مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

النظرة الكسيرة وبائع الفوانيس ( الجزء الثالث والاخير)




(13 )

جلس اكرم علي مكتبه الفاخر يحدق في الفانوس الذي اشتراه ، يحدق في الزجاج الملون الخشن ، يحدق في الباب الصاج بمفصلاته المعووجه ، يتمني اكرم لو حياته عادت ، لو ابيه لم يمت ، لو امه كفت عن البكاء ، لو الفقر اعتقه من اسره ، يتمني لو لعب في الصيف مثل كل الاطفال ، يتمني لو احبته خالته وزوجها ولم يعايروه بحاله البائس ، يتمني لو عاش مراهقته مثل كل الشباب ، لو احب ابنه الجيران وقذف لها خطابا يبثها غرامه ، يتمني لو جرب الحشيش مثل زملائه في الجامعه ، لو اختطف فتاه خلف الشجره الكبيره ومزق شفتيها باسنانه حتي لو امسكه امن الكليه ، يتمني لو اشترت له امه حذاءا جديدا في العيد ومنحته فرصه التباهي علي اطفال الشارع الذي ذكروه دائما بحذائه القديم ونعله المخروم !!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، ومازالت النظره الكسيره تلاحقه ، لايذكر المره الاولي التي شاهدها في عينيه ، النظره الكسيره تظهر اوجاع روحه وهم نفسه ، هو يكرهها لكنها لا تبارحه ، يري عينيه تتوجع بانكساره ، امام الفقر وزملاءه في المدرسه وصديقه ابن المنجد وامام ثريا ، نعم حين ينظر لثريا يشعر اسي يجتاحه ، لم يحبها ابدا وكان يتمني تساعده ليحبها ، لكنها تعالت عليه ، ذكرته دائما بفضل ابيها عليه ، تتعمد ايلامه ، كل حركاتها وايماءاتها تذكره بحاله ، انت بعت نفسك وانا اشتريتك !!!

يتمني اكرم لو الحياه كانت غير الحياه ، لو قابل سعيده وهو ابن رجل ثري ، لم يحرق الفقر قلبه ويكسر نفسه ، وقتها كان سيمد لها يده ، سينتشلها من فقره لعزه وثراءه ، لكنك ياسعيده اتيت وقت لااملك الا افر منك ، حبك لن يقويني وحبي لن يفرحك ، اذا دخل الفقر من الباب خرج الحب من الشباك ، وانا لااملك الا ذكريات موجعه وتاريخ اسود وماضي مهبب واب مات وتركني اتعذب بميراثه اللعين ، الفقر الذي قتلني به قبل ما يمنحني الحياة !!!

يتذكر سميحه وبكاءها وقت اعلنها بهجره ، زهقت منك ومن حواديتك ومن عياطك ، من حقه يتعالي عليه ويهجرها ويزهق ، ملها وقصصها وجسدها المستباح لغيره ، لم يصدقها وقت اقسمت له انها تحبه ، وانها تتمني تتوب علي يديه وتترك حياه العهرالتي كرهتها ، لم يصدقها ، نهرها وقت بكت ، بقولك ايه عياط مايلزمنيش كفاياني عياط ، لم تفهم قوله ولم يشرح لها ، لاتعرف قصته الحقيقيه ولاكفره بالدموع التي لاحقته طيله حياته شلالات مالحه من القهر ، حين بكت اعطاها ظهره ورحل الي الابد ، اللي بيتعلم يبيع نفسه عمره ما بيبطل يبيعها ، هكذا قال لها بكل قسوه ورحل عنها للابد ، محي نمرتها من تليفونه وفقد الذاكره وحين قابلها بعدها بفتره طويله مصادفه ، حدق في وجهها يحاول يتذكرها وهي تبتسم له تذكره بنفسها وبسرعه اعطاها ظهره مقررا انه لايعرفها ابدا !! مازال يتذكر النظره المحبه التي منحتها له سميحه ، يسخر من تلك النظره ومنها ، تلك النظره احد بقايا براعتها في اصطياد الرجال واصطياده !!!

يومها زارته امه في الحلم حزينه وسالته ، ياابن قلبي القسوه دي كلها جبتها منين ، نظر لها نظرته الكسيره وابتسم بمراره ولم يرد عليها واستيقظ من النوم ناقما علي امه التي تتجاهل كل ماعاشه وتطالبه بان يكون رقيقا وحنونا ومحترما!!!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، غائب مع نفسه عن كل ماحوله ، وقفت امامه السكرتيره تكلمه لايسمعها ، نبره صوتها تضايقه لكنه لايميز معني كلماتها ، الاجتماع جاهز ومستنيك ، ينتبه لحديثها ، يشير لها بيديه يصرفها ، لن يدخل الاجتماع ، تركته لاتصدق ماتراه ، العيد بعد اسبوع ، سينزل كعادته يشتري ملابس جديده لايحتاجها ، لكنه لن يقضي العيد مثل طفولته شريدا بملابسه القديمه ، سينزل لافخم المحلات يشتري مالايحتاجه ، يتمني لو اشتري ماضيه وغير احداثه ، لو تخلص من كل اوجاعه ، يضحك ساخرا من حمقه ، منذ باع نفسه للثراء ليتخلص من ماضيه عاش في ماضيه اكثر ، كل مايفعله رد فعل للماضي الموجع ليهرب منه فيغرق فيه !!!

مازال يحدق في الفانوس ، فيه يري عينيها ، سعيده ، تري اين حطت بها الدنيا وكيف صارت ، هل باعت نفسها مثلي لمن منحها الامان ودفتر الشيكات ام بقت تتوجع بفقرها ، ضحك ساخرا من افكاره ، ربما هي سعيده ، اسم علي مسمي ، ربما بقت فقيره لكن سعيده ، ربما لم تبع نفسها ، لا ، هز راسه بقوه ، اشاح بذارعه فوق الفانوس علي الارض وتناثر زجاجه شظايا امام عينه ، سعيده باعت نفسها مثلي ، لست الضعيف الوحيد ، سعيده باعت نفسها واشترت اثواب انيقه وتعاسه ولم تبق في فقرها قانعه راضيه سعيده !!!

حاصرته النظره الكسيره ، تلومه لانه كسر الفانوس ، ينظر للشظايا المتناثره يحسها روحه ، هو مثل ذلك الفانوس تبعثر مائه شظيه ، يتمني لو يفقد الذاكره كلها ، ينسي طفولته وشقاءه ، ينسي زوجته وعجرفتها ، ينسي امه ولومها ، ينسي سميحه وكل النسوه الساقطات اللاتي هزم زوجته علي اجسادهن الرخيصه ، ينسي سعيده التي تمناها وفر منها ، يتمني يفقد الذاكره وكل شظاياها المشحوذه !!

دخلت ثريا الحجره ثائره ، سالته بعجرفه عن سبب رفضه حضور الاجتماع الهام ، اجتماع وضبنا له من زمان ، صفقه كبيره مهمه مستنين من زمان نخلصها ، قاعد زي العبيط تبحلق في الفانوس العرة اللي انت جبته ، يحدق فيها ويكاد يضحك من شده انفعالها ، لن يرد عليها ، تكاد تنفجر ، قوم يااكرم بلاش هبل ، دي صفقه عمرنا ماكنا نحلم نخلصها ، قوم احضر الاجتماع وخلصها ، يتحرك بتثاقل من مقعده الوثير ، تتصوره سيخرج معها ، ينزل علي ركبته علي الارض ، يلملم شظايا الزجاج المكسور ، يمسك الفانوس وتلمع الدموع في عيونه ، الفانوس الذي اشتراه وكانه سيمحو به قهر الماضي يتكسر امام عينه ، ثريا لاتكف عن الصراخ ، قوم يااكرم بلاش هبل ، انزل الاجتماع ، يعود لمقعده ، توخزه شظيه من الزجاج ، يتألم ، سيب الزباله اللي بتبحلق فيها وقوم روح الاجتماع ، يضحك ، سعيد بغضبها ، اخيرا ثريا هانم خرجت عن وقارها وانفعلت ، نظرت له طويلا وفجأ اشاحت له بيدها ، انت مابقيتش نافع في اي حاجه خالص !!! وخرجت من الغرفه اكثر غضبا مما دخلت ، صفعت الباب خلفها فانفجر في الضحك !!!!


( 14 )

وقف امام بائع الفوانيس ، اشتري عشره فوانيس ، ملونه كبيره ، اشتري عشره علب شمع ، اغلق محموله بعدما جنت ثريا وطلبته مائه مره ، انهالت عليه بالرسائل الغاضبه ، تدوي في اذنه كلمتها ، انت مش نافع في اي حاجه ، يغلق المحمول كانه يصفق الباب في وجهها ، عشرين عام بل خمسه وعشرين عام مرت وهي زوجته ، لم تمنحه طفلا ، عايرته بماضيه منذ اسبوع زواجهما الاول ، تحمل منها كثيرا ، لم يتحملها لكنه تحمل الثمن الباهظ لاحلامه لقراراه بالفرار من الفقر لرغبته في الثراء !!!

عايرته بفقره فاقتص منها وخانها ، لم تشتري روحي ولن تشتريها ، خانها مع كل الساقطات ، هي التي اوحت له بطريقه هزيمتها ، شكت فيه وفي النسوه اللاتي يغازلوه ، فتحت له باب العتق من سطوتها ، تحملي اسمي واهنأ بثروتك لكني حر لحد منحي جسدي الذي يكرهك للساقطات يسعدهن ...

حمل البائع الفوانيس وسار خلفه لايصدق ما يحدث ، الباشا الكبارة يزوره كل يوم ليشتري فانوس ، يمنحه مالا كثيرا ويجزل له العطاء ، سار خلفه يحمل الفوانيس ، فتح له اكرم باب السياره ليضعها علي الكنبه الخلفيه ، ساله البائع بتوجس ، هنا ياباشا ، ابتسم اكرم واوميء له برأسه ، وضع البائع الفوانيس في السياره واغلق الباب برفق مبتسما وودع اكرم ، ربنا يخلي لك الاولاد ياباشا !!!

الاولاد !!! احس اكرم بغصه في نفسه ، ليس عندي اولاد يحملوا اسمي ويستمتعوا بثروتي ويهنئوا بثرائي ، كل ما اعيشه يخصني وحدي ، لن يستمتع به غيري ، احس الحنق علي ثريا ، تلك الدميمه التي لم تفلح في منحي اطفال من رحمها الاجدب ، كان يتمني اطفالا يشتري لهم كل الملابس الجديده وكل الفوانيس ، يتمناهم يغدق عليهم بكل ماحرم منه ، كان يتمني اولاد يمنحهم اسمه وثروته وبنات يدللها ويشتري لها عرائس واثواب انيقه من كل رحلاته حول العالم ، كره ثريا ، تتعالي عليه لحد لم تمنحه اطفال من صلبه ، لو احبته لمنحته اطفالا اشاعوا البهجه في حياتهما وربطوا بينهم ، لكن ما بينهم واه ، ينتهي في ثانيه ، لم تحبه فلم يحبها ، عايرته بفقره فهزمها بخيانتها ، وبقيا معا كمثل الشجر الاشعث في الصحراء ، لايمنح العابرين ظلالا ولا ونس ، لاجذور لهما ولا فروع !!!


( 15 )

سارت بسيارته لمنزله القديم ، هنا ياثريا هانم ولدت وعشت وتمرمغت في الفقر ، هنا في ذلك الحي قهرت واهدرت كرامتي ، هنا في هذا الشارع بكيت وكرهت حياتي ، اين كنت انت ياابنه الرجل الثري ، كنت ترغدين بالنعيم وانا اتعذب ، كانت امي تبكي وقت كان ابيك يعد نقوده ويكدسها في الخزانه السريه تحت اللوحه الاصليه التي اشتراها لايفهم في قيمتها!!!

وقف امام البوابه القديمه للمنزل ، في هذا الحوش كانت امه تجلس تحكي له القصص والحواديت ، من تلك البوابه فكر يفر للابد ولا يعود لها بعدما قهرته واجبرته علي العمل عند المنجد ، هنا في هذا المنزل وشقته القبليه الكريهه بكي وبكي وغطي رأسه علي السرير فرارا من ابيه الذي مات ومن زوج خالته الكريه ومن المدرسه غليظه القلب ومن امه ونواحها..

تعجب اكرم ، لماذا عاد لحي القديم ، لم يدخله منذ ماتت امه منذ اكثر من عشرين عاما ، لماذا عاد بسيارته الفارهه التي ركنها علي الشارع الكبير وترجل سائرا للمنزل ، مازال كل شيء علي قبحه ، البيوت متراصه تتساند علي بعضها ، الماء العطن يرقد علي حواف الحاره الضيقه ، النوافذ مكسوره والحزن يلون وجوه الجيران ، لماذا عاد بعد كل تلك الغيبه ، لا يعرف احد في الحاره وقاطنيها يفحصوه بنظرات مستريبه ، يشكوا فيه ويخافوا منه ، يسالوه بعيونهم من انت ولماذا انت هنا ، انا الذي كنت منكم وفرر من قدركم وصنعت قدري بنفسي ، يقف امامه طفل صغير ، بنطاله قصير وقميصه مكرمش ويمسك بسلك معدني طويل في اخره عجله ، يقف امامه مبتسما ، يحدق في الصغير ، هل يشبهه ، لا يشبهه ، عيونه مبتسمه سعيده ، يلعب بالسلك راضيا قانعا ، يساله الطفل بشجاعه لايملكها الكبار ، عايز مين حضرتك ، تناديه امه وجله لايرد عليها ، تعالي ياواد هنا ، يبتسم للصغير فيمنحه الصغير ابتسامه جميله ، يتذكر بائع الفوانيس ودعوته ، ربنا يخلي لك ولادك ، اسمعي ياثريا مايقوله الرجل ، ايتها الدميمه الثريه ، ارضك جدباء لاتنبت اشجارا !!!

وقف امام منزله القديم طويلا يتابعه الصغير بنظراته ، تركه وعاد لسيارته ، ثم عاد له بفانوس كبير وعلبه شمع ، اتسعت ابتسامه الصغير وارتبك ، نظر لامه يسالها كيف يتصرف ، الرجل غريب ، الح عليه لياخذ الفانوس ، ابتسمت الام ودعت له بالستر ، احسها امه وتمني يدخل في حضنها لتدعو له مثلما كانت تفعل امه ، اقترب طفل ثان وثالث ، احضر كل الفوانيس ووزعها عليهم ، تلاحقه نظرات النسوه الجالسات امام بوابات البيوت بنظرات التفحص والريبه ، احداهن خافت علي ابنها ورفضت الفانوس صممت تعيده لاكرم ، بكي الصغير فانزعج اكرم ، ليه حضرتك تزعليه ، لطمته امه علي وجهه ليكف عن البكاء فازداد فيه ، هو عنده كل حاجه ، بعند وتصميم اعادت له الفانوس ، يعرف تلك الملامح والنظرات ، انها العزة التي يشعر بها بعض الفقراء ، هي تشبه امه وقت كانت قويه ، يرجوها تقبل الهديه ، بكاء الطفل يمزق قلبه ، من فضلك حضرتك ، تسحب الام الصغير وتدخل منزلها ، صوت بكاءه مازال يوجعه ، صراخ فرحه كل الاطفال بالفوانيس لا يفرحه ، فقط بكاء الصغير يقهره ، يطرق باب السيده يحمل الفانوس في يديه ، يفتح له الصغير بدموع تنساب علي وجهه ، يناوله الفانوس ويلح علي الام لتقبله ، من فضلك ماتكسفنيش ، بفزع تساله ، انت مين ، يشاور لها علي منزلهم القديم ، جاركم وكنت عايش هنا ، لاتصدقه ، بس مشيت من زمان ، نظرت له نظره فاحصه ، وربنا فتح عليك .. ايه بقي اللي فكرك بينا ، لايجد اجابه مقنعه لسؤالها ، يمد يده بالفانوس ، من فضلك اديه للولد علشان مايتقهرش ، كادت تقول له ان ابنها مقهور ولن يعالج الفانوس قهره ، اخدت الفانوس ودعت ليشرب شاي ، اتفضل ماتخافش ، ابوه جوه نايم عيان ، ماله يشعر دفئا لم يشعر به منذ سنوات بعيده ، نادي يوسف واعطاه الفانوس ومسح دموعه ، يشحذ منه ابتسامه يعطيها له بسخاء وسط طوفان الدموع ، يشرب الشاي ويسلم علي الاب المريض في فراشه ويخرج مسرعا !!

ابتسامه يوسف لم تغب عن ذهنه طيله النهار ، كان يتمني رجلا عطوفا مثله يمنحه تلك الابتسامه وقت كان صغيرا ، سخر اكرم من نفسه ، هل صار عطوفا !!!!
ذهب لمقبره امه وقص عليها كل ماحدث ، كاد يبكي ، سالها ، هي هانت ياامه ، لم ترد عليه وغابت مثل شمس ذلك اليوم خلف الغمام !!
فتح تليفونه المحمول ، عشرات الرسائل الغاضبه من ثريا ورساله من عشيقته تذكره بميعادها !!!
لن يذهب للميعاد ، هكذا قرر ، يتمني طفلا من صلبه يمنحه الابتسامه التي منحها له يوسف !!! ثريا لن تمنحه الطفل ولا عشيقته ايضا !!!


( 16 )

فتحت ثريا باب المكتب وصرخت فيه ، انت فعلا اتجننت رسمي ، بتختفي فين ، مين الش .......... سرقت عقلك ، سايب شغلك ومصالحنا وبيتك ومختفي ، قافل تليفونك وهربان من ايه ومن مين ؟؟؟ رد علي يااكرم !!!
يبتسم ولا يرد عليها ، يحدق في الفانوس ويشتاق ليوسف ولسعيده ، يسال امه ، امشي ياامه ، تهمس له ، امشي ياحبيبي والارزاق علي الله ، يحدق في الفانوس بابتسامه اوسع ، مازالت ثريا تصرخ لكنه لايسمع صوتها ، فقط يراها تنتفض وعروق رقبتها تتمدد ، يسمع صوت اسنانها ترتطم ببعضها من الغل ، كده ماينفعش يااكرم ، كده ماينفعش ، فوق لنفسك ، ياليتني ياثريا اقوي انتبه لحالي ، ياليتني اهرب من اسرك وامشي ، دي ملايين ملايين اللي انت بتضيعها دي ، طبعا ماانت مش تعبان فيها ، يضحك من شكلها الغاضب !!!

يناديها بصوت خفيض ... تعالي ياثريا حاقولك ، تقترب منه لاتفهم حالته ، مالك يااكرم اتجننت ، يهمس ، انا عايز اولاد ياثريا !!!لاتفهم ، بتقول ايه يااكرم ، انا باتكلم في ايه وانت في ايه ، يضحك ، المصيبه ان عمرك مابتسمعيني ، انا عايز اولاد ياثريا ، اولاد ، صبيان وبنات ، فهماني ياثريا ، فهماني !!!

لاتصدق ما تسمعه ، لاااااااااااا ، انت اتجننت فعلا !!!
تضرب الجرس تنادي السكرتيرة ، جهزي الاجتماع بكره ، ادعي كل الناس ، بلغيهم ان اكرم بيه تعبان مش حيحضر الاجتماع ، انا اللي حاحضر ، تقف السكرتيره تحدق فيه لاتصدق ما تسمعه ، لم تعتاد الصوت العالي لثريا ، لم تحضر اجتماعات هامه مثل ذلك الاجتماع ، تسال اكرم ، اجهز الاجتماع بكره ياباشا ، يبتسم وهو يحدق في الفانوس ، اعملي اللي المدام بتقولك عليه ، يسحب الفانوس وجاكتته ويترك المكتب والشركه بسرعه ... في الشارع يتنفس بعمق ، يلمح النظره الكسيره تأتيه من بعيد ، لاتحتله مثلما تفعل كل مره !!!
يسمع صوت امه ........ ترد علي سؤاله !!
متي سابكي ياامي .......... متي ساابكي !!!
ستبكي في حضن امرأه تحبك وتطمئن لها !!!
ومتي ستاتي ياامي .... ستأتي وقتما يكون قلبك طاهر مثلما كنت في رحمي !!!
لكني طاهر ياامي وقلبي طاهر ..... ليس مثلما كنت في رحمي !!!
اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وانتظرها !!!!
يتذكر ابتسامه يوسف .. يشتاق له ولكل الاطفال
انا عايز اولاد ياثريا ... عايز اولاد !!!


( 17 )

طردته ثريا من الفيلا ، اخذت منه مفاتيح الشركه ، الغت توقيعاته من البنوك ، تمنت لو تمزق ملابسه ووجهه !!!
تشاجرت معه مشاجره عنيفه وقتما عادت ليلا !!
اهانته بقدر ما قوت ، خلاص شبعت وبتقولي ولاد ، كانوا فين الولاد لما كنت شحات مش لاقي تاكل ، كانوا فين لما وطيت علي رجل بابا تبوسها علشان يرضي اتجوزك ، مين الش ............. الواطيه الناقصه اللي لعبت لك في راسك وقالت لك عيال !!!
الغريب انه لم يرد عليها ، لا الاغرب انه لم يتضايق من كلماتها ، تقول كل الحقائق التي يعرفها ولا شيء جديد !!!

انت اتبطرت علي النعمه يااكرم ، واللي يرفص النعمه ترفصه !!!
ضحك وهو يتصورها حمارا هائجا يرفص في بطنه وهو ملقي علي الرصيف في حيه القديم الفقير !!!
لماذا سمع صوت ضحكات يوسف ، ربما منظره نائما علي الارض ببذلته الانيقه والحمار الهائج يرفص فيه اضحك يوسف!!!
انا مابجبيش عيال يااكرم وانت عارف كده كويس !!!
هز رأسه تأسيا ، ياريتك جبتي عيال من بدري ياثريا ، كان زمان حياتنا اختلفت !!!
بقولك ايه ، اختار ، انا والشركه والفيلا والشغل ، او انت وافكارك الغريبه وفوانيسك وجنانك !!!


( 18 )

لماذا احس براحه رهيبه !!!
خلع دبله الزواج التي كانت تقضم اصبعه وهي تخرج منه ، القي المفاتيح علي المنضده ، ابتسم لها ، بل قبلها في وجنتيها وودعها وخرج من الفيلا متحررا من كل القهر الذي عاش فيه حتي ذلك اليوم !!!

ثريا اعتقته ، من ماضيه الموجع وقهر الذكريات ومن حاضره القاسي ووجع الانكسار !!
ثريا اعتقته من اختياراته الحقيره وقتما القته في الشارع ، ودعها مبتسما واكد عليها ، ورقه الطلاق حتوصلك قريب قوي وربنا يوفقك !!!
سمع للمره الثانيه ضحكات يوسف !!! ابتسم ثم ضحك ، نظرت له ثريا لا تصدق ماتراه ، انت اتجننت يااكرم ، اتجننت بجد!!!

ركب سيارته وقادها لمقبره امه وهناك انفجر في البكاء !!!
امه اخذته في حضنها وهدهدته مثلما كان صغيرا ، نام في حضنها مثلما كان يفعل !!!
لماذا احس بكف يوسف تطبطب عليه ، سمع صوت انفاسه ، سمع صدي ضحكاته ، احسه يمسح دموعه مثلما مسح هو دموعه !!
لماذا سمع صوت يوسف يناشده ، ما تعيطش !!!
خرج من المقبرة وقاد بغير هدي !!!
استقال من الشركه ، وباع اسهمه لثريا وطلقها !!!
اشتري ملابس جديده لم تعلق بها رائحتها ولا رائحه الصفقه التي باع بها روحه للثراء والجدب !!!
اشتري مائه فانوس من بائع الفوانيس الذي لم يصدق عينه !!!
جاب الشوارع يبحث عن سعيده يتمناها سعيده باسرتها وزوجها الفقير واطفالها الكثر !!!
يوزع الفوانيس علي الاطفال ويشتري ضحكاتهم وسعادتهم !!!
يفكر في يوسف كثيرا لكنه لم يزره مره ثانيه ، يكفيه الابتسامه التي منحها له ليبقي في قلبه العمر كله !!!!
محي كل الارقام من تليفونه المحمول وحين ضج من رنينه القي الشريحه في عرض الشارع وسط السيارات السريعه ونسي النمره وكل السنوات السابقه !!!
حاول يتذكر النظره الكسيره التي كانت تطارده لكنه لم يفلح في استرجاعها ، رحلت النظره الكسيره عن خياله للابد !!!
غادر العاصمه واقام في الاسكندريه !!!
اقام في فندق اقامه مؤقته مهما طالت ، لن يشتري منزل الا من اجل اولاده اللذين لن يأتوا بعد !!!

لمح ذات يوم غائم ، في احدي الصحف النهاريه تحقيقا عنه تزينه صورته ، ينظر في الصورة ولايعرف ملامحه ، هو رجل يشبهه لكنه عصبي متوتر ، من الصوره تطل النظره الكسيره التي كانت تلاحقه ولم تعد ، وشمت وجهه القديم بقهرها لكنها غادرته ورحلت ، قرأ المانشيت مبتسما ، جنون رجل اعمال ، ثريا تقول عنه ما قاله مالك في الخمر ، ضحك وهو يطوي الجريده ملتمسا كل الاعذار لثريا التي لاتفهم مالذي حدث له ، يلتمس له العذر هو نفسه لم يفهم مالذي حدث له!!!!

يتمني يقابل سعيده ولو صدفه ، يتمناها اطهر منه ، يتمناها مثلما كانت سعيده اسم وصفه !!!
لو عثر عليها سيعترف لها بحبه ويقر لها بذنبه ويبكي في حضنها !!! مش كده ياامه برضه ، كده ياحبيبي ، ربنا يسعدك يااكرم ياابن بطني!!
لكنه لم يعثر عليها ابدا ، سعيده اختفت من حياته في نفس اللحظه التي قرر فيها يبيع نفسه ويتركها !!!
يفكر فيها كثيرا لكنه لم يعثر عليها ابدا !!! قرر اكرم انها سعيده بحياتها واختياراتها وانها لم تسقط مثله !!!
وقت يفكر فيها يبتسم لانها راضيه في حياتها وسعيده بها !!!


( 19 )

مرت سنوات كثيرة !!!!

في يوم صحو ، خرج اكرم للشرفه ، تنفس بعمق ، ملأ رئتيه بالهواء البارد المنعش !!
يحب اسكندريه في الشتا ، يلسعه البرد ، فيرتعش جسده لكنه يبقي بالشرفه يحدق في البحر ينظر لشاطئه البعيد ويتمني يلقي بنفسه في الماء البارد !!!
تجلس معه امه في الشرفه ، شابه مثلما كانت وقت فتح عينه علي وجهها ، مليحه لم تقهرها الايام ، قويه مثلما كانت طيله زياراتها لاحلامه ، تجلس معه مبتسمه راضيه !!! مش قلت لك ياضنايا ،مش قلت لك اخره مشوارك الدنيا حتصالحك ، يتذكر حواره معه وعينه مكسوه بالدموع ويسالها ، ولغايه ماتصالحني ياامه حاعمل ايه ، تبتسم ، حتعافر في الدنيا وتشد حيلك وتصلب طولك وتوعي لروحك ، لاتخلي ندل يخونك ولا كلب يعضك ولا حنش تأمن له يسمك ، واخره المتمه ، حتتطهر وتستحمي وترمي ذنوبك ورا ضهرك وربنا حيكرمك ..........

يقف في الشرفه ينظر للبحر يحدق فيه .... يتذكر ثريا يشعر بالاسي عليها ، صدقت ياامه ظلمت نفسي وظلمتها ، يتذكر كل عشيقاته وانتصاراته علي اجسادهن وهزيمه ثريا التي كانت في الحقيقه هزيمته هو ، يتذكر سعيده ، يتمني لها الخير ويتمناها احسن منه ، يتذكر يوسف الصغير يبتسم ، عالجه يوسف بابتسامته من اوجاعه وهمه ، يتذكر بائع الفوانيس ، ربنا يخلي لك ولادك ياباشا ، يضحك ، لم اعد باشا ، لكن ربنا يخلي لي ولادي ....



( 20)

رمضان جانا وفرحنا به ... اهلا رمضان ..
رمضان جانا ...

مازال اكرم جالسا في الشرفه ، امه تجلس بجواره مبتسمه ، امام وسط الليل فانوس كبير يسطع بنوره مثل قمر السماء الذي يلقي بضوءه علي البحر ...

يخرج يوسف وهنا للشرفه ، يحملا الفوانيس الجميله التي اشتراها لهما ، تجلس هنا علي حجره ، تلاعب ذقنه البيضا ، يقبلها ، ياخذها في حضنه ، يسحب يوسف بذراعه الاخري ، ياخذهما في حضنه وينادي سميحه لتجلس معه ، تاتيه من داخل الشقه ، مال ملامحها تبدلت عن يوم لقائهما الاول ، صارت تشبه امه بلا ذل يقهر ملامحها ، تأتيه تحمل علي ذراعها طفله الثالث ....

تساله ، بتنده يااكرم ، يقبض علي ذراعها ، تعالي اقعدي معانا شويه ، مافيش احسن من لمتنا دي ، تضحك سميحه ، لاتصدق ماتراه ، هل هذا الرجل السعيد وسط اطفاله ، هو نفسه الرجل الذي كان يبكي مرا في حضنها قبل ما ربنا يتوب عليهما معا ، جلست وتكاد تسأله ، ازاي سامحتني ، هي الساقطه التي انتقاها لتصبح زوجته وتحمل اسمه وتمنحه اطفاله الاحباء ، يسمع سؤالها فلا يرد عليها ، انت بعتي نفسك وانا بعت نفسي ، بس كنت طيبه واطيب مني كمان ، احنا الاتنين نستحق حياه جديده ، لايرد عليها لكنه يمنحها ابتسامه طيبه ويهمس ، رمضان كريم ياسميحه ، فتهمس ، الله اكرم يااكرم ، كل سنه وانت طيب وبخير ، وربنا يخلي لك عيالك يااكرم !!!

تتسع ابتسامته اكثر واكثر ويغيب مع البحر !!!


انتهت الاجزاء الثلاث ...

الخميس، 12 أغسطس 2010

هذا الحب مستحيل !!!!


مازال ينتظر !!!
هل ينتظرها ؟؟؟
هو نفسه لايعرف لكنه مازال ينتظر !!!
كل يوم حين يستيقظ من نومه يسال نفسه ، هل سيكون هذا اليوم ايضا خاليا من وجودها !!! وقبل النوم يدعو ربه يجعل هذا اليوم الذي قضاه معذبا ، هو اليوم الاخير في عذاباته وحين يستيقظ يجدها في حضنه فيعرف ان كابوسه الذي تصوره حقيقه انتهي للابد !!!

مازال ينتظر !!!
يستعيد كل لحظات الغرام والحب ، يسمع كل الكلمات والهمسات ، يتذكر الضحكات التي كانت تخرج من قلبه سعيده وقت يراها ويشعر بحبها ويتذكر الدموع التي تقطر من شراينه وقت بعدت عنه وذبحته !!!
يستعيد الشريط الذي عاشه الف مره ، لا تبلي الذكريات ولا تغيب التفاصيل ولا ينسي اي ثانيه عاشها معها !!!
ضحكاتها تدوي في قلبه ودموعها تحرقه وانتظاره يبرر ايامه المتعاقبه التي لايعيشها وكأنه يدخرها له ليعيشاها معا !!!

سنوات مرت وهو ينتظر !!!
كان شابا بقلب اخضر فوشمت نفسه بحبها ووجعها ورحلت فخرج قلبه من جوفه واثمرت نفسه شجره شوك توخزه كل يوم وتدمي روحه لكنه يحب وخزها وعذابها ووجعها لانها تذكره بالحبيبه التي كانت ورحلت ، تذكره بالسعاده التي تجرع كأسها حتي المرارة !!!
كان شابا بقلب اخضر حتي رحلت عنه فاحتل الخريف نفسه وتساقطت اوراق شجرته غير حزين عليها ينتظر ربيعها لتورق نفسه بالسعاده ، فهو لن يسعد الا معها وبها ، هو يعلم هذا ، وهي ايضا تعلم هذا !!!!

هي تعلم هذا !!! تعلم انها اسعدته بقدر مااسعدها ، وتعلم انه شقي بغيابها مثلما هي شقيه ببعدها عنه !!!
لكنه لايتصور انها تشعر وتحس ومازالت تتذكر، لكنها تشعر وتحس وتنتظر مثله بالضبط معجزه تعيد اليها الروح التي سلبت منها وتركتها مثل الريحانه الذابله !!! هي تتمني تكلمه ، تشرح له مشاعرها ، وطئه غيابه ، وجع بعده ، الم الحرمان ، لكنها تشفق عليه من قربها مثلما تشفق علي نفسها من الاقتراب منه !!!

سالت نفسها مرات كثيره ، هل قدرها الاحتراق في نيرانه ، وهل الحياه بلا حريقه تعني ايضا شيء !!!
سالت نفسها مرات كثيرة ، هل قدره الغرق في بحارها ، وهل بحرها المالح اعذب عنده من كل العذب الذي يحيط به !!!
سالت نفسها اسئله كثيره وكانت كل الاجابات لصالحه !!!!
لكنه لايعرف !!!!
فكرت تخبره لكن تجديد العذاب مليون عذاب !!!! وعذاب واحد مزقهما ومازال فمابال بالعذابات المتجددة لاتنتهي !!!

لماذا يكتب القدر احيانا قصصا موجعه داميه قدرا لاصحابها !!!
سؤال ساله لنفسه .... ملايين الفتيات الجميلات حوله لكن قلبه انتقي واحده مستحيله !!!!
لماذا هي !!!! لماذا هي بالذات دون عن كل الجميلات ، لماذا يحسها اجمل الجميلات !!!
لماذا قدره العذاب !!!
يسال نفسه لكنه يتمسك بالعذاب اكثر !!!!
ولو خير بين الراحه والبعد عنها والعذاب والانصهار فيها لاختار العذاب معها اهون من موته بعيدا عن عينيها !!!

قصتهما بسيطه .... التقيا دون اي فرصه للقاء وللبقاء !!!
لكنهما تشبسا باللقاء المستحيل حتي مزق روحيهما وحرق قلبيهما واستجلب دموعهما واسعدهما واشقاهما !!!
قصتهما بسيطه .... شاب يتوق للحب وفتاه تبحث عن الطمأنينه ، التقيا وكان مفروض الا يلتقيا !!!
فرا كثيرا من القدر لكن من يقوي علي الفرار من قدره !!!
افترقا ليعودا مسرعين لبعضهما كأن الفراق يشحذ مشاعرهما لتتوهج اكثر وتتعمق اكثر ويرتبطا اكثر واكثر !!!
ودعا بعضهما ليعودا هرعين لاحضان بعضهما يهونا علي انفسهما فراقهما ولقائهما !!!
بكيا حتي ادركا قيمه مابينهما وحين تيقنا من قيمه مابينهما فهمها سر عذابهما المستمر الذي قدر عليهما بلا اي امكانيه للفرار منه او الخلاص من وجعه !!!

