مايظنه البعض ويرددوه لبعضهم البعض ، لكن احد لايعلم الحقيقه !!!
يقال ان الجد الاكبر كان يهوديا فر من اوربا وافران الغاز ، ويقال ان ذلك القول وهم كبير وان الجد كان مسيحيا يذهب للكنيسه كل يوم احد ، يقال انه كان ارمني هارب من ارمنيا التي احتلها " السوفيت " وانه يحب الكونياك الارمني والشوكولاته الارمنيه والنساء الجميلات الفارات من الجنه ، نساء ارمنيا بشعورهن الحمراء الناعمه واجسادهن القده ، يقال انه كان يوناني عاش في الاسكندريه بضعه سنوات ثم رحل للقاهره المحروسه ام الدنيا وهنا اشتري النادي مكانا للاجانب من اهله وعشيرته وابناء قارته بعدما تبعثروا علي المقاهي المصرية يسمعوا اسطوانات سيد درويش ويشربوا الحلبه الحصي والشاي الصعيدي دون سعاده ودون مزاج ، ويقال انه كان مصري " صايع " ركب البحر وعاش في اوربا سنوات تصعلك هناك كيفا شاء وعاد مرتديا قبعه بيضاء وحذاء ابيض يتحدث العربيه بلكنه معووجه وكأنه انتمي لبلاد الخواجات وقرر وقتما عاد ينشأ النادي علي طراز الانديه التي احبها في ازقه اوربا ، شبابيك كبير واسعه لاتفتح حتي لاتدخل اتربه الشارع ورسومات ونقوش علي الاسقف والجدران ومناضد كبيرةبمفارش بيضاء وبار عالي واكواب كريستال ساطعة وشموع فواحة بعبير الفاكهه علي كل منضده ، يقال انه خلق اجواء اوربا في الميدان الكبير في الحي الارستقراطي الذي كان ولم يعد ، فتوافد الاجانب علي ذلك النادي واحبوا اجواءه و.............صار مكانهم !!! 

( 3 )
الدكتور منسي

سألته زوجته ، لماذا بالذات هذا المكان ؟؟
كانت تساله تستنكر ذهابه المتكرر للنادي ، هناك اماكن كثيرة اجمل من ذلك النادي وطعامها اشهي واكثر اناقه وراحه ، لماذا هذا المكان يامنسي ؟؟
هو رجل سبعيني اشيب الشعر والحاجبين والشنب الكثيف استاذ علم اجتماع ، خرج علي المعاش بعد سنوات طويلة قضاها يدرس للطلاب تعيسي الحظ الذين القاهم مكتب التنسيق علي كليته التي يفخر بالانتماء لها وهم لايفخرون ، سنوات طويلة قضاها يدرس لهم حال وطنهم ومجتمعهم وهم لايفكروا الا في الفرار منه للبلاد التي لايعرفوها بحثا عن ثراء لايمنحه لهم وطنهم الذي يعيش نصف مواطنيه او اقل قليلا تحت خط الفقر ، سنوات طويله يكتب ابحاثا هاما لايقرأها احد ولا يستفيد منها الوطن ولا مسئوليه ، لكن لم ييأس ولم يزهق ولم يكف عن البحث والتأمل ، سيأتي يوما سيستفيد الوطن بكل مااكتبه !! هذا مايقوله لنفسه كلما هم يكتب بحثا اضناه الهم وهو يفكر فيه ...
هو ..الدكتور منسي .. العالم المصري العاشق لوطنه حتي الثمالة ..
وهي زوجته ، فكرية ، طالبته التي احبته اكثر مما تحب علمه وهو استاذها العائد من البعثه التي حصل فيها علي الدكتوراة ، وقعت في حبه من محاضرته الاولي وشاغلته بروحها الجميله وتفوقها العلمي حتي بادلها الغرام وتزوجها وصاحبته رحلة البحث والدراسة والهم وعشق الوطن ، شاركته اوقات الفرحه القليله واوقات الهم والحزن الطويلين ، ومرت سنوات العمر في الدراسه والابحاث وتربيه الاولاد الثلاث..
ابتسم ، وليه نص البلد اساسا يافكرية ؟؟
هزت رأسها لاتعجبها اجابته ، ماانا سألتك الف مره قلت باحبها !!! بجد يامنسي المكان ده محيرني ، اشمعني بتحبه كده ؟؟ ..
ضحك يمازحها ، باحب نص البلد وباحب النادي وباحبك ، والقلب ومايريد يافكريه !!!!
لم تعجبها اجابته واصرت ، لا بجد ليه المكان ده بالذات ؟؟؟
لايجيبها بسرعه ، غائبا في افكاره والبحث الذي اوشك ينتهي منه عن شخصيه مصر ، بالطبع لم يقتبس فيه ماكتبه استاذه جمال حمدان في مؤلفه الفريد ، لم يقتبس ماكتبه الدكتور جمال حمدان ، لكن شخصيه مصر التي وصفها الدكتور جمال تتلبسه وتصول وتجول داخل روحه وترسم ملامح البحث الذي اضناه شهورا طويلا ... تكرر سؤالها ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟
علي وجهها تعبيرات تفضحها ، تغار عليه ، تعرف ان نساء جميلات كثر يتراقصن في ذلك المكان الذي لايصحبها معه في سهراته الطويلة ، تعرف انه لاينظر للنساء ولايكترث بهن ، لكن شيئا ما يوخز صدرها ، تتمناه يريحها ، هو يفهمها ويعرف طريقه تفكيرها ويعرف انها تحبه ، تتمناه يريحها ، تتمناه يغازلها وياخذها في حضنه ويهمس لها مثل الايام البعيده انه لايحب غيرها ولايري نساء غيرها وعليها الا تخاف !! لكنه لايفعل كل هذا ، رأسه مشغول بكل مايحدث حوله ، البلد يموج بالحراك السياسي ، لايكترث بالسياسه لكن الصراع الاجتماعي المحتدم الذي يصاحب الخصومات السياسيه وربما يعبر عن نفسه فيها ، هذا الصراع الاجتماعي هو مايشغله ... يبحث عن شخصيه مصر كيف كانت وكيف اصبحت ، هل تغيرت ؟؟ ولماذا ؟؟ وكيف ستواجه كل مايحدث حولها ؟؟ هذا مايشغله الان ومنذ شهور طويلة ، شخصيه مصر وفقط ، يشغله اكثر من فكريه وهواجسها وغيرتها الحمقاء ، لايمنحها ماتتمناه فتشاكسه وتتمناه يفعل ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟ ...
يرفع راسه من بين اوراقه مبتسما ويهمس تاني يافكرية ؟؟ ويصمت ويغيب مع افكاره !!!

