مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 14 أبريل 2011

البدلة الحمرا



خرج بسرعه من منزله الريفي القديم متدثرا ببرودة الليل ولم يودع امه ....
يكره لحظات الوداع ... وبالاخص في مثل هذه الايام ، يكره الوداع ولايجد ما يطمئنها عليه به ، فالكلمات تفر من حلقه الجاف وتتركه يؤميء برأسه بحركات لا تطمئن قلب الام ...
سار متعثر الخطوات في الطريق المظلم يتحسس طريقه علي ضوء مصابيح الليل الشاحبة ....
يعرف كل مايحدث وعاشه مرات كثيرة ، لكن قلبه مازال يوخزه كلما تذكر الامر .. ليته افلح مثل بعض زملائه غليظي القلب في نسيان المشهد وكل مايحدث فيه ، ليته يفلح مثلهم في اعتبار الامر ليس الا عملا يؤديه وفقط !!!!

وقف علي رصيف المحطه ينتظر القطار البطيء الذي سيقله ليوم جديد .. يراقب القضبان الخاوية تنتظر القطار مثله ، يراها معووجة يخاف منها علي القطار المسرع ، لكن القطار عكسه لايخاف منها ويعرف كيف يجري مسرعا فوق بدنها البارد ويقهرها ... لم يطل انتظاره واسرع القطار بصخبه يخترق الليل والصمت والهواجس ويوقظ المحطه وارصفتها وتوووووووووووووووت ، يحمل جسده المرهق ويلقيه في مقعد بالي وينام نوما متقطعا تمزق الكوابيس سكينه نفسه التي لايملك غيرها ، رأسه تسقط فوق كتف جاره الذي تسقط رأسه علي صدره وتكاد تهوي برقبته للارض ، عربه القطار مظلمه بلا هواء ، وكأن ركابها موتي تقلهم العربه المتهالكة لمحطه جديده من محطات الموت التي يتنقلوا بينها ..

وصل المحطه المزدحمه بالغرباء فاعطاهم جميعهم ظهره فهم لايعرفوه وهو لايعرفهم ولااحد يكترث في تلك الساعه المبكره من الفجر بالاخر ، تمني لو بقي تحت بطانيته المهترئه في دفء الجدران الطينيه المتشققه ، لكن ابدا امنياته حتي ابسطها لا يتحقق !!!
خرج للشارع يبحث عن بائع الشاي الجوال يمنحه كوب شاي دافء يحتسيه باستمتاع وكأنه كوز البليله الذي تمنحه له امه فوق الفرن في طفولته البعيده ، لكن بائع الشاي لم يستيقظ والمدينه كلها مازالت نائمه الا هو والقطار والمحطه واعمده النور الاصفر الذي يكرهه !!!
ركب ميكروباص لمقر عمله ، غرز السائق كوعه في جانبه فلم يتألم اكثر مما يتألم وعض علي شفتيه وحاول ينام لكن الطريق الخالي حرمه النوم لقصر المسافة التي ستقطعها السيارة لمقر عمله !!! ... القرأن ينبعث من مذياع السياره لكنه لا ينتبه لكلماته ، تمني لو رحمه السائق من الذنوب التي تلاحقه فهو لاينصت للايات وعاجز عن التركيز فيها وراسه بافكارها الشارده تلملم في صحيفته ذنوبا يخاف من كثرتها ، يكاد يطلب من السائق يهون عليه لكن السائق يبحث عن الرزق والطمأنيه في اول طلعه لسيارته المتهالكه التي تسير في الحارات الضيقه والشوارع الخلفيه بعيدا عن عسكري المرور الذي سيسحب رخصه السائق حتما وقتما يكتشف انه يقودسيارته بلا لوحات معدنيه وبلا رخص وبلا فوانيس !!!

