مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الجمعة، 4 أبريل 2014

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء الخامس


الجزء الخامس  

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود



( 22 )
ابراهيم

سأرحل اليوم عن الحياة ، لست فقط لاني هرم عجوز ، ولا لاني مريض بامراض الشيخوخة ، بل لاني ايضا لاارغب في الحياة ، لاارغب في مزيد من اوجاعها وثقلها علي قلبي ..
لن اغفر لنفسي ماارتكبته في حق نجية وقتما زوجتها للكهل العجوز متأثرا بالحاح امها بضرورة تزويجها والا بقيت عانس ، اما الكهل العجوز واما العنوسة ، يالها من اختيارات قاسية ، اليوم وبعدما مرت كل السنوات ، لو املك اعيد الحياه من اولها ما اجبرتها تتزوج ذلك الرجل ، لو املك لابقيتها عانس تؤنسني في البيت ، لن اغفر لنفسي ابدا مافعلته فيها ، سألتني ذات يوم حزين ، هو انت ماكنتش قادر تأكلني ، يومها تمنيت لو اخذها في حضني ، لكني شللت ، سؤالها حزين مقهور مثلها ، لاتشكو لي حياتها البائسة ولا معاملة زوجها السيئه ولا عذاباتها ، لاتشكو لي لكني اري كل ماتعيشه دون شكوي ، هي امك ، امك التي خافت عليك تعنسي وتبقي دون زواج كسيرة النفس مقهورة وكل قريناتك يتزوجن وينجبن ويدخلن دنيا ، امك خافت عليكي فاقنعتني ازوجك لذلك الرجل ، تجاهلت مخاوفي وسلمت عقلي لها ، وكان ماكان ، ليتك بقيتي عانس في بيتي بدلا من السم الذي تترجعيه كل يوم في بيته دون شكوي ، انا السبب ، ليس من الرجوله ان القي المسئولية علي عاتق زوجتي الرعناء ، هي ام كمثل كل الامهات وتفكر بعقليه محدوده ، انا السبب ، لست السبب في زواجها من الكهل بل السبب في افساد حياتها ، عندما انجبتها صماء كنت شاب صغير ارعن ، تمللت من ثقل مسئوليتها بل وخجلت منها ، كيف اخجل منها وهي ابنتي ، اليوم اعرف ان مشاعري كانت رعناء حمقاء كمثل الشباب في ذلك السن ، لكني وقتها احسست خجلا منها وضيق من امها لانها انجبتها مثلما انجبتها ، الحق اني لم احب امها ابدا ، ولم ارغب في الزواج منها ، لكن امي لم تترك لي خيارا واجبرتني بنعومه وتسلط علي الزواج من ابنة اختها الموعودة لي ، وحين فررت من اسر امي وابنة اختها ، وتزوجت من احب ، نعم ، ام حياة هي المرأة التي احببتها ، احببتها قبلما اتزوج من ابنة خالتي وكسرت قلبها عندما عجزت افي وعدي معها واتقدم لابيها واتزوجها ، كانت جارة عمتي وقمر بدر ، كنت اراها وقتما ازور عمتي ، تظهر احيانا في الشرفه واحيانا المحها تسير مع امها في الشارع ، اعجبت بها والقيت لها خطابا فردت علي والتهب الحب بيننا ووعدتها اتقدم لخطبتها متجاهلا او ناسيا او رافضا وعد امي وخالتي ، تصورته وقت الجد سيتهاوي امام رغبتي في الزواج بمن اعجبت واحب ، قبلما افاتح امي في الامر اخبرتني بميعاد حفل الخطوبه وقبلما افيق واتمرد كان الزفاف ...
هل كنت ضعيفا ، جدا ، كنت ضعيفا جدا ، ولكني بشر ضعيف مثل الملايين غيري ، ضعيف امام امي ولاارغب في اغضابها ، ضعيف امام حبيبتي التي فررت من حياتها واختفيت وعرفت من عمتي اني تزوجت ابنة خالتي ، سمعت وقتها انها بكت حتي مرضت وان امها اخذتها تزور اولياء الله الصالحين والمقامات وان اول من طرق باب ابيها لخطبتها قبلته ، عرفت بعد زواجي بعدة شهور انها تزوجت ، غضبت يومها وتشاجرت مع زوجتي وكدت اترك البيت لها واختفي ، لم تفهم زوجتي سر غضبي لكنها اخذت تبكي وتبكي فضجرت منها اكثر وكرهتها اكثر ....
حبيبة قلبي تزوجت ، طعنه غادره في قلبي، احدق في زوجتي واكرهها اكثر ، انت السبب الذي اجبرني احطم قلبي بيدي ، عشت ثلاث سنوات اتعذب مع ام نجية واعايرها بأبنتها الصماء ، كنت قاسي جلف ، اعرف ، لن اكذب فانا الان علي فراش المرض ، كنت قاسي جلف معها ومع حبيبة قلبي ، ومع ابنتي ، لكنه الشباب ورعونته عليهما اللعنة ، كنت اتابع شأن حبيبه قلبي واخبارها ، سمعت ان زوجها عربيد سكير وانه يسيء معاملتها ، كيف تجروء تسيء معاملتها ايها الجلف ، اليوم لابد لي اضحك علي حمقي ، هو كان يسيء معامله حبيبة قلبي وانا اسيء معاملة زوجتي ، والكل بائس ، عرفت من عمتي ذات يوم انها طلقت وعادت بيت ابيها كسيرة الخاطر ، هل عدت ذلك اليوم لزوجتي وقبلتها من وجنتيها فخافت مني لاني لم افعلها منذ وقت طويل ، لااتذكر ، كل مااعرفه اني صممت اعيدها لقلبي وادخلها في عصمتي ، طرقت باب بيت والدها ، طرقت الباب وقلت لهم علي كل الحقيقه ، اني متزوج ابنة خالتي التي وعدت ليها لكن الشرف كل الشرف سيكون لي وقتما يقبلوني زوجا لابنتهم ، رحبوا بي فمن الذي في زمننا يتقدم للزواج بمطلقة ، الكل يفر منها ويلومها لانها طلقت مهما كان زوجها معيبا عربيدا فاسقا ، عليها تتحمل ولا تطلق ، اما وطلقت فهي المخطئة المدانة ، رحب بي ابويها وسرعان ماتزوجنا ، سافرت في مأموريه عمل عشره ايام ، هكذا اخبرت زوجتي ، واختفيت من حياتها ، عشت اجمل عشرة ايام في حياتي مع حبيبة قلبي ، عدت من شهر عسلها لقبح حياتي ، نفرت من زوجتي وابتعدت عنها ، يوم والثاني وفي الثالث سألتني فيك ايه وفي العاشر تجرأت وسألتني هو انت اتجوزت ، كنت انتظر هذا السؤال لاصارحها بالحقيقة ، نعم ، لم تصدق ، ثم صدقت وانهارت ، ثم حملت ملابسها لبيت ابيها ، هذا مااريده بالضبط ، اتصل ابيها وطلب اطلقها لاني خائن وتزوجت عليها ، لم اقاوحه ، اطعته وكأني صاغرا ، تحررت منها ومن الوعد والمكتوب ، اعيش مع حبيبة قلبي اسعد ايام حياتي ، لكن امي لم تتركني اهنأ بما احبه ، تدخلت ، هددتني اغوتني اغرتني هددتني ، لماذا ضعفت ، هل اشفقت علي نجية ، هل اشفقت علي امها ، الحق امي افسدت حياتي بتدخلها ، اعدت ام نجية لعصمتي ، فقدت شهيتي للحياة ، استشعرت حبيبة قلبي فكذبت عليها لم اصارحها ولن ، سابقي هكذا زوج المرأة التي لا احبها حتي اهنأ بحياتي مع المرأه التي احبها ، انجبت حياة ، جميلة كمثل حبنا ، اسمتها حياة وكأنها كانت تعرف الغيب ، لن اغيب عن حياتك ، سامنحك حياتي لتعيش معك وفيك ، كأنها كانت تعرف الغيب وسرعان ماعرفته ، ام نجية صممت اطلقها ، وامي ساندتها ، واخبرتها اني اعدت زوجتي القديمه لعصمتي ، لم تتحمل نذالتي للمرة الثانية ، مره هجرتها ومره جرحتها ، عادت بيت ابيها تحمل ابنتي ،وسرعان مااتصل بي ابيها واخبرني برغبتها في الطلاق ، اخبرني انها لاترغب تربي ابنتي ولاتري وجههي ، طلقتها صاغرا ، نذلا للمرة الثانية والاخيرة ، طلقتها واخذت ابنتي واختفت من حياتي ، سألت عنها عمتي فنهرتني لاني خذلتها امام جارة العمر الحبيبة وتزوجت ابنتها لهوت بها وطلقتها بنذاله وتعسف ، اختفت من حياتي ومعها الفرحه ، وبقت حياة جزء منها ينمو امام عيني كل يوم ، هل احبها اكثر من نجية ، الحق لا ، احبهما كمثل بعضيهما لكنها من رائحه الحبيبة الغاليه والثانيه ابنة المفروضه علي بالوعد ، مشاعري لااملك فيها شيئا ...
اليوم هو اليوم الاخير في عمري ، ظلمت نجية وظلمت امها .. وظلمت حياة وظلمت امها ، لن اسامح نفسي واتمني يسامحوني ، هل سيسامحوني ؟؟؟
اغمض ابراهيم عينيه ليرحل ، وسرعان مارحل ... بكته ام نجية وابناءها ، بكته من قلبها ، تعرف انه لم يحبها وانها فرضت عليه ، لكنها احبته الحب الكافي لتبكي عليه حزينه مقهورة لان سندها في الحياة رحل وتركها ....
هل رأي بعينيه نجية وحياة يبكياه حزنا ، هل لو شاهدهما لاستراح في رحلة رحيله الاخير وعرف انهما رغم كل شيء سامحاه ، ام نجية ايضا سامحته ، لم تسامحه اليوم لرحيله ، سامحته منذ زمن بعيد ، بعدما طلقها واعادها لعصمته ، بعدما ربي اولادها وكد عليهم ، بعدما راعاها وقتما مرضت وبذل كل جهده ليرضيها وربما ليسعدها ...
اما ام حياة ، فلانعرف سامحته ام لا ولا هو ايضا ....

( 23 )
2014

مازالنا داخل الحجرة ، كاتمين انفاسنا صامتين ، نشفق علي العجوز الراقدة علي فراشها تتأوه وتتوجع ، قضت ليلة صعبة طويلة ، صوت صراخها شق سكون الليل حتي بكت جارتها العجوز في الدور الثالث ، تمنت لو نزلت لها وجلست بجوارها ، السلم صعب وساقيها واهنتين ولو نزلت لن تقوي تصعد ثانية ، تبكي وتتمني لو نامت بجوارها تقرا لها ايات من القرأن يهدء روعها ويزيح عنها الاوجاع والهم ، نهرتها ابنتها لانها لاتكف عن البكاء ولان حالة نجية متأخرة ولن يفيدها الا الدعاء و.. ادعي ياماما من مكانك رب هنا رب هناك حيسمع دعاكي ويستجيب ، تبكي الجارة العجوز وتمصمص شفتيها تأسيا وشفقة علي الست نجية التي لم تري في حياتها يوم واحد عدل ، هذا ماتحسه الجارة العجوز من وقت سكنت في شقتها عروس جديد وبعدما غادرها زوجها في نهايه شهر العسل ، طرقت نجيه باباها تحمل لها الكعك والبسكويت وهنأتها بالزواج السعيد ، تصورت فريال ان زوجه المالك العجوز الذي قص عليها زوجها تفاصيل مقابلته وقت تحرير عقد الايجار ، تصورتها عجوز مثله ، فوجئت بنجية شابة ربما اكبر منها بضعه سنوات ، لكن الهم الملقي علي كتفها اشاخ روحها فبدت اكبر بعشرات السنوات ، لاحظت فريال ان الست نجية لاتسمع كل كلماتها وتناهي لسمعها في بعض اللحظات وهن يحتسين الشاي صفير مزعج لم تعرف سببه ، لاحظت ارتباك الست نجيه كلما تعالي الصفير ، فهمت فريال ان السماعة الطبية التي تخفيها الست نجية تحت شعرها الاشعث لاتعمل كما يرام ، مازالت فريال تتذكر صراخ نجية بعدما يعود زوجها من نزهته النهارية ، يصرخ فيها لاسباب لاتعلمها فريال ، تسمع صوته مجلجلا فاضحا ، لاتفسر عباراته فهي في الدور الثالث والست نجية في الدور الارضي ، لكن دوي صوت المالك العجوز يكاد يكسر النوافذ وزجاجها ، تهرع علي الشباك لتدرك الامر لكنها لاتري شيئا ، صوت مشاجرتهما يدوي في الشارع الخالي ، نجية تصرخ ، ربما تبكي ، لاتسمع كلماتها الممضوغة وسط الصراخ ، لكنها تسمع صراخها عاليا تدافع عن نفسها من بطش الزوج العجوز الذي يفرغ كل حنقه علي الحياه فيها متصورها قليلة الحيله مستباحه ، هي تدافع عن نفسها بالصراخ في وجهه ،ربما ترفع صوتها علي صوته حتي لاتسمع كلماته الموجعه المؤذيه التي يكيلها لها ببرود ولا كأنه يقتلها ، كل هذا الصراخ تسمعه الست فريال قبلما يعود زوجها من عمله ، كل هذا الصراخ تسمعه الست فريال يوميا ، لم يكف عبد الهادي يوما عن الصراخ في زوجته ومشاجرتها ولم تكف نجيه عن الصراخ في وجهه تدافع عن نفسها .....
واليوم الوحيد الذي تسمع فيه الست فريال صراخ نجية في ميعاده المعتاد ، في ذلك اليوم مات عبد الهادي ....
تبكي فريال وتبكي لانها عاجزة عن مساعدة نجية وهي تصرخ في فراش مرضها صراخا موجعا وكأن عبد الهادي عاد من موته ليعذبها قبل رحيلها ...


