مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الرابع "


الجزء الرابع

و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش

( 20 )
مازال الليل في اوله

و.................. صوت صاخب حطم رأس نبيل ، فتح عينيه فزعا ، حدق في مريضه خائفا يكون الصخب هو رحيل الروح التي ملت الاسر في الجسد الممزق ، لكنه مازال نائما امامه وكأنه يغرق في الاحلام الطيبه ، ينتبه نبيل فاذا بالكهرباء التي قطعت ساعات طويله عادت والضياء يسطع فوق الجدران الخضراء ، مادت الارض تحت قدميه المتيبستين محتجزا علي الكرسي الخشبي الثقيل امام الفراش الاخضر الذي يرقد عليه جسم يقاتل ليبقي محتفظا بمكانه في الحياة ، المولد الكهربائي الذي كان يدير الاجهزة الموصوله بجسد زين انطفيء فجأ فارتعشت الشاشات وسرعان ماعادت لكفاءتها بعدما حل التيار العمومي في الاجهزه بديلا لكهرباء المولد التي دعي نبيل طويلا الا تنفذ فيموت زين !!!
غرفه صغيره بارده علي جدرانها لافتة العنايه المركزة ومصاب ينزف دماء كثر من ثقوب كثيره في جسده يحاول نبيل معاونته ليبقي حيا ، غرفه صغيره بارده علي جدرانها لافته العنايه المركزة تحتجز نبيل وزين وصراع عنيف بينهما والحياة من جهه وبين الموت وملائكته من جهه اخري !!!
يفتح نبيل عينيه ويحدق في زين ، مازال حيا ، مازالت انفاسه تتلاحق ببطء ومازالت الشاشات تقرأ بعض الحياه الباقيه في جسده الممزق بشظايا ورصاص خرج ودخل ودخل وخرج ومزق جسده وروحه وكاد يوصل بينه وبين المعبر الاخير ليغادر العالم الموحش ويحل ضيفا عزيزا علي الفردوس الاعلي ، لكن نبيل اناني لايرغب في رحيل زين ولا تزيين صفحته بقلاده الشهداء ولا منح امه معاش استثنائي ، نبيل يمسك بتلابيب زين ليبقي ويصارع الحياه ويثأر لجروحه الكثر بتطبيق القانون علي القتله المجرمين يفتح نبيل عينيه ويحدق في زين ، في الشاشات ، في اللمبه الساطعه في السقف باشعتها البيضاء البارده ، في الجدران الخضراء ، ويتنفس الصعداء ، رغم كل شيء ، افلح يقبض علي روح زين في جسده ويسد ثقوب اللحم الممزق ويوقف شلالات الدماء الساخنه ويؤجل رحيله ولو بعض الوقت!!!
ستفلح يابنيل ، ستفلح !!!
منذ لحظه الهرج التي مزقت سكونه في غرفته الصغيره وليلي تصرخ تناديه ، يادكتور نبيل ، وقتها كان مستلقيا فوق فراشه بروح متعبه بعدما مات المصاب الذي حملته الطائرة الهليكوبتر من العريش  لطاوله العمليات اتي ممزقا من دانه القيت فوق جسده مباشرة ، كان يكتب رساله لزوجته ، اتت معه بين اصابعه بلا معاني بعدما اغرقتها الدماء وامتزجت مع الاسطر والحبر ، هب نبيل من فوق فراشه وهرع مرتاعا لغرفه العمليات ، يصرخ ، دم ، يعرف مالذي سيلاقيه في الجسد الممزق الذي حملته الطائره في محاوله لانقاذه وان مات يموت وسط اهله بعيدا عن الارهاب المعشش غربان سوداء علي الجبل الذي احتله اولاد الحرام ، دم هاتوا اكياس دم ، يصرخ دم دم ويجري لغرفه العمليات ، يعرف تلك الملامح علي مثل ذلك الوجه ، انها الروح التي رحلت وتركت جسدها يعاني حتي يتركه الاطباء وشأنه ، يعرف تلك الملامح ، الوجوه المعووجه والعيون نصف المغلقه والانفاس ذات الرائحه الغريبه ، والدماء اللزجه التي تنسكب من الشرايين والاورده بلا اراده في الحياه ، يعرف تلك الملامح ، هذا شهيد رحلت روحه وامتطت فرس النبي وتصعد الان للسماء السابعه والفردوس الاعلي ، روح رحلت وتركت جسد سيرحل بسرعه ، بعدما يعجز الطب يغير كتاب الاجل وميعاده وبعدما يعجز الاطباء بكل علمهم واصرارهم وحماسهم في مد الجسد الذي رحلت روحه عن الحياه بالحياه ، يعرف نبيل تلك الملامح ، يبتسم ، يقرأ الفاتحه ، يتعقم ، يمسك مشرطه وابره الخياطه وخيطها المعقم ، يمزق الملابس المخضبه بالمسك والعنبر ، يمزقها بحثا عن جسد يرغب في الحياه لكن الملابس المخضبه بالبطوله ترفض تترك صاحبها وتلتصق في عظامه وتختلط بلحمه وجلده ، هذا كفني وهذا جسدي وسنرحل معا ، رحلنا فعلا ، وانتم بؤساء تضيعوا وقتكم وجهدكم وتحاولوا فيما لايجدي!!!
ورحل البطل الذي لايعرف نبيل اسمه ، رحل والمشرط يبحث عن جرح يفتحه ويطهره من الموت المحقق والخيط المعقم يبحث عن جرح يرتق طرفه مع طرفه الاخر ، رحل وصمت القلب وكفت الرئتان عن الحركه واستسلم الجسد لرحيله وارتسمت ابتسامه علي وجه تتغير ملامحه بسرعه من مصاب متوجع لشهيد بطل يزف علي فرس النبي وحوله الملائكه لعرش الرحمن !!!
يبكي نبيل وتبكي الممرضات لان الجدع راح ، يبتسم الجدع لانه في طريقه للجنه لكنهم لايعلمون !!!
يخلع نبيل البالطو الذي كان ابيض ويغسل دماء الجدع من علي اصابعه ويتسلل لغرفته الصغيرة يبحث عن بقايا الاحجار المشحوذة التي تسكن جفنيه لتسقط دموعا ، يتسلل لغرفته ويطفيء النور ويمني نفسه ببضعه ساعات بلا حزن جديد ، لكن امنيات نبيل لا تتحقق ولن تتحقق ، قدر له يشهد لحظات الرحيل لجسد لايعرفه ، وقبلما تهدأ روحه وتلملم نفسها المبعثره حزنا علي الاحزان التي تحاصره وتحتله ، قبلما يصالح نفسه علي نفسه ويطمئنها انه سينقذ المصاب القادم مهما كانت شدة اصابته وانه باراده ربه وقدرته سينتشله من الموت سيعيده لزوجته فتعيد ملابس الحداد لخزانتها وتغلق عليها بقفل ترمي مفتاحه بعيدا ، سيعيده لامه فتدخر دموعها لتبكيها علي اولاد الاخريات التي يخترن الفخر ويرحلن شهداء عرسان للسماء ويتركن القلوب تحترق والعيون تبكي دما وهما وحزنا ووجع لايضاهيه وجع ، سيعيده للحياه وللارهابيين القتله يتقص منهم ويثأر لزملاءه الذي فشل نبيل يشد اواصر حياته لجذورها في الارض الطيبه فتركته وحلقت للسماء ، قبلما تهدأ روحه ، تطرق ليلي باب الغرفه بطرقات يعرف معناها ، تهمس بصوت جزع يخلع قلبه ويحرك مشاعره التي ظنها ماتت من زمن بعيد ، يادكتور الطياره علي وصول ، ينتبه ، وجع جديد سيصل حالا ، دماء ومشرط وخيوط معقمه وصراع مع الموت وتشببث بالحياه وتحدي مهني يطارده من فشل لفشل ومن رحيل لرحيل ، يهرع للساحه الخلفيه للمستشفي وهي خلفه وبقيه زميلاتها وزملائها ، يعلو صوت الطائره في اذنه وسرعان ماتكاد رياح مروحتها الهادره تخلعه من الارض تلقيه في الفراغ ريشه تائه وسط الاعاصير ، يسكن المحرك ويهرع نبيل والممرضات وعمال الاسعاف صوب باب الطياره ويلقي نظره سريعه علي وجه المصاب و.............. يكاد يقفز من مكانه وينسي انه الطبيب المعالج وان حياه المصاب امانه في عنقه ، زين !!! يصرخ بصوت مخنوق ، وبسرعه تنقل الايدي المدربه الجسد الممزق للنقاله ويجري عمال الاسعاف ومعهم الممرضات وامامهم نبيل يهمس لزين ، الا انت ، الا انت يازين ، حرام عليك اللي بتعمله في واللي حتعمله فيا وفي نفسك !!!
ويحدق في قطرات الدماء تتناثر من جسده علي الارض ترسم طريقه الذي لايعرف نبيل بعد نهايته وهل هو سكه السلامه ولا سكه اللي يروح مايرجعش ، ويجري عمال الاسعاف صوب غرفه العمليات وخلفهم نبيل ودموعه تنساب علي خديه رغما عن ارادته وقوته تفضح حبه لصديق عمره الذي اختار يموت حسبما تصور نبيل علي يده هو دون كل الناس ، اختار يموت علي يد  صديق عمره !!!
( 21 )
ليلي

طرقات الباب اعادت اليه بعض الانتباه ، وحيدا في حجرته الصغيرة في المستشفي ينتظر نداءات صارخه لتوقظه لينقذ مرضاه ، طرقات الباب اعادت اليه بعض الانتباه ، يعرف تك الطرقات الرقيقه ويعرف صاحبتها ، تحرك من فوق فراشه بعدما سوي ملابس نومه مرتبكا ، فتح الباب وجدها كالقمر وسط الليل الموحش ، ابتسمت ارتبك ، ارتبكت اكثر لارتباكه ، تمني لو ياخذها في حضنه ، رحب بها ، اتفضلي ، همست ، انا جايه اودعك يادكتور ، لم يفهم ماقالته ، انا مسافره الفجر وقلت مايصحش امشي من غير مااودعك ، ليلي صرخ بصوت هامس ، مسافرة ، مدت اناملها الرقيقه لتودعه ، لايفهم ولن يفهم ، بعد كل ماكان بينهما ، هل مابينهما كان ولم يعد ، اسئله كثيره تدور في رأسه وهو يشاهدها امامه جميلة نضرة ، بعض الحزن يسكن ملامحها ، نعم ، بعض الحزن يسكن ملامحها ، هكذا قرر ، حزينه هي لفراقه ، اكيد حزينه ، كأنها طعنته بخنجر في قلبه ، بل كأنها مزقت قلبه قطع صغيره ، كأنها مزقته باسنانها ، ليه ياليلي ، نظرت له نظره عميقه تحمل كل الاجابات ، انت تعرف وانا واثقه انك تعرف ، انت تعرف لماذا افر منك وتعرف اني افعل مايتعين عليه افعله ، سحبت اناملها من كفه البارد واعطته ظهرها وسارت بعيدا عنه وتركته مذهولا علي باب غرفته غير مكترثه بما اصابه  وكأنها ابدا لاتعرفه ، خطواتها تبتعد تبتعد في الممر الطويل المظلم ، وهو مازال ثابتا مكانه خلف باب غرفته المفتوح لايصدق ماسمعه ولا ماقالته له ....
من مكان ما خفي لايعرفه يستشعر وجود زين ، نعم زين هنا ، يراقبه ويشاهد المشهد كل ، يراقبه بنظراته الحاده التي يعرف وهجها وقت يتملكه الغضب ، زين يراقبه غاضبا لانه لم يهجر ليلي حتي هجرته ، زين يباركها ويبارك اختيارها الصعب ، يشفق عليها لكنه يبارك اختيارها ، يراقبه زين بنظراته الحاده وكأنه يلومه علي كل ماعاشه وماعرضه نفسه له ، اين انت يازين ، اين تختبيء وتراقبني ، لماذا تلومني وانت اعرف الناس بمااعيشه ومااعانيه ، النظرات الغاضبه مازالت تلاحقه ، لاتمنحه عذرا ولا مبرر ، يصرخ نبيل ، انت حرضتها علي هجري ، انت قتلتني وهي ايضا ، ويجري صوب الباب يلاحق خيالها الراحل بعيدا ، ليلي ، يتذكر لمساتها الاخيره وهي تودعه ، يقبض باصابعه علي راحة كفه وكأنه يقبض علي اناملها الرقيقة ، مازال لم ينتبه ، نعم لم ينتبه لقصاصه صغيره تركتها في كفه ، لم ينتبه لها فلم يقرأها ، بقي يحدق في ظهرها وخيالها وهي تغيب تغيب غاضبا منها ومن زين  و....... سرعان ماتراجع داخل غرفته واغلقه عليه الباب وتمني لو لم يكن في المستشفي ، تمني لو كان في الصحراء ليصرخ عاليا ، يصرخ من اعماقه بكل الوجع والالم الذي اشتعل في روحه وروحه تتركه يتظلي بغيابها ويحترق ببعدها وتهجره وتختفي ويصرخ ويصرخ بصوت محبوس لايخرج من حنجرته !!!
ليلي ........... صرخ بصوت مذبوح ، ليلي ، ليلي ، ليلي ، ليلي وتنهمر دموعه !!توقظه نادية وهي تهزه هزات عنيفة ، اصحي يانبيل اصحي ،  تهزه اعنف واعنف ، يفتح عينيه مرتعبا والدموع تنهمر منها ، يفتح عينيه ويغلقها بسرعه ، في فراشه بجوار ناديه لايريدها تشاركه الحلم ، يكفيها الحياه كلها ، انه سره الصغير الذي لايشاركه فيه احد ، لتأتيه ليلي براحتها ويبكي براحته ، اغلق عينيه بسرعه وكأنه يخرج نادية من حلمه رافضا تشاركه لحظته الخاصه جدا ،تلك اللحظه التي ودعته فيها ليلي وكسرت قلبه وادمته وابكته ، نعم وقتما قررت ترحل وتتركه وتمضي ، لحظتها لم يبكي ، لكنه يبكي اللحظه كل يوم ...
يغمض عينيه ثانيه عل ليلي تعود له وهو يقظ مشتاق لعودتها ووجودها في حياته ، لكنها ظالمه  ، ظالمه قاسية لاتزوره الا في الحلم وتأتيه بطوفان دموع ووجع يشعل اعصابه الما ، ظالمه هي الجميله التي يعشقها واختفت بعدما اكدت له انها تحبه وستحبه للابد لكنه يتعين عليها ترحل من اجل نورة التي تحبها ربما اكثر منه ، نورة ، هجرته من اجل نورة وتركته يلتظي بحرمانه منها حانقا علي ناديه زوجته لانه تزوجها هي ولم يتزوج ليلي ولانها انجبت له وحيدته نوره ولم تمنح ليلي فرصه لانجابها فتصبح حبيبته وام ابنته ، ناديه سرقت منها الامومه ولم تترك لها الا الحب ، ليلي التي اجتاحته بحبها فتعلق بها وعشقها وتمناها زوجة وكاد يطلق زوجته لاجلها ويشرد نورة لاجلها ، كاد وكاد ، قرر واختار ، صمم وتهور ، لم يكن احدا في الحياه يفلح يثنيه عن اختياره الا هي ، نعم هي التي كسرت ارادته و هجرته وهي تحبه من اجل نورة التي كاد يضحي بامانها من اجل حبه !!!عجزت عن الاختيار يادكتور فاختارت هي ، همس زين في اذنه ، ليلي اختارت الرحيل وانت اخترت الكوابيس والبكاء ، وليدفع كل منهكما ثمن اختياره ، مازال صوت زين يرن في قلبه ، يتذكره حانقا عليه وحانقا علي ليلي وعلي ناديه وعلي الحياه كلها ، يعرف كل ماقاله زين ومالم يقله ، ورغم هذا يتمناها تعود وليذهب العالم كله للجحيم ، حتي نورة ؟؟ يسأله زين ، فيغلق عينيه بقوه وكأنه يخرسه ويخرس صوته الذي يلاحقه باللوم والغضب!!!!!
يغمض عينيه ويتمني ينام ، لتعود له في الحلم ولو كانت عودتها موجعه ورحيلها المتجدد في كوابيسه وكل لياليه موجع اكثر ، لكنه يتمني يراها ولو ثواني قبل الرحيل ، اغمض عينيه وصمت تماما وانزلق تحت الغطاء و اعطي نادية ظهره وزين ايضا ، اغمض عينيه اكثر واكثر وانتظرها ... انتظر ليلي تأتيه في الحلم ككل ليلة !!!

( 22 )
نونس بعض

علي سطح العقار القديم الذي يسكنا في دوره الثالث معا ومنذ سنوات طويله ، حدقا في بعضهما البعض بنظرات وداع وادركا ان هدنة الطمأنينة التي اختلساها من الزمن الصعب انتهت ... حزن كبير يداهمها ويؤرقهما ، خلال ايام سيعود وصفي للمدينه الباسله وتفترق فردوس عن نجوي ، وتغلق الشقه التي لم يغلق بابها كل تلك السنوات ، وتعود نجوي لوحدتها ونبيل لعزلته ويعود وصفي وفردوس وحيدين دون كل فروع شجرتهما للمدينه التي حاربت فهجرت اهلها خوفا عليهم فشتتهم وكبر الابناء بعيدا عنها وعن حضنها فلم يعرفوها مثلما يعرفها وصفي ولم يحبوها مثلما احبها ولايطربوا لنغمات سمسيماتها وسهرات الانس علي شط القنال وفي السعيديه مثله ، صار الابناء غرباء عن المدينه وعن وصفي ، فقط زين الذي لم يعيش فيها الا قليلا يتمني يعود لها يحارب مثل من حاربوا وينتصر مثل من انتصروا ويستشهد علي ترابها متشبثا بوجوده فيها فتهجيره مبكرا شد وثاق روحه لارضها والموت عليها احن عليه من فراقها ، هل هجرته صغيرا مدت جذوره في الارض خوفا ينساها فلم ينساها ، هل الحقيبه الباليه التي حملها بملابسه وكتبه وقبضه من ترابها حافظت علي الوصل بينه وبينها ، سيعود وصفي وفردوس للمدينه الباسله لشقتهما الواسعه والتراسينه البحريه والذكريات ، سيعودوا لبيتهم ، بعض الفرحه وبعض الحزن وكثير من القلق وكأنه الغربه احتلت ارواحهم فصاروا غرباء عن كل الاماكن والمدن حتي مدينتهم الباسله ، نجوي تعدهم بالزياره وفردوس تقسم عليها برأس كل الغاليين تنتقل لتعيش معها والبيت واسع و" نونس بعض وناخد حس بعض " فتعدها كاذبه بالذهاب والبقاء ، ومن جديد ، تفرقت العائله التي ربط الحزن والوطن بين ابناءها الغرباء فصاروا عائله بلا دم ولانسب ، تفرقت العائله او هكذا تصور الجميع وقت تبادلوا الاحضان والدموع علي بسطه السلم التي طالما شهدت وصلهم ووطدت قربهم ، تفرقوا وتصوروا الايام ستبعد بينهم وتباعدهم ، لكني انا التي اراهم من عل ، اعرف ان كل مخاوفهم اوهام لاعلاقه لها بما سيعيشوه ، انا التي اراهم من عل ، اعرف انهم صاروا عائله واسره وهم ودم ، ومهما تباعدوا لن يبعدوا و....... جففوا دموعهم ربما تمنحكم الايام بعض الفرحه قبل فيضانات الدموع الاتية !!!

( 23 )
ازيك ياحبيبي

مكالمه من بورسعيد ، همس لنفسه وهو يقرأ الرقم المجهول الذي يومض علي شاشه تليفونه ، الو ، تصوره زين ، ربما هو في اجازه قصيره في بورسعيد وفرغت بطاريه تليفونه كالعاده ، الو ، اتاه صوت فردوس ، ازيك ياحبيبي ، اهلا اهلا ياخالتي ، صوتها يومض في قلبه بالفرحه ، معلش ياحبيبي باكلمك وسط مشغولياتك ، ياخالتي انت تؤمري ، يقصد كلماته بحق ، يحبها كأمه بل ربما اكثر لكنه يخجل يصارح نفسه بمكنون مشاعره تجاهها ، هي الام التي احس امومتها ، لم تبكي كلما رأته ولم تنهره لتوترها الذي وقت طفولته لم يعرف سببه ، لم تتشاجر معه ليذاكر ويتحمم ، لم تقسو عليه بحجه حسن تربيته ، هذا كله ماعاشه مع نجوي ، امه التي قهرتها الظروف فقهرته ، فردوس هي الام التي شاهدها في الافلام ، حنان فياض لاينضب ، هي التي اخذته في حضنها وحمته من غضب امه ودعت له ورقته بعد صلاتها ، هي التي اشترت له ملابس العيد رغم انف امه التي عانت دائما من ضائقه ماليه قسّتها عليه ، فردوس هي امه وام شقيقه ، نعم زين اخيه الوحيد ، هكذا احس من اللحظه الاولي التي شاهده فيها وسيظل هذا احساسه به حتي يموت ، اؤمري ياخالتي ، قصت عليه ان جارتها مريضه ودارت علي الاطباء في المدينه الباسله فلم تشعر راحه ولم تشفي ، اخبرته انها تحب جارتها التي تتعذب بمرضها وانها عرضت عليها ترسلها له في القاهره ، تقدر تعمل لها حاجه يانبيل ، طبعا ياخالتي ، سيهتم بها ويحجز لها عند افضل زملائه المشهورين وسيوصيهم عليها لانها من طرف خالته الغاليه ، اصل انا باتباهي بيك وبشهرتك ونجاحك يانبيل ، يرتبك لمديحها وينهي المكالمه سريعا وهو يؤكد عليها انه ينتظر جارتها وانه سيفعل لها كل مايمكنه واكثر ...
صار طبيبا مشهورا ذائع الصيت ، هل كنت تتصور يانبيل انك ستكون هذا الطبيب ، لم اتصور شيئا لكني لست سعيدا ، هذا مايقوله لنفسه دائما ، هل يعرف العالم كله انه نبغ في الطب لانه منحه كل حياته التي لايوجد بها الا ذكريات زرقاء وزوجة متيبسة ومذاكره كثيرة ووقت طويل لايجد مايقضيه فيه الا الاهتمام بعمله ومرضاه ، لست سعيد ، كنت اتمني امنح نفسي بعض الوقت السعيد ، اقضيه مع زوجه تحبني وتحتويني وتشاركني الخروج والتنزه ودخول السينما ، كنت اتمني امنح نفسي بعض الوقت السعيد اقضيه في منزلي علي الاريكه المريحه امام التلفزيون احتسي شاي ساخن وقطعه كيك طازجة تصنعها لي زوجه محبه ، كنت اتمني اكون اي شخص غير ماكنت ، الشهرة والنبوغ العلمي والتفوق والوقت الطويل الذي امنحه لمرضاي هروب منظم من البيت الموحش والزوجه البارده والحياه الرتيبه الكئيبه ، لست سعيد ياخالتي ، تمني يدخل حضنها ويبكي ، تمني يحكي لها عن مشاعره ووحدته وامنياته التي بقت حبيسه ، تمني يحكي لها عن رغباته في تغيير حياته كلها ، الزوجه والعمل والمنزل ، يتمني لكن لايقوي ، مش قادر ياخالتي لكن مش مبسوط ، لو سمعته لحرضته يطلق زوجته الكئيبه بنت الكئيبه ويغير عمله لان المهم سعادته ويغير المنزل لان عتبته ناشفه وضلته نار جهنم  ، لو باح لها بوجعه لطيبت جروحه وسايرته في احلامه وفتحت له طاقات الامل ، لكنه يخجل يقص عليها همه ، الم يكفيها كل ماباح لها به في طفولته ، الم يكفيها كل الدموع التي بلل بها ملابسها صغيرا فارا من عقاب امه لحنانها ، لست سعيد ياخالتي !!!
يحدق في شاشه تليفونه وكأنه يتمناها تطلبه ثانيه ، لو فعلت لباح لها بكل همه ووجعه ، لو فعلت لصارحها بما يعتمل في نفسه ، مل الحياه كلها بكل تفاصيلها لكنه عاجزا عن تغييرها ، دق رنين التليفون وهو محدق بشاشته غائبا لايري هائما في افكاره ، تصورها طلبته استجابه لاستغاثه روحه التي ارسلها لها عبر الاثير ، انتبه وحدق في الشاشه ، نادية !!!!
ستسألني متي ساعود للبيت ، ساخطرها ان العياده مازالت مكدسه بالمرضي واني لن اعود مبكرا ، ولتتعشي وتنام ولاتنتظره ، يعرف كل ردودها ، ستهمس طيب وتمنح التليفون لنورة لتهمس لابيها الذي ستنام قبل عودته للمنزل ، تصبح علي خير يابابي ، سيهمس وانتي من اهله ياحبيبه بابي ويبقي صامتا علي مكتبه طويلا يفكر في كل شيء ولايفكر في شيء ، سيبقي صامتا ثابتا حتي تطرق الممرضه باب الغرفه وتخطره ان المريض مل من الانتظار فيشاور لها لتدخله وهو يهمس لنفسه ، لست سعيد !!!
ومازال جرس التليفون يطارده فيفتح الخط ويهمس ، ايوه يانادية !!!

( 24 )
انت لها

حدق في وجه المصاب محمولا علي النقاله امام ولم يصدق نفسه ، زين ؟؟ نعم هو ، زين ، اخيك وبقيتك ودمك وهمك ، نعم هو زين ، الضابط الذي مزقت جسده الاسياخ الحديد التي انهارت مشحوذه فوق رأسه وقتما تهدمت الجدران وتهاوت بسبب الانفجار الكبير الذي وقع هو زين ، الضابط الذي تلطخته بذلته العسكريه بدماءه الساخنه هو زين ، هل سيخلع عنه البذله ويحتفظ بها بجوار بذله ابيه ليفوح منهما المسك والعنبر يحكي ويقص عن الابطال وبطولاتهم العظيمه ، يهز نبيل رأسه نفيا كأن كابوس يثقب جمجمته ويحتل تلافيفها ، لا ، لن يكون زين اسماعيل ثاني ، يحرق بغيابه قلب نبيل ويكمل علي بقيته ويسود ايامه بغيابه ، لن ترحل يازين ، يحدق في الجسد الممزق امامه ، يدقق النظر في الوجه يبحث عن ملامحه المعروفه المألوفه التي يحبها ، ملامحه غابت وضاعت تحت خليط من التراب والدماء الساخنة وبعض الدموع ، خليط رسم علي الوجه الذي يحفظه شكله ملامح غريبه ، يحدق في الوجه يبحث عن ابتسامه القوة التي طالما استمد منها قوته في الايام الصعبة ، امسك نبيل بالنقاله يوقفها ، لن يجري وراءه ، سيصاحبه في رحلته للشفاء خطوه خطوة ، استنوا ، هل هذا الصوت العالي الصارخ المرتجف صوته ؟؟ هل هذه الرجفة التي دوت بين جدران الممر الصامت في المستشفي تخلع القلب هي رجفة قلبه ؟؟ استنوا ، مد كفيه يملس علي شعر زين ، كأنه ينقيه من ذرات التراب وبعض الحصي المدفونين بين خصلاته ، مد كفيه يمسح عن وجهه التراب ، يزيله من علي جفنيه ووجنتيه وشفتيه وفتحتي انفه ليساعد الهواء النقي يشق مساراته للرئتين المحشورتين بين عظام القفص الصدري المهشمة تحت الجدران الثقيله الحجريه التي تهاوت فوق رأسه وجسده ، يحدق فيه لايصدق مايراه ، زين ، يهمس ،يتمناه يفتح عينيه ويراه ، انا جنبك هنا ، يتمناه يسمعه ، زين ، يناديه ليوقظه ليعيد بعض الوعي لرأسه ليطمئنه ، زين ، لايرد عليه ، يقف بجواره مرتاعا ، لست طبيب ولست مصاب ، انت اخي وانا اخيك ، انت مني وانا منك ، انا بقيتك وانت بقيتي ، رد علي يازين ، تأتي ليلي مسرعه من خلفه ، اتحركوا مستنين ايه ، تصرخ في المسعفين يحملون النقاله ، اتحركوا بسرعه علي اوضه العمليات ، تقترب منه وتدفعه بكفيها قليلا للامام ، يالا يادكتور نبيل ، يالا علي اوضه العمليات ، اتحركوا ، صوتها حاسم قوي يأمرهم فلم يترددوا وهرعوا علي الارض بخطوات ثقيله سريعه صوب غرفه العمليات ، تجري خلفهم ، تدفعه امامها ، يجري لايعرف مالذي سيحدث ، يجري صوب غرفه العمليات لايصدق انه سيتعقم ويرتدي الملابس الخضراء ويمسك مشرطه ويشق في لحم زين لينزع الموت من تحت اعصابه ويمنحه بعض الحياه التي تنقذه من الموت الذي يحاصره ويتسلل تحت جلده وفي شراينه واوردته يخنق انفاسه ويغلق عينيه ويطفيء وهج عقله ويفسد اعصابه واحاسيسه ، لايصدق مايفرضه عليه القدر ، لم تنقذ ابيك ومات مصابا غريبا وحيدا ، ولم تفلح تشفي امك فماتت في فراشها وحيده وانت بعيدا عنها ، الان ، امامك الفرصه ، الان تملك وتقوي ، الان زين بين يديك ، اختبار صعب لكنك ستفلح فيه ، ستنقذه ولن تتسلل حياته من بين يديك ولا من تحت مشرطك ، اختبار صعب ، انت له ، تصرخ ليلي ، يالا يادكتور نبيل ، يجري ويجري ، يدفع المسعفون باب غرفه العمليات وينقلوه برقه علي منضده العمليات ويخرجوا مسرعين ، خلفهم يدخل نبيل ، يحدق في زين علي طاوله العمليات وينسي انه شقيقه وحبيبه وبقيه عمره ، ينسي كل شيء ويصرخ في معاونيه ، يالا ، ربع ساعه ونبتدي ، اتكلنا علي الله ، ويخرج مسرعا للغرفه الملحقه بغرفه العمليات ليتعقم ويرتدي الملابس المناسبه ، تنهمر دموعه رغم انفه ، تنسال فياضانات حزن يترك لها المجال لتخرج من روحه التي قويت وصممت واتكلت علي مولاها وعلمها لتنقذ زين .... مازال يبكي ويعمق ذراعيه وكفيه ، تقترب منه ليلي ، وجودها يقويه ، وجودها يحمسه ، وجودها يشعره بالطمأنينة ، تقترب منه وترجوه يكف عن البكاء فحياه صديقه تستحق قوته كلها وعلمه كله وارادته كلها ، ترجوه يكف عن البكاء فهذا ليس وقته ، يغطي وجهه بالماسك الطبي فلاتبقي الا عينيه ساطعتين ببقايا الدموع ويتحرك صوب غرفه العمليات لينقذ زين ... يلمح وجه فردوس وعمي وصفي وكأنهما يوصياه علي زين ، يتمتم بالادعيه ويعدهما ينقذ زين باذن ربي ، و....... اتكلنا علي الله ويبدأ عمله لانقاذ الجسد الممزق امامه وكأنه لايعرفه ولايحبه ولا يخاف عليه ولايتمني اي شيء من ربه الان وفي هذه اللحظه الا انقاذه ....

( 25 )
اين انت يازين ؟؟

قرر يغلق عيادته ، قرر يعتزل الطب ويغير مسارات حياته ،مل من المرضي والمرض ودموع الرحيل وترقب الامل ،مل كل هذا واكثر ، الحق مل حياته كلها ، سيتقاعد ، هكذا قرر ، وعجبا ماقرر ، مازال في سن العطاء والحياه تنتظر منه الكثير ، لكنه مل من كل شيء وفقد حماسه لكل شيء ولن يفلح يمنح الحياه اي شيء لو بقي علي حاله مثلما هو ، حسم امره وقطع علاقته نهائيا بالطب ، او هكذا قرر ، لم يشر ناديه في اي من قراراته ، ستعارضه كعادتها ، كل مايقرره لايعجبها ، هو نفسه لايعجبها ، لكنها تزوجته وانتهي الامر ، منذ لحظه زواجهما الاولي وحين اغلق عليهما الباب وبعدما سكنت بين ذراعيه ، عرف ان الهوة بينهما سحيقه وانه تسرع في الزواج منها ولعن القدر والزمن والحياه التي حرمته من ابيه صغيرا ومن امه كبيرا ففرضت عليه الوحده الموحشه التي لم يجد الا ناديه لتملأ فراغها فاذا بها تزيد الفراغ فراغا والوحدة تعقيدا ، تمني لو يخرجها من حضنه ومن حياته ويختفي بعيدا عنها ، تمني في الليله الاولي يطلقها ويعتذر لها ويمنحها اي تعويضات او حقوق ترضيها لتخرج من حياته ، لكنه جبن يصارحها وكذب عليها وادعي انه يحبها ومنحها جسده ورجولته وبيت امه وعفشها القديم ، وصارت الدكتورة ناديه زوجته وصار زوجها ، هل كان يعرف معني الزواج قبلما يغلق عليهما الباب ، لم يعرف ولم يتصور ، اتي بغريبه تشاركه حياته ، تتدخل في قراراته ، تفرض عليه رغباتها ، اتي بغريبة تحمل اسمه وتنجب اطفاله وتشاركه فراشه وتصمم علي اطفاء كل انوار البيت لانها لاتنام الا في الظلام الدامس ، احس حياته معها ومنذ اللحظه الاولي وكأنهما في خندق الحرب وصافرات الانذار تدوي، احس معها بالحرب التي تنتهي خطر وتوتر قلق ووجع ، حتي نورة ، ابنته الحبيبه وقره عينيه لم تفلح تغير مشاعره تجاه امها ، هي ابنته وحده وكأنه انجبها من رحم القدر وحده ، صارت نورة ابنته وحده ،نعم الدكتورة ناديه امها ،لكن الدكتورة ناديه لاتخصه ولن تخصه ، فهمت بذكاءها كل مايدور في نفسه وانها مجرد زوجه تشاركه الفراش وتعد له الطعام ولا تحتل اي مكان في قلبه ، قبلت مشاعره وعاشت معها وتعايشت ، كثيرا تسال نفسها لماذا قبلت ولماذا رضخت ولما استمرت في تلك الزيجه المؤلمه ، نعم زواجها بنبيل اوجعها منذ لحظته الاولي وحتي الان ، تمنت لو احبها مثلما تحبه ، لكنه لا يحبها ولن يفعل ، المصيبه انها اكتشفت وبسرعه انها ايضا لاتحبه ، وانهما تشاركا في زيجه لقتل الوحدة والطمأنينة ، تشاركا في زيجه بارده منذ لحظتها الاولي وستظل ، نادية شغلت نفسها بعملها واموتها ونسته ، هو قتل نفسه في العمل ، يتمني يؤمن لنورة مستقبل سعيد لاتعاني فيه شظف العيش مثلما عاش ولا اليتم مثلما توجع ، غرق في العمل وافلح بسرعه يراكم الثروات الصغيره فوق الثروات الصغيره ،العمرذهب في مراكمه الثروات والكشف علي المرضي وحب نورة ، بمقاييس الاخرين هو طبيب ناجح ورب اسره سعيد ، وبمقايسه هو لقد بدد عمره في زيجه فاشله وعمل مضني وحياه تسير كالزورق المثقوب في بحر يهدده كل يوم بالغرق ...
عشره سنوات مع الدكتورة ناديه والحياه بارده كئيبه ، لايمنحه فيها بعض اللحظات القليله من السعاده الا نورة ، يتمني كثيرا لو يخطفها ويبعد عن الدكتورة وصرامتها وبرودها ، وتمني كثيرا لو قوي وطلق ناديه ، سيطلقها ويمنحها اكثر من حقوقها الشرعيه ، سيترك نورة تعيش معها وسينفق عليهما بسخاء شريطه يري ابنته وقتما يحب ، سيطلق ناديه ويعيش حياته التي افسدها القدر ووجعه واختياراته الفاشله ،  لكن نورة تحب امها تعشقها وتحبها ولن يقوي يكسر قلبها ويشتت امانها ويفسد حياتها ويمنحها يتما موجعا وهو علي قيد الحياة ، لن يطلق ناديه وسيحافظ علي المنزل واستقراره ، لن يطلقها لكنه سيغير حياته من اجل سعادته ،كفاه عمل مضني وليمنح نفسه بعض الوقت ، يمنح روحه بعض الحريه ،سيغلق العياده ويبع اسهمه ويودع النقود في البنك بأسم ناديه ويتركها ويرحل ، سيكذب علي نورة وقت الوداع ويخبرها بأنه عمله صار في مدينه بعيده وانه سيزروها كلما قوي ، سيخبر ناديه انه مل الحياة معها وان لن يطلقها كرامة لنورة وسيترك لها الثروة والمنزل ونورة ويرحل ، لماذا سيرحل ، هذا ماسيعرفه وقتما يرحل ويبعد ويختلي بنفسه التي طالما تمني يختلي بها ...
عاد لمنزله مرحا ، حرا ، اخيرا سيعيش مثلما يرغب ، اخبر ناديه بكل ما فعله وشرح لها انه اودع النقود بأسمها في البنك لتنفق علي نورة بسخاء ، اخبرها انه سيرحل ، تصور انه سيرحل فعلا ولن يعود ، الغريب انها لم تسأله عن سبب رحيله ولم تحاول تثنيه ليبقي ، الغريب انها استراحت من قراره وتنفست الصعداء ، لم تخبره ولما تفعل ،وودعها بقبله بارده علي وجنتها تمنت تمسحها مثلما تمنت تمسحه من حياتها ،تمنته يرحل ولايعود ،تمنه ينساها وينسي نوره ويخرج من حياتهما ، ودعها بقبله بارده وطرق الباب بعنف وسار في الشارع يحلق بذراعيه كالعصفور الذي سيتعلم الطيران مرحا سعيدا ، وفجأ قفز زين لخياله ، راه غاضبا حزينا ، سمعه صوت مشاجرته وصراخه ، عندما يعرف زين كل ماحدث سيتشاجر معي ، ابتسم نبيل ، وكأن زين ابيه وكأنه مدرس المدرسه الذي عاقبه لانه لم يحل الواجب ، كأنه شيخ المقرأه الذي طالما دفس وجهه في الحائط عقابا لانه لايحفظ الايات التي يتعين عليه حفظها ، زين هو ضميره الذي مازال حيا ، ضميره الذي لم تفسده الحياة ولا نهم جمع الثروة ولا برود ناديه ولا قسوه الزمن ، تمني لو لحقه زين وصعدا معا للسطح وجلسا يتحدثا ويتشاجرا مثلما اعتادا ، لكن زين بعيد وعمي وصفي ايضا ، تمني لو سافر بورسعيد والقي ببدنه وروحه في البحر يغسل همومه ويستريح!!!
اين انت يازين ؟؟؟
( 26 )
اوعي تموت

يجلس صامتا يراقب الشاشات وكأنه لايفكر ، لكنه لا ولم يكف عن التفكير ...
كل شيء يجري امام عينه وكأنه يعيش ثانيه ، تتابع في مخيلته اللقطات نفس الاصوات نفس المشاعر نفس البشر ، كل شيء يجري امامه وكأنه يعيشه مرة ثانية ...
زين ... يصاحبه في كل اللقطات والمشاهد والمشاعر ..
يحدق فيه نائما علي السرير المعدني ويتمني لو يبكي ، لكن دموعه لاتطاوعه كالعادة والمرارة تفيض من جوفه للحياه ، يحدق في زين ويتمتم بكلمات ممضوغه ويهمس ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت !!!
لم يعد طبيبا ولا زين مريضه ، بل هو صديق يجاهد لانقاذ حياة صديقه الاعز ، بل اخيه ، يجاهد لانقاذ حياته ويتشبث ببقاءه ويتشاجر معه لانه لايعاونه وكأنه يتمني يرحل ، يتمني يصرخ بصوت عالي راعد مخيف ، اوعي تموت يازين ، يتمني لكنه يكتم صوته مثلما اعتاد يكتم كل شيء بداخله ، مشاعره مخاوفه حبه ضعفه وجعه ، كل شيء مكتوم بداخله يفور كبركان اوشك ينفجر !!!
يحدق في زين امامه ويتمني يبكي او يصرخ ، لكنه عاجز فيهمس بكل الرجاء والتمني ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت !! ومازال الليل طويل والامنيات كسيحه لاتجد نهارا صحوا يقويها فتتحول حقيقه مبهجه!!

 ( 27 )
وحلقت النوارس وحلقت
وطارت وارتفعت بعيدا عن الارض
وعادت بسرعه وقذفت ببدنها وسط الماء
وبكت وكأن احدا لن يراها
و... فعلا .. احد لم يراها ...

اشرقت الشمس وغابت ، وخيم الليل علي الحياه وادبر ، سطعت النجوم وغامت ، غربت الشمس واتت ، ايام متعاقبه خلف ايام وهو راقدا في غيبوبة تبدو عميقة وكأنه مات او علي وشك الموت ، لكنه حي ، مازال حي ...
اسير لحظه لايفهمها ولايعرف معناها ، هو حي ميت ، انسكبت روحه بداخله فبدا وكأنها تستعد للرحيل ، من يراقبه يتصوره رحل او كاد ، لكنه لم يرحل ولن ، سيبقي لان ميعاد الرحيل مازال بعيدا ، هو يعلم والجميع لايعلمون ، يتصوروه سيموت، لكنه يعرف وهونصف ميت انه لن يرحل وان في عمره مازال بقيه تشده للحياه وتبعد ملك الموت عن روحه ، تلافيف مخه تهذي مع خيالاته اسيرة عقله الباطن فيري احلام ويعيشها ويسمع الحان ويغنيها ويلمح فتيات جميلات فيغازلها وتجتاحه الانفجارات فيدوس علي زناد سلاحه ويطلق رصاصات تخيف الجبناء ، يبتسم وينادي الجميلات لتأتي، تراقصه علي ساحه الرقص في كازينو بالاس ، تراقصه علي دقات البيانو ونغماته الدافئه ، يبتسم اكثر، يضحك ويضحك ، يتذكر طفولته وقتما ترك البيت ورحل ، ويتذكر فرحته وقتما عاد ، فتح الباب وصرخ فرحا ، مازالت بقايا الجدران قائمه تحتفظ بخطوطه طفولته العابثه رسمت في الايام الهانئة شموس ومراكب ، يصرخ فرحا لان البيت الذي لم يغادره انتظره حتي عاد ، ابيه يصرخ فرحا لانه عاد للمدينة التي تصور انه لن يراها ثانيه ، امه تبكي بدموع الفرح التي ندرتها احتفاءا بالعوده ، كل شيء الان جميل ، كل شيء الان جميل ، هكذا قررت الروح الحبيسه خلف الحجب داخل الجسد الوهن علي الفراش المعدني في المستشفي الصغيرة ، الروح الحبيسه داخل الجسد الذي مزقته الجدران التي انهالت عليه وبعض الشظايات التي تسللت من الجدران المتهدمه ولسع الدباير والخسه ، كل هذا مزق الجسد فتهاوي وانسكبت منه الدماء الحمراء والحيويه والحياه وكاد يبرد بالموت والرحيل ، لكن الروح ابت تغادره وصممت تبقي ، استكانت لمشارط الجراحين ورتق الجروح والادويه السائله تتسلل في العروق تستجدي شفاء يبدو مستعصي علي الاطباء ، الروح ترتق جروحها وتطبب اوجاعها وتهدهد المها وتكافح مع الاطباء ليصمد الجسد ويبقي ، تؤنسه بذكرياتها وتقص عليه حواديتها وتاخذه بعيدا عن اعصاب الالم المكشوفه الموجوعه لاحلام اكثر طمأنينه وامن ، يبتسم ويسايرها ، تسحبه من يده علي شط القنال ، تقذف بالموجيات الصغيره تحت قدميه منعشه بارده ، تحمص وجههه بلهيب شمس الصيف فتجري في وجنيته الدماء ، تغني له علي السمسميه وتصفق فيتمايل جذعه ويتراقص فرحا طربا فتدور الدوره الدمويه في الاورده الممزقه تشفيها وفي الشرايين المثقوبه ترتقها وتندفع الدماء ساخنه في مساراتها فيسعد القلب وصوت البيانو يلاحقه بدقاته المرحه وليل كازينو بالاس يؤنس ليله المشحون بالوجع والخوف ، والروح تقاوم وتقاوم ، والمقاتل الصلب العنيد النائم علي فراش الموت يستجيب للدعاء والادوية ويقاوم الرحيل و..... صوت المعدية لبور فؤاد يناديه كمثلما طالما ناده ، يقفز من فوق السور ويلوح للشط الذي يبتعد ويتمني يقفز وسط ملايين الفقعات الصغيره التي تتقافز تحت الشمس الطيبه مع النوارس ويحدق في السماء الصحو البعيده مطمئنا ويجري برعونه الاطفال علي سطح المعديه وسط السيارات ويلوح لراكبيها فيلوحوا له ، يطرق الزجاج والابواب وينادي الصغار ليلعبوا معه ، يتمني تمطر السماء نثرات من الكاساتا والفراوله ، يلوح بكل قوته للسفن العاليه ويتمني يحلق فوق سواريها ، وتتناثر المياه ورزادها البارد علي وجهه فيصرخ من النشوة ، يصرخ يصرخ !!!

وينتفض الجسد المتخشب فوق فراش المستشفي ، ينتفض وكأنه سيقوم وترتبك الشاشات وتسجل ارقاما غريبه ومؤشرات لاتفهمها ، ينتفض الجسد كأنه يقول مازلت حيا وسأظل ، ينتفض الجسد يصارع يقاوم يناضل الموت الرحيل الافول ، ومازال الصغير يجري علي سطح المعديه ومازالت قطرات الماء البارد ورزازها المنعش يرسما علي وجه الصغير البريء فرحه وتحلق النوارس وكأنها تحتفي به وتتراقص الموجات الصغيره تهدهد المعديه تتبختر صوب الشط الاخر وكأنها اوشكت تصل لبر الامان.... ومازالت المعركه مستمرة ومازالت الروح تقاوم ومازالت تقوي الجسد لينتصر ، لكن الانتصار مازال بعيد والشط الاخر ايضا ، و....... تعلو صافره المعديه وتحلق النوارس فوق راس زين كأنها تحرسه وهويصارع وجسده الوهن وروحه المقاتله كل ماغدر به وكاد به يفتك ، الصافره تعلو وتعلو فتبتسم الروح للجسد المتعب وتطمئنه هانت ، والشط التاني قرب وقربنا نوصل بالسلامه !! وتعلو الصافره وتعلو ............... ومازال راقدا في غيبوبة تبدو عميقة وكأنه مات او علي وشك الموت ، لكنه حي ، مازال حي ...

" نهاية الجزء الرابع ويتبع بالجزء الخامس " 

دموع ملونة علي جناح النورس ( الجزء الخامس )


الجزء الخامس 

و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش


( 28 )
مين منا قدر يهرب من قدره ؟؟

علي مقهي الجيانولا ، جالسين يحدقا في بعضهما البعض ، ينتظرا ، كل منهما ينتظر الاخر يبدأ الحديث وينهي ذلك الخرس الموحش بينهما ، قرر زين يبادر ويفتح الحوار ، سأله وكأنه لاينتظر اجابته ، لسه ناوي تعمل في نفسك وفينا ايه يادكتور ، سؤال استنكاري لاينتظر له اجابه ، كأنه يذكره بكل مافعله في حياته وفيهم ، في حياة زين وعم وصفي وخالتي فردوس ، ضغط علي كلمه دكتور والفاظها ، كانه يقول له هل تتذكر وقت هجرت الطب واعلنت انه قرارك النهائي ثم عدت وعدلت عنه ، هل تذكر وقتها الحجج التي قلتها مبررا اغلاق عيادتك وتغيير مسار حياتك ، وهل تذكر الان الحجج التي بررت بها عودتك للعمل ، الحجج الاولي مقنعه والثانيه مقنعه ، المشكله لم تكن ابدا في الحجج ، المشكله كانت فيك وانت تاخذ القرارات وترجع عنها وتتناقض مع نفسك وتصمم علي شيء وترجع فيه وتتشبث به وتعدل عنه ، هل تذكر يانبيل ، هذا ماقالته كلمه يادكتور التي لفظها زين متعمدا يذكره بكل مايسقطه عمدا من ذاكرته ، لسه ناوي تعمل في نفسك وفينا ايه يادكتور ، فاكر اللي كان ولا نسيته ، كأن زين يقص عليه ماعاشاه معا ، فجأ هجرت عملك واغلقت عيادتك وقررت انك لاتريد الطب ولن تكون طبيبا بعد اليوم ، فجأ اخبرت ناديه انك سترحل وتتركها هي ونورة ، تخففت من احمالك وفررت من معركتك ورفعت الرايه البيضاء بمنتهي الانانيه ، فاكر ؟؟
 يتذكر زين ذلك اليوم وكأنه امس ، فجأ اتصلت به ناديه تصرخ لان نبيل جن ، اغلق العياده ومنح العاملين فيها مكافأه نهايه الخدمه وقرر يتقاعد ، تصرخ في الاربعين من عمره ويتقاعد يازين ، صاحبك اتجنن ، شرحت له انه غادر البيت واخبرها انه سيعيش حر براحته ولن يعود ، تصرخ في زين ، صاحبك اتجنن بجد ياحضرة الضابط ، وعدها يفهم الامر من نبيل ويشرحه لها ، انهي المكالمه وبحث عنه وجده جالسا في النادي تحت شجره ظليله ممدا ساقيه علي مقعد امامه يحتسي قهوه بمزاج ، يومها رآه مجنونا احمق لانه افسد حياته بعد كل النجاح الذي وصل له ، لكنه لاحظ ايضا ان ملامحه راضيه هانئه كما لم يراه من قبل ، انت فين يااخ قلبت الدنيا عليك ، ضحك نبيل ، طبعا الدكتورة كلمتك وصرخت واشتكت من جنوني ، توعدته انه ستفضح جنونه ولن تصمت عليه ولن تقبل ماقرره ، لما تبطل الطب تعمل ايه ، استريح واعيش ، قصدك تبقي صايع ، حابقي صايع ، ومين قال اني مستعده يكون جوزي صايع ، ابتسم نبيل ، ليتها تكون اللحظه الموعوده التي تعلن فيها رغبتها في الانفصال عنه ، سيحقق لها طلبها فورا ويمنحها كل حقوقها ويزيد ويختفي من حياتها ، انتظر تطالبه بالطلاق لكنها لم تفعل كادت وامسكت لسانها في اللحظه الاخيرة ، انا مش موافقه ومش حاسكت علي كده ، تمني يضربها علي وجهها ضربات متلاحقه ، من انتي لتوافقي وترفضي ، هذه حياتي انا وليست حياتك ، الستي طبيبه مشهورة ، الا تمتلأ عيادتك بالمرضي ، الست سعيده بتكديس النقود في البنك وشراء العقارات التي ستؤمن مستقبلك ومستقبل ابنتك ، الستي راضيه عن اختياراتك وتعيشي اجمل ايام حياتك تعويضا لكي عن الضياع الذي عشتيه مع زوجه ابيك المستبده وابيكي السلبي ، انت راضيه عن اختياراتك وانا لا اتدخل فيها ، مالك ومالي يادكتورة ، يتمني يصرخ فيها ويضربها ، خضوعي لك له حدود واستبدادك له سقف لن تتجاوزيه وساكف عن الطب والعمل واغلق العياده وارحل عنكي وعن حياتك ، سارحل بعيدا ، ساجلس في النادي احتسي القهوه واقرأ الكتب المكدسه علي مكتبي منذ سنين لااجد لقراءتها وقت واعيش كما احب اعيش ، توعدته ، انت اتجننت ، بمعني اخر انت مكتئب ولازم تشوف طبيب نفسي يساعدك ، ضحك ضحكات متلاحقه افقدتها رشدها ورزانتها ، جنت من ضحكه الذي تلاحق صاخبا بلا نهايه ، اخيرا عرفتي اني مكتئب ، اخيرا عرفت معني حياتي معك وصحبتك لي ، اخيرا فهمت كل مايضغط علي روحي ويقهرني ، صحبتك افسدت حياتي ، تاره بالهروب منك فانغمست في العمل وتاره بالكف عن العمل لاعيش الحياه التي ضاعت وسط الاكتئاب والزحمه ، انا كويس ومش محتاج دكتور نفساني وعاقل وسيد العاقلين وعارف باعمل ايه كويس ، وانتهي الحوار الصاخب والمشاجره الحقماء بخروجه من المنزل ورطمه لبابه بقوه وغضب حتي كاد ينخلع ...
اتصلت هي بزين لتشكوه له ، وتطالبه بحق الاخوه والجيره القديمه يتدخل ليعيد له عقله الجامح ورزانته الضائعه ، الناس تقول عليه ايه وتقول علينا ايه ، لاتفكر الا في نفسها وشكلها وكلام الناس ، هذه هي الدكتورة ناديه وكل اهتمامها بالامر ، لاتفكر في نبيل ومالذي دفعه ليتخذ ذلك القرار الخطير ، يتقاعد ويهجر الطب ويغلق العياده ويرحل عن المنزل ويغير مسار حياته ، لاتفكر في نبيل ولاتهتم به ، اما هو فيفكر فيه اساسا ، بحث عنه ووجده في النادي ، رمي جسده علي المقعد امامه واخذ يحدق فيه ينتظر تفسيرا ، لا يحتاج نبيل لاسئله من زين ليجاوب عليها ، هو يعرف كل مايدور في نفس زين وسيمنحه الاجابات التي يتمناها ، تعجبه او لاتعجبه هذا ليس مهم ، المهم ، انه سيمنحه الاجابات ويزيل الضباب من فوق حدقيته فيراه جيدا ، يختلف معه ، ربما ، الارجح ، كعادتهما ، هذا ليس مهم ، المهم انه سيفهم!!!
لسه ناوي تعمل في نفسك وفينا ايه يادكتور ، قال زين وانتظر نبيل يجيبه ويشرح له ، ناوي يعمل في نفسه ايه ، لكن نبيل لايرد ولايتحدث ، والصمت الموحش بينهما يستشري ويستشري ، يحدق فيه نبيل ولاينطق ، كعادته سيعيده زين تلميذا صغيرا يتيما بلا سند يعاقبه المدرس بقسوة وعنف ، كعادته زين سيقرع راسه بمعول نصائحه ودروسه , ونورة ذنبها ايه ؟؟ يذكره زين بما يتناساه عامدا ، جاي تقولي النهارده انك حتطلق ناديه ، يصمت نبيل ولايرد ، لقد شرح رغبته لزين الذي استمع له جيدا وانتظره يفرغ من حديثه ليهاجمه ويكسر منطقه وحججه عله يثنيه عما في رأسه ، يذكره زين بما يتناساه عامدا متعامدا ، نورة ذنبها ايه ، نورة ابنتك الصغيره التي ستطلق امها لانك احببت اخري هي ستدفع ثمن عبثك واستهتارك ، يصمت نبيل ولايرد عليه ، طال بينهما الصمت حتي كاد زين يطلب من نادل القهوه الحساب ويرحل تاركا نبيل غارقا في صمته وجموحه لكنه يهتم بامر نبيل كعادته ولن يتركه يدمر حياته استهتارا وعبثا ...
فوجيء زين واثناء اجازته القصيره بنبيل يدق جرس منزلهم ، فتحت فردوس وصرخت لاتصدق ان نبيل افلح ينتشل نفسه من كل مشغولياته ويأتي لزيارتهم ، صرخت ترحب به وهي تخنقه في احضانها بذراعيها القويتين ، ترحب به وتبكي فرحه لان الابن الضال عاد بعد طول غياب لحضنها وبيتها واسرتها ، رحب به وصفي فرحا وعاتبه لان سنين طوال مرت وهو غائب لايسأل ولا يصل الود الذي كان ، امسكت به فردوس ليتغدي معهم فوافقها مشتاقا لبعض الدفء الاسري الذي افتقده بعدما رحلوا عن القاهره لمدينتهم وبعدما ماتت امه وبعدما تزوج الدكتورة ناديه التي اتي اليوم خصصيا لزيارتهم ليتحدث مع زين عن رغبته في تطليقها ، خرج زين من حجرته واحتضنه ، احتضنه غاضبا من غيابه لكن قلبه ينتفض فزعا ، لايأتي بنبيل الا الشديد القوي ، يتمناه يحكي ويتمني يسمع ويتمني يخيب الله رجاءه ولا يفاجئه نبيل بكارثه احتار وحده في الخروج من براثنها ، علي منضده الطعام ، ووصفي يراكم الشبار في طبقه محتفيا كريما وفردوس تقشر له الجمبري ، حدق فيه زين متأملا فاحصا عله يهتدي لمبرر الزياره الغريبه وسببها ، كاد يتعجب من صدفه وجوده في البيت وقت الزياره المفاجئه لنبيل ، لكن نبيل لم يترك لتعجبه مبرر وقتما افصح انه اتصل به في وحدته فاخبروه انه في اجازه فعقد عزمه وحضر لبورسعيد بحثا عن وعن بعض الدفء ووصل الايام الجميله التي كانت ، المأزق كبير والازمه اكبر ، همس زين لنفسه وانتظر بفروغ الصبر يفرغا من طعامهما ويرحلا خارج المنزل معا ليكشف له نبيل سر معاناته التي احضرته لبورسعيد ، مازالت فردوس تتحدث وتساله عن اخباره وزوجته وابنته ، ومازال وصفي يتحسس طريقه وسط الاسوار العاليه التي يبنيها نبيل امام كل اسئلته وفضوله ، فقط زين الذي بقي صامتا يعرف ان نبيل لن يسمعه علي منضده الطعام وان مااتي به اكبر كثيرا من مجرد كلمات عابره او فارغه تتبعثر وسط اشواك السمك ورؤوسه المكدسه وسط المنضده و............. حنشرب الشاي في الجاينولا ياام زين و........ما تأمريناش بحاجه وسحب نبيل من ذراعه مسرعا واغلق الباب خلفهما متجاهلا غضب فردوس منهما لانها "مالحقتش تشبع منهم وهما اللي لسه واصلين" .......
ايه الحكايه بقي ، وقبلما يحيك زين الكمائن حول نبيل ليجبره يتحدث ، حكي له نبيل عن ليلي ، القمر الذي شق بهيم ليله والطيبه التي صالحته علي الزمن القاسي ، الورده التي فاحت بعبيرها وسط صحراءه والسيدة التي طمأنته وهو المفزوع المرتاع طيله العمر ، ليلي ؟؟ سأله زين مستنكرا ، ايوه يازين ليلي ، وبسرعه قص عليه انها كبيرة الممرضات في المستشفي ، جميله بسيطه بريئه و......... وتمني نبيل لو يتركه زين يقص عليه قصه حبه وعشقه لليلي ، تمني لكن زين اجهض امنيته سريعا ونهره لانه يتصرف كالمراهقين السذج والمتصابين الحمقي وانه راجل بالغ وكبير ورب اسره ومتجوز وليك بنت زي القمر واللي بتعمله ده مايصحش يادكتور و..................هو يعني تدمر حياتك وتهجر شغلك وتقفل عيادتك ، ولما تقرر ترجع لحياتك وشغلك برضه تدمر حياتك بس بطريقه تانيه ، ايه يااخي انت مصمم تنتحر ليه ؟؟ يصمت نبيل ولايرد عليه ويتمناه يصمت حتي ينهي قصه حبه وعشقه للجميله ليلي ، لكن زين لايصمت ويكيل له اللكمات فوق اللكمات ، كلمات موجعه تذكره بقسوه اختياره علي ابنته التي لايحب احد في الدنيا مثلما يحبها ، ينصت نبيل لحديثه صامتا وكأنه يقول له كل ماتقوله لايعنيني ... ادرك زين ان شيئ لن يثني نبيل عن قصده ولن يخرجه من اسر العشق ولن ينقذ اسرته من جموحه وتمرده وهاويه الغرام التي سقط فيها ، حاول زين وحاول لكن نبيل لم يخضع لصرامته ولم يبتز بسيرة ابنته ومصيرها الموحش الذي قد تواجهه لوطلق نبيل امها وتركها ريشه في مهب الريح تواجه مصيرها كاليتامي الضعفاء وابيها علي قيد الحياة !!!
يادكتور سمعتك تبوظ وشغلك اللي سبت كل حاجه في الدنيا علشانه وبعدين سبته وبعدين رجعت له يتأثر وتهد المعبد فوق راسك وتدفع التمن مرتين انت وبنتك وكل حبايبك ، لسه ناوي تعمل في نفسك وفينا ايه ؟؟ سؤال لايعرف نبيل اجابته ، كل مايعرفه ان ليلي تستاهل ان يضحي من اجلها بكل شيء واي شيء ولو كان استقرار ابنته وهدم بيته واسرته و.............. ناديه حست باي حاجه ، يحاول زين فهم ابعاد المعركه التي يعيشها نبيل ، يحاول انقاذه من نفسه ، ضحك نبيل ، ناديه عمرها ماحست بيا يازين ، حتحس بيا النهارده ؟؟ كاد زين يتشاجر معه ، يصرخ في وجهه ، ماانت السبب ، ماانت اللي روحت اتجوزتها وماسمعتش كلام حد وكالعاده بعدت ، كل ماتيجي تعمل مصيبه تبعد وتستخبي زي العيال ، ضحك نبيل بصوت عالي ضحكات متلاحقه ، بس المره دي انا لابعدت ولا استخبيت ، بالعكس جيت لك برجليا علشان اقولك واصارحك واطلب منك تقف معايا وجنبي ، لما اتجوزت ناديه غلطت ، مش معني كده اني اضيع حياتي كلها ادفع تمن الغلطه دي ،باسي حدق فيه زين ، ياريت انت اللي حتدفع تمنها لوحدك ، اللي حيدفع تمن حمقك في الاول وفي الاخر بنتك ، نورة !!!
تنهد نبيل باسي ، قدرها يازين ، قدرها كده ، مين منا قدر يهرب من قدره !!!
صمت زين وعينيه تلوماه لانه اليوم هوالذي يصنع قدر ابنته الموحشه ويحتجزها فيه ، محدش قدر يهرب من قدره ولاحد قدر ينقذنا منه ، لكنك النهارده تقدر ، تقدر تنقذ نورة من القدر ده ، لكنك ياسعاده الدكتور بدل ماتنقذها ، انت اللي تصنع لها القدر المخيف وتدفعها اليه !!!
زين يلومه كالعاده وهوصامتا كالعاده وراسه كالحجر الصوان عنيده و..... سيطلق ناديه ويتجوز ليلي واللي يحصل يحصل .................  وصمت زين غاضبا وفهم نبيل صمته وغضبه وعرف ان بروده وجفاء سيمزقا الوصل بينها ولو مؤقتا ، هذا ماتصوره نبيل ، لم يتصور ابدا ان يطول بينهما الجفاء حتي يبكي امامه وهو جريحا ينازع الموت علي منضده العمليات بين يديه !!!

( 28 )
الدكتورة نادية

حدق فيها زين وادرك عمق وحدة نبيل وقدر وجعه وقسوة اختياراته ، اتصل به واخبره انه في اجازه قصيره للقاهره ويتمني يراه ، دعاه نبيل للشقه التي شهدت اخوتهما واقتسامها للحزن والحياه ، تعالي اسهر معانا في البيت واتعرف علي الدكتورة ناديه ، ان شاءالله ، همس زين واغلق الخط حزينا ، سيذهب لنبيل ويتعرف علي زوجته التي تزوجها وبسرعه وقبلما تمر ذكري اربعين امه ، تزوجها لان الوحدة واليتم قهراه وموت نجوي جدد احزانه فتآمر علي نفسه وتزوج في صمت وبملابس الحداد وعلي غرفه نوم امه وفي الشقه القديمه التي تمني لو قوي يغاردها ويخلق لنفسه حياه جديده في مكان اخر بعيدا عن تراكمات الاحزان واليتم ..
تتعرف علي الدكتورة نادية !!!! وقفت الجمله في حلق زين وخنقته ، احس الحواجز الرهيبه بين الزوجة التي ستقاسم اخيه حياته ، حواجز بينه وبينها وربما والارجح انها بين نبيل وبينها ... الدكتورة ، الدكتورة ، الدكتوره .... يردد لقبها ووظيفتها وطريقه نبيل في تعريفه بها واحس حزن يغشاه واحس قسوه الحياه عليهما ، فحين نقرر نفرح نقع في ابيار مفتوحه من الحزن تنادينا فنذهب!!!
الدكتورة ناديه الدكتورة نادية !!!ا
في التاسعه فتحت الدكتورة نادية باب الشقه رحبت بزين ودعته لحجرة الصالون ، فادرك زين ان الشقه التي كانت يتصورها شقته صارت مكانا غريبا وصار مكانه حجرة الصالون ككل الغرباء ، ذكرته نادية بدمية الالمبي التي طالما احتفل اهل مدينته بحرقها في ليله شمس النسيم ، شعرها الاشعث وسمرتها الكالحة وعينيها الصغيرتين مثل الدمية التي طالما سخرت منها المدينه الباسله والنار تلتهم قشها وخشبها وجسدها المقدد وسط احتفالات كبيرة صاخبه ، الاحتفال والحريق طقوس تداعب خيال زين بصور بعيده عاشها قبل الهجره مع ابيه الذي اصطحبه للسعيديه واحتسي النارجيله والشاي وجره وسط الزحمه ليشهد الاحتفال البورسعيدي الخاص ، يذكر انه كان تائها وسط الزحام وارجل الكبار والنار المشتعله تخيفه وابيه يضحك ويحمله للسماء فوق كتفيه العاليين ليري مالذي يحدث وسط الحلقه الكبيرة التي تحترق دمية الالنبي وسطها ، مازال صخب السمسميه والتصفيق والهتافات المتحديه واصوات الفرجه التي تمزق سكون الليل والنار تتطاير في ذرات قش صغيرة ، كل هذا مازال يدوي في اذنه ، لماذا تذكره الان وقتما فتحت له الدكتور ناديه باب شقه خالتي نجوي التي لم تعد شقتها ولا شقه الاسرة ولا شقته  ، لماذا تذكر القش المحترق المتطاير في السماء وهو يري رأسها الاشعث والايشارب الصغير الذي تخبيء به نثرات شعرها فوق جبهتها فتتطاير خلف رأسها فوق كتفيها ، لايعرف ، كل مايعرفه انه لم يحب تلك الدكتوره واحس غربه تجاهها وخشي علي شقيقه من جفاءها البادي !!!
رحب به نبيل ترحاب كبير واحتضنه فترك زين جسده وسط ذراعيه ، يتمني يخطفه خارج الشقه ليسمع منه لماذا اختار تلك السيده وتزوج تلك الزيجه ولماذا قرر يعيش الوحشه ويغلق امام قلبه وايام حياته ابواب الرحمه والفرحه ، لكنه لم يقوي ينطق ، تسللت الدكتورة علي الكنبه الكبيرة بجوار زوجها وكأنها تقول لهما معا ، انا هنا ، معكم ، الحق انا هنا مع نبيل وانت مجرد ضيف وان طالت جلستك ، تحتسي قهوتك وواجبك وتطمئن علي صديقك زوجي وترحل !!!
احاسيسها البارده وصلته ، وعدم ترحابها به من اعماق نفسها نغزته في قلبه وتمني لو يرحل سريعا وينهي تلك الزياره الموجعه ، همس له وهي تجهز الشاي ، ليه ياابن الكلب ، ابتسم نبيل يائسا ، كله محصل بعضه ، وقبلما يلكمه في وجهه حانقا عليه ، دخلت ناديه بالشاي والكيك والطقم الصيني الذي طالما تمنت خالتي نجوي تخرجه يوم فرح نبيل يوم الفرحه الكبيرة ، فماتت وبقي الادراج حبيسا حتي استعملته ناديه بلا فرحة ، احتسي زين الشاي بسرعه وودعهما ورحل ، علي بسطه السلم التي طالما شهدت قربهما كاد يبكي ، هي شقت صدريهما ومزقت الحب والقرب بينهما عن عمد قاصده ، تختطف صديقه واخيه من حضنه وتزرع شوك وحنظل و............... تمني لو احرقها فرحا مثل الالنبي واحس بعض الفرح وهو يتصورها تحترق وتصرخ وخجل من نفسه وترك البنايه حزينا !!!
باعدت نادية بين زين ونبيل ، الحق انها باعدت بين نبيل وبين كل حياته السابقه وكأنها قررت تحتل كل تفاصيل حياته منذ ولد وحتي يموت ، دعتها فردوس لزيارتهما للاحتفاء بها وبزواجهما فاعتذرت لانها لاتقوي علي ترك عملها ، اتصل بها وصفي يخبرها برغبته في زيارتها والمباركه لها بالزواج الميمون فاعطته ميعادا مستحيلا في الرابعه مساءا قبل نزولها لان عندها عياده ومش عارفه حترجع امتي ففهم رسالتها وارسل لنبيل ظرفا به " نقطته " وصمت وابتعد ، نهر وصفي فردوس وقتهما بكت لان الست الدكتورة خطفت نبيل ، نهرها وافهمها انهما موجودان وسيظلا وحين يحتاجهما نبيل سيجد حضنهما الدافء مفتوح و" كفايه نكد " ، احسها وصفي تشبه قوات الاحتلال الاسرائيلي التي هددت مدينتهم فهجرتهم منها ، لم تحتل المدينه لكنها هجرت اهلها منها ، هي الدكتورة ناديه كالاحتلال الاسرائيلي هجرت نبيل من حضنهم او تسعي لهذا ويتمني الا تفلح !!!

( 29 )
ماتيجي معايا انت

يسيرا امام المحطة صامتين ، يدخلا من بوابتها العاليه تحت الساعه الكبيرة ، هي لحظه وداع مثل كل لحظات الوداع التي عاشاها معا وعاشها كل منهما وحده ، زين ينتظر القطار الذي سيحمله لمدينته في اجازه قصيره يعود بعدها لكليته الصارمة  ، ونبيل معه في المحطه يودعه ، يودعه ويبحث عن القطار الذي سيعود بابيه لحضنه ، يسيرا صامتين ، يعرف زين وطئة لحظات الوداع علي نبيل ، ويعرف نبيل انه يعرف فيصمت لايشكو له مايشعر به ولامايوجعه ،  فمالذي ستفعله الشكوي واظهار الوجع في واقع قاسي يعيشه وذكريات موحشه تطارده ، يقفا علي الرصيف ينتظرا القطار القادم بعد عده دقائق كمان تقول الاذاعه الداخليه للمحطه ، يقفا صامتين ..
 حر الصيف حارق والذكريات ايضا ، في صيف بعيد مثل هذا الصيف ، وقف نبيل علي الرصيف في قبضه امه ينتظر ابيه العائد من بعيد ، واليوم يقف ليودع زين ، ومابين الانتظار واللقاء والانتظار والوداع يجري الوقت ويوجعه ، صامتا يحاول يتذكر وجه ابيه بصعوبه ، كان يأتي لاجازاته فيحمله للسماء ويجلسه علي ركبته ويقص عليه ما يعيشه في الايام التي يرحل فيها عن البيت ، يقص له عن الصحراء واكل الثعابين والنصر الذي سيحققه وكل زملاءه ، يتذكر وجه ابيه بصعوبه وحين يقبض علي بعض ملامحه تفر منه العينين ، غائبتان غائمتان ، يتذكره نبيل ويتمني معجزه من السماء ، معجزه تعيد الحياه لابيه وبرقيه تصل لامه تهنئها بسلامته وتخطرها بميعاد رجوعه ، يومها ستحمم نبيل وتلبسه اانق ملابسه وتسحبه من يدي لرصيف المحطه تنتظر القطار العائد بالحبيب ، لكن السماء تضن علي نبيل بمعجزاتها ، لن يعود ابيه ولن ينتظره بفرحه علي رصيف المحطه ولن تشتري له امه الفشار الساخن وزجاجه العصير ، السماء تضن عليه بمعجزاتها ، الان هو هنا علي نفس الرصيف ، يودع زين العائد لمدينته ، احس حقدا علي زين الذي يحب مدينته التي قست عليه فلم يقسي هو عليه ولم ينساها ولم يخلعها من قلبه ، احسد حقدا علي زين العائد لحضن امه الطيبه وصحبه ابيه الحكيم ، عكسه هو ، لايحب المدينه التي لاتمنحه الا دموعها و حانق علي امه التي اوصدت احضانها البارده في وجه وغاضب من ابيه الذي رحل وتركه يتيما صغيرا ، هو علي نفس الرصيف والقطارات تتسارع امام عينيه لكنها لاتأتيه بالفرحه بل تمنحه حزن دفين ، وهو هناك لحظه اكثر وجعا وقتما تمزق القطارات روحه وتحمل زين بعيدا عنه ، وكأن كل الحزن الذي تجرع سمه سنوات طويله لايكفي !!!
يتمني لو سأل زين البقاء ، لو سأله يؤجله زيارته للمدينه واهلها لاجازته القادمه ، لو سأله سيبقي معه ، لكنه لن يفعل ، وكلها دقائق وان طالت سيرحل زين للقنال والبحر ومدينة المقاومه وعم وصفي ويتركه ضائعا وسط زحام المدينه وابواق سياراتها الصاخبه يبحث عن سكينه تهدهد روحه ، يتركه وحيدا بعدما بدد وحدته سنوات طويله ، هو يعني لازم تسافر يازين ؟؟ يساله نبيل فيبتسم زين برقة ، عمك وصفي وخالتك فردوس يموتوني لو ماسافرتش ، يصمت نبيل ، والحق كمان كل حاجه هناك وحشتني ، اجازه قصيره وارجع جري ، المره الجايه حاقضي الاجازه كلها معاك ، يبتسم نبيل ويصمت لكن الحزن يلون ابتسامته بزرقه كئيبه يعرفها زين ، لن اشحذ وجودك مثلما اشحذ بعض البهجه في الحياه ، ماتيجي معايا انت ، همس زين فانتعشت روح نبيل ، سيسافر معه لبور سعيد وعم وصفي وخالتي فردوس والتراسينه ، سيسافر معه ويسرق بعض لحظات البهجه والدفء العائلي والونس ، سيسافر معه ويشحن روحه ببعض الحنان والحنية فيقويها لتتحمل مايعيش من خرس ووحشه في البيت المسكون بالحزن ... وعلت صافرة القطار وصعد زين للعربة وهو يسحب نبيل من ذراعه ليسافر معه ، حنكلم خالتي نجوي لما نوصل ونطمنها عليك وياريت هي كمان تحصلنا دول يومين مالهمش تالت و.......... جلسا متجاورين في القطار صامتين ، كالعادة يسحب زين نبيل من ذراعه لينتشله مما يوجعه في اللحظه المناسبة و............... يعلو صوت البيانو من كازينو بالاس يخيم علي ارواحهما المحلقه نحو السعاده لبعض الوقت ....

( 30 )
اوعي تموت

اقترب من رأسه ومرر اصابعه علي شعره وكأنه صغيره النائم ببراءة وطمأنينه ..سحب مقعده واقترب من الفراش ، جلس صامتا وكأنه يحصي الانفاس الصاعده البطيئه ، كأنه يخاف يغفل عنها فتتوقف ، اقترب اكثر واكثر بجسده من الجسد المسجي علي فراشه موصولا بالشاشات ، انا عارف انك سامعني يازين ، همس نبيل ، انت سامعني ، يبحث عن اصابعه مدفونه تحت الغطاء ، يقبض عليها ، لو سامعني دوس علي صباعي ارمش بعينيك ، ايديني اماره انك سامعني ، يصمت وينتظر اي اشاره يمنحها له الجسد لتطمئنه ، لكن الجسد يبقي ساكنا ..
اعرف انك تسمعني يازين مثلما اعتدت تسمعني دائما ، اعرف ان قلبك معي وروحك ايضا ، لااظنك بحق غاضبا مني مثلما ادعيت الفتره الماضية ، كنت غاضبا مني حرصا علي ، رافضا اختياراتي ، حاولت تثنيني عنها وحاولت اسايرك لتصمت ، لكنك لم تصمت !!!
يهمس نبيل في اذن زين ، يتمناه يفتح عينيه ويصفح عنه ، يطمئنه انه لم يعد غاضبا منه وانه صالحه وانهما كانا ومازالا اخوين ، لكن زين ينازع الموت ويصارع الحياه ليبقي ، لايملك الان في هذه اللحظه مايقوي يطئمن نبيل به ، مازال جالسا بجواره وشفتيه في تجويف اذنه واصابعه تقبض علي اصابع زين ، اوعي تموت يازين اوعي تموت !!!
يحدق نبيل في الشاشات ، الضغط والنبض وكل شيء مطمئن لكنه لن يطمئن الا اذا فتح زين عينيه وعرف ان نبيل بجواره وانه تخلي عن حياته التي طالما تشاجر معه ليخرج منها ويرتدي جلده وتاريخه وحياه ابيه ، اوعي تموت يازين !!!

( 31 )
هل كنت تعلم ؟؟

انها مستشفي صغيرة ، ربما هنا وربما هناك ، موقعها الخريطه لايهمنا ، اليها يأتي الابطال في نضالهم الاخير مع الحياه علهم ينتصروا علي الرحيل فيبقوا ويحاربوا وينتصروا ويرحلوا ، وربما يرحلوا فرحين بمواكب الفخر التي تأتيهم لتحملهم بعيدا للسماء تاركين مواقعهم للابطال الاتين من بعدهم حتما ..
زياره قصيره لاحد المعارف راقدا علي الفراش المعدني البارد في تلك المستشفي افلحت تعيد نبيل للطب بعدما هجره ثلاث سنوات ، تأثر لحاله المستشفي التي يناضل اطباءها لانقاذ حياه مرضاهم ، وسط  الجدران الخضراء والغرفه الصغيره التي يرقد فيها المريض داهمه الشوق ليعود لعمله الذي استقوي عليه وهجره ، احس المستشفي تحتاجه ومرضاها يتمنوا وجوده ليعالجهم ، زهد الرفاهيه البارده التي عاشها السنوات الثلاث ، يقرأ في الصحف والكتب ويحتسي القهوة والشاي ويتشاجر مع ناديه ويلعب مع نورة وتجري الايام كالرمال الخشنه بين كفه تمزق روحه ، لم يكن العمل مشكلتك يانبيل ولم تسعد بتركه ، كنت تنقذ المرضي وتساعدهم يتحملوا الامهم واوجاعهم ، كففت عن مساعده الاخرين وتسخير علمك ومعرفتك لصالحهم فبارت روحك كالارض الشراقي لاتجد من يرويها ومن عطش لعطش تنام وتستيقظ ، في المستشفي الصغير استيقظت روحه ، رائحه المطهرات والادوية والدماء الساخنه ايقظوا في روحه معني وقيمه تعمد ينساها ، صوت التوجع المحزن والالم العنيف وزغاريد الفرحه بالشفاء وتمتمات الشكر وادعيه الرجاء والتمني ، كل هذا داهمه فجأ وهو في المستشفي الصغير ، احسها المكان الذي كان يبحث عنه ، لن يعود لعيادته ولن يتنقل بين المستشفيات الاستثماريه ينقذ المرضي باموالهم الكثيرة ، سيمنح هؤلاء الابطال وقته وروحه وحياته وعلمه عله ينقذهم من الموت الذي يحلق دائما فوق رؤوسهم وهما يحاربون ويقاتلون ويقدمون حياتهم رخيصه للوطن ، لماذا تذكر ابيه ، هل لو عثر ابيه وقت اصابته بالشظيه القاتله علي طبيب مثله ، هل كان سينقذه ويبقيه في حياته ويقيه من اليتم الموجع ، ربما زاره هذا المريض ليعود للطب محاربا في حياه الابطال عله ينقذ اولادهم من اليتم والقهره ، ساعود للعمل هنا ، وليس في اي مكان اخر ، هذه المستشفي الصغيره تتمناني بين اسره اطبائها حتي لو لم تبوح برغبتها التي تبدو مستحيله ، لكن سمعت صوت رجاءها وقبلته ، افسحي لي بين جدرانك حضنا وامنحيني من مناضد عملياتك واحده وساعديني اعود لنفسي واساعد الابطال يعودوا لاسرهم واطفالهم ووطنهم ، ساعديني اعود لنفسي ، همس للمستشفي وكأنها امه التي طال غيابه عن حضنها ، ربما عملي هنا يمنح حياتي قيمه تسعدني ، همس لنفسه وتمني لو يسأل زين ، تفتكر ؟؟ عرض الامر علي مدير المستشفي الذي رحب به سعيدا بانضمامه لاسرة المستشفي واطباءها  المقاتلون الغازلون برجل الحمار وسط الظروف القاسيه لانقاذ حياه الابطال ، وبسرعه ، ارتدي البالطو الابيض وعاد للمرضي ووجعهم وانغمس بسرعه في العمليات وانقاذ الابطال والبكاء علي حياه من رفض معاونته وادويته وبراعته ورحل للسماء ، لماذا جئت لتلك المستشفي يانبيل ، هل كنت تعلم ؟؟ هل كنت تعلم ان حظك العثر سيأتي بزين تحت مبضعك وعلي منضده عملياتك لتحاول تنقذه بعدما انهارت عليه الجدران واصابت الشظايا جسده فمزقته ؟؟
ارتدي الملابس المعقمه وقبع في غرفه العمليات يسخر علمه لانقاذ الاحباء الابطال ، ربما يفلح يقي طفله صغيره جرح اليتم ، ربما يفلح ينقذ شابه من الترمل ووجعه ، ربما يفلح يقي هرم طاعن دموع القهره وابنه الغالي يرحل ويتركه يتوجع بفقده ، كفاك كل ماضاع يانبيل ، كفاك توهه ، الان صرخ النداء يستدعيك فلبي ايها الرجل وكفاك انانيه وغرق في تفاصيل الحياه اللعينه !!!
مااصعب الاختيار ، همس نبيل لنفسه ، الاختيار ثمن ، وانت يانبيل دفعت الثمن في البدايه دون اختيار واليوم عليك تدفعه راضيا صاغرا سعيدا ، الان الاختيار ان تكون بدلا ماكنت بلا معني ولاقيمه ، الان الاختيار ان تكون ، ابتسم نبيل ، اختار وانتهي الامر علي صعوبة ماعاشه وماقرره ، وهاهو الان في المستشفي الصغير يؤدي واجبه الذي طالما تقاعس عنه ..
هل كان يعلم كل ماسيعيشه في تلك المستشفي التي اختارت الطياره تحمل زين وجسده الممزق لها ، هل كان يعلم ان قلب خالتي فردوس وعم وصفي سيكون تحت سن مبعضه وبين غرز ابره خيطه وهو يرتق جسد الحبيب الغالي ، هل كان يعلم ان تلك المستشفي بالذات ستعيده لزين وتعيد زين له بعد طول جفاء ؟؟؟ لم يكن يعلم ، ومن يعلم مالذي يخبئه لنا القدر من مفاجأت ... 

( 32 )
مصيري كله في يديك

خرج من غرفه العمليات ، نقلوه لغرفة العنايه المركزة ، ثمانيه واربعين ساعه هم الاصعب في حياتهما ، حياه زين ونبيل ، اخرجوه من غرفه العمليات والابر منغرسه في ذراعه ورقبته توصل الادوية والحياه لاوردته ، نقلوه لفراشه واوصلوا الشاشات بجسده تقرأ مالذي يحدث وسط ذلك السكون المريب ، الغرفه صامته الا من انفاسه البطيئه ، نور هاديء بعيد يرمي بظلال الجدران علي جسده ، بعض الضوء يأتي اخضرا من الشاشات يلون ملامحه بغرابة وترقب ، يجلس نبيل علي مقعدا بجواره ، يعد انفاسه ويراقب اختلاجات عضلات وجهه وينتظر اي اشاره تخبره ان مريضه سيجتاز مرحله الخطر ، يراقب الشاشات والنبض والضغط ودقات القلب ، يراقب المحاليل تقطر شفاءها في اوردته ، يراقب صدره يعلو ، ينصت لدقات قلبه البطيئه يخشي تفر واحده منها فيفر منه صديقه ومريضه واخوه وكل معني الحياة ..
ساعات طويله خلع رداءه الابيض وهدوء الاطباء وارتدي نفسه وخوفه علي صديقه واخيه ، اغلق باب الحجره عليهما واحتجز نفسه معه في ساعات القلق المرعبه ، تتناوب عليه الممرضات ، يغيرين قوارير المحاليل ويقسن الحرارة ويتابعن النبض والضغط ويكتبوا للدكتور نبيل وقتما يعود طبيب كل ملاحظاتهم علي الحاله الصحيه لمريضه الذي يلتصق بفراشه الان كصديق واخ وعشره عمر ، يقترب بمقعده من فراشه ، يتمني لو يفسح له زين بجواره علي الفراش ، يتمني لو يفسح له مكان فيمدد جسده علي ذات الفراش ويحتويه بذراعيه ويمنحه من انفاسه انفاس تمنحه بعض الحياة او كثير منها ، يتمني ياخذ رأسه المسيج بالشاش والاشرطه اللاصقه في حضنه وكأنه سيرممها ويلصق عظامها المفتته ببعضها ، الان لم اعد طبيبا ولاارغب ، الان لم اعد طبيبا ولن اكون ، اما تشفي وتعبر برزخ الموت المعد لانتظارك فتمنحني قوة اكمل بها طريقي واما نرحل معا ، انت عن الحياه كلها وانا عن الحياه التي اعرفها ولم اعد ارغب في مزيد منها ، الان لم اعد طبيبا ولاارغب ، لو لم افلح انقذك لامعني لردائي الابيض ولا معني لبراعه مشرطي وكل مااعرفه من علم عجز ينقذك ، مصيري كله في يديك ومستقبلي وحياتي ، اما سنعيش معا واما سنموت معا لكنك كالعاده اكثر مني حظا لانك ستموت بطلا اما انا سأموت تواريا وقهرا وعبثا ، يهمس نبيل لزين وهو يراقبه ويراقب الشاشات ويراقب الانفاس ودقات القلب ، يتمتم بالادعية ، غدا سيأتي عم وصفي لزياره زين ، مااشقها لحظه ، هذا الشيخ الجليل سيغادر مدينته ويأتي يدعو لصغيره بالحياه والشفاء ، عم وصفي جايلك بكره يازين ، يحدثه ويتمناه يسمعه ، شد حيلك بقي علشان تقابله ويتطمن عليك ، عم وصفي مش حمل حرقه قلب يازين ، ماتعملش فينا كده ، تنهمر دمعتين ثلاث ، يخفيها عنه حتي لايقلق علي حالته ونفسه ، واثق ان زين يسمعه ويشعر به ، سينهره لو شاهد دموعه ، سينهره لان فيضانات الحزن مازالت تحتله وتغرقه في ملحها كلما ارادت ، سينهره ويطمئنه علي حياته وان عمر الشقي بقي ، يبتسم نبيل ، يتذكر الساعه التي نهره فيها زين وردد علي اسماعه تلك العباره ، خائفا عليه من مصيره وقتما قرر يلتحق بالكليه الحربية ، خائفا عليه من مصير ابيه ومصير الوف مثله ، قدموا حياتهم للوطن ورحلوا ، خائفا عليه من مصيره ، يومها نهره زين لانه اناني لايفكر الا في نفسه ، لايفكر الا في حاله وحياته ، اختصر ابيه وبطولته واستشهاده في يتم اوجعه طيله العمر ، لم يري في تلك البطوله الا الوجع ، لم يري في ابيه الا الغياب ، لم يراه وسام فخر علي صدر الوطن وصدره ، بل رأه لحظه وجع امتدت وقهرته ، اختصر ابيه وبطولته في وجعه ، واليوم يخاف عليه ، يخاف علي حياته ، يخاف عليه من مصيره المشرف الذي يتمني يناله بل ويسعي اليه ، اناني انت يانبيل لاتفكر الا في نفسك ورغباتك ، صديقك انا لاتريد تفقدني ، تتعامل مع حياتي وموتي باعتبارهما شأن يخصك ، خلقت لاكون صديقك وعلي ابقي صديقك حتي لاتتألم ، يتذكر نبيل كلمات زين له غاضبا ، انت خايف علي ، طيب مش خايف علي البلد علي مصر ، لو كل واحد فيها فكر زيك كده ، مين يدافع عنها ومين يحارب لها ومين يموت علشانها ، يتذكر نبيل الاصرار والغضب اللذين غلفا صوت زين وهو ينهره ويتشاجر معه ، انا ابن المدينه الباسله اللي ضحت وبتضحي علشان مصر ، ابن المدينه اللي دفعت تمن غالي برضا وسعاده ومستعدين ندفع تاني مره واتنين ، عايزني انسي تاريخي وابقي بمبوطي اهرب سجاير من البلنصات في القنال ولا اهرب صابون وكمبوت وابيعهم في السوق التجاري ، يومها خرس نبيل ولم يجد مايرد عليه به ، تمني لو قال له احب الوطن واتمناه اعظم الاوطان لكننا دفعنا الثمن وكفانا ، تمني لو قال له لااريدك بمبوطي مهرب في سوق الباله لكني لااريد محارب ينتظر الموت بل يسعي اليه ، تمني لو قال له ان عم وصفي وخالتي فردوس دفعوا تمن غالي تهجير وحرب ومقاومه وكفايه عليه خوف وقلق ، تمني يقول له كلام كثير ، لكنه لم يقله ، المصيبه انه احس رده تافها غثا وان كل كلمه فيه ستفجر لدي زين اعاصير غضب سيكيل له بسببها ماهو اشد واوجع من الكلمات ، لكن زين يقرأ روحه وافكاره ، يعرف مسارات وجعه واين استقرت في نفسه ، زين يقرأ افكاره فرد عليه قبلما ينطق ، انا اخترت وحادفع تمن اختياري ، الدور والباقي علي اللي مابيختارش ومش عارف يختار ، خايف من كل حاجه فعايش زي القشه علي وش الميه الدنيا تشيله وتحطه وهو مسلم نفسه ليها لاحول ولا قوة ، اسمع ياصديقي، لست وحدك من دفع الثمن ، اطفال كثيرين حرمهم الوطن من اهلهم ، اباء كثر تركوا اطفالهم في حضن الوطن امانه ومنحوا الوطن حياتهم برضا وفخر ، لست وحدك من دفع الثمن ، اسر كثيره هجرت من منازلها وتركت حياتها ومدنها وتاريخها برضا وطيب خاطر ، زوجات كثيرات حرمن من الحياه والرجل والسند ، امهات كثر فقدن ابناءهن وسندهن في الحياه ، الجميع دفع الثمن ، لكنك وحدك من تضن علي الوطن بوجعك وكأنك الوحيد الذي توجعت ، هذا الوطن يانبيل يستحق ، يستحق نموت من اجله ونتوجع من اجله ، هذا الوطن يانبيل يستحق و............ صمت زين ونبيل يتابع حديثه باسي وحزن ، مصمم انت علي مافي رأسك ، انفجر زين ضاحكا وكأني احدث الحائط لم يسمعني ولايرد علي ، يضحك ويضحك وكأن خوف نبيل علي حياته نكته فجرت بداخله كل السخريه ، يضحك ويضحك ويهمس له ، بقولك ايه ، ماتشغلش بالك ، وبعدين يااخي عمر الشقي بقي !!! ويضحك ويضحك ....
تداهمه الذكريات فيزداد خوفه علي صديقه واخيه وعمره الراقد امامه قليل الحيله بين يدي الله ينتظر مصيره وقدره ، يرجو ربه الا يقهره بزين والا يزين به قوائم الشهداء والا يحرق قلبه عليه ، يراقب الشاشات وقطرات المحاليل ونبضات القلب واختلاجات الوجه وصوت النفس الخافت ، يراقبه ويدعو ويدعو واثقا ان الله سيستجيب لدعاءه وانه سيرأف بحاله ويكرمه في صديقه ولايحرمه منه ..يقترب اكثر من فراشه ، يكاد يلتصق به ، يتمني لو فتح زين عينيه فشاهده بجواره ، يتمني لو فتح زين عينيه فادرك وجوده واطمئن به ، يهمس ، انت سامعني صح ؟؟ واثقا انه يسمعه ، فاكر لما كنت باقولك اوعي تموت ، وانت تقولي انت اناني خايف علي ، فاكر ، طيب انا بجد خايف عليك وعايزك تعيش ، حتقولي تاني انت اناني ، والله العظيم ورحمه ابويا وغلاوتك عندي النهارده بالذات مش خايف عليك علشاني ولاانا اناني ، خايف عليك علشان مصر ، مش انت قلت حتضحي بحياتك علشانها ، طيب هي بقي يازين عايزاك تعيش ، تعيش علشان تحارب وتنتصر برضه علشانها ، بذمتك انهي احسن لمصر ، انك تموت النهارده ولا تخف وتقوم وترجع وحدتك وتكمل الحرب مع كل زمايلك الابطال وتنتصروا ... يصمت نبيل كأنه ينتظر رد زين عليه ورأيه في كلامه ، الحق لاافكر في نفسي ولا فيك ، افكر في مصر ، الاتستحق يازين ان تعيش من اجلها ... انا عارف انك سامعني ، رد علي طيب قولي انك لسه حتحارب ومصمم تنتصر ويلمح نبيل اختلاجه علي وجه زين وكأنه يبتسم ومازالا يتشاركا اخطر ثمانيه واربعين ساعه علي حياه زين ونبيل ، علي حياتهما معا ، ومازالت الساعات بطيئه والطمأنينة بعيده بعيدة ..... 

" نهاية الجزء الخامس ويتبع بالجزء السادس والاخير " 

دموع ملونة علي جناح النورس ( الجزء السادس والاخير )


الجزء السادس
 

و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش 
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش

( 33 )
انت سامعني يازين

دوامات من الالوان الصاخبة تدور في عقله في رأسه بين عظام جمجمته ، دوامات من الالوان تدور وتدور ، بقع الالوان تنتشر تاره اخضر صارخ وتاره اصفر شاحب وكثيرا بقع حمراء تطغي وتطغي ، دوامات من الالوان تدور وتاخذه وتصعد به بعيدا وتهبط ، يتعلق بخطوط واهيه تحمله بعيدا وكأنه في مدينه ملاهي وكأنه في بيت اشباح وكأنه يقبع بين شعر الريشة الكثيف ، الريشه تخط رسمها وهو متواري بين شعرها الكثيف ، يرسم معها وترسم به لكنه لايملك اراده يوجهها ولا تملك رأفه تشفق عليه ، خطوط الالوان تتكاثف تتشابك تتقاطع وهو بينها ، كأن احدهم اسقطه في جب ، ينظر لداخله ولايعرف كيف خارجه ، ينظر للخلف فيري كل الاشياء معكوسه مقلوبه ، يتمرد علي اللحظه العابثه التي يعيشها ، يتمرد ويتمني يفيق ، هل هذه هي الغيبوبه التي يصفوها ، يقظا وخدرا في ان واحد ، يقظا تشعر بنفسك وخدرا لاتشعر باي شيء اخر ، تشعر بنفسك لكنك لاتملك في امرها امر ، ولاتشعر باي شيء اخر حتي تظنك كل الاشياء غائبا لكنك لست غائبا بل يقظا عاجزا اسير الغيبوبه ، هل هذه هي الغيبوبه ، لا هذا هو الموت ، انت ميت فعلا ، حاضر غائب موجود ولست موجود ، الموت حصار اكبر ، يبقيك في الدنيا ولا يبقيك فيها ، يسرقك منها ويتركك فيها ، ربما انت ميت ، ربما دوامات الالوان التي تحسها هي العالم الاخر ، ربما العالم الاخر ليس الا دوامات الوان صاخبه تاخذك علي اجنحتها لتحلق وتهبط ، ربما العالم الاخر هو خطوط الالوان التي تتنازعك وتتازع مشاعرك واحاسيسك فتتفائل مع الاخضر وتتيبس مع الاصفر وتتمرد مع الاحمر ، ربما انت ميت ايها الميت ولاتعرف ، مازالت دوامات الالوان تاخذه وتعيده ، يتمني يحرك ذراعه ليكتشف اين هو ، يتمني يفتح عينيه المغلقتين ليكتشف مكانه وجوده ، لكن ذراعه خدر لايتحرك وجفنيه موصدين والجسد الذي يسكنه متخشب ، فقط الروح تتقافز حائرة اسيره الركام الغريب الذي تحاول الفرار منه ، الروح تتقافز حيه والجسد متخشب ودوامات الالوان تاخذه وتعلو وتاخذه وتهبط ، لست ميت ولكني لست حي ، هذا ماقرره زين واسئله كثيره تداهمه في الكهف الذي يحتجزه ويأسره ، انت في لحظه جديده يازين ، لحظه جديده لم تعشها من قبل ، ربما لحظه الموت ذاته لم تمتها من قبل ، ظلام دامس يحيطك وبعض بقع الالوان ، تري العالم احمر ، ثم يتغير للاصفر ويتشقلب للاخضر وبعض الازرق يأتي ويذهب ، هل ماتصفه هو مشاعرك ، هل تحولت المشاعر في تلك اللحظه الغريبه لالوان صاخبه ، حسب حالتك النفسيه تتغير الالوان ، يتمني يضحك علي الجنون الذي يعيشه ، لكنه عاجز عن الضحك مثلما هو عاجز عن شيء اخر ، يتمني يضحك فتدور الدوامات به برتقاليه ، حزينا يتمني يفيق فتحمله الدوامات الحمراء علي اجنحتها لاعلي لكنه لايفيق فيسرقه الاصفر ويهبط ، انت فين يازين ؟؟؟ انت مين اساسا ، انت زين ؟؟؟ اسئله بلااجابات ، اسئله تتحول داخل الجسد المسجي علي فراش المستشفي موصولا بالاجهزه والشاشات تتحول لانتفاضات سريعه تلتقطها الشاشات وتتعجب وتعود لانتظامها ، انتفاضات لاتسجلها الاجهزه في ملفه فلاينتبه الطبيب لحدوثها ولا تنتبه الممرضه ايضا ، هذا الجسد الذي يبدو صامت اخرس يتكلم ويقول ، ينتفض ويتمرد ، يعبر عن نفسه رغم الخرس والعجز ، هذا الجسد مازال حيا والروح المحجوزه بداخله تناضل لتبقي حيه وتحاول تساعده ليشفي ويعود حيا ، لكن الشاشات خرساء والفراش ايضا ولااحد يعاونه ليعبر عن نفسه .....
صوت بعيد بعيد يقترب ، صوت يتحول لدوامة بنفسجيه ، صوت يغزو صمته بباقات من البنفسجي الساطع ، ارسال يغزو صمته وخرسه وعجزه ، هاهي الحياه ترسل لك الرساله التي كنت تنتظرها للتأكد انك مازلت في تلك الحياه ، يضحك زين او ماتبقي منه او بعضه ، يضحك لان الحياه تخدعه حتي وهو ميت ، ترسل له رسائل وكأنه مازال حيا رغم انه ميت ، دوامات البنفسجي تاخذه وتعلو به وتهبط وصوت غريب ، بل مألوف ، يخترق صمته ويأتيه من بعيد خفيضا ممضوغا ، انت سامعني يازين ؟؟؟
( 34 )
ماذا عنك انت ايها المهزوم الاكبر ؟؟

غربة ... هذا مايشعر به نبيل دائما ، انه الغريب الحائر ، الغريب التائه ، قشه علي وجه الماء ،  تتلاطمها الامواج وتتقاذفها ، شجرة بلا جذور ، ورقه خشنه من اوراق شجره تحكم فيها الخريف وامر بسقوطها فتهاوت وامر ببعثرتها فتمزقت ومازالت تتطاير وسط الضباب الكثيف ، يحدق في زين نائما امامه علي الفراش ، موصولا بالشاشات والانابيب ، انفاسه بطيئه بطيئه وكأن كل نفس يتمني يكون الاخير مترددا يخرج ويعود ، يحدق فيه ويتمني يبكي ، لكن البكاء لايجدي ولن يجدي ، يسأل نفسه عن الايام التي باعدت بينهما حتي فوجيء به يعود اليه جريحا ينازع الموت ، لماذا سمحت يانبيل للزمن يمزق اخر اوصال روحك ويباعدك عن باقي الدفء الذي شحذته فمنحه الله لكن عطفا وكرما ، المقعد الخشبي يمزق عظامه والخوف علي زين يمزق قلبه والايام الموحشه تحيطه وكأنه ابن شرنقتها واسيرها ، الدكتورة نادية ، يبتسم نبيل ساخرا من حمقه ، كيف تزوجها ، سؤال سأله لنفسه طويلا دون اجابات ، بعد موت امه بايام قليله قابلها في المستشفي ، لايعرفها من قبل ، منقوله من مستشفي نائيه ولايعرف السبب ، قدمت له واجب العزاء مثل كل زملاءه ، اقتربت منه بحكم وحدتها وغربتها في المدينه الكبيرة الصاخبه المخيفة التي لاتعرف فيها احد ، شكت له من قسوه الزمان عليها وطلاق ابيها وزواج امها ووحدتها ، باحت له بخوفها الدفين وهي نائمه في غرفه الاستراحه وحيده وانها لاتنام ابدا ولايغمض لها عين ، كل هذا لايبرر له يتزوجها ولا يبرر له يقرر ينتشلها حسب تصوراته الحمقاء من ظروفها وظروف حياتها فيفسد كل حياته وظروفها ، لكنه فعل ، في يوم موحش بارد طلب الزواج منها ، سبق ذلك اليوم ليالي طويلة  داهمته فيها الكوابيس طيله الليل وحاصرته واسرته وقهرته واخافته ، كوابيس موحشه متوحشه ، ينازعها وتنازعه ، ستموت وحيدا ولن يشعر بك احد وستنساك الايام قبلما تتذكرك ويصرخ ويتشاجر وينادي ابيه فلا يأتيه وينادي امه فتحدق فيه باسي وترحل وتحاصره انفجارات القنابل ودوي الرصاص ويري البيوت تنهار فوق قاطنيها ويري رعب الناس يجروا صوب الخنادق ويري المظليين يسقطوا من السما في صاله منزله يحتلوها ويري بذله ابيها تخرج من خزانتها وتطلق رصاصاها تهدم الجدران والمنزل وهو صغيرا مرعوبا و............ يستيقظ وينام ، وينام ويستيقظ و........ لابد من شيء يغير حياته فلا يبقي وحيد يحادث الوطاويط والاشباح ويفر من الكوابيس للكوابيس ، فكانت ناديه ، في المستشفي وبسرعه عرض عليها ، تتجوزيني وكأنها كانت تنتظر عرضه لتقبله بسرعه ، تحتاج مأوي وحضن ، تحتاج منزل وسند ، تحتاج سقف تنام تحته آمنه و........تحتاج رجل يقتحم غابات السافانا الاستوائية في روحها يحتويها ويحبها عله الزهور الميته تعود للحياه و..... تزوجا !!!
الدكتورة نادية ، مازال نبيل يحدق في جسد زين امامه يراقبه وانفاسه ، في هذه اللحظه بالذات لايطلق لمخاوفه العنان ولا يسمح لها تكسر ثقته في نجاه زين ، ستنجو يازين مهما رواغتني ومهما رواغك الموت ، ستنجو ، اعبث كمان تشاء واخدع نفسك والعالم وكأنك سترحل لكنك ستنجو وتبقي ونمد بيننا حبال الوصل التي سمحت انا للحياه وللدكتورة ناديه تمزقها ... يبتسم ابتسامه زرقاء ، الان يبتسمها ، الحق كل شيء حوله يحاصره بالابتسامات الزرقاء ، يبتسم ساخرا من نفسه ، لاتلوم ناديه علي ملامحها ولا شكلها ، كل شيء كان واضح امامك لكنك اخترتها ، نعم لم تحبها ابدا لكنك اخترتها دون كل النسوة والجميلات وتزوجتها ، هذا ليس زواج ، هذا انتحار ، الحياه كئيبه لحد لايجدي معها اي امل في الفرحه ، نجوي ماتت وتركتك وحيدا ، اسيرا والبذله العسكريه ودمائها المتجلطه علي النسيج المتسيب ، تركتك وحيدا بين الجدران الصماء التي لم تسمع ابدا صوت ضحكات الفرحه ، تركتك وحيدا مع الاثاث العتيق الذي وشم بدموعها وقهرتها ووحدتها ، ماتت نجوي فانتابك الرعب تموت وحيدا لايدرك احد موتك ، تتحلل جثتك وتتعفن وانت راقد فوق دودها لايدري بك احد ، زين في وحدته العسكريه ، وعمي وصفي وخالتي فردوس يجلسا في التراسينه يسترجعا ايام القهره والهزيمه والفرحه والنصر وينتظراك تزورهما ، لكنك مللت من الزيارات ، مللت تتحول لحقيبه يحملها صاحب النصيب لمكانه ، مللت الغربه التي لانهايه لها ولا شطئان لبحرها ، تبحث عن ارض تمد بها جذرك ، لكن الارض صخريه وجذورك هشه كوجع الحزن الممتد في ارجاء روحك ، نجوي ماتت فحاصرك الموت وكأنه اختيارك الوحيد ، ستموت وحيدا وهذا قدرك ، لاابن ينعيك ولاام ترثيك ولا اخ يحزن عليك ، انت اليتيم ابن الشهيد الذي منحك اوسمه الفخر والشرف وكل الوجع ، ستموت وحيدا وهذا قدرك ، ستنام علي الفراش وكأنك ستستيقظ غدا ، لكن غدك لن يأتي ، ستتسلل روحك ببطء وصمت وهدوء من جسدك وتتركه يتحلل علي الفراش ، ستترك دودك علي فراش امك حزن فوق الحزن ، حينما سيكسروا الباب سيجدوا بقاياك علي الفراش دون وداع اوحزن ، سيلملموك في كفن مهتريء ويلقوا بك في مقبره لانعرف اسم صاحبها ، ينتفض نبيل غاضبا من كل التداعيات المجنونه التي حاصرته بعدما ماتت امه ، ينتفض غاضبا ، لولا هذا الجنون الاحمق ماانتحر مثلما انتحر ، انتحر وبقي علي قيد الحياه ، خاف الموت فاشتراه وعاشه حيا ، لولا هذا الجنون الاحمق ماقبل يتزوج الدكتورة ناديه ، ماعرض عليها ترافقه حياته فقبلت وبسرعه ، لولا هذا الجنون الاحمق لانتبه للجب الذي انزلق اليه ففر منه ، عدل عن عرضه وفر منها ولو تصورته ندلا او احمق او مجنون ، انا ياسيدتي ندل واحمق ومجنون لكني لن اقع في اسر موتك الذي سعيت اليه في لحظه جنون وحمق ، لكنه لم ينتبه لما يفعله في نفسه ، احسه خطيئه تستحق المداراه فلم يدعو زين ليشهد علي وثيقه زواجه ولم يشتري بذله جديده ولم يحتفظ بصوره زفافه وهي ترتدي الفستان القبيح الذي استأجرته ، خطيئه يلزم اخفاءها فاخفاها !!!!
الله يخرب بيتك يانبيل ، بجد بجد الله يخرب بيته !!! همس لنفسه وهو يراقب زين علي الفراش امامه ينازع الموت !!! وبحث عن بيته الذي تمني خرابه فوجوده خربا لايستحق منه دعاء ولا يتحمل !!!
يحدق في زين وجسده الوهن يرجوه الا يخذله ، تمالك روحك يارجل وابقي معي ، موتك لن يحقق انتصارا وانسحابك من الحياة لن يريحك فالمعارك الكثيرة تنتظرك وتحتاجك و.............. كأنه سمع الجسد الوهن يهمس ، سابقي وانتصر ، ماذا عنك انت ايها المهزوم الاكبر ؟؟؟؟
وانقطع التيار الكهربائي ثانيه بعدما دوت بعد الانفجارات البعيده وساد الظلام و...............كأن  نبيل وزين هرعا للمخبأ وسط غاره جوية كبيرة طويلة !!! 

( 35 )
تمنيت اكون واحد منهم

ومازالت نسائم الليل الباردة تربت علي وجه زين ونبيل جالسين علي سطح العقار في ليله حارة طويله ، الفجر مازال بعيدا والشابين يتجاذبا اطراف الحديث والحلم ، والمستقبل يبدو امامها مشرقا ولما لايكون مشرقا والبلد خرجت من الحرب منتصره وفتحت المدن المغلقه ابوابها لاهلها ومحبيها ، وزغرطت السفن وهي تبخر متعاجبه فوق سطح القناه التي حررها الابطال فعادت ممرا مائيا للخير بعدما كسرت الاراده المصريه هول الاكاذيب الاسرائيليه بتحويلها لمانع مائي يبقي الهزيمه راسخه علي قلوب المصريين ، كسر المصريين الخوف واستقوا بالاراده والعلم والتاريخ والرجال وحطموا كل الاكاذيب والخدع والاهوال وعبروا القناه بمئات الالوف من الرجال في لحظه واحده فحرروا الارض والقناه وبدي وكأن الحياه تبتسم للوطن وابناءه وكل من دفع الثمن الغالي لنصل لما وصلنا اليه ، يتجاذبا اطراف الحديث لكن خوف يخلع قلبيهما معا ، هل سيعود عم وصفي لبيته في المدينه الباسله ويخلع زين من اخوه نبيل ويقهر نبيل بيتم جديد وتعود نجوي وحيده تبكي ، هل سيعود عم وصفي لبيته ويترك الشقه المؤجره وقت الهزيمه ويرحل عنها وقت الانتصار !!! خوف يمزق قلبيهما باسئله مخيفه لايحاولا يعثرا لها علي ايه اجابات ، هل سنعيش الهزيمه وجعا والانتصار ايضا ؟؟؟
خمس سنوات عاشها عم وصفي وعائلته مع الست حرم المقدم الشهيد وابنها فصارا عائله واحدة تشاركا الحزن والفرحه ، هل حان وقت الرحيل ؟؟
يسأله نبيل ، انت ناوي علي ايه يازين ، انتبه زين وتعجب من سؤال صديقه ، ازاي يعني قصدك ايه ، حتخش كليه ايه ، ماانا فهمت سؤالك بس مستغرب منه ، انا ضابط يانبيل ، اي ضابط ، دي امنيه عمري اللي حاحققها ، لما كنت باشوفهم زمان في عربياتهم الجيب علي شط القنال وابويا يشاور ليهم ويضحك فيضحكوا تمنيت اكون واحد منهم ، ولما مشينا وقفلنا البيت ولقيتهم بيودعونا ويوعدونا نرجع ومنتصرين تمنيت اكون واحد منهم ، ولما سمعت من ابويا عنهم وعن بطولاتهم وعن تضحياتهم علشان كلنا نعيش تمنيت اكون واحد منهم ، وانبري زين يحكي ويحكي ، انا ضابط يانبيل ضابط معرفش اعمل حاجه تانيه !!! يسمع نبيل لزين والالم يغزو قلبه ، تاني ضابط ، تاني وجع ، تاني رحيل ، تاني استشهاد ، تاني اطفال يتامي وحزن وقهره وزوجه تبكي ، فطن زين لرأس نبيل وتداعيات افكارها ، بص انا زيك بالضبط باحب الحياه ونفسي نعيش ونفرح ، وزيك بالضبط دفعت الثمن ، جايز كل واحد بطريقته لكن كلنا دفعنا الثمن لكن ده خلاني مصمم اكتر اكمل في الطريق ، علشان الحرب الجايه مااسبش بيتي ومدينتي وامشي ، الحرب الجايه كلهم يمشوا وافضل انا مكاني احارب وانتصر وارجعهم لبيتهم مطمنين !! ادرك نبيل ان الهجره التي عاشها زين حرمانا من بيته وشوارعه ومدينته الباسله حفرت في روحه تحدي واراده وتصميم ليعود للمدينه التي هجر منها طفلا صغيرا يعود لها ضابطا محاربا يدافع عنها وعن اهلها ويحقق لها الانتصاارت و........... استراح نبيل قليلا ، لان زين سيبقي معه في القاهره حتي لو عاد عم وصفي لبيته ومدينته الباسله وشط القنال ، فالكليه الحربية التي ستمنح زين بذلته العسكريه وتحقق امنتيه القديمه بجوار منزلهما ، زين سيبقي والاخوه ستبقي وجرح فراق عم وصفي وعائلته سيندمل قليلا ببقاء زين في حياته وبينايته والحي العتيق الذي يعيشا فيه .. وانت يابلبل ، طب ، ابتسم زين ، غاوي شقا ومذاكره ، يشاكسه ، لا ، عايز اكون انا الدكتور اللي يستقبلك وانت متصاب ويعالجك ويمنحك فرصه تانيه وعاشره علشان تحارب وتنتصر !!!
وضحكا معا ساخرين من امنياتهما الغربيه ولم يتصورا انها يتحدثا عن نبوءة سيعيشاها معا في تلك الليله الصعبه التي يعيشها نبيل الان !!!

 ( 36  )
صوب نهر الكوثر

كأنه نائم ، وكأنه غائب ، وكأنه بعيد ، علي فراشه في غرفه العنايه المركزة يصارع زين الساعات الحرجه وبطشها كأنه طفل قليل الحيله في رحم امه ينتظر المخاض ليعيش  ، يصارع الرحيل الذي يوصد نبيل امامه كل الابواب والنوافذ ويصارعه تشبثا بزين الذي تحول في تلك اللحظه لابنه وابيه وكل ماله في الحياه ، لن ترحل يازين ، لن ترحل !!!
الا انت يازين ، حدق نبيل في وجه زين ، لم ترحل روحه بعد عن جسده ، ربما تستعد للرحيل ، ربما يفلح يقنعها تبقي معه ولاتتركه يتيما ، ربما يهون اوجاع الجسد فتسكن الروح وتبقي حتي يتعافي الجسد وتتعافي معه ، ربما يفلح نبيل يغير مصيره لاخر يتصوره لن يحدث وهو مصيره الحقيقي ، ربما مكتوب لزين الا يموت في تلك الليله الموحشه ويرحل للسماء ، ربما مكتوب له يبقي حيا علي يد صديق عمره فيمتن له انه انقذ امه من احزان تكوي القلب ، ربما والف ربما ، نبيل لايعرف ولا زين ايضا والساعات القادمه حرجه وستحمل اجابات حاسمه لالف سؤال يدوروا في اذهان الجميع و......... يلتصق نبيل بجسده المرتعش علي المقعد الخشبي وظهره للحائط يراقب جسد زين ومؤشراته الحيويه ترتسم علي الشاشات ارقام وعلامات ومنحيات تصعد وتهبط و........... يتمتم نبيل بكل الادعيه التي حفظها والتي ابتكرها ويدعو من اعماق قلبه لربه الرحيم الا يقسو عليه برحيل زين ، الا انت يازين !!!
ومازالت الغرفه صامته وانفاس نبيل بطيئه مثل انفاس زين وكأن روح واحده تسكن جسديهما الذي يصارع الموت والذي يصارع الهزيمه و............ مازال الليل في اوله !!!
لن ترحل يازين ، لن ترحل ..يتسلل صوت همسه لتجاويف رأس زين ، يتسلل صوت همسه لدفقات دفء لايعرف النائم الغائب معناها ، كل الكلمات لامعني لها ، كل الكلمات تتحول لصور واحاسيس ومشاعر يعجز الجسد والروح ايضا عن تفسيرها ، يتسلل صوت صدقه لروح زين المحبوسه داخل جسد يصارع الموت ليحيي ويصارع الحياه ليبقي ، يتسلل صوت نبيل لروح زين تمنحه بعض الطمأنينة وكأنه شفي وسيفيق ، يسكن الجسد للاصوات التي لايفهمها وكأنه يفهمها ، يسمع اصوات ممضوغة تحاصره ، اصوات غريبه لايعرف يفسرها ، صوت خرير مياه ينساب داخل روحه ، كأنه عطش في الصحراء وعثر تائها علي عين حلوة ، يهبط علي ركبتيه ويغرف من ماءها بكفيه ، يتسرب الماء من بين اصابعه يروي الرمال ولايصل جوفه ، يتململ ، يشعر الما في ركبتيه ، رمال الصحراء توخزه بسنونها الموجعة ، يتأوه يتوجع يتألم ، يتمني يقف ، يحاول ، يتعثر فوق الرمال الساخنه ، يسند بكفيه علي الارض ، الارض ساخنه تحرق اصابعه ، يتعثر ، كأنه سيسقط علي وجهه ، الرمال ستملأ عينيه وانفه وتلتصق بشفتيه تخنقه ، يختنق ، هذا مايشعر به ، يختنق !!
الجسد النائم علي الفراش موصولا بالشاشات والمحاليل ينتفض يختنق وتظلل الزرقه علي ملامحه ولون جلده ، يختنق ، نعم يختنق ، الهواء لايصل رئتيه فيسعل وضربات قلبه تتباطيء وتتباطيء ، مازال الجسد يتعثر فوق رمال الصحراء الساخنه ومازالت الرمال تخنقه وتكتم انفاسه ومازال الوجع ينفذ لمراكز اعصابه يحترق بسخونه الرمال ، اصوات ممضوغه تحاصره ، نداءات لايفهمها وطاقه نور تكاد تنفتح امامه تنتشله من كل العذاب الذي يعيشه منذ انهارت الجدران فوقه في الليله البعيده التي لايعرف متي كانت ومالذي يمر فيه من بعدها ، يري نفسه تائها في الصحراء والشمس تثقب رأسه وتخرج مخه تلقي به للنواهش الجوعي ، يري الرمال تقفز من تحت قدميه لرأسه تكسوه كله ، تكفنه ببلوراتها المشحوذه بالوجع ، يكره الصحراء ويحب البحر ، لكن البحر بعيد والصحراء تحيطه من كل جانب ، ينفض جسده من كفن الرمال ويحاول ينقذ نفسه ، ينتفض وينتفض ، الزرقه مازالت تكسوه وتزيد من قتامتها ، شمس الصحراء تحرق جسده وتخرق رأسه ومخه امام عينيه ينهشه الجوعي والماء يجري بين يديه لايرويه ، عطش مخنوق ، يبحث عن ظل يحتويه ولو لبرهة ، ظل يسكن وجعه ويبعد عن روحه سكاكين الحريق التي تمزقه ، لكنه تائه محاصر لايجد الاسراب يقبض عليه فليقي به من وجع لوجع ، وكأن فيضان احمر سيأتيه قريبا ، يري موجات حمراء عاليه تخرج من جوف الصحراء تكاد تغرقه ، كأن اعاصير من لهيب تحاصره وستغرقه بحمرة وجعها والمها ، تائه محاصر في مكانه لايجد مخرج ولا فرار ، يختنق يختنق ، وتتباطيء انفاسه ويكاد يستسلم للموت غرقا في رمال الصحراء محترقا ازرق وتكاد النواهش تستعد لتمزيق جسده وتكاد طاقه النور البعيده تقترب وترحل به بعيدا عن كل هذا الوجع ، يختنق يختنق !!!!
تصرخ الشاشات بارقام تشير لحالته المضطربة،يقفز نبيل من مقعده،يقترب من الجسد المتألم ،ضربات قلبه بطيئه بطيئه وكأنها ستصمت ، يعرف نبيل مايحدث ،لن ترحل يازين ،لن ترحل ، يصرخ في الممرضه يناديها لتأتيه بحقنه تنظم ضربات القلب المتعثر ، يراقب انفاسه تشحب وتشحب وكأنها ستخفت وتصمت ، يرتبك نبيل ، يراقب الشاشات وهو يصرخ ، تأتيه الممرضه بالحقنه ، يفرغها في الانابيب الموصوله باوردته ، يسري الدواء قطره قطره في جسد زين ، تنتظم ضربات قلبه التي كادت تتلاشي وترسم خطا مستقيما علي الشاشه ، يعلو الصدر ويهبط ، بطيئا بطيئا لكنه يتحرك والانفاس التي كادت تخفت تعود وتعيد زين للحياه ، يتواري الشحوب ببطء والزرقه ايضا وتعود الملامح التي كان يعتصرها الالم لبعض السكون وكأنها استراحت من هجوم موجع ...
صوت خرير المياه مازال ينساب لروحه ، بعض الماء العذب يروي عطشه ، قطره قطره ، الماء الحلو يغسل الملح المتكلس علي شفتيه وجوفه وبلعومه ، يندفع ببطء يزيل امامه بلورات الملح المشحوذه في طريقها ، الرمال التي كانت ساخنة تبرد والوجع الذي يحاصره من سخونتها وسنونها يقل ويقل ، يبتسم التائه في بحار الرمال ابتسامه صغيرة وكانه سيقبض علي السراب الذي طالما خايله في رحلته الغريبه وسط تلال الرمال وهضابها وتبتعد عنه الاعاصير الحمراء المخيفه و............. تنتظم انفاسه وتشير الشاشات لانتظام ضربات قلبه و.......... مازالت الساعات الحرجه تحاصر زين لتحمله لموكب الفخر في رحلته الاخيرة صوب نهر الكوثر ، مازالت الساعات الحرجه تحاصر زين ومازال نبيل يغلق امام صديق عمره واخيه بوابات الرحيل ويتشبث بثوبه ليبقي مثلما فعل طيله حياتهما معا و.... مازال الليل طويل ..
( 37 )
افتكرت القديم والجديد

يبكي ويبكي ويبكي ....
في غرفته الصغيرة في استراحه المستشفي يبكي وينتحب ..
تطرق ليلي الباب وتدخل ، بمنتهي القوة والحسم تهمس ، انا ماشيه بكره وقلت اجي اودعك يادكتور ، تلمح دموعه التي يواريها ، تلمع دموعها في مقلتيها تشاركه الوجع والحزن ، بتعيط ليه يادكتور ،  تضع الحواجز بينهما عامدة ، ماانت الحمد لله اتطمنت علي المقدم زين ، ، ده عياط سنين كتيره قوي ياليلي ، عياط مكبوت ، بس النهارده من كتر الفرحه اعصابي باظت وافتكرت القديم والجديد !!!
تناوله كوب ماء بارد ، مبروك يادكتور انت عملت الاسبوع ده عمل عظيم ، الحق عملت اللي عليك وزياده ، الف مبروك !!!
يتمناها تقترب منه ، يتمناها تحتويه في حضنها ، يتمناها تمسح دموعه بقبلاتها ، يتمناها تتوحد معه تماما في تلك اللحظه ويبكيا معا بدموع الفرح ، يتمني منها اشياء كثيرة ، لكنها بعيده ، بعيدة ، بعيده وتبعد اكثر واكثر ....
المقدم زين حيروح بكرة وانت بقي تاخد اجازه ، تريح اعصابك وجسمك وروحك من الاسبوع اللي فات وكل اللي حصل فيه ...
يتمني لو تأتي معه لبورسعيد ، يتمني لو تجلس معه علي مقهي الجيانولا ويتقاسما قطعه الكاساتا ، يتمني لو تركب معه المعديه لبور توفيق ويتطاير شعرها علي سطح المركب وتبلل فقاعات الماء وجهها وشعرها ، يتمني لو جلست معه في تراسينه خالتي فردوس ، يتمني لو عم وصفي بارك زواجهما ، يتمني ويتمني ويتمني.....
تلوح له مودعة وتخرج من الغرفه وتتركه وحيدا يحدق في المرأة يبحث عن نفسه !!!
يتردد صوت زين في اذنه ، بطل تستخبي يانبيل وشوف ايه اللي بيسعدك واعمله ....
ويقرر يعود مع زين لبورسعيد ، عله يجد نفسه هناك ، عله يجد اجابات للاسئلة الموجعه التي تطارده وتفسد عليه حياته ، عله يقوي يقرر مالذي سيفعله مع نادية ومع نورة ومع ليلي ، عل ادعية خالتي فردوس تهون عليه الصعب وتساعده يجد مايسعده ويمنح حياته قيمة !!!!
يقرر يعود مع زين لبورسعيد ، عل المدينه الباسله تبوح له باسرارها وتحتويه ، تربأ جروح روحه ونفسه ، علها تقص عليه تاريخ ابيه فتزرع في روحه فخرا ينسيه اليتم ووجعه وايامه الموحش ، علها تهديه بفنارها القديمه لسبيله التائه ، يصالح ناديه ويصالح نفسه ، يمنحها حريتها ويقتنص منها حريته ، يفسح في حياته مكانا لليلي ويطاردها بحبه ويبدأ معها حياه جديده تمحو ببهجتها قسوة الحياه الاولي واخفقاتها المخزية ...
وفجأ يتذكر مايا ، انا ابنة الشهيد محمد المبروك ، يتذكرها وصوتها الغاضب ، يتذكرها ووجعها ويتمها ويقرر يصحب نورة لزيارتها فور عودته للقاهره ، ربما يفلح يحتويها مثلما افلح عم وصفي يحتويه ، ربما تصبح هي ونورة ، مثلما صار هو وزين ، اخوه واشقاء يتساندا علي بعضهما في الايام الصعبه الموحشه ومااكثرها .... ربما هذا ماسيمنح حياته قيمه ويسعده ، مايا ونورة ، ربما .... ربما!!!!

( 38 )
مايا

في هذه اللحظة علي ضفة القناة يتابع السفن المارة وينصت للاصوات الصاخبة ويستنشق الهواء النقي ويبتسم بلا سبب مفهوم ، ترك زين في فراشه وبجواره خالتي فردوس تدعو له وتطعمه ، مستكينا في حضنها كفرخ النورس الصغير تلقمه امه بالحياه والحماية ، سار مع عم وصفي حتي المقهي العتيق وتركه فيه واكمل سيره صوب القناة ، يحدق في النوارس المحلقه في السماء ، يتابعها ترسم دوائر في السماء الصحوة ، تهبط صوب الماء وتصعد ومابين الصعود والهبوط ، والشقاء والتحليق حياتها ، يتابع السرب ويتمني يلحق به في السماء ، بل ويتمني يأتي بالسماء كلها لزين تحتفي بشفاءه ، انتصر المقاتل علي الغدر وسيكمل حربه لينتصر مره اخيرة ، سيأتي له بالسماء ، بل سيطلق جناحيه للسماء يحلق فيها وسط سرب النوارس ، الاجنحه البيضاء تلون السماء بالبهجه ، يلمح دموعا ملونه تتساقط  من النوارس علي رأسه،دموع الفرحه التي ادخرها لتلك اللحظة ،لحظه شفاء زين وانتصارهما معا ، قابعا علي ضفه القناه يتابع السفن المارة وحياه ، سأغير حياتي وابحث عن معناها وقيمتها ، يلمح ابتسامه زين نائما يتعافي في حضن خالتي فردس ، ساطرق باب مايا ونورة في يدي ، ساحمل لها علبه شوكولاته ، سامنحها حضني الدافء ،  ساقص لها عن ابيها وبطولاته ، ساقص لها عن ابي وتضحياته ، ساتركها تلعب مع نورة واعود بعد ساعتين لاصطحب ابنتي واعدها بتكرار الزيارة ، ساكبر لها صوره ابيها وازينها باطار ملون واحملها لها لتضعها في حجره نومها ، ساوصي امها الا تكون مثل امي ، تبكي فقدان زوجها ليل نهار ، ساقول لها ان الشهداء يشعرون بالفرحه مثلما يشعرون بالحزن ، سأوصيها تمنح زوجها من جميل مشاعرها وتدعو له بالرحمه وتعيش حياتها ببعض السعاده وتمنح ابنتها الفرحة ، لقد استشهد زوجها ليمنحنا جميعا الفرحه ، الا اقل تمنح هي وجميعنا ابنته الفرحة و.............. تحلق النوارس اعلي واعلي وترسم باجنحتها البيضاء بعض الفرحه في السماء ...   


وحلقت النوارس وحلقت
وطارت وارتفعت بعيدا عن الارض
وعادت بسرعه وقذفت ببدنها وسط الماء
وبكت وكأن احدا لن يراها


و... فعلا .. احد لم يراها ...


""نهاية الجزء السادس والحدوتة ""