ياحبيبتي قدري العذاب في حبك ، لكني اتمني حبك وعذابك واتمناك !!!!
كل يوم كل ساعه كل ثانيه ، يناديها ويسال نفسه هل تسمعني !!!!
يتمني اي علامه تقول له انها رغم البعد والزمن تسمعه وتناديه وتتونس بصوته ومشاعره !!!!
وهي تسمعه وترسل له كل علاماتها لكنه لايصدق تلك العلامات ، يصدقها ولا تكفيه ، يصدقها لكنها تعذبه ، يصدقها لكنه يتمني عودتها لحما ودما وملامح ومشاعر ووجود ، يتمني عودتها وليذهب العالم للجحيم !!!! الجحيم ، لقد ادخلوه الجحيم وسالوه ببراءه لماذا تحترق يارجل ، تجلد !!!!
ياحبيبتي قدري العذاب في حبك لكنك اجمل عذاباتي !!

قصتهما بسيطه واضحه !!!
شاب وفتاه التقيا علي طريق الفراق !!!
تقاطعت الطرق بينهما ليلتقيا وماكان لهما اللقاء !!!
لكن اللقاء تم ووقعت الواقعة وانصهرت القلوب في الغرام وافاقا ليدركا الشرك الذي وقعا فيها ولايتمنوا الخروج منه !!!!

قصتهما بسيطه واضحه وهل يخدع نصل السكين حين تراه يذبح من الوريد للوريد !!!
قال لنفسه هذا الحب مستحيل لكنه تشبث به !!!
قالت لنفسها هذا الغرام مستحيل لكنها تمسكت به !!!
بكيا في احضان بعضهما وجعا من مشاعرهما فاذا بالوجع يصهرهما معا ويزيد اقترابهما وتماسكهما !!!!
وحين افترقا ، رحلا للفراغ واحتل كل منهما نفس الاخر وسرق روحه !!!
وبقيا اشباح تعاني سكرات الغرام ويتمنيا الموت ويبحثا عن روحيهما ليتنفسا معا النفس الاخير الذي سيعيد لهما الحياه ويسلبها في نفس الوقت لكن الموت في احضانها اجمل من الحياه بعيدا عنها !!!!

شاب مصري جميل ، احب فتاه مصريه جميله !!!!
لكن خانه الديانه في البطاقه فرقت بينهما !!!
لم يفرق بينهما الله ، لان الله محبه !!!
لكن الدوله والقوانين وبطاقات الرقم القومي والتفسيرات الضيقه لرحمه ربنا مزقت قلبيهما وامانهما وضيعت الشباب والبراءه والحياه ذاتها!!! الله محبه لكن الدوله لاتؤمن بالمحبه ولاتسمح للمحبين بالعشق اذا خالفوا قوانينها !!! الدوله لاتؤمن بالمحبه ، لا هي ولا الشيوخ ولا القساوسه ولا المظاهرات الغاضبه التي يشعل الغوغاء نيرانها ولا المناخ الطائفي الملتهب ولا العائلات التي تتمني موت الابناء ولا سعادتهم واغضاب الدوله والمتعصبين !!!!

احبك لكن امي ستقتلني وتقتل نفسها !!!
احبك لكن ابي لن يقبل حبنا وسيموت كمدا لان ابنه خذله واحب من لايجوز له حبها !!!
احبك لكني ساخضع لتهديدهم وابعد وحين ابعد ساموت في حبك اكثر واكثر ، فالموت في حبك مليون حياه والحياه بعيد عنكي مليون موت!!!
احبك لكنهم يتمنوا موتي بعيده عنك ، يقولوا اكم من بنات تموت بلا سبب والموت اهون من الفضيحه والفضيحه هي اغضاب الدوله والبطاقه الشخصيه وجماعات الاسلام السياسي وشيخ الجامع و............ الحب لعنه سنشفيك منها !!!
احبك وسابتعد حتي لااعذبك بحبي وحين تبعدي ساتعذب اكثر واكثر وستشفي من حبي !!!
ومن قال لك اني ارغب في الشفاء من حبك ومنك !!!

قصتهما بسيطه ومتكرره !!!
قلوب يربط بينهما الغرام ونفوس لاترتوي الا من ينابيعهما وروح لاتجد نفسها الا في حضن الروح التي خلقها الله الرحيم بعباده لتحب تلك الروح ، قلوب ربطها الغرام تعيش وسط اناس قاسين لايؤمنون بالحب ولا يصدقوا في الرحمه ولايفهموا الا في عذابات القسوه والتجبر والقهر !!! وحين تطارد الديناصورات المتوحشه عصافير الجنه فالهزيمه حتمية لافكاك منها !!!!

ياربي .... اشكوا اليك قسوتهم واتضرع لك ترفع من قلوبهم القسوه وتمنحهم بعض رحمتك ليرحموا قلوبنا ويرحمونا !!!
ياربي .... اشكو اليك وجعي والدوله وبطاقه الرقم القومي والتعصب الديني واتمني اعيش يوما يؤمن فيه الجميع بمحبتك ويتركوني اعيش حبي مع من احببتها واذا كان حبنا ياربي خطيئه فانت الرحيم وهم القساه ارحمني منهم واغفر لي لهم وسامحني !!!

مازال ينتظر !!!
ومازالت تتنظر !!!
ويصليا كل يوم ، كل لقبلته يتضرع لربه يرحمهما ويرفع عنهما بطش القسوه !!!
مازالا ينتظرا واثقين ان الله محبه ورحيم وغفور وتواب .... وهما ليس ادم وحواء وحبهما ليس التفاحه المحرمة !!!
مازالا ينتظرا ............. ومازال قلبه يوجعه ومازالت تبكي !!
ومازال يحبها ومازالت تحبه !!!
ومازال العشق بينهما مشتعلا رغم البعد والزمن وقسوه البشر !!!!
ومازال املهما في رحمه ربنا كبيرا !!!
و............... الله محبة !!!


الجمعة، 6 أغسطس 2010

ابو التاريخ وحبيبته صفية !!! الجزء الاول !!!!



الجزء الاول
ابو التاريخ وحبيبته صفية !!!


***

ذهب الشباب وسوف اذهب مثلما .... ذهب الشباب وماامرؤ بمخلد
ان الفناء لكل حي غاية محتومه .... ان لم يكن فكأن قد
( الامام البوصيري )

***
يافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي
قلبه ظالم لم بيشفق وانا صابر علي الاسية
خايف اشكي من صدوده يفرحوا عزالي في
( من اغنيه لسيد درويش )


***

يالى أنت علي البر أيه اللي رجعك تانى
وجاب رجلك وجابك فى الغويط تانى
( موال صعيدي )





( 1 ) علي الرصيف

لماذا يجلس مكانه دائما لايتحرك ............... في اي وقت تمر في الشارع ، تجده جالسا مكانه ، رجل هرم عجوز ، طويل الذقن اصلع تتناثر بعض الشعيرات البيضاء فوق اذنيه ، ذقنه الطويله بيضاء ناصعه البياض ، حاجبيه الكثيفين بهما بقايا شعر داكن لاتعرف لونه اسود ام بني ، حرقت الشمس جلده من طيله الجلوس تحت اشعتها اللاهبة ، يرتدي ملابس لاتعرف ماهيتها ، ربما بنطال طويل ، او كان طويل ، حذاء يبدو انه كان اسود ، كان له رباط لان الثقوب السته علي واجهه الشيء الذي يرتديه في قدمه تفصح عن حذاء برباط ، لكن الرباط بلي وبقيت الثقوب تشير لتاريخ واصل ذلك الشيء !!! يرتدي قميص كانه له ياقه ، ربما كانت نفس لون القميص ، لانعرف لالون القميص ولا لون الياقه ، فتراب الشارع وعوادم السيارات كست ملابسه مثلما كست وجهه وملامحه ، كل مايمكنك الانتباه اليه فقط ، انه رجل عجوز هرم !!!!
اذا مررت في ذلك الشارع الذي يصعد بك لكوبري التاريخ ، ستلحظه جالسا قبيل مطلع الكوبري ببضعه خطوات ، ارجوك لاتقل لي ان مكانه خطير وانه معرض ان تفرمه سياره مسرعه لاينتبه سائقها لوجوده فوق الرصيف ، لاتقل لي هذا ، لان حديثك غير منتج ، فقد حاول معه الكثيرين يبعدوه عن ذلك المكان لكنهم فشلوا ، احضروا له كرسي مريح تركه وعاد للرصيف كانه ملتصق به ، اعطوه مخده مريحه ليجلس عليها و" ابعد شويه ياحاج عن الشارع " يبتسم ويشكرهم ويرفض هبتهم ويبقي مكانه !!! وعندما يأس منه الماره والجيران واصحاب المحلات ، تركوه لمصيره ، ينتظروا بين كل لحظه صوت فرمله قويه تفصح عن تمزيق جسده تحت عجلات السيارات اللوري الكبيرة التي تمرق فوق الكوبري ليل نهار يقودها سائقين ادمنوا غياب العقل والمكيفات ، لكنه بقي ربما سنه عشره خمسين مائه لم تصدمه ايه سياره ، بالعكس تحول لمعلم من معالم ذلك الطريق ، يمر عليه السائقين يحييوه وبعضهم يعطيه طعام وبعضهم يمنحه زجاجه مياه بارده ربما ترطب جوفه المشتعل من قيظ الشمس وحرارتها !!!
ارجوكم لاتفهموني بشكل خاطيء ، هو ليس احمق ولا مجنون ولا مجذوب ، هو رجل عادي ، مايميزه امرين ، الاول انه يجلس في ذلك المكان علي عتبات كوبري التاريخ منذ سنوات بعيده لم يغادره ، والثاني ، انه طيله الوقت يمسح رأسه وصلعته بنصف ليمونه !!! ومالذي يضحك في هذا ، نعم ليل نهار يمسح رأسه بنصف ليمونه يخرجها من جيب بنطاله ، مقسومه لنصفين ، يمسح راسه بالنصف الاول ثم الثاني وحين تمنحه الليمونه اخر قطراتها فوق راسه ، يعيدها لجيبه ، بالطبع كل يوم يأتي بليمونه جديده ، حتي لاتفهموا كلامي انه ساحر او حاوي وانه طيله سنوات طويله لايعرف احد عددها يمسح راسه بنفس الليمونه وانه يعيدها لجيبه معصوره ثم يخرجها سليم تتقافز منها القطرات اللاذعه ، انا لم اقل هذا وليس لكم اي حق تفهموا مالم اقوله ....
في يوم قائظ وقفت بجواره سياره لوري كبيره بمقطوره طويله ، اخرج السائق له زجاجه ماء وليمونتين ، ابتسم في وجه وطلب منه الدعاء بالسلامه ، كان في طريقه للجمرك ، يعرف ان ليلته طويله ، وقف امام الرجل وساله الدعاء ، رد له الرجل الماء والليمون خلافا للعاده ونهره ليعود لمنزله ، بصوت رخيم اتي من بعيد كان يخرج من مغاره او بئر ، نهر السائق وبصوت حاسم امره ، روح لعيالك ، ضحك السائق والتباع ، الرجل العجوز يخرف ، هما في اول النهار ، سيحملا كونتيرات من الجمرك لسوهاج ، واجرهما كبير والعيد علي الابواب والخراف ارتفع سعر لحمها ، ضحك السائق للعجوز يداعبه ، اروح مين ياعم ورانا شغل كتير والضاني غلي ، هز العجوز راسه وبحسم واصرار اكثر صرخ في السائق ، روح لعيالك يااسطي مافيش عيد السنه دي ، ضحك التباع والسائق وانصرفا في طريقهما للجمرك و........... ولم يمر يومين حتي عرفت المنطقه كلها ان الللوري بمقطورته انقلبا فوق الطريق وان التباع مات والسائق اصيب اصابات بالغه والبضاعه التي كانت فوق السياره تبعثرت في الطريق و............ افاق السائق في غرفه العنايه المركزه يشكو كسورا رهيبه والنيابه العامه تنتظره للتحقيق معه والتباع رفيق العمر مات ، ومر العيد بلا عيد !!! حين سمع العجوز بالحادثه هز راسه تأسيا وهمس لاحدهم ، وهو لايعرفه ولايعرف من هو ، ماسمعش الكلام !!!
سري الهمس في الشارع والمنطقه ، ان الرجل العجوز مبروك ، يعلم الغيب قبل حدوثه ، لكن احد السُنية وهو خارج من الجامع بعد صلاه الفجر نهر جاره في الصلاه وقت اشاد بالعجوز ، نهره واخبره هامسا ، ان العجوز مخاوي ، لان الرجل المبروك لايعلم الغيب الذي هو من عند الله ، فقط من تسكنه العفاريت وتحتله بدنه هو الذي يعرف من الذي سيحدث ويكشف الغيب المجهول لانه من اهل النار ، ارتعد الرجل وهو عائد لمنزله بعد صلاة الفجر وخاف من العجوز ، بل وقص علي زوجته قصه العجوز المخاوي الذي عرف ان سائق اللوري لن يحتفل بالعيد وكانه عرف بالحادثه قبل وقوعها !!! بالطبع زوجته ، تلك المرأه الثرثاره لم تكدب خبر ، وانتظرت فور خروج زوجها الموظف من المنزل صباحا ونادت جارتها واخبرتها عن الرجل المخاوي ، ضحكت جارتها ولم تصدقها ، لكنها سالت زوجها الذي كان مازال نائما لانه يعمل في المصنع القريب في النوبطشيه المسائيه ، سالته ، الا بالحق الراجل العجوز مخاوي ؟؟ سبها الزوج لان عقلها فارغ مثل كل النساء وتهتم بالخرافات ، وقرر ينسي الموضوع ، لكنه حين مر امام العجوز الرابض مكانه يمسح راسه بالليمون ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ونظر للرجل نظرات غريبه ، فساله الرجل ببراءه ، عايز ليمونه ومد له يده بنصف الليمونه التي كانت فوق راسه ، ارتبك العامل اكثر واكثر واسرع الخطوات ، وحين لحقه زميله في المصنع وهو يعبر الطريق ، ساله ، لماذا تسرع في خطواتك وكأن عفريت يطاردك ، شرح له ان الوليه قالت ان الراجل مخاوي والراجل بص لي بصه مرعبه و................ وقبل صلاه الفجر اللاحقه ، كانت المنطقه كلها قد عرفت ان الرجل العجوز مخاوي !!!!!!!!!!
( 2 ) في انتظار اللقاء والرحيل !!!!

لااعرف لماذا قلت لسائق النقل ما قلته ، مافيش عيد السنه دي ، كنت حاسس كده ، ان العيد حيجي لغايه بوابته ويرجع ، شكله كان بيقول كده ، لا شكل التباع اللي كان بيقول كده ، شكل التباع كان بيقول مافيش عيد ، يشرح العجوز لنفسه ، احسست من وجه التباع باحساس خاص ، كاني رايت عيناه تودعني ، شفت ليفه الغسل بتلعب علي وشه ، عرفت خلاص ان ايامه خلصت ، وهو كمان عرف ، نظرته بتقول انه عرف ، الحقيقه نظرته كانت بتقول انه كانه كان يعرف انه سيموت وقرر يفصح لاحد غريب عنه ، ان اجله قد دنا وعمره قد انتهي ، وجه التباع افصح لي عن موت محقق سيسرقه من وسط اطفاله قبل العيد ، انا استقبلت وفقط ماارسله لي !!! انا فهمت رساله التباع وقلت ابلغها للسواق ، يرجع بيه بيته ، يودع عياله ، ماسمعش كلامي ، واللي قاله التباع حصل ، ومات غريب في ارض غريبه وسط ناس غريبه !!!
لست مبروك كما يقول الناس ولست مخاوي كما قرروا ، البركه لاولياء الله الصالحين ولست منهم ، ولست بالطبع مخاوي ، لماذا تخاويني العفاريت ، لماذا تخاوي رجل مثلي قليل الحيله ، يجلس علي الرصيف من خمسين عاما ، ينتظر مالن يحدث !!!!
تنهد العجوز مللا ، مال البشر حشريين ، مالهم لايتركوني في حالي ، اجيال كثيره تعاقبت علي وانا اجلس علي الرصيف ، في عين كل منهم مائه سؤال ، من انت لماذا تجلس مكانك !!! مالذي يهمهم في امري ، مالذي يفرق معهم لو كنت امير او غفير ، رجل عجوز ملقي علي الرصيف باهمال مثل القمامه التي لايكترث احد برفعها من الشارع ، لماذا لايتركوني في حالي ويمضوا لحالهم !!! انا قمامه السنوات ونفايتها ، مرت علي سنوات الانتظار وحولتني لقمامه ملقاه فوق الرصيف!!!!


انا رجل عجوز وكفي ، احمل فوق كتفي مئات السنين ، هذا لايعني ان عمري مئات السنين ، عشت سنوات كثيره وحملت مئات فوق كتفي ،حملت الهم والقصص والتاريخ والحكايات ، كل الشجن والدموع ، كل الوجع ، هذا الرصيف قاسمني وجعي وحزني وذاكرتي ، هذا الرصيف قتلني مائه مره ومد في عمري علي احجاره ، رائحه البحر تهل فوقه كاني في البحر ، صخب المينا يصلني مكاني كاني اجري علي ارصفتها ، هذا الرصيف بيتي الاخير وملاذي وسابقي عليه حتي اموت مكاني ، اتمني اموت مكاني ، اتمني لا يضن علي احد بامنيتي الاخيره ، هنا ، في هذه البقعه الخاصه جدا الصغيره جدا من العالم ، اتمني اموت ، انا الرجل الهرم الذي ينتظر الموت من سنوات طويله لكن الموت يضن عليه بالراحه ويتركه يتلظي بالم انتظاره فوق الرصيف !!!!