( 24 )
حياة

اشترت لي زوجة ابي فستان ستان ورديا لاحمل الذيل الطويل لفستان نجية يوم زفافها ، صفية ارتدت فستان ابيض بشرائط اورجانزا و"علي" ارتدي بذله كحلي ورابطه عنق اشتراها له ابي خصيصا لزفاف نجية  ، جدتي منحت انصاف وزبيدة ابنتها نقودا ليشتروا جلاليب جديدة ، جدتي اخرجت الكردان الذهب البندقي واعطته لنجية لتجربة قبلما ترتديه ليلة العرس ، اربعه ايام متبقيه علي رحيل نجية من بيت ابي ، جدتي تدعو لها بالخير والرفاء والبنين وتوصيها تطيع زوجها وتحفظ غيبته وتراعيه وتراعي ماله ، امها تنزل معها كل يوم لشراء مستلزمات الجهاز ويعودا اخر النهار باكياس وشنط ، زوجة ابي سعيدة وتدعو كل جيرانها لحضور كتب الكتاب ، نعم فابيه عبد الهادي رفض بعنف وقوة حفلة الزفاف الكبيرة التي اقترحتها زوجه ابي ، جدتي قالت له ان محمد قنديل سيغني في الفرح وكارم محمود ايضا ، قالت له انها ستتحمل كل التكاليف توفي ندرا في ذمتها لنجية يوم ولدت ، لكن العريس رفض واخبر ابي انه ابدا لن يقيم حفل زفاف ولم يسير وامامه العوالم يدقوا الدفوف ولن يجلس علي مقعده كالصغار يتفرج عليه المدعويين وينتفوا ريشه بسخريتهم بعد انتهاء الحفل ، ابيه عبد الهادي اوضح لابي انه سنه ومركزه لايسمح له بعبث الصغار ، وافقه ابي صاغرا وحاول يقنع امي التي لم يعجبها الكلام وبكت حانقة علي العجوز الذي سيميل بخت ابنتها وبكريتها واول فرحتها ، كانت تحلم بالفرح الكبير الذي ستقيمه لها ، هددها ابي يرد للرجل شبكته ويفسخ الخطبه واستني بقي براحتك اللي يعمل فرح ، ارتعبت زوجته وخافت من بقاء نجية في بيت ابيها كالماء الراكد ، جدتي نصحتها تتناسي الفرح وذكرتها بقسوة ان سماعة نجيه ستصفر بانينها الموحش حينما يتعالي صوت الصخب كالعاده ، قالت لها جدتي ان الفضيحه حتبقي بجلاجل واللي مايشتري يتفرج ، رضخت زوجه ابي واكتفت بحفل علي الضيق في البيت وعشاء بعد كتب الكتاب ، اشترينا الاثواب الجديدة واستعدينا كلنا لليلة الكبيرة ، زوجه ابي ترتب لنجية حقائب ملابسها وذهبنا جميعا لشقة الحسين لتنظيفها وفرشها بالمنقولات الجديده التي اشتراها ابي لنجية ، العماره قديمه والسلم مظلم والشقة مظلمة حتي في النهار ، زغرطت انصاف وطالبتها تدخل برجلها اليمين ورقصت زبيده علي دقات كفوفنا ونحن نغني فرحين بنجية ، جميعنا فرحين الا هي ، هكذا اتصور واشعر ، سألتها اكتر من مره انتي مبسوطه ترد عادي ، لايعجبني ردها ولا تملك غيره ...
عادي ؟؟
في ليلة كتب الكتاب بكت ، افهمتني زوجه ابي ان كل العرائس تبكي لوداع اهلهن وخوفا من المسئولية الجديدة ، تجمعنا وكل صديقاتها معها في الغرفة نضاحكها ونلهو معها ، فستانها انيق والكردان الذهب البندقي يزين جيدها ، المزين حاول قدر جهده بالمكواة الحديديه يلين اسلاك الصلب السوداء التي تتبعثر فوق رأسها ، فردها ولينها ورفعها فوق رأسها فطيرة ووسط التاج الماسي الزائف حولها ، امرتها زوجه ابي تخلع سماعتها الطبيه لانها ستفسد صورالزفاف ، لكنها رفضت وتعصبت وتلعثمت الكلمات بين شفتيها ، احتقن وجهها ونفرت عروق رقبتها كأنها تسب امها لانها تصمم في كثير من الاوقات تلغي وجودها وتواصلها مع العالم الخارجي ،لو خلعت سماعتها لتلاشت واصبحت غريبه عن الحفل والاحتفال ، اليوم يومي انا وانا من سيقرر ، نظراتها تقول هذا ، رضخت زوجه ابي ، وكأنها خجله من صمم نجية وثقل اذنها ، لم تري جمالها ليلة عرسها ولم تنتبه لرقتها ولا اناقه ثوبها ، فقط شاهدت السماعه الطبية وخجلت منها ، لكن نجيه علمتها درس انها لاتخجل من نفسها ولا من علتها ولو كان يوم فرحها وليذهب العالم كله للجحيم وسخريتهم وضحكاتهم المتواريه المهم بالنسبه لها تقوي تسمع عريسها وكلمات المأذون وتعليقات الضيوف ، المهم ان تبقي موجوده حيه علي قيد الحياة في اهم لحظه في حياتها كما قالت جدتي ....
مرت الحفلة سريعا وتعشي المعازيم وارتدت نجيه شبكتها الانيقة الغاليه التي اكمل ثمنها ابي كما اسرت جدتي لانصاف ، اخوات ابيه عبد الهادي وزوجات اخوته لايعجبهن نجية ، هن لايقلن هذا ، لكن النظرات المتلصصه التي يختلسوها للسماعه تحت الطرحه التل تفصح عن عدم اعجابهن بحالها ، انصاف تقسم لجدتي انها سمعت الاخت الصغري وهي تلوم الاخت الاكبر لانها دبست اخيها في تلك العروس ، ضربت جدتي علي صدرها ، ال رضينا بالهم والهم مارضيش بينا ، ده شايب واكبر من ابوها ولو سليمه وزينه البنات نبليها بعجزه ليه ، جدتي تعرف ان العريس لايليق بالعروسه وسنوات العمر بينهما اكبر من قبولها لكن زوجه ابي وايضا جدتي والحق يقال ارادا التخلص من نجية حتي لاتعنس وتبقي بسبب علتها حجرا راكدا علي قلبهن ... وخرجت نجية من بيت ابيها لبيت الجيران كما تقول الاغنيه التي اخذت زبيده ترددها وهي تطبل علي صينيه الشربات الكبيرة وتزغرد ، كلنا ودعناها وتمنيا لها الخير ، لمحت دمع متواري في عين ابي وعين جدتي ، زوجه ابي كانت مشغوله بذيل الفستان ونهرتني لاني لم احمله كما اتفقت معي وقت خروج نجيه من البيت ، خرج العريس بسرعه من الباب ، سحب ذراعه من ذراعها واوصاها تلحق به لان السلم ضيق لن يسمح لها بالنزول معا ، نزل ابيه عبد الهادي مسرعا علي السلم وخلفه ابي وعائلتي ، وقفت نجية علي باب الشقة مرتبكه ، اظنها تمنت تعود لحجرتها وتخبيء رأسها تحت اللحاف كما اعتاد تفعل وقتما يواجهها واقع قاسي لاتقبله ولاتملك منه فكاكا ، دفعتها امي لتتحرك ، زغردت انصاف ، صفقنا جميعا وارتفعت اصواتنا بالغناء ، صوت الزغاريد ودوي صوتها يرن في بير السلم ، ثابته نجية لاتتحرك ، وفجأ امسكت بذراع جدتي ورجتها ترسل لها زبيده في بيت الزوجيه ، ابتسمت جدتي ، مازالت زبيده امانها وطمأنينتها ، وعدتها ترسلها بعد انتهاء شهر العسل حتي لا تزعجها وتقل راحتها ، غمزت جدتي لنجية وضحكت موحية لها بما ستعيشه مع زوجها والعسل الذي تنهله و................. احتضنت نجية زبيدة وبكيا معا ، تعجبت زوجة ابي  من سلوك نجية التي لم تحتضنها ولم تبكي وهي تودعها والقت  بنفسها بثوبها الانيق في حضن الخادمة ، تعجبت وصمتت ، فاكم من عجائب وغرائب تقوم بها نجية طيلة الوقت وهذا ليس وقت انتقادها ولا تصويب سلوكها و.............. تحركت السيارة بنجية وابيه عبد الهادي وجميعنا يلوح لها يودعها وزغاريد الفرحه تلاحقها و..... يارب تتهني يابنتي ، همست جدتي ....
ومازال صوت نجية يدوي في اذني ، عادي ، مبسوطه عادي !!!
واشعر غصه انكرها قلقا علي نجية في حياتها الجديدة ....

( 25 )
نجية

اتصل عبد الهادي بأبي واخطره اني سقطت من علي السلم ورأسي ارتطم بالافريز الحجري ، اوضح عبد الهادي لامي وقتما هرعت لزيارتي في المنزل ، اني كنت عائده من السوق واحمل حقائب كثيرة وسامح ومصطفي يمسكا بذيل ثوبي وانا احمل ثريا  فتعثرت ووقعت ..
سالتني حياة عما اصابني كررت عليها نفس القصه التي حكاها البيه لامي ، لم تصدقني حياة ، اغلقت عيني الشمال باصبعي فرارا من ذكائها وبصيرتها ، الحق اغلقت عيني لاني كنت اراها اربعه وربما سته ، من تلك اللحظة التي لكمني فيها البيه بكل قوته وارتطمت رأسي بضلفه الدولاب ، من تلك اللحظة صار كل شيء امام اربعه وربما سته ..
لماذا لكمني ، هذه المرة ام كل المرات السابقة ؟؟ هذه المرة لكمني لان مذاق الحساء الذي اعددته له لايعجبه وان طهي رجوات بطهي كل عائلتي الفاشله التي لم تعلمني شيئا ، رفع صوته يسبني لاني فاشله وخائبة واخذ ينعي حظه لانه افسد بقيه ايام حياته وقتما تزوج تلك الصماء - يقصدني انا - فجلب لنفسه المتاعب بدلا من زوجة تسعده وتريح قلبه ، رفع صوته يسبني ، رجوته يخفض صوته لان سامح كبر وسيفهم انه يسبني ، رجوته يكف عن الصراخ ويخفض صوته فانا اسمعه جيدا ، سخر مني لاني صماء لااسمع اساسا ، سخر من اهتمامي بكرامتي امام ابني الصغير اكثر من رضاءه وتلبيه رغباته ، اخذ يهذي ويصرخ بأني فاشله وايضا قليله الربايه ولو كان تزوج في شبابه لانجب من اكبر مني ، كل هذا وانا صامته لااكترث بما يقوله ، مالفائدة في الرد عليه ، سيزداد غضبا وجنونا ، نعم عبد الهادي مجنون ، ربما عاقل في عمله ومع اسرته وامام ابي ، لكنه معي ومنذ الليلة الاولي وهو مجنون ، نعم مجنون ، وهذا ليس وقت الحديث عن جنونه ، فصاروخ النار المنبعث في عيني الحمراء ككاسات الدم يوجعني ، لاحظت حياة ان دموعي تنهمر علي وجهي دون بكاء ، سالتي عينك مالها ، لااعرف فلم اجيبها ، صرخت امي ، عينيك حمرا زي كاسات الدم ، اقتربت مني وقبضت علي راسي الملفوف بالشاش وهي تلح علي وريني راسك فيها ايه ، اقتربت منها حياة وهمست لها ببعض كلمات ممضوغه لم اسمعها ولم اكترث بها ، صرخت امي مالها عينك فيها ايه ، الحقني ياابراهيم و........................
صارحهم الحكيم بأن الارتطام العنيف الذي دهس رأٍسي اثر علي شبكيه عيني الضعيفه اساسا ، وان شنبر النظارة ارتطم بالنني فجرحه واني احتاج لراحه تامه وعلاج طويل وصبر وتمني لي السلامة ..
نقلني ابي لبيته ، تمني لو يترك الاطفال لابيهم وعمتهم ، لكني صرخت ولطمت وبكيت وصممت لااتحرك خطوه بغير اولادي ، جمعت زبيده ملابسهم ولحقت بي علي بيت والدي ، شهور ثلاث نائمه في السرير وكل الاشياء حولي اربعه ، قطرات ومراهم وظلام دامس يحيطني بناء علي تعليمات الطبيب وهدوء ، لكن عيني طارت ، هكذا همست جدتي لامي ، ال بيكم هم ولا ازيده ، البت عينيها طارت !!!
حياة مصممه تعرف مالذي حدث ، استجوبتني فحكيت لها القصه المتفق عليها اكثر من مره ، استجوبت زبيده ، تلعثمت في بعض التفاصيل لكنها رواغتها فعجزت تكذبنا ، حياة عنيدة كجدتي لا تيأس ولا تصمت ولا تستسلم ، اخذت سامح ومصطفي للحديقة ، اوصتها جدتي عليهما ، تركت لها ثريا لانها صغيره لاتفهم شيئا ولم تمنحها ما تتمني تعثر عليه ، اصطحبت سامح ومصطفي للحديقة ، لاعبتهم واشترت لهم الحلويات والمياه الغازيه وعرفت منهم الحقيقه كلها ، طفولتهم البريئه لم تقف امام براعتها وذكائها ، قصوا عليها كل مااعيشه مع البيه ابيهم ويعيشوه معي ، قصوا عليها صراخه وسبابه وبكائي و............ كرهت حياة زوجي للابد ، غضبت منه ولم تصفح عنه ابدا ، عادت بالاطفال سعداء وتسللت لغرفتي ، فتحت عيني السليمه لاجدها تبكي فوق رأسي ، سألتني ليه قبلتي ، لم تنتظر اجابتي فهي تعرف كل شيء ، تعرف مالم اقوله لها ولم اخبرها به ، ليه سكتي ، وهو الكلام كان حيعمل ايه يعني ، يطلقني وارجع البيت بعيالي وخيبتي ، تنتحب بائسه وتربت علي رأسي برقه وحنان ، طيب ليه عمرك ماقولتي ليه ، انت مش ناقصه همي ، همست فانفجرت في البكاء ، مين قالك كده ، انا بحبك يانجية باحبك ، طيب كنتي فضفضي كنتي اشتكي كنتي فكي عن نفسك ، احتضنتي فاحتضنتها واخذنا نبكي ونبكي ، عرفت حياة السر الذي اخفيته عنه سبعه سنوات ، عرفت ان البيه الذي زوجوني له مجنون مندفع ، اعتبرني رضيعه يلزم اعاده تربيتها وتأديبها ، اعتبرني تلميذه في الفصل الذي هو مدرسه يلزم تعليمي وتهذيبي ، بقسوه وجلافه وغلظة ينتقدني ويسخر مني ويعايرني بصممي ، ينعي حظه لان الحياه في اخر ايامه لم تكافئه بحوريه من الجنه بل منحته دميمة قبيحه ام اربعه واربعين كما يناديني ، لم نكن ازواجا في يوم من الايام ، كان ابا متسلطا وكنت الابنة الضحية التي قرر يمحو كل ايامها ويعيد تربيتها من جديد ، عرفت حياة السر وبكت معي عاجزة عن مساعدتي ، لاتملك لي نصيحه ، اتطلقي ومين يصرف علي عيالي ومش جايز ياخدهم ، ماتسكتيش له ، ولو رديت عليه يعني حيحصل ايه ، حيحرق البيت ويحرقني انا والعيال ، اشتكيه لبابا ، حيتخانقوا ولو بابا زود عليه حيطلقني وهو بيتلكك علشان يخلص مني ، وتبكي حياة وتبكي وابكي انا وعيني لاتتحسن ونظري لايعود ، وصار كل شيء اربعه وربما سته ويأس الحكيم مني وكذا ابي وامي ، عبد الهادي لايسأل علي ولا علي الاولاد ، سألت عنه جدتي مره واثنين وفي الثالثه حسمت امرها وقررت ان اللي بينا اتفضح وان الحكايه لا سلم ولا افريز حجر ، هو ضربك وبيضربك ، انكرت وانكرت لكنها مصممه تستجوبني ، مالذي ستجنيه ياجدتي لو عرفتي الحقيقه ، ساحطم قلبك واحزنك ، لااحد يملك شيئا ، لن يتغير طبعه ولن يتبدل حاله ، اما ابقي زوجته واربي اطفالي واما يطلقني ويأخدهم مني ونخلق مأساة جديده في حياتنا وكأنه لايكفينا كل المأسي التي عشناها ، تبكي جدتي وابكي معها وتتصل به جدتي ليأتي ويأخذني واولادي يعيدني لبيته ، الا هما الاولاد مش وحشوك يابيه هما ولا الست امهم ؟؟ سؤال ساخر لاذع تؤنبه به عن غيابه الطويل، مستنياك يابيه بكره تشرفنا وتجيب عربية وتاخد مراتك وولادك ، عينها ، بتسأل علي عينها دلوقتي ، بعد ثلاث شهور ، عينها كويسه واللي رايده ربنا يكون ..
تشاجرت معها امي لانها اتصلت به وعبرته ، لامتها جدتي لانها مش واخده بالها ان البيه راماها عندنا ونسيها ، ولو سبناه براحته حيطلقها والاسم عند ابوها ومحدش قاله تعالي ، نهرت جدتي امي وحين عاد ابي من عمله تشاجرت معه لانه بيخرب علي بنته ، وامرته يتصل بالبيه ويدعوه لزيارتهم ليصحب زوجته واولاده لمنزله ، قادت جدتي الموقف وتدخلت بقوتها وحين وصل البيه لبيت ابي ، قابلته جدتي واخبرته اني حزينه وهي ايضا وانه ماكنش العشم وان نجية كانت تنتظره طيله الوقت واولاده ايضا ، قال عبد الهادي لها كما قصت علي حياة ، انه كان سايبني استريح ، خبطت جدتي علي صدرها واكدت له اني عمري مااستريح الا في بيتي ، لم تقل له انه اهانني وقتما القاني في بيت ابي ولم يسأل فيا ، ولم يقل لها انه استراح في غيابي وتأكد ان زواجي غلطه عمره الوحيده ، ابتسما بدبلوماسيه وصمتا يحتسيا القهوة وكأن شيئ لم يحدث ، وبعد يومين كنت في البيت واولادي معي ومعنا زبيدة ، السماعة تصفر وقتما يعلو صوت عبد الهادي فاغلقها واتشرنق بعيدا عن صراخه وغضبه ، ارتدي نضاره نظر بزجاج قاتم بعدما صمم الحكيم علي اغلاق عيني اليسار عنوة بشريط لاصق لمنع الضوء عنها حتي لاتزداد حالتها انهيارا ، وصارت الحياة حولي اقل وضوحا ، احيانا اري اشباحا بعيني السليمة فارتعب خوفا من عاهه جديده ، صارت الحياه اقل وضوحا ، فحين تطرف عيني اليمين او اهرسها باصبعي دون قصد تظلم الدنيا فجأ واحس وكأني سقطت في جب عميق مخيف لااري جيدا ولااسمع ايضا .... ومازال عبد الهادي يصرخ والاولاد تكبر وانا احاول دائما التظاهر امام الجميع اني مثلهم جميعا ، اسمع جيدا واري جيدا ....

( 26 )
حياة

سخرت مني زوجة ابي لان علي رأسي ريشة ولاني ارفض العرسان المتلاحقين يطرقوا باب بيت ابي ، اردهم بمنطق واضح ، لن اتزوج قبلما اتخرج من الجامعة ولن اتزوج الا من يقبل عملي ووظيفتي ، سخرت مني زوجه ابي لاني بنت قنصل الوز واسير كمثل الشريك المخالف للناموس الاجتماعي المقبول في شبرا حيث نقطن ونعيش ..
ابي لايوافقها علي سخريتها مني ، لكنه لا يجادلها ولايرد عليها ويؤثر راحة الرأس والبعد عن الصداع ، تشكو له مني لاني لااطاوعها واقبل مصاحبتها في لقاء النسوة جيرانها كل اسبوع لتعاينني النساء التي تبحث لابناءها عن عرائس مناسبه ، قالت له ان البنات في مثل عمري انجبن مره واثنين وثلاث ، واني صرت كالبيت الوقف وان اخرة البطران قطران واني سأبقي كمثل " البريزة الممسوحة " بايرة وعانس وقتما لايجدي الندم ، تضغط زوجه ابي علي مخارج الفاظها وهي تؤكد لابي انها تراني كمثل ابنتها وانها ابدا لم تعاملني ابدا معامله مختلفه وان لها علي حقوق واهما اطيعها وااخذ بشورتها واقابل العرسان والين رأسي الحجرية العنيدة ، ابي يخبرها ان الزواج قسمه ونصيب وعندما يأتي نصيبي لن املك منه فرار ، تصرخ امي فيه ان صفيه تردد كلماتي وتتمني تدخل الجامعه مثلي وان سلوكي المعوج سيفسد صغيرتها ، يبتسم ابي ويطمئنها ان نصيب صفيه سيأتيها كما هو مكتوب لها ، وان الجامعه لاتفسد حياة البنات وان الوظائف قد تمنحهن ميزه لاتمنحها لهن اشغال الابرة وطهي الطعام وتتشاجر معه فيصمت واصم اذني واحسد نجية التي تملك تغلق سماعه اذنها فلا تسمع شرور العالم الخارجي ولا تتأذي بصراخه ، اجسد نجية التي منحها زواج الاقارب ميزة التقوقع والانفصال عن العالم الخارجي ، احسدها ثم اخجل من نفسي لان نجية عانت ومازالت بسبب علتها ، لم تكن ميزه بل علة ونقيصه دفعت نجية ثمنها فادحا ...
ومازالت زوجي ابي تسخر مني ومازلت ارفض العرسان حتي شاع في الحي وبين الجارات اني مغرورة ومابيعجبنيش العجب ولا الصيام في رجب و..... مازلت اذاكر دروسي وانجح بتفوق وافرح قلب ابي  واجنن زوجته التي تري اني احرث في البحر وان البنت مالهاش غير بيتها وزوجها ودي سنة اهلنا كانت وستظل ...


نهاية الجزء الخامس  ويتبعه الجزء السادس 

حكاية امرأة محظوظة .... الجزء السادس


الجزء السادس


فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود



( 27 )
نجية

اللعنة علي الجهل والجهلاء ، لو تزوجت امي باخر غير ابن خالتها لانجبت اطفال اصحاء كمثل حياة تفخر بهم وتتباهي بجمالهم ، لكن الوعد والمكتوب والصغيرة التي لم تولد والتي وهبت لابن خالتها الرضيع ، هذا الحدث البسيط اخرج من رحمها ثلاث اطفال اصماء ، نعم ، هذا مااكتشفته يوم اخذ علي يصرخ ويصرخ حتي ضجت امي وهمست زبيدة ليكون مابيسمعش هو راخر ، يومها سمعتها جدتي ولطمتها علي وجهها لكن ابي اخذ تخوفها مأخذ الجد واصطحب علي معي للحكيم الذي اوضح له ان علي يعاني ثقل سمعه مثلي وهز الحكيم رأسه متأسيا علي الابرياء الذين حكمت عليهم الدنيا بقسوتها بعزله لن يعاني منها مثلهم ...
وحين ولدت صفيه وكانت جميله كمثل حياة وعيونها اكثر زرقة وسطوع من عيني حياة ، حين ولدت صفية صمتت جدتي تدق الهون بنفسها يوم سبوعها ، كانت تنام فوق المنخل والجميع سعداء يغنون ويصفقون وامي توزع الملبس والسبوع علي الجيران والحبايب وانصاف تزغرط وزبيدة تتراقص وسط المدعوين ، جدتي صممت تدق الهون بقوه بجوار اذنها وكأنها تقتل الشك المخيف داخلها ، لكن صفية كانت تنام علي المنخل ببراءة وابتسامه ساحرة لفتت نظر الجميع ، بقيت صفية نائمه وجدتي تطرق الهون بقوة بجوار اذنها ، وتزيد جدتي من قوه طرقاتها ويتوجع الحضور من الصخب المفزع الا صفية ، نائمه بريئه وكأنها مازالت في رحم امها ، وانهمرت دموع جدتي واحست قدر جريمتها في اولاد الغالي التي وهبتم صمما بحسن نية ، هل تمنت جدتي وقتها لو بقي ابي زوجا لام حياه لينجب لها احفاد اصحاء ، هل تمنت جدتي وقتها لو تزوجت امي بأخر يمنح رحمها اجنة سليمة لاتعاني صمما فجره في سلسالها زواج الاقارب والامراض المستكينة المتوارية في جذور العائله وسلسالها ، انهمرت دموع جدتي وحملت صفيه وقرصتها في ذراعها بعنف وكأنها لم تفعل شيئا فصرخت صفية وبكت لتنفي جدتي عنها امام الضيوف والحبايب تهمة الصمم التي كانوا جميعهم متخوفين منها ، وكانت صفيه اخر عنقودنا ، امرت جدتي امي تكف عن الانجاب لتقوي علي خدمه حملها الثقيل ، الحق جدتي لم تشفق علي امي من الحمل بل اشفقت علي احفادها من العلة التي تفسد حياتهم وستفسد حياة من لم يأتي منهم بعد ، تمنت جدتي لو عاد ابي لام حياة لينجب لها اطفال اصحاء يشرحوا القلب الحزين ، لكن ام حياة اختفت من حياتهم ، تزوجت ورحلت بعيدا واختفت ، تركت حياة لهم واختفت ، تركت حياة لهم لتحسرهم علي تطليقها ، لتذكر جدتي بخطأها وقتما صممت يطلقها ابي ، لتذكر امي بجريمتها وقتما وافقت تبني بيتها علي حساب هدم بيتها هي ...
اللعنة علي الجهل والجهلاء ، سألت الحكيم وقتما اقترح علي ابي يشتري لي سماعة طبية تساعدني علي التقاط الاصوات افضل من حالتي وقتها ، سألته ، هو مافيش علاج تاني ، لا ، اجابني بحسم ، كنت اخجل من شكل السماعه الطبيه التي سأدسها في اذني ، ستنبه الناس لعلتي وتثير سخريه الاخرين اكثر واكثر ، سألته ليه ، اخبرني الحكيم ان زواج الاقارب يأتي كالسنارة بالامراض البعيده في ذات العائله ويظهرها ، بكيت وقلت له لماذا لاتقولوا هذا للناس قبلما يتزوجوا ، كنت كأني الوم ابي لانه جاهل لم يعرف مالذي سيفعله في ابناءه وقت تزوج ابنة خالته ، ابتسم الحكيم مشفقا علي من حيرتي ، بنقول ومحدش بيسمع !!!
اللعنة علي الجهلة والجهلاء ، "علي" طفل جميل لكنه منطوي علي نفسه لايلعب مع اولاد الشارع ولا يترك الشرفه الا للاكل والنوم ، "علي" طفل جميل لكن اصحابه في الشارع يسخروا منه لانه " اطرش " ولانه لايسمع نداءاتهم وقتما يصرخوا عليه ليمسك بالكوره قبلما تدخل الجون ، علي ذكي وجميل لكنه تسبب في هزيمه فريقه مره واثنين ، يومها بكي "علي" حزينا فصممت حياة تتشاجر مع اولاد الشارع وتشرح لهم انهم فشله خائبين وان "علي"  ليس السبب في هزيمتهم وانه ليس من حسن الادب والتربيه ان يسخروا منه ، يومها عاقبها ابي وحبسها في غرفتها لانها فضحته في الشارع وصرخت في الاطفال مما اغضب ابائهم اصدقاءه في المقهي ، دافعت عنها جدتي وطالبته يضرب الاولاد ويقاطع الاباء لانهم " مستوطيين حيطه علي وكاسرين نفسه علي طول " سخر ابي منها وكأنها يعذبها عقابا لها علي قهرها له وكسرها لقلبه ، لو كده يبقي حاضرب العالم كله ، سخر منها واعطاها ظهره ودخل غرفته نام طويلا ، حياة لم تغضب لان ابي عاقبها ولم تفرح لان جدتي حاولت تصالحها ، حياة احست انها فعلت ماكان يتعين عليها فعله ، اخيها الاصغر ولايليق بها تتركه فريسه لاولاد الشارع يسخروا منه ويعزلوه وكأنه يتيم ، حياة تحبنا فعلا ، وتخاف علينا فعلا ، تصورت امي انها ستتباهي علي بجمالها وشعرها الحرير الذي ورثته من امها وخلوها من علتي ، لكن حياة لم تفعل ابدا ، بالعكس ، طالما تشاجرت معي لاني اغرق في نفسي ولااتواصل مع الحياة ، طالما تشاجرت معي لاني جميله والجمال اشكال والوان ، طالما تشاجرت معي لاني انزوي علي نفسي واختبيء بداخلها دون سبب ، فالمرض ليس سبة ولا فضيحه وانت ذكيه وحلوة وست بيت شاطره ومافيش مبرر تعملي كده ، هل تصدق حياة ماتقوله فعلا ، هل انا فعلا ذكيه وحلوة ، هل المرض ليس سبه ولا فضيحه ، لماذا لاتخبر اولاد الشارع بهذه الكلمات ليرأفوا بعلي ، سخرت مني ، انا قلت لهم الكلام ده واكتر وقلت لهم انهم قليلي الادب والتربية والدين وان السخريه من الاخرين تؤكد سفالتهم ، انا قلت الكلام ده مره وعشره وحاقوله لاي حد يضايقكم ، قالت كلماتها بصدق وحنان وحماس واحتضنتي فبكيت ، نعم بكيت ، لم اقصد ابكي لكني بكيت ، انهمرت دموعي متأثرة بحنانها وحبها لي ولاخواتي وتمنيت لو امها تسأل عنها وتزورها وتمد بينهما حبال الوصل ، نعم امي تعتبرها ابنتها لكنها لاتغفر لها ابدا انها ابنة ضرتها ، والسيدة التي تعتبرها ابنتها مهما كانت حنونه لاتقارن ابدا بأمها التي انجبتها ، هكذا كنت اتصور وكذلك حياة ، لكن امها حين ظهرت في حياتها خذلتنا وكشفت لنا ان قلبها تفتت يوم طلقت ونبت مكانه شجرة صبار مر علقم لاتمنح غيره لحياة ابدا ....
وارتديت السماعة الطبية وصار العالم مفهوما اكثر وتحسنت مخارج الفاظي وطريقتي في الكلام بعدما قررت انتبه لطريقتهم في الحديث وحركه شفاهم والسنتهم ومرور الكلمات بين اسنانهم و..... صار العالم اكثر وضوحا ، لكني خجلة خجلة مما بي والاخرين لم يرحموني من شفقتهم كثيرا وسخريتهم بعض الاحيان ....
ومازلت حبيسة الجدران الفولاذية انقش علي سطحها الاملس الناعم باظافري مشاعري واحساسيسي واكلم نفسي وعاجزه بحق عن الخروج من الجب الذي ولدت فيه واظنني سأموت فيه ، انا حبيسة نفسي وسأظل ، هذا مااعتقده واكرهه واقاومه لكني افشل دائما !!!!

( 29 )
رجوات

عندما رن تليفون المنزل في منتصف الليل عرفت ان عبد الهادي مات ، كان اخي وابي وسندي في الدنيا ، قبلما ارفع السماعه واسمع صوت سامح ينعي لي ابيه ، كنت ابكي واشق ثوبي وامزق شعري ، واصرخ ياحبيبي ياخويا ..
وجع رحيل عبد الهادي لايضاهيه وجع ، هو الاخ الحنون الذي منحته الحياه لي ولاخواتي بعدما مات ابي وامي ، تحمل المسئوليه برجولة وقوة وتواري امام احتياجاتنا وانكر ذاته ولم يفكر في نفسه ابدا ، كلنا تزوجنا وانجبنا وبقي هو وحيدا يعاندني ويرفض الزواج خوفا من كبر سنه ورفضه من العرائس التي يتمني يتزوجهن ليكمل نصف دينه وينجب من يحمل رايته ويرفع اسمه من بعده ، تشاجر معي كثيرا كلما الححت عليه يتزوج ، اخبرني ذات يوم وهو متأثر وحزين ، ان ابناءه الذين الح عليه ليتزوج وينجبهم ، سيربوا في غيابه مهما طال عمره وانه لن يشهد فرحهم وايام عمرهم ، واني واخوتي ابناءه وابناءعمره ، يخشي يترك اولاده يتامي ولايجدوا من يتولاهم ويتحمل مسئوليته مثلما فعل هو معنا ..
صممت الا اتركه وحيدا وكسرت رأسه العنيد ، وبحثت واخوته حتي عثرت له علي ابنة الحلال ، نجية ، والحق انها كانت ابنة حلال فعلا ، تحملت نوبات غضبه وغيرته المكتومه عليها والتي منعه كبرياءه يفصح عنها ، تحملت صراخه وهو يطالبها تشاركه شيخوخته وتدفن شبابها وجمالها في خدمته ، بعد عشرين عاما من زواجهما صارت نجيه امرأه ناضجه جميله ، نعم تعاني عله في اذنها وضعف في بصرها ازداد وتفاقم بعدما لطمها عبد الهادي في ضلفه الدولاب في نوبه عاتيه من نوبات غضبه ، لكنها امرأه جميله وانيقة وتحارب لتجد لنفسها ولاولادها مكانا في الحياه ، الحق افلحت نحبها جميعا ، كانت مجامله ورقيقه لاتشكو لنا من فظاظه اخينا التي تخجلنا ولا من صراخه الذي يصم اذننا جميعا ويحطم زجاج البيت ، كنت اتشاجر معه بسببها وانحاز لها وصرت صديقتها واختها الاكبر ، تأتيني غاضبه منه تبكي وتشكو ، كنت اطيب خاطرها وابقيها في منزلي وسط اولادي بضعه ايام حتي تهدأ وتصفح عنه ،كنت اخبرها ان زواجها به سيدخلها الجنه لانها من الصابرات ، كنت اوصيها عليه وهو في شيخوخته لان كل هذا في ميزان حسناتها ، كانت تطاوعني كاكل بنات الناس الاصيلات ، وتعود لمنزلها وتخدمه وتتحمل نوبات جنونه وغضبه ، كان يغير عليها ، كلما خرجت للسوق تشاجر معها وكلما ذهبت لمدرسه الاولاد تشاجر معها ، وحين عاد من المقهي يوما ووجد مدرس العربي مع سامح في غرفه السفرة لم يتمالك اعصابه وطرده وسبها في شرفها لانها فتحت داره للغرباء وانها لعوب تأتي الفواحش من خلف ظهره ، يوما جنت نجيه واخذت تصوت وتبكي ، اتصل ابنها بحياة اختها لتنقذها من نفسها ومن ابيه ، اتصلت بي حياة واخبرتي انها لن تقبل بعد اليوم مايفعله اخي في اختها وان اختها مش يتيمة ولا قليلة الحيله وانها ستخبر اخيهم بكل ماتعانيه اختهم وان شالله تتدربك الدنيا علي رؤوس الكل ، رجوت حياة الا تفعل واني سأحل المشكله ، قالت لي انها ستذهب لمنزل اختها وتأخذها معها ، وصلت قبلها وانا اسب والعن في اخي المجنون ، اهديء نجية واعدها يعتذر لها ويراضيها الترضيه التي تقبلها ، اسحبه من ذراعه واحبسه في غرفته وابكي والطم علي وجهي لان بنات الناس لايعاملن بتلك المعامله القاسيه وان كل مايفعله في السيدة المحترمه زوجته سيبقي لابنته وانه لايؤذي فقط زوجته بل وابنته ويؤذينا جميعا ، كان رجلا عظيما انهار بسبب تصلب الشرايين والخيالات الشريرة التي تداهمه فتصور له المستحيل حقيقه فيجن جنونه ويصدق اوهامه ويتصرف بغلظه وقسوه وجنون ، كنت ابكي لااصدق ان اخي الاكبر الذي احترمته طيله حياتي فقد صوابه وسب زوجته في شرفها امام المدرس الغريب وامام اولاده ، كنت احسه صرحا عظيما ينهار امامي وانا عاجزه عن انقاذه ومساعدته ، كنت اشعر خجلا مما يقوله ويهذي به ، لايليق به ولا بنا ولا بزوجته المصونة ان نعيش تلك اللحظه السوداء المجنونه  ، كان يصرخ وكنت اصرخ ، كانت نجية تبكي والاطفال يبكون ، دق جرس الباب طويلا ، دخلت حياة ، تصرخ فيه ليخرس وتصرخ  فيها لتكف عن البكاء تطالبها احضار ملابسها ليرحلا ، الاطفال يصرخون وهو يصرخ ويصرخ ، احاول اسحبه من ذراعه ليكف عن الصراخ والهذيان ، شيخا عجوز في السبعين وبضعه سنوات من عمره ، امامه زوجة ناضجه جميله تبكي وتتلاشي من كثرة البكاء ، اطفالها يبكون لحالها ، سامح يطالبها تجري من المنزل ، انهره يزداد بكاء ، حياه تصرخ في وجهي لاني عاجزه عن السيطره عن الثور الهائج وانفث غضبي في الطفل الصغير ، تكاد اعصابي تنفلت واصرخ في حياة ، لايليق بك وصف اخي الكبير بتلك الاوصاف ، هو في النهايه رجل محترم وكبير عائلتنا، اشعر ندما لاني زوجته نجية ، لم ادرك مشاعره وقتما تحترق غيره علي سيدة في ريعان العمر وهو في اخر محطاته ، اخجل مما يقوله واخجل من نفسي لاني ورطته في تلك الحياة ، ليتني احتفظت به وقورا كبيرا مثلما كان دائما ، البيت يحترق من كثرة الصراخ ، احس الزجاج يرتج وصوت صفير سماعة نجية يطن كالنحل المجنون وسط الصراخ ، يطردنا جميعا من البيت ، نعم ، فجأ يصرخ فينا جميعا لنخرج من البيت ، يرطم الجدران بكفيه القويتين ويصرخ هذا بيتي الذي بنيته بجهدي وتعبي ، خساره فيكم كلكم ، حياه تنظر لي وكأنها تقولي ايعجبك مايتفوه به الاحمق اخيك ، يرطم الجدران بقوه ويرطم ، وجه يحتقن وعروق رقبته تنفر وصوت صراخه يعلو ويعلو ، الهانم .... المحترمة ..... المدرس ..... بيتي ..... اطلعوا بره .... وينهار علي الارض ، اصرخ ويصرخوا جميعا ، نتكالب عليه ليقف علي قديمه لكن جسده تهاوي انهار ، ثقيل بشكل مخيف ، لانفلح في زحزته قيد انمله من مكانه ، الحظ فمه وقد اعوج وبعض قطرات اللعاب تتجمع علي جانب فمه والحظ رعشه ذراعه واصرخ والطم وامزق شعري ، قوم يااخويا ، لكنه لايسمعني ..
تحمله سيارة الاسعاف التي اتصلت بها حياة للمستشفي ، وسرعان ماتدرك نجية وندرك جميعا مصيرنا الاسود ، جلطه في المخ وشلل .....
سته سنوات ونجية تخدمه ، يسيء معاملتها وتخدمه ، تربي اطفاله وتخدمه ، ازورها كثيرا لاطيب خاطرها واشكرها لانها اصيله وبنت اصول وبتخدمه وتراعاه ، حياة تزورها احيانا في وجودي ، تتركني لارعي اخي وتاخدها ويخرجا ، ترفه عنها قبلما تنفجر ، البيت في حاله غم وحزن ، يصرخ هائجا يتفوه بالفاظ معووجه غير مفهومه ، يسب اطفاله ويطيح بهم وقتما يقتربوا منهم ، لم يعودا اطفالا ، المحنة الموجعه وكل تفاصيل حياتهم اللعينه اشابتهم ، اري حزنا في عين ثريا لاتفصح عن سببه ، سامح ومصطفي يتناوبا مع امها علي خدمه ابيهم ....
سته سنوات وانا انتظر تليفون منتصف الليل ليعلني موت اخي مشلولا قعيدا عاجزا .. وهاهو قد اتي التليفون ومات اخي ، مات عبد الهادي .....

( 30 )
نجية

اخبرني البيه انه اشتري قطعه ارض في حي جديد ، قال انه سيبني عليها بيت لاولاده يؤمنهم المستقبل وقسوته ، احضر سامح ومصطفي وثريا واخبرهم فرحا بما حدث ، يتمني ينتهي من بناء البيت قبلما يموت ، يتمني يطمئن عليهم في ملكهم لااحد يقوي يخرجهم منه ، احدق في وجهه واري الهرم والشيخوخه يرسما ملامحهما عليه ، ازداد عجزا ، ابي اكثر منه شبابا وامي ايضا ، سيزرع في الحديقه اشجار وفواكه ، قال لهما ، وعد ثريا بشقة كبيرة تتزوج فيها ولا تغادره ، هي نني عينه ومهجه قلبه ، يعاملها برقه وعنف في نفس الوقت ، يحبها ويخاف عليها ، يقسوا علي سامح ومصطفي عامدا ، سيموت ويتركهما في ريعان الشباب هكذا كان يقول لهما ، اولاد الشيبه لا اب لهم ، يعلمها الرجوله ، هكذا يتصور ، يعاملها بقسوه وعنف ويطيح فيهما ويسبهما ويلعن ، يرسلا في مشاوير صعبه علي سنهما ، لايسمح لي اعترض علي قراراته ، يصرخ ويصرخ ، اطفيء سماعه اذني واحلق بعيدا عن جنونه ، هل مايفعله صواب ، اسال نفسي كثيرا ، سيموت فعلا والاولاد صغار ، مهما طال عمره سيتركهما اغصان خضراء ، يخاف عليهما من قسوة الحياه ، يشحذ ارواحهم بالقسوة ليقويا علي تحمل اليتم وغيابه الحتمي ، لااعرف ماهو الصواب ، كل مااعرفه اني هرمت معه وصرت اكثر شيخوخه ، عيني التي طارت من لطمته مازالت تقهر قلبي ، تذكرني بجنونه وعنفوانه الاحمق ، سألت نفسي كثيرا لماذا قسي علي مثلما قسي ، هل كان يعدني ايضا لغيابه الحتمي ، هل كان يعرف انه سيرملني في عز نضوجي ويريدي قادره وقويه علي تحمل عبء اولاده ، اري بعين واحده ، وكأن نصف العالم طار من امامي ، اري نصف العالم واسمعه بصعوبة ، سماعه اذني لاتمنحني التواصل اللائق كما كنت اتمني ، بعض الاصوات تأتيني مشوشه والبعض ممضوغ وغامض ، تعلمت اتشرنق داخل نفسي وقتما اكره الحياه ، عندما يصرخ البيه اغلق السماعه وعندما يجن جنونه اغلق عيني فاغرق خلف سدل الظلام وكأني لست هناك ، انسكب داخل نفسي ، احدثها وتحدثني ، اشكو لها همي فتصبرني ، تؤكد لي ان الحياه تدخر لي جمالا عزيزا ستمنحه لي في لحظه ما ، تصبرني فاصبر ، اري الاولاد امام عيني اشجارا مورفه فاشكر ربي الذي منحني ماحرم الاخريات منه ، رغم كل شيء ،صرت اما لهؤلاء ، يمنحني سامح حبه دائما ويعتذر لي عن جنون ابيه ، ثريا تدللني وكثيرا ماتمسك فرشاه الشعر وتصفف شعري ، اقترحت علي اشتري مكواه وانعم شعري ، اخذت من عند حياه قلم روج جديد وطالبتني اتجمل به ، من حقك ياماما ، لااعرف ماهو حقي وماهو ليس حقي ، لااعرف اين حقي ، هل مااعطته لي الحياه هو حقي ام اقل ، من يوزع الحقوق والارزاق ، لماذا منحني صمما وعين واحدة اري بها نصف العالم ، كنت اسال نفسي كثيرا لماذا خصني ربي ببعض ابتلاءاته ، لماذا لم اكن مثلهن جميعا ، مثل حياة الجميلة التي اصرت تكمل تعليمها وحصلت علي شهاداتها العليا وعينت في البنك المجاور لبيت ابي الذي كان يتباهي بها طيله الوقت فتثير غضب امي لانها لم تنسي ابدا انها ابنة ضرتها التي سرقت زوجها بعض الوقت ، لماذا لم يمنحني ربي عيونا زرقاء جميله مثل عيون حياه ، لكن اجمل مافي حياه انها تجاوزت مأساه حياتها وغياب امها وغربتها وقررت تقاوم الحياه وتنتصر عليها ، اجمل ما في حياة انها تحبني كأنها تؤام ولدنا من رحم واحد ، هي ملاكي الحارس ، هي التي تحرسني وترعاني ، هي التي تدلل اولادي وتسرقهم من غضب ابيهم وتسافر بهم للبحر ، هي التي ترسم في خيالهم ذكريات بديعة ، هي التي تقص عليه نوادري وذكريات طفولتي فتزيد حبي في قلوبهم ، هي التي تتصدي للبيه وقتما يستبد بي ، تذكره بشبابي الذي منحته له راضيه وصحتي التي ضاعت وانا اخدمه واولاده ، هي التي تتشاجر معه وتأخذني في بيتها لاستريح من جنونه وتترك الاولاد يعذبوه ويذكروه بالمجهود العظيم الذي ابذله صامته لااشكو ولا انتظر شكرا ، احب حياة ، احب صفية وعلي نعم ، لكني احب حياة اكثر ، لااخجل من قولي هذا ، فهي شريكتي في الحياة الصعبه ، قررت تلتصق بي ، كأني امها التي تخلت عنها واختفت ، قال لها ابي قبلما يموت ان امها علي قيد الحياه وانها تعيش في اسيوط وانها انجبت اولاد وبنات اخوتها وسألها لو تحب تتعرف عليهم ، سالتني شجعتها وياليتني لم افعل ، صاحبها ابي لاسيوط ، قابلت امها في احد الفنادق كالغريبه ، خافت امها تستقبلها في منزلها ، خافت من زوجها ، تحبها لكنها لاتقوي تكسر اراده زوجها وقراراته والايمانات المغلظة التي اقسمها عليها بالطلاق لو ادخلتها بيته حيا او ميتا ، مات زوج امها وبقيت ايماناته سيفا مسلطا بالغربه علي راس حياه ، تخاف امها من كلام الناس والفضيحه التي ستتفجر بعد كل تلك السنوات ، لااحد يعلم انها مطلقه وانها ام لطفله يتيمه في حياتها ، هكذا واري الاستاذ قصتها تحت التراب ، لايليق باسمه تفضحه بعدما مات ، كان لقاءا باردا ، حاولت امها تبرر لها غيابها وقسوه ابيها وظلمه لها ، وقع الكلام باردا علي قلب حياة ، لايلزمها ماتقوله السيدة ، سألتها لو تحب تتعرف باخوتها ، سخرت منها حياه وقالت لها انها تعرف اخوتها جيدا ، نجيه وصفيه وعلي ، اما ابناءك فهم غرباء عني وليسوا اخوتي ... عادت حياة وابي من اسيوط بعدما طوت حياة صفحه امها ومزقتها من كتاب حياتها ، عادت ارتمت في حضن امي تبكي ، لاول مره انفعلت امي بحزنها ، اخذتها في حضنها وربتت عليها ، لم تعد ابنة ضرتها ، بل هي ابنة عمرها مع بقية اخوتها ، لم تعد ابنة ضرتها بل هي ابنتها وشقيقة ابناءها ، عندما تقدم مديرها في البنك لخطبتها ، سألها ابي لو تحب تدعو امها للحفل ، تشاجرت معه لان لاام لها الا ماما ، امي انا ، امي امتنت لها وقالت ان " التربيه تمرت فيها " وزفت حياة لمديرها الشاب الوسيم ، في حفل الزفاف كنت اقف وحولي اولادي وكأني امها ، هرمه عجوز وبجواري البيه اكبر من ابي ، كانت هي كالفراشه الصغيرة ، تتعلق في ذراع زوجها فرحة ، تحبه لاشك ، هل احب البيه ؟؟ لااعرف ولم اسال نفسي ابدا ، اعزه طبعا فهو زوجي وابو ابنائي ، لكن الحب الذي يسطع في حدقتي حياة لااعرفه ولااظنني ساعرفه ابدا ، هي تحب عريسها وهو يحبها ، يدللها في الفرح ، يراقصها بسعادة ، يغازلها بتباهي ، تخجل من تصرفاته لكنها تحبه ، اراقبهما واتمني لها السعاده ، لااظنه سيصرخ فيها مثلما يصرخ في البيه ، لااظنها سيلكمها بقبضه يده كما اعتدت من البيه ، ولو فعل ستمزق وجه ، لن تصمت ولن تقبل ولن ترضخ ، من اين اتت قوة حياة ، هل من اليتم الذي فرض عليها ، هل شهادتها الجامعيه ووظيفتها منحاها القوة ، هل قسوة الايام عليها قوت قلبها وروحها ، لااعرف لكني احبها ، الحق احبها اكثر من امي ، احبها هي وجدتي ، هما من مدا لي من روحيهما قبس يتنشلني من غياهب الصمت والخرس الذي كان مفروضا علي ، في اخر حفل الزفاف بكيت فرحا بحياة وخوفا من فقدانها ، نعم ، خفت تنتمي لعالم زوجها وتنسانا ، خفت تغرق في بحور العسل وتغلق صفحات الهم التي كوت قلبها ، خفت افقدها  ، بمنتهي الانانية خفت افقدها ، لكن خوفي كان بلا مبرر ، فهي ابقت الوصل بيننا ، بل حرصت عليه ، بعد يومين من زفافها زرتها في بيتها ، اخذتني لحجرة نومها واخذت تقص عليه ادق تفاصيل ليلة زفافها ، تضحك واضحك ، اخجل مما تقوله واتمناها تصمت ، الحق لم اخجل فقط ، بل سألت نفسي كيف كانت ليله زفافي ، لااذكر تفاصيلها ، كل مااذكره انها لم تترك في روحي تلك السعادة ، تمنيت لها السعاده واحتضنتها فرحه بفرحتها ...
وسرعان ماانهي البيه بناء البناية وانتقلنا للشقة الجديدة ، حياه ساعدتني في النقل وفرشت معي المنقولات واهدتني بعض المفارش اللاسية لازين بها الصالون ، اشترت لي لوحات زيتيه للجدران الخاليه ، قالت لي ان تلك الاشياء تمنح الاماكن روحا ، فرحت بهداياها لكن المكان اقصد البيت بقي بلا روح ، البيه يصرخ ويطرد ارواحنا خارج البيت والاطفال تبكي فزعا وانا اغلق السماعه واحلق بعيدا عنهم ، احتمي بلوحات حياة من البرود والقسوة التي تخيم علي البيت واصحابه ....
وهل تمنح البيوت قاطنيها سعاده ؟؟ لااظن ...
واين انا من السعادة ، انا اعتدت نصيبي في الدنيا ورزقي ، ولم تكن كومه السعادة كبيرة ، يكفيني ان حياة سعيدة وانا سعيده بسعادتها ... انها اختي التي احبها ، حياة ....

