مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الاثنين، 22 أكتوبر 2012

ياله من موت رومانسي !!! .... الجزء الثاني




قالت لي : لم لا تاتي؟
قالت لي : لم لا تبقى؟
قالت لي  : لم لا تضحك؟
قالت لي : لم لا تموت؟
اتيت
بقيت
ضحكت
ومت
ناظم حكمت 


""" اشعر معاناتك ، وافهمها ... اشعر معاناتك وافهمها واغبطك علي شجاعتك التي قوتك لحد قررت فيه بمنتهي الوعي الحياة موتا بين ذراعيها !!!! واكم من انسان شجاع هانت عليه حياته حتي قرر ينتحر ، هانت عليه حياته بعدما اوجعته وبعثرت امانه وحطمت احلامه وقهرته واغلقت في وجهه ابواب الرحمة والامل ، فقرر يستكين للموت ثم قرر يذهب اليه ولا ينتظره ، متصورا ان قراره الشجاع بالانتحار منتهي القوة ، والموت بيدي لابيد الوجع ، تصور واهما ان اجنحه ستنبت له وقتما يلقي بدنه الثقيل من النافذه البعيده ، تصور واهما ان رئتيه سيمتلأ بهواء لاينفذ وقتما يدفن نفسه تحت تلال الرمال الخانقه ، تصور واهما ان حياته ستمتد رغم الدماء السائله المنهمرة من شراينه التي مزقها بسكينه ، تصور واهما ان الرصاصه التي اطلقها وسط راسه لن تبعثر الكتله الواعيه لنثرات مبعثرة ممزوجه بدماء وموت .. تصور ان ذهابه للموت سيحيه ويطيل في عمره بعيدا عن اطلال الوجع التي تأسره تحت حطامها ، تصور ان ذهابه للموت شجاعه يتباهي بها وينتصر بها علي الهزائم التي تطارده وهو بحق لايستحقها !!! """

مازال يهبط السلم ، ودرجاته المتآكله ، في الدور الخامس ركن ظهره علي الحائط واشعل سيجاره وابتسم ، علي هذا السلم صعدت نساء كثيرات لشقته ونزلت نساء اكثر ، شريط سينمائي يمر امام عينيه ، يتذكر ماكان ، ماكان انتهي ، الان هو في اختيار جديد صحيح جميل ، انه يحب السيدة التي لايتذكر ملامحها ، تعثرت الاحرف في خياله لاتكون الكلمات التي يرغب يقولها ، تعثرت الاحرف في خياله لاتكون جمل ومعاني مفهومه ، احس الحيرة ، انت تكذب علي نفسك الان مثلما كذبت علي نساء كثيرات طيله الوقت ، انت لاتحب السيدة التي لاتذكر ملامحها ، غضب من نفسه ، احبها وساتزوجها و"محدش له دعوة" يضحك ، يتشاجر مع الاشباح ، فاحدا لايكترث بما يفعله في نفسه وفي حياته ..
مازال شريط حياته يمر بسرعه امام عينيه ، همس لنفسه ، لن يبكي علي اطلال النساء ووجعهن ، سيعيش ، ويبتسم ويضحك ، ويأكل ويشرب ، ويتحمم ويتعطر ، ويعمل وينام ، سيعيش ، لكن الحياه بلا نساء مستحيله ، وايضا مستحيله بوجودهن ، لايحبهن ولن ، لايعشقن ولن ، لايمنحنهن روحه ولن ، سيتعايش مع وجودهن ، ضروره من ضرورات الحياه ، مثل الاكل والشرب ودخول بيت الراحه والنوم القلق ..
يتذكر النساء اللاتي كذب عليهن كثيرا ، الكذب ضروره من ضرورات حياته ووحدته وذكورته الموجعه ، لايحبهن طبعا لكنه مضطر يخدعهن ، بالاساس يخدع نفسه ، من احبها جرحته ، ابيها جرحه وقتما اخبره بخطبتها لرجل ربنا كارمه ، جرحته هي وابيها فرد لها الصاع صاعين هو وامه وتزوج بابنه صديقة امه فقتل نفسه بنفسه حتي انقذته السيدة التي لم يحبها وفرت من عقمه ، طلقها بناء علي رغبتها وبقي وحيدا في منزل امه التي ماتت ..
سنوات عاشها وحيدا يكذب علي النساء اللاتي يترددن علي المنزل ، يتشاجرن معه لانه وحداني والبيت مزبلة ومالوش حل الا الزواج ، وقتها يكذب عليهن ويعد كل منهن بالزواج لانها الوحيده التي اثبتت له انها تستحقه بحق ، وليله هانئه في فراش دافء وشاي يحتسيه في كوب نظيف وهو مستلقي علي فراشه وسندوتشات لذيذه وقبلة النهار و" شويه تكبيس" وتنتهي الليله وترحل السيدة لتنتظره ليطلبها للزواج فلا يطلبها ابدا ولا يتذكر اسمها ولا حتي شكلها ، داء الكذب علي النساء ، داءه اللعين ، كذب علي زوجته التي لم يحبها وهمس لها بكلمات موحيه بالعشق والحب حتي كشفت كذبه وكرهته لانه لايحبها ولم يحبها وفشل يروي رحمها التواق للامومه بماء خصب فتركته ورحلت ومازال يكذب ، يكذب علي النساء ويكذب علي نفسه ويكذب عليها ، علي السيده التي لايتذكر ملامحها ... ادمن الكذب علي النساء وهو وحيد يحتاج لونس وجسد ناعم واصابع ماهره تغسل الاطباق ، يشاغلهن ، ارامل ومطلقات ، لن يعبث مع انسه يؤرقه ضميره لافساد حياتها بكذبه ، يشاغلهن حتي يسقطن في مصيدة عبثه ، تأتي الواحده منهم للبيت وجلة ، ترتعش خطواتها علي درجات السلم وتطرق جرس بابه بارتباك وتخاف من نظرات الجيران والمتلصيين ، تجلس علي طرف الكنبه مرتبكه ، يرحب بها وكأنه اخيها ، يطئمنها ، يضايفها بشاي رديء او قهوه ماسخه ، تضحك بارتباك وتساله عن مكان المطبخ ، يروعها ماتراه في حوضه من اطباق ، تغسلها بسرعه وهي تعد القهوه المضبوطه ، يشكرها ويقبل يديها ، تطمئن اكثر ، و........... يشرح لها انه تعب من الوحده وانه يتمني يتزوج ويستقر ويكمل نصف دينه بدل حياه السرمحه ، تطمئن اكثر ، و................ قد تبات معه في نفس اليوم او تأتيه في يوم اخر وهي اكثر اطمئنان، تغسل الاطباق وتبدل الملاءة وتحس ان البيت بيتها و................ في الصباح ترحل فينساها وينسي اسمها و............سيدة اخري تطرق جرس الباب باصابع مرتعشه ليفتح لها مبتسما ويكذب ويكذب و.......... ياعطارين دلوني علي الدوا اجيبه منين !!! وقرر ان تلك السيدة التي بلا ملامح هي الدواء لكذبه ووحدته وقرر انها التي يحبها وسيحبها !!! ومازال واقفا علي درجات السلم ملتصقا بالارض لايقوي علي النزول ...

""" اشعر معاناتك وافهمها .. وافهم كيف تداعت الافكار والامنيات في رأسك المتعب وكيف احتلت روحك المرهقه وكيف قررت بمنتهي الشجاعه قصف حيويتك ووأدها لتتخلص من الوجع المنتشر كالسم في اعصابك كهرباء حارقه ...افهم وجعك ...وجع يقهرك ، يحاصر روحك ، يخنق انفاسك ، يحسسك بالضعف والعجز والاستحاله ، وجع يأتيك من ذكرياتك البعيده التي خذلتك وفرت من احلامك ، وتركت لك وحشتها تطاردك ، وجع يقهرك ويتكالب عليك يقصم ظهرك وانت تحاول تشده وتقوم وتستقيم وتتحرك للاجمل ، الوجع لايتركك تعيش اختياراتك ، يقفز بين الكلمات يشوهها ، يقفز بين المشاعر يفسدها ، يتقافز امام عينيك يخيفك يرعبك يهدد امانك الزائف الذي قررت انه راسخ كمثل الارض تحت قدميك ..."""

مازال واقف علي السلم ، علي عتبات الدور الرابع ، يتحرك ببطء وكأن كل درجة من درجات السلم دهر طويل ، ينزل سلمه ويقف يرتاح وانفاسه المتلاحقه المتسارعه تهبط بصدره وتنزل ، من يراه يتصوره شيخ عجوز ولايدرك انه عريس في طريقه ليحدد مع السيدة التي لايتذكر ملامحها ميعاد الزواج ... شريط حياته يجري امام عينيه ، قدره العذاب ، حين تحب تتعذب وحين تعبث تتعذب وحين تبقي وحيدا تتعذب ، العذاب قدره ومن يملك الفكاك من قدره ؟؟ لقطات متلاحقه من شريط حياته تحاصره علي السلم ، يفر من الحبيبة التي قرر انها ابدا لن تكون حبيبه ، هي .... هي احبته قبلما تراه ، شقيقة صديق عمره ، احبته من قصص وحكاوي اخيها عن صديق عمره الوسيم الشقي الذكي العابث ،سمعت طرائفه ونوادره ومصائبه وضحكت حتي دمعت عيناها وبكت حتي تحول بكاءها لضحك هستيري ، صديق اخيها وحبيبه ، لكن اخيها لايلتمس له الاعذار ، طلق مراته وفلتان ، ضحكت وكأنها تقول له انت مثله ، ينهرها اخيها ، لا انا اخرت الجواز لغايه ماالاقي بنت الحلال ولما حالاقيها يبقي خلاص توبه نصوح ، مش اخد بنات الناس وابهدلهم ، صمتت ادبا ، اخيها اخر زواجه حتي فاته القطار ومازال يعبث مع الاخريات بحجه انه يبحث عن عروس ، صمتت ادبا وبقيت تفكر في صديقه الوسيم العابث الذي تزوج وطلق ولم ينجب وافتري في الدنيا وبنات الناس كما يصفه اخيها ، احسته مختلفا عما يوصفه اخيها ، العبث نتيجه للوحده وليس هدف ، لم ينجب اطفالا يؤنسوا وحدته ويهونوا عليه الايام ، لم يجد المرأه التي تحبه بعيوبه وتحتويه وتطئمنه ، احست العباره الاخيره تصفها هي ، نعم ، انها هي التي ستحبك وتطمئنك وتحتويك واوقف عبثك وضياعك واضمك لروحي و........ احست روحه تناديها ، سخرت من جنونها لانها تفكر في رجل لاتعرفه ولايعرفها ، تفكر فيه وتكاد تحبه ، بل احبته فعلا ، احبته من بعيد لبعيد وانتظرت الصدفه التي ستوصل حبها من روحها لروحه ، انتظرت الصدفه وهي تسمع مغامراته يوم نام علي السلم مخمورا ويوم رفضته جارته التي " فرقعها " ويوم احضرت له شقيقته عروسه فجري من المقابله ولم يشرب الشاي غاضبا من "ضبه" ويوم ويوم ويوم ويوم .... تعرفه وكل حواديته وتنتظر الصدفه التي ستجمعهما للابد ... لم يطل انتظارها كثيرا ،  وحين تقابلا في فرح اخيها لاول مره تيقنت من صدق احساسها ، نظرت له نظرات فهمها وبسرعه ، راقصهافي الفرح فادرك ان جسدها المنصهر بين ذراعيه هو الجسد الذي عاش يبحث عنه ، صوت ضحكتها روي ارضه القاحله بماء الحياه ، نعم هي تلك الجميله التي ساتزوجها واكمل معها بقيه ايامي ، ليه مااتجوزتيش ، سالها ، همست ، كنت مستنياك ، ارتبك !!! من هي السيدة التي تفلح تربكه وهو الصايع الخبير في امور النساء والكذب عليهن ، ارتبك من اجابتها فضحكت ، تمالك نفسه بسرعه ، انت ماتعرفنيش علشان تستنيني ، تصور انه احرجها ، مش مهم اعرفك لكن كنت برضه مستنياك ، كنت عارفه انك موجود وقلت لما اعرفك حنتجوز !!! يالها من جراءه رهيبه لم يعتاد عليها ، لولا انها شقيقة صديق عمره لرد عليها ردود تحرجها وتجرحها ، لكنه لن يفعل كرامه لصديق عمره ، حنتجوز ؟؟ كرر كلمتها ساخرا ، احس وكأنها تخطبه ، وكانها الرجل وكأنه الانثي مهيضه الجناح ؟؟ انشغل عنها في الفرح باصدقاءه والعريس والرقص والنكات الابيحه لكن عينيها تراقباه ، يشعر بنظراتها تخترق راسه وتضي في عقله بوهج لم يعتاد عليه ، جلس علي المائده وهي يبتعد ببصره عنها ، اختفت من مكانها وظهرت امامه تطالبه يراقصها ، لحسن حاشتيكيك لاخويا ، ارتبك ، مقدرش علي اخوكي وزعله ، راقصها مرتبكا متلعثم الخطوات ، انت عندك كام سنه ، سؤال يفتح به حوار لايجده ، 32 سنه وانت ، ضحك انا زي اخوكي ، طيب الفرق كويس ، وانفجرت في الضحك ، يزداد ارتباكه ، همست وهي تلقي بذراعها حول رقبته ، علي فكره انا باتكلم جد ، انا فعلا بحبك ، ضحك مقهقها وهو يتمني الارض تنشق وتبلعه ، انت مجنونه ، اه ليه ؟؟؟ و.......... انتهي الفرح وحفلته وليلته وبقيت هي تشاغل رأسه وافكاره ، اصغر منه بعشره سنوات ، جميله صبية انسه ترغب في الزواج والانجاب والاطفال ، هو اكبر منها وعاقر لن يفلح يخصب رحمها باولاد حبه ولن يحقق امومتها ، سيتزوجها وسرعان ماستمل منه وتتركه مثلما فعلت زوجته الاولي ، بقي الليل ساهرا يفكر فيها ، في الصباح نام مغشيا عليه بعدما قرر ان ينساها تماما ولا يفكر فيها ، لن يقوي علي العبث بها ومعها لانها شقيقه صديقه يعني اخته ، ولن يقوي يتزوجها لانه لن يمنحها ابدا ماتتمناه ، النسيان هو الحل ، هذه اخر عباره يتذكرها دارت في راسه ودارت قبلما ينام !!!  

""" افهم وجعك ...وجع يقهرك ، تحاول الفرار منه بكل الطرق ، تراوغه لايتركك ، تنساه يذكرك بالمه ، تتجاهله يفرض نفسه عليك ، تفر منه يحاصرك ، تستسلم له وتقرر تواجهه بقسوه والم اكثر مما يعطيه لك واوجع مما يفرض عليك ...سأفر من كل مااعيشه واحلق عصفورا حرا في السماء ، وتقف تتأرجح علي حافه النافذه تنظر للسماء البراح وتتمني تقطعها ذهابا وايابا بمنتهي الانطلاق ، تكتب حياه جديده لحياتك وتخلع القديمه الرديئه الموجعه التي تلبستك .. ساحلق عصفورا حرا في السماء ، لكن الاجنحه لاتنبت مكان الذراعين والاذرعه ثقيله والجسد كله ، لو قفزت ستهبط محطما مائه جرح ، تتأمل الارض البعيده وتسال نفسك مالذي ساخسره ، حتي لو هبطت ميت او مت وانا احلق حرا لثانيه في الفضاء البراح ، مالذي ساخسره ، تتحدي وجعك وتقرر بحسم واهم ، ستنبت لي اجنحه اثنين ثلاث خمسه عشره ، سيحملوني بعيدا عن الارتطام صوب قرص الشمس ، سيحملوني عاليا صوب السحب الورديه ، سيحملوني فوق الاوجاع الراكده كالعطن الاخضر ، تتحدي نفسك وعقلك وتقرر بحسم جنوني انك حين ستقفز من النافذه ستنبت لك الاجنحه وستحملك بعيدا عن الارض وتحلق بك عاليا و................... تقفز ، فلاتنبت الاجنحه ولا تحلق عاليا ، وترتطم بالارض محطما مائه جرح وجرح ، تسقط في حضنها الذي تكرهه ، تفتح عينيك المتعبتين لتجد عينيها مبتسمتين وكأن وجعك يسعدها وموتك يسعدها مادمت ستدفن في حضنها!!!!"""

مازال واقفا علي السلم ، انفاسه متلاحقة وقلبه تتلاحق ضرباته علي عتبات الدور الثالث ، ساله البواب ، فيه حاجه ياباشا ، نهره ، لا ، شرح له الاسانسير شغال ياباشا ، لم يرد عليه ، يعرف لكنه قرر اليوم بالذات ان ينزل التسعه ادوار علي قدميه ، يحتاج يهبط ببطء لمصيره الذي اختاره فرارا من قدره ، افر من العذاب ووجعه ، هكذا يتصور، لكنه يجري صوب قدره ليحكمه ويتحكم فيه ، يجري صوب العذاب باختياره وكامل وعيه وارادته الحرة ، مازال يهبط السلم ويفكر ، في السيدة التي لايتذكر ملامحها ، جارته رفضت تتزوجه وزوجته طلبت الطلاق وحبيبته لايقوي علي حبها ، هرم بجوار صباها ، عقيم و الخصبه العفية ، اوجعته الحياه وشوهته وهي مثل القرنفله الحمراء لاتستحق منه عذاب ولا وجع ، قدره العذاب وحظها السعاده وكمثل طرفي المقص ، يقتربا ويبتعدا ، يبتعدا ويقتربا ، والسنين تمر ويقترب من الخمسين وهي تقترب من الاربعين ولن يفسد حياتها معه !!! سينساها ويحب السيدة التي لايتذكر ملامحها ، هي حبيبته ، هكذا قرر ، وهكذا اعلن ، هي حبيبته ، فر من نفسه ومن كل من يعرفه ، سيكذب علي من يعرفه وعلي نفسه ، وحين يختلي بنفسه بعد عناء مقابلتها والضحك علي نكاتها السخيفه والتحديق في عينيها الذين لايذكر شكلهما معجبا متيما ، بعد كل هذا العناء ، يتحمم ويبكي لانه يكذب علي نفسه ولانه لايحبها ولن يحبها ولانه يتوق لحبيبته التي تستعصي علي احلامه ، يبكي لانه مجبر يعرف اي امرأه لاتناسبه ويكذب عليها ، مجبر يهرب ممن يحبها ويكذب عليها ويقسم لها برحمه امه انها لاتثيره كرجل ولا تحرك رجولته وانه يراها بشنب مثل اخيه وان انوثتها لاتهمه ، نعم يقل لها كل هذا واكثر ، يكسر قلبها عامدا متعمدا ، عليها تبعد عنه ، عليها هي التي تبتعد ، عليه يكسر قلبها ، يحطم كبريائها ، يكذب عليها ويقاوحها حتي تصدق كذبه ، وحين تتركه باكيه ، ينفجر في البكاء اكثر منها ، احبك ولااقوي علي هذا الحب ، لا ، لااحبك اساسا ، بل احبك كامي واختي ، احبك كابنتي ، لكني احبها هي كانثي ، نعم ذلك القد الرفيع يثيرني ، نعم تلك الاكتاف العريضه كمثل الملاكمين تثيرني ، نعم تلك الاسنان المعووجه تثيرني ، نعم تلك العيون الضيقه التي تتوراي تحت جفون عريضه تثيرني ، مالك لاتصدقيني ، تتصوريني احب نساء اجمل ، لكن الاجمل لم يمنحوني الا الشقاء ، مالك لاتصدقيني ، تتصوريني يستحيل اعجب بمثل تلك السيده ومثل ذلك الجسد ، حتي لو ، من قال ان الاعجاب مطلوب للحياه ، الاعجاب لمن يستحق الاعجاب ، لكن بعض النسوه لايستحقن الاعجاب لكنهن يصلحن لغسيل اطباق الفطار واكواب القهوه والامتطاء اخر الليل حتي لو باردات مثل المراتب القطن ، حتي لو ، لااكترث!! 
هي حبيبتي ، وانا في طريقي لاقابلها ، سابتسم فور اراها ، سامد كفي صوبها وكاني مشتاق لها ، ساالتصق بجسدها المقدد وكأنها اشتهيها ، ساخدعها بحق ، وستصدقني ، لانها محدوده العقل والذكاء ، طبعا ، هذا من اهم الاشياء التي اخترتها بسببها  ، محدوده العقل والذكاء ، لو عقلها يسطع ووجدانها حي وروحها يقظه ، ماصدقتني ، لاكتشفت كذبي ، ستصدقني لانها محدوده العقل والذكاء ، ستصدقني وتبتسم اكثر واكثر ، ابتسامتها المخيفه التي ترجف اوصالي ، ليتها تكف عن الابتسام ، ليتها تخفي عني اسنانها المعووجه ، ليتها تغلق شفتيها الرفعتين ، ليتها لاتصدقني وتجري ، ساتنفس الصعداء وقتها لانها التي هربت ، لكني لو تركتها ساثبت لنفسي ان اسير حب تلك السيده التي قررت اني لااحبها ، لو هربت من حبيبتي لصدقت اني اسير حبيبتي ، لن افعل هذا في نفسي ، هي ستصدقني وانا ساحبها وسنتزوج وتغسل اطباق الفطار وتمنحني مبرر عاطفي لحمام الصباح البارد !!! 

""" افهم وجعك واقدره ..وافهم محاولاتك للفرار من الوجع ومن الحياه ، ترسم ابتسامه كاذبه علي وجهك ، وتفتح شفتيك تأوها وكأنك تضحك وتلقي بدنك المتعب فوق الارض بخطوات متعثره وتقرر انك تعرف طريقك وانك اختره وانك حر لتعيشه وانك لن تخسر شيئا وانك لن تحمل الهرم فوق كتفيك المتهدلين لتنتصر مادامت الانتصارات الصغيره ممكنه وانت تحمل ذره رمل تافهه في الجيب الخلفي لبنطالك ، لن تحمل الهرم لان شيئا في الحياه لايستحق تلك المعاناه ، ويكفيك ذره الرمل التافهه انتصارا ، هكذا تقول لنفسك وتخدعها وترضي نفسك وترضي ، وتقهر روحك المتمرده املا في الخلود ، وتقنع بالاستسلام للموت بديلا للحياة التي تتمناها لكنك مرهق لن تخطو في طريقها الطويل خطوه مادامت البدائل متاحه وممكنه وسهله ولاتحتاج منك اكثر من انفاسا متعاقبه تخرج بشهقيها وزفيرها هواء راكد يميت ولايحيي ، متعب انت ومرهق ، استكنت لما هو ممكن منذ زمن بعيد ، اليوم ستتمرد وتبدأ الطريق من اوله وتبذل مجهود كبير ولاتضمن النتائج ، لماذا تفعل ؟؟ والحياه بها سبل اسهل من الدروب الشائكه واريح من الاختيارات المرهقه ، الحياه بها سبل اسهل ، ربما لاترضيك ، لكنها ممكنه وذره الرمال ممكنه ومتاحه والهرم ثقيل والطريق اليه طويل والجهد كثير والانفاس مقطوعه من كثره الدخان الازرق والذهن شارد من اثر النعاس العميق الذي تهرب فيه واليه من اليقظه الموجعه !!! """"

مازال واقفا علي السلم ، فقط دور واحد متبقي له ليصل للشارع ، حياته تجري امام عينيه ، لقطات ولقطات ، بعضها ضاحك وبعضها باكي وكثيرها عابث مجرم ، وسط كل تلك اللقطات ، يسطع وجهها قمرا ، بدرا ضحوكا ، هي قطرات الندي التي ستروي عطشي للحنان ، هي دفء الشمس التي ستذيب بروده روحي وصقيع ايامي ، هي امي التي لن تنهرني وابنتي التي لم افلح انجبها وحبيبه القلب التي انتقاها لي الكريم العادل ومنحني قلبها هبة ، هي الروح وبقية الروح ووصالها ، هي نجم يومض بالبهجه في ليالي الوحشه التي اقضيها ساهرا ابكي ، وونس الاحلام الحميمة التي لاارغب اصحو من جمالها ، هي التي تمنيت اقابلها في اول حياتي واقضي بقيتها معها بجوارها ، حضنها الدافيء وسادة طمأنيتي التي تمنيت اغفو غارقا في حنانها ، هي الانثي التي فطنت للرجل المعذب الذي يقتلني بهمه كل يوم ، هي الاراده التي ستغير القدر وعذاباته وترحمني من وجعه بقيه الايام التي ساعيشها ، هي وهي وهي وهي .... هي المرأة الانثي التي قررت افر منها وابعد واهجرها واجرحها .... العذاب قدري والحب لا ، لن انتظر التي احبها وتحبني وتناسبني واناسبها ونتكامل ونتواصل ، لن انتظر فالانتظار وجع والحياه لابد تعاش فرارا من الوجع !!! مازال علي السلم ، ملتصق القدمين فوق الدرجات المتأكلة ، مازال مشلول ، ابتسم ، اعجبته الفكره ، ليتني اشل ، وقتها ستأتيني حبيبتي تشفق علي ، تشعر عجزي الذي اخفيه ، تتعاطف معي ، وستفر مني تلك السيده التي لااتذكر ملامحها ، ستفر لاني لن البي احتياجات جسدها ولن اجاملها وهي تضحك واخبرها وانا اشعر بالغثيان ان ابتسامتها جميله وشفتيها ايضا ، ليتي اشل ، وقتها لن يلومني احد لاني لن احمل الهرم ، وكيف لمشلول يحمل الهرم ويبحث عن الخلود ، وقتها سيعتبروا ان ذره الرمال التي احملها مجهود عظيم يشكروني عليه ، ليتني اشل !!!! وكأنه سمع صوت امه يصرخ فيه ، برضه حتروح المدرسه !!! فتحرك خطوات بطيئه بطيئه صوب الدرجه الادني وهو يحاول يتذكر ملامح السيدة التي لايتذكر ملامحها !!!

""" افهم وجعك ...تمسك مسدسك وتعمره بالرصاصه الاخيره المتبقيه في جيبك من ايام المعارك التي كانت تستحق خوضها ، تقرر تدفس المسدس في فمك وتدوس الزناد ، تتصور عقلك يتبعثر فتضحك ، اخيرا ستستريح من كثرة الافكار وهمها ، تتصور راسك سيتحطم فتبتسم ، اخيرا ذلك العنيد المقاوح المشاكس ستفرض عليه الراحه الاجباريه والصمت والسكون ، تتابع الرصاصه وهي تخرج من الماسورة الصدأه بعدما تتأخر قليلا بفعل الصدأ والرهبه ، تراها تندفع بقوه صوب عقلك فتصفق فرحا طربا لانها مثلك حمقاء مندفعه مثلك هوجاء عنيفة ، تراها تندفع بقوه صوب عقلك المتعب بخيالاته المرهق بافكاره المثقل بهمومه ، تري عقلك يتمزق بضربتها القوية فتضحك فرحا ، اخيرا ، اخيرا ستتخلص من همك ووجعك وعذاباتك .... !!! """

مازال واقفا مكانه ، علي السلم ، ملتصق القدمين .. فقط ثلاث درجات توصله للشارع ، ينتظر السائق يأتي بسيارته ليذهب لحبيبته ، ثلاث درجات تفصله فقط عن حبيبته التي لايذكر ملامحها ، وقتما يلقي بدنه المتعب علي كنبه السيارة  ويغلق عينيه بعدما يخبر السائق بالعنوان ، سينام قليلا ، المشوار طويل ، سينام قليلا ، ربما يستريح عقله وبدنه فيتذكر ملامحها ، يسخر من نفسه ، نام كثيرا ولم يتذكر ملامحها ، يدخل للمقهي وهو لايذكر ملامحها ، وحين تقترب من المنضده التي يجلس عليها ، يفتح حدقتيه اندهاشا ، هل تلك السيده التي تقترب منه ، تلك السيده الغريبه هي التي حضر ليقابلها ، نعم ، هي ، تتسع ابتسامتها اكثر واكثر ، وتقترب اكثر واكثر ، تمد يديها صوبه ليسلم عليها ، هنا يتاكد انها هي حبيبته التي سيتعين عليها بثها حبه واشعارها بالفرحه وسعادته للقاءها ، ياله من ثمن غالي يدفعه لتغسل اطباق الفطار!!!!

""" افهم وجعك ...  تري الرصاصه تخترق راسك وقلبك وتسكن في قلبها ، تبتسم وتكذب علي نفسك وتطلب ودها وحبها ، تتصورك عاشقا وانت ميت تترنح علي قدمي الاختياارت الحمقاء ، تصدقك وتفتح حضنها ، تحدق فيها وفي حضنها وتبتسم راضيا ، اخيرا وجدت مقبره تتسع لحمقك !!! و.............. تتمني تطلق الرصاصه وتموت ، لتستريح وحين تطلق الرصاصه تقهقه هي من الفرحه لانك اخيرا حبيبها الغائب عدت لصحراءها لتزرعها شموسا لاتري الثعابين في عبك جاهزه لتسرح في الارض البور وتعقرها وتعقرك !!! ياله من موت رومانسي !!! """

ومازال واقفا علي السلم والشارع يبعد عنه بضعه خطوات  .... لم يتحرك خطوه واحدة ولا نصف خطوه صوب السيدة التي لايتذكر ملامحها ، ويفكر وفقط في حبيبته التي كانت في تلك اللحظه قد انهت خطابها وقررت تهجره ، مازال واقفا علي السلم و............ لم يتحرك ....

"" ياله من موت رومانسي !!!  قرأت العبارة الاخيره مره واثنين ، وابتسمت ابتسامه واسعه .... طوت الخطاب وادخلته الظرف وكتبت اسمه عليه بخط منمق جميل ، وطوته في درج مكتبها فوق عشرات الخطابات التي لم ترسلها له بعد !!!! ياله من موت رومانسي!!!!!

 ومازال واقفا علي السلم .... وتحرك صوب الشارع و.... تحرك !!!!ا


نهاية الجزء الثاني والحدوتة ...

السبت، 6 أكتوبر 2012

منتهي الحياة



خطوات انيقة رشيقة تتبعثر تنتشي تتراقص فوق درجات السلم الموسيقي ...  في ليلة طيبة كالابتسامات الهانئة ، وسط ضوء خافت يزين ظلامه افرع ملونه صغيرة تومضي وتسطع وتنغلق وتضيء ، يتداخل ضوءها الافل البسيط والنغمات الحانية الصاخبة السعيدة المنبعثة فرحا من اصابع التناقض الجميل البيضاء السوداء للبيانو الاثري العريق الذي يموء حنانا وقتما تهدهده وينتفض غضبا وقتما تطرق علي وجهه اصابع العازف الماهر واطراف اعصابه وموهبته وابداعه الجميل فتصدح الموسيقي وترسم بموجات اثيرها خلفية للمشهد والصورة الذين ترسمهما الخطوات الانيقة الرشيقه فوق وجه لحظه خاصه من الليل قرر سكانها يقتنصوا لحظات من الفرحه مسروقه من زمن موحش هواءه ثقيل قبض علي ارواحهم التي تمردت فرقصت ففرحت فكانت اللحظة الخاصه جدا .. التي اقص عليكم حكايتها !!!! 

ساحة خشبية تأكل سطحها تحت صخب الاقدام المحبة للحياة وبيانو اثري ينثر الفرحه عبقا مبهجا في ارواح جمهوره و اناس تركوا الهم خلفهم وقرروا يسرقوا من الايام لحظات فرحة مستعصيه وموسيقي تطغي علي الارواح المتعبة فتصالحها علي الهم وتهونه عليها و............ راقص اشيب خلع من علي اكتافه كل التاريخ والجغرافيا والذكريات الموحشة وعاد صبيا يرتدي ملابس ملونه وكأنه علي شاطيء البحر يلهو برذاذ الموج البارد المتطاير وذرات الرمال والنسيم العفي ووجه المتألق فرحا ... علي الساحة الخشبية خلع الراقص الاشيب سنوات عمره بهمومها وارتدي شبابا متمرد وقرر بقدميه يرسم علي ملامح اللحظة تفاصيل لحظته الخاصه المتراقصه علي نغمات التناقض المرح فكانت تلك اللوحة ..

اصفه لكم ، لااراه فكيف اصفه ؟؟  اري فقط قدميه المرحين يشعا فرحة تزيد من دفء الساحه الخشبية ، لااراه لكني احسه ، وانا علي مقعد بعيد اراقب الساحه الخشبية احسه ، استقبل رسائله المبعثرة في الاثير الفارغ لمن يملك القدره علي التلقي والتفسير ، احسه قرر يتحرر بمنتهي الصرامة من كل قيود اللحظة الصعبة ويلقيها خارج الساحة بكل اوجاعها وافكارها القاسية وتخوفاته ، المح علي وجهه ابتسامه تنبعث من روح مقاومه مصممة علي اقتناص لحظة فرح فاره علي درجات السلم الموسيقي فلم يكن امامه الا ملاحقتها ومطاردتها متبعثرا ببهجه فوق درجات السلم الموسيقي في تلك الليلة الخاصه جدا !!!

راقص اشيب بروح متمرده بملابس ملونه مزركشة علي بحر بعيد صاخب فوق ساحة خشبية عتيقة يقص حكايه لنفسه يعرفها جيدا ويرسل رسائل مطلسمه بالمكر لايثق ان احد سيستقبلها ويتبعثر صعودا وهبوطا فوق السلم الموسيقي ودرجاته الراقصه وكأنه يرقص وفقط ، يرقص ويبوح وهو لايمسك قلما ليكتب ولا ريشه ليرسم ولا كلمات ليحكي ويتكلم ، يعبر عن نفسه وذاته وروحه وكل احاسيسه وتمرده وغضبه وفرحته المراوغه بقدميه وخطواته الانيقة الرشيقة تتبعثر وتبتسم وتغني وترقص وتحلق للسماء وتختبيء وسط السحب في النهاريات الدافئة وتهبط برقه وانقضاض فوق موجيات البحر في الليالي القمرية ، كل هذا يحدث باطراف الاصابع المتوارية في حذاء انيق ينزلق برشاقة فوق الساحه الخشبية بايقاع خاص علي نغمات الموسيقي الصاخبة يصاحبها ويفر منها ولها ويحكي ويقول فتزيد وتعيد فيقول ويبوح فتتألق وتفيض فتتكامل اللحظه بكل احاسيسها خليط من نقرات قدميه الرشيقتين علي الساحه الخشبيه ملتحفا بالموسيقي ومتزينا بالبهجة والود .. 

انه لايرقص !!! 
انه يقص علي نغمات الموسيقي حدوته يرسم تفاصيلها باطراف اصابعه وكعبه ورشاقة قدميه المتنقافزتين فوق درجات السلم الموسيقي ابتداء من مفتاح صول وحتي بير السلم ، يقص حدوته عاشها وصمت عن البوح بيها فتأتي الموسيقي لتوخزه بسعادتها فيقفز فوق الساحه الخشبيه مبتسما وسط الليل كالقمر المكافح بين السحب السوداء يرسم بقدميه تفاصيل الحدوته التي تصور انه لن يبوح بها ابدا !!! 

لااعرفه ولاانتم ، ولن نعرفه ..
لكن اللوحه التي رسمها بقدميه وقفزات ساقيه واطراف اصابعه ودقات كعبه قصت عنه مايكفينا لنتفاعل مع اللحظه مايناسبها من تفاعل سعيد وفقط !!!
انها ليست حكايه شخص ، بل حكايه لحظة !!!
راقص اشيب ، دلف من ابواب البهجه فرارا من كل الهم علي ساحه كبيرة يزينها سلم موسيقي يصعد به للسماء فقرر يعتليه ويجري صوب السماء عله يجد هناك مالم يجده علي الارض الراسخه ، احيانا لاتحتاج للثبات بل تتوق للتحليق بعيدا عن الجاذبيه الارضيه لتري نفسك والحياه بعيدا عن التفاصيل الموحشه الكثيرة ، وهو فعل ، اعتلي السلم الموسيقي صوب السماء ، اعتلاه صعودا وهبوطا ، قفزا رشيقا بين الدرجات والنغمات ، خطوات سريعه بطيئه ، دوائر دوائر تلف به وبنا وبالزمن للحاله التي تحتله فيحتلها ويستسلم لمرحها ويقفز ويهبط ويعلو وينزل و.......ترتسم الابتسامه رغما عن همومه علي وجهه الصحو وهو يرقص ويرقص ويتحرر اكثر واكثر ، هو والموسيقي والحاله التي تنبعث من روحه لارواحنا لايكترث بشيء ولايحمل هم فيندمج واللحظه ويذوب فيها ومعها و...........تتقافز خطواته الرشيقه بين درجات السلم الموسيقي وعليها فينسعد اكثر واكثر ويندمج اكثر واكثر و.......... مازالت الرسائل تتلاحق لمن يستقبل ومن يفهم علي نغمات الموسيقي !!!

كالصلاة في معابد بوذا الساكنه وسط الغابات البعيده ورائحه البخور تتمد في الفضاء تسكنه بتقواها ونقيق الضفادع يهمس خشوعا مع حفيف نبات البامبو واوراقه الكثيرة وتراتيل الصلاوات تتلاحق علي الالسنة والافئدة بطلب السعادة ، كمثل تلك اللحظه في خشوعها وكمثل الاجساد الباحثه عن الارتواء في الاحضان الدافئة بين غابات المشاعر المتصاعدة كقرص الشمس الذهبي من رحم ليل طويل وفي صراع حميم مآله السعادة في النهايه وبالضرورة ، كانت خطواته الرشيقه الانيقه فوق الساحه الخشبية ، لاين ايتها الدرجات الراقصه تأخذيني معك ، تصعدي بي للسماء وتعودي للارض ، تصاحبيني في رحله الحب والسعاده للاعلي والاغلي ثم ترطميني علي صخرات الواقع والوحشة ، تمنحيني الفرحه والونس وسرعان ماتبعثريني بين تلال الهم والخوف والفزع ، اتبعثر علي سلمك صعودا وهبوطا متناغما والفرحه التي تبديها وتعدي بها المقاومين والمتشبثين بالحياة والفرحة ، لاين تصاحبيني ولاي طريق تأخذيني علي نغماته الحنونه تاره المجنونه الف تارة ، الحانية تاره الموحشه الف تاره ، الفرحه تاره الحزينه الف تاره ، الجميله دوما دوما ؟؟

لاتسالني عنه ولا ماهيته ، خطواته الرشيقه الانيقه علي اطراف اصابعه تفصح عن انتماء للحضارة وكل روافدها ، يفهم معني النغمات ويدرك معانيها الخفيه ، فيتوحد مع الدو وينزلق مع السي ويمرح مع المي ويبكي مع الصول ويضحك مع الفا ويدور ويدور مع اللا ، يعرف في النغمات وماهيتها ومعناها ودلالاتها ، تبكيه الاصوات وتضحكه وتسرقه النغمات وتخطفه السوناتا والسيفونية والمعزوفه الجميله ، لايستمع للموسيقي استماع الصم بل يدركها بروحه كادراك المتقين للخشوع والطاعه والتسليم ، يتأثر بنغماتها وعيا ولا يتراقص علي نغماتها غيبوبه وفرار !!! انه ينتمي للحضارة التي عبرت عن مجدها بالموسيقي فبقيت حيه في موسيقاها ووجدان مستمعيها اجيال واجيال واجيال ...

لاتسالني عنه ولا ماهيته ، ايقاع خطواته علي الارض الخشبيه المتقافزه فوق درجات السلم الموسيقي ، الايقاع الصاخب السعيد المنفلت يوحي بعفويه وتلقائيه هو ابعد مايكون عنها ، نعم يسمع الموسيقي بقلبه لكن خطواته منضبطه رشيقه يتحركها بوعي مقصود بارع وكأنه لايقصد الا السعاده ، لكن السعاده تأتيه من نظام صارم لخطوات راقصه رشيقه وكأنها تمرد علي النظام ، خطوات محسوبه من صمموها جدلوا نظامها الصارم بفرحة عشوائيه عبثيه وكأنهم لايقصدوا نظام فيأتي العبث والانطلاق والحيويه منتهي النظام ومنتهي الانضباط لقواعدهم الصارمة للحظات مرحله تبدو وكأنها منتهي الانطلاق وتكسير الاطر ، هو يكسر الاطر المقيده لاسر روحه بخطواته المنضبطه الصارمه ويشعر معني ايقاعها وقيمه انضباطها وتحليقه فوق نغمات الموسيقي للبهجة ، يجري ويتقافز علي درجات السلم الموسيقي بخطوات محسوبه منضبطه خاضعه للقواعد بروح متمرده علي كل القواعد فيأتي انطلاقه وكأنه فطري لكن السعاده التي تشع من روحه فطريه عميقه تفصح عن فهم لمعني النظام الصارم وقتما تفهمه فتحبه وقتما تقتنع به فتخضع لصرامته بمنتهي الطاعه المحبة لخضوعها للنظام الذي تأتي صرامته باجمل اثارها وهي السعاده الحقه والتحليق الحر في سماء رحبه!!!

لاتسالني عنه ولا ماهيته ، فحذاءه المريح البسيط يفصح عن اختياراته الاصيلة  في الحياة التي يحب عيشها ، الراحه والفاعلية ، لايكترث بالمناظر ولا تقييم الاخرين لمايراه صحيح ومريح ولما ينتقيه بحرية  من بين كل الاختيارات ، حذاءه المريح البسيطه يمنح قدميه حرية تتيح لهما الانطلاق كمايرغبا دون اثقال ولا احمال ولا تضييق ولا خنقة ، حذاءه المريح البسيط يفصح عن اختيارات في الحياة تعني له الكثير ، ليس مهما كيف تروني بل المهم كيف اري نفسي وكيف ارضي عنها اما رضائكم لايعنيني ولايسعدني ، المهم راحتي وحريتي !!! حذاءه الانيق البسيط يفصح عن انتماء اصيل لمن لاتبهرهم المظاهر فيروا الجوهر قبل الشكل ويكترثوا بالمضمون عن الزخارف التي لاتخدعهم فلايختبئوا خلفها لخديعه الاخرين ، الجوهر هو المهم والجوهر يرتبط وثيقا بالهدف والهدف يأتي من اراده حرة دفعت ثمن باهظ لحريتها من ظلم الاخرين لحقيقتها وقيمتها ومعناها ...

لاتسالني عنه ولا عن ماهيته ، بل اسالوني عن اللحظه التي قرر فيها ذلك الشاب الاشيب اقتناص السعاده والاستغراق في وهجها وفرحها وحيويتها !!!
خطوات رشيقه انيقه ، تتقافز علي درجات السلم الموسيقي ، تتقافز بسلاسة وتلقائيه ومنتهي التمرد والاصرار ، سلم تصعده الخطوات علي اطرافها حتي اخر درجاته وتعود  وتهبط لاخره علي كعبها وتلف وتدور بمنتهي الرشاقة ترسم دوائر تاخذك لمنتصفها وتدور بك وتدور ، فتحس وكأن دوار خدرا يستولي علي روحك ينقيها ببهجته من كل مايسممها ، خطوات تصعد درجات السلم الموسيقي للسماء وتهبط ثانيه لاول درجاته في تناغم جميل بين الصعود والهبوط بايقاع خاصه جدا وكأنها  تحلق كالفراشة فوق وريقات الزهور ، تحط عليها تنشر السعاده وتحلق بسرعة لتحط ثانيه وتعود تحلق ... كأنها تحط كالعصفور الصغير فوق قمة الاشجار تختبيء بين الوريقات والبراعم الخضراء ،تحط وتضرب بجناحيها في الهواء وتعود لتغادر العش وتحلق بحرية فوق كل الاشجار ، الخطوات الرشيقة تتراقص وتتبعثر وتتهدهد وتنتفض تتداخل الاصوات مع نغمات الموسيقي فيزداد الصخب والبهجة ...ترسم الخطوات المتبعثرة تمردا فوق درجات السلم الموسيقي ، ترسم لوحتها الخاصه ، وترسل الروح رسائل في الاثير تبوح بكل وجعها وهي لاتقصد وتكشف كل امنياتها وهي لاترغب وتتواصل مع الصامتين تحيي في ارواحهم مايقتلوه كل لحظه ببلادتهم الفطرية !!!