لعنه الله علي الرجل السني الذي وصمني بما يخيف الناس مني ، لم اعد اخيف احد ولاارغب ، زمان منذ عشرات السنين ، حين تشاجرت مع الرجال في الغرزه ، خافوا مني وكدت ابطش بهم ، لكن تلك الايام ولت ومضت ، ومات الرجال خائفين مني ونسيتهم ونسيت حكايتهم ، لكن ذلك الزمن مضي وعدي وفقد الناس الذاكره مثلي تماما ، من كان يعرفني مات ومن كان يتذكرمأساتي مات او نسي واندثرت كل القصص ولم يبقي الا الرجل العجوز ملقي علي الرصيف تحت الشمس يستجلب شفقه الماره والعابرين ، حمد لله ان الناس نسيت ماكنت عليه وتتذكر فقط ماصرت اليه ، لعنه الله علي الرجل السني ، متقول كاذب ، ولعنه الله علي النساء اللاتي لا يقوين علي الصمت ولايفهمن الا في الضجه والصخب والفضائح ، النساء من نافذه لنافذه ومن فم لفم ، اشاعت في المنطقه اني مخاوي عفاريت ، واهل منطقتنا طيبين يصدقون اي شيء ولايفكروا في اي خبر او اشاعه يسمعهوها ، بل الاشاعه تتحول لحقيقه في عقولهم وتغير تصرفاتهم لان مافيش دخان من غير نار ، والرجل السني اطلق الدخان فتصورني الناس نارا مشتعله وخافوا منها وفروا !!!!

علي الرصيف ، اسمع صوتها ، كانها تكلمني ، حين اتحرك بعيدا عنه تصمت ولاتنطق ، تغيب ، ترحل ، وانا لااتحمل رحيلها ولا غيابها ، سابقي في المكان الوحيد الذي تكلمني فيه ، هنا شاهدتها واحببتها واحتضنتها وبكيت عليها ، هي تحب رائحه البحر وكوبري التاريخ وصخب المينا ، وتحبني ، نعم تحبني ، وايه ذلك انها رحلت ولم ترحل ، بقيت علي الرصيف تنتظري وانتظرها ، وستأتي ، نعم واثق انا انها ستأتي وتكلمني وتعود لاحضاني وستاخذني معها ونرحل سويا ، كفاك غياب يامياسه يابلطيه ، احترقت وانا انتظرك ، ياملاك الموت تعالي انقذني من انتظارها وارحمني !!!!

انسالت في الظلام دمعتين فوق اخاديد الزمن التي رسمها الهم علي وجه العجوز .... مازال يتذكر ومازال يبكي ومازال في الليل يناديها ومازالت في الليل تأتيه فقط فوق ذلك الرصيف ........... سالت دموعه حين همست في اذنه وكلمته " ياسلامه ياابو الغريب حرص علي نفسك " يشتاق اليها ولايقوي علي التصريح بشوقه ، يصمت ويعاني ويبكي وقت يستره الليل بظلامه وينتظر بفارغ الصبر والشوق ميعاد اللقاء وميعاد الرحيل !!!!
و.............. ساظل مكاني حتي اموت ، فنرحل معا انا وهي من فوق الرصيف وحتي نرحل انا باقي مكاني!!!!!!!!!!

( 3 )
ابو التاريخ !!!

من هذا الرجل ..... لااحد في المنطقه يعرف ، كل من فيها ، فتح عينه علي الدنيا فوجد ابو دقن مكانه علي الرصيف قبل كوبري التاريخ ، حتي صاحب القهوه العجوز ، ساله صبيه القهوجي عن سر ذلك الرجل ، ابتسم صاحب القهوه مرتبكا واخبره انه سال ابيه الله يرحمه عن الرجل فشرح له ابيه انه سال ابيه عن الرجل فقال ان جده هو الذي كان يعرفه وبعدما مات لايعرفه احد ، ضحك القهوجي بخفه دمه المعتاده وصرخ في معلمه ، يعني جد ابو ابو ابوك كان يعرفه ، ايوووه ياجدعان ، ده مش ابو دقن ، ده ابو التاريخ سخصيا !!! وبسرعه ذاعت دعابه القهوجي بعدما رددها معلمه تندرا عليه وعلي خفه دمه ، وبسرعه رددها جمهور المقهي وضحكوا علي الرجل العجوز الذي لايعرفه احد الا جد ابو ابو المعلم صاحب القهوه ، وحين خرج المصلين من صلاة الجمعه وصادفوه خارجا من الجامع يرتدي حذاءه بصعوبه وجسده يرتعش من الكبر ، اقترب احدهم من وناشده ، اسند علي ياابو التاريخ ، لم يفهم العجوز الدعابه ، لكن جمهور المصلين ضحكوا ، لم يفطن العجوز للامر ، لكن بائع الليمون وقت اقترب منه ناشده ، خد الليمون اللي معايا كله اصل الجو حر وعايز اروح ، كان يحمل شبكتين ليمون ، رفض العجوز وطلب منه شراء خمسه ليمونات واخرج من جيبه جنيها ورقيا باليا ناوله للبائع الذي رد له الجنيه واعطاه شبكتين الليمون يمازحه ، خلي عنك ياابو التاريخ و.......... فهم الرجل العجوز انه صار ابو التاريخ !!! والتصق الاسم به مثلما التصق هو بالرصيف الذي يجلس عليه منذ سنوات بعيده !!!
لايسالني احد من اين ياتي العجوز بامواله ، المحسنين كثيرين ، صاحب القهوه يعطيه نفحه شهريه ، وسائق التاكسي العجوز يعطيه بضعه جنيهات كل اسبوع ، نعم لايعرف احد عددها ، لكن سائق التاكسي لاينسي ابدا في نهايه الاسبوع وقت تسليم ايراد السياره لمالكها ان يمنح العجوز بضعه جنيهات موضحا لزوجته ، ربنا يكفينا شر الشيبه وبهدلتها !!!!

ومازال ابو التاريخ جالسا علي الرصيف امام الكوبري ، يمسح راسه ووجه بالليمون وينظر له الماره والجيران بحذر قلق يتسائلون ، هل هو حقا مخاوي و........ بسم الله الرحمن الرحيم اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا الراجل السني افترا عليه ، لكن قلقهم لا يعيدهم معه لحالتهم الطبيعيه ، ربما فعلا هو مخاوي ، يبقي ابعد عن الشر وغني له و........... بصوت مرتعش وبارتباك شديد ، يلقي علي ابو التاريخ احد الماره تحيه الصباح او يرد تحيه المساء ويسرع بعيدا.......!!!!


( 4 )
العمر الثاني !!!
من انا ؟؟؟؟ انا اللي كنت لما الايام كانت ، ومابقيتش لما الايام رخصت ومعدش ليها قيمه ومعني !!! يظن العجوز كثيرا ان ذاكرته لم تعد له حقا !!!!
يعرف انه افاق ذات ليله بعيده جدا وجد نفسه ملقي علي فراش بارد في عنبر مظلم في مستشفي حكومي ، يومها ولد للمرة الثانية ، ولد بلا ام بلا ذاكره ، احس وقتها انه طفل كبير ، ولد من رحم حادثه متوحشه القته علي وسط الطريق تكاد كل السيارات تمرق عليه تمزق جسده ، لكن عمره الذي مازال له بقيه انقذه من الموت تحت العجلات المسرعه !!! قبل ذلك اليوم لايعرف كيف كانت حياته ، حياته بدأت من تلك الحادثه !!!
افاق علي فراش بارد ، جسده ممزق من الحادثه وخراطيم كثيره مغروزه في ذراعه ، هنأوه بالسلامه فلم يفهم ، هو لايعرفهم ولايعرف نفسه والسلامه لاتعنيه ، لااحد قلق عليه ولا انتظر يفيق من غفوته ، طلب مرأه كبيره وحين طالع وجهه فيها تعجب ، لايعرف تلك الملامح لاتذكره باي شيء ، الحقيقه هولايتذكر اي شيء ، ساله الطبيب باستهتار وصوريه عن صحته ، لم يعرف يجيبه ، هو تعجب انه يعرف يتكلم ، يتكلم لكن معاني الكلمات غائبه من عقله ، اوضح له الطبيب ان ربنا كتب له عمر جديد ، ابتسم ساخرا لانه لايعرف كيف كان شكل عمره القديمه ، من انا ؟؟؟؟؟؟؟ سؤال التصق بالرجل الذي كان في منتصف العمر وصار في اخره ، يسال نفسه من انا ويسالوه الجميع من انت وهو يبتسم ولايرد ، يتصوره خبيثا يتذاكي عليهم ، لكنه عاجز عن الاجابه ........... من انا ؟؟؟
خرج من المستشفي بعد شهور طويله وحين برأت الجروح ورفعت الخراطيم ولم يعد لوجوده هناك مبرر ، رجل في منتصف العمر او في اخره لايهم ، رجل لايعرف اسمه ولا عمره ، ربما هو شاب عجوز ، ربما هرم شاب ، ربما ملامحه ستخدعه وتخدع الاخرين لانها لاتقول عن السنوات التي مرت عليه قبل الحادث ، لكنها في الاغلب سنوات كثيره ، الشعيرات البيضاء المتناثره بين الشعيرات البنيه تفصح عن سنوات كثيره مرت ، هو بلا اوراق ، بلا هويه ، بلا ذاكره ، بلا تاريخ ، يرتدي بنطال اسود وقميص كاروهات وحذاء اسود ، خرج من المستشفي للبحر مباشرة .........
نصحه الطبيب يتجول في المدينه عله احد معالمها يشع في ذاكرته اي تفاصيل ، نصحه الطبيب يراقب وجوه الاخرين ، ربما احدهم يذكره بما يستعصي عليه تذكره ، وعده ينفذ نصائحه وساله عن ايه ادويه تساعده ، لكن الطبيب ابتسم وهز كتفيه عجزا ......... ودعه الرجل الذي بلا ذاكره بلا اسم بلا تاريخ لايعرف نفسه وقبل مايخرج من باب المستشفي ساله ، احنا سنه كام ، ابتسم الطبيب ساخرا ، وهي تفرق يابا علي العموم احنا سنه 1970 !!! رقم لايعني للرجل اي شيء !!!
من انا ................... سال البحر الصاخب بامواجه في نهار شتوي بارد !!! من انا ، رعشه لذيذه تسري بجسده وهو واقف علي الكورنيش يحدق في البحر ، من انا ....... البحر الصاخب يقول كل شيء الا من هو !!! تعرفني ، صياد انا ، بحار انا ، كنت جاي اسكندريه زياره ، عايش هنا من ايام مااتولدت ، امتي اتولدت !!! الرجل يسال والبحر يرغي ويزبد ولا يجيبه !!!
وقف امام البحر فاحبه ، قرر انه ابن تلك المدينه التي لايعرفها ، وقت احب البحر بدأ تاريخه الجديد ، الذي صنعه بنفسه ، اختار ينتمي للاسكندريه ، تلك المدينه العريقه ، قرر انه احد ابناءها ، هذا هو السطر الاول في تاريخه الجديد !!! انا ابن الاسكندريه !!! وقف امام البحر يحدق في القلعه القديمه البعيده ، يعرفها ، نعم يعرفها ، لكنه لايتذكر اسمها !!! ربما وقت ماتعود اليه ذاكرته يتذكر اسمها !!!
سار بغير هدي ، علي الكورنيش ، لايعرف اين سيذهب ولا من اين جاء ، يتعجب ، لااوراق في جيبه ، لانقود ، كيف ضاعت ذاكرته واوراقه ، هل قصد قبل الحادث يتخلص من شخصيته وتاريخه ، هل القي باوراقه بعيدا ومعها ذاكرته ، وحين افاق في المستشفي اكتشف نجاح خطته في التخلص من ماضيه القديم !!! سخر الرجل فاقد الذاكره من افكاره ، اعجبه ذكاءه لكنه سخر من افكاره ، لماذا اقرر قبل الحادثه اتخلص من ذاكرتي ، من انا لاخطط لضياع الاوراق وفقدان الذاكره ولذلك الحادث المروع الذي ارقد بسببه شهورا طويله في المستشفي المنحطة !!!
مازال يسير علي البحر .... كيف وقعت الحادثه التي ادخلته المستشفي !!! سؤال مهم ساله لنفسه ، غدا سيبحث في الامر ، اما اليوم ، عليه يبحث عن مأوي ياكل وينام ويعيش مثل البشر الذي لايعرف كيف يعيشوا بالضبط !!!! مازال علي البحر يحدق في القلعه التي لايعرف اسمها .... عبر الرصيف ، ابتعد عن رزاز الموج الذي اغرق ملابسه بالبرد ، سار تحت المباني الكبيرة تطل علي البحر لكن لا تتلاشي تحت بطش رزاز امواجه ، يرتعش من البرد ، يتمني كوب شاي ووجبه ساخنه وفراش ببطانيه وثيره مثل التي ............... ومضه من الذاكره تعود اليه ، ارتعاشه جسده حفزت ذاكرته ، يتمني يتدثر ببطانيه مثل التي كانت تضعها عليه جدته وقت كان صغيرا ، كان تشعل نارا لتدفئه وتلقي عليه بطانيه صوفيه وثيره ، خشنه نعم ، لكن تدفئه !!! لمعت في عينيه الدموع ، ياجدتي التي لااذكرك ولااذكر نفسي ، احتاج لدفئك وبطانيتك !!!!!!!!! ووقف يرتعش علي الرصيف وحيد بردان بلا ذاكره وبلا هوية !!!!!!

( 5 )
العمر الاول

ابو التاريخ ، هكذا اطلقوا عليه ، لو يعرفوا انه فعلا ابو التاريخ ماصدقوا انفسهم ، القهوجي اطلق عليه ذلك الاسم سخريه ، لكن العجوز ابو التاريخ ، عاش قدر ماعاش وشاهد احداث كثيره هو نفسه لا يذكرها ، بعضها قبل ميلاده الثاني وبعضها بعدما خلق لنفسه تاريخ وذاكره جديده ، لكنه ابو التاريخ فعلا ..........
هو لايذكر انه كان في ميدان المنشيه يسمع خطاب جمال عبد الناصر وقت اطلق عليه الرصاص ، كانت ايام غريبه ، المدينه تموج وتغلي ، الحركه التي صارت ثوره تثبت اقدامها والشعب يصفق للزعيم الذي اخرج الانجليز بعد سبعين عاما من الاحتلال ، دخلوا من بوابه البحر في الاسكندريه واخرجهم جمال عبد الناصر من نفس البوابه ، صالح المدينه التي دكت بقنابل الاسطول الانجليزي قهرا لمصر ، صالحها حين اعلن من اكبر ميداينها وسط الغوغاء والعامه والصيادين والبائعين الجائلين والافنديه اللي ماكانوش قبل الحركه افنديه ثم صاروا بعدها افنديه ، اعلن عن الجمهوريه والجلاء وخروج الملك ......... ليس مهما انه قال كل هذا الكلام في ميدان المنشيه ، لكن ضرب بالرصاص في ذلك الميدان ، احدهم قرر يتخلص من الزعيم ومن الثوره ومن فرحه الشعب الذي تخلص من الملك والانجليز في ضربه واحده !!! ابو التاريخ كان يقف في ذلك الميدان في ذلك الوقت ، شاهد جمال عبد الناصر بام عينه ، سمع كلماته ، سمع طلقات الرصاص ، صرخ خوفا مثل الكثيرين ، لكنه لايذكر كل هذا !!!! لايذكره ، فالتاريخ الذي كان له واندثر مع الذاكره التي ضاعت محي من تلافيف عقله بكل احداثه!!!!!!!!!
ابو التاريخ هو ........... كانه عاش في ابي قير القديمه التي غرقت في البحر منذ 2500 سنه ، سكندري اصيل ، يحب البحر الميت في ابي قير ، يحب الجلوس علي شاطئه يحدق في المياه الساكنه ، تحتها يرقد الاسطول الفرنسي الذي اغرقه الاسطول الانجليزي دفاعا عن سطوته وهيبته في مصر ، كنز الكنوز التي تشاجرت عليها الامبراطوريات العظيمه تسعي لاحتلالها واحتوائها ، هنا ، تحت تلك المياه الراكده يتحدث التاريخ ، يسرد قصص عن عظمه المدينه التي كانت ثم غرقت بكل كنوزها واثارها فرعونيه رومانيه يونانيه بطلميه ، هنا يرقد الاسطول الفرنسي مدججا باسلحته التي اعدت لغزو مصر ، فرد الكيد علي المعتدين واغرقوا في مكانهم لم يضربوا طلقه علي مصر التي حماها الله وسلط الظالمين علي الظالمين !!!!
نعم هو ابو التاريخ .......... جلس علي البحر يبكي سنه 67 ، حين اعلن عبد الناصر التنحي ، قبل الهزيمه التي لايمكن نقبلها ، كيف يخرج الانجليز من مصر تلك الامبراطوريه التي لاتغيب عنها الشمس ثم يستسلم لهزيمه اليهود بعد حرب تلت اربع ساعات ، جلس علي البحر يبكي ، لم يخرج مع الناس التي ملئت الشوارع والازقه تصرخ تناشده يبقي ليحاربوا ، لم يصرخ معهم يرفض الهزيمه ، لقد هزمه جمال عبد الناصر حين فكر يتخلي عنهم وعن المعركه ويرحل ويتركهم في مهب الريح ، جلس يبكي يعاتبه ، يختلط دمعه مع زراد البحر في يوم قائظ ، الشوارع كانت خاليه قبل الخطاب ، جلس علي مقهي يتفرج علي الريس وصوته المرتعش وملامحه الكسيره ، ليس هذا هو الريس الذي نعرفه ، نظره عينه المنكسره ليست نظره الريس ، لكن الصوت المرتعش افصح عن تجرع الهزيمه حتي الثماله ، قام بسرعه من المقهي ، لايرغب احد يري دموعه ، علي البحر جلس يشكو همه لله ، يلعن في عبد الناصر وجيشه الذي نام وقت ضرب اليهود المطارات وحطموا الطائرات علي الارض ومعها هيبه الجيش والوطن ، جلس يلعن في اذاعته التي باعت الوهم للناس وروجت لانتصارات مزيفه كاذبه صدقها الناس وصفقوا وفرحوا حتي انكشف المستور وعادت فلول المحاربين الذين لم يحاربوا من الصحراء ، عادوا مهزومين منكسرين حزاني لانهم هزموا بلا حرب ، هل الاسلحه الفاسده التي ارتدت لصدور محاربينا في 48 عادت لتضرب في صدورنا في 67 ، لكن بعد 48 غضب الناس وغضب الجيش لكرامته وتمرد علي الملك و...... كان ماكان ، مالذي حدث بعد 67 ، غضب الناس لكنهم لم يتمرودوا علي الملك الذي بقي علي عرشه !!! كان يبكي لان عبد الناصر خذله ، هو امن به وبالثوره وهو خذله وقت قرر يتنحي وحين عاد عن قراره كان ابو التاريخ قد انكسر وهزم ولم يعد يؤمن به !!!!
لكنه لايذكر اي شيء ، لا يذكر انه بكي يوم 9 يونيو امام البحر ، كان البحر خاليا من مصطافيه والشوارع خاليه من الماره والجميع يبكي في منازلهم ، يومها تذكر وقت دك الاسطول الانجليزي شواطيء الثغر ، خلي البحر من المصطافين واختبأ الناس في بيوتهم من القنابل ، واليوم ، يختبيء الناس من الهزيمه ، وفي اليومين احتلت مصر وضاعت الكرامه وانكسرنا !!!


( 6 )
صفية !!!!

اسمع ياابو الغريب ماتناطحش معاهم ، لاانت قدهم ولا هما حيرحموك !!! حذرته صفية من فتوات المينا والبلطجيه والشبيحه ورجاله المعلم نفيس ، لكنه لم يسمع تحذيرها ولم يقبل كلامها وقرر انه لايملك مايخاف عليه وانه في تلك المعركه ياقاتل يامقتول !!! ابو الغريب ، هذا اسمه الذي منحته له الايام ، لايعرف من اول من اطلقه عليه ، لكنه قبل الاسم وعاش به سنوات وسنوات ، ولد من جديد باسم ابو الغريب ، رجل يسير بلا هدف في مدينه صاخبه تخاف الغرباء رغم انها محطتهم ومحط ترحالهم ، تخاف الغرباء ، فمابال غريب بلا تاريخ لايعرف شيء لا عن نفسه ولا حياته ولا المدينه !!!!
ايام عاشها حتي وجد نفسه بجوار صفيه علي الرصيف ، صفيه تملك نصبه شاي علي الرصيف قبل الكوبري ، كوبري غريب لايعرف اسمه قالوا عنه كوبري التاريخ ، يطل علي المينا ومعبر كل السيارات لبواباتها ، صفيه بت جدعه ، مره اسكندرانيه جدعه ، قاعده علي الرصيف بميت راجل ، عندها نصبه شاي للسواقين وميه ساقعه للحرانين وقلب يسمع الهم والشكوي للمعذبين مثله ، حين قابلها لاول مره احس سعاده لايفهم مبررها ، سالها كوب شاي فناولته له بسرعه ، اجمل كوب شاي شربه في حياته حسب مايتذكر ، شكرها وحاسبها ، ابتسمت فكادت الدموع تسيل من عينه ، سالها ، انت تعرفيني قبل كده ، لم تفهم كلماته المرتبكه بطريقه خاطئه ، هزت راسها نفيا ، مااتشرفت ياابا والله ، كاد يقوم ، استبقته ، الوقت ظهيره والسائقين علي الطريق والماره عادوا لمنازلهم يتغدوا ، وهي علي الرصيف وحيده مثله تماما ، استبقته ، شكلك عندك حكايه ، هز راسه ، ضحكت ببراءه وانا عندي وقت اسمع ، ارتبك ، صفيه تجلس علي الرصيف امام نصبه الشاي والماره ينظرون لها وله بفضول لم تكترث به ....

انا صفيه من بحري ، ابويا مات من زمان في البحر ، خرج زي كل يوم مارجعش ، كنا 4 بنات ، امي لطمت وقالت اربع مصايب ، قلت لها تلت مصايب وراجل وانا الراجل ، ضحك الرجل ، بتضحك ليه وعلي ايه ،ماهو ياكنت ابقي راجل ياكانت كلاب السكك نهشتنا واستقوت علينا ، انا راجل ياام البنات ، وخرجت السوق ، الابط فيه ويقاوحني ، في الحلقه وقفت ابيع وافاصل ، علي بوابه المينا شرحت للناس تروح فين وتعمل ايه ، سرحت ببليله وفول في الفجريه ، الناس تخرج من جامع البوصيري تلاقيني واقفه مجهزه البليله السخنه في عز البرد ، كنت راجل فعلا ، لبست منطلون وطاقيه وصديري ونسيت اني حريم وامي نسيت واخواتي نسيوا والحته كلها نسيت ، بطلوا يعيطوا علي ابويا اللي مات من غير راجل ، اترحموا عليه لانه ساب راجل وتلت بنات ، انا كنت الراجل ، حاربت واكلت اخواتي وبعد الاكل علمتهم وبعد العلام جوزتهم وامي ستتها وفرشت بلاط فسحتها بالكلمه الصوف وطمنتها علي اخواتي وشلت نظره الرعب من عينها ، كانت مرعوبه علي بناتها وعلي حياتها وخايفه من الدينا والفلس والقهر والذل وغدر الزمان والبحر اللي كل جوزها لحم ومارماش عضمه حتي وسابها ارمله من غير شهاده وفاه ، اصل الحكومه مارضيتش تديها شهاده وفاه لجوزها ، قال ايه ده مش ميت ، ده مفقود ،والمفقود لسه مارجعش ومسيره يرجع ، ومافيش له شهاده وفاه لانه ماماتش !!!

ضحكت صفيه .......... انا سبت امي تناقر في الحكومه والحكومه تناقر في امي واترحمت علي ابويا وخرجت اسعي علي البنات وامهم ، نزلت زنقه الستات ابيع غوايش وطرح وملابس ولامؤاخذه تحتانيه ، مالقيتش نفسي في المكان ده ، لا ليه تقل علي الحريم ولا مياصتهم ، يمر اليوم وانا واقفه زي عمود السواري لابعت ولا حد عبرني ، شويه بشويه اكتشفت ان النسوان بتشتري من البياعين ، ضحكه ونظره ونكته وخفه وتشيل البضاعه كلها ، النسوان نازله السوق تستنشق علي نظره لو البياع شاطر ومفطط وابن حرام ، يشيلها علشان النظره دي البوئجه كلها !!!!
ضحك ابو الغريب وهو يسمع صفيه ، التي طلبت تسمعه وحين جلس لم تكف عن الحديث !!!!
اه والله ، اسالني انا عن النسوان ، ماعلينا ، مالقيتش روحي في السوق ولاعرفت اقف فيه ولا جبت منه خردله واحده ، كنت ارجع لامي معيطه وقفايا مقمر عيش الفرن كله ، قلت لها ماليش في الزنقه ونسوانها ، رحت حلقه السمك ، قبل الفجريه دخلت ، لسه السمك صاحي وبيلعبط ، وقفت محتاسه ادور علي ايد تتمد لي تساعدني اكل عيش ، شقيق لابويا شافني ، نادني ، تعالي يابنت الغالي ، اترحمت علي ابويا ووقفت معاه ، اشيل الطول نازله من المراكب وارص التلج واكنس الميه تحت النصبه وارزقنا ياللي رزقت الدوده في الحجر ، تقولش السمك زاد ، السمك ينزل من المركب ميه نبيع الف ، ويوم ورا يوم الراجل امن لي ووثق فيه وساب لي النصبه ، ابيع السمك واحاسبه اخر النهار واروح لامي بشروه سمك ، نقلي ونشوي والجعان ياكل وامي تعيط علي ابويا المفقود واخواتي يناموا وانا ارجع حريم ، اقعد في الشباك اسمع الراديو واغني معاه !!!

ضحكت صفيه ، اصلي ياابو الغريب صوتي حلو ، لكن عمري ماسمعته لحد ، اصل لو غنيت حيقولوا الراجل مات وساب تلت بنات وغازيه وانا عايزه احافظ علي اسم الراجل وهيبتنا ، غمزت له صفيه بخبث ، مره كده علي رواقه ، اغني لك !!! ارتبك الرجل ، اصلي يعني معرفش ليه يعني ولامؤاخذه يعني ارتحت لك ..............
وعرف الرجل صفيه ، لكنها لم تعرفه ولم تهتم بمعرفه ماضيه وتاريخه ، هي ارتاحت له وهذا يكفيها !!!!

( 7 )
ابو التاريخ

هو ابو التاريخ ، هل كان يعرف الشيخ سيد قبل مايموت ، كثيرا ما يأتي له هذا الخاطر ، حين يدندن بالحانه ، يشعر دفئا لا يفهمه ، سال نفسه كثيرا ، هل قبل ما يفقد الذاكره كان يعرف الشيخ سيد درويش ، هل قابله ولو مره واحده ، ربما كان طفلا صغير ذهب مع ابيه للمرسح وسمع الحان سيد درويش ثم بعد انتهاء الحفله صعد مع ابيه للكواليس ليسلم عليه ، لماذا هذا الدفء الذي يجتاحه حين يسمع الحان سيد درويش ، ابو التاريخ لايعرف عمره ، حين افاق في المستشفي بعد الحادث كم كان عمره سنه 1970 ، خمسين عام ، ستين ، لايظن ستين ، ليس هرما لهذا الحد ، حين شاهد وجهه في المرأه لم يري ملامح رجل ستيني السنوات ، نعم ليس شابا لكنه ليس كبير لهذا الحد ، اذا كان عام 1970 لم يصل للستين كيف يكون قابل سيد درويش الذي مات سنه 1923 !!! بالطبع لم يراه ، يستحيل يكون قابله ، ربما في حياته الاولي التي ضاعت منه كل تفاصيلها كان موسيقا يعزف الحان سيد درويش ، ربما هذا هو السبب انه يحب ذلك الرجل والحانه ، ربما تلك المعرفه السابقه بالالحان هي السبب في الدفء الي يجتاحه وقت يتذكرها !!!
لايصدق انه لم يراه ، ذهب بنفسه لكوم الدكه ، سار في ازقتها وشوراعها ، بحث عن عائله سيد درويش ، عائله سيد درويش البحر ، بقاياها ، بحث عن عجائزها ، انا ابو الغريب اللي مش عارف انا مين ، حد منكم يعرفني ، تصور لحظه ان دماء تلك العائله تجري في شراينه ، انا حاسس كده والله اعلم اني منكم ، واحد منكم ، يبتسم الشيوخ والعجائز ويرحبوا به لكنهم ينفوا اي صله بينهم وبينه ، مازال يسير في ازقه كوم الدكه يبحث عن مايشحذ ذاكرته ، ربما كان احد الجيران ، ربما كان صديق لابنه في الكتاب ، ربما كان احد الالاتيه في تخت بيعزف علي البحر يوم العيد اغاني الشيخ سيد ، لكن شيئا لا يشحذ ذاكرته ولا يستنفرها لتعثر علي المدفون في تلافيها ، لاشيء يبرر الدفء الذي يجتاحه وقت يدندن بالحان الشيخ سيد !!!!
يجلس علي البحر يحدق فيه ويساله نفسه ، هل صحيح ( ماما ترايزا ) تلك السيده اليونايه القديمه التي عاشت في تلك البقعه من المدينه وكانت حكيمه وصاحبه راي وباب مفتوح يلجأ لها الناس للشكوي وحل المشاكل ورد المظالم ، هل تلك السيده هي التي منحت اسمها لذلك الحي العريق ( الازاريطه ) هل تحولت ( ماما تريزا ) علي السنه السكندرين الطيبين للازاريطه ، هل بقي اسمها ونسيت قصتها ، قرر ابو التاريخ وقت كان شابا يحب الاسكندريه في ميلاده الاول الذي انتهي بميلاده الثاني ، قرر ينقب في الامر ويبحث عن مدي صحته ، جاب شوارع الازاريطه ، يسال الكبار والشيوخ والعجائز ، مصريين من كل مله ودين ، يوناني روماني مسيحي مسلم ، ايه حكايه ماما تريزا ، لكن احد لايعرف عنها مايسال عنه ابو التاريخ ، بعضهم يمازحه ويقول ، ماما تريزا ماما تريزا ، وبعضهم يتشاجر معه لترديده خرافات وخزعبلات ، الازرايطه كلمه يونانيه او رومانيه تعني الجبانات ، وكان هذا الحي في البدايه جبانه كبيره دفن فيها الخواجات الوافدين علي المراكب من البحر امواتهم ، ويوما بعد يوم ، انتقلت الجبانات لمكان اخر وبقي اسمها للحي الذي نعيش فيه ، ابو التاريخ لم يحب تلك القصه ، قصه ماما تريزا اكثر انسانيه ودفء ، قرر يصدق ان الازاريطه هي التحوير المصري السكندري لماما تريزا التي بقي يترحم عليها كلما سار في اي شارع من شوارع الازرايطه !!!!!!

( 8 )
ام محمد

مازال يجلس علي الرصيف ، يمسح راسه بالليمون ويبتسم في وجه الماره والعابرين ، بعضهم يلقي عليه التحيه متلعثما ، بعضهم يخاف منه لانه مخاوي ، بعضهم لايصدق فيه مايقوله الرجل السني عنه ، تقترب منه احدي النساء ، تمنحه فطيره بالسكر ، ياخذها مبتسما ، بعيون حائره يسالها عايزه ايه ، بصوت مرتعش تساله ، حاجيب الولد ولا حاتطلق ؟؟؟؟ كانت تنجب اناث لزوج ينتظر الذكر يحمل اسمه وتجارته ، تحمل جنين في احشائها تتمناه ذكر ينقذها وبناتها شر الضره والتشريد ، يحدق في عيونها في ملامحها في انفها الذي تضخم ، يبتسم مطمئنا ، اللي في بالك حتنوليه ، ابنك دكر ابن دكر ، رسم وشك وملامحك بشكل جديد ، عمرك ماكنت وحشه كده يابت ، كادت تصرخ من الفرحه ، ابو التاريخ قال واللي قاله سر والسر في بير لكنها تصدقه ، ندر علي لو صدقت لاكسيك واطعمك من ايدي العمر كله ، ضحك لايكترث بكلامها واخذ يمسح راسه بالليمونه التي في يده !!!!
وبعد سته شهور ، ذبحت الذبائح وارتفعت الزغاريد وانجب المعلم رشدي صاحب وكاله الخرده ولد بعد اربعه بنات !!!
واقسم السني ان الراجل العجوز المتلقح علي الرصيف مخاوي اشباح وبيعرف الغيب وحذر الناس منه ، لكن ام محمد نزلت من فراشها نفسه وذهبت له بوليدها علي الرصيف تطلب البركه ومنحته مبلغ مالي كبير يقسم البعض انه يتجاوز العشره الاف جنيه وقبلته فوق صلعته وهددت الجميع بان اللي حيجيب سيرته بالرضي مالوش عندها غير الشبشب !!!
وصدقت ام محمد في وعدها ، كسته ملابس جديده ارتداها يومين وفي الثالث عاد لبنطاله القديم وحذائه المكلح ، واخذ يوزع الاكل الذي ترسله له كل يوم علي الصبيه الذين يشموا الكوله تحت الكوبري لكنها لم تتوقف ابدا عن تنفيذ ندرها له ، وحين اوغر البعض للمعلم رشدي ان زوجته تقبل الرجل العجوز علي صلعته فتشاجر معها ، يومها تحولت لنمره متوحشه ، دافعت عن نفسها وعن الرجل واكدت انه مبروك وانه السبب في مجيء محمد للدنيا وخاصمت زوجها وهجرته حتي اعتذر لها علي سوء ظنه وفي نفس الوقت نزلت الشارع وخلفها بناتها الاربع ومحمد علي ذراعها وخلعت حجابها واطلقت شعرها في الهواء وربطت الطرحه علي وسطها واخذت تردح بصوت عالي وتسب وتلعن في الناس الواطيه الناقصه اللي بتجيب سيره اسيادهم الشرفا وسيره الراجل البركه اللي ربنا بعته للحته من حبه في ناسها الطيبين ، في ذلك اليوم ، بقيت ام محمد ثلاث ساعات في الشارع تتوعد الخسيس الناقص الواطي اللي جاب سيرتها واخذت بناتها ومحمد علي ذراعها وذهبت للعجوز قبلت راسه ويده وطلبت منه ، والنبي يابا تبارك محمد وترقيه واعلنت ان مابينها وبين ابو التاريخ هو الدم ، هو ابيها وهي ابنته واللي حيقرب منه بيدوس علي طرفها واللي يزعله يزعلها وكل واحد عقله في راسه يعرف خلاصه !!!!!!!!!!