( 31 )
الحديقة

كنت ومازلت انا المكان المحبب لنجية ، كانت تفر من الهواء الثقيل بين الجدران الموحشة داخل المنزل لبراح قلبي ، كانت تنتظر خروج البيه زوجها من البيت لتتنفس الصعداء وتشعر بعض الحريه ، تتجمل وترتدي ثوبا تحبه واحبه انا ايضا وتهبط من السلم الخلفي لممراتي الواسعه ، تتفقد الاشجار والزهور ، تقطف بضعه اوراق نعناع لشايها النهاري ، تلتقط بضعه ثمرات لمون لتخللها ، تحدق في السماء كأنها تتمني تحلق اليها وتبقي علي سحابتها البلورية الكبيرة التي تضلل علي اشجاري وسط النهار ، كانت تنادي خادمتها لتأتيها بمقعدها المفضل ، تجلس تحت ظلال شجرة اللمون الوارفة وتستنشق روائحها وكأنها تخزنها داخل روحها زادا ليقويها ، كنت تغلق عينيها السليمة وتطفيء سماعة اذنها وتتوحد مع الشجرة ومع الارض الطينيه الطيبه ومعي ، اكم من مرات خلعت حذائها وسارت علي النجيلة الخضراء كأنها تنفث فيها شحنات الكهرباء الموجعة التي تحتل جسدها وروحها من كثرة الصراخ والحزن ، لاحظتها يوما تحلق باذرعتها كمثل العصافير ، يومها ابتسمت فانهمرت الامطار حبا علي قلبها وروحها وروت اشجارها وورودها وخضرواتها الطازجة ، يومها نزلت لارضي تبكي ، كان زوجها القاسي قد خرج لمشاويره النهاريه ، سبها قبلما ينزل لانها لم تلمع حذائه ولم تنظم شراباته ولم تختر له كرافته تليق ببذلته ، وصفها بسفاله انها عمياء لاتري الالوان ولا تميزها ، لم تصمت كعادتها بل تجرأت واخبرته انه السبب وقتما ضربها وافقدها عينها ، قالت ان عينيها الاخري توجعها طيله الوقت ، تخاف تفقدها هي الاخري ، قالت له ان قسوته افقدتها عينيها وصارت فعلا لاتميز الالوان ، قالت له فليختر الكرافته التي تعجبه ويكفيها جهد الاولاد وخدمته ، صرخ فيها انها عمياء فعلا ولاتحتاج فقد العين الاخري لتفقد البصر ، قال لها انه يتحملها من اجل اولادها ، قال ان ابيها الطيب لايستحق منه يطلقها فيفضحه ، صرخت فيها ان ابيها في مقبرته سيسعد بطلاقها ، قالت انه لم يمنحها غيرالتعاسه ، وانها هي التي تتحمله من اجل اولادها ، قال لها يتوعدها انه سيخرج ويتمني لا يجدها وقتما يعود ، من اين اتتها الشجاعه في ذلك النهار ، تمردت علي سكونها وصمتها ، قالت له ان هذا البيت بيتها وبيت اولادها وانها لن تخرج منه ابدا وان اراد فليخرج هو ويعود لشقه الحسين ويرحمها ، صرخ فصرخت سبها فاطفئت السماعه واعطته ظهرها كأنه لايتحدث ، طرق باب البيت غاضبا وقتما خرج ، غسلت وجهها الباكي وارتدت ثوبها الملون بزهوره الساطعه ونزلت للحديقه ، هذا وقتها هي ، تصالح نفسها وتهون عليها مع نفسها ، الصغار في المدرسه والخادمه تنظف البيت وهي تتسلل من ذلك العالم لتصالح نفسها ، جلست علي مقعدها الاثير تحت شجره اللمون تحتسي القهوة ، بعض دموع تتساقط من عينيها وسط فنجان القهوه ، تمسح دموعها وتحلق بافكارها بعيدا عن اسرها المقيت ، صوت العصافير تسلل روحها ، حركه اجنحتها الحره صوب السماء اثارت ذكرياتها ، استدعت لمخيلتها ذكريات الجدة الطيبه ، تركت فنجان قهوتها علي المنضدة امامها واغلقت عينيها السليمه واخذت تحلق بذراعيها صوب السماء مثلما كانت تفعل في طفولتها البعيده ، صو صو ، صو صو ، تنطق كمثل العصافير ، تضحك بصوت عالي ، مثلما كانت تفعل بالضبط في طفولتها ، تحلق بذراعيها اقوي واقوي ، اظنها وقتها تصورت انها ستطير فعلا صوب السماء ، هل احست بعض الحسد تجاه العصافير الحرة ، هل تمنت لو خلقت عصفورا حر يحط من شجره لاخري بلا قيود ، مازالت تحلق بذراعيها صوب السماء ، كنت اراقبها فرحا ، مااجمل ان تمنح الاخرين السعاده ، هذا ماكنت احسه تجاهها ، انا الحديقه الخلفيه الصغيرة امنح تلك السيدة بعض السعاده ، الحق انها كانت تسعدني ايضا ، كانت خطوتها علي النجيلة الخضراء تمنحني روحا وقوه ، تمنح الاشجار ثباتا ، تمنح الزهور بهجة ، تمنح اللمون ازدهارا والقشدة الخضراء عسلا ، في داخل هذه السيدة روحا عظيمه روحا معطاءه ، روحها تتسلل من خطواتها الحافيه لحياتنا جميعا ، نزدهر بوجودها ولوجودها ، لولاها لمت وماتت كل الاشجار والزهور ، هي التي ترعانا بحبها ، سعيد الجنايني يسقينا ويقلم اوراقنا وينزع العشب البري ويهذب شجيرات الزهور ، لكنه لايمنحنا الحياه ، هي التي تمنحنا الحياة بروحها الطيبه ، كانت تحبني وكنت احبها وامتن لها ...
هي جنتها وبيت سعادتها ومكان راحتها ، مااجمل ان تحس باهميه لوجودك ونجية منحتني اهميتي بحبها ...
اكم من مرات اختبأت من صخب زوجها وجنونه بين اغصان شجراتي ، كانت تتسلل بهدوء وتتركه يتشاجر مع نفسه ، يحطم الجدران وينفث عن غضبه ، وتخرج باولادها لساحتي الواسعه ، تعلمهم اسماء الزهور والفواكه ، تقنعهم انهم لو حلقوا باذرعتهم صوب السماء لطاروا ، تمنحهم بعد السعاده والحريه بعيدا عن الجدران وحممها الساخنة ..
الست فريال جارتها بالدور الثالث كانت تشاهدها من شرفتها ، تنادي عليها بفرحه وتدعو لها بالسعادة وراحه البال ، الست فريال تلحظ دموعها وتسمع صوت زوجها يسبها ويلعنها ، تدعوها لفنجان قهوه في الشرفة ، تدعوها تشاركها المزاج النهاري قبلما ينشغلا بالمطبخ ، بعض الاوقات تصعد لها واكثر الاوقات تدعوها لتنزل ، يتبادلا الابتسامات والحب وتبقي كل واحدة علي حالها ..
اختها حياة منحتها صبارة كبيرة تخرج ورودا حمراء ، اوصتها تزرعها في الساحه الواسعه ، قالت لها انها كمثل الصبارة ، قوية وجميله ، لم تقل لها انها تتحمل العذاب والقسوة وتعيش ، لم تقل لها هذا لكن رسالتها وصلت لنجية ، اعطت سعيد الجنايني الصبارة واوصته عليها ، كانت تراقبها بنفسها وتفرح بزهورها الحمراء وترقب نموها ، توحدت معها وكأنها صارت جزءا منها ، نعم انا قويه وجميله ، تقول لنفسها ، كثيرا مااقتربت من الصباره غير مكترثه بشوكها الصغير ، كأنها تختبر طاقتها علي التحمل وقوتها ، قبلما تغرس اصابعها في الشوك تبتسم ، لاتحتاج وخزا لتدرك انها قويه ، هي قويه والحياة لاتكف عن وخزها ....
سنوات طويله ظلت نجية تهتم بي ، باشجاري وثماري ، عندما انتقل يوسف للعيش معها ، عودته يجلس معها في الساحه الواسعه ، تقص عليه قصه الصباره التي صارت شجرة كبيرة ، تقص عليه نوادر ابيه واوقات طفولته التي قضاها وسط الاشجار ، اوصت يوسف علي ، قالت له انها تحبني واني لااحتاج الا مجهود قليل لابقي وامنح الاخرين السعاده ، اوصت يوسف علي وحلفته برحمه ابيه ورحمتها بعدما ترحل لايتركني ولايهملني ولا يسمح للقبح والقسوة يقتلاني ، الحق ان يوسف وفي بوعده وحين مرضت السيدة وعجزت عن النزول لبراحي ، كان كثيرا مايحملها بمقعدها ويضعها امام الصبارة كأنه يتمني تستمد منها القوة ، وحين عجزت عن الحركه والتصقت بفراشها ، بقي يوسف يأتيني كل صباح ، يقف امام الصبارة بوقار وحب ويلقي عليها تحيه الصباح ويرشها ببعض الماء البارد لينعشها ، يقف امام الصبارة بمنتهي الحب وكأنها جدته ، احببت يوسف واحببته الصبارة وهمست لنجية في سكونها ، اللي خلف مامتش ياحاجه ، ابتسمت واوصتني عليه امنحه السعاده مثلما منحتها لها فوعدتها ووفيت ..


نهاية الجزء السادس  ويتبعه الجزء السابع  

حكاية امرأة محظوظة ...... الجزء السابع والاخير

الجزء السابع

فحبيبة قلبك 
ياولدي 
نائمة في قصر مرصود





( 32 )
حياة

اتصل بي يوسف وطلب مني زياره نجية ، سألته خير ؟؟همس كله خير ..
سارعت بالذهاب اليها ، احسستها تناديني علي لسان يوسف ، ولبيت نداءها ...
هناك ، قابلت رجوات تبكي ، احتضني بقوة كأنها تواسيني ، احتضنتها بقوة لاطمئنها لم يحن بعد ميعاد رحيلها ..
كان ثريا تجلس بجوارها وهي متكومه علي فراشها صامته .. تمسح ثريا دموعها فاطمئنها امك لن ترحل بعد ..
اتصل مصطفي ابنها من البلد البعيد التي يعمل فيها ، رددت عليه ، سألني ماما ازيها ، قلت له كويسه ، سألني هل اقترب الميعاد ليحجز ويأتي ، قلت له ان الميعاد في علم ربي لكنها تستحق منه ان يأتي ويجلس بجوارها ويراعاها ، وعدني بترتيب ظروف عمله والحضور بسرعه ، كنت اعرف انه لن يفعل ، بعدما مات سامح اصيب بصدمه كبيرة ، لم يتحمل حزنها ولا حزنه ، اثر العمل بعيدا ، شجعته وودعته ، هل كانت تعلم انه سيغيب طويلا ، لم تكترث ، كانت تتمني له راحه البال والسعاده ، تطمئنه انها سعيده طالما هو سعيد ، كان مصطفي مرتبط بسامح ارتباطا وثيقا ، طالما بكيا معا في الظلام وهو يسمعا ابيهما الاحمق كما كان يسميه سامح  يصرخ فيها ويسبها ، طالما تعانقا خائفين تتركهما امهما غاضبه وترحل ، طالما هددها ابيهما بالطرد من جنته ، كان يبكيا في تلك الجنه ويحسوها جهنم الحمراء ، كبرا متلاصقين ، كأن اقترابهما سينقذهما معا من هول مايعيشاه ، كان يحبا امهما لكنهما يحساه قليلة الحيله امام طغيان ابيهما العجوز ، طالما ارتميا في حضنها يستنجدا بها من جموح وجنون ابيهما ، كانت تطمئنهما وتطالبهما بحبه ، هو ابيكما ويحبكما بطريقته ، اكم من مرات تشاجر مصطفي معها لانها تسكت له علي تطاوله معها ، واكم من مرات نهرته بعنف وقسوه لانه لايليق به يتحدث عن ابيه بتلك الطريقه غير اللائقه فهو ابيه ويحبه وعليه يتفهمه ويلتمس له العذر ..
حين مات سامح في حادثه السيارة اللعينه ، قهر مصطفي واحس ان نصفه مات وكره الحياه والبيت والشوارع المزدحمه التي قتلت اخيه ، قرر يفر بعيدا ، يصحب زوجته واولاده ويغادر الوطن الذي قتل اخيه ، استأذن نجية في الرحيل فاذنت له ، تشفق عليه من وجعه ، وغاب مصطفي كما غاب سامح ، كل منهما غاب لسبب مختلف لكن غيابهما شق قلب نجية واوجعها ، كرامتها ابت تستجدي مصطفي ليبقي معها ، ان قوي علي الرحيل فربنا معه ، بقي لها يوسف ، نعم يوسف صار الابن والحفيد والسند والضهر ، والحق انه لم يخذلها ، عاش معها يرعاها ومنحها كل حبه ومشاعره ، احيانا احدق في وجهه فاري سامح حيا ، نعم رحل سامح بجسده لكنه ترك روحه وحبه لامه في قلب يوسف ، انت المستقبل يايوسف وعليك اعتمادنا جميعا ، كنت امزح معه واوصيه ببناتي الثلاث ، انت رجل العيله يايوسف ، وكان مسئولا وعليه اعتمدنا جميعا ، صارت نجية مسئوليته ومسئوليه زوجته الطيبه الحنونه منال ، كيف افلحت يايوسف تزرع حب جدتك في قلب زوجتك فلم تضجر من اهتمامك بها ولم تغير من مكوثك معها ولم تتهتمك باهمالها ، كيف افلحت يايوسف تزرع حب العائله في قلب منال ، كنت احبها واحبه ، واحسد نجية عليهما ، اليوم اين هي نجية ، هي العجوز التي تصرخ في الممرضه والحياه وتتصارع معها ومعنا ، كأنك ترغب في الرحيل ، متشرنقه علي نفسها وترفض التواصل معنا جميعا ، القت السماعه بعيدا عن اذنها لاترغب في صخبا ولانحيب ولا كلمات وداع ، لاتتواصل الا مع يوسف وقتما يقبض علي اصابعها فتزيد قبضه اصابعها عليه ، هي تقول له احسك واحس بك ، احبك واشعر حبك ، صار يوسف وصله الحياة لنجية ، لماذا تصرخي يانجية ؟؟ سؤال تمنيت اساله له عشرات المرات في الشهور الاخير ، اقترب منها واربت علي كفها واصفف شعرها مثلما كنت افعل صغيرة ، احتضنها فاحسها تدرك وجودي ، احسها تحتضني بروحها ، لماذا تصرخي ، مع من تتشاجرين وانت في محطة الرحيل ، اغلقي هذه البوابه وارحلي يانجية كفاك عذاب ، لم تخطرني ابدا انها سترحل ، لم يحن بعد ميعاد رحيلها ، ولم يحن بعد ميعاد وداعها ..
كنت واثقه انها ستخطرني بميعاد رحيلها ، انها في تلك اللحظة بالذات ستخرج من كهوفها الموصده وتخبرني بميعاد الرحيل ، لن ترحل وحيده وانا بعيده عنها ، ساكون بجوارها ، ساشجعها علي الولوج للعالم الرحب ، ساشجعها علي الرحيل مثلما شجعتها عشرات المرات طيله حياتها علي التصدي لما تخاف منه ، لاتخافي يانجية ، هناك سامح ينتظرك وجدتك ايضا ، ابيك وامك ، هناك كل الحبايب وسنلحق بكم جميعنا وقتما تحين ساعه الرحيل ، لاتخافي ، لست خائفه ، يأتيني ردها ، واثقه انها ليست خائفه من الرحيل ، لكنها تؤجله لسبب لااعرفه لكني ساعرفه ..
جميعنا في المنزل ، صامتين ننتظر مالا نعرفه ...
سالت يوسف ، خير يايوسف ، ابتسم ، خير ياجدتي ، حسيت انكم وحشتوها قلت تيجوا وتونسوها شويه ، سألته صامته هل يشعر ميعاد رحيلها ، نفي بحسم ، لن ترحل الان ، لكنها تفتقدكم ، لاتتعاملوا معها باعتبارها جثه رحلت تنتظروا ليله مأتمها ، ودوها ، ربما في الود منكم والوصل بعض القوه تمنحوها لروحها ..
صدقت يايوسف ، لقد انشغلنا عنها بحزننا لفقدها وهي لم ترحل بعد ..
ابتسمت واخذته في حضني ..
تسللت لغرفتها ، قبضت علي اصابعها واخذت اتحدث معها مثلما اعتدنا طيله سنوات عمرنا ، قصصت عليها اخبار احفادي والمشاجرة التي وقعت بين ابنتي الكبري وزوجها ، سببت لها في الخادمه التي احرقت الاكل ، ضحكت وخيل لي انها ضحكت ، روحها مازالت تشعر بنا وتتواصل معها ، تحتاج لوصلنا كما قال يوسف ..
في اخر النهار ودعتها لاعود لبيتي ، هل فتحت عينيها واغلقتهما ، هل كانت تودعني وتشكرني علي زيارتي ، احتضنتها فتسارعت دقات قلبها تشعر بي وبحبي ..
ربنا يديك الصحه يانجية ، امين ياجدتي ، قال يوسف و...... ومازالت نجية حية تصارع الموت وتغلق في وجهه بوابات العبور وتتشبث بوجودها معنا ...

( 33 )
السماعة

لست الاولي لكني الاخيرة ... نعم ، لست السماعة الطبية الاولي التي وضحت الاصوات لنجية ، الاولي كانت بدائية جدا لو قورنت بي ، الاولي كانت كالقمع تجمع الاصوات وتسكبها داخل اذن نجية ، وكثيرا ماكانت الاصوات ذاتها تفسد عملها ، حينما تتكاثر والاصوات وتتداخل يعجز القمع عن لملمة الذبذبات المبعثرة ويصفر وكأنه يستجيب من الصخب صفيرا مزعجا يكاد يحطم رأس نجية من شدة ازعاجه ..
انا السماعة الطبية الاخيرة ، التي صاحبت نجية سنوات وعيها الاخير قبلما ترقد مثلما تراها الان ، هشة متكومه علي نفسها كالجنين في رحم الام الذي بدأت به علاقتها بالحياة ويبدو انها ستنهيها ايضا علي ذات الشكل ، انا التي صاحبتها سنوات وعيها الاخيرة وكنت وسأظل السماعه الاخيرة حتي لو مد الله في عمرها مائه عاما اخري ، ذات يوم جذبتني نجية من اذنها والقت بي بعيدا ، حلقت لسقف الغرفه وتهاويت علي المنضدة القريبه منها ، كانت تصرخ ، ملت الاصوات والصخب والضجيج الذي يحاصر ايامها الاخيرة ، قررت تنسكب اكثر واكثر داخل نفسها ، عزلت نفسها عن العالم الخارجي بأن قتلتني اهمالا والقت بي اطن واصفر من تجويف اذنها للمنضدة ..
في حياتنا نحن الاجهزة الطبية التي يتباري العلم والعلماء في اختراعها لتيسير حياة البشر بما قد يصيبهم من عاهات تصعب عليهم حياتهم ، فنأتي نحن لنمنحهم طاقات امل ونعوض عليهم مافاتوه ونيسر عليهم حياتهم ، في حياتنا نحن نتناقل القصص والحكايات عن المريض الذي نتناوب عليه طيله حياته ، كل منا يقص علي من يأتي بعده ماعاشه حتي لايفسد اي منها مااصلحه السابق له ، لذا اعتبروني انا تاريخ حياة سماعاتها الطبية ، نعم اخر الجيل لكن اوله قص علي من لحقه الذي حكي لمن لحقه كل ماعاشته السيدة التي استغنت عن كل خدماتنا بعدما قررت تعود لنفسها وتبقي رفيقتها استغناءا واستكفاءا من العالم الخارجي وكل مااصابها منه ..
وصلتني حكاياتها كلها ، من اللحظه التي امرها الحكيم تجرب الاولي من جنسنا ، رقدت السماعه الاولي بفتحتها الصغيرة في تجويف اذنها ، صرخت نجية مرتاعه ، داهمتها الاصوات فجأ والتي كانت لاتعرفها ، سمعت صوت ابيها وكأنه يصرخ في ميكروفون وسمعت صوت الطبيب عنيفا مخيفا فبكت ، من قال انها تتمني ذلك الصخب الذي دسوه في اذنها ، من قال لك ان هذا صخبا ، انها اصوات الحياة التي لاتعرفيها ولن تعرفيها بغير ادراك اصواتها ، صوت خطواتها علي الارض يدوي في اذنها ، صوت عجل السيارة في الشارع يلاطمها ، صوت احتكاك الفرشة السلك الخشنه بشعرها الاكثر خشونة يخيفها ، منحت الاولي من جنسنا لحياة نجية صخب كريه ، تمنت لو خلعتها وعادت لسكونها ، لكنها يقولوا عليها صماء لانها لاتسمع ذلك الصخب وتتفاعل معه ، يقولوا عليها صماء والصمم مرض والسماعه الطبيه علاجه الممكن ، حاولت نجيه في البدايه تتملص من السماعه الاولي ودأبت تخلعها كلما اتيح لها ، تخلعها بعصبيه وغضب وتلقي بها بعيدا ولاتعثر عليها ، تسمع صراخ امها في وجهها هاديء لطيف وهي تأمرها تبحث عن السماعة ، تبحث عنها زبيده الخادمه الصغيرة وتعثر عليها ، تدفعها ام نجية في اذنها عنوة وهي تصرخ ، تجمع السماعه صوت صراخها مدويا وفجأ في اذنها ، تنتفض وتتسارع دقات قلبها انزعاجا وغضبا ...
هذه كانت البدايه لكنها سرعان مارضخت لابيها وامها وجدتها وللحكيم ، وابقت السماعه في اذنها حتي لحظه ماقبل استغراقها في النوم ، ادركت الاصوات بشكل اوضح وفهمت المعاني بشكل اعمق ونطقت الكلمات والحروف بشكل ادق ، حملت السماعة الطبيه الوعي بالحياه وادراكها لنجية رغم عن انفها ، ثم سرعان مااعتادت عليها ، سرعان ماعجزت عن خلعها ، تحتاجها لتتواصل مع الاخرين ، فقط حين ترغب في استرداد نفسها والغوص في اعماق بحارها تطفيء السماعة ، ايضا احيانا تخلعها من اذنها انهاءا للصفير المخيف الذي تطلقه السماعة في اذنها وقتما تتكالب عليها الاصوات ، في تلك اللحظة ، لاتخلعها غضبا ولا تمردا ، بل فرارا من صخب لاتقوي علي تحمله ، عاشت نجية مع السماعات حياة تعيسة ، ترتديها لتتواصل مع العالم ، فينهشها العالم بقسوته حين يلحظ السماعه المتوارية خلف شعرها ويصفها بالصمم سبة ويسخر منها ومنه ، تخلعها وتنكفيء داخل نفسها وتنعزل عن العالم القاسي فلايرحمها ويسخر من عجزها الذي فرض عليها لاحيله لها فيه ...
في ليلة عرسها حاولت امها تخلع السماعه من اذنها حتي لاتفسد صورة الزفاف والتاج الانيق الذي ارتدته فوق شعرها ، رفضت ، ترغب في التواصل مع الاخرين ، تتمني تسمع همس الزوج المحب وقتما يغازلها لجمالها ، هكذا تصورت ، لكنه سخر منها بصوت هامس وقتما لاحظ السماعه واقرع سمعها بسخيف كلماته لان " كل الناس لاحظت " ولان كل الناس " حتتريق عليه وهو الرجل الكبارة " يومها كرهته ، نعم كرهته وهي في طريقها معه لمنزل الزوجيه لقضاء الليلة الاولي في عمرها الطويل معه ، تمنت لو صرخت فيه انها ليست معيبه حتي يخشي من رؤيه الناس لها وان صممها مرض وانها انتصرت عليه وقاومت عزلته وافلحت وانها لم تخدعه واسرت اليه بشأن السماعه منذ المقابله الثانية ، قبلما تفرح بخطبته قالت له انها لاتسمع جيدا وانها ترتدي سماعه طبيه وان نظرها علي قده واحيانا ترتدي النظاره لتري افضل ، تمنت تقول له كل هذا ، تمنت تقول له الا تري نفسك يارجل ، الم تفهم لماذا قبلت الزواج بك وانت اكبر من ابي ، هل تخشي سخريه الاخرين ، والا اخشاها انا وانا اري في عيونهم اسئله صامته وسخريه لاني تزوجت كهل لايليق بشبابي ، هل تخشي سخريه الناس ، وانا الا اخشاها وهم يتندرون علي شعرك الابيض وتجاعيد وجهك وصرامتك ، هل لم تري كيف رمقك الضيوف وقت كتب الكتاب ، تصورك الغرباء ابو العريس وتساؤلوا اين هو ، كل هذا لم تراه ، فقط رأيت سماعتي الطبية وخشيت علي مقامك الكبير من سخرية المنحطين منها ، كرهته نجية قبلما يصلا للبيت ، وحين اغلق عليهم باب الحجرة وخلع ملابسه امامها وبسرعه ، ارتبكت وحين نادها بصوت جهوري وامرها بطاعته لان رضاه من رضا ربها ، همست ونعم بالله وخلعت السماعه من اذنها ، مالذي تريدي سماعه الان ، لا شيء ، كل ماحولي يفصح عن كلمات لاارغب في سماعها ، خلعت السماعه الطبيه من اذنها وخلعت نظارتها وملابسها والقت جسدها علي الفراش مغمضه العينين ليعبث فيه كما يشاء وتمر الليلة الاولي من عمرها الطويل معه تشبه بقيه الليالي موجعه تقهرها ...
مازلت اقص عليكم حياتنا مع نجية ، اتت السماعه الثانية اكثر تطورا ، والخامسه رقيقه وكأنها مجرد نقطه صغيرة في تجويف اذنها ، اما انا فكنت الاكثر تطورا ، التقط دبيب النمله حين تمر بجوارها ، لااطن ولااصفر في اذنها الا اذا زادت الاصوات ارتفاعا عن كل المتحمل عليها وعلي ...
جميعنا منحنا نجية صوت اولادهم وحبهم ، وحوارات حياة واهتمامها و حواديت الجدة ونوادرها ، جميعنا تكاتفنا لنمنحها وصل من تحبهم ويحبوها ، جميعنا ارتضينا بحب وتفهم عصبيتها وقت تقطع الاستقبال وتغلق اذنها وقلبها وتخلعنا وتقذف بنا لابعد مكان لاتصله يديها وقتما يقسو الاخرين عليهم بكلامهم المشحوذ كالسكاكين القاتلة ، الحق كنا نحن نتأذي مما نسمعه من زوجها وكلماته السامة ، حاول يسممها فحمت نفسها بالانزلاق داخل روحها وقطعنا دوائر الاستقبال وتركناه يعوي وحيدا وهي ساكنه هادئه لا تستقبل منه مايفسد حياتها ، الحق كنا نتأذي وقتما تصرخ امها في وجهها تحذرها من غضب زوجها عليه لانه لامكان لها في بيت ابيها ولان حملها ثقيل وصغارها اشقياء ولان هذا نصيبها وعليها تحمله ، كانت تسألها عن حالها وسبب بؤسها وحين تجيبها تشكو من قسوه زوجها المجنون الذي ورطوها في زيجته ، في تلك اللحظه تتحول امها لنمرة متوحشه ، تصرخ فيها وتطالبها بالتحمل والصبر ، هل تستمع امها ببؤسها ، هل تتشفي في ابيها الذي قهرها وكسر قلبها في بدايه حياتها وتزوج خطافة الرجاله ، هل تتمني تذكره وقتما تسمع عن بؤس ابنتها من الزوج العجوز بقول ابيها له يوم تزوج عليها " عملك ياعبد الباقي لبناتك باقي " توعده ابيها بالبؤس والشقاء الذي زرعه شوكا في قلب ابنته يرتد عليه في بناته وهاهي الايام تدور ، والبؤس يوزع كئوسه لتشرب منها نجية مياة مالحه مثلما احتست منها امها وقت طغي زوجها وكسر قلبها ، البؤس واحد والاسباب مختلفه ، كنا نقطع دوائر الاستقبال ونغلق اذنيها ومراكز السمع في مخها من التقاط سام الكلمات التي تبعثرها امها فوق رأسها تطالبها بالتحمل وكأنها لاتتحمل فعلا ..
مازلت ملقاة باهمال موجع علي المنضده بجوارها ، اتمني اتسلل لاذنها ، لقلبها ، لروحها ، لتصغي لهمهمات الحب التي ينثرها يوسف تحت قدميها ، لتنتبه لكلمات الدفء التي تشع بها حياة وقتما تجلس بجوارها وتقبض علي اصابعها وتحتفي بها وتدللها وهي متكورة علي فراشها غائبه عنهم جميعا ، اتمني اتسلل لاذنها وقلبها وروحها لكني عاجزة خرساء تراكم التراب الثقيل فوق بدني ووارني بعيدا وكأنها رسالة واضحه من نجيه لاحتاجك اكثر ولن احتاجك ، فما كنتي تمنحيه لي لم اعد احتاجه ولاارغب فيه ...
و ..................... انا السماعة الطبية الاخيرة التي يعد لها فائدة الا الدعاء للعجوز بالرحيل الهاديء من العالم القاسي الذي تجرعت مرارة قسوته ايام وايام ...
اهمس ادعو لها واتمني تسمعني ، بل اجزم انها تسمعني ، ابتسم وادرك انها حلقت بعيدا في مكان اكثر براحة ورقه ، مكان بعيد لاتحتاج فيه لخدماتي لتسمع وتصغي وتنتبه وتدرك وتشعر وتحس ، نعم هي حلقت بعيدا ولم يبقي منها الا ذلك الجسد المتكور يستعد وقتما يمل من بقاء هو الاخر في هذا العالم للرحيل ...
ادعو لها وادعو بالسعادة حيثما هي .....

( 34 )
يوسف

يجلس يوسف علي المقعد بجوار فراشها ، يحدق فيها متكورة كالجنين ، تئن لسبب لايعرفه ، يحدق فيها ، شعرها الاشعث ، وجهها المرسوم بالتجاعيد والهموم ، جسدها الهش المتشرنق علي نفسه ، يحدق فيها ويسألها ويسأل نفسه ، متي ساعه الرحيل ياجدتي ، يتمناها تصارحهه ، لايتمني يباغته موتها كما باغته موت ابيها ، لايتمني الوجع يسحل قلبه مثلما فعل ، يعرف انها مريضه وعجوز والعمر كله صار خلفها لكن لحظه موتها ستصرعه ، يتمناها تخبره وهو فقط بساعه رحيلها ، لكنها صامته لاتنطق ، عازفه عن التواصل مع الحياه ومعه ، ينتظر وينتظر ويسألها ويتمناها تسمعه بقلبها ، متي الرحيل ياجدتي ..
تخطفه ذكرياتها معه ، يسترجع لحظات حنانها التي طالما اغرقته ، طيبت جروحه وقتما رحل ابيه ، احتوته جموحه وتمرده ، ربطته قلبه بقلبها فروضته ، يحب كل ماعاشاه معا يوم بيوم ولحظه بلحظة ...
طالما قصت علي حكايتها ، كانت تسخر من كل ماعاشته ، تسخر لانهم ابدا لم يفهموها ولم يقدروا مشاعرها ، تصوروها بليدة بلهاء ، كانت تتوجع وهي تحكي لي عن الجدران الفولاذية العالية التي احاطتها منذ ولادتها ، حاصرتها الحياة بقسوتها قبلما تفهم معناها ، كانت تضحك ، تضحك وهي تتذكر المدرس الذي يعوج فمه ويعبس جبيبنه وهي تسمع له المحفوظات ، كانت تراه وتتجاهل مايفعله  ،كان يوجعها لكنها كانت تتجاهل قساوته والوجع وتكمل مابدأته ، نعم كنت انطق الاحرف معووجه وكثيرا امضغ نصفها ولا اقوله ، لكني كنت احاول ، احاول اخرج من خلف الجدران الفولاذية للحياه الواسعة ، تضحك واحسها تحترق ، لم يكن خطئها انها ولدت صماء من زواج قريبين يكرها بعضهما البعض ، لكنها عوقبت طيله حياتها علي ذلك الامر ، عايروها به وكأنه من صنع يديها ، تضحك وتضحك وتحكي لي عن مغامراتها العاطفيه الاولي ، وقتما اعجبت بالشاب الذي يسكن في البنايه المجاورة ، اعجبت به وطبعا لم يعجب بي ، قالت وضحكت ، كدت ابكي ، لطمتني علي وجهي وهي تضحك ، انت زعلان من ايه ياعبيط انت ، ده انا باسليك واضحك تعيط ، كنت اشعرها تبكي صامته ، تبكي لان الشاب الذي اعجبته به لم ينتبه لها ولم يلقي لها خطابا في شرفة غرفتها ولم يتقدم لخطبتها مثلما فعل عشرات الشباب في الحي ، ايه اللي عجبني فيه ، معرفش ، ضحكت ، كان نفسي اعجب بحد وكان الوحيد اللي باشوفه من شباكه ، تضحك وتضحك ، تصارحني انه لم يعجبها فعلا لكنها ارادت تعيش قصه حب وتساير البنات في اسرارهن الصغيرة ، قررت تصنع لنفسها عالم يعجبها وكأنها كاي بنت اخري ، كحياة ، سألتها ذات ليلة ، الم تغيري من حياة ، ضحكت ، طبعا كنت باغير منها ، احلي واجمل وكل الشباب بيجروا وراها لكن ، صمتت ، لكن ايه ؟؟ لكن حبها لي واهتمامها بي نسياني الغيرة ، جدتي حياه قالت لي ان امي ذات مره قررت تقص جدائلها الحريرية وهي نائمه ، وان امها شاهدتها فضربتها علقه موت ، تجاهلت نجية الحكايه في اليوم التالي وتجاهلتها حياة ايضا ، لكن حياة ادركت بذكاءها ان الاخرين يفسدوا علاقتها باختها الحبيبة ، يقارنوا بينهما فلاتملك نجية الا القهر والكراهية ، قررت حياة تقترب منها اكثر ، عجبا للفتاتين ، كل منهما حاربت الحياه بطريقتها وفي النهايه انتصرا بالتصاقهمها معا ...
كانت تضحك وتضحك وهي تقص علي اليوم الاول الذي ارتدت فيه سماعتها الطبيه وكيف فزعت واحست ان البنايات انهارت فوق رأسها وان الصخب الذي في الحياه كله تجمع في لحظه واحده ليصرعها ، كانت تضحك وهي تشرح لي انها ظنت ان الحياه هادئه مثلما تسمعها وحين عالجوها صرعوها بصخب كرهته ، اسرت لي بسرها الذي اعرفه جيدا ويعرفه كل المحيطين بها ، قالت ان ربها منحها الاختيار لتسمع او لاتسمع وان سماعتها الطبيه كانت سلاحها الدائم في مواجهه قسوة تكرهها ، كنت اطفيء السماعه واسحبها من اذني والقيها بعيدا وابتسم لاني لااستقبل كلمات جدك الموجعه او صراخ امي الاحمق او بكاء ابيك وقت احممه صغيرا ، قالت لي انها محظوظه ، ابتسمت ، لطمتني علي وجهي برقه وحب ، نعم محظوظة ، تظنني تعيسه الحظ ، تظنني مقهورة ، منحني ربي ميزه لم يمنحها للاصحاء ، انتقي مااسمعه ومالا اسمعه ، فكرت في الامر قليلا ووافقتها ، فعلا محظوظه ، احتضنتي وضحكت سعيده انها عثرت اخيرا علي من فهمها ...
كنت احب جدتي نجية ، لااعرف متي ادركت اني احبها ، هل يوم اغرقتني بحبها وحنانها الفياض ، هل يوم مات ابي فقررت تعوضني غيابه ، هل احبها لاني معجب بها ، نعم رغم كل القسوة التي صادفتها في حياتها انتصرت عليها وعاشت ، وتركت في قلوب محبيها وشمه دفء وصدق وحنان ، لم تقسيها الحياه القاسية ولم تشحذ قلبها سكينا ولم تتسلط علي الحياه تقتص منها ومن الاخرين ، قررت تعيش بطريقتها وتنتصر علي كل مايحيطها ، احبها لاني معجب بصلابتها واصرارها علي مقاومه الظروف القاسيه ، جدي العجوز ، ابيها السلبي ، امها المتسلطه ، عاهتها التي حاصرتها منذ فتحت عينيها علي الحياة ، عاهتها التي تركتها لطمة جدي القاسي علي عينيها ، لاتسمع جيدا ولا تري ايضا ، هكذا يظنوا ، لكنها تدرك كل شيء بقلبها ، القلوب تسمع وتري ، هكذا اثبتت نجية ، لاتحتاج ابتسامه علي وجهك لتحس حبك ولا تحتاج كلمات لطيفه لتدرك حقيقه مشاعرك ، صار حدسها اذنها وعينيها وانتصرت علي كل مااصابها ، لذا احبها ، احبها لانها مقاتله في معركه كتبت عليها وفرض عليها خوضها ، فخاضتها وانتصرت .....
متي الرحيل ياجدتي ؟؟؟ يسألها ولا تجيبه مازالت صامته لم تقرر هل ستتفاعل ثانيه مع الحياه ومعه ام ستصمت للابد ؟؟؟ ...

( 35 )
نجية

اليوم ، كل العمر يجري خلف ظهري ، ساعه الرحيل اقتربت ، كل ماعشته سيصبح ذكريات مع شركائي ممن عاشوه معي ، سيذكروني ويترحموا علي ويدعوا لربي يرأف بي ويدخلني فسيح جناتي ، افهم حبكم التقليدي واقدر دعواتكم ومشاعركم ، لكن ليس هذا مااتمناه منكم ، ولا ارغب فيه ...
متكورة علي نفسها وكأنها جنين في رحم امه ، استقبلت الحياه وستغادرها بنفس الطريقة ، متكورة علي نفسها ، صامته تبدو خرساء لكنها تتكلم ولاتكف عن الحكي ، نادتهم جميعا ، اوقفتهم في طابور وداعها الاحياء منهم والاموات ، عن احباءها احكي ، نادتهم فلبوا نداءها ، بدأت  بجدتها وطلبت منها تنتقي لها شجره لمون كبيرة في الجنه لتجلس بجوارها ، قالت لها ان رحيلها المؤقت اوجعها وانها ستلحق بها تحت شجرة اللمون ، قالت لها انها ممتنة لها كانت ومازالت طيله حياتها ، انها انقذتها من العزلة التي فرضت عليها جبرا ، ابتسمت جدتها ووعدتها تجهز لها مقعد وثير من فروع النعناع الخضراء وتزينه بالجهنيمات الحمراء التي تحبها ، نادت امها وقالت لها انها سامحتها ، قالت لها ان لن تلتقيها في الجنة وهي غاضبه منها ، قالت لها انها سامحتها وفهمت ظروف حياتها القاسيه وخيبه املها في طفلتها البكريه التي لم تمنحها الزهو والفرحة ، قالت لها انها احبتها رغم قسوتها وانها تتوق للقاءها ، نادت ابيها وسألته عن سامح ، طمئنها ابيها علي ابنها البكري وانهما معا ، وان الحديقة الغناء التي يعيشها فيها اوسع من حديقه بيت جدتها ، قال لها ان سامح يدعو لها ليل نهار لانها راعت يوسف ومنحته من حبها وروحها ما انقذه من وحشة اليتم ، قال ابيها انه يعتذر له عن قسوته معها ، هونت عليه انها ابدا لم تغضب منه ، سألته عن ام حياة وهل التقاها في الجنه ولو مصادفه ، خجل ابيها من مشاعره وقال لها ان ام حياه زوجه لاخر هو من سيلقاها في جنتهم هم، احست ببعض الحزن من اجله ، صارحها ان قلبه صفا لامها وقدر عطاءها وانه سعيد معها في جنتهما ، ابتسمت نجية وامتنت للجنه التي تصالح القلوب المهشمة وترممها وتعيد للمشاعر اجمل مافيها ، انتبهت انها تسمع صوتهم واضحا ، لاترتدي سماعه ولا تشعر حصارا ، تاقت للجنة ونعيمها ، احست نفسها ستخرج من اسرها في الحياه الضيقة للبراح ، نادت يوسف ، اتاها مرتاعا ، طمئنته لن ارحل عنك ابدا ولن اتركك ، اوصته علي زوجته ، احتضنها وتمني لو بقيت في حضنه طيله الابد ، تملصت منه ودعت له بالسعاده ، قالت له انها احبته مثل ابيه واكثر وانه كان قرة عينها ، همس في حضنها انها منحته السعاده والحنان والحب ، قال لها انه يحبها ، ابتسمت ، قالت له انه معجب بقوتها وانها قدوته في الحياه ، هي اثبتت له ان الاراده تقهر الجدران الفولاذيه وتحطمها ، ابتسمت ابتسامه واسعة كبيرة ، اه لو تعلم يايوسف مالذي فعلته كلماتك بها ، اكدت لها ان حياتها وكل ماخاضت فيه له معني وقيمه ، قبض علي اصابعها ورفض يتركها ، ابقت كفه بين كفها دفء وحنان ، اقتربت منها حياة دون نداء ، كانت صغيرة مثلما كانت في الشرفه القبلية ، احتضنها نجية التي عادت صغيرة ايضا مثلما كانت معها في الشرفة ، احتضنها بعضها وصمتا ، لاتحتاج اي منها لكلام من الاخري ، كل شيء بينهما معروف ، ابتسم ابيهما لان الايام لم تباعد الاختين عن بعضهما رغم كل مالاقياه في طفولتهما من تنازع ووجع ، مازالت نجية متكورة في وضع الجنين ، روحها رحلت لتودع الاحباب وتصفي اخر حساباتها معهم ، انه وقت الصفح والسماح ، انه وقت الحنان والدفء ، تنقي ثوبها الابيض من دنس الحياة واوجاعها ، ستلقي ربها صبية شابه خارج الجدران الفولاذية حرة عفية ، اين بقيه احبائها ، جميعهم موجودون حولها ، حولها ، تري انصاف ترسل لها قبله في الهواء ، تري زبيدة تلوح لها مثلما كانا يلوحا لبعضهما صغارا ، تري علي وصفيه ، تعدهما توصل حبهما وسلامهما لبابا وماما وستو ، فجأ تعود صغيرة ، تسمع صوت زقزقات العصافير وهديل الحمام ، تتذكر صوت الحمار ينهقه فتضحك ، تتذكر تصفيق حياة وغناءها والعرائس القطنيه تتراقص فتضحك ، فجأ تتذكر عبد الهادي ، تراه شبحا بعيدا ، يخاف يقترب منها ، تراه حزينا لانه افتري فيها ، تهمس والله عاذراك ، يرتبك ويبكي ، تمسح دموعه ، يهمس ، حقك علي ، تسمعه بوضوح ، والله ماله لزمه تحق نفسك لي ، احنا كلنا ضحايا...
وطال صمتها وصمتهم ...
 متي يتصالح الانسان مع نفسه والعالم المحيط والاحباء ويتسامي ويسامح ؟؟
 انها لحظة الحقيقة ، لحظه ترحل الروح وتموت بهدوء وتترك خلفها العالم غير مأسوفا عليه وتعود لربها راضية مرضية ...
لحظة الموت الهاديء ..........
ورحلت نجية وزقزقت العصافير بقوة وكأنها تودعها ....
وانهمرت الامطار غزيرة وبكي يوسف وبكت حياة ....
وبكي الاطار والسماعة الطبية والحديقة وكل من احبوها .....


نهاية الجزء السابع والاخير

ونهاية الحدوتة