نزل مسرعا من السياره في اشاره مرور حمراء قبلما تفتح طريق السائق ..
اشعل سيجاره وسحب نفس عميق واخرجه من رئتيه يزفر انفاسا ساخنه تفسد طزاجه نسيم الفجر ونقاوتها يسلي نفسه بدخانها في طريقه الطويل البعيد لعمله ... يأرجح ذراعيه ويشد قامته ويشحذ النشاط فاليوم بدأ ولو كان في بلدته الصغيره لكان قد غادر الفراش للحقل يضرب في ارضه السمراء بفأسه الموروث من ابيه وجده ، لكنه غادر البلدة ودفن الفأس بجوار الفرن ونسي الزراعه وبارت الارض وكرهته مثلما كره هو عمله الذي يمارسه جبرا .... اخيرا وصل ، هكذا قال لنفسه والقي عقب السيجاره ارضا ودهسه بحذائه الثقيل ...وقف علي باب السجن وافصح عن شخصيته ففتحوا له فرسم ابتسامه علي وجهه منحها لرؤساءه وزملائه الذين بادلوه الابتسامات المرسومه وقلوبهم جميعهم بارده جوفاء ...النوم مازال يتثائب فوق كل الوجوه التي يرتسم عليها ذات القلق ...

ناداه المأمور فخبط بقدميه وعظمه بتحيه لائقه ، ساله عن مأموريته فاكد له انه يفهمها تماما ...تحرك المأمور والعسكري خلفه واخرين كثيرين ... ساروا في ممر طويل مظلم ، تدوي فيه خطواتهم تمزق صمت الترقب والرعب ، فاليوم مثل مئات الايام التي مرت عليه ، يكرهها لكنه لايملك منها فرارا .... فتح الشاويش باب الزنزانه ، كان السجين ببذلته الحمراء في بقعه مظلمه بعيده علي وجهه ملامح وقسمات غريبه ، كانه مخطوف او مخدر ، ناده المأمور باسمه ، همهم بصوت ممضوغ وكأنه يرد عليه ، اشار المأمور للعساكر فاقتربوا منه ، هو في بدايه الطابور ، يعرف عمله جيدا ، سيقبض علي جسد المحكوم عليه ، سيخرجه من الزنزانه ولو بالقوة ، سيقبض علي ذراعه ويتحكم في حركه جسده ، لن يكترت لو تخشبت ساقاه ولم تحمله ، سيحمله هو من ذراعيه ويجره لمحطته الاخيره ، لم ينظر في وجهه ، فكل الوجوه في تلك اللحظه تتشابه ، لاتحمل الا معني واحد شاهده مائه مره سابقه واكثر ، قبض علي ذراعه المرتعش ، دقات قلبه المتسارعه رعبا تنتقل لاصابعه لقلبه الذي تتسارع دقاته وكانه قفز بداخل ذلك القلب المرتعد بخوف مغادره الحياه ، انفاسه المتلاحقة لها رائحه خاصه جدا ،هي رائحه الرعب ، حين تتبدل كيميا الجسد وتفرز خوفا يجري في العروق بدل الدماء ، رائحه الرعب تنبعث من كل مسامه تخدر جسده وتبسط عضلاته وتبطيء رئتيه وتحيط بتلافيف مخه تخدره وكأن سما انتشر في جسده !!!

مائه مره تمني في مثل تلك اللحظه يسأل المحكوم عليه بالموت ، بماذا تحس ، لكنه مجرد جندي يقبض علي ذراعيه وليس مسموحا له بالحديث مع المذنب الذي ينتظره عشماوي وانشوطته القويه ، بماذا تحس ، سؤال حاول يعثر علي اجابته ، لكن عمله الموحش لم يمنحه اجابته ، صوت قرأن الفجر يتسلل من جامع بلدتهم الصغيره لاذنه ، يلقي بالشهاديتن وكانه هو الذي يساق لحتفه ، جسده يتحرك بشكل تلقائي بلا اوامرمنه ، جسده يعرف الطريق ، كل ارادته وعزيمته تخرج من اصابعه القويه التي تقبض علي الرجل ببذلته الحمراء ورائحه الرعب تخرج من كل مسامه .....

يدخل الحجره البارده التي تتأرجح الانشوطه من سقفها العالي ، يدفع المحكوم عليه ببذلته الحمراء ليد عشماوي ، يرتعد المذنب وكأنه عصفور صغير مزقت رصاصه الصياد جسده ، لم يعد في تلك اللحظه انسانا مثل كل البشر الذي شاهدهم ويعرفهم ذلك الجندي ، ولم يعد مذنبا ارتكب جريمه مقززة تستدعي عقابه وتخليص المجتمع من شره ومن حياته ، فقط صار ذراعا يقبض عليها الجندي وانفاسا مرة لها رائحه الرعب ودقات قلب يسرع الادرنالين ايقاعها وحدقتين مفتوحتين لايريا شيء ..