( 9 ) مهرة !!!
ياصفيه يابنت الناس ، لاانا قدك ولا قد نظره عينكي ، انا راجل عجوز وانت مهرة شديده عايزه خيال ومش اي خيال ، لا خيال خيال !!! في احلامه تأتيه جميله مغريه كحيله العينين ، بضه الجسد مثيره النظره ، تأتيه في احلامه تذكره برجولته التي نسيها ، تمنحه احلي ليالي غرامه وترحل ، في النهار يخجل منها ، يكاد يمر عليها لا يلقي عليها السلام ، تناديه ، ياابو الغريب الصباح لله ، نظره عينها تقول انها تعرف مايبعده عنها ، شايك جاهز يابا ، يقترب منها خجل مرتبك ، هي الانوثه التي صار يعرفها في الدنيا ، في حياته الاولي التي نسيها كان رجل بتاع نسوان ، كل النساء التي مرت عليه تذوق شهدها ، كان رجلا تتمناه النساء وتسعي اليه ، كل هذا لا يذكره ، في ميلاده الثاني لم يقترب من النساء ، انشغل بالبحث عن هويته وتاريخه ونفسه ....
في حياته الاولي كان رجل بتاع نسوان ، ياسرهن بنظرته العميقه يسرق قلوبهن من الازواج والاباء ، اكم من واحده القت بنفسها للتهلكه وفرت من بيت ابيها لحضنه ، وحين منحها ليلته الوحيده بقيت مجذوبه بحبه ، وحين هجرها جنت ولم تعد لابيها ، اكم من ضحيه ضاعت بسببه ، كان يعمل شيال امام اكبر الفنادق في الاسكندريه ، وهناك شاف البشوات والبهوات ، وعرف افخر السيارات وسمع احاديث في السياسه والدين ، فندق يدخله رجال السياسه متنكرين لقضاء ليالي العشق ، كان يحمل الحقائب ولا يعرفهم ، يدخل الحقائب لصاله الفندق ولا يعرفهم ، بل يعرفهم ويدعي انه لايعرفهم ، حين تصل سياراتهم الرسميه يرحب بهم وينحي احتراما وحين يتسللوا تحت جناح الليل لمقابله النساء ، يرسم علي وجهه تعبيرات غبيه حتي يصدقوا فعلا ان ذلك الشيال لم يتعرف عليهم !!!

كان بجسد ضخم مفتول العضلات ، له نظره عميقه وابتسامه ساحره ، صعيدي رحل من الجنوب للثغر ، فر شابا من بلدته البعيده ، من نجع لايعرف احد اسمه يتبع قريه لم ترسم علي اي خريطه ، زملائه قالوا وقتها انه فر من ثأر يطارده ، استنتجوا فراره من الثأرلانه قدم للثغر مقطوع من شجره ، وحيدا بلا عائله ، لااحد يزوره ولايسال عليه ، اصدقائه من البلده البعيده لم يتوافدوا عليه مثلما يفعلوا مع بعضهم دائما ، عزلته اكدت انه هارب من الثأر ، سالوه لم ينفي ولم يؤكد ، سالوه صمت واعتبروا صمته قرينه علي فراره ، صعيدي بجسد ممشوق وسمره مثيره وعيون كحيله كانه فار من احد المقابر الفرعونيه ، سماره وجسده ونظره عينيه اوقعته في شرك النساء ، اسرته في احضانهن ، لايملك اي شيء يمنحه لهن الا عواطفه وجسده ورجولته ، وهن لايبحثن الا عن مايملكه ، لايرغب في مال ولا ملك ولا زواج ولااسره ولا اطفال ، فقط حضنه ورجولته مايحلمن به !!!!

اكم من فتاه مرت عليه امام الفندق غازلته واكم من سيده طرقت بابه في منتصف الليل تعرض عليها جسدها وشهوتها ، واكم من سيده فرت من زوجها المتحكم لحضنه الحاني مستعده لخساره كل شيء من اجل حضن ذلك الرجل ، وعاش مع النساء قدر ماعاش ، لم يتزوج لم ينجب اطفال لم يكون اسره لم يكن له بيت دافء ، فراشه هو فراش الغرام ، تنام عليه النساء وترحل وتبقي رائحتهن في المخده التي يسترحن عليها ، فراشه يشهد علي فحولته وقوته وحنانه وغرامه ، لكنه لم يسلم قلبه لواحده تدفئه ، هو ملك كل النساء ويملكهن جميعا ، لكنه لم يعثر علي الانثي التي تقنعه بالكف عن العبث باجساد النساء ، لم يعثر علي الانثي التي تشبعه بنظرتها وترويه بلمستها فيجلس تحت قدميها صاغرا طائعا يسلمها قوته ومشاعره !!!!

لكن كل هذا محي من ذاكرته ، نسي النساء والفراش الذي تركه في الغرفه المؤجره وحيدا حتي مل صاحب العقار فرفع عليه قضيه وطرده منها ، القي الفراش في الشارع ، الفراش باعمدته النحاسيه اخجل الكثير من النساء ، كانه شاهدن ليالي العشق في حضن الشيال امام عينهن ، بعضهن بكيت حين رات الفراش ملقي في الشارع وترحمت علي صاحبه الذي اسعدها ، واحده منهن عرضت علي صاحب العقار تشتريه وتسدد له كل الاجره القديمه ، هنا نمت في حضن اجمل رجل ، هنا ارتويت بعد طول ضني ، هنا احسست بالفرحه ورجعت امرأه بعدما كنت رحم ينجب من رجل قاسي اكرهه ، لم تندم علي فضيحتها ولا طلاقها ، لم تندم علي اطفالها الذي زرع ابيهم في صدرهم كراهيتها ، فقط تتذكر ليلتها مع الرجل الذي منحها الفرح وعوضها عن كل الحرمان ، اشترت الفراش ونامت علي المخده تقبلها وتحلم به كل ليله !!!

لكن ابو الغريب ، الرجل الشيال الذي حمل ذلك الاسم الجديد ، لم يقابل بعدما انتهي عمره الاول وبدأ عمره الثاني ، لم يقابل اي امرأه من اللاتي سعدن في حضنه ، ولو كان قابل ايهن لتعرفت عليه وردت اليه ذاكرته ووصلت عمره القديم بعمره الثاني ، لكن الله لم يرد له وصل ، اراد يخلقه من جديد ويمنحه عمر جديد وذاكره بيضاء وانساه كل مامر عليه حتي النساء والفراش والفحوله !!!!
حين اصبح ابو الغريب ، لم يقترب من النساء ، خاف منهن ، انشغل بنفسه والبحث عن هويتها !!!

يتبع بالجزء الثاني !!!!


ابو التاريخ وحبيبته صفية !!!! الجزء الثاني !!!




الجزء الثاني
ابو التاريخ وحبيبته صفية

***
ذهب الشباب وسوف اذهب مثلما .... ذهب الشباب وماامرؤ بمخلد
ان الفناء لكل حي غاية محتومه .... ان لم يكن فكأن قد
( الامام البوصيري )

***
يافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي
قلبه ظالم لم بيشفق وانا صابر علي الاسية
خايف اشكي من صدوده يفرحوا عزالي في
( من اغنيه لسيد درويش )


***

يالى أنت علي البر أيه اللي رجعك تانى
وجاب رجلك وجابك فى الغويط تانى
( موال صعيدي )



( 10 )
ابو التاريخ
مازال ابو التاريخ يبحث عن تاريخه وذكرياته التي اندثرت مثلما اندثرت ابو قير القديمه تحت البحر ، خرج من سوق باكوس لم يشتري شيئا ، لايعرف لماذا ذهب ولماذا خرج ، في فلمنج ولد جمال عبد الناصر ، سال ابو التاريخ نفسه ، لماذا يهتم بعبد الناصر كل هذا الاهتمام ، هز راسه لايهتم به ، فقط يعرف ان في هذا الحي ولد رجل قاد مصر وغير تاريخها !!! لم يسال نفسه كيف غيره للافضل للاسوء ، هذا كله لا يهمه ، كل مايهمه تاريخه هو الذي اندثر ومحي من ذاكرته ، مر امام كنيسه مارمينا ، تمني لو دخل الكنيسه واشعل دسته شمع للعدرا ، يعرف انه ليس بقبطي ، لكنه يشعر انه ينتمي للكنيسه مثلما تنتمي هي لمصر ، كنيسه الاسكندريه التي انشأها القديس مارمرقس ، اقدم الكنائس في اعرق المدن ، الاسكندريه ام التاريخ والكنيسه وبوابه مصر البحريه ، كل هذا في تاريخه وذاكرته ، في وجدانه ، يحب مريم العذراء ويؤمن بعيسي ويحب الاسكندريه ويحب مصر ، كل هذا يعرفه ابو التاريخ عن نفسه ، لكنه مازال يجوب شوارع المدينه التي قرر ينتمي اليها في ميلاده الثاني يبحث عن مايشحذ ذاكرته ، هل يدخل الكنيسه ، يسال شعبها عما اذا كانو يعرفوه ، احدهم يعرفه ، لم يستشعر حرجا ولا توتر ، سيدخل الكنيسه امن ويخرج منها امن ، وهناك يسألهم عن من يعرفه ، ربما احدهم كان جاره وقت كان طفلا ، ربما سيده عجوز تعرف امه ، ربما اعطتها كعك العيد يوم الميلاد واخذت منها كعك العيد يوم الفطر ، اقترب من الكنيسه ، نظرات قلقه تحاصره تكاد تساله لماذا تقترب ، الشكوك تحيط بالغرباء ، يسال ابو التاريخ نفسه متي بدأت تلك الشكوك تظهر في الاعين ، متي بدأت الريبه تحتل النفوس حين يقترب احدهم من كنيسه لاينتمي لشعبها او يقترب احدهم من جامع لا يصلي مع مصليه!!!! هل هذا الامر قديم ، ذاكرته لاتسعفه باي تفاصيل ، لكنه لايصدق انه قديم ، فهذه المدينه عاشت بالتسامح بين ابناءها ومع الغرباء ، مدن البحر لاتعيش ابدا بالريبه والشكوك !!! احمينا ياعدرا ، صرخ في داخله يشعر قلقا علي الحياه التي تغيرت ولم يعد يعرفها !!! مازال يقف في امام الكنيسه يفكر ، اقترب منه احد العساكر ، ساله ، فيه حاجه ياابا ، ابتسم ولم يرد عليه ، ابتعد عنه ونظرات العسكري تلاحقه ، كانه يسجل ملامح وجهه في ملف اسود ، ربما يحدث عمل ارهابي ذات يوم فيستدعي تلك الملامح باعتبارها احد المشكوك فيهم ، يعود العسكري لموقعه لايصدق ان ذلك الرجل الهرم العجوز قد يكون يوما بطلا لعمليه ارهابيه !!! لكن اولاد الحرام ماخلوش لولاد الحلال حاجه !!!! ابو التاريخ يسير علي غير هدي ، يتمني يلحق المغرب في مسجد البوصيري ويدعو للعدرا تنقذه وهو في طريقه للمسجد !!!! سكندري اصيل لم يفهم ابدا سر الشكوك التي احتلت في هذه المدينه كل النفوس والاعين والقلوب !!!!!!!!! لعنه الله علي الذاكره المفقوده ، حرمتني من اشياء كثيره اهمها اعرف من انا !!!!

( 11 )
يامياسه يابلطية !!!

علي الرصيف مازال ابو التاريخ يجلس يحدق في السيارات الماره في طريقها للكوبري ، يمسح رأسه بالليمونه ووجهه وصلعته ، تمر السيارات بجواره مسرعه يتمناها تمزقه لكنها لا تقترب منه .... حين يسخن بدنه ويستعر الغضب في قلبه ، يمسح راسه بالليمونه ، اه ياصفيه ، يامياسه يابلطيه ، نعم هي صفيه ، فقط صفيه التي اعادت له رجولته الدفينه ، حين جلس بجوارها سمع قصتها وانها صارت رجل الاسره لم يراها الا انثي عمره ، اه ياصفيه ، اه منك يابنت بحري ياشقيه ، يامياسه يابلطية ، ياسمكه بتلعبط في المية ، انت كل النسوان ياصفيه ، كلهم كلهم ، في عينيك شقاوه ماشفتهاش قبل كده ، شقاوه تأسر ميت راجل وتزلزل اجدعها جبل ، اه منك ياصفيه ، يابنت بحري ياشقيه ، قاعده علي النصبه اسد يخاف منك الصيع والمقاطيع ولما تتكلمي بحنيه تلجمي العفاريت وتسيحي جبال التلج في البلاد البعيده!!!

فقط صفيه ، الانثي التي احتلت وجدانه واسرته ، لكنها ظهرت في حياته بعدما فات الاوان ، العمر عدي ياصفيه وانت مهره عفيه ، كنت فين لما كنت خيال وبادور علي فرسة الجمها واسعدها ، دلوقتي خلاص ، كبيري ااقعد جنبك اسمع حواديتك ، وحكايه ابوكي اللي ضاع واخواتك اللي اتستتوا في بيوتهم ، كبيري امسح دمعك لما العياط ينقح عليكي ويصعب عليكي روحك ، لما تسمعي اغنيه في الراديو تفكرك بالحرمه اللي جواكي ، اللي اتظلمت في السوق وفي حلقه السمك ، تفكرك بالحضن البارد والحجر الفاضي والزمن الصعب !!! لما بتعيطي ياصفيه بتدبحيني ، بتموتيني ، بتكسري في حيلي ، لو اقدر اصالحك علي الدنيا واهون عليكي اللي فات ، لو اقدر اخطفك من السوق والنصبه والهم والزمن الصعب ، لو اقدر اخطفلك حته من القمر واقعدك عليها ، لكن ياصفيه انت جيتي في الوقت الغلط ، لاحيلي عنده حيل ولا ذراعي يقدر يشيل ولا اظلمك معايا يابنت الناس واقعدك جنبي تحزني علي حيلي اللي كان وماكانش !!!
لكن صفيه وقعت في غرامه ، عرفت منذ كوب الشاي الاول ان هذا الرجل العجوز هو سر سعادتها وشقائها ، نادته ليشرب شاي وحين جلس بجوارها سكرت برائحه انفاسه ، سمرته احيت الانثي في جسدها ، نظرته اثارتها وذكرتها بالفتاه التي وأدتها يوم مات ابيها ، حنانه هو عذابها ، صفيه وقعت في غرامه وعرفت انه نصيبها وانها نصيبه ، وياابو الغريب يازينه الرجال انت حظي من الدنيا ، في الليل يزورها عفيا شابا مثلما كان منذ سنوات بعيده وتعود في احضانه فتاه صغيره ، لم تخجل من حبه في الحلم ومنحته جسدها وعواطفها وحين تستيقظ من النوم تتمناه يكون في حضنها ، لاحظت عليها امها شرودا لم تعرفه من قبل ، لاحظت دموع تتعلق في مقلتيها حين يشدو عبد الحليم في الراديو ، لاحظت انها تتكحل قبل ماتنزل للسوق ، ادركت امها ان الانثي التي نامت طويلا استيقظت من النوم شرسه جائعه للحياه ، خافت عليها امها من مقاطيع السوق ، حدثتها عن حالها و.. فيكي ايه يابتي ؟؟ مافياش .. انكرت صفيه حالتها، مالذي ستقوله لامها ، هل ستقول لها انها تحب رجل هرم ضائع لايعرف له اسم ولا عائله ، لن تفهم امها ماتقوله ، لن يقبل ازواج اخوتها يضعوا يدهم في يده ، لن تعترف بحبها لابو الغريب ، ولن تخبر احد بسرها الجميل ، ستبقي تحبه وتتجمل في الحلم في انتظاره وتستيقظ مرتويه بعشقه و.......... اه منك ياابو الغريب يازينه الرجال!!!!ا


( 12 )
سلامه !!!!

مازال ابو التاريخ يجلس علي الرصيف ، يلوح للسائقين الذاهبين للمينا والخارجين منها ، هنا مكانه ومكانها .... لن يغادره مهما حدث الا وقت يموت .... ام محمد تمر عليه كل صباح تبتسم في وجهه ، صباحك جميل ياابا ، صار ابيها وجد ابنها ، المعلم رشدي انصاع لجنونها ، حاول يقنعها ، والراجل العجوز ماله بس وماله محمد ، تتشاجر وتغضب ، بركه ياابو محمد بركه والنبي ماتقطع بركته وتحرمنا منها ، علشان خاطر محمد ، تستحلفه بالغالي ، ينصاع لها ، اهو خير وبنرميه البحر ، تضحك ، يقعد لك في بناتك وفي ابنك وفي صحتك وعافيتك ، ووقت الغدا ترسل له الخادمه بالاكل ساخنا فيرسله للاطفال تحت الكوبري ويشكرها ....

سنوات طويله مرت منذ خرج من المستشفي بلا ذاكره ، منذ هام علي وجهه في شوارع المدينه التي قرر انها مدينته يبحث عن هويته وماضيه ، سنوات طويله وهو يبحث عن نفسه ولااحد يتذكره ولا يقابله ولا يعرفه ، كان الارض انشقت وابتلعت كل من كان يعرفه ، كانه اسقط في المستشفي من العالم الخارجي من كوكب اخر ، يبحث عن اسم يعجبه لينادي نفسه به ، ابو الغريب ، ابو دقن ، ابو التاريخ ، كلها اسماء لاتخصه ، هو ليس ابو اي شيء ، شجرته انقطعت وجذرها لم يضرب في الارض ، من هو ، حامد ، يوسف ، عوضين ، فتحي ، رجب ، محمد ، من هو ، يبحث عن اسم يحبه يجد نفسه فيه ، ياتري ياامه لما ولدتيني سمتيني ايه ، يضحك الرجل العجوز ، مضي علي ميلاده الحقيقي ربما سبعين عاما او خمسه وسبعين ، ربما ثمانين ، ياتري ياامه سمتيني ايه ، وياتري اراضيك فين ، يضحك ، اكيد امه ماتت منذ زمن بعيد ، وايضا جدته التي كانت تدثره بالبطانيه الخشنه ، سمتيني ايه ، يستعرض اسماء كثيرة ، حسن سلامه راضي رشدي احمد ، سلامه ، سلامه ، هكذا احس وصلا مع ذلك الاسم ، احس دفئا ، نعم اسمي كان سلامه وان ماكانش حيبقي سلامه .....

يتذكر سلامه يوم دخل المينا يبحث عن رزقه ، بعدما خرج من المستشفي بسنوات قليله ، هام فيها علي وجه يبحث عن نفسه ، حتي الان لايعرف كيف عاش تلك السنوات ، من اين اكل واين نام ، سنوات مرت عليه سرقته ايامها ، وفي ليله افاق لنفسه ، لايجديه مايبحث عنه ، عليه يتكسب ويعيش مثل كل الناس ، لكنه لايعرف شيئا ، كيف سيكسب رزقه وجيبه خاوي وذاكرته ممحاه ، ذراعيه الشديدين وجسده القوي رغم السنوات والعمر رسما له مسارا لايملك غيره ، سيذهب للمينا التي وقف كثيرا علي بوابتها يتفرج علي العابرين ، سيدخل ويبحث في ذلك العالم المزدحم عن رزقه ، واستيقظ متفائلا واتكل علي الله وسار صوب المينا وامام البوابه قرأ الفاتحه التي مازال يتذكرها من حياته الاولي ودخل البوابه ...

ثلاثون عاما مرت علي اليوم الاول الذي دخل فيه المينا ، وتسعه وعشرون عاما مرت منذ خرج منها ولم يعد لها ابدا .... في هذا العام عاش ابو الغريب او سلامه او ابو التاريخ عمره الثاني كله ثم قتل واستمر علي قيد الحياه بلا حياه ينتظر الموت !!!! واه ياصفيه ياللي كتلتيني ميت مرة ولسه كل يوم بتكتليني الف مرة !!!!!!!!!!!


( 13 )
المعلم نفيس ورجاله

دخل المينا من البوابه الكبيرة اوقفه احد الحراس وساله ، علي فين يابا ، بندور علي اكل عيشنا ورزقنا ، دفعه الرجل بعنف ، مالكش رزق هنا ، هي مش سيبه ، ان كنت تبع معلم هو يدخلك وان كنت لحالك خاف علي نفسك وروح ، دي مش وكاله من غير بواب!!!
يتذكر سلامه ذلك اليوم ، يتذكر غضبه ، دفع الرجل بقوه ، فخلعه من مكانه واقتلعه منه ، بالذوق ياولد بالذوق ، مالهاش عازه الفتونه ، هل يتكلم بلهجه صعيديه ، نعم ، هذا مااكتشفه وقت غضبه ، هو صعيدي ، حين غضب من الرجل خرج الصعيدي من داخله يدافع عن وجوده ، يومها فرح فرحا شديدا وكان يقبل الرجل ويشكره ، اغضبه فاخرج من داخله الرجل الصعيدي الذي لم يكن يعرفه ، انا صعيدي ، هكذا قرر سلامه لنفسه ، بالذوق ياولد بالذوق ، انتبه له و للمشاجره رجل قليل الجسد يقف بعيدا عن بوابه المينا ، اقترب منه ، اعتذر للرجل علي البوابه ، متأسفين ياحاج حقك عندنا ، اللي مايعرفك يجهلك ، اقترب من سلامه ، انت مين ياابا ، تعالي بس حتودي نفسك في داهيه ، ماتتفتونش علي رجاله الحكومه لينفخوك ، اشار للرجل علي البوابه ، بلدينا تبع المعلم نفيس بس كان ناسي الاسم ،مستجد بقي وبلدياته بعتوه عندنا وهو تايه حقك عندنا وعند المعلم ، سحب رجب سلامه من ذارعه ودخل به علي المعلم نفيس في مكتبه ، شرح له ، حيطه وشديد وقلع الراجل من علي البوابه بزقه واحده ، ناظره المعلم نفيس نظره عميقه واشار لرجب ، عرفه النظام و............

بدأ سلامه العمل في المينا تبع المعلم نفيس ورجاله ، شيال يحمل الصناديق علي عربيات النقل ، يعتق العربيه اللي بتحتاج عشره رجاله لوحده ، يعمل شغل عشر ساعات في ساعتين ، رجب يراقبه وسعيد باقتناصه ، المعلم نفيس يراقبه ويجزل له العطاء ، انت منين يابلدينا ، يرتبك ولايجد اجابات ، هربان من الحكومه ، ده مربط الفرس ، ينفي سلامه التهمه عن نفسه ، لو عرفنا في يوم انك هربان من الحكومه او ليك ضديات هناك حنتاويك في المالح ، يوافق سلامه ويعود لعمله!!!!
يتذكر ابو التاريخ مالذي حدث له في المينا في ذلك العام الاسود ، شهور مرت بلا مشاكل يعمل بمنتهي الاخلاص والجديه وحين تنتهي مواعيد عمله ، يعود لصفيه علي الرصيف يشرب الشاي ويسمع حواديتها حتي يدخل الليل فيلم معها النصبه ويوصلها منزلها ويعود لحجرته وينام ويحلم بها ، لكن الدنيا لم تتركه سعيدا ومنحته وجهها القبيح ، كفاه السعاده التي عاشها في عمره الثاني بجوار صفيه ، كفاه ما اسعده ، حان وقت الغم !!! يتذكر ابو التاريخ احداث ذلك العام الاسود الذي مضي عليه مايقرب من ثلاثين عاما ويزيد كأنه امس ، تلك الاحداث عاشها كل يوم في الثلاثين سنه مره واثنين وعشره ، نقشت في ذاكرته التي كانت بيضاء ، شيئين بقيا في ذاكرته ، صفيه وجمالها وتلك الايام السودا التي عاشها!!!!
حين دخل المينا في ذلك اليوم ، احس شيئا غريبا في العيون ، شم رائحه الغدر ، ابتسامات مرتبكه لايفهم سرها ، وسرعان مانداه المعلم نفيس وانكشف السر ، لقد تربص بيه بقيه رجال المعلم نفيس ، لم يحبوه ، هو قليل الكلام غامض ، لايشاركهم سرقاتهم الصغيره ، يدعي انه لم ينتبه لما يحدث لكنه يري كل شيء ، خافوا منه ، لو تركوه لامسك عليهم مائه ذله ، لاوشي بهم للمعلم ، لا يمكن يتركوه في حاله ، هكذا قرروا في ليله طويله اضاع فيها الحشيش بقيه عقولهم !!!

كانت صفيه تحذره منهم ، ماتأمنش ليهم ، دول احناش ، عضتهم بالقبر ، سمعتهم معروفه ، رجاله المعلم نفيس وحشين شرانين ، ياتكون معاهم ياتكون عليهم ، مالكش سكه تالته ، كان يطمئنها ، مالهومش عندي عازه وماليش عندهم مصلحه ، تمنحه كوب الشاي وابتسامه مثيره وتهمس له وهي تجلس بجواره علي الرصيف ، انا قلبي عليك ، حرص منهم ، يرتبك ويكاد الشاي يسقط فوق صدره لايشعر بسخونته ، ابتسامتها تحرق بدنه ، عارف ياصفيه عارف ، يتمني لو يترك الشاي ويقبض علي كفيها يقبلهما ، يتمني لو اخدها في حضنه وهي الخائفه عليه بعدما كان وحيدا لااحد يهتم به حتي كلاب السكك ، حرص منهم ياابو الغريب واتغدي بيهم قبل مايتعشوا بيك !!!!

يهز ابو الغريب راسه ندما ، ليتني سمعت كلامها ، ليتني انتبهت لما قالته ، الان في عام 2010 وبعد سنوات كثيره طويله ، يراجع كلامها وتحذيراتها ويندم علي انه لم يفطن لمعني كلامها ، نعم لقد تعشوا به قبل مايتغدا بهم ، سرقوا كونتير كبير والصقوا التهمه به ، اوشو به للمعلم نفيس ، قالوا ان السرقه وقعت في نوبطشيته ، هو الذي سرق ، شهدوا جميعا عليه ، يومها استدعاه المعلم نفيس وساله بهدوء ، انت سرقت الكونتير ياسلامه ، هز راسه نفيا ، انا مصدقك لكن خلاص عيشك اتقطع ، لما زمايلك كلهم يسرقوا باسمك يبقي بيمشوك ويقطعوا عيشك ، لو سبتك وسطهم يبقي بقول لهم اسرقوا تاني وعاشر ، لازم تمشي ، لما امشيك افهمهم اني مش حاسكت علي اي سرقه ، انا عارف انك بريء لكن انت في كوم وهما في كوم ، مقدرش اخليك وافورهم كلهم ، مصالحي تضيع، اعطاه مبلغ مالي وفصله !!!

يومها عاد لصفيه غاضبا مجنون ، جلس علي الرصيف يصرخ فيها ، اني ياكاتل يامكتول ، الصعيدي الغاضب خرج من صدره ، يصرخ الراجل اللي يسيب حقه مايبقاش راجل يبقي مره ، اسمع ياابو الغريب ماتناطحش معاهم ، لاانت قدهم ولا هما حيرحموك !!! حذرته صفية لكنه لم يسمع تحذيرها ولم يقبل كلامها وقرر انه لايملك مايخاف عليه وانه في تلك المعركه ياكاتل يامكتول !!! لم يكن يعرف وهو العجوز الهرم انه يملك مايخاف عليه ، وانه سيفقده ويهزم الهزيمه الاخيره في حياته ويعيش مقتول حتي يأتيه الموت الذي يرفض يأتيه ويتركه معذب بذنبه !!!!

انا حاروح لحديهم ياصفيه ، وافهمهم اني فاهم كل حاجه وعارف كل حاجه ، واخوفهم ، يايقولوا كل حاجه للمعلم نفيس ياهما حرين بيني وبينهم الحكومه !!! خبطت صفيه علي صدرها رعبا ، لو دخلت الحكومه بينكم تخسر ، مافيش راجل بجد يتحامي في الحكومه ، مش حيكون ليك لاديه ولاسعر وسطيهم ، حتي المعلم نفيس عمره ما يسامحك علي انك دخلت الحكومه وسطيهم ، لم يصدقها ، قرر وتوكل علي خالقه ، سيواجههم ، سيذهب لهم في عقر دارهم ، ليلا سيدخل للغرزه التي يحششوا فيها ، سيواجههم جميعا ، ان كان فيكم راجل يحط عينه في عيني ويقول اني سرقت الكونتير يالمامه ياحوش يانصابين ياحرامية !!!!!!!!!

( 14 ) ابو التاريخ

مازال صوت جمال عبد الناصر يدوي في اذنه يعلن سنه 1956 عن تأميم قناه السويس ، وقتها كان في عمره الاول الذي نسيه وفقد كل ذاكرته ، يومها صفق مع الجميع وصرخ من الفرحه ورقص في الشارع ، وسرعان مارفع راسه حين صرخ عبد الحليم ، ارفع راسك يااخي مضي عهد الاستعمار ، لكن نكسه 1967 قصمت وسطه وابكته امام البحر وحيدا وتصور انه كره عبد الناصر !!!

لكن حين تحولت كل محطات الراديو لاذاعه القرأن الكريم وايضا برامج التلفزيون ، وانتشر الهمس عن مصيبه جلل لايعرف الله وقتها الا مقدارها ، ارتبك وانقبض صدره وحين اعلنوا عنه موت عبد الناصر ، انفجر في البكاء ، اخذ ينتحب ويبكي ، عرف ان الحب الذي تصور النكسه قتلته مازال في صدره عارما وفي قلبه مشتعلا ، نعم هو احب عبد الناصر ، هو لاعلاقه له بالسياسه لكنه احبه ، لايعرف لماذا ، احبه اكثر من البشوات اللذين كان يحمل لهم الحقائب في الفندق الذي كان يعمل فيه ، احبه اكثر من اللوردات الذين كانوا يترددوا علي الفندق ويجحدوه وقت يشاهدوه بنظره غريبه ، ربما تعالي علي كراهيه علي احتقار ، احب عبد الناصر كرئيس مصري وحين مات بكاه كما لم يبكي من قبل ، وتمني لوعاد لامه يبكي في حضنها وغطيني ياامه وصوتي !!!!

عجيب عمره الاول الذي لم يعد يذكر من احداثه اي تفاصيل ، عجيب جدا ، لان عمره الثاني لم يكن كمثل الاول ، في عمره الثاني الذي بدأه رجلا في منتصف العمر ربما تجاوز الخمسين او اكثر ، لم يكترث الا بنفسه وبالبحث عن هويته وذاكرته وتاريخه ، نسي حتي انه كان مهتم بذلك الوطن واحداثه ، نسي انه كان منحازا للثوره ثم انقلب عليها غاضبا بعد النكسه ، نسي انه كره البشوات والبهوات واللوردات ذوي الوجوه الحمراء التي طالما حمل حقائبهم وكافأوه بنظرات تعالي بغيضه ، نسي انه خرج من بلدته التي لارزق فيها للعالم الواسع ، واستقر بالاسكندريه واحبها واعتبرها بلدته الثانيه ، ففي عمره الثاني ، اعتبرها بلدته الاولي وانتمي اليها وكانه ولد علي شاطئها وتحت امطارها !!!!

في عمره الثاني وبعدما جلس علي الرصيف يمسح رأسه بالليمون ، عرف ان الرئيس الذي لايعرف اسمه قد اغتيل ، ترحم عليه ولم يتحرك من مكانه ، ولماذا يتحرك ، هو ينتظر الموت والموت لايأتيه ويخاف يتحرك من فوق الرصيف فيأتيه الموت بعيدا عن احضانها !!!!
في عمره الثاني ، لم يكترث باي شيء الا انتظار موته !!! هو ابو التاريخ الذي كان لكنه لاينتمي للحاضرالذي يعيشه ويتمني يخطف منه ويعتق من الاسر القاسي لاحضانها !!!!

( 15 )
علي البحر قدام القلعه القديمه

اكدت عليه صفيه لاينسي ميعادهم ، بعد المغرب ، تلحقني علي البحر ، عند القلعه القديمه ، اكدت عليه ، حا ألم النصبه بدري واستناك ، نتعشي وتروق دمك ، وحياتي عندك لتروق دمك ، كان سلامه ابو الغريب يغلي من الغضب ، غدا سيذهب لرجال المعلم نفيس في الغرزه ، وحتي ياتي الغد البطيء الذي لايأتي ، تغلي النار في مراجله ، لن يسامح نفسه لو صمت وقبل الخديعه التي حيكت ضده ، حاجي ياصفيه بس ده مالوش دعوه باني رايح لهم رايح لهم ، ابتسمت ووافقته ، طيب بس تعالي وبعدها يحلها الكريم !!!!

زارته في الحلم حين نام بعد صلاه الضهر ، كانت جميله لكنها تبكي ، مالك ياصفيه ، لم ترد عليه ولم تتوقف عن البكاء ، اخدها في حضنه لكنها لم تسكن اليه مثلما كانت تفعل دائما ، قبلها مثلما يفعل دائما لكن شفتاها تقطرا مر علقم ، مالك ياصفيه ، لم ترد عليه واخدت تبكي وتبكي حتي استيقظ من النوم ، اعتدل علي فراشه عكر المزاج ، منذ عرف صفيه لاتأتيه في الحلم الا سعيده مبتسمه مشرقه ، تسعده وترحل لكنها اليوم لم تكف عن البكاء ....

كانت الشمس توشك علي المغيب ، سيتأخر عليها ، عرف هذا قبلما ينزل من فراشه ، هرع للشارع وبخطوات سريعه وصل للبحر عند القلعه القديمه والشعاع الاخير للشمس يغرق في الماء المالح ، كانت جميله مبتسمه لكنها قلقه ، نظرات عينيها غريبه عليه ، مالك ياصفيه ، مثلما قال لها في الحلم وسالها ، راوغته ولم تجب ، فتحت سلتها واخرجت له ام الخلول ، فتحتها له واطعمته في فمه ، ضحك ، عيل انا اياك ، ابتسمت باسي ، انت ابن بطني اللي ما خلفتوش ، ارمي حمولك علي وخفف من علي قلبك ، وحياه سيدي البوصيري لتهون علي نفسك ، جلس بجوارها مرتاح سعيد لكن صوت بكاءها في الحلم يداهمه بين كل حين واخر ، مالك ياصفيه ، قلقانه عليك ياابو الغريب ومعنديش اعز منك ااقلق عليه ، ماتخافيش علي ، امال اخاف علي مين ، ناولته ام الخلول في فمه ، احس الشهد ينسال لجوفه ، كل شيء من يدها شهد حتي ام الخلول ....

اخرجت ليمونه من حقيبتها واستأذنته ، حاملس لك علي راسك بيها ، الهوا الرطب حيشد السخونه من راسك وتروق ، وبرقه شديده مرت باصابعها علي راسه ووجهه ورقبته ، خطوط متوزايه من عصير الليمون فوق راسه يمر عليها الهواء البارد من البحر فيتخدر ، ضحكت صفيه ، سلم لي نفسك اريحك ، نظر لها بعشق ، انا ملكك يابنت الناس بس مستخسرك في ، مازالت اصابعها تمر بالليمون فوق راسه والهواء البارد يسحب السخونه من اعصابه ، انا اللي ملكك ياابو الغريب ، ملكك وملك يمينك ، تناوله ام الخلول في فمه فيهذي ، شهد ياصفيه ، تسحب السخونه من راسه بليمونتها فيهذي ، انا مش قدك ياصفيه ، مش قدك ، لاترد عليه ، لكن نظرات العشق تحاصره والهواء النسيم ينعشه ، احب الحياه في تلك اللحظه حبا رهيبا ، تمني لو مات بين يديها ، تمني لو عاش العمر كله معها ، مازالت الليمونه تمر فوق راسه تنعشه وكلماتها تنساب في اذنه تعيد لحياته المعني والقيمه ، يعلو الموج وصخب البحر ويلفهم الظلام ، علي الشط امام القلعه القديمه يجلس سلامه ابو الغريب بجوار صفيه التي تطعمه وتهون عليه وتبرد راسه وتمتص غضبه ، ساعات تمر وهما جالسين ...


يشتعل فجأ الوجد في قلبه ويرتعش ، يشتاق لها ، يتمني حضنها ، ينظر لها بعينيه يسالها ، توافقه ، وفي خيمه الليل يختبئا وتدخل في حضنه وتبكي بكاء مر ، يسألها مالك ياصفيه ، لاتجيبه ، يرتبك ، كانه في الحلم الذي ازعجه ، مازالت في حضنه ، يقبلها قبلات صغيره علي خدها ، يرتج جسدها بين ذراعيه وتكف عن البكاء ويصمتا والهواء البارد حولهما والليل الساكن .........

تخرج من حضنه بنظره غريبه لم يفهمها الا فيما بعد ، تساله بمنتهي الحنان والرقه ، موال حفظته من ابويا قبل مالبحر ياكله ، بحبه قوي ، اغنيه لك ؟؟ ياريت ياصفيه ياريت ، وقبل ان تغني يسالها ، لو طلبتك للجواز تتجوزيني ياصفيه ، تنظر له نظره موجعه وتبدأ في الغناء بصوت رخيم جميل ، صلي علي التهامي كامل الانوار ياولدي ... وخد اخر كلامي وافهم الاسرار ، البحر غريق يابني ومالهوش قرار ، وانت ليه ياولدي بتعاند في التيار ، ياللي انت علي البر ايه اللي رجعك تاني .. وجاب رجلك وجابك في الغويط تاني ، ماقلنا توبنا وايه اللي جري تاني ........... يتوه مع صوتها وكلمات الموال ، يتذكر جدته التي كانت تدثره بالبطانيه الخشنه ، يتذكر امه التي جهزت له الزواده وطلبت منه الرحيل ، البلد فقر ياولد والهم كتير ، وبلاد الله لخلق الله ، بكي وصفيه تغني بصوتها الرخيم ، ماقلنا توبنا وايه اللي جري تاني ، يردد خلفها ، ماقلنا توبنا وايه اللي جري تاني !!!

وتصمت ويصمت وتعود لحضنه ويغلقه عليها ذراعيه ويدندن للشيخ سيد اغنيه يحفظها ، يافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي ، يعتذر لها ، حسي وحش ياصفيه مش زي حسك ، تضحك وهي في حضنه لكن غناك حلو ، يافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي ، قلبه ظالم لم بيشفق وانا صابر علي الاسية ، خايف اشكي من صدوده يفرحوا عزالي في ........ يافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي !!!!

وتمر الساعات الحلوه بسرعه ، ويعود سلامه ابو الغريب لحجرته ينام ويحلم بصفيه تغني له ويغني لها ، ينام وفي فمه مذاق الشهد الذي اطعمته له صفيه ، وعلي راسه ووجهه رائحه الليمون التي مسحتهما صفيه باصابعها الحنونه وسحبت السخونه والغضب من راسه !!! لكن الاحلام والسعاده لاتدوم !!!!!!!!
اه ياابو التاريخ علي اللي حصل لك وجرالك ............ ويافؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي علي !!!!

( 16 )
اخر ايام الغضب

في الغرزه يرعد فيهم بصوت يخلع قلوبهم ، ان كان فيكم راجل يحط عينيه في عيني وايده علي المصحف ويقسم اني سرقت ، يالمامه ياحوش يانصابين ياحراميه ، بقي مارضيتش افتش عليكم وابصر المعلم نفيس بسرقتكم ، تفتروا علي وتقطعوا عيشي ، لايردوا عليه ، الحشيش ذهب ببقيه وعيهم ، فقط صوته يرعبهم يخيفهم ، بكره لو صبح عليكم صبح ، برباطيه المعلم تكونوا عند المعلم نفيس ، تقولوا الحق ولا غيره ، وانا لا حاشتغل معاكم ولا اعاود اشوفكم ، مش انا اللي تتبلوا علي وتفضحوه ، بكره لو صبح عليكم صبح تكونوا هناك ، ولو ماجاتوش ، محدش يزعل واللي عند ولاد يودعهم واللي خايف علي حاجه يحرص عليها ............ وخرج من الغرزه راضيا عن نفسه ، هكذا تكون الرجوله ، لانسكت عن الباطل ولا نخاف من الجبناء ولا نقبل هضم الحق !!!!!!!


وفي الصباح يخرج مبكرا ، يجد صفيه علي النصبه قلقه ، يبتسم في وجهها ، يودعها ، رايح للمعلم نفيس اخلص الموضوع ، اشوفك بخير لما ارجع ، حرصي علي نفسك ، تناوله كوب شاي ونصف ليمونه ، طري علي قلبك ياسلامه ياابو الغريب وهون علي روحك ، هما كلاب ولا تسوي وانت راجل شريف مهما قالوا ، ياخد الليمون ويمسح راسه ، يابنت الناس معنديش غير سمعتي اخاف عليها ، لما حارجع اخر النهار ، تقفلي النصبه وتروحي معايا ، ااقابل الست الوالده ونقرا الفاتحه واسبوع ونكتب الكتاب ، صبري نفذ ياصفيه ، يمسح راسه بالليمونه ، تودعه وتعطيه ظهرها فلا ينتبه ويكمل سيره غاضبا يتوعد الرجال الغدارين !!!!


وفي مكتب المعلم نفيس ينتظر الرجال لايظهروا وحين يحكي له ما حدث معهم في الغرزه ، يؤكد عليه المعلم نفيس انه يعلم ببراءته ويعلم انهم حراميه لكنه يحتاجهم في عمله ، يودعه فيخرج من عنده غاضبا ، يفكر كيف سينتقم منهم ويعلمهم درس لاينسوه ابدا !!!!!!!!


يعود لصفيه يجدها مكانها ، يالا ياصفيه همي علشان نلحق الست الوالدة، رجل يتجاوز الستين ، ربما الخمسه وستين ، وشابه في نهايه الثلاثينات ، عاشقين ، يتسائلا ، هل سيجمع بينهما القدر رغم كل ما يفرق بينهما !!!! تناوله كوب شاي ونصف ليمونه ، استني شويه ، الم حسابي من السواقين ونتكل علي الله ، يجلس غاضب ناقم علي الرجال ، يمسح راسه بالليمون علها تسحب العصبيه والغضب من راسه واعصابه..........

لايعرف بالضبط مالذي حدث ، فجأ سياره قفزت علي الرصيف ، تركت الشارع العريض وقفزت علي الرصيف ، فجأ صرخ الناس ، رمي الليمونه من يده وهرع لصفيه الملقاة تحت عجل السياره ، كان وجهها الجميل تغطيه الدماء ، كانت عيناها المثيرتين بياض بلا حدقه ، الحدقه هاربه بعيدا عن نظراته ، احتضنها وصرخ ، صراخه لم يخرج من جوفه ، القت ذارعها الخدر عليه وهمست في اذنه انها تحبه وكانت تتمناه زوجا ، ورجته ، حرص علي نفسك ياسلامه ياابو الغريب واغمضت عيناها للابد !!!!!!!!!!!!


كل ماحدث بعد هذا غير مهم علي الاطلاق ...............
شائعات كثيره سمعها ، رجال المعلم نفيس قتلوا صفيه للانتقام منه فان كان ينوي الانتقام منهم فاهم اخرسوه وللابد ، شاب طائش لايعرف القياده سرق سياره ابيه وارتبك قبل الكوبري فقزفت منه السياره فوق جسد صفيه الجميل مزقته ، ليس مهم ماتقوله الشائعات وليس مهم اين الحقيقه ........... الشيء المهم الوحيد ان صفيه المرأه الوحيدة التي احبها في الاول الذي لايذكره وعمره الثاني الذي يعيشه ماتت بين ذراعيه وفي حضنه !!!!!!!!!!

( 17 )
مازالت في حضنه !!!!

سبعه وثلاثون عاما وهو يجلس مكانه ، حيت ماتت صفيه بين ذراعيه وفي حضنه ، سبعه وثلاثون عاما يجلس مكانه ، يمسح راسه ووجه بالليمون ، يسحب من راسه واعصابه الغضب الذي تملكه ولم يخرج ابدا ، صفيه ماتت هنا في هذه البقعه ، شرب الرصيف دمائها وخضب تراب الارض وجهها ومزقت العجلات جسدها الجميل ، هنا خرس صوت صفيه التي كانت تغني مواويلها الصعيديه من اجله ، هنا بكاها وحملها بين ذراعيها وكاد يلقي نفسه في المقبره معها وتمني الموت ، لكن الموت عزيز ، لم يأتيه !!!

سنوات طويله ، نسي الناس الحادثه ومات من عاصروها ومباني جديده شيدت واخري قديمه هدمت وتغير الناس وسكن المنطقه اخرون لايعرفوه ولا يعرفوا صفيه الست الجدعه الجميله التي ماتت في حضنه ، سنوات طويله مرت علي موت صفيه ونسيها الجميع الا هو ، امها ماتت محسوره عليها وشقيقاتها انشغلن في حياتهن والجيران تركوا المنطقه وتزوج شباب جدد لايعرفوه ولايعرفوها وفتحت المقهي وازدحمت بروادها وكثرت السيارات النقل واللواري فوق الطريق تعبر كوبري التاريخ للميناء وتعود عليه محمله ببضائعها ، كل شيء تغير الا هو ، بقي مكانه بنفس ملابسه المخضبه بدمائها بالليمونه في يده يمسح راسه وصلعته ، كانها تمسح راسه تسحب منها الغضب !!!

بقي هو ........ رجل عجوز يقترب ربما من التسعين او اكثر ، بذقن طويله وصلعه تفوح منها رائحه الليمون واشاعات تحيطه بانه مخاوي الجن والعفاريت او انه مبروك وولي من اولياء الله الصالحين ، بقي هو علي نفس البقعه التي ماتت عليها صفيه ، ينتظر موته ، يحلم بها كل ليله في السبعه وثلاثين عاما ، وعلي الرصيف يشم رائحه جسدها وقت فاحت دماءه ، يشم رائحه النصبه التي كانت تقيمها وتغلي عليها الشاي الذي لم يشرب احلي منه ، كل ماتعطيه له شهد ، علي الرصيف بقي ، ومنحه الناس اسم ابو دقن ، ثم منحه القهوجي اسم ابو التاريخ وفي اذنه يرن صوتها الرخيم ، ياسلامه ياابو الغريب حرص علي نفسك ، يرد عليها ياصفيه يابنت الناس انا مش قدك ، يامياسه يابلطيه ، تضحك ، يسمع ضحكها في اذنه ، يبتسم يلمح نظره عينها المثيره ، يتذكر بكاءها في الحلم فيمسح راسه بالليمونه ويشم رائحه اصابعها وانفاسها ويسحب الغضب من جسده وراسه ويتمني لو مات في حضنها علي الرصيف الذي جلس عليه سبعه وثلاثين عام ينتظر الموت لكنه لم يرأف بحاله ويأتيه وترك صفيه تعيش فيه ويعيش معها !!!!!ومازالت النساء تساله عن حملهن ويطمئنهن من ترغب في بنت يهنئها ومن ترغب في ولد يفرحها واهل المنطقه يخافون منه والنساء تحبه وتتبارك به ومازال يحب صفيه فيهن جميعا ويتمني لو حملت في رحمها ولد من صلبه او فتاه في مثل جمالها و...... يحلم بها ويتمني الرحيل اليها !!!!

( 18 ) اغلق عينيه للابد !!!!

دخل ابو التاريخ القهوه منهكا ، القهوه مزدحمه ، كثير من السائقين يجلسون عليها ، الجدران تكاد تنفجر من صخبهم ، ركنوا سياراتهم طابور طويل امام المقهي ، ممنوعين من السير في الشوارع وفوق الكوبري حتي مطلع الفجر ، لامأوي لهم الا تلك القهوه القريبه من كوبري التاريخ ، اطلق عليها الماره ، قهوه السائقين ، يأتون من رحلات بعيده ، من سوهاج اسيوط الجيزه مرسي مطروح الغردقه ، يصلوا للاسكندريه منهكين بعضهم لم ينام ليلتين او ثلاث ، يتركوا السيارات علي الرصيف ويدخلوا القهوه ، يغتسلوا وياكلوا ويشربوا شاي ويتضاحكوا وبعضهم ينام فوق مقعده رأسه يتأرجح فوق صدره كانها ستسقط من فوق رقبته ، احدهم ياكل بنهم كانه لم ياكل منذ عام كامل ، ويدور الشاي ويتصاعد دخان الشيشه واحيانا الحشيش وتتشابك الروائح مابين عرق الاجساد الشقيانه ومابين رائحه الدخان ورائحه الاطعمه السوقيه والسجق والكبده ، حين دخل ابو التاريخ القهوه ، ساد صمت لمده ثانية اثنين عشرين ، الجميع يحدق فيه ، كان جني خرج من القمقم وسطهم ، لم يعتادوا علي رؤيته الا في مكانه علي الرصيف .....

هرع صوبه القهوجي يرحب به ، شكله متعب ، يتصبب العرق من جبهته ، اقترب من احدي المناضد ، مجموعه سائقين يأكلون ، لم يطلب اكل لم يستأذنهم ، مد يده وسط ايديهم وبسرعه لقمه والثانيه ، مازال منهكا ، افسحوا له وسطهم ، لم يسألوه مابه ، جائع هكذا يبدو ، ربما تعب ، اكل لقمه والثانيه ثم شرب كوب ماء وبسرعه اخرج الليمونه من جيبه ومسح رأسه ويديه وابتسم بطيبه وقام بخطوات بطيئه صوب باب القهوه ، حياه المعلم ، مرحب ياابو التاريخ الف مرحب ، دعاه لشرب الشاي ، كاد يرفض ، لكنه اقسم يمينا عليه ليجلس والا حرمت عليه زوجته ليوم الدين ، جلس ابو التاريخ وبسرعه امامه رصت الاكواب ماء بارد وشاي ساخن ، اقترب منه المعلم مبتسما وهمس في اذنه ، الا ياابا حكايتك ايه وانت مين ، ساد صمت رهيب في القهوه ، كأنهم سمعوا قنبله وانفجرت في أذانهم ، جميعهم يتمني يعرف الاجابه ، تلك الغامضه التي لم يتجرأ احد علي الاستفسار عنها ، ساد الصمت والسكون ، كانها لعبه تماثيل اسكندريه التي يلعبها الصغار ، كل شيء ثبت مكانه ، من يلعب طاوله ترك النرد واغلق الصندوق ، من يشرب شيشه ترك اللي فوق الصينيه حتي انطفئت النار وانصت لما سيقال ، من يشرب الشاي نسيه مكانه حتي برد وتعلقت كل الابصار بالرجل العجوز الهرم ينتظروا اجابته !!!!

ابتسم العجوز وهو مازال يمسح رأسه بالليمونه وهمس ، عبد الله علي باب الله ، اجابه لم تشفي غليلهم ، انتفض المعلم الذي احس الرجل ذكيا خبيث يناورهم ، ونعم بالله يابا بس برضه انت مين وحكايتك ايه ، ضحك القهوجي برعونه ، ايوه يابا انت مين ، نورنا !!!

لمعت عيون الرجل بذكاء مشع وابتسم ، ملامحه تغيرت ، كانه لم يعد الرجل العجوز الذي يعرفوه واعتادوا علي ملامحه ، لمعت عيونه وكانه قرر يكشف سره ويقول لكل الفضوليين من هو !!!!!!!!!
وفجأ انتفض من مكانه ، دبت فيه الحياه والحيويه ، ناشدهم ، رجعوني لهناك ، كلماته تتعثر وجسده يرتعش ، عرف اخيرا ان اسره سينتهي ، امسكوا بذراعه ، لكن انتفض من بين ايديهم واسرع الخطا ، يتابعوه لايصدقوا مايشاهدوه ، اسرع الخطا للرصيف ، وهناك في مكانه الذي يجلس عليه منذ سبعه وثلاثين عاما ، رمي جسده علي الارض ، يتابعه الماره باستغراب !!!
ابتسم ابتسامه جميله و............ اغلق عينيه للابد !!!!
وانفجر الواقفون في البكاء .... مات ابو التاريخ !!!!

( 19 )
اللقا نصيب

اغمض عينيه للابد ودخل في احضان صفيه مبتسما !!!

كانت اجمل مما شاهدها في اي مره شاهدها فيها !!

مليحه الوجه هادئه العينين محبه !!!

اخذته في احضانها واغلقت عينيها وصمتت فصمت !!!!!!!!

و........................... مازال الناس يترحموا علي ابو التاريخ الذي قضي من حياته سبعه وثلاثين عاما ينتظر الموت يتوق لحضن صفيه التي رحلت من حضنه للخلود فانتظر علي الرصيف يتمني يرحل في حضنها للخلود !!!!
ومازالت السيارات تعبر كوبري التاريخ للمينا !!!
ومازال الشباب الذي يشم كوله تحت الكوبري يدعو له ويترحم عليه كلما تذكره وقت كان يرسل لهم الطعام والمحبه !!!
ومازالت ام محمد تنزل الشارع كل يوم توزع علي روح ابو التاريخ رحمه ونور وفطير وفاكهه !!! مازالت تقف مكانه تكلمه وتطلب منه يدعو لها ولابنها وبناتها بالخير والصحه !!! وحين يسمعها يدعوا لها ويطلب من صفيه تدعو لها !!!!

الموال الصعيدي من منتديات علي كيفك منشور من محمد صلاح
لحفظ كافه الحقوق لزم التنويه !!!!