( 4 )
المايسترو

دخل عازف البيانو العجوز بشعره الابيض المتساقط وصلعته اللامعه وبذلته السوداء الانيقه بياقتها الستان البراقه ، دخل من البوابه الكبيرة للعماره العالية التي يقع فيها النادي الذي يعزف فيه علي البيانو الاسود القديم منذ اربعين عام ويزيد !!!
صعد السلم بخطوات بطيئه علي اقدام مرتعشه ، كم مره صعد هذا السلم ، كم مره هرع يجري متأخرا عن ميعاد عمله ، يدخل من الباب يجري صوب البيانو ، يصفق له جمهور الحضور ، يحبوه وموسيقاه الرقيقه ، كم مره غاب عن عمله ، ولا مره ، لايقوي علي قضاء امسياته الا امام ذلك البيانو ، اصابعه السوداء والبيضاء صارت اصابعه هو ، اطراف اعصابه ومراكز احساسه ، يعزف من روحه مقطوعات موسيقيه لاسعاد جمهوره المحب للحياه !!!!
هذه هي حياته ، النادي الليلي والبيانو القديم ومعزوفات الموسيقي الجميله !!!!
كان شابا ارعن احضره والده رغما عن انفه للخواجه ليمنحه الوظيفه ، اطاع والده علي مضض ، لكن البيانو العتيق اسره منذ الليله الاولي التي لمس اصابعه باصابعه !!! وقع في اسره واحبه ونسي احلامه بالسفر والهجره و.......... صارت المايسترو ناجي ، نعم ، الخواجه اطلق عليه لقب المايسترو ومن بعده الجمهور ، هو مايسترو فرقته الكبيرة التي هو والبيانو العتيق اعضاءها الوحيدين ، اليوم ، يصرخ الخواجه بالكلمات العربيه الممضوغه ، اليوم ، المايسترو ناجي سيسعدنا بموسيقاه كمثل كل ليله ، بقعه ضوء تقع علي البيانو ، تنتقل لاصابعه الرابضه فوق الاصابع البيضا السوداء ، تصفيق حاد وتبدأ الموسيقي !!!
هل مازال في العمر بقيه ياناجي لتعزف الموسيقي التي تحبها ولاتعرف غيرها حبا ولا وظيفه !!!
هل مازال في العمر بقيه ؟؟؟؟

( 5 )
ابراهيم باشا

اصغي ابراهيم باشا لوالده الوالي وهو يكلفه بقيادة حملة عسكرية ثالثة لشبة الجزيرة العربية ليقضي علي المتمردين  !! هناك سيثأر لشقيقه طوسون وهزيمته في الصفراء وهزيمته الثالثة في تربة  !!! هناك سيثأر للجنود المصريين ممن قتلتهم الاوبئة الفتاكة التي انتشرت في صفوفهم وقتما قطع المتمردين طرق المواصلات بين مكه والمدينه !!! هناك سينتصر عليهم ويحول بين فصل الحجاز عن جسم الدولة العثمانية وهناك سيقضي عليهم وينهي استئثارهم بالحرمين الشريفين .... اصغي ابراهيم باشا للوالي محمد علي جيدا ووعده بالانتصار الساحق عليهم و........... امتطي حصانه ورفع اصبعه يتوعدهم وكاد يتحرك صوب ساحه القتال ............ووقف الزمن وثبت فكان تمثاله الشهير في ميدان الاوبرا الخديوية في قلب قاهرة المعز ....
سنوات طويلة ربما قرون وهو ثابت فوق حصانه واصبعه مرفوع يتوعد ويهدد !!!
هكذا شاهد الملايين من العابرين المنشغلين بحياتهم وهمومهم تمثاله الشهير دون انتباه لمعناه وقيمته ، شاهده الملايين ولم يسألوا نفسهم من هذا الرجل ولماذا يمتطي حصانه والاما يستعد ؟؟؟ فقط الدكتور منسي همس لفكرية ، ده بيشاور علي الاوبرا يافكرية !!
يقفا معا في شرفة منزلهما ، يسكنا في بناية عتيقة عريقه في وسط القاهره تطل علي شوارعها وميادينها وتماثيلها العظيمة ، منذ تزوجا وهما يقطنا تلك البنايه ، رفض منسي طلبات ابيها للسكن في الضواحي الجديده للعاصمه ، رفض مصر الجديده ورفض مدينه الاوقاف ورفض العجوزه ،احياء جديده بلا شخصية بلا روح ، لو يملك لاخذها وعاش في الغورية او خان الخليلي ، لكن ابيها لن يقبل ولا هي ، اختار بنايه عريقه في وسط البلد وصمم عليها ، هنا في تلك البنايه هو في حضرة التاريخ يعيش لحظاته بمنتهي الاستمتاع الواعي ، تشبث برايه ولم يكترث برفضها للسكن في وسط العاصمه وشوارعها المخيفة ليلا بعدما ينصرف الاطباء من عياداتهم والمحامين من مكاتبهم وبعدما تنطفيء الانوار البيضاء من شبابيك البنايات المجاورة وبعدما تغلق المحلات التجاريه ابوابها وتطفيء دور السينما لافتتاها المضيئه ، وقتها لايبقي في وسط البلد الا الليل الموحش ، تشبث منسي برأيه فخضعت فكريه وابيها في النهايه لشطحاته العلميه واعتبرت فكريه ان قبولها السكن في وسط البلد تضحيه لصالح المستقبل العلمي لزوجها الذي لايشغله الا دراساته الاجتماعيه عن مصر وشخصيتها والعاصمه وهويتها والروح المصرية التي لايفكر الا فيها ..
يقفا معا في شرفه المنزل ، يتابعا المارة والمحلات والسيارات المكدسه واشارات المرور الخربة والمتسعكون امام المحلات والمقاهي الفارغة ، تكاد تلومه فكريه ، شايف ادي وسط البلد اللي كنت بتقول عليها اشيك حته في مصر ، شايف شكلها بقي عامل ازاي ، لكنها لاتقول له شيئا وتصمت ، تعرف ردوده ، هي ترموتر البلد ، اللي بيحصل في اي حته بيحصل هنا الاول ، تعرف كل ردوده عليها فتصمت بعدما تحدثت طيله الخمسين سنه التي عاشاها معا ولم يمنحها كل تلك السنوات اجابات او ردودا ترضيها!!!
يهمس لها وهما ينظرا لتمثال ابراهيم باشا فوق حصانه ، ده بيشاور علي الاوبرا الخديويه يافكرية !!
القت فكريه نصف جسدها من الشرفة واطالت النظر للتمثال ولم توافقه ، لا يامنسي ، ده بيتوعد الحجازيين اللي كان رايح يحاربهم !!! ضحك منسي ضحكات متلاحقه وهمس ، بيشاور علي الاوبرا يافكريه انت اللي مش واخده بالك وصمت ............ تنتظره يكمل حديثه ، لكنه لم يكمله ..
دخل من الشرفه وجلس علي مقعده الوثير امام مكتبه العريق وهمس لنفسه ، لاانت واخده بالك ولاحد خد باله ، انه قبل مايروح يحارب الحجازيين وهو بيتوعدهم ، وقتها كان بيشاور علي الاوبرا !!!
همس الرجل القابع فوق السحابة البيضاء البعيدة بجوار القمر ، في اذن منسي  ، لكن الاوبرا اتبنت بعد ماانتصر عليهم بسنوات يادكتور !!!
اشاح منسي للانسان البعيد لايعجبه حديثه ، ماهي دي بقي شخصيه مصر ، تشاور علي اللي حيحصل قبل مايحصل ، ابراهيم باشا كان عارف انه مش حينتصر علي الحجازيين الا بالاوبرا الخديوية ، الاوبرا كانت سلاحه السري اللي متأكد انه حيحسم انتصاراته في تلك المعركه وكل المعارك ...
رفع منسي راسه للسماء وابتسم للقابع بعيدا فوق السحابه البيضا ، الاوبرا الخديوية ، الاوبرا الخديوية ولاايه رايك ؟؟ ابتسم الرجل وغطس داخل السحابه وتظاهر بالنوم فلم يرد عليه !!!
فاهماني يافكرية ؟؟ لكن لا فكريه ولا العابرون بلداء تحت التمثال يفهموا شيئا !!!
طيب اشمعني يعني تمثال ابراهيم باشا في قلب القاهره في مصر المحروسة امام دار الاوبرا الخديوية؟؟؟ حد يقدر يقولي ؟؟
لااحد يجيبه .... لكن سؤاله مازال بلا اجابه في راسه ، يبحث عن الاجابه وهو يكتب اسطر كثيره متلاحقه في بحثه المضني ، شخصيه مصر !!!!
يتمني التمثال يبوح له باسراره والاوبرا الخديوية ايضا !!!
يتمني لكن احدا لم ينطق بعد !!!
هل ستنطق الاحجار ذات يوم ؟؟؟ يسأل الدكتور منسي نفسه وينتظر الاجابات كلها دفعه واحده !!!
في السنوات السبع التي ستمطر فيها السماء وتثمر سنابل القمح ، ستأتيه الاجابات دفعه واحده !!!
ايزيس تتابعه وتبكي وتبكي ، تكاد تهمس له ، هانت يادكتور ، لكنها لاتقول ولايسمعها ومازال ينتظر الامطار هو و تمثال ابراهيم باشا !!!
ابراهيم باشا مازال ينتظر لحظه هطول الامطار فوق راسه فتدب فيه الحياه مره اخري ويعود لمعركته الكبري التي انتصر فيها وسينتصر فيها مره ثانيه !!!!
ومنسي مازال ينتظر الامطار لتثمر حقول القمح سنابلها وتنتهي السنوات العجاف !!!
ومازال الزمن واقف ودولابه ثابت .... والجميع ينتظر تعود لهم الحياة !!!

( 6 )
من فوق السحابة البيضاء

رجل اثنين عشرة مائة الف ..
خطوات ثقيله تدب علي الارض ، ثقيلة كأنها تتمني تدك الارض والسماء فوق بعضهما ..
عشرة الاف ربما خمسين الف اكثر اقل
نساء كثر وسط الصفوف
ذقون شعثه وجلاليب بيضاء وملامح قاسيه واصوات تزأر عاليا
اعلام ورايات سوداء ترتفع فوق الرؤوس
علم راية اثنين الف عشره خمسين مائة الف
لو انك تجلس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار وجه القمر فوق المحروسة ، لشاهدت عاصفه سوداء تحجب الشمس والقمر فوق عاصمتها تلوح براياتها فوق الرؤوس في الشارع الطويل ..
لو انك تجلس فوق السحابة البيضاء البعيدة ، لسألت نفسك مثل الملايين ، من هؤلاء ؟؟؟!!!
من هؤلاء الذي تخلوا ملامحهم من العيون الفرعونية الكحيله والانف الرومانية والوجنتين النوبيتين والعيون الزرقاء التي تركتها حملة لويس التاسع اثرا علي الوجوه المصرية الجميلة ، بشرتهم ليس بيضاء وردية كاحفاد محمد علي ولا سمراء لامعه كاحفاد النوبيين ولا قمحيه مثل الفلاحيين الطيبين ولا سمرا عفية مثل الصعايدة اصل الوطن !!! 
احدا لايعرف كيف تجمعوا ومن اين اتوا !!
احدا لايذكر متي بدأت تلك التظاهرة الغاضبه !!
احدا لايعرف الي اين تتجه وماذا تريد !!!
لو انك تجلس فوق السحابة البيضاء البعيدة لشاهدت منظر غريب لم تعتاد مشاهدته وانت قابع فوق السحابه منذ قرون طويلة ، ستري تظاهره كبيرة تحمل اعلام سودا تحجب ضوء القمر وتحيل شوارع قاهرة سودا حالكا ، ستري مدينه اشباح متجمدة مكانها وكأن كل شيء ميت عدا تلك التظاهرة ، ستراها تتحرك وتصرخ وتهتف والكل نيام ، والكل موتي !!!
لو انك تجلس فوق السحابه البيضاء البعيدة بجوار وجه القمر ، للمحت دموع ايزيس تتجمع وتتجمع لاتنهمر ولا تتساقط ، دموع ايزيس تجهز لفيضان عاتي سيضرب جنبات المحروسة ، هل سيحطمها وجدرانها ومعابدها ، هل سيروي عطشها للخصوبه والنماء ، لااحد الان يعرف مالذي يحدث !!!
الشيء الوحيد الذي نعرفه جميعا ، انا وايزيس الباكية والانسان القابع فوق السحابه البيضاء ، كل مانعرفه ان المدينه وكأنها ماتت ، وان التظاهره الحاشده باعلامها وراياتها السوداء تتحرك صاخبه وكأن خطواتها تنثر موتا علي المدينه التي عاشت الف عام ولم تموت !!!!
صرخ الانسان القابع فوق السحابه البيضاء ...... الزمن توقف !!!
انتبهت ايزيس وابتسمت وهمست لحورس ........... الزمن توقف !!!
ابتسمت انا واعجبتني اللعبه العابثه التي نلعبها جميعا في عوالم الوهم..... الزمن توقف !!!
ونظرنا جميعا لدولاب الزمن الدائر فلاحظنا ثباته وتوقفه عن الحركة !!!
هذه لحظه خاصه جدا ، قد نعيش ونموت ونبعث ونعيش ولانراها ثانية ..
اللحظه التي توقف فيها الزمن عن الحركه ومات كل شيء !!!!
وسالت نفسي .... لماذا توقف الزمن ؟؟؟؟؟؟؟؟
يوم ارتفعت الاعلام السوداء في سماء قاهرة المعز ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 7 )
نوفي

حدقت في المرأة لاخر مره ، تراجع كل التفاصيل ، الكحل ثقيل كما تتمناه والروج لامع مغري ، خصلات شعرها تساقطت وكأنها لاتقصد فوق حواجبها الكثيفه وكأنها توزع عهود الهوي علي المشتاقين ، نظرت لجسدها راجعت كل التفاصيل ، فستانها الاسود ملتصق بجسدها البض ، حذائها الستان نظيف وشرابها الحريري مشدود  ، حمالات الفستان واسعه فتسقط احداهن علي كتفها تزيد اغوائها اغواء والثانيه تبقي لتحمل الفستان الثقيل علي كتفها الاخر ، حدقت في المرآة للمرة الاخيرة وسحبت حقيبه يدها الصغيرة وتأكدت ان مفتاح الشقه في قاع الحقيبه ومعه العازل الطبي الذي لاتنسي ابدا تحمله معها ، قلم الروج وقنينه العطر ومراية صغيره ومطواه قرن غزال  ، محتويات حقيبتها التي لاتستغني عنها ، حدقت في المرآة وكعادتها لوحت لنفسها وكأنها تودعها وبسرعه خرجت من باب الشقه بعدما احكمت اغلاق بالباب..
تسير علي قدميها صوب النادي ، قدميها يعرفا الطريق ، عشرات بل مئات المرات سارت في ذلك الشارع ، من منزلها للنادي ، شارع طويل ستقتل ملله بمشاهده المحلات ، شارع مظلم تنحرف له يمينا ، تتحسس مطواتها تحسبا لاي اعتداء غادر من شاب صايع لم يجد مايقتل به وقته الا التسكع في الشوارع المظلمه ، ميدان مزدحم بالسيارات والماره ، تنتبه وهي تعبره ، خوفا تاتيها سياره مسرعه كما حدث لها من خمس سنوات ، صدمتها والقتها ارضا وكانت ايام سوداء ، تسير علي قدميها صوب النادي او تقودها قدميها للمكان الذي تعرفه واختارته من كل اماكن وسط البلد مقرا لنشاطها !!!
اليوم الخميس والسهره طويله واخرها عميل يرهقها بعدما مني نفسه بليله عابثه مع حوريه من الجنة!!
ضحكت وهو تسمع صوت راسها ، يقولوا عليها في النادي انها حوريه من الجنه ، الكل جرب لياليها الحمراء والكل يشيد بها وببراعتها في فنون الغرام ، سنوات وهي تتردد علي ذلك النادي ، وقتما هربت من اخيها المدمن وركبت القطار ليحملها من بلدتها البعيده للقاهره ، هنا هربت من اهلها وهنا عاشت في الشوارع ونامت فوق الارصفه وهنا تعرفت علي معلمات "الكار" اللاتي علمنها اصول المهنه ، لم تخجل ابدا من مهنتها ، ولماذا تخجل ، هذه هي المهنه التي فرضتها عليها الشوارع ، اما الخدمه في البيوت واما ......... بيع الانبساط !!! طبعا اختارت بيع الانبساط ، لن تكون خادمه ينحي ظهرها وهي تمسح الارض ويعاملها اصحاب البيت معامله كريهه ويغتصبها ابنهم العابث كل ليله ويتقاسمها مع ابيه ان قرر الاب بسطوته ان تصبح تلك الليله التي تغيب فيها زوجته عن المنزل في لقاءها الاسبوعي مع صديقاتها هي ليله استمتاعه بجسدها والعبث به قتلا لوقت الملل حتي تعود زوجته ، لن اكون خادمه وسابيع الانبساط !!! وقد كان ، عانت ليال طويله ثم تعلمت وبسرعه فنون المهنه واسرارها ، لم تختر النادي ، لكن النادي هو الذي اختارها ، صاحبها عميل غريب عن القاهره للمكان ، رقصت وشربت واكلت واشاعت صخبا وبهجه لم يعهدها النادي ورواده العواجيز ، في اليوم التالي ، دخلت النادي وحيده وجله ، امس كانت مع عميلها واليوم تبحث عن عميل جديد ، خافت يطرودها من المكان ، جلست علي منضده بعيده وحين صدحت الموسيقي قررت ترقص وحيده ، تسللت للخشبه التي اعتبروها ساحه للرقص ، ادرك عازف البيانو انها سترقص ، عزف المقطوعات التي ستسمح لها باظهار كل مواهبها ومفاتنها ، رقصت وجله خائفه من ردود افعالهم لكن تصفيقهم العالي وصرخات الاستحسان شجعتها لترقص اكتر واكتر و............... عادت لمنضدتها لتجد العميل الذي تتمناه ينتظرها بكل شوق ، و......... صار النادي مكانها والمنضده البعيده مكتبها الذي تباشر منه عملها و...........منحها الخواجه اسما جديدا بدل الاسم الفلاحي الذي اختارته لها جدتها ، نفيسة  ، مافيش نفيسة ياحبيبي ، ده اسمه صعب تقيل ، اختار ، فيفي ، سوسو ، نوفي !!! صفقت بكفيها فرحه واختارت نوفي!!!

( 8 )
زحام

فجأ ، تنتبه المدينه المزدحمه بسياراتها ومبانيها القبيحه وبائعيها الجائلين وبضاعتهم الرخيصه الملقاه علي الارصفه واصحاب المحلات الخاويه من زبائنها والبنات اللاتي يقتلن الفراغ بمشاهده المحلات والسير وسط الزحام بحثا عن كلمه اعجاب ترفع معنوياتهن والشحاذين والكناسين ببدلهم الخضراء الرثه والنسوة اللاتي ينشرن الغسيل في الشرفات والشباب الكثر الواقفين علي نواصي الشوارع يبحث عن تسليه رخيصه لاتتطلب منهم نقودا عاجزين عن دفعها لانتشار البطاله وباعة الصحف علي الارصفة والبوابين ومنادين السيارات ، فجأ تنتبه المدينه المزدحمه بسكانها الفقراء والاغنياء ، ساكني الاحياء الراقية وساكني العشوائيات ، ساكني الاحياء العريقه وساكني الاحياء الشعبيه ، متوسطي الحال والاثرياء ، النساء في السوق والرجال علي القهوه والاطفال في الحارات الضيقه ، فجأ انتبهوا لصخب غير مألوف ، ضجيج ، هتاف ، انتبه الجميع وفتحوا عيونهم اندهاشا ، اعلام سوداء وهتافات غاضبه و...  مظاهرة .. مظاهره لكنها ليست مثل كل المظاهرات التي عرفوها وسمعوا هتافاتها وصرخوا بمنتهي الحماس خلف متظاهريها بل واندسوا وسطهم يهتفوا معهم ، مظاهره ... مظاهره غير المظاهرات التي اعتادوا يروها ويشاهدوها ويتابعوها !!!
عشرات مئات الاف العيون حدقت في تلك المظاهره واصحابها الغاضين واعلامهم السوداء وهتافاتهم المحتدمة وسالوا انفسهم سؤال لم يعثروا علي اجابته ...
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟  
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ومازال السؤال حائر يبحث عن اجابته ....
كاد الانسان القابع فوق السحابه البيضاء بجوار وجه القمر ، كاد يبوح للمدينة المندهشة عن ماهية الرجال ذو الاعلام السوداء من هم ومن اين اتوا ولماذا جاءوا ، كان يشرح لهم مايعرفه ، لكن ايزيس القابعه بجواره اشارت له يصمت ، من قال ان الفهم مفيد دائما ، لاتنشر فزعا لاتعرف كيف تداوي اثاره ونتائجه ، لو عرفوا من هؤلاء الرجال لاصابهم الفزع ، لن يصدقوا انهم بقايا الجيوش المنهزمة في المعارك البعيده ، لن يصدقوا انهم عادوا وتمالكوا انفسهم وجمعوا اسلحتهم وقرروا يثأروا من هزائمهم القديمه ، لو عرفوا حقيقتهم لخافوا ، فهم لم يعدوا العدة لانتظارهم لاستقبالهم لقتالهم ، لو عرف اهل المحروسه مالذي يجري في شوارعها لهزموا بغير معركه ، اصمت وانتظر !!!
وافقها علي مضض وصمت ينتظر المفاجأة التي ستصيبه دهشتها وقتما يتمالك اهل المحروسه انفسهم ويستدعوا كل ملوكهم وزعمائهم وقاده جيوشهم ويدافعوا عن انفسهم ووطنهم مثل كل مره سابقه وينتصروا !!!
همست ايزيس ... سينتصروا !!!
هز رأسه نفيا .... لااظن هذه المرة ايضا سينتصروا !!!
ابتسمت وانا انهرهم معا .... فلتصمتوا وتتركونا نستمتع بما نراه ، لاتبددوا متعتنا !!! انصاعا لرغبتي طائعين وبقينا نتفرج معا علي مايحدث في مصر المحروسة !!!
ومازال السؤال حائر يبحث عن اجابته ....
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 9 )
الاوبرا الخديوية ..

النيران مشتعله في الاوبرا الخديوية !!!!
الامبراطورة اوجيني تجلس في المقصورة الملكية وحولها الضيوف الامراء والملوك والباشوات والباكوات وموسيقي فيردي تصدح عاليه وعايدة تتسلل لمقبرة راداميش لتموت معه !!!
هل تبكي الامبراطورة اوجيني وهي تري عايده تنتحر حبا مع حبيبها ومليكها المحكوم عليه بالاعدام !!!
بالطبع لا ، الامبراطورة لم تبكي ولا اي من الحضور ، فقط بعضهم وخزه قلبه تاثرا بقصه من اجمل قصص الحب البشرية ...
النيران اشتعلت بعد قرابه مائه سنه واكثر من ذلك المشهد !!! فحين اندلعت النيران بسبب ماس كهربائي في المبني التاريخي العريق ، كان خاويا مطفيء الانوار بلاحراسة وكأنه مبني تافه بلا قيمة ...
اندلعت النيران وسرعان ماالتهمت المبني التاريخي وكل اسراره وعظمته وفنونه التي صدحت موسيقاها واغانيها بين الجدران الخشبيه العالية ..
المبني العريق الخشبي يحترق والسنة اللهب تصل للسماء !!!
حلقات واعاصير من دخان اسود تتصاعد للسماء !!!
لكن كل هذا لايتحرك ، لايحدث فعلا ، بل يحدث !!!
الزمن توقف لحظة الحريق ، فبقي الحريق مشتعلا والدخان الاسود يخيم علي سماء القاهرة ..
لم يقف الزمن وقتما كانت تجلس اوجيني في المقصورة الملكية ، ولماذا يقف الزمن وقتها ، كان وقتها سعيدا مبهجا تتألق فيه الارواح وتقاوم موات ثبات الزمن ، لكن الجدران الخشبيه الخاويه والموات الذي احتل مابين ضفافها لم تقوي تقاوم الحريق بل قدمت له نفسها قربانا كمثل عايده وقتما تسللت لمقبره راداميش ، هنا كان الموت وجوبيا للتاريخ والذكريات وقصص الحب والمبني العريق ، هنا قرر الزمن الا يتحرك ، ويحتفظ بلحظة الحزن ابديه فثبت ونشر الموات علي اللحظة!!
من بعيد .....وانت تقف بجوار الاوبرا الخديويه تبكي مثلي .... ستلمح رجل وامرأة يبكيا في شرفة منزلهما ، الدموع ماس يترقرق فوق وجنتيهما لكنه ثابت لاينزلق للارض ، علي الوجه ملامح الم ثابته ، هي لوحة وليست حقيقه !!!
بل هي حقيقه حدثت فعلا ، كانا يبكيا وقتها ، لكنهما الان يفعلا اي شيء اخر لانعلمه ، فمانراه لايحدث الان ، بل حدث منذ سنوات بعيده ، حدث وانتهي ..
لكن الزمن توقف في تلك اللحظه فبقيت امام الناظرين لاتنمحي !!!
لكن من يري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
من يري ابعد من اصابع كفيه وبوز حذائه !!!
بالطبع احدهم يري وسنسمع صوته وحين سيتكلم سينجلي الغموض ويتحرك الزمن !!
احدهم سيتكلم قريبا ومازلنا ننتظره ونتمني الا يطول انتظارنا !!!

( 10 )
النادل

ناده احد رواد النادي وساله ، ليه فانوس ، ضحك ، علشان انور في الضلمه ، ضحكوا !!!
الاضاءه خافته ، المتر فانوس يجمع الاكواب الفارغه ويرص زجاجات البيرة علي المنضده ، يمني نفسه باكرامية كبيرة ، الدكتور رؤوف كعادته سيجزل له العطاء ....
المتر فانوس اقدم الجرسونات في ذلك المكان ، دخله منذ زمن بعيد ، وقتما كان لايدخل المكان الا الاجانب ، يونايين علي انجليز علي فرنساويين علي المان ومعهم بعض اولاد البشاوات واولاد الحرام !!! يضحك فانوس ، كان صغيرا يجيد بعض الكلمات الاجنبيه ، بنجور بنسوار ، جود مورنج جود نايت ، هاي باي ، تلك الكلمات القليله اهلته ليعمل في نادي الخواجات ، ارتدي الجاكت الابيض ورابطه العنق السوداء والبنطلون الاسود ، كان نوبيا ، تلمع عيناه اندهاشا وتلمع اسنانه الناصعه وسط الليل ، ناداه الخواجه مدير النادي وساله عن اسمه ، قاله له فنسيه بسرعه من اثر الخمر الذي يتلاعب بوعيه ، لمح اسنانه الناصعه وسط الليل مضيئه ، ضحك الخواجه وصرخ ، انت منور ولد ولا فانوس و........... صار اسمه المتر فانوس حتي نسي الناس الاسم الذي منحه له ابيه ، ادريس ، لم يعد ادريس ، صار فانوس ، حتي هو نسي اسمه ولا يرد علي احد لو ناداه به ...
المتر فانوس يعرف كل رواد المكان وزبائنه ، يعرف الدكتور منسي وزملائه ، يأتون للنادي بالملابس الرسمية وكأنهم في اجتماع مع رئيس الوزرا ، بدله وكرافته واخر جدية  ، يجلسوا في طرف بعيد ، يشربوا ويأكلوا في صمت غريب علي طبيعه النادي ورواده ، يلحظ فانوس في بعض الاحيان ان منسي يقضي ليلته يشرب ماءا باردا ، يحتفظ بوعيه طيله السهرة ، يخرج من الجيب الداخلي لجاكتة البدلة مفكره صغيره يدون فيها ملاحظات كثيرة ، مرة تجرأ وساله ، بتكتب ايه يادكتور ، ابتسم منسي ، اللي بشوفه ، لم يفهم فانوس ، ايوه ليه يعني ، شرح له منسي ، علشان ماننساش بنشوف ايه ، علشان نفهم!!! لم يفهم فانوس وترك منسي وزملاءه علي منضدتهم يحس حدقات عيونهم كاميرات تصوير ترصد كل مايحدث في المكان بصمت ودون ازعاج للاخرين ، طيب يادكتورانا موجود لو حضرتك عايز حاجه ،يبتسم منسي فيطمئن فانوس ويعود لعمله ، سنوات طويله يري منسي في النادي ، يأتي كل يوم للنادي حتي صار من معالمه المعروفه ، يحبه فانوس ويشعر الطمأنينة لوجوده ، ويشعر فانوس ان منسي يحبه ،لم يقل له ابدا انه يحبه لكنه يشعر بذلك الحب يجتاحه ويطمئن روحه ، ذات مره سأله فاكر ايه اللي حصل ايام السد يافانوس ، هز فانوس راسه ، طبعا ودي حاجه تتنسي ، طيب مره عايزك تقعد وتحكي لي ، ماشي يادكتور ، مره تكون انت رايق وانا فاضي ونقعد نتكلم !!! نعم لم تأتي تلك اللحظه بعد ، لكن فانوس يعرف ان منسي يهتم لامره ويحبه وسيأتي يوما ويصغي لقصة وجعه هو وكل اهله ...
المتر فانوس يعرف كل رواد المكان وزبائنه ، يعرف مالذي يأكلوه ومالذي يشربوه ، يعرف من يأتي من اجل نوفي ومن يأتي من اجل زجاجه بيره تنسيه ما لايرغب في تذكره ، يعرف الرجلين الغريبين الذين يدخلا النادي وكأنهما متعانقين يتسللا للمناضد الخلفيه في الظلام ، لاحظ فانوس بعض الاشياء الغريبه لكنه لم يكترث ولم يخطر الخواجه بها ، ماليش دعوه ، ثلاثين عاما وانا ماليش دعوه ، هذا الرجل يقبل تلك الفتاه في الظلام ماليش دعوه ، هذا الرجل تتسلل يده تحت المنضده ويعبث بملابس السيدة التي تصطنع الوقار ماليش دعوه ، نوفي تسرق زبونها الذي فقد وعيه من كثره الخمر ، ماليش دعوه ، انا جاي اكل عيش وبس ، وغير كده ماليش دعوه !!!

( 11 )
المنادي

القي رجب ببصره بعيدا ، لاينظر للشارع الذي يقف فيه ، ينظر بعيدا للميدان والشارع الواسع خلفه ، هكذا اعتاد ، لاينظر ابدا تحت قدميه ولا امامه ، ينظر بعيدا ، هو منادي السيارات امام النادي ، زبائن النادي تعاني كثيرا حتي تصل امام بوابته بسبب ازدحام الشوارع ، يراقب الميدان ، يلمح سياره مرتبكه تتعثر في حركتها ، قائدها يبحث عن مكان يتركها  فيه ، متأخر علي ميعاده ، جميعهم يتأخروا علي مواعيدهم ، الشوارع زحمه لحد لايسمع لاحدهم يصل في ميعاده ، السياره عبء رهيب علي قائدها ، لايقوي يطويها ويدسها في جيب جاكتته ، يتمني يصل للنادي ويلقيها بعيدا ، يبحث عن رجب بلهفه كالغريق الذي يبحث عن سباح ماهر ينقذه من الموت ، رجب يراقب الميدان والشارع خلفه ، يراقب السيارات التي تبحث عنه ، لاينتظرحتي تصل اليه ، يجري بسرعه بقدمه الخشبيه وعكازه ، يفتح الباب وهو يحتفي بالعميل ويرحب بسلامته ، انزل ياباشا ، يريحه من العبء ويخلصه من السيارة التي تخنق انفاسه ، هكذا تعلم المهنه من المعلم الكبير الذي اصطحبه وهو سائر علي وجهه في الشوارع غريبا بعدما خرج من منزل ابيه ولم يعرف كيف يعود اليه ، اصطحبه المعلم واوقفه في ذلك المكان ، فتح عينك يارجب ، اطاعه وفتح عينيه ، ومرت سنوات طويله وهو يقف في نفس المكان ، مات المعلم وصار هو المعلم علي كل الصبيان في الحارات الضيقه والشوارع البعيده ، وهو في مكانه ، امام بوابه النادي  ومازال " مفتح " عينيه " قوي قوي " !!!!ا
وقفتي هنا مش اونطه ، هكذا يقول رجب لنفسه ، يعرف سكان المنطقه واسرارهم ، من يعود من عمله متأخرا ومن يكتئب فلايغادر منزله يومين ثلاثه ، يعرف حالتهم المزاجيه ، فتح النوافذ واغلاقها ، شكل الشرفات والغسيل المنشور ، يعرف حالتهم الماليه ، زجاجات الويسكي الفارغه وعظام الفخذ الضاني ، قشر البتنجان واكياس المكرونة الفاضية  الملقاه في سلال قمامتهم ، قشر اللب والمناديل الورقيه تمسح الدموع والهم ، يعرف كل صديقات الرجل العازب في العماره الكبيرة المطله علي الميدان ، احداهن تعطيه بقشيش كتير حتي يخفي سيارتها عن الشارع العمومي ، الثانيه تتسلل من التاكسي وتهرع لمدخل العماره بسرعه تخاف عيون المتلصيين والماره ، الثالثه ، تنزل من سيارتها بعدم اكتراث وسيجارتها مشتعله علي طرف شفتيها ، ترمي له المفتاح بلا اكتراث وكثيرا ما تبيت مع الرجل وتنزل في اليوم التالي ، تاخذ سيارتها صامته كما وصلت صامته ، وقفتي مش اونطه ، يعرف من غير سيارته ومن عاد مخمورا فحطم مقدمتها في الرصيف العالي الذي نسيه بعدما تلاعبت الخمر برأسه ، يعرف من يعيش وحيدا في منزله يتمني ونس ولو كان ونس البواب الذي يقص عليه مشاجرات بائعي الصحف ويعرف من يكره الصخب حتي ينكر وجوده داخل الشقه فلايفتح لزائريه ، يعرف كل سكان المنطقه ، وحين ماتت السيدة العجوز في شقتها ، انتبه رجب اول من انتبه ونبه البواب ان الست بقالها كذا يوم ماظهرتش ، يعرفها رجب وكثيرا ماساعدها وهي عائده لمنزلها مرهقه تحمل اكياسا ثقيله وكم مره داعبها وعرض عليها الزواج بدل الوحده التي تعيش فيها وكم مرة تحمل شتائمها وهي تصبها علي راسه من شرفتها لانه ايقظها من نومها مفزوعه بسبب صراخه في الشارع وكلاكسات السيارات التي يركنها ، وقفتي هنا مش اونطه ، يعرف الدكتور منسي جيدا ، وقتما وقف امام النادي ليركن السيارات شاهد منسي مره واثنين يأتي للنادي سيرا علي قدميه بلا سياره ، انتظر يظهر بسيارته لكن انتظاره طال ، ساله ، فين عربيتك ياباشا ، ضحك منسي ، اولا انا مش باشا ، ثانيا معنديش عربيه ، لاحظ منسي الدهشه ترتسم علي وجه رجب ، ايوه معنديش عربيه ، مابحبش السواقه ، بحب المشي علي رجلي ، بس مش مقامك ياباشا ، تاني باشا ، المدام معاها عربيه لما بنكون رايحين مشوار بعيد بتسوق هي ، انا باحب الشوارع والمشي فيها ، ارتبك رجب وتمني يسأله ، ليه ياباشا غاوي شقي ، لم يسأله خجلا ، ضحك منسي وشرح له دون سؤال ، الشوارع هي الحياه ، طول ماانت ماشي بتشوف وتتفرج علي حاجات عمرك ماتشوفها وانت راكب عربيه ، صح ياباشا بس برضه ، ضحك منسي ، مافيش فايده فيك ، قلت لك انا مش باشا ، رفع رجب يده بالتحيه العسكريه لمنسي ، نورت ياباشا ، فتركه منسي وهو لايكف عن الضحك وصعد السلم في طريقه للنادي وتمني لو وقف علي جانب واخرج مفكرته وكتب سؤال فجره رجب في عقله ، ليه بيضرب تحيه عسكريه مع انه عارف اني مش ضابط ولاباشا ؟؟؟ لكنه لم يفعل واكمل صعوده علي السلم ، وبقي السؤال في راسه ، ليه صحيح ؟؟؟؟