ابتعد الجندي يراقب المشهد الذي شاهده عشرات بل مئات المرات ...
عشماوي يحكم الانشوطه حول رقبه المذنب !!!
يتلي المأمور عليه التهمه التي ارتكبها ونص حكم المحكمه باعدامه !!! ويساله عن اخر رغباته لكنه لايسمعه ولايجيب ، يشير المأمور لعشماوي ليفرغ من مهمته الثقيله !!! يسحب المذنب فوق الطبلية ، يهمس في اذنه ، اتشاهد ، يتمتم المذنب بكلمات ممضوغه فيتمتم الجميع حوله بالشهادتين ربما ينفعاه يوم المشهد العظيم وقتما يساله ربه عن ذنبه وجريمته !!!

حان الوقت ..... الشمس تصعد علي استحياء للسماء والظلمه تتواري ، العصافير فوق الاشجار المحيطه بالسجن خرساء لاتنطق والهواء عطن وجدران السجن العالية تحتجز خلفها الامنيات التي كتب علي اصحابها الا تتحقق ابدا !!!! المذنب المحكوم عليه بالموت لايبدو عليه وكأنه يفهم اي شيء ، الجميع يعرفون انه سيموت بعد دقائق وهو الوحيد الذي يمنح جسده مستسلما لعشماوي كأنه لايفهم شيء !!!! يتمني الجندي لو يساله كيف تشعر !!! لكنه بالطبع لايبارح مكانه ولايقترب منه !!!

يتأكد عشماوي من احكام الانشوطه حول رقبته ، ويدس راسه في كيس اسود ، يتحرك الكيس الاسود بسرعه بسرعه مثل الانفاس المتلاحقه الاخيره التي يحتجزها حكم المحكمه تحت الكيس الاسود ، يتحرك الكيس بسرعه بسرعه ، يثبت الجندي بصره علي حركه الكيس الاسود وهي تتسارع تتلاحق و................ يتأرجح الجسد ببذلته الحمراء في الهواء بعدما يشد عشماوي الذراع الذي يفتح الارض تحت قدمي المذنب ، يتأرجح الجسد في الهواء ويسكن الكيس الاسود فوق فتحي الانف الذي انقطع الهواء عنهما وخرجت الحياه بعيدا عنهما ....

و............. يترك الجندي وزملائه غرفه الاعدام ويغادروها صفين خلف المأمور..
يسير بخطوات صغيرة وامام عينيه الجسد المتأرجح في الهواء والحياة تغادره لايبارح خياله ، يضاف لعشرات الجثث التي تأرجحت في الهواء امام عينيه !!! هذه الغلالات الرقيقه التي تكسو عينيه ليست دموعا ، فالمذنب لا يستحق بكاءه ودموعه ، لكن الانسان الذي كان قبلما يصير مذنب يستحق ، يبتلع الغلالات الرقيقه المالحه في جوه المرير ويصمت ويكمل سيره بخطوه عسكريه منتظمه !!!
يدخل المأمور غرفته وهو يمسح عرقه ويأذن له بالانصراف ...
يسير مسرعا لدوره المياه ودموع صغيره تفر رغم انفه من عينيه فيخفيها عن زملائه الساخرين من رهافته وهو الفلاح الجلف الذي لايليق به تلك المشاعر الرقيقه ، يدخل دورة المياة ويفرغ بسرعه وعنف مافي جوفه الفارغ من عصارات مريره وكانه يطرد السحر خارج بدنه ويلقي ماءا باردا فوق رأسه وينفجر في البكاء وهو يمزق عينيه يتمني يرحل عنهما صورة الاجساد المتأرجحه بالبذل الحمراء والاكياس السوداء والموت !!!!

يجلس وسط زملائه امام صحن فول ساخن وعده ارغفه ويمزق اول لقمه بيده ويدسها في فمه ويضحك علي نكته صغيره قالها احد زملائه وهم جالسين براحتهم بعيدا عن المأمور والشاويش والاوامر المعتاده ، يتمني يعود للحقل والفأس وداره الطينيه المتشققه القديمه ويخلع البذله الحمراء التي لم يرتديها ولايقوي علي الفرار منها و.............. ياتري حاسس بايه ؟؟؟ سؤاله المكبوت الذي لم يفلح يسأله للمائه مذنب او اكثر الذي حضر اعدامهم !!!!!!!!!!!!!

ليست هناك تعليقات: