مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الاول "


الجزء الاول
 و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش 
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش


( 1 )
وحلقت النوارس وحلقت
وطارت وارتفعت بعيدا عن الارض
وعادت بسرعه وقذفت ببدنها وسط الماء
وبكت وكأن احدا لن يراها
و... فعلا .. احد لم يراها ...


اين انا ؟؟

في الغرفه الصغيرة ، في المستشفي الصغيرة ، في ليله باردة حالكة الظلام ، جالسا علي المقعد الخشبي الصارم القاسي يحدق في الظلام يراقب الشاشات وانفاسه بطيئه ابطيء من انفاس الجسد الملقي امامه موصولا بالاسلاك ينازع مابين الحياه والموت وكليهما يشده ناحيته والجسد منهك والشاشات اكثر انهاكا ونبيل ايضا ...
يحدق في الظلام ، تتراقص الالوان تحت اجفانه علها تؤنس وحدته او تبدد خوفه او تذكره ببقايا الابتسامات التي كانت ترتسم علي وجهه وقتما كانت الحياه غير مااصبحت او مثلما تمناها تكون ، تتراقص الالوان تحت اجفانه ، يشد جفنيه بعيدا عن بضعهما ويحدق في الاصفرار الابيض الاخضرار الاصفر المتراقص اشارات وارقام علي الشاشات الكثيرة تقول وفقا لمعايير مراجع الطب ونشرات الشركات المنتجه ان ذلك المريض مازال حيا ، الشاشات ومراجع الطب لاتعرف تصف حالته النفسيه وحال روحه الممزقه رغبه في الرحيل والراحه ، ورغبه في البقاء والثأر ، الاشارات والارقام لاتبوح لنبيل بما يعتمل داخل تلك الروح الحبيسه جسدها الممزق بفتحات خروج ودخول لطلقات لم يتعرف عليها نبيل في مشرحه الكليه ولا محاضرات الدكتور الكبير رحمه الله ولا مراجع الطب الشرعي ، طلقات غريبه مثل كل شيء غريب حوله ، طلقات تخرج من فوهة سلاحها مشحونه بكراهية وغل تمزق اللحم والعظم والعضلات وكتل الاعصاب وتحفر وتحفر مكانها كأنها تتمني عاهه وعجز يبقيا للابد محل سمها لو خرجت من الجسد وافلح يشفي ويبقي ولا يرحل ....
 يحدق نبيل في الجسد ويتمتم بادعية لايعرف من اين يأتي بها في ذلك الوقت ، لم يسمعها من ابيه ساجدا لربه ولم يسمعها من امه وهي تسبح بحمد ربها تدعوه يفرجها عليها وينتشلها من قله حيلتها وقهرة قلبها ، لم يسمعها من مدرسته في حصه الدين ، لم يسمعها من خالتي فردوس وقتما تنهي صلاتها وتتمتم بكل مايجود به قلبها من رجاء وتضرع ، ادعية تأتي من مكان غريب بعيد في قلبه ، هي مشاعره كأنسان قلق مضطرب تتحول كلمات رجاء لانتشال الغالي الذي لايعرفه راقدا امامه موصولا بالاجهزه والشاشات لانتشاله من جب الغياب وامتطاء مواكب الرحيل وتركه يتلظي بفشله في انقاذ حياته !!!
لاترحل ، يهمس ويدعو ، يرجو ويترجي ، لاترحل وتتحول لاسم في صفحه الوفيات ، لاترحل وتترك دموعا متحجره تمزق ارواح الحزاني ، لاترحل ياغالي وابقي معي ، يتمني نبيل لو يهمس له في اذنه في قلبه ، لاترحل وابقي معي ، ملتصقا بالمقعد لايقوي علي الحركه والظلام يلفه والشاشات تستلهم ضوءها الشاحب من مولد كهرباء صغير بعدما طال غياب الكهرباء العموميه وانقطاعها ، اخبروه في المرة الاولي ان محطه الكهرباء ضربت بالصواريخ ، يشيعوا الظلام بحق ، يشيعوا الظلام بشكل واقعي ، ليس فقط القهره وحرقه القلب والحزن والحصار بالموت والعجز بل يشيعوا الظلام والسواد حولهم ويغرقوا البلدة الصغيره فيه ، يضربوا محطه الكهرباء بالصواريخ ، ينقطع التيار الكهربائي العمومي ، فتتعازم المولدات الصغيره وتنتفض بنبض كهربائي ضعيف لاينير البلدة ولا اروقه المستشفي الصغير ، فقط تنير الشاشات لتبقي ببوحها تطمئن الدكتور نبيل ان مريضه الغالي مازال حيا يقاوم الظلام والغياب الابدي !!!
الوقت بطيء وهو جالسا مكانه يحدق في الظلام وفي الاشباح حوله ، يري انفاس بطيئه تخرج بصعوبه من الجسد الملقي امامه علي الفراش المعدني البارد ، يراها تتحول بخار مرئي ، كأنها سحب كثيفه ستمطر خيرا ، انفاسه بارده تخرج من فتحتي انفه المغلقتين ببعض الشاش والدماء المتجلطة ، انفاس بارده تتحول سحب فضية تبدد بعض الظلام ، تتراقص السحب الصغيرة علي ضوء الشاشات الشاحب ، تتراكم قطراتها علي سطح الشاشات فتحيل الارقام والمؤشرات لمعاني غامضه غريبه  ، يتصور نبيل ان مريضه استغل فرصه الظلام ورحل او سيرحل بهدوء لكن الانفاس الضبابيه تخرج من انفه بطيئه نعم بارده نعم لكنها تؤكد لنبيل ان مريضه يقاوم الرحيل ولا يستسلم لمواكب الفخر صوب الفردوس ويؤجل الرحيل لساعه اجله المحتومه التي لم تأتي بعد ويتمناها نبيل لاتأتي بسبب تلك الطلقات فوق هذا الفراش في تلك الغرفه هذه اللحظه الموجعة ...
ومازال الظلام دامس ومازال المريض حيا ومازال في قلب نبيل امل وتحدي !!!

( 2 )
احكي ياعم وصفي

احكي لي ياعم وصفي .. احكي لي عن بابا ، تصور وصفي ان نبيل يهذي ، مريض في الفراش وجسده ينتفض وقطرات العرق تقفز من جبهته الباردة ، يجلس بجواره يتابع حالته ويرعاه ، نامت نجوي بعدما الح عليها تريح بدنها الذي تيبس ارهاقا وقتما سهرت بجوار نبيل المحموم ليال طويله بلا غفوه ولا نوم ، اقسم وصفي برأس كل الغاليين انه سيبقي بجوار نبيل وانها ستتركهما معا وشأنهما وتنام ،وبكره الصباح رباح تصحي تلاقيه كويس،رضخت نجوي لاصرار وصفي وعنده والقت بجسدها في الفراش فلم تشعر بشيء وقتما داهمها النوم بجبروته ، بقي وصفي بجوار نبيل يراقب انفاسه ووجهه القرمزي ، يجس جبهته باصابعه بين حين واخر ، يوقظه لتناول الادويه في مواعيدها ، جالسا علي مقعد وثير امام فراشه يتابعه ، ابنه ، نعم نبيل ابنه ، في غلاوة زين واكثر ومعزة بقيه ابناءه واكثر ، نبيل ابنه الاصغر ، يشعر به خلفة الشيب التي يجبره الشيب الحنو عليه ورعايته اكثر من اي ابن اخر ، فتح نبيل عينيه والحراره ترحل ببطء عن جسده المشتعل بالحمي ، تناول الادويه وابتسم لوصفي ، وصفي يشعره بالامان والطمأنينة ، وصفي وكأنه ابيه الذي غاب وتركه ، فتح عينيه وابتسم لوصفي الذي تمتم بادعيته يشكر ربه لانه ينقذ نييل ويزيح عن جسده وروحه المرض المنهك ، يتذكر وصفي ليالي كثيرة مثل هذه الليله ، اكم من ليال مرت عليه جالسا بجوار حبيب ، جريح ومصاب ، يطبب جرحه ويطيب روحه ويعتني به ، اكم من ليال كثيره مرت عليه في الخندق وسط الظلام يكتم الجروح بالبن ويطهرها بالكحول ويقبض علي اصابع الجريح يقويه ويمنحه بعض روحه وبعض بأسه عله يساعد نفسه ويقويها فتلتئم الجروح وتهزم الاوجاع ويتحدي الاصابه والمرض ويطيب ويحمل بندقيته ويخرج ثانيه لساحات القتال ينتقم لنفسه ولكل زملائه الابطال والشهداء ، اكم من ليالي طويله قضاها وصفي يقرأ القرأن علي رأس الجريح بعدما يعجز الطب عن مداواته ، يقرأ له الايات ودموعه فيضانات وقلبه يدعو ربه ينقذ الحبيب الذي لم يكن يعرفه لكن دماءه التي سالت علي ارض الوطن وصلت بينهما فصارا اب وابن واخ وشقيق وابناء عائله واحده انحدرت من شجرة كبيرة ارتوت جذورها بالدماء الطاهره فسمت افرعها للسماء ، اكم من ليالي طويله قضاها وصفي في بورسعيد وقت هبط الانجليز والفرنسين بالمظلات فوق رأس المدينه ورصاصهم يرسم لوحات حزن وتحدي في قلب المدينه التي قاتلت وانتصرت ، وقت عاد الجيش المصري مهلهلا من سيناء تبكي الجنود وتختبيء عارا من الاعلام الزرقاء التي حلقت في سماء الوطن المهزوم ، ايامها استقبل وصفي الجنود العائدون يستجوبهم ليفهم كيف حدث ماحدث ، لا يفهموا شيئا ولا هو ايضا ، يبكوا فيبكي ، تنهار اجسادهم تعبا وعارا علي الارض وكأنها يرجوها تسامحهم ، يتلفقهم وصفي بين ذراعيه ويحتويهم في احضانه ويبكي علي اكتافهم ويمسح دموعهم علي وجوههم ويصرخ فيها انها مجرد معركه هزموا فيهم لكنهم في النهايه سينتصروا في المعركه الكبيرة وقتما يستعدوا لها جيدا ، ليال طويله مثل تلك الليله قضاها وصفي طيله الليل يقظا يطيب الجروح ويعالج الامراض ويدعو ربه يمنح الحبيب شفاءا ولايكسر بخاطره ونفسه ويهزمه امام المرض والاصابه والموت الغادر ، الليله يجلس وصفي امام نبيل يطببه ويدعو له واثقا من رحمه ربه الذي لن يقهر الست نجوي ويكسر قلبها ويسود ايامها اكثر من كل السواد الذي عاشته ، همس نبيل احكي لي عن بابا ياعم وصفي ، تصوره وصفي يهذي اثر الحمي ، لكن نبيل رجاه يقص له عن ابيه ، يتمني يعرف عن ابيه ، يتمني يتعرف عليه وهو الذي رحل عن حياته قبلما يعرفه ، يحمل اسمه ولايعرفه ، ارتبك وصفي قليلا ، لايعرف اسماعيل ولايعرف قصصه وحواديته فكيف يحكي لنبيل عنه ، كاد يخبره انه لايعرفه ولم يراه ، سيخذله ، هذا مااحسه وصفي ، سيخذل نبيل الذي خذلته الدنيا كثيرا ، سيخذله فيزيد حزنه وربما تعود له الحمي والحراره المرتفعه وربما يسقط في الغيبوبه المؤقته مثلما حدث لها ليله امس ، لن يخذله ، سيقص له عن ابيه ، ليس عن ابيه بالضبط ، لكن عن كل الابطال الذي عاشوا شجعان وماتوا ابطال ووشموا اسمائهم في قلب الوطن ، سيحكي له عن كل الابطال التي عرفها وعن تضحياتهم وبطولاتهم وكيف عاشوا ومازالوا يعيشوا في قلب الوطن ، نبيل يبحث عن فخر يهون عليه حزنه ، سيمنحه له وصفي واكثر ، سيملأ روحه وقلبه بحواديت وقصص تحلق به بعيدا عن ابار الحزن المالحه وعن القهرة وعن اليتم ، ابوك كان بطل ، عاش بطل ومات بطل ، وابتسم نبيل وكأن الحمي غادرته ، و............. طال الليل وطال ووصفي يحكي ونبيل يسمع ويسعد ويبكي ويضحك والحمي تغادر جسده ببطء ببطء وكأن كلمات وصفي وحواديته ترياقا شفاه بمعجزه من السماء طالما امن وصفي انها قريبه وستتحقق ، وان ربه سيستجيب دعاءه ولن يخذله وسيجعله سبب لتصبح الحياه علي احباءه اقل قسوه ووحشه و............. مازال وصفي يحكي ونبيل ينصت ويخزن الحواديت والتفاصيل في عقله الصغير ويفتح لابيه في ذاكرته صفحات فخر وصفحات و..................نام نبيل مطمئنا فارتاح وصفي وقوي يغمض عينيه ويريح عضلاتها المتشنجه لتداهمه الذكريات اكثر واكثر عن كل ماعاشه في المدينه الباسله التي اختارها القدر واختار اهلها ليقاموا ويقاموا وينتصروا ........ واحكي لي ياعم وصفي ، فيحكي ويحكي ...

( 3 )
لست لي ولن تكون

كيف يضيع العالم كله من يديك ؟؟ كيف فجأ كل شيء ينهار وكأنك بددت حياتك في البناء علي الرمال ، قلاع حصينه هدتها موجة صغيرة بلا قصد ، كيف يضيع العالم كله من يديك؟؟ اسئله كثيره يسألها نبيل لنفسه ، الان في هذه اللحظه يسأل نفسه حزينا ، كيف يضيع العالم كله من يديك وانت عاجز لاتقاوم ولا تصارع ولاتحارب ولا تنتصر ، فقط تهزم وتهزم؟؟
يائس حزين ، تاه في كل الدروب وضاع في كل السكك ، يائس حزين يتمني يخرج من شرانق الحزن التي تلفه وتدفنه بداخلها ، يتمني لكنه عاجز ، ارادته مشلولة ، يتمني لو يقوي يحلق بعيدا عن البيت وعن نادية ، لكن نورة تقيده لزنزانته ببراءتها ، لايقوي يعذبها ويهجرها وقت يهجر امها ويتركها تبكيه حيا وتتيتم في وجوده غائبا حاضرا ، لن يقسو عليها ، لكن الحياه قست عليه ومازالت ، لن يحكي عن اليتم ووجعه ، لن يتكلم عن الحرمان وقهرته ، فقط سيقص قصته وناديه التي تزوجها هربا من الوحدة والبروده فاعتقلته داخل نفسه محاطا بجبال صقيع ، نادية ، كان يتعين علي اطلقها من الليله الاولي لزواجنا التعيس ، لم افلح احتويها في حضني ولم تفلح تطمئني في حضنها ، ليلتنا الاولي كانت سوداء ، بلون بقيه ايام الحياه كلها ، استيقظ من نومه مبكرا يتمني يطلقها ، لكنه لن يفعل وسيمنحها فرصه واخري لتحتويه ، المشكله انها لاتحاول ، كأنها واثقه انه سيبقي في اسرها ولو كان تعيسا ، كل مامنحته له فنجان قهوة نهاري وطبق حساء في اخر اليوم وكثير من المشاجرات والحزن ، كنت احلم ابني اسرة سعيده تمنحني واولادي دفء لم تمنحه لي الحياه ، كنت احلم بصخب ملون في بيتي وفقاقيع بهجه ودفء ، كنت احلم واحلم ، لكن الواقع فرض علي نفسه ، الواقع فرض نفسه والدكتورة ناديه ايضا ، تصورتها ستنهي وحدتي فاتت بوحدتها لتقتلني ، عاشت مضطربه وحيده خائفه من الايام وقسوتها ومن ابيها وجنونه ومن زوجته وسفالتها ، طلقت امها وتزوجت ونسيتها ، وتزوج ابيها واتاها بزوجة لم تحبها ولن فتقوقعت في بيت ابيها علي نفسها غريبة تائهه تبحث عن خلاص ، وقتما عرضت عليها الزواج اعتبرته مهربا من قهرها في بيت ابيها ، لم تكترث بالفرح ولا الفرحه ، لم تكترث بالبيت ومفروشاته القديمه ، لم تكترث بمشاعري وعما كنت احبها او اخفي وحدتي في وجودها ، كل مااكترثت به خروجها من بيت ابيها وكسر دائره القهر التي طالما طبقت علي روحها ، مسكينه ناديه ، مسكينه نعم ، لكني انا ايضا مسكين ، طفولتها افسدت شبابها وحياتها ، لكن هذا ليس ذنبي وليست جريمتي ، لست امها التي نسيتها ولست زوجه ابيها التي اهانتها ولست ابيها الذي قهرها بزوجته ولسانها السليط وسلبيته المهينه ، لست من عذبها لتعذبني ، في حضنها وجدت صخورا مسنونه ودموع متحجره وعزوف عن الحياه ، نقلت لي بعض الموت بلمساتها فعزفت عنها وعن الموت ، في حضنها تهت اكثر وتوجعت اكثر ، كنت اظنها سندي فاتت باحمالها وحمولها ، كنت اظنها ستريحني فافسدت بقيه حياتي بتعبها ، مسكينه ناديه لكني لست مسئولا عن ماعانته ، كيف لم الحظ كل هذا وقتها وجدتها عروس متاحه مناسبه مكسورة الجناح والنفس ، سعدت بما لايمكن تقبله غيرها من الفتيات ، زيجه في ظروف صعبه بلا فرحه ، كنت سامنحها الفرحه لو منحتني بعض الراحه لكنها ضنت علي نفسها وعلي بالراحه والفرحه ، كان يتعين علي اطلقها صباح اليوم الاول لزواجنا ، لكني عجزت اعود للوحدة بين الجدران الخرساء انا واشباح امي وابي والدموع المتراكمه علي جدران المنزل والذاكره ، خفت الوحده فاخترت الشقاء ، عل صحبة الشقاء اهون من الوحده وصقيعها ، هكذا ظننت ومرت الايام ووحدتي تزداد وحزني ايضا ، عَبوسه كضباب الايام البارده ، رماديه الملامح كلون السماء قبل العواصف والاعاصير وحضنها شوك جارح موخز ، كل هذا قبلته ورضخت له حتي اشرقت شمس ليلي في حياتي فادركت بؤسي وحزني وحياتي المستحيله التي كنت ادفن نفسي بين طيات عفنها المقزز ...
ليلي !!! جميلتي الصغيرة التي انارت حياتي ففضحت ظلمتها الموحشة ، الحنونه التي كشفت ابيار الملح التي اشربها فلاترويني ، ليلي الانثي الشهيه التي طالما تمنيت وصلها فاتتني في الوقت الخاطيء الموحش ، عايز اتجوزك ياليلي ، همست وكفها في كفي ، حدقت في لاتصدق ماتسمع ، مالها لم تفرح بعرضي ولا مشاعري ،لم تفرح وبكت ،دموعها اثارتني فتمنيت لو اختطفتها في حضني للابد امنحها اسمي وروحي وجسدي ورجولتي،لست لي ولن تكون،انت لزوجتك وابنتك وحياتك يادكتورنبيل ، انا فين وانت فين ؟؟ وكأنها رسمت سور من لهب بيني وبينها ، تذكرني بزوجتي وابنتي وحياتي البائسه ، تذكرني بالفوارق الظالمه التي بيني انا الدكتور المشهور المرموق الكبير وبينها هي الممرضه الصغيرة !!! لكني لن اسعد الابصحبتك ، صحبتك ستشقيك وتشقيني !!! هكذا حسمت ليلي الامر بيننا ، من اين اتت بكل هذه القسوه والقوة ، تذبحيني ببساطه ياليلي وكأنك لاتقصدين ، كيف قويت تحطمي حلمي الجميل ببساطه هكذا و...... ساطلق ناديه واتزوجك ، وكيف اقبل ابني سعادتي علي تعاستها وتعاسه نورة ، وكيف تقبلي تتعسيني ببعدك عني ، لااقبل لكني لااملك في امرك شيئا ، غاضبا يصرخ فيها وكأنه سيحطم رأسها ، كيف تقولي انك تحبيني وفي نفس الوقت تقتليني ببعدك ، حبك لااملك فيه شيئا ولااراده ، لكني في كل شيء اخر املك ارادتي ، احبك نعم ولااقوي علي قلبي ، لكني اقوي علي نفسي وعليك ، والله غالب علي امره !!!