الخطوات الانيقة الرشيقة المرحة تتحرك علي الساحه الخشبية ، خطوة اثنين خطوه اثنين علي اطراف اصابعها ، وكأن الاصابع الخمس المختبئه داخل الحذاء المريح تتراقص كل مع ذاتها وجميعا معا وتتراقص مع الجسد المترنح وعيا بين الخطوات المتلاحقة ، خطوه خطوه خطوة ، دائرة ، خطوة خطوة خطوة ، نصف دائرة ، تقدم خطوتين ثلاث للامام ، تقهقر خطوتين ثلاث للخلف ، علي اطراف الاصابع تبدأ الحكاية ، وقبلما تفصح الحكايه عن تفاصيلها ، تتواري الاصابع واطرافها وتفسح المجال للكعاب الواثقه من دقاتها ومعانيها ، فيترنح الراقص الاشيب في مشاجره محببه بين اطراف اصابعه وكعيبه ، كل يحاول يتقنص النغمات لنفسه ويرسم بوجوده بعض نثرات السعاده التي تتكامل مع الموسيقي لترسم وتقول وتبوح وتعترف وتنكر وتهرب و........ دائرة ، نصف دائرة ، خطوتين للامام ، خطوة للخلف وانزلاق بسيط وترنح هين وابتسامه تشرق اكثر واكثر ، الروح تشعر بالحرية فتتماهي بانطلاقها والحرية تتجادل والروح تطمئنها !!! ومازالت الخطوات الرشيقة تهرع وتجري وتصعد وتهبط وتتقافز بين الصول والدو ، والمي والفا ، والري والسي ويجري العازف الماهر علي كل نغمات السلم الموسيقي بطرف اصبعه فيفتح نافذه للتحليق تسمح للارواح المبتهجه بالانطلاق الحر المرح الفرح بمنتهي الصبيانيه والرزانه والبهجة ...

لاتسالني عنه ولاعن ماهيته ... اسالني كيف يعامل شريكته فوق الساحه الخشبية وكيف يتعامل معها ، هي شريكته لن يرقص بدونها ، يعرف هذا ويعي معناه ، يحتاجها لتكتمل سعادته وتتكامل ، لكنه يقودها وحركاتها وخطواتها بمنتهي الثقه والانسيابية فوق الساحه الخشبيه وعلي درجات السلم الموسيقي ، يصاحبها في رحله البهجه ويقودها صوبها بمنتهي الصرامه والطيبة ، باطراف انامله يجذبها صوبه وباطراف انامله يلقيها بعيده ، يقترب بساقيه من جسدها خطوه اثنين وبسرعه يبتعد عنها ويبعده عنها خطوة اثنين ، يحتاجها ليراقصها وتتكامل لحظته لكنه يقودها في طريقه فرحته بطريقته ، الرقص ليس عبثا ولا عشوائية ولا خطوات مرحه بلامعني ولا تقافز فارغ علي النغمات ، الرقص صلاة في محراب الجمال ، صلاة لها قواعدها وطقوسها ، ادركيني سيدتي ، حسي بما ينبعث من روحي لروحك ومن همس الموسيقي لهمسي ، غيبي مع الموسيقي سلميها وجدانك واحاسيسك ، اغرقي فيها وحسيها ، يسحبها باطراف انامله صوبه ويلقيها بعيدا ، يقفز فتقفز ، يقترب فتبعد ، يبتعد فتقترب ، يلتصقا ويفرا بعيدا ، يسحبها لصدره هنا قلبي انصتي لنبضاته يلقيها بعيدا هناك روحي اقبضي عليها والتقطيها ، الرقص صلاة للمؤمنين بالحياة ، يقفز خطوتين بعيدا عنها ويمد ذراعه ليبقي الوصل بينهما ، تلمس اطراف اصابعه وتقترب ، يقبض علي اصابعه ويشدها صوبه ، تفر منه والموسيقي تلاحقهما والسلم الموسيقي ياخذهما لاعلي فيحلقا ويسحبهما لادني فتباعدا والنغمات تجري فوق السلم الموسيقي وهما يلاحقاها بخطواتهما وقفزاتهما وابتساماتهما الحنونة ، خشوع فوق الساحه الخشبيه وقتما تحرر الارواح وتنطلق في البراح الطيب وترسم بخطواتها واطراف اصابعها معني الانصهار والاقتراب والفرحة والبهجه ودفء الوصال !!! هي شريكه اللحظة التي يحب يعيشها ، عليها تحسه وتحس اللحظه ، تفهم عمقها في روحه قدر احتياجه لها تشاركه وميضها المنبعث من الاصابع المتناقضه للبيانو الاثري والعازف العجوز ينشر الفرحه ، عليها تذوب مثله في اللحظه ، تتلاشي ، تغرق كليه باستسلام كامل للمعني المنشود ، يسحب شريكته صوبه ويلقيها بعيدا ، لو تكترثي اقتربي ، ولو اقتربتي انتبهي ، انا موجود بكل مايعنيه هذا لكي ، لكني موجود بطريقتي بما يعنيه هذا لي ، اقتربي وانت يقظه في لحظة ندور فيها وندور ونبدو وكأننا نفقد الوعي ، لكن الوعي يتواري خلف البهجه ويعيشها ويحسها ويصنع من تفاصيلها وعي اجمل واحاسيس اعمق ، تتقافز خطواته بعيدا عنه كأنه يفر منها وينتظر اقدامها ، لو اقدمت يفر ابعد وينتظر علي نغمات الموسيقي قدر ادراكها لفراره واقترابه ، لاالهو معك لكني اراقصك واعيشك واعيش اللحظة و........السلم الموسيقي يتراقص ويتراقص علي ايقاع خطواته وبهجته !!!

اللحظة !!!
اللحظة هي التي نعيشها وماقبلها عشناه وانتهي وماسيأتي بعدها لانعرفه حتي الان ، اللحظه هي التي نعيشها ، وهو يقتنص اللحظة ، عمره كله في تلك اللحظة ، ربما تنتهي وينتهي معها فعليه يعيشها حتي اخر قطراتها بوعي ومتعه !!! قصته التي اراد يقصها للحضور متحلقين حول الساحه الخشبيه الطيبه ، اللحظه ياسادة ، اللحظه هي التي نعيشها فلاتهدروها ولا تتواني عن اقتناصها ببلاده فتضيع منكم وتضيعوا ، اللحظه ياسادة ويقفز خطوه اثنين ثلاثه ، ويعتلي السلم والنغمات ،دو ري سي فا ، اللحظه ياساده هي العمر كله ، اللحظة فقط التي اعيشها وتعيشوها ، فلاتهدروها وتندموا لانكم غائبين بلداء ، ويقفز خطوه اثنين علي اطراف اصابعه ، وخطوتين للخلف ويدق بكعبه علي الارض ، خطوتين ثلاث ويميل بقدمه علي جانبها ويتمايل جسده وكأنه سيهوي وقبلما يسقط يتمالك جسده ويحلق والموسيقي صاخبه والفرحه عارمه والبهجه تحتله واللحظة التي انتقاها ليعيش بطريقته يقص علي الحضور حدوتته !!!!

و............. تصمت الموسيقي فيفيق !!!
روحه حره وجسده مبتهج واحاسيسه ملونه والابتسامه ترتسم علي ملامحه فرحه واصابعه مغلقه قابضه علي اللحظه التي افلح يقتنصها ويعيش سعيدا و......... ينظر لشريكته بامتنان لانها افلحت تسايره علي نغمات السلم الموسيقي فارتوت روحه وروحها بامطار البهجه التي انهمرت علي نغمات الموسيقي تروي النفوس المشتاقه للفرحه ، ينظر لشريكته بامتنان لانها شاركته اللحظة ويصفق بطفوله وبراءه وفرحه تحيه للعازف والبيانو ومصممي خطوات الرقصه ومؤلفي كلماتها وللحضور المتحلق حوله فرحا ، يحييهم جميعا لانهم شركاءه في تلك اللحظة .... السعيده جدا !!!!

يصفق ويصفق مرحا فرحا حيا حرا منتشيا و............... تعلو مئات البالونات الملونه في سماء اللحظة التي افلح يقتنصها ويعيشها بمنتهي الحياة !!! 