( 12 )
النادي

اذا تسللت من الباب الكبير خلسة ، ستجد اغرب مشهد امامك ...
مناضد كثيرة ، مفارش بيضاء وشموع لايتراقص لهيبها ، فهو ايضا ساكن مثل كل شيء حوله !!!
هنا كانت حياة وبشر وموسيقي وضحكات صاخبه ..
لكن الزمن توقف .. فثبت كل شيء علي حاله !!!
لهيب الشموع ثبت مكانه ، بعض اللهب يمينا والبعض يسار !!!
السيدة التي ترقص علي ساحه الرقص الخشبية ، تميل بجذعها للخلف وثبتت علي حالها ، لم يمنحها الزمن قبلما يثبت فرصه ليعود ظهرها مستقيما ، النادل الذي يصب الماء في الكوب امام الدكتور منسي تراه في اغرب مشهد ، الماء متجمد مابين الزجاجه التي في يده ومابين الكوب التي في يد الدكتور منسي وابتسامه مرسومه تزين الوجهين ، نوفي تميل برأسها علي كتف رجل لانعرفه وهو يكاد يحتضنها ، لكن رقبه نوفي مالت علي كتفه ولم تعود وذراعه تعلق في الهواء لم يصل لكتفها ... اصابع المايسترو ناجي متيبسه فوق اصابع البيانو التي يرتفع بعضها وينخفض الاخر والنغمات الموسيقيه مبعثره في الهواء ثابته مكانها لم تصل لاذان المستمعين فتطربهم ، بعض اللمبات الصغيره مضاءه والبعض الاخر مظلم ، عقود اللمبات الصغيره تزين الشبابيك العالية ، بعضها يشتعل والبعض الاخر ينطفي ، وحين ثبت الزمن ، ثبت اللمبات علي حالها ... نسمات الهواء التي دخلت من النوافذ العاليه ، ثبتت في مكانها ، بعضها اخذ الستاره الحريرية وتحرك بها وثبت وثبتت وبعضها ازاح خصلات الشعر البنية من علي جبهه السيدة الجميله التي تجلس بعيدا عن ساحه الرقص تنظر في ساعتها ، تحرك الخصلات بعيدا عن جبهتها وثبتت ومازال عنقها ملتوي وهي تنظر للساعه التي ثبتت عقاربها كلها حتي عقرب الثوان ....
مالذي حدث لهذا المكان ، مالذي حدث لهؤلاء البشر ؟؟؟هل وقف الزمن داخله فقط ويتحرك في بقيه الدنيا ، هل وقف الزمن في الدنيا كلها فشمل المكان ورواده؟؟
 نحن الان لانعرف مالذي يحدث ، لكننا بالقطع سنعرفه وبسرعه !!!!
مالذي حدث لهؤلاء البشر ؟؟؟ هل رش في المكان غازا اشل حركتهم ، غازا خصص للبشر لتجميدهم كالتماثيل الصماء ، لكن لهيب الشمعه ثبت مكانه واصابع البيانو ونسمه الهواء والماء المسكوب والنغمات الموسيقي التي خرجت من اصابع البيانو واوتاره ولم تصل اذان المستمعين !! كل شيء ثبت وتجمد في ذلك المكان ، الزمن ثبت فماتت كل الاشياء وهي حية !!!! ماتت لاتتحرك لاتتنفس لاتنبض قلوبها ولا تتحرك ذراتها ، لكنها حية مازالت حية ، حين يتحرك الزمن ، ستعود الحياه لكل الاشياء ، ستعود الحياه للحياة !!!!
هل هذا المشهد الغريب فقط داخل النادي وبين رواده !!!!
يبدو هذا ...
كيف عرفنا ، لان ، الصوت الغاضب الهادر العالي للمظاهره الحاشده التي سارت تحت الشرفه البحريه الكبيرة للنادي مازال عاليا يصم الاذان ، نعم ابتعدت المظاهره عن الميدان ودخلت احد الشوارع الكبيرة بعيدا عن النادي ، لكنها مازالت تسير في طريقها ومازالت اعلامها السوداء عاليه ترفرف ومازال صراخها يحتل سماء العاصمه المذعورة ........
الزمن ثبت في النادي وخيم بموته فوق رؤوس رواده !!!!
لكن المظاهره مازالت تتحرك في طريقها لم يثبت زمنها ولم يتجمد روادها ومازالت تصرخ والاعلام السوداء فوق رأسها !!!!
تسائل احدهم ولماذا ثبت الزمن في النادي ؟؟؟
فاجابه احدهم ولماذا نام اهل الكهف ثلثمائه سنه داخل الكهف ؟؟؟
انتفض الاول غاضبا ، وهل تشبه اهل الكهف برواد النادي ؟؟
ابتسم الثاني ببرود ، من قال اني اشبه هؤلاء بهؤلاء ، فقط الزمن ثبت هنا وهناك ، هذا وجه الشبه ولعل هناك حكمه ما من خلف ذلك التشابه و...................... مالهم رواد النادي ، تتحدث عنهم وكأنهم تسبهم ؟؟؟ نظر له الاول نظره حانقة ولم يرد عليه ...
مازال الزمن ثابت والوقت لايتحرك والحياه متجمده وكأنها ماتت و............. بدأت الحكاية التي يعرفها الجميع ولايعرفوها !!!!
احكي لنا ايها الزمن ، لماذا رحلت بحياتك من النادي وبين رواده وتركت المظاهره باعلامها السوداء تتحرك في طريقها وكأنها منحازا لها ولروادها !!!
ضحك الزمن ضحكات شريره متتالية وصرخ في وجوه الاحياء والاموات ، اغبياء كنتم ومازلتم ، لاتفهموا عاجزين عن الفهم والتفسير ، ربما اسوقهم لحتفهم وانقذكم !!!!
ضحكات شريرة عاليه متلاحقه ، هي الموسيقي التصويرية الصاخبه لتلك الحكايه !!!
من قال هذا ؟؟
الموسيقي التصويرية الصاخبه لتلك الحكايه مزيج من ضحكات شريره عاليه متلاحقه ومابين هتافات صاخبه عاليه و............. صوت مخروس محبوس وسط صدور وحلوق اصحابه الذي حرمهم الزمن مؤقتا من الحياه وقتما اوقف عقارب ساعاته وثبتها و........... جمد المشهد !!!!

( 13 )
الاسود الاربع

همست الاسود الاربع علي ضفتي الكوبري ، لازم نتحرك !!!
من تحت اقدامهم مرت التظاهرة براياتها السوداء ، تخترق المدينه وتتجه لنص البلد ، هناك المباني التي بناها ابو السباع ، هناك المنمنمات الانيقة والزينة البديعة تزركش الشرفات والنوافذ ، هناك الجمال والتاريخ ستدهسه تلك التظاهرة ، سيصبوا الشمع السائل فوق رؤوس التماثيل والمنحوتات البديعة ، تمثال طلعت باشا حرب سينزعوه من مكانه وتمثال ابراهيم باشا سيرفعوه من فوق حصانه ونحن ، نحن سنغطي بالشمع لتضيع ملامحنا وعنفواننا وقوتنا ونتحول لكتل حمقاء بلا روح يبصق عليها العابرون !!
لازم نتحرك .... همست الاسود الرابع علي ضفتي الكوبري !!!
وتسللت الاسود الاربع من فوق منصاتها وتركت الكوبري غريبا مثل بقيه المدينه وسارت صوب الاوبرا الخديوية ، هناك سنختبيء حتي تمر عواصف الرياح الرملية التي تحتل سماء المحروسة ، هناك سنختبيء ولن يقوا يقتحموا المكان ويغمرونا بالشمع القذر ولا يكسروا قوتنا ، هناك ، سنختبيء حتي تصحو السماء وتسطع زرقتها فرحا فوق المدينه العريقة ، سنتحرك صوب الاوبرا الخديوية !!!
صاح احدهم ، لن نختبيء ، بل سنحمي الاوبرا الخديويه من العواصف الرمليه واعاصير البلاده ، سنحميها حتي تنتهي الزوابع وتبقي شامخه ، وقتها سنعود لمكاننا علي ضفه النهر المقدس وعتبات المدينة القاهرة ..
تحركت الاسود الاربع ببطيء وكأنها خيالات لايراها الماره البلداء في الشوارع المكتظة بهم ، من يري الاسود تسير بجواره لايصدق عينه ويخاف يخبر رفاقه بما يراه ، سيتهموه بالجنون ، سيسخروا منه ، يختار الصمت ويقرر ان الاسود الاربع لاتسير بجواره و.. ينغمس اكثر داخل نفسه فارا من كل مايحدث وكأنه لايحدث !!!

نهاية الجزء الاول
يتبع بالجزئين الثاني والثالث