 ( 4 )
في ارض الخوف

في الغرفه الصغيرة ، في المستشفي الصغيرة ، في ليله حالكة الظلام ، مازال نبيل يحدق في الظلام ويحدق ، كأنه سيري وسط العتمة مايطمئن قلبه وانسانيته ويمنحه ثقه في علمه وخبراته وقدرته علي انقاذ المرضي والمصابين من مصيرهم الغامض المخيف ، تتعب عضلات عينيه وتتأرجح حدقتيه وجعا من كثره مافتحها وضغط عليها لتبقي يقظة ، يستشعر قاع عينيه يفيض بدموع تنهمر بلاحزن ، مجرد انهاك وتعب ينسكب من العيون المفتوحه دائما لسيول دموع مالحه تجبره يستسلم ويغلق عينيه ويسكن خاضعا للظلام !!!
يغيب وكأنه سينام او نام فعلا ، كأنه سيموت او مات فعلا ، يغيب نبيل ويغرق وسط ركام طبقات الظلام القاتمه ويهبط ويهبط لقاع البئر وتتعالي انفاسه وكأنه مستريح ، جزء منه نام وهرب من صعوبه المشهد وجزء منه بقي متربصا بالشاشات لاعنا الخونه حمله الصواريخ الذي مزقوا جسد مريضه بطلقاتهم المتوحشه وحاصروه هو والمستشفي والبلده وارواح كل سكانها المستبسلين دفاعا عن وجودهم ووجود بلدتهم الصغيره حيه فوق الخريطه حاصروهم بالظلام ، ينام ويغيب ، نصفه يغيب ويغيب وينام وينزلق لقاع البئر ، فيه لايري الا ظلام كثيف ، الحق لايري شيئا ، يهمس لنفسه وكأنه يشرح لها مايحسه ويعيشه وماهو فيه الان حالا ، يهمس لنفسه بكلمات مضطربه مثل احاسيسه ومشاعره وفوق روحه وقلبه ونفسه طبقات فوق طبقات من الركام القاتم الدامس ، طبقات فوق طبقات من الاسود الثقيل  تلفك تحيطك تحتويك تغزوك تشعرك بضألة وصغر ، تخلع قلبك هلع وتوهة ، تخنق روحك من ثقلها الداكن الموحش الذي تتعثر فيه خطواتك الوجلة في طريقك الغريب الذي لاتعرف اوله ولااخره ..
استيقظ يانبيل ، يهمس نصفه الخدر لنصفه اليقظ ، استيقظ ، يتوه اكثر واكثر ، بعض الاصوات الغامضه الممضوغة تتسلل من بين طبقات الاسود الثقيل وتغزو اذنيك وتتسلل لمراكز الانتباه في عقلك المرتبك الحائر ، تغزوك بلا معاني ، بلا فهم ، حائر تائه تبحث انت عن معاني تميز ماتسمعه لكن كل المعاني لاتفسر مايتسلل بوحشته لروحك ، ربما بعض الانين بعض الهم بعض الدعاء والتمتمة ، ربما بعض النحيب والشكوي ، ربما صوت القلب المقهور يتوجع ، اصوات غامضه ممضوغه تغزوك ، فتزيدك هلعا ووحشة ..
اين انت يانبيل ، اين انت ، هذا لايهم ، لايهم اين انت ، انت في مكان موحش ، يحتله الحزن ، ربما كان بيت هجره اصحابه فسكنته الاشباح ، ربما ماتوا وقت اتي اجلهم فخلعهم من الارض وترك اشجار الحزن تظلل جدران البيت المهجور ، ربما هاجروا يأسا وتركوا اطر الصور فوق الجدران المشروخه تحكي عن بشر كانوا ولم يبقوا ، ربما كان مكان لعمل اكل منه وفيه اصحابه وتابعيهم عيش وحياه وسرعان ماافلس واطفئت انواره وسرقت مصابيحه فصار ماانت فيه وتحسه ، ربما كانت قاعه افراح شهدت جدرانها فرحه وزغاريط ومشاعر واحلام وسرعان ماانتشر الحداد فتزوجت الفتيات بلا اثواب وشموع وتهاوت جدران الفرحه فوق ارضها المتشققه ، ربما كانت مستشفي عالجت الكثيرين لكن الدواء شح والاطباء عجزوا عن ممارسه عملهم  لكثرة المرضي وقله الامكانيات والغضب فعششت العناكب علي الاسرة التي كانت خضراء وسرحت القطط تعوي جوعا في الطرقات الطويله المظلمه تبحث عن طعام صغارها لاتجده بعدما احتل الموت المبني الذي كان يمنح قاطنيه شفاء وامل !!!
المستشفي ، هنا في تلك اللحظه الغريبه والحوار الداخلي الغريب يعبث في تلافيف عقك ، انت الان في المستشفي يادكتور نبيل ، ينتبه نبيل ، يفتح عينيه فتحه صغيره فرارا من الظلام ، يحدق في الشاشات ، مازال تبوح له بسر الحياه وان الجسد الممزق علي الفراش امامه مازال حيا ، الشاشات تؤكد له ان مريضه مازال يتشبث بالحياه ويناضل من اجلها ، فيطئمن ويغلق عينيه ويغيب ويسقط ثانيه في قاع البئر ، ويستأنف الحوار العبثي ويكمله مع نفسه وسط اضغاث الاحلام وبقايا اليقظه الفارة وسط الظلام الدامس ، اين انت ، ربما في اي مكان وكل مكان ، ربما وربما وربما والف ربما ، اختر انت المكان الذي تريده ، اختر المكان وخلفيته ، ارسم ملامحه لون جدرانه ، كبير صغير واسع ضيق ، تجول فيه حسبما تريد وحسبما اخترت ، اختر انت المكان الذي تريده ، ارسم ملامحه فوق طبقات الاسود ولونه ببعض الاكاذيب كما يحلو لك ، افعل ان استطعت ، فر من الوحشه ، فر منها ولو قليلا ، اهرب من قبضتها من خنقتها من سطوتها ، اهرب بعيدا ، ارسم في خيالك مكان ارحب ارحل اليه ، مكان لاتظلل جدرانه ولا مساحاته الشاسعه سحب السودا الباكيه وقطرات امطارها الحمراء المالحه الحارقه ، فر واهرب ، حاول تلهو قليلا وسط الاحزان ، تصور نفسك في طائره نفذ وقودها وتكاد تنفجر في الجو وانت واحد من ركابها المعلقين باحزمه الامان لاتنقذك ولن ، تصور نفسك داخل تلك الطائره وتكاد تنفجر فتموت وسط ظلام دامس في السماء المعلقه البعيده اصابعك متيبسه لاتجد من يشاركك لمساتها الاخيرة ، تصور نفسك علي وشك تموت وابتسم للرفاهيه المخيفة التي تعيش فيها قبل الموت والرحيل ، انت لم تمت فجأ مثلما مات الكثيرين ، انت محظوظ عشت واعيا بعض لحظات اليقظه المرعبة ماقبل الموت ، ابتسم والهو ، تصور نفسك علي سطح عقار قديم يتهاوي ، لم يصلحه قاطنيه ورشي ملاكه المهندسين وموظفي الحي فتركوه ليتهاوي بعدما ارتفع ثمن ارضه وصار هدمه املا يمنح احلام الثراء للملاك الغاضين من قوانين تحديد القيمه الايجاريه ، لكنك تحب المبني الذي عاش فيه جدك وابيك وامتد عقد ايجار شقته الفارهه لك ولاولادها ، تحب المبني حد قررت تموت فوق سطحه تتهاوي معه ومثله ومعاول الهدم تخلع اساسه الراسخ في الارض ، انت فوق سطح العقار والظلام الدامس يحيط بك ومعاول الهدم والبلدوزورات تخلع الاساس والاعمدة وتدفنك انت وذكرياتك تحت اطلاله ، في تلك اللحظه ، سيلفك الظلام ويتناهي لاذنك اصوات ممضوغه ويحتلك الرعب وطبقات الظلام الموحش ، وقتها ستخاف ، مثلك مثل راكب الطائرة التي ستنفجر ، مثلك مثل العامل الاخير الذي اغلق مكان اكل عيشه واحتفظ بالمفتاح الصدأ في جيبه عله يعود ذات يوم ، مثل الاشباح التي غزت المنزل الخالي المظلم الموحش ، ستخاف !!!
الهو قليلا ولو حتي احسست بالخوف ، الخوف اجمل اوضح ابسط من كل المشاعر الموحشه الاخري التي تحيط بك وتحيطك وسط ركام الاسود القاتم ، الهو قليلا واطلق لعنانك الخيالك علك تحس ببعض الحياه وسط الاسود ، زهره حمراء قانيه كلون دماء الحبيب الشهيد التي سالت علي صدرك وقتما احتضنته وهو يتأرجح بين الحياه عازفا عنها والرحيل راغبا فيه ، يومها ترك لك بصمه حمراء من دمه علي صدرك ، هي ذاتها الزهره التي ستقتحم الاسود وتمنحه بعض الحياه ، الحياه الصعبه نعم لكنها حياه رغم كل شيء !!!
الهو قليلا واطلق لانسانيتك العنان ، من حقك ولو قليل ان تشعر بعض الانسانيه بعض الفرحه بعض الرهبه بعض البهجه بعض الامنيات ان ينقشع الاسود ويحل عن روحك وعالمك ، الهو قليلا واستعيد بعض انسانيتك واشعر بالخوف ، نعم الشعور بالخوف انسانيه اجمل من البلاده والركود والركون للاشيء !!
نعم ماتحسه هو بعض الخوف ، هذا هو الخوف ، الخوف الذي يحيطك ويلفك ، يحتل روحك ونفسك ، يخطفك لطبقات من الظلام الموحش ، يفسد كل المعاني في عقلك المتعب وراسك المتصدع ، تسمع فلاتفهم وتري فلاتبصر وترتعد وترتعد !!!
انت في ارض الخوف ، حيث كنت واينما كنت انت في ارض الخوف !!!
لماذا لاتجري ، لماذا لاتفر ، لماذا لاتهرب ؟؟
ولاين تهرب وتجري ولاين تفر والكون كله في تلك اللحظه التي يسرقك الخوف فيها ، الكون كله يتحول للحظه خوف مكثف ، ربما تسبق الموت ، وربما تفسد الحياه ، وربما تبلد المشاعر وتطفيء نور العيون والقلوب ، انت في تلك اللحظه تعرف انك خائف يائس لاامل لك ولافيك ، الخائف ميت مهما نبض قلبه ومهما تسارعت انفاسه ..
ايها الحائر تبحث عن مكانك ، انت في ارض الموت !!!!
ويرتبك نبيل ويفتح عينيه وسط غياهب الظلام متحسسا وجوده ، اين انا ؟؟
ومازالت الحيرة تؤرجحه والترقب يتمكن منه والوقت مازال بطيء بطيء ..

 ( 5 )
مقدرش !!!
         
وكأنه كاد يسقط من فوق سطح العقار ، بل كاد يسقط فعلا ، تعثر في خطواته غاضبا من امه لانها دائما تذكره بموت ابيه وغيابه عن حياته وان امكانياتها الماديه لاتسمح لها بما يرغب فيه وكفايه اللي انا عايشه فيه ، المشاجره بدأت لسبب لايذكره الان ، طلب منها شيء ما فرفضت كعادتها ، صرخ فيها غاضبا لانها دائما ترفض تحقيق طلباته ، صرخت فيه لانه دائما لايفكر الا في نفسه ولا يفكر فيها ولا في الحياه الصعبه التي يعيشاها ، صرخ فيها انه لاينسي ابدا الحياه الصعبه التي يعيشاها لكنه يتمني تساعده يعيش حياه مختلفه وان طلباته بسيطه ومن حقه مره واحده تحققها ، هي تصرخ وهو يصرخ ، هي تصرخ وهو يصرخ ، ارمله لم يغادرها الحزن ، ومراهق متمرد ..
، هي تصرخ وهو يصرخ ، تتمني تخبره عن احزانها يوم مات اسماعيل وتركه وحيدا وتركها وحيدة تتحكم فيها وفي حياتها وفي ايامها الصعبه وفي ابنها اهواءها وعصبيتها المنفلته وحزنها المقهور ، يتمني يسألها لماذا ترفض دائما كل طلباته البسيطه ولاتحقق له اي منها مهما كان يسير ، تتمني تخبره ويتمني يسألها ، لكن الصمت والصراخ هما الممكن بينهما دائما ، و... انا مقدرش علي كده مقدرش علي كده !!! 
هل كانت نجوي تعلم انها تضغط علي البركان المكبوت داخله لينفجر ، هل سمعت صوت حزنه مكبوتا بداخله ، لماذا تذكريني بموته ورحيله ويتمي ، لماذا تذكريني اني لست مثل كل الاطفال الاخرين ، لماذا تذكريني ، صرخت فيه ليكف عن الضغط عليها ، انفجر من كثره ضغطها عليه وفتح الباب وصعد مهرولا علي السلم صوب السطح ، يفر من صراخها وبكاءها ومن حياته ، صعد للسطح غاضبا ، سيرمي نفسه لتستريح منه ومن طلباته وليستريح منها ومن دموعها ، انها هرمونات المراهقه اللعينه التي فارت واندفعت في عروقه فاثارت اعصابه فلم يدري بنفسه ، في ذلك اليوم لم يتعاطف معها ولم يبكي لبكاءها ولم يحزن لحزنها ، في ذلك اليوم احسها تقهره وكأن كل ماعاشه من قهر لايكفيها ، فتح باب الشقه ورطمه غاضبا وصعد مهرولا للسطح ، سيقذف نفسه وينهي الامر كله علها تستريح او تجد مبررا لتبكي اكثر واكثر ..
وصفي انتبه لصوت ارتطام الباب وفردوس فزعت وخبطت علي صدرها ياساتر يارب ، زين اندفع صوب الباب وفتحه وصعد علي السلم بسرعه واندفاع ، يبحث عن نبيل بل ويناديه وكأنه عرف بالمشاجره مع امه وكأنه شاهد غضب نبيل وعروقه النافره ووجه المحتقن ، لم يفكر زين مالذي يحدث ولم ينتظر ليعرف مبرر الغضب وسبب المشاجره ، هرع صوب السطح ، بابه الخشبي الصغير مفتوح ، دار بعينيه بسرعه يبحث عن نبيل ، كان نبيل غاضبا يشوح بذراعيه وكأنه يفك اسر نفسه من اسر الاشباح الشريره ، كأنه سيحلق فوق السطح صوب الفضاء ، صرخ فيه يناديه ، نبيل ، اقترب نبيل اكثر من السور المنخفض لايبالي باي شيء ، سمع صوت زين ولم يكترث ، ومادت به الارض من شده الغضب وتعثر في بلاطه مخلوعه فكاد يقع ، كاد يقع علي ارض السطح لكن زين تصوره سيهوي من فوق العقار ، طار زين ، نعم هذا هو مااحسه نبيل ، ان زين قفز من مكانه قرب باب السطح محلقا في الهواء صوبه وامسك ذراعه بقوة وحمله منه بمنتهي القوه الغريبه التي دبت في جسده وروحه،في تلك الثانيه شاهده زين وهو يهوي ميتا علي رصيف العقار وتتبعثر جثته وسط السيارات المسرعه،صرخ بصوت هادر نبيل،طار صوبه ، قبض علي ذراعه وابعده عن السور وقذف به علي الارض واخذ يصرخ فيه ، بتعمل ايه ، فيه ايه ، ليه كده و...... افاق نبيل من غضبه الجارف المحموم علي غضب زين وخوفه عليه ، نعم زين خاف عليه فانتشله من ارض السطح الخشنه التي كاد يسقط عليها او انقذه من الهاويه التي كان سيسقط عليه ، وجلسا علي الارض متجاورين يبكيا !!!
حب زين الجارف مس شغاف القلب المحروم من الحنان فبكي نبيل متأثرا بكل مايعيشه ، اما زين فبكي لانه افلح ينقذ صديقه من الوقوع والسقوط ولو كان علي ارض السطح الخشنه ، يبكيا ويبكيا صامتين لايشرح احدهما للاخر مايشعر به ، لان كل منهما في تلك اللحظه كان يدرك مافي صديقه و............ يخرب بيتك يانبيل خضتيني بجد ويبكيا ويبكيا وزين مازال ممسكا بذراع نبيل وكأنه سيفر منه ، وظل زين ينتشل نبيل من كل عثراته ممسكا بذراعه بقوه وحب !! ورب اخ لم تلده امك!!!!  