الأحد، 23 سبتمبر 2012

وجع .. في دروب الوصال والوحشة .. الجزء الاول



الجزء الاول


الحياة من غير لقانا مش حياة 
ام كلثوم



الحياة من غير لقانا مستحيل 
راغب ، منال 



( 1 )
كتلة هلامية

ظلام ........ ظلام .......... ظلام !!! 
صمت ... او هكذا كان يظنه !!!
الحقيقه انه لايعرف معني الصمت ، ولايعرف معني الظلام ، ولايعرف معني اي شيء !!! 
وكيف يعرف وهو مازال بلا وعي ولاعقل ولامعرفه !!! 
غارق في الظلام ، ساكن وسط الصمت !!! 
هذا مانعرفه نحن ..من نعرف عبر رحله الحياه معني الظلام والنور ، والصمت والصخب ، والعقل وال......... ؟؟ ماهو نقيض العقل ؟؟
سؤال ربما  لا نحن ولا هو نعرف اجابته !!! 
لكنه الان يقبع اسير ال...... الذي لانعرفه اسمه ولاماهيته !!! 
ظلاااااام ... 
كتلة لانعرف طبيعتها غارقه وسط الظلام والصمت !!! 
جفنيه ملتصقين وبينهما حدقه لم تعرف بعد انها حدقة تبصر ولاتعرف وظيفتها وكيف تعرف وهي لم تستخدم بعد !!! 
جفنيه ملتصقين وبضعه شعيرات قليلة ملتصقه ايضا ، نبتت فوق الجفنين المغلقتين ، شعيرات صغيرة قصيرة لايعرف اسمها !!! 
الحقيقه انه لايعرف اي شيء .. 
هو كتلة عائمه وسط سائل هو لايعرف اسمه ولايعرف وصفه وسط اظلام تام وصمت مريب !!! 
هل التجويف الصغير المحفور علي جانبي رأسه يعمل فعلا ام مازال اصم لايعمل ولايعرف معني وجوده !! 
هل هذا التجويف الصغير يؤدي عمله ويلتقط الاصوات التي تهمس وتدوي حوله ؟؟ وهل تلك الكتله الهلاميه المغروسه وسط عظام رأسه اشتغلت ام مازالت تستجمع طاقاتها لتعمل ، تلك الكتله الهلامية هي التي ستمنحه المعاني لكل الغامض المحيط به !!! 
تلك الكتله الهلامية ، هي التي ستمنح التجويف المحفور جانب رأسه وظيفته وتجعله يستقبل الاصوات الغريبه فتترجمها له معاني وصور وفهم ومشاعر ، تلك الكتله الهلامية ، هي التي ستمنح الحدقة الزجاجية الغريبه المدفونه بين جفنيه ، ستمنحها الدلالة والاهمية ، هي التي ستترجم الاشباح والاشياء الغامضة التي تلتقطها تلك الحدقة لتعطيها المفاهيم والمشاعر والاحاسيس !!!
هو لايعرف شيئا ، ربما يعرف لكنه لايعرف انه يعرف !!! 
ربما يعرف لكنا لانعرف انه يعرف ، لانه وقتما يتواصل معنا يكتشف ونكتشف انه عاجز عن التعبير باي طريقه عما يعرفه او لا يعرفه وكأنه فعلا لايعرف ..
هل هو الان في تلك الحاله الغريبه وهو كتله لاماهية لها يعرف فعلا كل مانعرفه واكثر ؟؟ لانعرف ولاهو ايضا
ربما في جزئيات جسده معارف ومعلومات ، لكنه لايملك القدره علي فك شفرتها ، فبقيت تلك المعارف والمعلومات طلاسم غريبه عجز عن تفسيرها وفهمها  ، وحين يقوي علي تفسيرها وشرح فهمه لها ، يتصور هو وكل المحيطين به انه يعرف لانه اكتسب الخبرات اللازمه لتشكيل وعيه ، بينما في الحقيقه كان يملك وعيا مطلسما شرح له كثير مما واجهه دون ان يدرك انه كان يعرف فعلا كل ماحوله واكثر !!!
الان ..... والان بالتحديد ... هو غارق في الظلام والصمت !!! 
تتحرك الكتله التي تحتويه او يحتويها في سائل داف ، تتحرك او لاتتحرك وتظن انها تتحرك !!! 
ربما هو سر اكبر من كل الاسرار والتفسيرات التي نعرفها ، وهو يعرف ونحن لانعرف !!! 
ظلاااااااام .. وصمت !!!
وطمأنينة ؟؟
هل يشعر بالطمأنينة ؟؟
هكذا يظن ويظن الاخرون ايضا ..
في تجويف آمن ، محاط بسائل دافء وحمايه من العالم الخارجي وشره .. من قال ان العالم الخارجي كله شر ، هو يظن ان العالم الخارجي كله شر والعالم الخارجي يتصور انه في مأمن من شره وشرور اشراره ، و....... تصبح الطمأنينة مفترضة ، ويصبح التجويف الآمن رمزا للطمأنينة والامان ..........
ومن يبحث عن الامان في حياته لن يجد اكثر من رحم امه امنا وطمأنينة ، جميعنا نؤمن بهذا وايضا يؤمن به راغب  !!
و راغب الان ، هو الرجل الذي كان مجرد تلك الكتله الهلامية في رحم امه غارق في الظلام والصمت لايعرف شيئا !!!!

( 2 )
العقاب

تدخل غرفتها ، تغلق خلفها الباب بقوة احتجاجا علي عقابها القاسي ، لاتتذكر ماهية العقاب ولا مبرره ، ابيها عاقبها كالعادة ، ربما ضربها وسبها او القي عليها مقعد السفرة او ذنبها وجهها في الحائط ساعات طويلة ، بعدما تنتهي طقوس العقاب ومراسمه تهرع من امامه وبسرعه لغرفتها ، تدخل الغرفه تختلي بنفسها وتلتقط انفاسها المقطوعة ، صوت ابيها يطاردها عاليا كأنه لم يكتف بكل ماقاله وفعله ، عادة هي لم ترتكب ماتستوجب عليه العقاب ، لكن ابيها لايفهمها ولن يفهمها ، امها منزوية في ركن بعيد في المنزل خائفه يرتد الشجار لها مثلما يحدث دائما ، تتركها فريسه في يد ابيها ينهش في كرامتها بأسم التربية ، لن اكون مثلها ، لن اترك اطفالي فريسة لاب ظالم ، ساقاومه ، ساحميهم ، ساحميهم ، سأحميهم ........
وتستيقظ من النوم تصرخ بصوت عالي غاضب ..
الجدران صامتة والمدينة نائمة الا هي ..
تتذكر الكابوس وصراخها ، تتذكر بناتها ، تنفجر في البكاء ، لم اقوي علي حمايتهن .. لم اقوي علي حمايتهن ، وتبكي وتبكي !!!
الكابوس يطاردها طيلة العمر ، منذ انزوت امها وتركتها لابيها المحافظ يربيها بطريقته الصارمة ، يعاقبها علي كل هفوة غير مقصوده ، مازالت تتذكر لسعات حزامه الجلد فوق جسدها الصغير ، مازالت تتذكر قبضه يده تمزق ضفائرها الطويلة وهو يلفها علي اصابعه ويرميها ارضا .... مازالت تتذكر وتتذكر ..
مات الاب والام وتزوجت وطلقت و......... بقي الكابوس يطاردها يطالبها بحماية اطفالها الصغار وقت تنجبهم !!!
تبكي منال وتبكي و......... تتمني لو عثرت علي راغب الان بالذات ، في تلك اللحظه تحتاج حضنه ،تحتاج احساسها بالطمأنينة في وجوده ، تحتاج حمايته ، لن يتركها لابيها يعاقبها ثانية ولن يتركها لمطلقها يقهرها ولن يتركها للايام تقسو عليها ، تحتاج الامان من وجوده ، لكنه في كل لحظه تحتاجه لاتجده ، ازداد بكاءها ، يطاردها الكابوس وغياب راغب وغضبها من نفسها ، لماذا تتحمله ، لماذا تتحمل نزقه وجنونه وانانيته ، عليها تنهي هذه العلاقه وفورا !!!!
تبكي وتضحك في ان وان ، للمرة المليون تتخذ القرار العاجزه عن تنفيذه ، عليه يتركها ، هو يتركها وهي تحزن وترتاح ، وكأنها بالضرورة ستظل مفعول به دائم ، لاتقوي علي اتخاذ القرارات ، بل تتخذها ولا تنفذها ، و........ اخرتها ياراغب ؟؟؟

( 3 )
اعتكاف

امام البحر يحدق راغب في الظلام الذي يتلاشي بطيئا بطيئا والشمس تفرض سطوتها علي وجوده وعلي الدنيا ..
قبيل شروق الشمس ، خرج من غرفته المستأجره في الفندق الصغير علي شاطيء البحر ، وتسلل حافيا فوق الرمال البارده للشاطيء ، تلامست اصابعه والموجات الصغيرة علي شط البحر فانتعشت روحه ، عاد للمقعد المريح القي ببدنه المتعب واخذ يحدق في البحر الداكن والسماء المظلمه وبقايا الليل ..يحدق في الظلام الراحل وهو يؤكد لنفسه ان لكل ليل نهار يبدل وحشته لونس وبرودته لدفء واشباحه لجنيات طيبة !! ويسأل نفسه اما لليله من نهاية؟؟
مازالت الشمس تصارع الافق لتشرق بقوة صراعه مع نفسه ، يتصارع مع نفسه بحثا عن مرفأ بعدما طال به الرحيل والترحال ، يطمئن نفسه ، سيتبدل الليل نهار والوحشه لونس والحياة الموجعه لحنان فياض وسيحط الطائر الغريب علي الارض التي يعرفها والتي فرض عليه الهجرة منها مع اسراب الطيور المهاجره ، هاجر وعاد ورحل وغاب وان الاوان ليسكن لمرفأ طمأنيته ، تلوح ابتسامه منال كقرص الشمس الذهبي في خياله ، ويراها مثله لها نفس القوة والتأثير والفرحة ، قرص الشمس الذهبي يبدل الحياة والدنيا من حال لحال ، وهي ستبدل حياته من حال لحال ، او هكذا يتمني ..
انه وقت النهار الاتي ، هائم مع منال في ذكرياته وتفاصيلها المحببة المرهقة ، هائم مطمئن ، الشمس اجبرته باشعتها الساطعه وضوءها الساطع يغلق عينيه المتعبتين من ظلام الليل ، سطعت الشمس فخاف وارتعد قلبه مثلما اعتاد يرتعد وقتما يتصور حياته ستتبدل من كل البؤس الذي يحتل ايامها لسعاده تحمله لعنان السماء ، ارتعد قلبه فالسعاده تخيفه اكثر من كل الاشياء المخيفة التي يهابها الاخرين ،  السعاده تخيفه فتتسارع دقات قلبه هلعا ، هو اعتاد البؤس والشقاء والوجع والهم وربما ادمنهم ايضا ، حر طليق كالغراب الاسود علي شجرة جرداء لا يهاب الوحدة ولا يخاف الوحشة ولا يفزع من الليل ، حر طليق كالغراب الاسود علي شجرة جرداء لايملك مايخاف عليه فجناحيه قويين والاشجار الجرداء كثيرة والايام تمر ...
السعاده وابواب الرحمه والامل والهناء الذي تعذب بالحرمان منهم ، كل هذا يخيفه ويرعب قلبه ، وقتها سيملك مايفزعه مايخاف منه وعليه ، وقتها سيعود لطبيعته التي نسيها ، انسان يحتاج للدفء والونس بدلا من كونه غراب اسود ادمن الهجرة والترحال ، وقتها سيحتاج للاخرين والاخرين في حياته كانوا سما زعافا اوجعوه بقدر مااوجعوه وقهروه بقدر ماقهروه ورحلوا وتركوه مثخنا بجراحه فعزف الاخرين وابتعد عنهم واكتفي بالاشجار القاحله يتقافز بين اغصانها الجرداء ، منال شجره عفية قوية بهيه كقرص الشمس قادرة تحيل حياته من ليل دامس لنهار حاني لو مكنها ومنحها الفرصه وكف عن الفرار منها ، هل ستكف عن الفرار ياراغب ، وتسلمها روحك وقلبك وبقيه ايام العمر لتصالحك عليي نفسك وعلي الحياة ، هل ستكف ياراغب ، اما ادمنت الهروب ومنه واليه تذهب وتعود ، هل الهروب قدرك ياراغب ، هل هو قدرك ؟؟
سؤال يطرحه علي نفسه منذ شهور طويله ، وقرر في النهايه يعتكف بعيدا عنها ، انا مسافر ومش حارجع الا لما اعرف انا عايز ايه ، شرح لها ، فهمست ، ياريت لاني قربت اتعب !!!
ارتعب اكثر من ردها ، تمناها تسانده ، تقول له انها ستنتظره مهما غاب وستتحمله مهما هرب وستدعمه مهما فر ، لكنها بنصل بارد اسالت بقيه الدماء من عروقه ، قربت اتعب ، وكأنها تهدده ، كأنها تحذره عليك تعرف مالذي تريده وتخبرني لاني ارهقت من التأرجح ، ارتعب وكتم انفعالاته بداخله وابتسم ابتسامه بارده كعادته وقت الاستعداد للتحليق والفرار ، هانت !! كلمه لايعنيها لكنه حاول يطئمن نفسه ويضللها ، ابتسمت وصمتت ، كأنها تقول له لااصدقك ولست واثقه من انها " هانت" فعلا !!! صمتت وصمت وودعها ورحل في رحلة البحث عن الاجابات ...

 ( 4 )
الارهاق

الليل طويل ، ساهرة في فر اشها تبحث عن نوم عزيز لايأتي ..
تفكر فيه ، تتصوره في عزلته الاجبارية يفكر في كيفيه الهروب منها ، لاامل ، قالت منال لنفسها كثيرا لاامل ولافائدة ، لكن بصيص من امل عنيد يقاوحها ويجبرها تنتظر قراراته اللعينه التي تأخرت كثيرا !!
فكرت تكلمه في التليفون ، واثقه انه مستيقظ والنوم بعيد عن جفونه ، ستهمس له بصوت رقيق ، وحشتني ، سيصمت كالعادة ، مشاعرها تخيفه ، نعم تخيفه و ايضا تطمئنه ، يتمناها تغدق عليه بمشاعرها وتتقبل صمته وتتحمل خرسه وتغدق وتغدق حتي يتخلص من خوفه ورعبه ووجعه وتاريخه ويمنحها مشاعره !!
هي تفهم كل هذا واكثر ، لكنها ارهقت ، نعم تعترف لنفسها بارهاقها ، كانت تنكر عنه الارهاق وتنكره عن نفسها ، لكنها الان بالذات تعترف بارهاقها ، انا ارهقت ياراغب وعايزه ارسي علي بر ، كأنها اوصلت كابلات الضغط العالي باعصابه المكشوفه ، يتمناها صمتت وصبرت اكثر واكثر ، هو يتمني يرسي علي بر بمركبه الحائر بين الشطوط والمرافيء ، لكنه عاجز يرمي هلبه في البحر ، وكأن الاشباح والعفاريت تقيده وتقيد هلبه وروحه !!!
لو اتصلت به في التليفون لن يرد عليها ، ولو عاتبته سيتحجج لها بأنه كان نائم او مشغول او لم يسمع الجرس ، سيقول لها اول حجه تتبادر لذهنه ، يعرف انها لن تصدقه لكنه لايقوي يقول لها الحقيقه ، لايقوي يقول لها انه لايتحمل مشاعرها التي ترجف روحه وتضعفه ، وفي نفس الوقت لايتحمل صمتها وغيابها ، لن يرد عليها ، اذن لن اطلبه !! قررت منال بحسم والقت التليفون بعيدا واغلقت عينيها بقوه فترائت لها اشباح بيضاء خلف مقلتيها احالت ليل غرفتها لنهار موحش ضبابي مثل مشاعر انتظارها !!
فتحت عينيها واغلقتهما مره ثانيه وقررت انها ستنام و....... وبعدين ياراغب ؟؟ واخرتها ؟؟؟

( 5 )
الاحزان

قبيل النوم ، تترائي الخيالات في وجدانه وذاكرته ، ابتسامه حنون وقبضه يد قوية حانية وحضن دافء وصراخ وملابس سوداء ودموع و......... تخرج جدته الصعيدية لتحتل المشهد كله في الخيال وفي الواقع !!!
هذا مايذكره راغب عن امه ، خيالات عجز طيلة حياته عن تجسيدها في وجه وملامح وشكل ، امه هي الطمأنينة وابتسامه حانية وحضن دافء سرعان مااغلق في وجهه وغياب قهري موجع ودموع يواريها ويداريها في المدرسه وقت حفله عيد الام ويواريها ويداريها يوم يخرج مع اصدقاءه من البوابه فيجد الامهات تقفن علي الرصيف ينتظرن ابناءهن بمنتهي الحب ، وقتها تتساقط دموعه فياضه دون اراده منه ودون قرار ، الحنان الذي تمنحه الامهات لزملاءه يوجعه ، وصار الحنان قرين بالوجع والدموع ، وصارت الام رمزا للقهر والحرمان الذي يشعر بهما بسبب غيابها و......... صار ابن الجدة الصعيديه العجوز التي تركت النجع ووجهها مصبوغ بالنيله الزرقاء لتحضر مأتم ابنتها وتتسلم الولد الصغير الذي ستعيد معه رحلة التربية والاخلاق التي بدأتها مع امه التي اختطفها الموت سريعا واغلق حضنها في وجه ابنها الصغير !!
الموت والجدة والوجع ، مفردات يعرف مذاقها المر ، والنجع والبيت الصغير والاشباح والعفاريت ، مفردات اورثته الخوف والفزع ، ومن مزيج الوجع والمرار نمت صبارة الصغير في الارض القاحله وخلقت نفسيته الموحشة ... راغب .... صغير ماتت امه وتجرع اليتم قطره قطره حتي الثماله ، وكبر محروما من حنان الام وحضنها فكره احضان النساء وحنانهن فسارت حياته في منعرجاتها القاحلة ترسم ايامه وسنوات عمره ..
ومازال محلقا في الخيال مع منال ، كمثل كل ليلة يفكر فيها ويستدعي لظلمة روحه ابتسامتها ويبدد الصمت المحيط به بهديل ضحكاتها ، كل ليلة يستدعيها لوجدانه يفكر فيها قبلما ينام ، ووقت النوم تغادر خياله ويداهمه حلمه المعتاد ،   الان   يتمني لو تغير الحلم بالذات عن كل الليالي الاخري ، تمني لو تغير الحلم ، تمني لو يمنحه الحلم اجابات للاسئله الكثيرة الصعبه التي تطارده ليل نهار ، تمني لو حضرت له جدته العجوز تتشاجر معه لانه طلق صفاء ، تمني لو حضرت امه واحتضنته وقبلت جبيبنه وكفيه الصغيرين مثلما كانت تفعل قبل موتها ، تمني لو حضر ابيه فتشاجر معه لانه القاه مع جدته وتزوج باخري واختفي من خياته وانجب اخوه واخوات لم يراهم ولايعرفهم ، تمني يتشاجر معه لانه مزق حبال الود بينه وبين اخوته فحكم عليه بالغربه واليتم والوحدة طيلة الحياة ، تمني لو حضرت منال للحلم ، اقتحمته ، احتلت ليله ، مارست معه الحب بكل شبق وجنون ورغبه وانوثه ، تمني لو افلحت تحتل هذه الليله بالذات ، لو قويت علي اقتحام حلمه الليله لقرر يعود لها غدا ويطالبها بالزواج ومشاركته بقيه ايامه وحياته ، تمني لو تغير الحلم عن الحلم المألوف المعتاد الذي يراه ولايري غيره طيله حياته ، اغمض عينيه وفكر في منال كثيرا ، فكر فيها يتذكر ملامحها وابتسامتها الحانيه وجسدها الغض الناعم وشعرها البني اللامع و........... تمني يحلم بها و........... نام !!!!

( 6 )
الصمت

انت ساكت ليه ؟؟ سألته صفاء ..
حدق فيها وازداد صمته ، طالبها تخرج من الحجرة وتغلق الباب خلفها وتطفيء النور ، صمته يثير جنونها ، ساكت ليه ياراغب ؟؟ تكرر سؤالها فيغمض عينيه اكثر واكثر  وكأنه لايسمعها ..
عادة لايسمعها و ينسحب بعيدا عنها وينزلق داخل رحم امه ، يختبيء من عسفها ، يختبيء من حصارها ، رحم امه هو الملاذ الامن بالنسبه له ، هناك يبكي ويشكي ويبوح بكل مايوجعه ..
اعتاد الفرار لرحم امه منذ ماتت ، تنهره جدته العجوز وتعامله بقسوة ، يفر منها للصمت ورحم امه ، هناك يحادث امه ويشكو لها جدته ، هناك يشعر طمأنينة دقات القلب التي لايطئمن روحه الا ايقاعها ، يبكي في رحم امه ويصمت طويلا ، وحين ينام حزينا مقهورا تأتيه امه في الحلم ، تصالحه علي الايام الصعبة ، تهون عليه يتمه ، تؤكد عليه انها معه لاتفارقه ابدا ولن تفارقه ، في رحم امه يختبيء من الحياة القاسية ، كان ومازال .. ماتت جدته العجوز ، وحلت محلها صفاء بعسفها وبلادتها ، نعم بليده هي لم تفلح تفهمه ابدا ، لم تمنحه جسد يروي عطشه للحياه ولم تمنحه اذن تحتوي شكاواه ولم تمنحه قلب يحتويه وطردته اكثر واكثر لاحضان الاخريات ورحم امه ..
في المدرسه وقت كان صغيرا يتيما ، وحين تنهره مدرسة لان خطه وحش ، او يغيظه زميله بسندوتش مربي صنعته امه له بالفاكهه والحب ، او يطلب ابيه ليحضر مباراة الكورة ولا يحضر ، في ذلك الوقت ، تنهمر دموعه ، يواريها ويختبيء في رحم امه ، امه ماتت وتركت له رحمها ملاذا يحميها ، يختبيء فيه مع نفسه ، يونس روحه بروحه ويطمئنها ..
كبر وتخرج من المدرسه والجامعه والتحق بوظيفه مرموقه حقق فيها نجاحات كثيرة وسرعان ماتركها وفتح عمله التجاري الخاص ، كل هذا ورحم امه يحميه من الدنيا وشرها واشرارها ، رحم امه يحتويه وقت الغضب والحمق ، يحتويه وقت النزق والجنون ، وقت الانكسار والوجع ، ينسحب من الدنيا لرحم امه ، يصمت تماما ويترك ايقاع دقات قلبها يتسلل لروحه يطمئنها ، يستحلب مذاق لبنها الدافء وقطرات المحبة التي تسيل من ثديها لروحه ، يغرق في الماء الحارس للمشيمة ويبرد رأسه من غليانها وسخونتها ويتعافي ، وحين يتعافي يخرج للحياة ثانيه وكأن شيء لم يحدث!!!
اعتادت جدته منه الصمت والغياب ، اعزته ليتمه ، هو يتيم حزين مثل كل اليتامي ، هذا اقصي ماوصلت اليه جدته في تفسيرها لخرسه الطوعي ، وقتما تنهره او تقسو عليه ، يصمت تماما ويغيب كأنه اختطف للعوالم البعيده ، يتيم صغير ، هذا المبرر والشرح والتفسير و......... واعتادت جدته عليه ..
صفاء لم تعتاد علي صمته ولم تقبله ، لم تتركه يهنأء في رحم ورحمة امه بالطمأنينة ، كسرت عليه الجدران وحرمته من الامان ، انت ساكت ليه ؟؟ كلمه السر التي تبدأ بها مشاجراتها الغاضبة فينتهي به الحال في حضن امرأه اخري يكسر ضلوعها ينفث عن غضبه من زوجته البليدة التي " بلته " بها جدته !!!
انت ساكت ليه ، معنديش حاجه اقولها ، لا عندك ، لامعنديش ، و................ يرتدي ملابسه ويجري بعيدا عنها وعن المنزل ، او ينام مكانه كأنه سقط في غيبوبه ، شرح لها مرات كثيرة قبلما يغادر الامل روحه بخصوصها ، لما اكون ساكت سيبني ، شويه وحارجع لطبيعتي ، لكنها لم تفهم ولم تقتنع ، اما تتشاجر اما تبكي ، المهم انها لاتتركه يهنأ بامه ورحمها وطمأنينتها !!!
صفاء ، انت طالق ........
وتنفس الصعداء وعاد لرحم امه يبكي فرحا وتكور حول نفسه استحلب اصبعه الاكبر بين شفتيه ونام جنينا يسمع بروحه دقات قلب امه فتطمئنه ويغمض عينيه واذنية ويعود للصمت التام والظلام الدامس و............ ليه ياجدتي عملتي كده في ، ليه ؟؟