( 6 )
شحوب

الجدران خضراء شاحبة صامتة ، والاضاءة بيضاء اكثر شحوبا وخرسا  ، الهواء ثقيل ، بعض الحزن وبعض الرعب ، بعض الحياه بعض الموت ، يخيما علي الرجلين في نفس اللحظه بطرق مختلفة  ...
اما سيفلحا معا ، اما يفشلا معا ..
اما ينتصرا معا ، اما يهزما معا ..
ومازالت النتائج بعيدة والطمأنينة ايضا ...
والليل طويل مرعب والانتظار ايضا ....
الانتظار مخيف .. تنتظر مالاتعرفه ولاتدركه ، سيداهمك يحطم عظامك طمأنينه نفسك يأسر روحك ، سيداهمك ماتخاف منه فتخاف اكثر .. الانتظار مخيف ، يهمس نبيل !!
يبتسم زين او يظنه نبيل يبتسم ، خالتي فردوس بتقول اللي تخاف منه مايجيش احسن منه ، يبتسم نبيل ، مستبيع ، انت طول عمرك مستبيع ، يهمس عم وصفي ، اللي يخاف من العفريت يطلع له ، واللي مايخافش ياعم وصفي ، اللي مايخافش يعيش والحياه يامافيها وفيها ..
يحدق نبيل في زين النائم امامه ينتظره يستيقظ ، افتح عينيك وانظر لي ، ابتسم سعيدا مطمئنا لاني بجوارك ، افتح عينيك وانظر لي ، طمئني ، قل لي لاتخاف مثلما قلتها لي مئات المرات ، قل لي ان كل شيء سيكون علي مايرام مثلما حدث وصار ، افتح عينيك يازين وانظر لي ، افتح عينيك وقص علي مالذي حدث فيك وكيف حدث ، كيف انهار المبني فوق راسك ، حطم ضلوعك وفجر طحالك وكاد يجبرك علي الرحيل ، افتح عينيك وقص علي مالذي كنت تفعله في مكتبك في ذلك الوقت ، كيف افلحت الدبابير تزن فوق المبني وتلقي دانتها عليه فتحطمه بانفجار هائل ، احكي لي مالذي حدث ، قل لي ، من اين اتتك الضربه ، من الذي اوشي بك وكيف علموا بالاجتماع الكبير الذي كنت تعقده وكيف علموا ميعاده ، قص علي مالذي حدث ، افتح عينيك يازين وانتصر عليهم ، انتصر عليهم يازين ، اخبرهم انهم لم يفلحوا يخطفوا حياتك وانك شفيت وانك ستعود لتقاتلهم وتنتصر عليهم ، افتح عينيك يازين وحدثني .. لكن زين نائم صامت ، لم يأتي وقت البوح بعد ، وحتي وقت يفيق سيبقي صامتا ، لن ينطق ، هذه اسراره العسكريه ، هذا مااؤتمن عليه ولن يذيع له خبرا ، مالذي حدث ، حدث ماحدث يانبيل و... ايه ، ولا حاجه ، حننتصر !!! بيقين بثقه باصرار بقلب شجاع ، سننتصر !!!
افتح عينيك يازين واخبرني انك ستنتصر ، اخبرني انهم ابدا لن يهزموك وانك ستنتصر عليهم والعبرة بمن يضحك اخيرا !!!
يتوسل اليه ويرجوه ، يفيق ويشفي ويعود لساحه القتال ويحارب وينتصر !!!
يتوسل اليه ويرجوه ، لكن زين مازال صامتا لاينطق ولم ينطق بعد !!!
ومازال الانتظار مخيف والليل طويل و........ الشمس لم تشرق بعد ولا الطمأنينة ايضا ..

( 7 )
ليه دايما تتمني المستحيل ؟؟

في الحلم اتاه زين ، كانا معا ، طفلين صغيرين ، اتاه يحمل طائرة ورقية ملونه بذيل طويل ، صعدا بسرعه للسطح ، اطلقا الخيط فحلقت الطائرة في السماء ، تمني نبيل لو يمسك طرف الذيل ويحلق معها ، يخترق السحب وطبقات الضباب الكثيف ، يصل للشمس ويختبيء ببراءه بين اشعتها الدافئه ، تمني نبيل لو اعتلي الطائره الورقية وحلق للسماء ، زين يقبض علي بكره الخيط يمد منه للطائرة مايعاونها تحلق وتتمايل ، زين علي السطح راسخا كالسنديانه العجوز ، هيبته لاتتناسب وسنوات عمره البريئة وقت زار نبيل في الحلم ، زين كالسنديانه العجوز ونبيل كطائر الهدهد ، يحلق ويهبط ، ينقر في الارض ويتمايل بتاجه الممشوق ارتباكا ، في الحلم تمني نبيل لو حلق بجناحيه صوب الشمس ، سيسألها عن ابيه وهل يسكنها ويعيش في وهجها حيا ، سيسألها عن ابيه وعن الاوسمه التي منحت لروحه وقتما رحل تاركا بذلته العسكريه ملطخه ببعض بقع دمه ووجوده ، سأل زين ، ينفع اطير ، ارخي زين الخيط اكثر واكثر وحلقت الطائرة الورقيه اعلي واعلي ، هز رأسه نفيا ، وتطير ليه ؟؟ يتابع نبيل ببصره الطائرة ترتفع وترتفع ، زيها كده اطلع لفوق لفوق ، بأسي سأله زين لاينتظراجابته ، ليه دايما تتمني المستحيل اللي مانقدرش عليه ؟؟
مازالا في الحلم صغيرين ، اتتهما فتاة صغيره بشعر اسود ناعم ينسدل علي كتفيها وتتطاير بعض خصلاته تاج فوق رأسها ، اتتهما فتاة صغيرة ، تمني زين لو منحها بكره الخيط لتلعب معها ، تمني نبيل لو حلق معها صوب الشمس ، تمني زين لو قصت عليه وجعها المرسوم علي ملامحها ، تمني نبيل لو قص عليها اوجاعه ويتمه ،مايا ؟ سأل نبيل ، ابتسم زين ، هزت رأسها ،نعم انا هي ، مازالت الطائرة تحلق عاليا ومازالت الصغيرة تقف وسطهما تتابعها ترتفع في السماء ، ومازال نبيل ينتظر تنبت اجنحته ليحلق ومازال زين كالسنديانة العجوز ، ومازالت هي نضرة بريئه لولا بعض الدموع المتحجره في مقلتيها ، صرخ نبيل انتي ليلي ؟؟ هز زين رأسه نفيا ، ليلي كبيرة يانبيل كبيرة واحنا لسه صغيرين ، تمني نبيل لو كبر بسرعه وصار رجلا مسئولا يتقدم للزواج من ليلي ، ليلي كبيرة ومسئولة يانبيل وانت لسه صغير حتي باماره ماانت عايز تطير زي الطيارة دي ، ابتسم نبيل كأنه لايسمعه ، هي كمان تطير معايا ، اشتبكت الطائرة في عمود كهرباء عالي ، دارت حوله بخيطها مره واثنين واسرت تحت لمباته الساخنة ، بكي نبيل لان احلامه تكاد تتحطم ، حاول زين بالخيط مره واثنين يحركها بعيدا لكنه فشل ، لم ييأس استمر في محاولاته مره واثنين ، يحيطه بكاء نبيل وصوت حزنه ، مازلا في الحلم ومازالا صغيرين ، ومازالت الطائرة معلقه علي عمود الكهرباء العالي ومازالت الصغيرة تتابع كل مايحدث ، انا مايا ابنة الشهيد محمد المبروك ، صرخ نبيل نورة ، ابتسم زين ، مايا يانبيل مايا ، تمني نبيل لو كبر بسرعه في الحلم واحتضنها ، تمني لو كبر بسرعه واحتضنها مثل نورة ، تمني لو كان في المستشفي وقتما وصلت جثه الشهيد عله ينقذها ، اجتاحه العجز في الحلم واحسه يدور في دائرة مفرغة ، الطائرة اشتكبت في الفضاء بعيده عن يديه بعيده عن قرص الشمس ، والشهيد مات قبلما يخرجوه من سيارته فحرمه محاوله انقاذه وليلي فرت من حبه ومن حضنه وتركته يبكي في الحلم وفي الحقيقه ، في الحلم مات زين ، سقط من فوق سطح العقار ، حاولت مايا تنقذه ، بقي نبيل يناديه ويبكي ، حاولت الطائرة الورقيه تمزق خيوطها وتفر من اسر عمود الكهرباء وتلقي خيطها لزين يمسك به فلا يسقط علي الارض ولا تتحطم جمجمته ولا تتفتت عظامه ، حاولت الطائره الورقية ولم تفلح ، وحاولت مايا وفشلت وحاول زين ينقذ نفسه ويحرك ذراعيه كاجنحه الصقور ليهبط علي الارض بسلامه لكنه فشل ، فقط نبيل الذي لم يحاول شيئا وصديقه واخيه يتهاوي من فوق سطح العقار ويسقط ويموت ، فقط نبيل لم يحاول شئيا وكيف يحاول والدموع تملأ مقلتيه وذكريات الوجع القديم ، كل الوجع يطارده ، تمني يهمس لمايا انه مثلها ابيه شهيد وانه مثلها يحتفظ في خزانه الملابس ببذله ابيه وعليها بعض الدماء ، تمني يهمس لها انه اخيها في الوجع وشريكها في الحزن ، لكنه لم ينطق ، وكيف ينطق وهو يصرخ خوفا وهلعا علي زين الذي يهبط للارض وسيموت بسرعه !!!
مازالا في الحلم ، زين سيموت ، ومايا تراقب كل مايحدث علها تفهم لماذا اغتالوا ابيها ، ونبيل يبكي ويبكي ويبكي !!!!
و................... انتفض مكانه ، لا ، زين مش حيموت ، مش حيموت ، يصرخ بصوت عالي ، قولي له ياليلي ، قولي له مايموتش ، قولي له يستني معايا !!! انتفض مكانه متصورا انه استيقظ من نومه ، لكنه مازال نائم ، ومازالت الاحلام تطارده ، يصرخ زين مش حيموت !!!
فتح عينيه مفزوعا ، دار ببصره بسرعه علي الغرفه الصغيره التي ينام في صدرها زين جسد منهك ممزق يحاول نبيل علاجه وانقاذه وانقاذ حياته ، حدق في زين الغائب يصارع الحياه لينتصر عليها ، حياته الاسيره في عمود الكهرباء العالي تصارع الاسر وتتوق للتحليق ، يحدق فيها وهو يصرخ بصوت مكتوم ، لا زين مش حيموت و............... اقترب من رأسه وهمس ، اوعي تفتكر انك حتسيبني وتموت ، اوعي تموت يازين ، اوعي تموت .. ومازالت صفحة زين لم تطويها الاحزان بعد ، ومازال نبيل يقظا ونائما يحارب من اجل حياة زين وصفحته الدافئة في كتاب حياته ...

" نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني " 

دموع ملونة علي جناح النورس " الجزء الثاني "


الجزء الثاني


و أغني ليه وزماني زماني ما سعدنيش
والفرحة بتواعد ولا توفيش
والليل بيطويني والآه على لساني
والحزن يخاويني ولا ليلة ينساني
ده زماني لما رماني .. رماني .. رماني مانصفنيش


( 8 )
اساليني انا 

كمثل ايام كثيرة ، يمر زين علي نبيل مبكرا ويهبطا معا بفرحة وصخب للمدرسه ، كعادتها تبتسم فردوس لنجوي وتدعوها لقهوتها الصباحيه ، تعتذر نجوي برقه كي لاتزعج عم وصفي ، تضحك فردوس وتخبرها انه نزل قبل الصغيرين وينتظرهما علي " امة" الشارع وانها لوحدها زي كل اليوم ومستنياها ، ترتدي نجوي ثوبها القاتم وتطرق باب ابله فردوس ليتشاركها معا بدايات النهار مثل كل الايام الكثيرة التي عاشاها جيران بعدما قطن الاستاذ وصفي واسرته الشقه التي تقابل شقتها ، تفتح لها فردوس لايعجبها لون ثوبها ، تلوي شفتيها ساخره من اصرارها علي افساد حياتها اكثر مما هي خربة ، هو يعني بالغامق ، الحزن في القلب ، كاتمه الدنيا علي قلبك كده ليه ، اياكش فاكره ده حيعيد اللي راح ولا يهون عليكي غيبته ، تهز نجوي رأسها نفيا وتستعد للمشاجره الصباحيه التي اعتادت عليها من ابله فردوس التي لاتقبل منها الاستسلام للحزن الجارف والسكون فيه واليه ، انت محتاجه حيلك تشديه علشان اليتيم اللي في ايديكي ، تحدق فردوس في نجوي وتعرف انها تغرز الابر المسنونه في عمق الجرح الدفين ، والحزن مش بالاسود ولا الفرح بالالوان، ياما قلت لك ، تهمس نجوي باسي ، قلتي ياابله ، تشاور لها لتجلس بجوارها علي الكنبه الاسلامبولي التي اشترتها من سوق الجمعه شوقا لكنبتها الكبيره في التراسينه البحريه في الايام الجميلة التي كانت ورحلت عنها مثلما رحلت هي عن مدينتها وكنبتها والتراسينه ، اقعدي وريحي كده وفكي الزمته اللي انت زامته نفسك فيها دي ، بصي يابنتي ، اللي انتي عايشاه ده مش عايشاه لوحدك ، انا شفت صبايا زيك ياما ، قمرات ضنت الدنيا عليهم بالرحمه وعذبتهم بالحمول ، شباب وزينه الرجال ياما استشهدوا ، كل واحد رصاصته مكتوب عليها اسمه ، موته متقدر في ميعاد لايقدر ولايأخر ، وكلنا يابنتي مالناش في نفسنا حاجه !!
تجلس فردوس علي الكنبه وامامها نجوي ، تحمص البن في المحمصه الصغيرة التي حملتها معها من منزلها وقت الهجره ، طقسها النهاري الذي لاتغيره ، تحمص البن طازجا وعلي "السبرتايه" النحاسية العتيقة  تصنع فنجان القهوه الطازج الذي تبدأ بعده يومها ، رائحه البن تغمر الصاله الصغيره فيستفيق النهار في ساعته المبكره ، الاولاد نزلوا المدرسه ووصفي خرج للمقهي القريب يحتسي شايه ودخانه ويقرأ صحف النهار بحثا عن انتصار قريب يعيده لشارعه وتراسينه منزله والبلنصات والشبار الطازه في المراكب الهاله من البحر بعد ليل طويل ، يقرأ الصحف كلمه كلمه وسطر سطر ، ولايعجبه كل مايكتب ، لايعجبه اليأس الذي تنشره الصحف في قلوب المصريين تهزمهم قبل الحرب تيأسهم قبل الانتصار ، يقرر يعود زياره لبيته ، هناك سيشم رائحه القناه وعبق المدينه ويعرف متي ستعمر بارودتها وتحارب وتنتصر ، وحتي يصاحبه زين ويسافرا لبورسعيد يقتل الوقت علي المقهي ويحدق في البشر الذي تغير حالهم يهرلون في الشارع غاضبين وكأنهم اسري لايقوون فكاكا من احوالهم الكئيبه وهم يقتاتون الهزيمه التي لايبشرهم احد بقرب نهايتها ، رائحه البن تغمر الصاله وتلف فردوس ونجوي بهالات من الحيويه ، فردوس تجهز الفناجين والسبرتايه والماء البارد المعطر بالمزهر وتعدها تقرأ لها الفنجان بعدما تفرغ من احتساء قهوتها ، تضحك نجوي ، حتشوفي لي البخت ماهو باين ياابله ، تلكمها فردوس في صدرها تعاتبها ، بختك جميل وزي الفل ربنا يخلي نبيل وتفرحي بيه والبركه فيه ياحبيبتي واللي بيخلف مابيموتش  ، ابله فردوس تنكأ الجرح ، تنكأ كل الجراح وتعبث فيها ، تخرج قيحها وسمها وتنظفها بالوجع وبوز الابره المحميه علي النار الحمراء ، اللي يتأسي علي روحه يتكسر مايقومش واللي يتكسر يتنسي ومالوش عازه والبلد عايزه اللي يشد حيلها ، تهز نجوي رأسها توافقها ، الحرب كده اساليني انا ، تهمس فردوس ، شفناها بكل طريقه ، في سته وخمسين شفناها لما السما مطرت فوق رووسنا بالانجليز والفرنساويه ، شفناهم نازلين من السما زي اسراب الجراد ، علي اسطح البيوت وفي التراسينات هبطوا علينا ، وضربناهم علقه موت وكسرنا نفسهم وانتصرنا ، الحق البلد اتدغدغت وبيوت ياما اتهدمت  والمدافع ضربت واللي بيخاف من الموت جري وراه ووورا خوفه زياده وخطفه واللي استبيع وجري في وش الموت خاف منه واتكسر قصاده  ، نزلنا الخنادق ياما وقضينا فيها ليالي طويله والقنابل فوق الرووس بتدك اللي بتطوله ، الناس اضطربت اللي مشي وهاجر مشي ، واللي قعد وتشبث بالارض قاوم وانتصر ، عمك وصفي ياما شال سلاح وخبي فدائيين وووصل رسايل ، وخرج من بورسعيد ورجع ولاهامه ولافرق معاه ، كانت ايام صعبه لكن انتصرنا ، تفتكري الايام دي يانوجه ، تهز نجوي رأسها ، كانت صغيره لاتعي كل ماتقوله فردوس لكنها سمعت عنه من امها ، الحرب صعبه ياحبيتي لكن مالهاش بد لما ولاد الحرام تجور علي الحق ، والحق كله كوم وسبعه ستين كوم تاني ، احكي لك عن اللي شفته قبل مانمشي ولا حكيت لك قبل كده ، تبتسم نجوي بادب ، احكي ياابله ، تلقم فردوس الكنكه وتضعها برفقه علي نار السبرتايه وتهمس خجله وكأنها فطنت انها قصت علي نجوي تلك الحكايات قبل ذلك ، طيب نعدل راسنا بقي ونشرب قهوتنا ونشوف ورانا ايه ولما نفضي نبقي نحكي تاني ، تناولها فنجان القهوه وتحثها تحتسيه بسرعه ، خلصي علشان اقلبه واقرا بختك ، ابتسمت نجوي بأسي  ولا فيه حاجه حتتغير ، ضحكت ربنا يفرحك بنبيل ابن عمرك ويطرح البركه فيه ، هو فيه بخت احسن من كده ، وصمتت فردوس باسي ، وصمتت نجوي ايضا !!!
ومازال الفنجان مقلوب ينتظر نظره فردوس الفاحصه للبخت الراقد في قاعه !!!
لكن فردوس لاتنظر فيه ونجوي لاتنتظر تعرف لانها تعرف !!!!

( 9 )
دبابير

في مكتبه بعد منتصف الليل يجلس زين علي مقعده الخشبي الصارم كمثل حياته كلها وكل تفاصيلها يطالع التقارير الاوراق واخبار كل المعارك ، انهي اجتماع هام منذ بضعه دقائق وغادره الزملاء لاستراحاتهم ليناموا ، لن ينام الان عليه اعمال كثيره لينجزها ، سيطالع الاوراق والتقارير ويتصفح الجرائد ويدور بسرعه علي صفحات المواقع الاجتماعيه يتابع اهم مايشغل اصحابها ، سيتصل بامه يرجوها تدعو له ، الحق لن يرجوها تدعو له ، سيطالبها تدعو للوطن مثلما دعت له في كل معركه انتصر فيها الوطن استجابه لدعاءها ودعاء كل القلوب الطيبه الطاهره ، سيفكر قليلا في حياته التي اختارها ، سيسأل نفسه وبعض الحزن يتسلل لقلبه رغم انفه علي زملائه الذين رحلوا عن الوطن وتركوا سفينته امانة في اعناقهم ، سيسأل نفسه ، هل مازلت راضي عن اختيارك ، هل مازالت تحب ماتقوم به ، سيهز رأسه مؤكدا لنفسه صحه اختياره وقراره ، فمااجمل ان تقدم حياتك كلها للوطن والاجمل ان تموت فداءه راضيا عن كل ماقدمته له ، يبتسم زين رغم الحزن والضيق ، هذا الوطن سينتصر لاننا نموت سعداء من اجله ، سيتصل بابيه ، ربما يوقظه من النوم ، سيسمع صوته ويطمئن علي صحته ، سيسأله عن حرب سته وخمسين التي عاشها مقاتلا محاربا ، سيسأله هل كانت مثل حربنا ام اصعب ، يعرف رأيه سيقول له انتم ستنتصروا فليس مهم الحرب الاصعب والاسهل ، المهم يقينكم وايمانكم بقضيتكم ، اليقين بالنصر والايمان بالقضيه هو السلاح السري الذي يحسم كل المعارك والحروب لصالحكم ، يسمع صوت ابيه يدوي في اذنه ، منذ كان طفلا صغيرا وابيه يقص عليه حكايات الوطن وتضحيات الرجال وعطاء النساء ، يقص عليه كل الحكايات كأنه يتمني منه الا ينسي ، كيف كانت الحياة وصعوباتها والمعارك وضراوتها والانتصارات وحلاوتها ، حين كان صغيرا كان يضجر من تلك الحواديت ، اليوم والانفجارات تحيط به وزملائه يستشهدون والوطن يخوض حربا ويتحرر ، اليوم تتردد في روحه كل تلك الحواديت كأنه زاده وزواده للايام الصعبه ، هذا الوطن سينتصر ، يهمس زين نفسه قابعا مابعد وسط الليل علي مقعده الصارم ، المشهد الذي يعيشه في تلك اللحظه مثله مثل كل المشاهد التي عاشها في كل الليالي السابقة ، ضوء خافت وعسكري مراسله علي باب المكتب ينتظر اوامره وصمت عميق ، صوت الانفجارات البعيده  يهز المدينه ، ربما فجروا خط الغاز وربما تربصوا بحافله جنود وربما القوا قنبله علي مدرعه تغلق الطريق الساحلي ، اعتاد علي صوت الانفجارات البعيده ، ساخرا من جبنهم ، لايشتبكوا ولا يحاربوا ، غادرين يلقوا قنابلهم ويفروا دون مواجهه ، قتله وليسوا محاربين ، فارق كبير بيننا وبينهم ، نحن اصحاب قضيه ووطن ، وهم مرتزقه يبيعوا حياتهم لمن يدفع اكثر ويحجز لهم مكانا في الجنه الموصده في وجه آثامهم ، الحرب هنا ليست حرب ، قنابل تقذف وصواريخ تصوب ورصاص لقيط يدوي ، واشباح تجري وتختبيء وسط الجبال والمدقات المهجورة وفي شبكات الانفاق السرطانية علي الحدود القريبه ، ليست حرب بل معركه للقبض علي القتله وتجريدهم من اسلحتهم واغلاق المنافذ الحدوديه في وجه داعميهم ، يتمني زين يتصل بابيه ليقص عليه مايعيشه ، لادي حرب ولا دول جنود ، دول شويه مرتزقة ياحاج ، مرتزقة صيع ماسكين سلاح مش عارفين معناه يدوسوا علي زناد الموت ويجروا معندهمش قضيه ولا يقين ، عم وصفي غاضب مما يحدث في سينا ومن ارهابيها ، كلما اتصل به يسأله بصدق عن احوالهم ، يطمئنه زين ، كل يوم بنضف اكتر واكتر ، وبنقبض علي مرتزقه وارهابيين ونسمع صواريخ وقنابل بعيده واللي مكتوب عليها اسمه تصيبه ، يدعو له وصفي ولكل اخواته بالخير ويضحك في نهايه المكالمة ، كنا بنقول الانجليز جبانات لما هبطوا علينا بالبراشوتات وخافوا واستخبوا ، لكن الاسم غزاه حاربناهم وانتصرنا ، دول بقي اشباح لا براشوت ولا مواجهه ولا رجاله من اساسه يبقي هانت وقربت ونصركم قريب ، اشباح ياحاج اشباح ، لا بارعين ولا ماكرين ولااستراتيجيه ولا تخطيط ، دبابير بتطير في السما الواسعه تلسع وتجري والجبن شيمه المجرمين ، وتنتهي المكالمه الطويله وقتما يهمس وصفي لابنه امك بتسلم عليك وبتقولك خلي بالك علي نفسه ، يبتسم زين يعرف فردوس وحنانها دموعها تمنعها تكلمه بصوتها المرتعش تخاف عليه من شده خوفها وحبها ، الله يسلمها ياحاج بابوس ايديها ، يدعو له وصفي بالنصر ويتمني له زين الصحه وطيله العمر ونتكلم بكره !!!
يغمض عينيه وكأنه يتمني سكينه تسرق روحه بعيدا عن ارض المعارك ، يتمني يجلس ونبيل علي سطح البيت القديم يتأملا النجوم وينصتا لقرآن الفجر من الجامع القريب ويتجاذبا اطراف الذكريات التي تملأ جعبتهما حزنا ومرحا ، يغمض عينيه لكن نبيل لايزوره هذه الليله كعادته ، نبيل غارق في حب ليلي ويخاف من رأيه في تلك العلاقه التي ستهدم بيته وتشرد ابنته الصغيره ، وكأن كل ماعشناه لايكفينا ، يتم وقهر وتهجير فتأتي بارادتك وتهجر ابنتك بعيدا عن حضن وتيتمها في وجودك وتحب اخري غير امها وتعيش لنفسك وفقط ، نبيل يعرف رايه في ليلي وعشقه لها ، هي غلطانه عارفاك راجل متجوز ماتقربش منك ، يضحك نبيل انا اللي قربت منها ،انت غلطان وهي غلطانه ، يتمني زين ان يعود نبيل لصوابه ورشده ويترك المعشوقه ويعود لزوجته الست المحترمه اللي بتربي بنته وكتر خيرها وخير الدنيا ، مش عاجباك مراتك يانبيل ، دي اختيارك انت ، اختياري ودفعت ثمنه ، انت حر تدفع اي تمن ، المشكله انك بتخلي بنتك هي اللي تدفع الثمن ، اختياراتك ادفع تمنها براحتك ، لكن لغايه البنت الصغيره وتقف وتفكر ، هي ماقالتلكش تتجوز امها ولا قالت لك خلفها ، لكن هي بقي ليها وجود وحياه وكرامه لازم كلنا نحافظ عليها ، يغضب نبيل من زين ، يغضب منه ويقرر يبتعد عنه حتي يكف عن لومه وتعنيفه لانه يحب ليلي ، باحبها ومش حاقدر اعيش من غيرها وانتهي الامر !! ويهرب نبيل من زين ويختفي بعيدا ، يتركه زين وشأنه ، سيعيش المشكله حتي يصل وحده لحلها وان تاه سيجدني اعيده لما يتعين عليه ، ويتباعدا ،وطال البعاد ، الان في هذه اللحظه الموحشه بالذات يستدعيه زين في خياله يتمني لحظه ونس ودفء تعيد الوصل بينهما كالايام الخوالي البعيده ، لكن نبيل لايأتي ، ولايزوره في مكتبه البعيد ، يتصوره غارقا مع ليلي في بحار العسل ، يتصورا منشغلا عن كل مايحدث في الحياه بنفسه وعواطفه وقلبه ، لايعرف زين ان نبيل في تلك اللحظه بالذات كان يبكي مصابا عجز ينقذه وروح فرت من بين يديه للبراح وشهيد جديد حرمه من نجاح طبي واصر علي فخر وفرحه فرحل من تحت مشرطه ومن فوق منضده عملياته للشرف ، كان يبكي نبيل وهو يري جثه جديده تضاف لسجل الجثث التي عجز ينقذها ، كفر بالطب والعلم وكل شيء ، احس عجزا يقهره ، الرجال تتساقط تحت يديه ولايقوي يقدم لهم مايتمناه ، يبكي وليلي تلاحقه بنظراتها الحزينه ، تتمني تأخذه في حضنها وتهون عليه اوجاعه ، لكنها لاتقوي ولا تجرأ تقترب منه ، فهو الطبيب الكبير وهي الممرضه الصغيره التي تحاصرها العيون المتلصصه بالاسئله عن طبيعه علاقتها به ، تقف بعيدا لكن حزنها يصل روحه فيمسح دموعه ليقويها وينتشلها من حزنها وبصوت صارم يشرح لها ، انا في الاستراحه لو اي حاجه جديده بلغيني ، حاضر يادكتور ، كل هذا لايعلم زين عنه شيئا ، كل مايعلمه انه وحيدا يتمني سكينه تسرقه ولو للحظه قصيرة بعيدا عن ارض المعارك ، صوت الانفجارات يخفت قليلا ويكاد الصمت يسيطر علي المكتب والمدينه وارض المعارك ، يغمض عينيه اكثر جالسا علي مكتبه وكفه قابضا علي زناد مسدسه جاهزا للتصويب مستعدا لاي مباغته نذله تقتحم كل الحواجز الامنيه والكمائن وتفتح عليه بابه وتصوب رصاصاتها لرأسه ، وقتها سيطلق هو ايضا رصاصاته وليختر الموت من يختار لكنه لن يغتال خلسه دونما حرب ، ناقم علي هؤلاء الجبناء الذي ينتظرهم في الليل ويتربصوا به وبزملائه من خلف الحجب المسدله علي وجودهم الا من طلقه غادره او قذيفه حمقاء هنا او هناك!!!
مازال في مكتبه ومازال الصمت يلفه والترقب ايضا ، يغمض زين عينيه اكثر واكثر وكأنه سينام مطمئنا ، نغمات بيانو تتسلل لروحه ، لايعرف من اين تأتي بصوتها الرخيم ، هذه النغمات الناعمه تتسلل تحت جلده تخترق اعصابه وتوقظها ، هذه النغمات يعرفها جيدا ، خيالات ضبابيه تأتي بها لسمعه وروحه ، كان صغيرا يقبض ابيه علي كفه وهو يسير معه علي الممشي الخاوي من رواده صوب البحر وقتما تسللت تلك الموسيقي لقلبه ، ابتسم ابيه وشرح له انها نغمات كازينو بالاس الرابض علي البحر وشاطيء القنال معا ، سحبه ابيه للكازينو واجلسه علي منضده وطلب له كاساتا ايس كريم ، الكاساتا علي نغمات السوناتا ، هذا ماعرفه عن تلك الليله الآسرة التي عاشها في كازينو بالاس بعد ذلك بسنوات طويله ، احب الموسيقي الكلاسيكيه الحالمه واحب الكاساتا ، صارا معا رمز للمدينه التي عاش فيها طفولته وهجر منها قبلما يعيشها وتعيشه ، نثرات من الشوكولاته والفواكه المسكره وبعض الفراوله هذا مايجري لعابه ويفجر حنينه للمدينه التي كانت تخصه ومازالت ، يقص زين لنبيل عن الذكريات البعيده ، كنا نمشي علي الممشي وقت الغروب ، عمك وصفي يسحبني من ايدي وياخدني معاه ، يبص علي البحر كأنه بيطمن عليه وانه لسه موجود وان مافيش لاغواصه معاديه تحته ولا بلنص شايل ولاد حرام ، يرفع عينيه للسما كأنه يفحصها ، لاطيارات غريبه ولا مظليين ولا اعداء ولا صواريخ تنشر الموت ، كل يوم علي ده الحال ، نمشي وقت الغروب ، يحكي لي عن بورسعيد وعن المقاومه الشعبيه وعن الوطنيه والجدعنه ، يحكي وهو بيبص علي البحر والموج رايح جاي ويبتسم ، ويبص للسما صافيه وشمسها راحله وسحابها احمر ويبتسم ، يسحبني نرجع للبيت جعان وطمعان في اكله شبار تهون بيها الست فردوس شقا اليوم كله ، مره واحنا ماشين سمعت صوت مزيكا ، لاسمسيه ولا دق طار ، صوت معرفوش عجبني ، انتبه ماهو لماح زي ماانت عارف ، قالي ده بيانو كازينو بالاس ، تعالي اوريه لك ، وسحبني بسرعه خطوتين تلاته ولقيت روحي في جو تاني ، مش دي بورسعيد اللي اعرفها ، مش دي اللي قاومت وحاربت وانتصرت ، مش دي بورسعيد اللي حكي ليها عنها عمك وصفي بدل النوبه مية ، دي بورسعيد حاجه تانيه ، بورسعيد الصبيه العفيه الانيقه اللي خارجه من عند المزين في الحي الافرنجي ، شاور عمك وصفي علي البيانو وقالوا هو ده اللي غواك واسرك ، وجلسنا علي منضدة كبيره وطلب لي كاساتا وعنها ياعم بلبل ، بقت هي دي بورسعيد اللي باحبها ولما افتكرها افتكر صوت البيانو وطعم الكاساتا بتاع كازينو بالاس ، يحكي زين ويحكي وينصت له نبيل وينصت ، ويتعارفا اكثر ويقتربا اكثر واكثر والوصل ايابا وذهابا والحب ايضا ، هذا ماتصوره زين وقتما غزت الموسيقي روحه ، تصور انه مع نبيل علي سطح العقار القديم الذي يعيشا فيه يحكيا ويحكيا ، لكنها اضغاث الاحلام والامنيات التي تغزوه ، نبيل في غرفته يبكي شهيدا فر من منضده العمليات ورحل رغم انفه ،  وهو في مكتبه الصامت وسط ليل متربص في المدينه التي تغزوها الدبابير تعقر بغدر خيره الرجال وتختبيء حتي تدك علي رؤوسهم الجبال وتنهب تحت اقدامهم الارض انتقاما وثأرا وانتصارا ، و............ يدوي انفجار كبير تستيقظ عليه المدينه مرتاعه تدعو بالخير لخيره الابناء الذي تتربص بهم الدبابير تعقرهم في حبات عيونهم وتختفي ، وينتبه زين علي صوت الانفجار لكن ركام الجدران المنهاره فوق رأسه يودي بانتباه وبسرعه و.......................... يسقط جسده تحت الانقاض التي كانت جدران عاليه ومبني شامخ قبلما تنفجر عند بوابته الرئيسه سياره مفخخه ، ويرتفع صوت الرصاص والقنابل وتدوي الانفجارات وصفارات الانذار ويعرف اهل المدينه وقاطنيها ان جلل حدث هز المدينه من جذورها ولخلخ جذورها و.................. مازال زين ملقي تحت الانقاض !!!!

( 10 )
شدي حيلك


خرج من غرفة العمليات حزينا غاضبا ، هاهو بطل اخر يرفض يساعده ويساعد نفسه ، وترفض شراينيه تلتئم وينفجر طحاله وتتحول دماءه لفيضان وسيول ويرفض قلبه ينبض ثانية وترفض روحه تعود لجسده الممزق وترحل بعيدا عن كل هذا وتحلق للسماء فخورة بتضحياتها وعطاءها وموتها الذي يرفع رايه الوطن للسماء ويحرره من الارهابيين القتلة ..
هاهو بطل اخر يقهره بعجزه ويرحل من فوق منضدته في غرفه العمليات للفردوس الاعلي ، يشعر عجزا قهرا حزنا ، هاهو طفل صغير جديد سيتجرع مرارة اليتم وهاهي زوجة حبيبه سيحترق قلبها وهاهي ام ستفقد حياتها كل المعاني وتغيب عن قلبها الفرحة ،هاهي ام جديده تنضم للصابرات المؤمنات التي يختبر الله ايمانهن بحرقة قلوبهن ، مازال يتذكرها ، دموعها المتحجره ،صوتها المتحشرج ، رجاءها ودعاءها ، مازال صوتها يتردد في اذنه في اليقظه والنوم ""حبيبي يامحمد ياغالي ، ودعتك وودعت الدنيا مافيها و ودعت كل حاجه حلوه في الدنيا ( 1 ) "" مازال صوتها يعتصر قلبه ويجدد كل احزانه ، كأنه خلق للحزن ولاشيء الا الحزن ..
 خلع الملابس الخضراء الموشاه بدماء الشهيد الساخنه ، قذف غطاء رأسه بغضب علي الارض وتمني لو الارض انشقت وابتلعته ، مالذي سيقوله لزوجته ، مالذي سيقوله لصغاره ، مالذي سيقوله لامه ، اللعنه علي الطب وعلي الحياه كلها ، مالذي اعادني لهذا العمل الذي هجرته ، مالذي اعادني لهذا العمل بعدما نسيته ، تمني نبيل في تلك اللحظه بالذات لو بقي بعيدا عن الطب وغرف العمليات والمرضي والجرحي ، لو بقي جالسا في النادي تحت الشجره الكبيرة هائما مع نفسه ماعاش كل هذا الوجع ولا كل هذه القهرة ...
يسير في ممرات المستشفي صوب استراحته ، سيغلق عليه الباب ويبكي ، نعم من حقه يبكي ، من حقه يبكي ومن حق دموعه يترك لها المجال لتنهمر تهون عليه الوجع الذي يتقافز في روحه كاصابع الديناميت تكاد تنفجر وتبعثره الف الف مليون ذرة صغيرة .. صوتها يطارده " علي قد ماربيتك وشحتك من عند ربنا ، بادعي لك يغفر لك ربنا ، يغفرلك ويرحمك احلي رحمه ، انا اديته لك انت وانت احن عليه مني ، انا ام لكن انت احن عليه مني ، اشوفك في الجنه ونعيمها ، اشوفها متهني ومتمني في الجنه يامحمد ، ربنا حرمني منك لكن ماتتحرم من دخول الجنه ياحبيبي يامحمد ( 1 )" صوتها يطارده وكأنه صوت كل ام يفقد ابنها علي طاوله عملياته ، يفقده ، يفشل ينقذه ، وقتها يسمع مرثياتها تمزق قلبه وروحه ، يسرع الخطي صوب غرفته ، هناك سيبكي ويبكي ..
يسير صوب الاستراحه غائبا عن كل ماحوله ، نهنهة مكتومه تخترق قلبه ، نحيب موجع يتسلل لاذنه ، يبحث عن الصوت ، عن السيدة التي تبكي ، هل هي الزوجه التي عرفت بموت زوجها ، هل هي الام التي ادركت رحيل ضناها ، هل هي الابنة التي غاب سندها ، لايعرف ، ولايريد ان يعرف شيئا ، سيفر من كل هذا لاستراحته ، سيدفن رأسه في المخده ويصرخ ، سيدفن رأسه في الفراش وينتحب براحته ، يسرع الخطوات وكأنه يفر من اعاصير الحزن التي تجوب في المستشفي تهدم جدرانها فوق رأسه ، صوت النحيب يلاحقه والنهنهنات الباكيه تتبع خطاه ، يتصور ظله المرسوم علي بلاط المستشفي يسبقه ويبكي ، يتصور ظله يعبر عن حزنه ويبكي قبلما يصل هو لاستراحته ويعيش مع لحظات حزنه الزرقاء ، يقف مكانه عل ظله يصمت ، لكن صوت النحيب والبكاء يلاحقه ، يمر بجواره ، يعبره ، يتقدمه ببضعه خطوات ، يراها ، ممرضه صغيرة تمسح دموعها في كم البالطو الابيض ، يلمح دموعها تنهمر علي وجهها ، كأنها نورة ابنته تبكيه يوم يموت ويتركها ، كأنها نجوي تبكي اسماعيل يوم وصلها خبره الاسود وبذلته الملطخة بدماءه العطره ، مازالت الممرضه تبكي وتسير علي غير هدي ، يتحرك صوبها ، يلحق بها ، يمد كفه علي كتفها ليهون حزنها ، تنتفض ترتعش ، قلبه ايضا يرتعش ، روحه تنتفض ، حزنها يتملكه فيزيد احزانه ويفيض بها ، تكاد دموعه تنهمر بما لايليق به وهو الطبيب الجراح الكبير ، لو بكي لانهار الجميع حزنا ، عليه يخفي احزانه عنهم وعن جدران المستشفي التي ستوشي به للمرض والمصابين واسرهم ، عليه يخفي احزانه عن الممرات الشاحبه ولمبات الاضاءه البارده البيضاء ، عليه يقوي فيتساندوا عليه ويقووا جميعا ، رفعت عينيها المليئتين بالدموع ونظرت له ، دكتور نبيل ، همست باسمه وصوتها مختنق حزين ، ليلي ، همس ، يعرفها ، احدي الممرضات التي تقف معه في غرفه العمليات ، تقف امام طاوله المعدات ، تناوله المشرط ، الابره والخيط ، واحيانا اخري تجفف قطرات العرق من فوق جبهته ، نعم هي ليلي ، شدي حيلك ، همس يقويها وهو يبحث عن من يقويه ، همس يتمني يشد حيله هو ، حيله الذي مزقته الاوجاع ، شدي حيلك ياليلي ، همس ، كفه مازالت علي كتفها ، هل احس بقلبها يرتجف تحت اصابعه ، هل جسدها كله يرتجف ، فزعه ، هذا مااحسه ، فزعه تحتاج طمأنينة ، هل يحتضنها ويمنح روحها بعض الطمأنينة ، لايقوي يحتضنها ولايقوي يتركها ، تضغط دموعه علي قلبه لتنهمر وتسيل ، تتحرك خطوه صغيره بعيدا عن كفه ، شدي حيلك ياليلي ، لايجد كلمات يقولها لها ، كل الكلمات ماسخه حتي شدي حيلك ، كل الكلمات ماسخة لاتعبر عن الحزن المتراكم فوق قلبه وقلبها ، تحركت خطوه اخري بعيدا عنه واستأذنته لتنصرف ، هز رأسه لايجد كلمات يواسيها بها ، تحركت امامه وصوت نحيبها يدوي في اذنه ، مازالت تبكي وتمسح دموعها في كم البالطو ، سار خلفها يحسدها لانها حره تملك تبكي وتعبر عن حزنها في اي مكان واي لحظه ، تاه مع افكاره فغابت عن بصره ، لم يكترث ، فقد طبعت صورتها الباكيه المقهورة في خياله وكأنه اقتنصها رغم انفها لتبقي معه تشاركه الحزن ، وصل غرفته ، فتح الباب بسرعه واغلقه بسرعه والقي ببدنه علي الفراش ودفن رأسه في المخده وانفجر باكيا ، وكأن كل الاحزان تجددت في لحظه واحده ، وحيدا مقهورا عاجزا حزينا ، هذا مايشعر به في تلك اللحظه ، وحيدا !!! وكيف هو وليلي تربت علي روحه تهون عليه الحزن وتشاركه بعضه ، ليلي ، تسللت خلف الجدران من الابواب الموصده واقتربت من جسده المرتج بالحزن وربتت عليه وهمست في اذنه بصوت صادق ، شد حيلك يادكتور ، مازال يبكي ومازالت تهون عليه حزنه ، شد حيلك يانبيل ، صوتها صوت امه صوت فردوس صوت الام المكلومه التي فقدت ابنها وفقدت معه الفرحه ، شد حيلك يانبيل ، وتمناها لو تأتي الان ، تفتح الباب ، تقترب بدموعها من دموعه وتدخل في حضنه وتقاسمه الحزن و.......... الحياه !!!
وكأنها التي كان يبحث عنها العمر كله ، وكأنها الطيف الذي لاحقه ليبحث عنه فوجده صدفه في لحظه حزن تمني حبيبا يشاركه وجعها .... ليلي ، ومازال يبكي ومازال تربت عليه وتقاسمه الحزن الفياض وتقوي قلبه وروحه في لحظه كاد ينكسر فيها ثانيه ويهجر الطب وكل الحياة .....
ليلي ...
 ( 11 )
متي ؟؟

متي مات ابيه وطويت صفحته بسرعه في كتاب حياته لايعرف ، مات في الحرب ،هو لايعرف ولايتذكر و" مايفرقش" متي مات وكيف ، امه قالت له ابيك مات شهيد من اجل الوطن وصمتت ، في حجرتها وفي خزانه ملابسه يلمح دائما بذلته العسكريه مخضبه ببقايا دماءه التي سالت وقتما مزقت دانة كبيرة جسده ودبابته ، تمزق الجسد وانفجرت الدماء علي ملابسه المموهه بالعلامات الصفراء والبنية ، ومات وبقيت البذلة شاهدا علي وجوده وشرفه وتضحيته!!! صار الاب اسما في شهاده الوفاة ، وخنجرا حزين في القلب يوخز ولايقتل ، ودموع في عين امه لاتكف تنهمر في كل لحظه وكأنها تحافظ علي ذكري زوجها الحبيب من الزوال وسط صخب الحياه وافراحها التي تتسلل لقلبها رغم ارادتها ...
صار نبيل يتيما !!! هذا ماعرفه عن نفسه ، نظرات الشفقه التي تحوطه والاكف البارده التي تربت علي كتفه والاحضان المليئه الشوك التي تجذبه اليها رأفه وحزن ، كل هذا عرفه حالته التي لم يفطن لمعناها وكيف يعرف الصغير ابن الخامسه مذاق اليتم ومرارته ، كل مايذكره انه كان بريئا لايحمل للدنيا هما ، قابعا علي ارض غرفته يلهو بلعبه لايذكر شكلها ، مايذكره انه كان سعيدا ، وقتها تسلل نحيبها لغرفته .. انت لسه فاكر يانبيل ؟؟ يسأل نفسه فيبتسم ساخرا من نفسه ، وكيف ينسي ، كانت لحظه فارقه في حياته ، يومها ، تسلل نحيبها لغرفته كأن رياح زرقاء فتحت باب غرفته عنوه ، كأن بعض الاعاصير اختصت غرفته واختصه بدواماتها ، سمع نحيبها فادرك ببصيرة الاطفال ان ماكان يخافه ويفر من تصوره حدث فعلا ، ترك لعبته وتسلل علي اطراف اصابعه للصاله حيث تجلس ، كانت تقبض علي راسها بكفيها ودموعها تنساب تمسحها بسرعه وتنكرها ، تهز رأسها كأنها لاتصدق ماتعرفه ، مات الحبيب ، استشهد ، حملت دانة مكتوب عليه اسمه روحه الغاليه للسماء للبراح للفردوس الاعلي ، قصفت الدانه بقيه ايام حياته وفرحتها ، لم يبقي منه الا بذلته العسكريه المخضبه بدماءها ، ارسلوها له مع بقيه متعلقاته ، خطاب كان يكتبه لها ولم ينهيه ، اشواق تحولت بعد رحيله لاشواك تمزق روحها ، عروسه شابه لم تكمل فرحتها مع الحبيب وتجرعت رحيله وحيده بقيه عمرها سما مرير قطرة قطرة ، تتذكر وهي تبكي مكالمته الاخيره ، صوته كان بعيدا منهكا ، يحاول يطمئنها وهي تكذب عليه وتطمنه علي حالها ووحدتها وانتظارها الموجع ، يطمئنها فتكذب عليه فيدرك كذبها ويحاول ثانيه ، نبرات صوته المرهقه الموجوعه حملت لها رسائل كثيرة لكنها لم تفطن لمعناها الا بعد رحيله ، انهي المكالمه بعد معاناة ، كلماته الاخيره تدوي في قلبها وروحها ، باحبك يا نجوي ووحشاني قوي قوي وانهي المكالمه بسرعه ، كلماته العاطفيه مست شغاف قلبها واربكت مشاعرها ، تمنته يعود في نفس اللحظه لحضنها ، تمنته ينام في حضنها وفي الصباح تحمله الجنيه الطيبه للجبهه لدشمته الحصينه لرفاق السلاح والدم والايام الصعبه واحلام النصر ، لكن امنيتها لم تتحقق ولم يأتي لحضنها ولم تنام في حضنه واوصدت الاحضان بمفاتيح الحزن والفراق ، امنيتها لم تتحقق ولن تتحقق ، تبكي وتنتحب ، لم تنتبه لوجوده ، لوجود نبيل ، يراقبها ويتمناها تفصح عن مايحزنها ، تتمناه تخبره ان معدتها توجعها او تبكي علي ابيها الذي مات السنه الماضيه او حزنا لان الكيكه اتحرقت في الفرن ، يتمناها تبكي لاي سبب الا السبب المخيف الذي تبادر لذهنه وفقط لكنها للاسف يانبيل تبكي لان ابيك رحل عن الحياه وتركها وتركك !!
و... بابا مات يانبيل مات وتبكي وهي تحتضن نبيل يشاركها البكاء والحزن دونما تسمح له سنوات عمره القليله يفهم بحق معني ذلك الحادث الجلل واثره علي حياته كلها ...

( 12 )
اللهم لاتمنحه الشهادة

همست الجدران المتهدمة للاعمدة المنهاره توصيها الرفق بزين ، البطل الملقي تحت قواعدها ممزق الجسد ، همست توصيها ترفع اثقالها عن قلبه وروحه ، همست الاعمده المنهاره لقطع الاحجار المبعثره توصيها الرفق بالبطل ، تذكرها بابتسامته وقتما كان يدخل ذلك المكان قبلما تهدمه القذيفه التي القيت عليه او السياره المفخخه التي انفجرت فيه ، تذكرها بابتسامته ، تذكرها بالساعات الطويله التي كان يجلس فيها يرسم خطط النصر ، ويشد ازر الرجال المحاربين ويتصل باسر الشهداء يواسيهم ويعدهم بزياره قريبه ويوفي بوعده في ااقرب فرصه متاحه ، تهمس الاحجار المبعثرة فوق جسد البطل لقطع الزجاج المتناثرة حوله توصيها الرفق بالبطل ، هو الذي طالما اغلق الشبابيك برفق يبعد اعاصير الصحراء ترطمها بقسوة وتهددها بالتبعثر كل لحظه ، تقص عليها انه منح جندي المراسله اجازه وقتما مرضت امه ، وحمل علبه شوكولاته لصغيره لم تعرف ابيها الذي استشهد ، حمل علبه شوكولاته وفيها صوره الشهيد حتي لاتنساه الصغيره وتقرن حلاوة الشوكولاته بذكراه الطيبه ، تتمني نثرات الزجاج المشحوذ لو تلملم نفسها بعيد عن جلده الذي مزق سطحه واعصابه بعض القطع الكبيرة من النافذه التي طالما حن عليها وحافظ عليها من الاعاصير ولصقها بالشريط القوي حتي لا تتبعثر اذا ماصوبت الدانات عليها ، تتمني نثرات الزجاج المشحوذ لو تبعد عن بذلته التي مزقتها واسقطت ازرارها علي الارض وسط التراب والدم ، نادت الجدران المتهدمة بصوت قوي وواضح ، هنا بطل يرقد تحت انقاضي ، انقذوه مني ومن الموت الذي يسكن بقايايا ، هنا بطل ، تمنت رجل المكتب الكبيرة الراسخه فوق اصابع كفه لو تحركت قليلا ، تمنت لو الانفجار الذي مزق بدن المكتب ابعدها عن كف البطل التي طالما رفعت تحي العلم ، تمنت رجل المكتب لو احضرت العلم وفرشته فوق رأس الرجل تقيه الاعاصير التي تعصف ببقايا الغرفه التي كانت ، تقيه لدع الدبابير التي احتلت الغرفه وملاك الموت تحرضه يسرق حياه البطل ويجري ، تمنت رجل المكتب لو تملك حنجرة تصرخ بها تجلب المساعده للبطل الذي مازالت انفاسه تصارح الخنقه وكتمه الهواء وذرات التراب المتناثره علي شفتيه وفي جوفه ، تمنت رجل المكتب لو تبعد عن كف يده فيتحامل عليه ويقوم ، يتساند علي بقايا الجدران ويصلب طوله ، تمنت لو استخدمها عكازا يركن عليه وهو يتحرك بخطوات بطيئه مرعوشه والدماء تسيل من كل الثقوب الغادره التي مزقت الدانه بها جسده ، تمنت رجل المكتب لو صارت عكازا يتحامل عليه حتي يجد سبيله بعيدا عن الانقاض المنهدمه وعواصف التراب والزجاج وذرات الانفجار ، تمنت الارض التي طالما سار فوقها واثق الخطي لو حملت وجهه المدفون في حضنها بعيدا ، تمنت الارض لو افلحت تمنحه بعض الهواء النقي في رئتيه اللتين مزقتهما الاحجار المشحوذه التي هوت كالمشارط فوق ظهره وعبرت منه للرئتين تمزقهما ، تمنت الارض لو تفجرت تحته عين ماء دافيء حاني تسقيه من نهر الكوثر وتغسل بدنه وروحه وتمنحه بعض القوه ليحمل اشلاءه الممزقه ويفر من مصيره الذي يبدو حتمي ، بكت الحجره المهدمه علي الرجل الذي طالما عاش فيها يخاطب جدرانها ويحنو علي ارضها ويهدهد مفروشاتها البسيطه ويغني مع صوت المذياع ويبكي وقتما يري جنازه عسكريه لزملائه ، يبكي لان العمر طاله به فلم يمنحه الشهاده مثل زملائه المحظوظين ، بكت الحجره ودعت ربها ، اللهم لاتمنحه الشهاده و اعده للحياه ليحارب اعداء الحياه وينتصر عليهم ، اللهم لاتمنحه الشهاده واعده للحياه فمازال له فيها عمر لم تنتهي ايامه بعد  وله فيها بطوله لم تتجلي بعد وله ابنة صغيرة سينجبها وابن يحمل اسمه واب يحبه وينتظره يحمل خشبته لمثواها الاخير ، اللهم لاتمنحه الشهاده فمازال في حياته حياة ، الحجره تبكي والجدران المتهدمه تدعو ورجل المكتب تتمناه ينهض ويتحامل عليها ويفر من اسر الموت ، نثرات الزجاج المبعثره علي وجهه وجسده تدعو ربها ، اللهم انقذه اللهم انقذه ، امين ، تهمس كل الموجودات المحطمه المتراكمه طبقات طبقات فوق جسد البطل الملقي علي وجهه تحت انقاضها ، يتناهي لزين وسط الالم العاصف والوجع الموحش المتوحش ، صوت تمتمات الرجاء وهمسات الدعاء ، يتمني لايخذلهم ويعود بنفسه يرمم الحجره ويصلح المكتب المكسور ، يتمني يشفي من اجلهم ومن اجل كل من يحبهم ، ماما فردوس وبابا وصفي واشقاءه ونبيل ... اين انت الان يانبيل ؟؟ يسأل زين ويسقط ثانيه في جب الغيبوبه لطفا من ربه لانقاذه من الوجع والالم الذين يعصفا بوجوده وكيانه وحياته.....
( 13 )
يسعدني ؟؟؟

انا ابن المدينة الباسلة ابن بورسعيد ، دي مش جمله انشا في حصة عربي في المدرسه ، ده معني حقيقي جوايا ، معني بالف معني  ، يتحدث زين وينصت نبيل ، انا ابن هذه المدينة التي تكالبت عليها الدنيا فلم تهزمها فاورثتنا العناد والمقاومة ، ان ابن هذه المدينة التي غزاها المرتزقة من كل الدنيا فصدتهم علي عتباتها وانتصرت ، ابن المدينه الباسله اللي علمتنا نقاوح ونعند ونقاوم وننتصر ومانسمحش للدنيا تكسرنا ، يقول زين ويقول ، كأنه علي خشبه مسرح يصول ويجول ، ونبيل جمهورة الوحيد ، يجلس في قاعه العرض وحيدا ينصت لكلمات صديقه بمنتهي الاهتمام ، كانا معا ، جالسين علي السطوح في ليله قمرية يتبادلا احاديث اخرسها الصمت الطويل والايام التي باعدت بينهما ، اتصل نبيل وزين دعاه للعشا واخبره ان ناديه مسافره مؤتمر ولن تعود قبل اسبوع وانه يحتاج ليتكلم ويبوح وانه يفتقد الايام الخوالي التي كان يتحدثا فيها طيله الليل حتي تشرق عليهما الشمس والحديث مازال ممتدا ، ابتسم زين وقتما سمع صوت نبيل وعرف دعوته ، هاهو للمره المليون لايطيق الوحده ولايصبر عليها ويخاف من نفسه وحسابها له ، تعالي من بدري يازين ، حاضر يانبيل حاجي !!!
وصل البنايه التي عاش فيها ايام طفولته وصباه وشبابه ، صعد السلم ودفء الذكريات يحاصره ، الله يرحمها خالتي نجوي ، علي بسطه السلم وقف صامتا ، هذه الشقه التي هاجروا اليها بعد رحله شتات بين المدن والشقق التي لم يجد وصفي نفسه فيها ولا رائحه بورسعيد علي جدرانها ، هذه الشقه هاجروا اليها وسرعان ماامتد الوصل بين الشقتين ، بين حضرة ارملة المقدم الشهيد وبين عم وصفي واسرته المهاجره تنتظر العودة ، علي هذا الباب وقف زين مع ابيه يطرقا الباب ليتعرف ابيه واسرته بحضرة ارمله المقدم الشهيد ، فتحت نجوي الباب بارتباك وقفت علي الباب وخلفها صغير يحدق في الغرباء بوجل ، اقترب منه وصفي واحتضنه بحنان اربكه ، قبله في رأسه وعرفه بزين ، وصارا اخوين وصار البيتين بيت واحد وجرت الدماء في عروق الجميع تكون رباط لايفك ولا يوم الدين ..
وقف زين يحدق في الباب قبلما يدق الجرس ، كيف افلحت ناديه ترسم اسوار ومسافات بين الشقتين ، كيف مزقت الوصل او حاولت وجمدت المشاعر او سعت ، كيف قررت تستأثر بنبيل وحدها بعيدا عن اسرته واهله وشقيقه الوحيد فخسرته للابد وضاع منها ومن الجميع ، غبية لحد مخيف ، اشفق عليها زين ، خائفه لحد مخيف ، خائفه جدا من الحياه التي لم تمنحها مكان بين عالمها الواسع فصنعت زنزانه اعتقلت نفسها فيها وحاولت تعتقل نبيل فانتحر ومات وضاع منها ...
زين يحكي ونبيل ينصت عله يفهم مالذي يعتمل في روحه ومالذي يعتمل في روح زين ، ونبيل يحكي وزين ينصت عله يفهم مالذي يمزق سكينه نبيل ويبعثر امانه ، تربينا معا وكبرنا معا ، لكنك غيري ، انا فقدت حماسي للحياه كلها وانت الحماس نفسه ، الملل غزاني واستبد بي واليأس ايضا وانت تنشر التفائل والامل بلا صخب ولا كلمات جوفاء ، كيف صرنا واصبحنا كل منا مثلما هو ، اشرح لي يازين ، اشرح لي ، ضحك زين ضحكات رنانه صاخبه ، كل شيء واضح لكنك لاتري وربما لن تري ، انت ابن الوجع والمرارة ، تجتر ايام حياتك وكأنها عقاب وقع عليك دون ذنب ، وانا ابن المقاومة تاريخي هزائم مؤقته وانتصارات باقيه ، انت ابن اليتم الذي كسرك او هكذا تظن ، وانا ابن التهجير الرضائي الذي قواني ودائما يقويني ، انت عشت بين الجدران لاتشعر بقيمتها ولامعناها تتوق للتحليق بعيدا ، وانا انتزعت من ارضي فبقيت غالية عزيزة  اتوق لاعود لها دائما ، هذا انا وهذا انت .. !!!
طيب وانا اتجوزت ناديه ليه ، علشان تستخبي !!! لم يفهم نبيل ، تستخبي يانبيل تستخبي فيها خفت تقعد لوحدك اسبوعين تلاته بعد ماخالتي نجوي ماتت ، تفكر في حياتك تتمرد عليها تواجهه مشاكلك وحزنك وتفنطه وتعرف ليه وعلشان ايه ، قررت تستخبي وتهرب من نفسك فكانت نادية ، فاكر لما كنت بتهرب للسطوح تستخبي من خالتي نجوي لما تتخانق معاك ، لاتواجهها ولا تغضب ، تجري تستخبي ، اهو انت لما الدنيا اتخانقت معاك ، قررت تجري تستخبي ، لاتواجهها ولا تغضب ، تجري تستخبي ، الاول نمت ونمت لغايه ماشكينا انك عيان وكبدك بايظ ، وبعدين صعت في الشوارع ليله واتنين خايف تروح تلاقي البيت فاضي ، انت قررت تستخبي في ناديه ، تهرب جواها ، ناديه اللي مش عاجباك دي ، ادتك مبرر زياده تغضب وتحس بالمرارة وتكره عيشتك ، انت كاره عيشتك يانبيل وبتدور علي سبب ، الاول كان اليتم والحرب وبعدين بقي القهر ودموع خالتي نجوي وفي الاخر بقت ناديه ، المهم فيه سبب تاني غير جنابك يخليك تكره حياتك !!!
مازالا علي السطوح الذي تحول لمسرح ، يتبادلا علي خشبته ادوار البطوله ، يستأثر كل منهما ببعض الوقت ليصبح  هو البطل الاوحد ، يلقي كلماته ويشرح وقبلما ينتهي يستعد الاخر للصعود لخشبه المسرح ليحكي ويقول و.............. العرض مستمر وسيستمر ...
انا تعبت يازين ، تعبت قوي ..
انت اللي تاعب نفسك وتاعب الدنيا كلها معاك ، اعمل اللي يريحك ، مش عارفه ، دور عليه ، دور علي اللي يريحك وتلاقي نفسك فيه ويسعدك ... انتبه نبيل لكلمة زين الاخير ، يسعدني ؟؟ طب انت ايه اللي يسعدك يازين ..
ضحك ضحكات متلاحقه ، كل حاجه باعملها في حياتي بتسعدني ، حياتك دي فين ، انت عايش في الصحراء ولابس الافرول ووسط العساكر وحياتك خشنة ، لاراضي تتجوز ولا بتحب ولا بتتشاقي ، نظر له زين نظره لوم وكأنه يقول له ايش عرفك ، حياتك فين بقي ؟؟
اللي انت بتقوله ده بالضبط بيسعدني ، رفع نبيل حاجبيه دهشه ، بيخلي لحياتي قيمه ، هو فيه حاجه بتسعد اكتر من كده ، ان يكون لحياتك قيمة !!!
التقط نبيل منه العباره واخذ يرددها ، هو فيه حاجه بتسعد اكتر من كده ، ان يكون لحياتك قيمة !!! التقط العباره واخذ يرددها وكأن يسأل نفسه ، كيف يكون لحياتي قيمة؟؟!! ...


وطال الليل وطال الحديث بينهما حتي اشرقت الشمس فرحل زين وعاد نبيل للشقه الخاويه ، القي بدنه علي الفراش يبحث عن نوم عزيز يبعده عن عقله وروحه عبارة زين والسؤال الذي احتله بعدها ، كيف يكون لحياتي قيمة ؟؟!! كيف يكون لحياتي قيمة !!! ..

" نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزء الثالث "