( 7 )
مشاجرة معتادة

في فراشها والغطاء علي راسها وعينيها مغلقتين والصمت يلفها وكأنها نائمه ، همست منال ، لن ازورك في الحلم ياراغب ، لن اريح مشاعرك ، لن امنحك حبي الا بقرارك الواضح الصريح ، لن اقتحمك واسعدك رغم عن انفك ، لن اطاوعك لتبقي مفعول به في لحظات الفرح المخيفة وحين تستيقظ ترتعد من كثرة السعاده فتتنصل منها وتنكرها ، لن امنحك حبي الا بقراراك الواضح ، اتخذ القرار ياراغب وقتها ستجدني ملك قلبك وروحك ، لن ازورك في الحلم واسعدك مؤقتا ،تتعايش مع كوابيسك في النوم وفي اليقظه ، او اتخذ قرارك الواضح !!!
الشمس اوشكت تشرق وهي يقظه في فراشها ، بيتها صامت مثل كل ايام حياتها ، الان يتعين علي فاطمة وعائشه الاستيقاظ للمدرسه ، تذكرت صخبهما وقت توقظهما بقبلاتها الحانية ، تذكرت ابتساماتها العذبه التي تمنح نهارها دفئا طيب ، تذكرت شعرهما الطويل الذي طالما جدلته لهما ضفائر طويله ، كان بيتها صاخبا بوجودهما ، الان ، هما بعيدتان عن حضنها ، احست وخزا في قلبها ، الصغيرات في فراش بارد بعيد عن حضنها وشعرهن الطويل لايجد من يجدله لهن بحب وعنايه وصباحهما بارد يشبه وجه جدتهما العجوز ، ونهارها موحش يشبه وجه طليقها المستبد الذي حرمها من بناتها و......... تتمني حضن راغب لتبكي !!!
لكن راغب يخاف من دموعها ، يخاف ويجري ، دموعها تذكره بضعفها وضعفها يذكره باحتياجها له واحتياجها له يذكره باحتياجه لها وقصصها الموجعه عن بناتها تذكره بطفولته الموجعه مع جدته العجوز ويتمه المبكر وحرمانه من امه ، يحس نفسه ابنها الذي حرم منها ويتمني هو يدخل حضنها ويبكي ، لكنها تبكي في حضنه وتذكره انها انثاه التي تبحث عن حمايته فيخاف عليها ويجري و................. لست ابنك ياسيدتي لتعامليني بتلك الرقة ، ولست جدتك العجوز لتعاملني بتلك القسوة و............. دروب الوصال بينهما ممزقه بين تاريخ موجع وحاضر موحش وتواصل ممزق مبعثر كروحيهما و............... وبعدين ياراغب ؟؟ واخرتها ؟؟؟
اشرقت الشمس ملأت الغرفه والسماء و..... غفت منال من شدة ارهاقها تصارع الكوابيس واشباح النهار وراغب و............ الحياة كلها استيقظت الا هي والا بيتها الذي مازال نائما كأنه حجر ساكن في مدينة الموتي !!!
غفت ، فاقتحم راغب حلمها ووقت غفوتها ، اتاها ببهجته وحزنه ، اتاها بصخبه وخرسه ، اتاها بكل تناقضاته التي تعرفها جيدا ، اتاها يوقظها لتفكر في علاقتهما المستحيله ، اهي مستحيله ياراغب ، هل هذا ماوصلت اليه وحسمت امره ، يهز راسه نفيا ، في الحلم تلومه وتعاتبه ، تتشاجر معه ، تساله ، وبعدين ياراغب؟؟ واخرتها ؟؟؟ عايز مني ايه ، عايزك ، وبعدين ولا قبلين ، ماينفعش ، ينتفض في الحلم غاضبا ، يتشاجر معها ويصارعها لانها اتته بثوب المدرسه التي تعلم وتربي ، بثوب جدته التي تنهره وتتشاجر معه ، لم تأتيه بثوب الانثي الحنونه التي تفلح تطرد اشباح مخاوفه وتهدم حصون مقاومته وتاسره في حضنها !! تشاجر معها وتشاجرت معه كعادتهما وساد خرس موجع كمثل نهايه كل لقاءتهما ، خرس لايجد كلمات يعبر بها عن مابداخل كل منهما من صراعات طاحنه ، في الحلم اتاها راغب بصراعاته وتناقضاته ، في الحلم مثل الحقيقه اسمعته مالايرغب يسمعه ، فتشاجرا وتشاجرا ، وانتفض كل منهما في فراشه يتلوي من الالم وهو نائم لايعرف لماذا لاتأتيه جنيات الاحلام الطيبه تهدء من روعه وقت النوم وتمنحه فرحة ولو مؤقته !!!ا

( 8 )
القهر

امومة مقهورة !! هذه هي منال باختصار ..
ام احبت بناتها مثل كل الامهات لكن القاضي قرر يحرمها منهن بحكم نهائي لانها امرأة عاملة تغيب كثيرا وتترك الصغيرات بلا عناية بلا رعاية بلا امومة صالحة للقبول القانوني ، شهور طويله وربما سنوات تسال نفسها مالذي اوجعها اكثر ، حرمانها من بناتها ام الاسباب التي سطرها القاضي في حكمه وقت وصفها بانها ام غير صالحه لتربيه بناتها وانها تركتهن للاهمال وتربيه الخادمات وان وجودهن في يدها يهددن بالضياع ويهدر مصالحهن وان جدتهن لابيهن اولي برعايتهن وحضانتهن لانها سيدة متفرغه للتربيه والرعايه !!!
هذا ماقاله القاضي في الحكم فذبح منال الف مره كل يوم ، تمنت لو اقتحمت عليه غرفه المداوله وصرخت في وجه ، ياظالم يامفتري ، انا ام مش صالحه ، انا ؟؟ باشتغل اه طبعا باشتغل ، طول عمري باشتغل ، هو اتجوزني وانا باشتغل ولما طلقني مارضيش يدفع نفقه للبنات لاني باشتغل ، وسابني اشقي عليهم واضيع شبابي وحياتي عليهم ، رفضت العرسان والجواز علشان مااخسرش حضانتهم ، واشتغلت زي العبدة في بيت الاسياد ليلي نهار ونهاري ليل ، وفي الاخر يقول مصلحه البنات وتربيه الخدامات ويعيط ويصرخ ويقول بناتي بيضيعوا ياباشا وتصدقه وتحكم علي البنات يتربوا مع جدتهم العجوزه ويخرجوا من حضني !!! مئات المرات تجهز منال كلماتها التي ستلقيها في وجه القاضي ، تفكر بغضب وتقرر انها ستذهب للقاضي وتدعو عليه ، ربنا ينتقم منك وتدعو علي اولاده ، الهي يشربوا من الكاس اللي سقيتني منه ، و........ تبكي وتبكي !!!

 ( 9 )
البحر

الشمس ساطعة في صدر السماء وامواج البحر تتقافز لتطالها وتطفيء سخونتها والنسيم يأتي من عمق البحر محملا باسراره ، جالسا راغب علي مقعده المريح امام البحر يحدق في السماء وزرقتها والبحر وموجه ، هادي النفس ساكن الروح متأمل نفسه واعماقها وروحه وتمردها وقلبه ووجعه ، يحتسي فنجان من القهوة السوداء وينفث دخان سجائره الواحده تلو الاخري ، ثلاث ايام في الاعتكاف الاختياري والعزلة ولم يصل لاي اجابه ترضيه .. الوقت يجري وميعاد عودته يداهمه بسرعة ، وهو حائر تائه يتمني يصل لاجابات لم يصل اليها بعد .. لن يتصل بمنال حتي يصل ليقين يطمئن روحه ، لن يرد عليها حتي لو اتصلت به ، نعم هي لم تتصل به لتتركه مع نفسه بعدما ارهقت منه كما اخبرته في حديثهما الاخير  ، لكن حتي لو اتصلت لن يرد عليها ، لن اتواصل معك حتي اصل ليقيني يامنال ، اما انت بقيه روحي او انت روح غريبه عليك تبعدي عني وتتركيني في حالي وشأني واحزاني !!!
بتحبها ياراغب وبطل مقاوحه ، يعترف لنفسه ، طبعا باحبها ، طيب ، يبتسم ، سؤال بسيط واجابه ابسط ، لكن هذا يعرفه قبلما يأتي ، ليست المشكله كوني احبها او لااحبها ، احبها هذا يقيني ، المشكله الاكبر التي تعيشها ياراغب ، لماذا تخاف منها ؟؟ خايف من ايه ياراغب وعلي ايه ؟؟؟
هذا هو السؤال المهم الذي لم يجد اجابته رغم كل الوقت الذي اختلي فيه بنفسه ينقب في دروبها الموحشه عن اجابات !!!

( 10 )
اللقاء

امومه مقهورة ، هذه منال وقت قابلها راغب !!!
دخل البنك ليصرف الشيك الذي منحته له الشركه الاجنبيه مقابل استشاراته المفيدة ، وقف في الطابور غارق مع نفسه ومشاكلها الكثيرة ، انتبه فجأ لعينيها الباكيتين ، عينين باكيتين ترسلا استغاثه من روح معذبة لروح غريبة ، انتبه وسرعان ماقرر الا ينتبه ، هكذا قرر ، لكنه كان انتبه لوجودها وقضي الامر ، قدم لها الشيك بذهن نصف غائب ، تعمد يصرف تفكيره بعيدا عن عيونها الباكية ،وقف طويلا امامها خلف الشباك وكأنها تعمدت تبقيه امام دموعها التي تواريها ،  تعثرت منال وهي تعد النقود ، اخطأت في العد مره واثنين ، دموعها سياله لاتقوي علي كبحها ، بملل سألها ، قدامي كتير ، لم يكن هذا هو الكلام الذي رغب يقوله لها ، تمني يسألها ، مابك ياسيدتي ، لكن كبح امنيته كالعاده ، فخرجت الكلمات رتيبه سخيفه من حنجرته ، قدامي كتير ، صوتها تحشرج ، انتبه اكثر لعيونها الحمراء الزائغه ولصوتها ممزق ، اشفق عليها وكاد تساؤله يقفز لطرف لسانه  ، مابك ياسيدتي ، لكنها قامت من امامه وبسرعه ، اعتذرت له وتركت مكانها لزميلها ليسلمه النقود الكثيرة التي فشلت تعدها وهي تفكر في بناتها الصغيرات ،  فاطمة وعائشة  ، تابعها راغب ببصره وتمني لو يسألها ، فيكي ايه ؟؟ تعجب راغب من فضوله ، هو ابدا لايكترث بالاخرين وبالذات النساء ، لم يأتي من ورائهن له الا مشاكل افسدت حياته ، يتجاهل وجودهن اساسا ، لكن منال وعيونها الباكيه وصوتها المكتوم وارتجافه الشفه العليا التي تبعثرت تحت طوفان الدموع ، كل هذا افلح يلفت نظره ، استلم نقوده وغادر البنك وبقيت منال في ذهنه سؤال بلا اجابه.... مابك ياسيدتي ؟؟

( نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني )