مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 14 سبتمبر، 2013

امنيات العشق علي عتبات المقام .. الجزء الاول



( 1 )
انا جمل صلب لكن علتي الجمال
شيلني احمال ان شالها الجبل جام مال


ترجل من السيارة وتحرك بحماس وسط بحار الرمال ، كاد يصرخ منتشيا اعجابا وحماسا بالحياة الحقيقية التي لم يعيشها ، بحار الرمال تحيط به ، وقرص الشمس فوق رأسه والحياه كلها بعيدة بعيدة ، يتحرك علي الرمال بحرص وفرحه ، تغوص قدميه في الطبقه السطحيه من الرمال الناعمه ، يتمني يغوص فيها ويغرق ، يتمني ينزلق دون قصد وشجاعه ليتعثر في الرمال الناعمه التي لم تطئها قدم قبله ، يتعثر في الرمال فتحتويه وتلفه وتضمه وتحيطه ، يتمني لو تعثر في حضنها ، الحياه الحقيقيه هنا ، حيث لاشيء الا الطبيعه وانت ، واما تعيش وتقاوم واما تدفن مكانك لااحد حتي يقرأ لك الفاتحة ولا يتذكرك واكم من جيف ابتلعتها الصحراء وتأففت الحيوانات المتوحشه عن الاقتراب منها ...
ومازال يسير ببطء يهبط لقاع المحيط الرملي وتحيطه التلال والجبال من كل ناحيه ، مااجمل ان تشعر بضألتك الحقيقيه وسط سطوه الطبيعه وقوتها الغاشمه ، الطبيعه لن تجاملك ، لاالعواصف سترأف بك ولا بحار الرمال ستلقيك علي شطها الامن ولا الحيوانات المتوحشه الجائعه ستترك لحمك الشهي بعيدا عن انيابها مالم تنقذ نفسك!!!
الشمس تثقب رأسه باشعتها القويه والرمال تجذبه لاعماقها والهواء البارد يلفح وجهه المحترق والجبال تحيطه من كل صوب ، يشعر ضأله تسعده ، مااجمل ان تواجه نفسك والحياه بفجاجه بلا زيف ولا نفاق ولا كذب ، الصحراء هنا لاتكذب ولاتسمح لك تخدع نفسك، الصحراء تواجههك بحقيقتك ، اما مقاتل قوي شجاع القلب صلب الروح تقوي علي العيش بصعوبته واما هش تافه تردمك الرمال في عاصفه صغيره وتنساك والكل ينساك !!!
في تلك اللحظه بالذات ، تمني لو حلقت مها من حيث هي ،وحطت علي روحه ، تمني لو اتته علي بساط الريح وجناح الجن ، تمني لو اتته فيحتضنها ويحتويها ويمارس معها حبه عشقه جنونه للحياه ولها ، وليموتا بعد تلك اللحظه التي يعيشا فيها الحياة بكل عنفوانها ....
يناديه الشيخ علي  ، يالا يايوسف ، كفايه عليك كده النهارده وخلينا نهم ونرحل ، حاوديك البحر اللي ربنا ماخلقش زيه وهناك تنسي الدنيا وتسبح بحمده ، ركب يوسف السياره التي تقافزت فوق جبال الرمال وتلالها كقشه صغيره تعصف بها امواج العاصفه ، تحمله وتصعد بعند وتهبط باصرار ، لو انك تراقبه مثلما يراقبه الشيخ علي  وهو يقود السيارة ، لظننته مجنون ، يبتسم بغير مقتضي ويغيب مع نفسه وكأنه غائب عن كل شيء خدر العقل ، سأله الشيخ علي  ، الا قولي يااستاذ يوسف ، انت فعلا حتكتب كتاب عننا هنا ، هز رأسه نفيا ، احتمال ياحاج علي واحتمال لا ، امال ايه ، مش حاعرف اشرح لك ، انت اتولدت هنا وعشت طول حياتك هنا علشان كده مش مقدر معني الحياه هنا ولا قيمتها ، الغريب اللي زيي لما يجيي ويعيش وسطكم يفهم حاجه بسيطه قوي ، انه ماكانش عايش قبل كده !!! يهز الشيخ علي  راسه وكأنه فهم !!!
ووقفت السياره امام بحر ازرق وسط الصحراء ، علي ضفته بعض الاشجار القالحه المحروقه بنار الشمس وملح البحر وصامده لتعيش تلقي بعض ظلالها الهش علي الشاطيء !!!
فتح يوسف باب السيارة وخلع الخف وسار حافيا علي الرمال الرطبه يحس ذراتها قواقع واصداف بحريه هرستها العواصف والاعاصير والازمنه الجيولوجيه السحيقه ، جدودك كانوا بيقولوا ايه علي البحر ده يا شيخ علي ، ضحك الشيخ ، كانوا بيقولوا انه مسكون بالجنيات واللي يقرب منه بعد الشمس ماتغيب يروح مايرجعش !!!
يحدق يوسف في ماءه الازرق لايصدق مايراه ، ماء صاف لحد تصوره سحابه صافيه معلقه في السماء  ، وقالوا ايه تاني ، قالوا لا ليكم دعوه بيه ولا تنزلوه ، ليه ؟؟ كان فيه ملكه جت مع الاسكندر لما جه ، جابها تعوم هنا غرقت ، من ساعتها الجنيات سكنت البحر بتدور علي ملك زي الاسكندر للملكه المحرومه ، والرجاله هنا شديده وحيلها مشدود ، لو الجنيات شافت واحد منهم في البحر مش حتسيبه ويعوض علي اهله فيه وفي عمره!!!
تمني يوسف لو قفز في البحر ، يتصور مها هي الملكه التي تنتظره منذ سنوات سحيقه ، سيقفز في حضنها ويتمني الا يعود ، سأل علي وصدقتوهم ؟؟ انتفض علي ، طبعا ، اللي يقولوا عليه نطيعه ولو بعد ميت حول ، هما ادري ، واللي خالف كلامهم خطفته الجنيات وماردش !!!!
جلس يوسف علي شط البحر الغريب ، بيت الجنيات والملكه المحرومه ، يداعب الماء باطراف اصابعه ويتأمل الجبال الرمليه العالية التي تسيجه بحمايتها ويتمني لو عاش هنا ومعها ، مع مها ، هنا الطبيعه والحياه والاساطير والسحر والحب ، هنا الحياه التي سنعشقها وتعشقنا و................ توحد في تلك اللحظه مع روحها وكان مئات الكيلومترات بينهما لاشيء ، ومن قال ان الحب يحتاج قرب والوصل يحتاج التصاق والونس لايقهر المسافات والصعب ويتأجج بين المحبين !!!
اه يامها ياريتك كنتي معايا و.............. فجأه غشاه الحزن العميق متسائلا ، ياتري لسه فاكراني !!!

 ( 2 )
وايش بعد نوح الهوي والجاه
علي الليل واخره ، الخطا يابا
تايهه وراكبنا الخطا يابا


معنديش حاجه اخسرها يارؤوف ..
عندك يايوسف ، عندك مها اللي بتحبك ، عندك بدر اللي حرمتها منك ، والاهم عندك يوسف اللي انت معذبه معاك ..
معنديش حاجه اديها لا لمها ولا لبدر ولا ليوسف شخصيا ، لما حاسافر وابعد جايز استرد روحي فارجع حبيب يستحق الحب واب يستحق الابوة وجايز اتوه وماارجعش اساسا وساعتها كلكم حتستريحوا مني !!!!
فكر تاني يايوسف ، فكر تاني ، ماتتسرعش !!!
ضحك يوسف ضحكات متلاحقة ، بقالي خمس سنين بافكر ، العمر كله ضاع في التفكير ، حافضل متردد لامتي ؟؟...
صمت رؤوف كأنه يستوعب مايقوله يوسف ، ثم سأله خجلا ، انت مخبي علي حاجه معرفهاش يايوسف !!  
معنديش حاجه اخبيها يارؤوف وعنك انت بالذات ...
طيب مش حاشوفك قبل ماتسافر ، قلق ينهش قلب رؤوف ، لا اصله مايفرقش انت معايا مهما بعدت وانا مابحبش لحظات الوداع ، انفجر رؤوف ضاحكا ، ولاانا بصراحه !!!
وكانت هذه المكالمه الاخيرة بينهما و اختفي يوسف وانقطعت اخباره تماما ....

( 3 )
المـــوج الأزرق في عينيـــــــــــك
ينادينــــــي نحو الأعــــمـق
وأنا ما عنــدي تجربــــة في الحـــب
ولا عنــدي زورق


""مدينة ..... اعشقها"" عنوان حرك في روحه شيئا لم يفهمه بعد وربما زيارته للمعرض تشرح له احساسه ومعناه ، قرر يزور المعرض ويشاهد اللوحات ، من باب الفضول باحثا عما يحرك الراكد في نفسه وحياته ، ربما يتمني يعشق المدينه التي تعشقها ..
""مدينة اعشقها"" عنوان اختارته الفنانه التي لايعرفها شخصيا  للوحاتها ، احس العنوان رسالة وصلته ، رساله ضاله في الفضاء تبحث عن من يتلقاها ، وصلته الرساله الحائرة فقرر مقامرا لايملك مايخسره يقتحم عالمها ليفهم صحيح مقصدها !!
لايمكن يكون هذا العنوان لمجموعه لوحات ، انه يحمل اكثر من هذا واعمق ، هي رساله ربما لاتخصه لكنها وصلته هو ، رساله لمعني اعمق كثيرا من اللوحات ، هذا ماقرره وسيذهب للمعرض ليتأكد من احساسه ...
في الرابعه ظهرا تسلل لقاعه العرض ، الشمس تأفل وتلون الجدران ببعض الشحوب المتفرق علي اللوحات والجدران ، القاعه خاويه الا منه ، من هذا الاحمق الذي يختار الرابعه من عصر يوم حار في اغسطس ليذهب لمعرض لوحات فن تشيكلي ، لااحمق غيره ، الم يقل انها رساله استدعته واستدعت حياته من ركوده ليكتشف ويستكشف الامر ..
اللوحات متراصة بنظام انيق علي الجدران البيضاء ، اشعة الشمس الراحله ترسم دوائر وخطوط وظلال فوق الارض واطارات اللوح وبعض الجدران ، دار دورة سريعه داخل المعرض ، يبحث عن انطباعاته الاولي التي قد تبقيه ليري باهتمام اوتنفره فيرحل سريعا.....
ابتسم وهو يخطف نظرة سريعه علي المعرض ، "مدينة .. اعشقها " الوان صاخبه وخطوط قوية وروح شجاعه تفرض وجودها علي حياة المدينة التي تعشقها الفنانة التي لايعرفها ، شوارع وميادين ، اسواق ومباني ، كوبري عتيق وعاشقين ، يتجول بين اللوحات المرسومه ويحسها تحدثه ، ايها الغريب ، هنا كنت تعيش ، وهنا كنت تلهو مع اصدقائك ، وهنا اختلست القبلة الاولي من فتاه لا تتذكر اسمها ، احس الفنانه اختطفته داخل لوحاتها تحكي عنه عن حياته ، ترسم القاهرة التي يحبها ، لكني اعشق الاسكندريه ، همس يوسف لنفسه ، احب القاهره لكني اعشق الاسكندريه ، البحر والنوة والبارات القديمه والكورنيش واحجار القلعه وحلقه السمك وجامع المرسي وخليج ابو قير ومقام ياقوت العرشي ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، اعشق المدينه التي لاتعرفيها يافنانه ، انت تعشقي القاهره وانا احب الاسكندريه ومابيننا طريق صحراوي طويل وتنهد عميقا ، كأنه اجاب علي الرساله بالتجاهل لتعود لمرسلها ، بيننا طريق صحراوي طويل ، يجتاحه الاسي ببطء !!
انطباعه الاول ونظرته السريعه انحازت للمدينه والفنانه واللوح ، يبدأ المعرض ثانيه من مدخل الباب ، يتجول بين اللوحات ببطء وتأمل واستمتاع ، يحدق فيها اكثر واكثر ، تكلمه فينصت لها ، تبوح فيصغي ، تقص عليه فيسمعها باهتمام ، فجأ يكاد يصرخ فرحا باكتشافه الغريب ، هذه المدينة التي تعشقها هي القاهرة وليست ، هي كل مدينه يعشقها من يعشقها ، لم ترسم القاهره تلك الماكره الموهوبة ، هي رسمت اي مدينه وكل مدينه ، رسمت النيل من ضفة واحده واخفت الثانيه ، ربما هو النيل وقت الغروب ، وربما هو البحر ، الضفه الثانيه بعيده ، وكأنها تقول لن نصل لها ابدا ، ضفه النيل قريبه لكنها اخفتها ابعدتها حتي صارت كالشاطيء البعيد للبحر ، ابتسم ، وصلته رسالتها المنسوجه بعنايه ودقه بين الخطوط والالوان العفيه القويه ، مدينه اعشقها ، هذه مدينتي وربما تكون مدينتك ، والكل فيما يعشقون مذاهب ...
مازال يوسف يتجول في المعرض ويتأمل لوحاته ، يحس الحياة تدب في الشوارع المرسومه ويسمع صخبها ويكاد يشم رائحتها ويلمح وجوه عابريها ، يسمع همس العاشقين اسفل الكوبري العتيق ، يلمح نبضات العشق تحت جلودهما تضيء عمق اللوحه ، ينصت لخرير المياة تجري امام عينيه في النيل الذي قد يكون نيل وقد يكون بحر وشاطئه الثاني بعيد ، القاعه خاليه الا منه ، يخرج ورقه صغيره من جيبه وقلم ويدون بعض الملاحظات عن هذه اللوحه وتلك ، سيكتب مقالا عن الفنانة التي لايعرفها ، انتبه يوسف انه استقال منذ زمن بعيد من الجريده التي كان يعمل فيها ، استقال وهجر الصحافه وعالمها الصخب ، كيف ايقظت فيه الفنانه عالم كان ظنه قد اغلق بالضبه والمفتاح ، مش مهم ، سيكتب المقاله ويرسلها لاي جريده لتنشرها في صفحه الرأي وربما صفحه الثقافه ، اسمه مازال معروفا ومكانته مازالت مرموقة واي جريده سترحب به وبمقالاته، كيف افلحت تحركي الراكد وتوقظي الموتي وتعيديني للعالم الذي فررت منه ، يعود لورقته وقلمه  ، يدون اسماء اللوح التي كلمته وسمع لها و رد عليها ، يتحرك ببطء والوقت طويل ، كأنها اختطفته في لوحاتها ، روحه سعيدة بما يراه حتي وقف امام تلك اللوحه الزرقاء ، مبني صغير تحيطه حديقه باشجار عملاقه ، مبني انيق ونوافذ واسعه وشرفات مزروعه ببعض الورود البنفسجيه ، حدق في اللوحه ، تبدو غريبه وسط المشهد المبهج  ، تتنافر مع بقية اللوحات  ، رسالتها تختلف عن كل الرسائل الاخري ، مبني انيق بارد ، فيلا تتأرجح الظلال الزرقاء علي جدرانها الخارجيه وكأنها تنبعث من قلبها ، نافذه صغيره بها بعض الضوء الشاحب ، تحيطها سياج وقضبان ، يشعر اختناق ، قاطني تلك الفيلا يستغيثون بمشاهدي اللوحة انقذونا ، رغم كل الاناقه لكن الازرق بدرجاته المختلفه وبعض الاصفر العليل يأسروا الروح بين حزنهم ، اقترب من اللوحة ، الباستيل ، اسم اللوحه ، الباستيل ، سجن الباستيل ، تلك الفيلا الانيقة هي سجن الروح في ذلك المعرض !!!
يحدق في اللوحة ، درجات الازرق تخيم علي كل تفاصيلها تسبغها بحزن عميق ، الضوء الشاحب الاصفر ، عليل ، مقهور ، السياج والقضبان الانيقة فوق النافذه لاتوحي الا بالاسر ،  لاحمايه ولا رعايه ، بل احتجاز قسري للروح ...  طويلا وقف امام اللوحه ، احسها شارده غريبه عن المعرض ولوحاته ، احسها خارج المدينه التي تعشقها الفنانة وخارج كل المدن التي يعشقها هو او غيره ، لماذا ، تمني يسألها ، طوي الورقه الصغيرة بين اصابعه يعتصرها وكأنه يتشاجر مع نفسه والمعرض والفنانه وقرر يرحل فجأ ، لن يكمل المعرض ولن يشاهد بقيه لوحاته ، خدعته الفنانه ، خدعته مها رستم ، صادقه في مشاعرها جريئه في خطوطها شجاعه في الوانها ، لكنها خدعته وقتما حلقت به فوق المدينه التي تعشقها لتهوي به فوق الباستيل ، تحتجزه وروحه بداخلها وقرر يذهب ولا يعود ...
تحرك صوب الباب يلاحقه الغيم الازرق والضوء الشاحب وملامح الفنانة التي استدعت لذاكرته وجه الموناليزا الصامته التي لاتكف عن البوح  !!!!
استيقظ من داخله النائم دهورا وكأنه مات ، استيقظ غاضبا لان المدينة التي عشقها مازالت تضم بين جدرانها زنزانة زرقاء احتجزت الفنانه وتحتجزه وتحتجز كل العاشقين للمدن والبشر والحياة !!!
و.................. وقف علي الرصيف يتنفس بقوة وعمق ، يملأ رئتيه بالهواء النقي ورائحه النيل ومعني الحياة والحرية والفرار من الاحتجاز المهين خلف جدران الباستيل ، وقرر فجأ غاضبا يلتقي بها ويكلمها ويسمعها عله يفهم لماذا قاسيه هي هكذا مع نفسها ومع جمهورها ومع الحياة !!!!
مها رستم ، سيأتي ثانيه للمعرض ليقابلها ويتكلم معها ويزجرها لانها خدعته حينما زينت له املا مزيفا بالبهجه فاذا بالحزن المر يطمس كل المعاني ، لوحه واحده قتلت بقيه اللوحات وقتلته !!! الباستيل !!!!

( 4 )
يا دنيا ليه فوق كتوفنا زيدتي احمالنا
وبدل م نبني ونجني خيرنا راح مالنا


في الساحه المتوهجه ضوءا بجذع ضخم تلتهمه النيران في ليلة من ليالي ديسمبر البارده ، جلس يوسف علي البساط الصوف وبعض الدفء يتسلل لبعض روحها وبقيتها يرتعش من الوحدة والشوق ، يناوله الطبال العجوز سطل من عرق البلح ويبتسم باسنانه المتساقطه ،ماتفكرش كتير يااستاذ ، ارمي حمولك علي اللي خلقك ، زيح العرق يدفيك ويرم روحك !!!
يغني الطبال بكلمات ممضوغه علي نغمات ناي حزين ، تتأجج روح يوسف وتكاد دموعه تنهمر ، السماء داكنه والقمر يحارب سحبها الثقيله ليسطع ، يشتاق لابنته ولامه ولكل الحياه التي هجرها واختفي يبحث عن نفسه ، يرتفع صوت الطبال شجيا حزينا ودقات طبلته تنوح والناي ايضا ، يفرغ يوسف السطل في جوفه بسرعه فيحترق جوفه كجذع الشجره المشتعل وتجتاحه رغبه عارمه للصراخ والغناء والبكاء مشتاقا للحياة التي هجرها ...
يأتيه الشيخ علي سطل اخر ويهمس له ، مايدفي القلب الا وليفه  والباقي كله تصابير علي الصبر وهمه !!! يضحك يوسف وعرق البلح يسرق وعيه ويقظته ببطء وقوه وكأن ثعبان يتسلل لروحه يقيدها ويلجم لسانه ويخرسه ، يتمني يغني ، يتمني يرقص ، القلب بردان والروح موجوعه والوليف غايب والغربه مره ، يحاول يغني ، لكن صوته لايخرج يخرسه عرق البلح وكأنه لف احباله الصوتيه بكاتم لصوتها فتتحرك وتتأرجح ويبقي الصوت حبيس النفس ، يارؤوف ، يارؤوف ، انت فين ياصاحبي ، يقرر يرسل له خطابا يخبره عن مكانه ، يحثه يزوره ، يقص عليه كل ماعاشه في تلك الصحراء ، بحثت عن نفسي ووجدتها يارؤوف ، هنا في الصحراء ، بعيدا عن الزيف والكذب ، هنا ياتعيش ياتموت مافيش اختيار تالت ، هنا تلاقي نفسك لما تكون قوي وقادر وتتوه وتخطفك الجنيات لما تكون ذليل عاجز ، يشتاق لروؤف ، يشتاق لامه ، يرفع بصره في السماء ، يري القمر بدرا ، ينفجر في البكاء ، سنتين لم يري ابنته ، كيف صارت ، كيف تفكر فيه ، رفع عينيه الدامعتين لوجه البدر وناجاها ، عمري مانسيتك ، ونفسي اقرب منك ، بس لازم اشرفك ولو مقدرتش يبقي غيابي اشرف ... ويبكي ويبكي ومازال عرق البلح يتلاعب بوعيه ويخدره ويزيد شوقه لاحباءه الغاليين !!!! ومازالت النيران تلتهم جذع الشجره وتنشر دفئا لكن قلبه يرتعش ومايدفي القلب الا وليفه علي راي الشيخ علي  !!!  

( 5 )
بصرت ونجمت كثيرا
لكنى لم اقرأ أبدا
فنجانا يشبه فنجانك


في حجرته صامت لايتكلم ، تدخل عليه سهام وتخرج ، تضع كوب الشاي وترفعه باردا ، فنجان القهوة تلو الفنجان ، يحتسيها ويقلبها عله يجد اشاره تهديه في دهاليز الحظ لما يتعين عليه فعله !!
اربعين يوم من ساعه ماطنط ماتت وانت ساكت ، اكتئاب ده ؟؟ سألته ساخره فجحدها بنظره اخرستها وقررت ان الامر لايعنيها وكلها يومين ويرجع لطبيعته !!!
الوقت يمر والصمت يزيد وفناجين القهوه مازالت مقلوبه والاشاره لم تأتيه بعد !!! لكنها ستأتي ...

( 6 )
وزمننا جاحد
مفيش في ظلامه
رحمة لنا

علي فراشها مستلقاة نصف نائمه ، يسري في جسدها الدف خدرا والنعاس يداعب جفونها يبدد بقايا وعيها وكأنها ستنام ، يتساقط علي كتفها قطرات بارده من شعرها المغسول المبعثر وافكار متناقضه تداهم عقلها فتطردها ارهاقا ، يرن تليفونها المحمول ، تحدق في شاشته ، لاتعرف النمرة ، لن ترد ، قررت بسرعه ، يرن مره ثانيه وثالثه ، اشوف مين ، انتابها الفضول بعدما الحت عليها ذات النمرة وحاصرتها بصخبها ، ايوه بصوت تعب ، دكتورة مها ، اعتدلت في فراشها ، تعرف هذا الصوت ، معاكي الدكتور بهاء الازميري ، اهلا ، ابتسمت وانتفضت في فراشها تتمني لو ترتدي بذله رسميه تتناسب وحوارها مع استاذها ومعلمها ، حمد الله علي السلامه يادكتور ، ازيك يادكتوره واخبارك ايه و.............. حديث طويل بدأ بينهما بالسلامات والتحيات وتبادل الاشواق وانتهي بحزن عميق عميق !!
انتهت المكالمه وبقيت مها تحدق في الشاشه كأنها لاتصدق المكالمه وماسمعته فيه!!!!
طرقات علي باب الحجره اعادتها لواقعها المرير ، فتح اسماعيل الباب وادخل رأسه ، عايزه اتكلم معاكي ، همست ، انا تعبت يااسماعيل خلاص ، تعبت ومش قادره استحمل تاني  !!!!
ومازالت كلمات الدكتور بهاء سياطا تجلد روحها وتبعثرها وجعا وحزنا !!!

( 7 )
إن كنت حبيبــــي
سـاعدنــي كــــي أرحـل عنـك


السيد رئيس مجلس الاداره الموقر .. ارجو من سيادتكم التفضل وقبول استقالتي اعتبارا من اليوم ... يوسف عبد الحكيم  ..
حدق يوسف في الورقه وطواها في الظرف الابيض وابتسم وكأنه تخفف من احمال طالما اثقلت روحه ، ابتسم وودع مكتبه والجريده التي كان يعمل فيها ، اعجبته كلمه كان ، وقف علي الرصيف يؤرجح ذراعيه حرا وكأنه سعيد واعطي ظهره لكل ماكان لايفكر في غده بعدما ارهقه امسه حتي نسي يومه وحياته كلها!!!

( 8 )
يانار و يانار كونى برد وسلام
وطهرى روحنا نقيم الصلب
وكونى نور مبدور فى قلب الظلام
وإهدى قلوب متشردين فى الخلا


يناوله الشيخ علي كوب الشاي وسيجارة ، نص ساعه ونتحرك علي العين ، هناك حتشوف اللي لسه ماشفتوش ، بس عايز اقولك كلمتين قبل مانتحرك ، يجلسا علي كنبه خشبيه تحت مظله من سعف النخيل وبروده الفجر وهواءه الطازح يداعب وجوهما ، اسمعني كويس يايوسف ، محدش بيهرب من دنيتكم يايوسف للصحراء الا والروح عليلة والعقل حيران ، يهز يوسف رايه يوافقه ، يعني انت وراك حكايه وروايه وميت سؤال مالهمش اجابه ، يهز يوسف راسه ، طيب اسمعني بقي ..
الصحراء تحب اللي يحبها ، مش زياره يومين وتجري ، مش سايح بتتفرج علي الدنيا من فوق الوش ،الصحراء تحب اللي يديها روحه فتفتح له حضنها وتريحه ، لو جاي يومين تلاته وناوي ترجع ، ارجع وادي انت اتفرجت علي شويه مناظر ونصورك تصويرتين تقول لاصحابك بيهم انك اتفسحت كويس !!
صمت الشيخ علي وعينيه كعيون الصقر نافذه تخترق يوسف تبحث عن اجابات حقيقيه ، انا ياشيخ علي مش جاي اتفسح يومين ولا جاي اغير جو ، امال جاي ليه يايوسف ، جاي ادور علي معني الحياة وقيمتها ، لما قريت عن سيوة عن الواحه عن معني الحياه وسط الظروف القاسيه عن الشجر اللي مصمم يعيش وسط عواصف الرمله ، لما قريت عن التاريخ والاثار وعنكم ، حسيت اني لازم اجي واسلم روحي للواحه تشفيها ، كل اللي قريته يايوسف كوم واللي حتعيشه كوم تاني ، لو عشت غريب تفضل غريب وتفضل الصحرا قافله قلبها في وشك ، تضحك لك وتغشك ، لو بقيت واحد منا تحاجي عليك وتصونك وتبوح لك بمكنونها وسرها ، الصحرا حياه يايوسف غير اي حياه ، حياه قاسيه صعبه خشنه مايقدرش عليها الا صاحب الاراده ، من غير ارادتك هنا تتوه تضيع يتردم عليك ومحدش يحس بيك !!!
يناوله سيجاره اخري وكوب صغير من الشاي والنهار مازال يتحسس طريقه ليبدأ ، انت عاشق ياولد ؟؟ ابتسم يوسف ، مش بالضبط ، سلم قلبك للصحراء ياولد حتعرف ، لو اللي عاشقها تساوي حتساوي وتساوي ، لو اللي عاشقها ماتساويش حتنساها قبل ماتفكر فيها ، الصحرا حتدلك علي الطريق اللي مكتوب عليك تسير فيه ، المهم ، اه ياشيخ علي ايه المهم ، المهم تنسي كل اللي ورا ضهرك وتسلمنا روحك واللي مكتوب علي جبينك حتشوفه ، يالا بينا بقي ، علي فين ياشيخ علي ، ضحك الشيخ علي ضحكات متلاحقه خشنه ، الصحراء كبيرة وتجاربها كتير واللي تقدر تعمله حتعمله ، قوم معايا وخلينا ننهض النهار قبل الشمس ماتحرقك وانت لسه قاعد بتفكر ، قوم و............ ركب يوسف السياره مع الشيخ علي صوب مجهول لايعرفه لكن استكان للصحراء واسرارها علها تشفيه من حيرته وتهديه للمكتوب علي الجبين !!!

 ( 9 )
ستفتش عنها يا ولدى فى كل مكان
وستسأل عنها موج البحر
وتسأل فيروز الشطئان
وتجوب بحارا وبحارا
وتفيض دموعك انهارا
وسيثقل حزنك حتى يصبح اشجارا


يتصفح الجريدة بملل كعادته النهاريه ، وقعت عينيه علي خبر عن افتتاح المعرض الجديد للفنانه مها رستم  " مدينة .. اعشقها " .....
ابتسم ساخرا من الرومانسيه التي اختارت بها عنوان معرضها ، ابتسم ساخرا لكنه بسرعه خجل من نفسه ، مدينة اعشقها ، ايه مدينه تقصدين ياسيدتي ؟؟ وسرت في روحه دفقات حنين للمدينة التي يعشقها ولايعيش فيها !!
مدينة اعشقها ، الاسم لفت نظره ودفيء روحه فاحس غبطه وانتابه الفضول ليري لوحات تلك الفنانه الرومانسية الرقيقه ، هكذا قرر يراها ووصفها ورسم لها معالم في وجدانه ..
لن يذهب في الافتتاح ، هكذا قرر ، يكره الطقوس الاحتفاليه والنفاق الاجتماعي والمديح الزائف الذي يتطوع الجمهور في تلك الاحتفاليات في منحه للفنانه علي لوحاتها حتي ولو كانت رديئه فجه لاتستحق اعجابا ولا مدح ، ساذهب يوما في منتصف الاسبوع ، ساذهب في منتصف النهار ، الارجح سيكون المعرض خاويا من رواده ، لن يجد الفنانة الرسامه صاحبه المعرض ، غالبا ستكون في صاله المعرض صباحا ومساءا وقت الزوار والصحفيين ، سيذهب في وقت ميت ،لايكترث بمقابله الفنانه ، هدفه مشاهده اللوحات المعروضه بعيدا عن التأثر بالرسامه ووجودها المادي ، لو اعجبته اللوحات سيكتب عنها ، ولو لم تعجبه سيرحل عن المعرض سريعا وينسي الامر كله ..
مدينة اعشقها ... مدينه اعشقها ، ويتمني لو يذهب الان ،الفضول يقتله ويزيد  رغبته في اكتشاف الامر كله !!! 

( 10 )
لم أعرف أبداً يا ولدي.. 
أحزاناً تشبه أحزانك 

جت لي اعاره يايوسف مفروض اسافر اول الشهر ، الف مبروك ياسهام !!! كانت تتمناه يقول لها لاتسافري وستعود بيننا المياه قريبا لمجاريها ، لكنها لاتعرف انه من بحث لها عن سفر يبعدها والحاحها عن حياته ، لاتعرف ، مازالت تتمناه يعتذر لها عن خطئه غير المقصود وقت طلقها في ساعه غضب ،هكذا تتصور الامر ، يبتسم كلما خطر بباله ماتفكر فيه ، بليده كانت ومازالت ، لم تفطن ان حياتهما فشلت منذ ليلتها الاولي ، لم تفطن انه تمني يطلقها قبلما يتزوجها ، تمني يفسخ الخطوبه لكن امه استحلفته برأس خالته الا يفعل ويصغرها وسط العائله ، فتزوجها راضخا وعاش اتعس ايام حياته معها والتي لم يشعر فيها تجاهها الا بكونها شقيقته الصغري التي تحتاج لقلمين علي وجهها حتي تكف عن الشجار والالحاح والسخافه الذين لاتجيد غيرهم ، تتصور سهام ان يوسف طلقها في ساعه شيطان وانه سيعود لها ويعيدها اليه وقتما يهديه ربه وان تأخرت الهدايه ، لاتعرف انه فر من اسر زواجهما وتحرر وابدا لن يعود لها ولو كان من اجل بدر !!!
تسافري بالسلامه وخلي بالك علي بدر !!!
اغلقت التليفون غاضبه فلم يسمع ردها عليه وهي تسبه وتلعنه وتعلن ابواليوم الاسود الذي قبلت تتزوجه كرامه لخالتها وللاسرة وسافرت ومعها بدر التي احتضنها يوسف بقوه في المطار وهو يودعها وهمس في اذنها انتي حبيبة بابا ، فبكت وهي تتوسل له يسافر معها اويبقيها معه ، يحترق بدمعها حزين لانها تفارقه لكنه لم يقوي يضيع بقيه حياته مع تلك السهام ولو كان من اجل بدر !!
صوت رؤوف يتسلل لعقله وسهام تسحب بدر بالقوه من حضنه حتي لاتفوتهما الطائره ، يتسلل له صوت رؤوف يلومه لانه اناني ابن كلب فكر في نفسه فقط علي حساب بدر !!!
كاد يصرخ ، كف عن لومي يارؤوف ، كف عن لومي وكفاياي مااشعر به و............. سافرت بدر ووجها الباكي اخر ماودعته به ، تبكي وتناديه حزينه وهو ايضا حزين كان ومازال ...

( 11 )
والسحر اللي احتويته
والبحر اللي احتواني
والبحر ابو الف موجه
والموجه بالف حاله
وانا المغرم صبابه
باسكندريه يابا


امي كانت بتجيبني معاها هنا ، فاكر وانا صغير ، كنا بنيجي كتير ..
يجلسا يحدقا في البئر وقت الغروب والشمس تلقي بقايا اشعتها علي سطح الماء فيتوهج ، كانت تقولي اتمني امنيه ،وتديني تعريفه ارميه ، مره طلبت عجلة ومره طلبت كوره ومره طلبت انجح في المدرسه من غير مااذاكر ، كل مره هي كمان كانت تتمني امنية وترمي التعريقه ، سالتها بتتمني ايه ، قالت لي اشوفك طيب !!
الاسي يكسو وجه رؤوف وهو يحكي عن امه ليوسف ، لما عيت ، جدتي قالت لي ادعي لماما ربنا يشفيها ، قلت لها هاتي تعريقه ، جيت هنا ، كان عندي عشر سنين ، قعدت ابوس في التعريفه واعيط واقول يارب يارب ماما تخف ، رميته ، وبعد يومين ماما ماتت ، انا فاكر يومها قعدت اصرخ وجدتي بتعيط وتحضني ، قعدت اقول لها ليه مشيت وسابتني ، انا رميت التعريفه واتمنيت امنيه ، ومن كتر الصريخ اغمي علي ، وكرهت بير مسعود وبطلت اجي !!!
ينصت يوسف له ولايوقف انسيابيه شجونه ، جدتي ماتت بعدها وفضلت انا والجنرال ، مره شفته بيعيط قدام صوره ماما ، ومره سمعته بيشكي لها اني مش باذاكر ومش باسمع الكلام ، مره ضربني لاني اتعورت في المدرسه ، قلت له حاشتكيك لماما لقيته اتخض ، يومها حسيت ان ماما لسه عايشه وانها خفت وان امنيتي اتحققت ، رجعت اجي هنا تاني وارمي تعريفه وبعدين قرش وشلن ، اتمني امنيه واحسها واقفه جنبي وبتسمعني ومره شفتها بتبتسم ويمكن بتضحك لاني جيت ودعيت يارب الاتحاد السكندري يغلب الاهلي ، يومها امي ضحكت وانا كمان والغريب ان الاتحاد غلب الاهلي !!!
يضحك روؤف وبعض دموعه تتساقط علي وجهه ويضحك يوسف وتغيب الشمس تماما وترسم مصابيح الطريق حزنا علي وجه البحر ، يالا بينا نروح نصلي العشا بقي مقام سيدي ياقوت العرشي ، مين ؟؟ ساله يوسف ، انت ماتعرفوش طبعا ، بس حتعرفه وتحبه ، اقولك حاجه يايوسف ، لو حبيت سيدي ياقوت العرشي يحبك ، ولو تتمني مايخيبش رجاك ويتشفع لك عند اللي خلقنا يديك وزياده !! ينفجر يوسف ضاحكا ، انت بتجيب الكلام ده منين يارؤوف ، ايه الكلام الغريب ده ، انت اصلك مصراوي وماتفهمش في اسكندريه واسرارها ، امي كانت تاخدني دايما للضريح ، تقرا وتتصدق وتدعي وتتمني ولما اقول لها ليه ، تقولي عمري مارجعت الا ومجبوره الخاطر ، بص يايوسف ، تعالي نروح ونصلي العشا وندعي وحتشوف بركه سيدي ياقوت حتحل عليك ازاي ، امي اصلها ماكنتش تقول حاجه وتخيب ابدا !!!!
وسار الصديقين معا علي الكورنيش يتسامرا ، رؤوف يحكي ويوسف ينصت ، فمعه عرف الاسكندريه كما لم يعرفها ابدا ، رؤوف كشف ليوسف عن اسرار المدينه التي تصور يوسف انه يعرفها ، بكره الصبح ، نطلع علي ابو قير ، جزيره نيلسون ، نعوم ونصطاد والست الغجريه تشوف لنا الودع ، حدق فيه يوسف لايصدق مايسمعه منه ، بقولك ايه ، دي اسكندريه اللي امي كانت تعرفها وعرفتني عليها ، عايز تبقي سايح مصراوي تيجي يومين تعوم وتروح براحتك ، عايزها تاخدك في حضنها وتكشف لك عن اسرارها وتبوح لك وتسمع منك براحتك ، اختار يايوسف عايز ايه ، توقف يوسف لحظه وكأنه سيقرر شيئا ، حدق في البحر وهمس لرؤوف ، اصعب حاجه في الدنيا يارؤوف انك تختار !!!
ضحك رؤوف ، علشان كده تروح لضريح سيدي ياقوت وتقولك يعينك فينيعك ، المهم تصدق ومن جوه قوي انه حيعينك !!!
ومازال يسيرا الصديقين علي الكورنيش والضوء الشاحب يتراقص علي موجيات البحر الصاخبه يرسم وجها اخر للمدينه التي كان يظن يوسف انه يعرفها فاكتشف انه لايعرفها!!!
ومازالت المدينه تبوح باسرارها للغريب الذي صار ابنا من ابناءها..


نهايه الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني

امنيات العشق علي عتبات المقام .. الجزء الثاني




( 12 )
إنـــي أتـنـفــس تـحــــت المـاء
إنـــي أغـرق أغـرق أغـرق


الايام رتيبة والحياة خانقة والغضب يتراكم والقرار صعب ، سيأتي يوم افجر هذه الحياة الخانقة وانجو بنفسي منها ، وحتي يأتي ذلك اليوم ساعيش حياتي كما يحلو لي وليفعل هو مايحلو له !!!
اني اتنفس تحت الماء  ، تهمس مها مع صوت عبد الحليم وكلمات نزار ، اني اغرق اغرق اغرق ..
في الشقه الصغيرة التي جعلتها مرسما للوحاتها علي سطوح العقار المملوك لزوجها تختبيء مها من بروده حياتها وسخف ايامها وعجرفته المقيته وتفرغ غضبها وهمها في الاوراق البيضاء الكبيرة ، تتمني لو ترسم بسكين مشحوذ ، تتمني ترسم وجوها تمزقها بريشتها المسنونة علي الاوراق البيضاء ، تحس الاوراق تحاصرها والالوان تقيد روحها ، تري كل شيء ازرق حولها ، السم يخرج من روحها لريشتها فتتسمم كل الاشياء الجدران والاورق والالوان وصوت عبد الحليم وروحها ، واجهي نفسك بوضوح يامها ، هذا الرجل الذي تحملي اسمه ويخنق اصبعك الشمال بخاتمه الماسي الغالي ، هذا الرجل افسد حياتك ، الحق انت التي افسدتي حياتك وقتما قبلتي تتزوجيه وخضعتي لضغوط سعاده السفير المتسلط متجاهله احاسيسك وبوصلة قلبك التي افصحت عن قرب مستحيل ونفور واضح ، انتي التي افسدتي حياتك وقتما فقئت عينيك تجاهلا لتسلط امه وتحكمها فيه وشخصيته الباهته امامها ومعها ، انت التي افسدتي حياتك وقتما قبلت استمرارك في تلك الزيجه رغم كل الفشل والاحباط والحزن الذي تجرعتي مراراتهم قطره قطره ، مالذي كنتي تتمني تثبتيه لنفسك ولابيك وللاخرين ، انك زوجه ناجحه لرجل مرموق والحياة ولااروع ، هاانتي اثبتي واخذتي النيشان والجائزة والرضا الاجتماعي وبعض الحقد علي السياره الفارهه والخاتم الماسي والفيلا الانيقة في الساحل الشمالي ، لماذا لست سعيدة باختياراتك ونتائجها العظيمة ، لماذا تسممت روحك وشاخ قلبك ، تعرفي طبعا لماذا ، لماذا اذن لم تنقذي نفسك ولاتنقذيها ؟؟ اني اغرق اغرق اغرق ................. انقذي نفسك يامها وكفاها منك ماعاشته معاكي ، انقذي نفسك ، السم الازرق مازال يتنشر في الغرفه الضيقه يخرج من روحها لكل الاشياء فتشيخ الحياة وتهرم وتستغيث منها ومن سمها الزعاف .. وتجري ريشتها المشحوذه فوق الاوراق تمزق الوجوه والملامح تصرخ تبكي تتشاجر مع الحياه داكنه مقهورة زرقاء بنفسجية تشبه وجهها وروحها !!! اني اغرق اغرق اغرق !!!! وتتمني تقوي تنقذ نفسها !!! تتمني وتتمني وتتمني .... اني اغرق اغرق اغرق ...

( 13 )
منين بيجي الشجن .. من اختلاف الزمن
ومنين بيجي الهوى .. من ائتلاف الهوى

في الثامنه مساءا دخل قصر الفنون بدار الاوبرا ، توجه للمعرض ، مدينة اعشقها ، يبحث عنها واثقا انه سيجدها وسط جمهورها ، ترتدي بذله بيضاء وقميص حريري ازرق ، شعرها الاسود يتناثر علي كتفيها يزيد سطوع وجهها وجماله ، دار علي اللوحات يتأملها حتي وقف امام " الباستيل " مازالت الظلال الزرقاء والسم يخرجا من عمق اللوحه لروحه ، عاد لمها ينظر لها منهمكه مع ضيوفها في احاديث طويلة ، هذه السيدة مازالت اسيرة رغم كل الصخب الذي تحيط نفسها به ، قميصها بلون الظلال الحبيسة علي السجن العاتي ، بعض الشحوب علي وجهها من لون النور الباهت في لوحتها ، استفزته اكثر واكثر ..
يوسف عبد الحكيم ، قدم نفسه ، اهلا وسهلا نورتني ، ابتسامه متحفظه منحتها له ، ارهاق روحها يقفز من عينيها واضحا جليا ، مازالت ترسل الاشارات لمن سيفهم ، سيحاول اختراق عالمها عله يكون المرسل اليه الذي استغاثت به لينقذها ، همس ، وينقذ نفسه ، عايز من حضرتك ميعاد اعمل معاكي حديث عن المعرض ، حضرتك صحفي في جريده ايه ، كذب ، لا باعمل كتاب عن القاهره في عيون اهلها ، اسم المعرض شدني ، بس انا مابعرفش اتكلم وكل اللي عندي عن القاهره قلت في اللوحات ، يعني مش حينفع نتكلم ، بحزن حقيقي سألها ، لا طبعا ينفع مش قصدي ، قصدي يعني خايفه تضيع وقتك معايا ، ابتسم لا ماتخافيش !! واتفقا يلتقيا بعد يومين في سميراميس ، اختارت هي الفندق ، باحبه لانه عريق ، قصدك كان عريق بادرها ، ضحكت لا ، انا عارفه قصدي كويس ، عريق ، سميراميس اللي باعرفه وبحبه لسه عريق الباقي قشور زائله ، لن يكتب في التاريخ الا عن الفندق العريق وشرفته الساحره و.................. اتفقنا !!!
ليه كدبت عليها يايوسف ، ليه قلت لها انك بتكتب كتاب عن القاهره ، مين عارف ماجايز فعلا اكتب الكتاب ويكون معرضها السبب !!!!

( 14 )
يا بعيد عن العين يا ساكن جوه ارواحنا
وجع البعاد في ليالي الشوق يطوحنا
نحلم نلاقيك .. لكن الريح يسوحنا
هوه احنا نوحنا غير لما الوجع فينا زاد


يتمشي في السوق ، يتفرج علي المشغولات اليدويه الملونه ، علي الجلاليب والطواقي ، علي سجاجيد صغيرة ملونه ، يبتسم ، كل شيء هنا اكيد حيعجبها ، سيتشري سجاده صغيره لغرفه بدر في الفيلا ، نعم ، سيمنح بدر غرفه كبيرة ويزركشها بعرائسها والعابها ويفرش ارضها بالسجاجيد الملونه ، كل هذا سيحدث وقتما يعود !!!
يحدق في ثوب ابيض مشغول بالاحجار والغرز الملونه ، ده توب عرس يافندي ، يبتسم ويهيم خياله بعيدا ، ياتري لو فتح فنجانه اليوم مالذي سيراه فيه ، نصره قويه وفرحه بعد نقطتين ولا طريقك مسدود مسدود مسدود ، يحدق في الثوب ويري مها بجسدها الملفوف البض داخله ، ويري الطرحه المزركشه بالفضه والدلايات المنقوشه تزين رأسها وتجمل وجهها ، سيشتري هذا الثوب قبلما يعود لحياته ، سيطلب من مها تتزوجه ، سيمنحها الثوب ترتديه يوم الفرح ، سيحضرها لهنا ليقضوا شهر العسل ، سيحمهها بنفسه في حمام كليوباترا ويغطس معها في العين الساخنه ويحضنها في العين المثلجه ، ويجفف جسدها بسعف النخيل ويلقمها بلح صغير بلا نوي يزيد رحيقها عسلا ، ومازال يحدق في الثوب ويحبه ، ده توب الصبايا ليله الحنه يافندي ، يبتسم للبائع الصغير ، يقعدوا العمر كله يشتغلوه وفي ليله الحنة يلبسوه ويسيبوه لبناتهم وسلسال عيالهم اثر وذكري ، عاجبك يافندي ، يحدق يوسف في الثوب ، خلق لها ولها فقط !!!
حارجع لك بعدين اشتريه ، ادفع لك عربون دلوقتي ؟؟ عيب يافندي كلمتك عربون والتوب بتاع عروستك ووقت ماترجع حتلاقيه ، يتحرك يوسف ببطء داخل السوق واطلال شالي تتراقص علي جدرانها الظلال واسراب اليمام تحلق فوقها تسبح بحمد ربها ، يتوحد مع بقايا المدينة التي كانت ولم تعد ، ماتبقي منها ومنه اطلال ، يتمني الصحراء ترمم روحه وتقويه ويعود يشتري الثوب لمها ويعيشا ، الثوب سينتظرك حتي تعود ، وماذا عنها ، هل تنتظرني ، هل تنتظريني يامها ؟؟؟

( 15 )
وعد ومكتوب علي ومسطر علي الجبين
لاشرب من الحب حبه
وانزل بحر المحبة
واسكن بحر الاحبة

همست سهام ،  يوسف بقي غريب قوي يارؤوف وانا غلب حماري ومابقيتش عارفه اعمل له اي حاجه ..
مكالمه قصيره فهم رؤوف كل معناها ، يوسف يعيش ازمه طاحنه ويحتاجه ...
في التاسعه صباحا طرق باب الفيلا الخاوية ، سهام في عملها وبدر في الحضانه ويوسف نائم كالعادة ، طرق الباب طرقات متلاحقه حتي فتح له يوسف غاضبا من الصخب النهاري السخيف ، جاي ليه بدري كده يارؤوف ، ازاحه ودخل الصاله المظلمه ، انت عامل في نفسك كده ليه ، اشاح له يوسف ، اترزع هنا علي مااخد دوش واجي افهم ايه اللي جابك من اسكندريه علي ملا وشك كده ؟؟...
جلس رؤوف في الصالون يحدق في صورة ماما صفيه ، الله يرحمك ياغاليه ، دلعتيه لغايه مابقاش عارف يعيش من غيرك ، يتذكر حنانها حبها دفئها الذي اغدقتهم عليه منذ اللحظه الاولي التي شاهدته ، يعود له يوسف وصينيه الشاي في يديه ، خير ياسي زفت ، ايه اللي جابك الفجر كده ، انت استقلت خلاص ، اه ، وبعدين ، حاشوف ، هي سهام اتصلت بيك ؟؟
افرض ، لايمكن حتفهمني ولا تقدر مشاعري ولاتحس بي ، هي فاكراك ولي امري جايباك تعاقبني ، هي فاكراك اخويا الكبير تضربني وتمنع عني المصروف ؟؟ مازال رؤوف هادئا يسمع لحمقه وحديثه الاهوج صامتا مبتسما ، مش فاكراني اي حاجه غير اني صاحبك ، هو انا مش صاحبك ، انت اخويا يارؤوف ، طيب ايه ؟؟ ولا حاجه !!!
انفجر يوسف باكيا ، انا كنت باحب امي طبعا ، الله يرحمها همس رؤوف ، لكن مش فاهم ايه اللي حصل لي بعد ماماتت ، تفتكر حصل لي ايه يارؤوف ، انت اكتر واحد فاهمني وعارفني ، حصل لي ايه ؟؟؟
مش مهم حصل لك ايه ، المهم حنعمل ايه ، سبت شغلك وبعدين حتقضي حياتك نايم وتصحي زي الوطاويط بليل ماتلاقيش حاجه تعملها ، حتدور علي شغل ، حتفتح شركه ، حتعمل ايه ؟؟
حاشوف يارؤوف لسه مش عارف افكر ، انتفض رؤوف غاضبا ، سنتين من موت ماما صفيه وانت بتهبل ، حتفضل تهبل كده لامتي ، فوق يايوسف فوق !!!
وابتسمت ماما صفيه حيث مكانها لان رؤوف " تمرت " فيه الحنية وصار ابنا لها واخا لابنها ويحاول ينقذه من الضياع الذي اختاره قرين الحزن الموجع الذي اجتاحه بعد موتها !!
همست ماما صفيه ، فوق يايوسف فوق !!!
قوم نسافر اسكندريه ، نروح ضريح سيدي ياقوت العرشي ، نصلي ونستغفر ، نسترجاه ينور بصيرتك ويزيح عنك الهم ، قوم ، يحدق فيه يوسف صامتا ، قوم يايوسف نعيط هناك ربنا يزيح عن قلبنا الهم ، قوم ، مش كنت بتسالني جيت ليه ، جيت علشان اخدك ، لاني حافظك وعارف اني لو قلت لك تعالي حتقولي طيب ومش حتيجي ، يالا رجلي علي رجلك ، علي الضريح واسكندريه لعل وعسي ترجع من هناك مجبور الخاطر!!!

( 16 )
لو أني أعـــرف أن البحــر عميق جدّاً
ما أبحـــــرت
لو أني أعــرف خاتمتــي
مــا كـنــت بــــدأت


اتخانقتم تاني ؟؟ يتمني تكذب احساسه ، يتمناها تقول له ان زوجها سافر كعادته وانها ستقضي معهم اياما حتي يعود ، لكنها لاتقول له هذا ، تهز رأسها توافقه ، حنتطلق قصدي ، يقاطعها فلاتكمل كلامها ، يقاطعها منتفضا ، يهدر صوته الوهن في الفضاء الخالي ، ليه يامها ، تتطلقي ليه يامها ؟؟ هو مابيحبنيش وانا مابحبوش ، باستخفاف تجيبه موقنه ان اي اجابه ستقولها لن ترضيه ولن يقبلها ، وهي دي اسباب للطلاق ؟؟ ناس كتير مابيحبوش بعض لكن عايشين حياتهم عادي ، اللي بتقوليه ده ده مش مبرر للطلاق ، مافيش في عيلتنا واحدة اتطلقت قبل كده علشان مابتحبش جوزها !! همس ابيها وكأنه ينبهها للفضيحه التي ستجلبها لاسرتها وله بسبب حمقها واندفاعها الاهوج ..
تقف مرتبكه تتمناه في تلك اللحظه بالذات يرحمها ، لكنه يصمم علي استمرار الحوار اشار لها لتجلس ، اقعدي وفهميني بتقولي ايه ، جلست مها امامه حائرة لاتصدق ماتسمعه تتمني تخبره انها لا تستأذنه ولا تأخذ رايه وانها طلقت فعلا ، لكنها صمتت تمتص غضبه قبل الانفجار الاكبر الذي تتوقعه وقتما يعلم انها طلقت فعلا قبل اخباره بالامر وكأنها " جايه من الشارع ومالهاش اهل " ..
وتحكي ويتشاجر ويتشاجر وتصمت و............... وبعدين !!! تتنهد عميقا متسائلا عما سيحدث ..
بابا ، انا اتطلقت فعلا النهارده الصبح والموضوع انتهي و.......................... لم تسمع شيئا ، صرخ فيها وسعل وكأنه روحه ستغادر جسده ، عروقه نفرت ووجه احتقن ويديه المرتعشتين زادت رعشتهما ، ينتفض في مقعده ، صراخه يصم اذنيها ، و..................... انسحبت لغرفتها تبكي لان ابيها الذي تصورته سيؤازرها ، افسد لحظه حريتها بغضبه ، هي تبكي في غرفتها غاضبه منه ، وهو يبكي في مقعده في الحديقه غاضبا منها لانها تجاهلته ولم تعتبرته في حياتها ولم تطلب مشورته ولم تستعن باشقائها ليأدبوا طليقها الذي استغل وحدتها ليجبرها التنازل عن حقوقها الشرعيه والقانونيه وهو المخطي في تلك الزيجه من اولها لاخرها لانه عديم الشخصيه وابن امه وضيع حظها وتلف املها ، ومازالت تبكي وهو يبكي والايام تخبيء لهما الكثير ....
وتضرب الاعاصير في الحديقه وفي روحها وفي الحياة كلها !!!!

( 17 )
ورماني وسط الرمال
منكاد كسير الفؤاد
اه يا وجع البعاد


يغطس بدنه تحت الماء المثلج البارد ، ينتفض قلبه بين ضلوعه ، يرفع رأسه ويستنشق دفعات متلاحقه من الهواء النقي ، يسري دفئا وحنين للحياة التي كان نسي معناها ، يغطس بدنه ثانيه في قاع البئر ، يفتح عينيه عله يجد امنية ضالة لم تجد يقين لتحقيقها ، يخرج رأسه ويفتح فمه ويسحب الهواء ويكاد يصرخ فرحا منتشيا ، الحياة هنا في تلك البقعه البعيده حقيقيه جدا ، لها معني ، لها قيمه ، كل تفاصيلها تؤكد علي معناها العميق ، اما تعيش واما لاتعيش ، يتذكر مها وضربات ريشتها القويه الشجاعه علي الاوراق تمزقها بخطوط عنيفه عفيه تحكي قصص وحواديت ، هي تعيش الحياه فعلا ، نعم احتجزها الباستيل بضعه وقت و اوهن روحها بعض الوقت، لكنها انتصرت علي القهر والاسر وتمردت وافلحت تعيش ، الدور والباقي عليك انت يايوسف ، عشت علي الضفاف لاتقذف روحك في اليم ولا ترتوي برحقيها فعشت ميت ظمأ ، يغطس بدنه ورأسه تحت الماء البارد وينزلق للقاع ويهوي تحت طبقات الماء الثقيله ، هذه مياه تعمد فيها الاله والملوك والفراعنه العظماء ، امتزجت بارواحهم وبقيت سندا لمن يبحث عن السند ، امتزجت بقوتهم ومنحت قوتها لمن يقوي عليها ، تملك دائما تختار الحياه وتملك الا تعيش وتموت منسيا كما عشت منسيا ، هل تقوي علي الحياه يايوسف ؟؟؟
يسحب جسده من العين البارده ويرمي بدنه تحت الشمس الحارقه تتسلل تحت خلاياه تسحب البروده وتحرق جلده وروحه ، كمثل العيش الشمسي الذي تقدده الشمس بلهيبها فينضج علي مهل ويبقي طويلا ويمنح العافيه لآكليه ، مثله مثل كل شيء صمد في تلك الصحراء العظيمه ، تمنحه الصحراء بعض سحرها واسرارها وغموضها وخشونتها والكثير من الحياه ، الصحراء لاتهزر مع قاطنيها ولامكان بين اعاصيرها وزوابعها وتلالها الرمليه للضعفاء ، الضعفاء هنا يموتون في صمت دون صخب ، روحه ترتوي باشعه الشمس الحارقه ، كأنه منتهي العشق الذي طال شوقه له وامتنع عنه فاقبل عليه فنهل منه فاحرقه بوجوده العظيم ولهيبه !!!!
مازال يحترق تحت الشمس التي صهرت الفولاذ و فاضت علي المعابد والمدن القديمه بسحرها فحمتها وحرستها وحافظت عليها ، مازال يحترق تحت الشمس ويحلم بكتاب يكتب فيه عن الصحراء التي عشقها ويعشقها !!!! ومها تصمم الغلاف بس لازم تيجي الاول تعيش هنا وتفهم معني الصحراء واسرارها ، و............كل يوم يزداد يقينه بانه سيعود يجدها في انتظاره ، فنجانه المقلوب يقول والصحراء تقول وشمس اللهيب تقول والحياه الحقيقيه كلها تقول ، تقول انها تنتظره ، ومدام يفكر فيها فهي تفكر فيه ، مادام يشتاق لها فهي تشتاق له ومادام يشعر خجلا لانه تركها واوجعها فهي صفحت عنه وسامحته والوصل حاضر والقلب اللي عمران بالمحبه مايدفيه الا وليفه اللي قلبه عمران بالمحبه واسألوا الصحرا حتي عن معني الحياه فيها لما تكون بجد ، زي مها وزيي بعد مابقيت !!!! وسابدأ في الكتابه عن طلاسم الصحراء التي اعشقها ومعني الحياه فيها !!!!
ومازالت الشمس تحرق بدنه وتطهر روحه ........ لكن القلب المرتعش لايدفيه الا وليفه !!!!

( 18 )
دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استيحاء

في مكان منزوي قصي في اعلي مدرج الكليه المزدحم ، جلس  رؤوف وامامه كراسته واقلامه ، لاحظه يوسف  وسط الزحام ، شكله يختلف عن بقيه الطلاب ، هو البصير الاعمي الغريب وسط الغرباء ، يركز مع الاساتذه ويكتب كل كلماتهم ، وحين تنتهي المحاضرات يبقي في الكافيتريا وحيدا يطالع كتبا وصحفا ومجلات ويقرأ منهكما ويهيم بافكاره محلقا كأنه يختبيء داخل الصفحات والاوراق ، لاحظ يوسف  ان  رؤوف منطويا لايتحدث مع غيره من الطلاب ولا يشاكس الفتيات الجميلات ، قرر يقتحم عالمه ، ببساطه استفزه رؤوف ، سكونه وصمته وغربته الظاهره استفزوه ، قرر يقتحم عالمه ليكتشفه ، وانت مالك ياابو حجاج ، مالي ، قرر يمد يديه للغريب عله ينتشله من هم الغربه وغربه الهم ويمنحه بعضا مما يحتاجه في غربته ليفتح عينيه ويري العالم الجديد الذي يعيشه منكرا وجوده فيه اساسا ....
يوسف  .. انا اسمي يوسف  ، رفع  رؤوف عينيه من اسطر الكتاب ، اهلا وسهلا  يوسف انا  رؤوف  و..................... مشهد ملل رتيب لتعارف بين غريبين سيصبحا طيله حياتهما بعد ذلك اللقاء اقرب الاصدقاء ، انا عايش في بيت خالي اصلي من اسكندريه ، وبسرعه عرف يوسف  قصه  رؤوف وامه التي ماتت وابيه الصارم الذي رباه وحيدا مابين المعارك والحروب والانضباط ومابين المراهقه وجموحها وتمردها كانت حياه  رؤوف وسعاده الجنرال كما يطلق علي ابيه ، ماصدقت جت لي كليه الاعلام علشان اهرب من اسكندريه ومنه ، ينصت يوسف  لرؤوف باهتمام وحب ، انا ابويا كمان ضابط ، ياراجل اه والله ، بس تقريبا مش عايش معانا مشغول بشغله وسايب كل حاجه لامي تتصرف فيها لدرجة اني نسيته او بمعني اصح عمري ماحسيت انه موجود في حياتنا فلما مات حزنت شويه وبس !!! هل نظرة الاسي التي طلت من عين رؤوف هي ماربطت بينه وبين يوسف  في تلك اللحظة ، ربنا يخليها لك ، همس  رؤوف ، الكلام بطيء والمشهد رتيب ولايعبر عن المشاعر المتضاربه التي تعتمل في روح الاثنين ، بقولك ايه ، تعالي قوم نتغدي سوا ، امي حتحبك قوي ، ربنا يخليها لك ، تمتم رؤوف وهما يتحركا صوب الاتوبيس الذي سيقلهما لشارع الهرم والفيلا الصغيرة التي يعيش فيها يوسف  مع عائلته ، وفي الطريق الطويل المزدحم من جامعه القاهره لشارع الهرم ، قص  رؤوف علي يوسف  مشاهد من حياته تكفي يوسف  ليقرر يحتضنه ويوسع له في عائلته مكان ، ربما حنان امه ودفء المنزل يفلح يهون عليه خياته التي قسي عليه فيها الجنرال قسوة بالغه من شده الحب والخوف علي وحيده الذي ماتت امه فجأ في ريعان شبابها وتركته له امانه ثقيله وحمل اثقل !!!
وبسرعه ، نسجت الايام والظروف بينهما مايكفي ليقدم كل منهما روحه فداء الاخر و.................... ماما يا رؤوف  ، ابتسم  رؤوف  وقبلما ينتبه اخذته صفيه في حضنها وكأنه ابنها الغائب فانهمرت دموعه رغما عنه وجعا وشوقا لحضن الام الذي حرم منه وصار له اما عظيمه رغم القدر وقسوته تهون عليه اليتم الذي نحل روحه واوجعها طيله حياته !!!!
وصار بينهما ماصار ، اخوة واكثر ، اصدقاء واكثر ، وكأن صفية انجبتهما من بطن واحدة ، الاول عاش في الاسكندريه والثاني في القاهره حتي التقيا في مدرج كليه الاعلام بجامعة القاهرة ..

( 19 )
وسترجع يوما يا ولدى
مهزوما مكسور الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر
بأنك كنت تطارد خيط دخان

رتب يوسف حقيبته واستعد للرحيل ، اخذ يطوي اوراقه الهامه بدقه و رقة وعناية ، يتأمل اسطرها ويقرأ معانيها وبسرعه يطويها بنظام وشجن فوق بعضها في الصندوق النحاسي العتيق الذي ورثه عن امه ..
يطوي يوسف اوراقه بدقة ورقه فوق بعضها البعض ، يبتسم احيانا والاسطر تتابع وشريط حياته امام عينيه يجري ، يبتسم احيانا ويهوي قلبه لجوف روحه حزنا وقلقا احيانا اخري اكثر..
ساعه من الزمن ماتبقي له ليرحل ، ملابسه في الحقائب واوراقه في الصندوق النحاسي والثلاجه فارغه مفتوحه الباب حتي لايفسد كاوتشها في غيابه الطويل ، نعم الارجح انه سيغيب طويلا ...
ساعه من الزمن ماتبقي له في بيته ليرحل بعدها للمجهول الذي لم يخاف منه ، يلف حول نفسه في الحجرة وكأنه يودعها ، يلف حول نفسه يتأمل الجدران والشقوق والصور الباهته والزجاج المشروخ في النافذه البحرية ، يفتح الادراج ويغلقها ، خاويه من كل ماله قيمه وذكريات ووجع ، اوراقه المطوية في الصندوق النحاسي تسأله هل ستعود يايوسف للبيت ، هل سترحل وتعود ، متي ستعود ، لماذا ترحل ، اسئله كثيرة تطارد رأسه بشواكيشها لايعرف لها اجابات ، كلها اسئله مشروعه من حقه يفكر فيها ويبحث عن اجاباتها لكنه فعلا لايعرفها ولايكترث انه لايعرفها ...
عقارب الساعه القديمه التي تركها ابيها من ضمن ميراثه تتسارع وتجري بوقت البقاء تقتله وتتحرك صوب نهايته ، انتبه يايوسف ، الوقت يجري وكلها اربعون دقيقه ويتعين عليك تفصل مفاتيح الكهرباء وقبلها تغلق محابس المياه والغاز لتخرج من الفيلا  مطمئنا عليها وقت غيابك ، تفكر في الفيلا والطمأنينة يايوسف وهل انت مطئمن علي نفسك ؟؟ لايكترث بالاجابه ويبعد اشباح مخاوفه عن راسه المتعب بجموحه ..
انت في لعبة كبيرة يايوسف  ، تعرف انك تلعب ، تبرر لنفسك مقامرتك بأنك لاتملك ماتخسره ، الا حياتك ، وحياتك ملكك انت ، حتي لوخسرتها وانت تلعب ستكون سعيدا بدلا من كل الركود البغيض الذي عشته وتعيشه !!! يقول لنفسه وربما يأتي صوت صمتها يشرح له نفسه كعادتها معه ...
مازالت عقارب الساعه تقتل بقيه الوقت وتأتي بالنهايه سريعه ، عشره دقائق متبقيه علي ساعه الرحيل ، اغلق الصندوق النحاسي ، فتح الدولاب العتيق ودفن الصندوق بين ملابس امه التي رفض يوزعها صدقه علي روحها واحتفظ بها لابنته التي لم تري جدتها لتتباهي بها ، هاهي الاثواب في الدولاب العتيق تنتظر الحفيده وهاهو الصندوق النحاسي يرقد وسطها ينتظر عتقا حين يعود يوسف  من غيابه الغامض ...
الوقت مازال يمر ، والدقائق تباطئت حتي لاينتهي المشهد بسرعه ، يوسف  يلف في الحجرة يملي نظره وعينيه من حجرة امه ويملأ روحه برائحة حنينها ،وكأن شبحها عاد للغرفه ليطمئنه ويودعه و..... ربنا يكتب لك في كل خطوه سلامه ياابن عمري ، تعيشي ياغاليه ، ترجع لي سالم غانم ، مايحرمنيش ابدا من محبتك ياامي ، صوتها يدوي في قلبه واجاباته تأتيه من ماضي قريب ، فقط الابتسامه لم يملك يرسمها علي وجهه مثلما اعتاد معها وقت دعواتها له ، فقط قبلته الحانية لم يملك يمنحها لكفها الدافء بحب ، شبحها يودعه ولايعود لحياته ، خلي بالك علي نفسك يايوسف  ،حاضر ياامي و.................. يخرج من الغرفه ويطفيء نورها ويتحرك صوب الباب ، يمر علي المرأة الكالحه بقرب الباب ، يلقي نظره سريعه علي شكله ويكاد ينفجر من الضحك ، من هذا الرجل يايوسف  الذي ترتدي ملابسه وشكله وتحاول تتلبس روحه ،كيف قبلت يايوسف  تعيش تلك اللعبه الغريبة ؟؟؟ وترك سؤاله بلا اجابه في صاله البيت وتسلل مسرعا للشارع صوب حياته الجديدة التي اختار يعيشها و........... ترجع لي سالم غانم ياابن عمري ، تعيشي ياامي وودع كل شيء خلف ظهره وبدأت المغامرة الغريبة التي قرر طوعا يكسر رتابه حياته و ركودها بها ويعيشها ...

( 20 )
يا محبوبي
لا تبكيني
يكفيك ويكفيني
فالحزن الأكبر ليس يقال

اطفئت انوار السرادق وانصرف اخر المعزين وبدأ العمال في فك الصوان واخشابه ورفع المقاعد علي السيارات ، رؤوف يقف امام البيت ومعه يوسف ، يتم رؤوف يقهره ويمنحه عيون زجاجيه وملامح متخشبة وضياع مخيف ، يتركه يوسف علي الرصيف ويشكر الجيران والمعزين واهل الشارع ، يحاسب العمال ويدفع الاكراميات ويسحب رؤوف من ذراعه ليصعدا للمنزل ، اليوم مات الجنرال ، مات علي فراشه بعدما خاض كل الحروب التي لم تمنحه شرف الاستشهاد فيها ، مات علي فراشه فجأ ، كأن قلبه الذي تحمل الكثير من الاحزان والهم مل الحياه فكف عن النبض  فرحل الجنرال ، اتصال تليفوني بيوسف في ساعه مبكره من الفجر وبكاء ونهنهة افهمت يوسف ان الهاجس المخيف الذي يعيشه رؤوف منذ فتره طويله قد تحقق وان  الجنرال قد رحل وان رؤوف تعيسا وحيدا يواجه من جديد يتم موجع ولحظه فراق فجرت كل احزانه القديمه ، سافر له ورافقه للمدافن واحتضنه ليداري دموعه عن المعزين وقام بكل مايلزم عليه القيام به و.................... اصبح البيت اكثر بروده والحياه اكثر وجعا ، همس رؤوف ، تعالي نروح بير مسعود وافقه بسرعه يوسف ، بشرط ، نصلي الفجر في مقام سيدي ياقوت ، رغم كل الحزن ابتسم رؤوف ، موافق و............ بعد بضعه ايام عاد يوسف للقاهره بعدما وعده رؤوف ان يلحق به علي عطله نهايه الاسبوع ، وهو وعد لم يفي به رؤوف الا بعد زمن طويل ..

نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزء الثالث



امنيات العشق علي عتبات المقام .. الجزء الثالث





 ( 21 )
ولفين ياخدنا الأنين
لليالي ما الهاش عينين
ولفين ياخدنا الحنين
لواحةالحيرانين

يجلسا متقابلين علي منضده بعيده عن المدخل بجوار النوافذ الزجاجيه العالية ، امواج الشتاء الرماديه الغاضبه ترتطم ببعضها فينفجر الماء البارد شلالات تضرب في النوافذ تكاد تخلعها ، انه مكانهما المفضل ، كازينو الشاطبي ، والوقت الذي يعشقاه معا ، اسكندريه في الشتاء ، علي اعتاب النوة التي ستضرب غدا في المدينه ، فيسيرا مثل المجاذيب تحت امطارها الهادره علي الكورنيش لتبتل ملابسهما بماء الامواج الهوجاء القافزه من عمق البحر للشارع ترسم ملامح شتاء يعرفا معا كل تفاصيله ويعشقاها ، انت جاي ليه يايوسف .. سأله رؤوف فابتسم له ببرود ، اشوفك، اتمني اصدقك ، جاي ليه ، عايز اغير حياتي يارؤوف ، كل الطرق اتقفلت في وشي ، قلت اجي اقعد معاك يومين ، نتكلم ، نسهر عند بير مسعود واتمني ، ازورح ضريح سيدي ياقوت واترجي ، لعل وعسي المقفول يتفتح والصعب يهون ، يحدق فيه رؤوف ، انت من يوم ما ماما ماتت وانت تايه يايوسف حيران ، مش عاجبك حالك لكن مش عارف تعمل في نفسك ايه ، انت بتتكلم عن خمس سنين يارؤوف ، اه بقالك خمس سنين تايه حيران مش عارف عايز ايه ولا مش عايز ايه  ، علشان كده جيت لك يارؤوف ، جيت لك تساعدني !!!
حدق فيه رؤوف طويلا غاضبا منه ومن تصرفاته الحمقاء استقال من عمله و طلق زوجته يتخبط بلا دليل ولا هادي بداخله نوة عاصفه تتفجر ولابد تصل لذروتها لتنتهي ،  يشعر عجزا يساعده، للاسف يايوسف ، فيه مواقف كتيره في الحياه محدش بيقدر يساعد فيها حد ، مواقف صعبه معقده انت في واحد منهم يايوسف ، قصدي احنا في واحد منهم ، انت يايوسف محتاج تساعد نفسك ، الحقيقه محتاج تنقذ نفسك ، احتمال تنقذ بدر كمان !!!
رفع يوسف عينيه الدامعتين في وجه رؤوف وهمس ، لاحاعرف انقذ نفسي ولا انقذ بدر يارؤوف ، لازم معجزة !!!
وكاد يرفع عينيه للسماء يترجي ويتمني لكن الضباب الاسود والسماء الغائمه واعاصير النوة اغلقت في وجهه ابواب الدعاء فادرك انه يتعين عليه يساعد نفسه وينقذها !!!
ومازالت الدائرة القاسيه تحكم قبضتها علي رقبته .....

 ( 22 )
يـا مـن صـورت لـي الدنيــا
كقصيـدة شــــــــــعـر
وزرعــت جـراحــك فـي صدري
وأخـذت الصبـر

عامين بعد الطلاق ، صراع مع ابيها ، صراع مع اخوتها الرجال الذين ضغطوا عليها بعنف لتعود لاسماعيل وكفاها قله ادب ، صمدت امامهم جميعا ، كلمة بهاء الازميري ترن في اذنيها تقاوم كل ضغطهم وسخفهم وتقويهم في مواجهتهم كلهم ، هي بغير لوحاتها ميته لاقيمه لوجودها لحياتها ، ارجع لابن امه الحيله ازاي ، المره اللي فاتت خزقتوا عيني ، خلتوني مااشوفش وانا شايفه ، المره دي حتعملوا في ايه ، يصرخ فيها شقيقها الاكبر ، انتي اللي بوظتي العيشه ، مارضتيش تخلفي وسبتي الراجل متعذب ، ماكنتش عايزه اخلف وانا مش واثقه اني حاكمل معاه حياتي، ماكنتش عايزه اخلف طفل يربطني بيه وانا عايزه اجري ، ماله اسماعيل يسألها ساخرا شقيقها الاصغر ، اسأله ماله ، اسأله امه بتتحكم فيه ازاي ، اساله بيجي علي ازاي علشان يرضيها ،ازاي بهيني لصالحها ، انت اللي حاطه راسك براسها ، غلط ، راسي مش براسها ، راسي فوق راسها ، انا مراته الست بتاعته اللي مفروض انه بيحبها ويراعيها ، مش يجي علي علشان خاطرها ، حديث عبثي لاتجد منه طائل ، تنهيه كعادتها ببرود ، الموضوع انتهي وخلصنا ، وبعدين ولا قبلين ، حاشوف حياتي واعيش ، يستسلموا مؤقتا لعندها مصميين يعودا ثانيا وثالثا حتي يحطموا رأسها فتطيعهم وتطيع زوجها الذي كان والذي سيكون وتكمل حياتها زي كل بنات الناس ماهي عايشه !!!
تتشاجر معهم ويضغطوا عليها وتبكي وتصرخ وفي النهايه تتسلل لمرسمها ، الاوراق كبيرة والالوان صاخبه واللوحات تناديها لترسم وتبدع ، قررت ترسم القاهره التي تحبها ، بعينيها كما تحب تراها ، هذه الحديقه قضت فيها طفولتها في المعادي مع صديقاتها ، هذا الكوبري سارت فيه مع الحبيب الاول الذي نسيت شكله يرسم معها المستقبل ملونا وقبلما تصدقه سافر ، نسيت الحبيب وبقي الكوبري حبيبها مزركشا باحلامها الملونه ، هذه ساعه الجامعه التي طالما تمنت تصعد فوق قمتها لتري العالم كله تحت قدميها ، هذه جزيره الشاي في حديقه الحيوان والوز والبجع الابيض يسبح يرسم دوائر الفرحه علي وجه الماء ، هذا مدرج الكورة الذي جلست فيه وهي ترفع علم مصر يوم الفوز ببطوله كأس الامم الافريقيه ، هذه شرفه فندق سميراميس وقتما كانت طفله يصطحبها ابيها ليحتسي القهوه وتأكل هي الايس كريم كل يوم جمعه ، يخدم عليهم نادل نوبي بابتسامه ناصعه البياض ، هذا شارع الهرم بمزارعه واشجاره القديمه وقت الغروب والهرم يقف شامخا في نهايته ، الاماكن التي تحبها في المدينة ، الاماكن التي صنعت تاريخها وصنعتها ، الاماكن التي تركت فيها ذكرياتها وصنعت بها احلامها ، هذا هو معرضها الجديد ، مدينه اعشقها ، مدينه امنحها كل حبي فتمنحني كل حبها ، هذا هو المعرض الجديد الذي تشتغل في لوحاته ورسوماته ، تقضي بين لوحاتها والوانها كل امسياتها ، ترسم وتفكر وتتمرد وتتشاجر مع الحياه بالوان عفيه وريشه قويه وملامح حانيه دافئه للمدينة التي عاشت فيها فسكنتها ، مدينة اعشقها ، هل كانت تعرف مها وقت قررت ذلك المشروع الذي اعتبرته يكفي لعشر سنوات من حياتها وعشره معارض ، هل كانت تعرف ان عنوان المعرض والمشروع سيجلب لها وعليها كل ماعاشته ، هل كانت تعرف ان يوسف يبحث عن امرأه يعشقها فعثر علي المدينه والمرأه وبدلا من احتواءهما والعيش في العشق ، قتل نفسه والعشق وهجر المدينه وهجرها ، هل كانت تعرف مها ان كل مايحدث سيحدث بسبب رسالتها للمدينة التي تعشقها .. ولو كانت تعرف حتي ، هل كانت تملك تغير النصيب والقدر والمكتوب !!!!
ومازالت تسمع عبد الحليم يغني ، ياللي وانت بعيد معايا ، نفسي يوم تسمع ندايا ، تعالي تعالي !!!! وترسم لوحات المدينه التي تعشقها !!!!

( 23 )
بحياتك يا ولدى امرأة

قهوة سادة ، نطقا بنفس الكلمات في اللحظه التي سألهما النادل ، تشربوا ايه ، ابتسم يوسف وضحكت هي بصوت عالي ، شرح لها ، لازم القهوه تكون ساده علشان احس بطعم البن ، شرحت له ، لازم تكون ساده علشان ابتدي اليوم ، تداخلت كلماتهما السكر بيوبظ طعم البن ، انفجرا ضاحكين معا في تلك اللحظة ..
ليه الباستيل ؟؟ سألها ولاحظ  الجاكت الانيقة الزرقاء التي ترتديها علي بنطلون اسود ، ليه الباستيل ؟؟
ضحكت مرتبكه كأنها لاترغب في شرح نفسها ، سجن !!
عارف طبعا بس ليه ؟؟ لاني ماكنش ممكن اعشق المدينه الا لما اخرج من السجن ، تذكرة واحدة للخروج والدخول !!!
بس كل اللوحات روح واللوحه دي روح تانية ، عواصف من البهجه وشعاع حزين وسطها !!!
سجن يااستاذ يوسف ، ايوه ، كان ايه لزمه السجن وانت بتتكلمي عن المدينة التي تعشقيها ، يرسم خطوط ودوائر الورقه التي اعدها لتدوين اجابتها في الحوار الذي برر لنفسه لقاءها بسببه ، كنت بابعت رساله للحياه ان مافيش بهجه طول مافيه سجن ، وقلت افكرهم بشكله بحزنه بلونه ، علشان يقدروا قيمه الحرية اللي عايشين فيها واللي انا كمان بقيت عايشه فيها !!
يحدق في الجاكت الازرق ويبتسم ابتسامه لاتفهمها ، يدفن رأسه في فنجان القهوه ويرتشف بعضها ببطء وتركيز ، فتح علبه سجائره وعرضها عليه ، مابحبش السجاير لكن بحب ريحه الدخان ، وبسرعه تداركت ، الدخان مش ريحه السيجار ، حدق فيها وكأنه يتمني يسألها ليه لكنه صمت وغير مسار حديثه ، بس انا حاسك مش حرة ، حاسك لسه في السجن ، انا ؟؟ لاااا ، لو كنت شفتني في السجن ماكنتش عرفتني النهارده !!
طيب والازرق يافنانه !!!
ارتبكت بشده ، تمنت تنسج بينهما حواجز تمنع الطوفان الذي يحيط بسياجها القوية ، تمنت تعيده للحديث عن المعرض واللوحات ، تتمني لكنها لاتقوي ، طوفانه يحيي في روحها احساس نسيته منذ سنوات كثيرة ، التفاصيل ، هو يهتم بالتفاصيل ، ومن التفاصيل تأتي المعرفه والقرب والحب والكره ، يري تفاصيلها جيدا ، يزداد ارتباكها ، حاستني كتير علي ماتردي ؟ انتي لسه محبوسه في الازرق ، هدومك ، وصمت كأنه يعتذر ، كلامي ضايقك ، بصراحه وعفويه هزت راسها نفيا ، المرتين اللي شفتك فيهم كنتي لابسه ازرق ، ورسمتي الباستيل باضاءه زرقاء ، هل خرجتي منه ومازال يحتلك؟؟؟
صمتت طويلا تلملم بعثره روحها التي اجتاحها الطوفان ، اطلب لك قهوه تاني ، ياريت ، تعطي نفسها فرصه لتفكر في اجابتها علي سؤاله ، لايتركها تنظم افكارها ، انت فنانه وعارفه ان الازرق لوح اكتئابي ، المرحله الزرقاء لبيكاسوا ، لا مش اي ازرق ، ضحك يحسها تلميذه صغيره امامه تداري اجابتها الخاطئه في ورقه الامتحان ، براءتها استفزته ، استفزت الرجل الذي ماتت مشاعره مع سهام ، استفزت الرجل الذي مازال يجيد اقتحام الحصون وسلك الدروب الموصده والوصول لست الحسن والجمال ، انتبه في تلك اللحظه لوجهها الجميل ، ارتبك ، هل ستقتحمه مثلما اقتحمها ، هل ستغزوه مثلما يحاول يغزوها ..
قهوتك بردت ، همست تغير الحديث ، ارتشفها مره واحده وقلب الفنجان علي طرف الطبق ، انفجرت ضاحكه ، بتشوف البخت ، همس وقلمه يرسم دوائر متشابكه علي الورقه البيضاء امامه ، عمري ماحسيت اني عايز اشوف البخت زي دلوقتي !!!
انا فعلا لسه محتله بالباستيل ، لسه قضبانه جوايا ، لسه متعورة وماخفتيش ، و.......... اطمأنت له وهاهي تبوح بما تتمني تقوله لكن احد كان لايكترث !!! وشرحت وحكت وقصت عليه مالذي مرت فيه وكيف خرجت منه ، خرجت من الباستيل اه لكن لسه متعورة باطبطب علي روحي ، وانا رحت فين ، بعفويه همس فارتبكت ، غير اتجاه الحديث بسرعه لكن رسالته وصلتها وامتنانها وصله ،  انا طلقت مراتي من ثلاث سنوات ، عندي بنوته عمرها سته سنين ، هما في الكويت وانا قاعد لوحدي ، هاهو يبوح ايضا بما يتمني يبوح به ، دخان السجائر ينسج بينهما ممر امن يجعل الحوار سلس والكلمات مطمئنة والاسرار تنهمر علي المنضده مابين غربين كانا ولم يصبحا  ...
لا معنديش اولاد ، عايزه اخلف من اللي باحبه وانا عمري ماحبيت اسماعيل !!! اسمه اسماعيل ، مش لايقك عليك !!! انفجرت في الضحك ، هذا الرجل يرسل لها رسائل تفهمها ، تضحك اكثر ارتباكا وخوفا ، الفشل مخيف يااستاذ يوسف ، يوسف بس يامها ، يدك الحصون بسرعه وببراعه ، الفشل مخيف يايوسف ، بعد اول تجربه فاشله في حياتك تخاف لتفشل تاني فتفضل مكانك ، اضاف او ترجع لورا ، كل الدنيا تتحرك لقدام وانت ثابت مكانك فترجع لورا !!!
و................... ساعات قضوها معا ، يتحدثوا في اي شيء وكل شيء الا معرضها ولوحاتها ، ده تليفوني ، ياريت تكلميني ، مش حاخد نمرتك الا لو كلمتيني ، اصل وحدق في عينيها ، اصل الفشل مخيف يااستاذه مها ، قصدي يامها !!!!
و...................... بدا لكل منهما ان الايام سترسم بينهما شيء ما لايعرفاه بعد لكن شيئا ما بينهما ينسجه القدر ، بحلقات الدخان الرمادي الدافئه بانفاسه وفناجين القهوة المقلوبة والحصون التي دكت والحواجز التي رفعت والبوح المطئمن !!!!
مها ..... علي الرصيف امام الفندق صرخ وهي تتحرك بسيارتها ، ماتلبسيش ارزق تاني ، باكره اللون ده !!! لوحت له باصابعها تودعه وسؤال حائر علي شفتيها ، عرفت منين اني مش ناويه البسه تاني وتحركت ببطء وهي تسأل نفسها ، هي ايه حكايتك يايوسف !!!

 ( 24 )
خاصمني يا زماني
وارجع صالحني تاني
ناسيني الي جرالي
في العمر الاولاني

انا حاطلق سهام يارؤوف ، بتقول ايه يافندي انت ، بقولك حاطلق سهام ، خلاص تعبت اتخنقت ، مرهقه مزعجه كئيبه قوي ، يصرخ يوسف  ، صوته يضيع ويتبعثر عبر الاثير فلايسمعه  رؤوف بوضوح ، بقولك ايه ، هات بعضك وتعالي ، يومين علي البحر زي زمان نتكلم وافهم وبعد كده قرر اللي انت عايزه ، حاشوف ، همس يوسف  متعبا ، لا حتيجي ، صرخ رؤوف باصرار ، واغلق الخط قبلما يقل يوسف  اي كلمه اخري ..
في القطار هام يوسف  مع افكاره ، طلق سهام فعلا قبلما يتوجه للاسكندريه ، يعرف مالذي سيقوله له رؤوف  ، سيضغط عليه ليحافظ علي حياته الزوجيه من اجل بدر ، الاتستحق تلك الصغيرة تضحيتك لصالح اسرة مستقرة تقيها مااوجعنا وماعانينا منه ،  رؤوف يصدر ماضيه حكما علي كل الحاضر ، يتعثر كثيرا في الحاضر لان الماضي يملأ دروبه بالوجع الذي يعجزه عن التفاعل الحر مع الحياة ، القطار ثابت مكانه والطريق يجري باشجاره باعمدة النور بمحطات القطار المتلاحقه ، كله يجري والقطار ثابت ، كمثل حياتك يايوسف  ، كل شيء يجري حولك وانت ثابت مكانك ، تزوجت سهام ابنه خالتك  واختيار امك لانها ست بيت ممتازه وبتحبك وتعرف تلمك ، لكنها ياامي لم تلمني بالعكس دفعتي صوب العبث واللهو والجنون باندفاع احمق ، لاتفهمني لاتحس بي لاتقدر مشاعري لا تنصت لاوجاعي ، مستبده ، زوجتيني ياامي سيدة مستبدة تصورت ان اهم واجباتها في الحياه ان تعتقلني في دوائر الواجب والاصول ، الزوج المحترم يعمل والزوج المحترم مايعملش ، ولاني لست زوج محترم كما تري " نقاوة عينك " افسدت حياتي بالاوامر والنواهي ، افسدت حياتي بالتأنيب والتأديب ، تصورتني احد تلاميذها المشاعبين في المدرسه التي تعمل فيها ، احد تلاميذها المشاعبين عليها تعاقبه طيله الوقت عله يرتدع ويتأدب ، هذه " نقاوة عينك " ياامي التي افسدت السنوات السابقه من حياتي ولن اسمح لها تفسد ماتبقي من ايام وعمر ... طلق سهام وقرر يستجم علي البحر مع رؤوف عله يصالح روحه علي روحه ويستكمل حياته بلا وجع ، الا بدر !!!

 ( 25 )
إن كـنت أعـز عـليـك
فـخذ بيــدي


في الحديقة وحيدة بعدما نام ابيها واطفئت انوار الفيلا ، وحيده تسترجع في اذنها كلمات استاذها الدكتور بهاء الازميري ،  كنت في مجمع الفنون امبارح في زياره لمعرض صديق هناك ، دخلت معرضك بالصدفه ، ابتسمت وانتظرت رأيه ، تصورته سيحيها او يشكر في لوحاتها ، زعلت قوي يامها ، روحك شاخت وريشتك عجزت واللوح هزيله خرساء ، كأن واحده تانيه اللي راسماها مش انتي ، ارتبكت ، بطلي ترسمي يامها لغايه ماتخفي من اللي انتي فيه ، مقدرش ، يبقي اخلصي من اللي انتي فيه لو عايزه تفضلي ترسمي ، و وضع الاستاذ النقطه الضائعه في نهايه السطر الحائر ، وحسم لها امرها التي طالما عجزت تحسمه ، انتصر استاذها علي ابيها وتقاليد العائله وقرارها المائع بتأجيل الثوره وهدم سجن الباستيل والفرار منه للحياة الرحبه وافاق الحرية ..
مازال تتذكر وقع حديثها علي وجه اسماعيل ، بتقولي ايه ، عايزه اتطلق ، تعبت !! تلون وجهه مائه لون وتغيرت ملامحه مابين المشاعر المختلفه في نفس الثانية ..
هل سمعت احسن ، هل سمعت موافق ، هل سمعت في ستين داهيه ، هل سمعت كل هذا واكثر ، بمنتهي التكبر وساقه فوق الاخري وحذاءه في وجهها ودخان سيجاره الكوبي الكريه يكتم انفاسها ، وافق زوجها ابن امه والعائله الكبيرة علي تطليقها وبسرعه كأنه يتخلص من عبء وجودها في حياته واشترط عليها ، تمشي لما نتطلق ، افصح لها بعباراته مريرة انه لن يقبل ان تعود لبيت ابيها وهي علي ذمته ، موافقه ، وقضت الليله الاخيره في زواجها يقظه طيله الليل تنتظر النهار الذي سيمنحها حريتها و............. وقعت علي ورقه طلاقها وتنازلت عن كل حقوقها واغلقت الباب خلفها وخرجت من البيت وهي لاتعرف مشاعرها ، لاتعرف معني حريتها ولا انفصالها عن ذلك الرجل الذي التهم عشره سنوات من شبابها ، سعيده ربما راضيه احتمال هادئه ساكنه اكيد ، كل ماتذكره من تلك اللحظه صوت الزير الذي قذفته ام زوجها من الشرفه وهي تزغرد فرحه برحيل بوز الاخص من حياة ابنها !!! وحرية ، اخاء ، مساوة و...... تحررت من سجن الباستيل وخرجت للحياه الرحبة !! ومازالت في الحديقة وحيدة والليل مازال طويل !!!

( 26 )
مقدورك ان تبقى مسجونا
بين الماء وبين النار
فبرغم جميع حرائقه
وبرغم جميع سوابقه
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والاعصار
فالحب سيبقى يا ولدى احلى الاقدار


سنوات العمر مرت ، ومازلت تائه ، مالذي تبحث عنه يايوسف  فبددت ايام العمر في ارهاق وحيرة ، مالذي تبحث عنه ؟؟..
في غرفه صغيرة في فندق بسيط تطل نوافذه علي البحر ، ينام يوسف  علي سرير حديدي فقير والكوابيس تمزقه كمثل كل ليلة..
يري نفسه في الكابوس المعتاد هرما عجوز ، يري بقايا شعره الابيض مبعثرا فوق جمجمته المحطمة بافكاره وعذاباته ، يري نفسه هرما عجوزا ، يري عصاة ابنوس سوداء ملقاة باهمال مرير علي جدار الحجرة تفصح عن خطوات متعثرة تحتاج من يرعاه علي الارض الساخنه الملتهبة بشمس الصيف الجميل الذي حلم به ولم يعشه !!!
في الكابوس يري نفسه هرما يرتدي ملامح لاتخصه وملابس لاتعجبه ويدفن روحه في اعماق قاع نفسه ، يدفنها يحظرها لاتقفز فجأ تكشف حقيقته ولو لنفسه ، يدفن روحه التي يعرفها ويركن لروح بارده احتلته وقتما قرر يهرب من نفسه ومن اختياراته الصعبه ، مااسهل ان تهرب ومااصعب واشق ان تعود !!!
في الكابوس يراها تلومه بعيون دامعه ، لانه حطم باقي امانها وطمأنينتها ، تلومه بعيون دامعه ، مازال يذكر حوارهما الاخير تناشده يعود فيتكبر عليها وينكر هروبه ، تناشده ينقذ نفسه وينقذها فيضيق بحبها ومحاولاتها الدؤوبة لانتشاله من دوامات طوعيه قرر ينتحر فيها فلم يمت ولم يعش وتاه من نفسه ومنها !!
صوت البحر وموج الشتاء ورياح النوه يعصفوا بنوافذ حجرته الصغيرة ويزلزلوا اساسات الفندق الصغير القابع فوق الرمال الرطبه ويكادوا يقتلعوه ليهيم علي وجه العاصفه قشه صغيره تطيح بها الانواء حسبما تشاء ، يري نفسه يقبض علي القشه وكأنها ستنقذه لكنها تضيع وهو معها ، صدي الصخب ورعب الليل يقتحموا كابوسه فيزداد وحشة ورعب ، تأتيه بدر تلومه لانه تخلي عنها لامها ودفعهما للرحيل بعيدا عن حياته ، وليتك استبقيتني معك ، ليتك حافظت علي ، ليتك منعتها تحرمني منك ، لكنك ياسيدي كنت اناني لدرجه قطعت جذورك من الارض وحلقت كبالون فارغ تتلاعب به العواصف بين السحب الداكنه ، كنت ابنتك وكنت ابي ، لكنك قررت تخلص من قرارك الخاطيء بالزواج من تلك السيدة التي لاتشبهك ، تتخلص من قرارك نهائيا بكل اثاره ونتائجه بما فيها وجودي في حياتك !! يبكي بين يدي بدر ويتمني صفحها ، يتمناها تسامحه وتتفهم ازماته ، تبتسم مها في ركن قصي من الكابوس ، هي خارج المشهد وداخله ، بدر لم تتفهمك وانا ايضا ، من فهمك يايوسف  ، هل فهمت نفسك ، في الكابوس تنهمر دموعه بارده فيتعجب من هلاوس النوم التي تحيل الدمع الساخن لشذرات ثلج ازرق بارد تمزق بقايا اقنعته تبحث عن ملامحه التي تخلي عنها وقتما قرر يتوه بارادته واختياره في الحياه ، تبتسم مها ابتسامه تشبه الحزن والدموع ، لم تتوه يايوسف  ولم تخطفك الساحرات الشريرات ولم تكن ابدا مفعولا به ، لقد قررت يايوسف  ، قررت ، قررت تتخلي عن حياتك وتتلبس حياة اخري ، ربما تمنحك بعض المتع التي عجزت عن العثور عليها ، لاتبرر لنفسك مافعلته فينا انت وبدر وانا وكأن مغصوب مجبور ، هذه قراراتك يايوسف  فلا تلم الا نفسك !! في الكابوس مسح دموعه البارده والتفت لها وسألها ساخرا وماذا عن قراراتك انت ايتها الحبيبه ، مالذي فعلتيه في نفسك وفي حياتك ، لماذا تلومني ولا تلومي نفسك ، لماذا تحاسبيني ولاتحاسبي نفسك ؟؟ وانفجرت في البكاء فشاركها حزنها واستيقظ مرتاعا وكأنه يعيش الكابوس بحق وكأن مها وبدر يشاركوه احزانه واوجاعه ، كل في فراشه يبكي ، الكابوس  الجماعي الذي اعتادوا يعيشوا اوجاعه معا انتهي والفجر اوشك يشرق والنهار المتكرر بعذاباته الصغيره يطل بين ظلال اليقظه التي تنهي الليل وكوابيسه ، بدر تبكي في فراشها لان صلتها بابيها انقطعت وتلاشت ، تتمناه يأخذها في حضنه يهديء روعه كمثل كل الاباء الطيبين ، لكنه لم يفعل ولن ، مها تبكي في فراشها لان الرجل الذي منحته قلبها هجرها وقلبها واختفي ، تسير في الشوارع تبحث عنه في الوجوه الغريبه عله يكون مرتديا احدهم فتفاجئه انها تعرفت عليه فيكف عن المكابره والعند ويعود لها ، لكن لم تفلح تعثر عليه وهو لم يعود ولن ، يوسف  يبكي في فراشه ، يبكي لان بدر تلومه ومها تلومه ولان الحياة الصاخبه الملونه التي يعيشها الجميع لم تمنحه هو شخصيا الا اقتم وجوهها لم تمنحه الا دموع بارده ووحشه ، نعم هو في الاسكندريه فعلا ، في الفندق البسيط فعلا ، علي سريري حديدي رخيص ينام فعلا ، والنوه تعصف بالسماء والارض والبحر ، والموج يتقافز ويشب ويلتحم بالضباب الرمادي يزيده سوادا ، نعم كل هذا يحدث مثل الكابوس الذي لايفارق لياليه منذ سنوات بعيدة ، لكنه لم يهرم بعد ولم يهزم بعد ، ومازال يملك اختياراته ليعود وينهي التوهه والحيره ، لماذا تبكي اذن يايوسف  ، دعني اخبرك سرا انا الجنية الطيبه التي تقف علي عتبات نومك لاتقفز في كوابيسك ولاتحيلها لاحلام ملونه وطيبه وفرحه ، دعني اخبرك سرا ، انت تبكي لانك قررت الا تنقذ نفسك وكأن حياتك لاتساوي ، تملك لو اردت تنقذ نفسك ، لكنك لم تفعل ولن !!! و................. ومازال الخدر يذهب بوعيه ويعود ويراهم وكأنهم جميعا يبكوا والكوابيس تحتل ارواحهم والجنيه الطيبه تراقبهم عل احدهم يقرر في لحظه شجاعه ينقذ نفسه فتساعده ، لكن احد منهم لم يفعل ولن !!!!
ينتفض يوسف من الفراش والظلام يلفه يبحث عن تليفونه ملتاعا وجلا ، يتصل برؤوف ، اصحي ياروؤف وتعالي معايا ، انا طالع علي هناك ، علي ضريح سيدي ياقوت العرشي، فيه ايه يايوسف ، حاتعرف لما تيجي يارؤوف ، يالا تعالي ويرتدي ملابسه علي عجل ودموعه تنهمر علي وجه حائره مثله و................. علي سلم الضريح يقابل رؤوف ، فيه ايه ، محتاج المدد والعون ، تعالي نصلي الفجر وادعي لي ربنا ينور بصيرتي ببركه وشفاعه اولياءه الصالحين ، مالك يايوسف ، حسمت امري يارؤوف ، لازم حامشي ، الوقت حان ، وبعدين ؟؟ نصلي الفجر ونتكلم ، بعدين دي اللي حنعرفها بعدين!!!!
وارتفع صوت الآذان عاليا فهمس يوسف ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، ونظر لرؤوف بعيون دامعه فلمح دموعه تنهمر علي وجهه ، لعلهما معا في تلك الثانيه تذكرا ان سيدي ومولاي ياقوت العرش لايؤذن إلا إذا سمع الأذان من عند العرش ، لعل قلبيهما ارتجفا وسبحانك ربي جل جلالك ومدد ياسيدي ياقوت مدد !!!!

( 27 )
قد تغدو امرأة يا ولدى
يهواها القلب هى الدنيا

انا صاحية لو عايز تكلمني ده تليفوني ... رساله وصلته في منتصف الليل بلا توقيع ، ابتسم ، هي ، تأخرت كثيرا في اتصالها ، خائفه ، مازالت في زنزانتها حبيسه الماضي واوجاعه ، حدق في كلمات الرساله وابتسم ، مستيقظ يقرأ في كتاب لايعي معاني كلماته ، النوم يجافيه والوحدة تؤرقه وهي بعيده تخاف تقترب ، ستقترب ، يؤكد لنفسه ، رسالتها التي وصلته في لوحاتها تؤكد انها ستقترب منه ، يخاف عليها من وحشة روحه التائهه ، يخاف عليها فراشه رقيقه تحترق بنيرانه المستعره حيره وصراع ، يحدق في كلمات الرساله ويرددها علي مسامعه كأنه يسمع صوتها ، يري وجهها ملامحها عينيها المتوهجتين وجنتيها الوردتين ، يتمني يسمع صوتها ، تؤنسه في الليل الموحش الطويل ، مازالت تخافه وتخاف الاقتراب منه ، ابتسم فرحا ، الوصل بينكما امتد ياابو حجاج والا ماكانت خافت منك ومااحتاطت ، قلبها الصغير كالعصفور الاخضر ارتعش بوصلك يايوسف ، وخوفها ايه ، يحدق في الرساله وينفث حلقات الدخان ويتذكر مقابلتهما الاولي ، والقهوه الساده والمدينه التي تعشقها ووجعها المشحوذ يمزق روحها والخوف من الفشل ، و............ يرد عليها ، انا كمان صاحي وانتي عارفه نمرتي و............ يرن تليفونه المحمول فيفتح الخط وبسرعه ويسمع صوتها متهدجا مرتبكا ، ويشاكسها ، ايه اللي مصحيكي لدلوقتي ، كنت بارسم وايه اللي فكرك بي ، صمت ، يتمناها تقول له بافكر فيك علي طول ، يتمناها تقول له انا اشتاقت له ، يتمناها تمد الوصل بينهما وترتق جروحه روحه المبعثره حيرة ، وحشتني وارتج بدنه وروحه ، ضربته بالقاضيه في قلبه ، انتي وحشتيني اكتر وسقطت الحواجز وانهارت الحصون واشوفك بكره ، ولولا اني عاقل كنت قلت لك دلوقتي ، وانفجرت في الضحك كهديل الحمام ضحكا حنونا دافئا و................. تلونت احلامه واشرقت الشمس في منتصف ليله مائه مره كلما داهمته ابتسامتها الحلوة في الحلم و................. انت وحشتيني اكتر وغلاوتك عندي ، وحشتيني اكتر واحس يقظا وغافيا ان الحياه اجمل واجمل ...

( 28 )
والغافل من ظنّ الأشياء
هي الأشياء!

وقف القطار في طنطا ، ابتسم يوسف  ، شالله ياسيد يابدوي ياشيخ العرب ، شالله يااولياء الله الصالحين شالله يااصحاب العشم والشفاعه ، وقف القطار في طنطا في طريقه للاسكندريه ، سيقابل رؤوف ويحكي له ومعه عن مها ، الحبيبة التي غيرت الحياة وستغيرها للاجمل ، فنانه يارؤوف فنانه ، موهوبه مبدعة جميله قوي ، هي نصي وانا نصها واحنا الاتنين مع بعض بعض بجد ، صمت رؤوف طويلا ثم بادره ، تعالي يايوسف نتكلم ، انت متلخبط الايام دي ، متلخبط قوي وانا خايفه عليها منك !!!
ضحك يوسف ضحكات متلاحقه ، مش قوي كده يايوسف ، وبعدين مين قالك ، مش جايز هي اللي تعدل حياتي البايظه ، تنهد رؤوف وهمس ، طيب تعالي يايوسف نتكلم ، حاستناك الخميس الصبح في كازينو الشاطبي ، سلام ، تضايق يوسف من مكالمه رؤوف ، لماذا لم يفرح بقصته مع مها ، لماذا لم يتفائل ويقويه ويسنده روحه ويدعم اختيارته ، لماذا افزعه بكلماته فارتعش قلبه اكثر واكثر ...
القطار مازال في طنطا والمسافرين يهبطوا ويصعدوا والقطار واقف مكانه ، روحه هناك في المقام ، مقام السيد البدوي شيخ العرب وفي ضريح سيدي ياقوت العرشي ، احس شوقا جارفا لسيدي ياقوت ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، الليله ، هكذا قرر ، سيذهب للضريح ويصلي ركعتين شكر وركعتين شوق لله ولاولياءه الصالحين ، اهديني ونور بصيرتي ياابو مهجه ، اهديني ونور بصيرتي للي فيه الصالح والخير ، طمن القلب اللي حار واحتار والروح اللي تعبت وتاهت وردت، اهديني ونور بصيرتي ياابو مهجه ، مدد ياسيدي ياقوت مدد ، مازال القطار واقفا في محطه طنطا ، ومازال يوسف  يهذي ، كأنه اختطف للضريح ، ضريح سيدي ياقوت العرشي ، كأنه اليمامه التي حطت علي كتف ياقوت العرش وصحبته للقاهره تشكو ذبح فراخها الصغار ، جيتك ياسيدي في حضرتك ومكانك ، هناك الحاجه متلبيه لما القلب يسلم نفسه لصاحبه ، هناك الدعا مستجاب لما الروح تطيع وترضي ، جايلك ياسيدي ياقوت حيران تايه ، الدنيا كلها مشيت وسابتني ولما قلت هي اللي مافيش غيرها يهديني ، رؤوف قاوحني ، رؤوف صاحبي ماانت عارفه ، ياما انا وهو جينا وصلينا واسترجينا ، رؤوف قاوحني وخوفني ، ثبت مكاني اكتر ، وقفت مكاني لما رجعت لورا ، جيت اشكي لك واستجير بيك وماينفعيش غير شفاعتك جمد قلبي وقويني وعلي الحق ثبتني وافتح لي الدروب المقفوله وهون الصعب ونور بصيرتي ياابو مهجه ، تنساب دموعه علي وجنتيه ارتباكا ، شوقا للضريح وصاحب المقام ، شوقا لامه التي رحلت وتركته وحيدا ، شوقا لبدر التي ابعدها وتلظي ببعدها ، شوقا لمها التي احبها ويخافها ويخاف منها وعليها ، يبكي ويبكي والقطار يتحرك ببطء ببطء ومازال الطريق طويل ياسيدي ياقوت ، مدد يامولانا مدد ، قويني وخد بايدي !!!

( 29 )
أطهر قلوب الدنيا قلب اللهيب
أصدق لسان إن كان لسان اللهب
جنون غضب بعد السكون الرهيب
تصفى النيران وتبان حقيقة الدهب


وسط الظلام الدامس وصوت قرآن الفجر يلف الصحراء يزيدها ورعا ، ايقظه الشيخ علي ، يالا يايوسف ، تحرك بسرعه متدثرا بغطاء صوفي خشن متعثر الخطوات الثقيله في ركام الرمال العميقة ، حاول ينام في السياره لكن الفضول ايقظ كل اعصابه فعجز عن النوم طيله المشوار الطويل، الشمس تشرق ببطء علي الصحراء الغامضه فتكشف بعض اسرارها رويدا رويدا ويتحول الازرق الداكن لحمرة باهته ثم لهيب حارق ويتجلي النهار ساطعا تخيم علي لحظاته الاولي حرارة اغسطس ولهيب ريحها العاصف يتلاعب بالسيارة وسط تلال الرمال و............. يغمض يوسف عينيه ، الغيبه طالت والبعد كمان ، انت تقامر يايوسف تقامر بكل ماتحبه ، يبتسم ، قامرت وقضي الامر وامر الله غالب ، لما حترجع حتكون مش انت وجايز تلاقي الدنيا كلها مش زي ماسيبتها وجايز ترجع تلاقي مكانك ، انت وحظك بقي ، بس كل اللي حصل كان لازم ، تختبر نفسك وتعرفها ، تستقوي علي قلبك وتقسي عليه ياطابت يااتنين عور ، تسكن الحركه فجأ فيفتح عينيه يكتشف اين ذهب به الشيخ علي ، انزل يايوسف ، انزل ياولد ، كل حاجه متجهزه ومنتظراك وربنا يقويك ويقدرك علي اللي متقدر لك و........... يدخل تحت سقف خيمه كبيرة ، يناوله احد الرجال سطل ماء كبير بارد ، اشربه لاخره يافندي ، اشربه وحتشكرني ، يسحبه اخر من يديه ، اخلع كل خلجاتك وسلمنا نفسك ، يهز الشيخ علي رأسه ليطمئنه ، قوي قلبك ياولد ، ينام علي كنبة خشب فيسكبوا علي جسده زيوت نافذه الرائحه ويدلكوا جسده بها ، يحس الزيوت تتسلل من مسام جسمه لقلبه وروحه ، رائحتها تجري في عروقه ، تنفذ لرئتيه ، يسعل يضحكوا ، لازم كده ماتقلقش يافندي ، ومازالت كفوفهم الماهره تجري فوق جسده اقوي واقوي ، تدفن الزيوت العطريه تحت جلده ، ايه ده ، عطر لزوم الدفن !! يكاد ينتفض يوسف ، دفن ، ايوه يافندي خليك مكانك ودلوقتي تعرف كل حاجه ، وتتسارع كفوفهما علي جسده ويحس السماء تسقط علي قلبه والهواء ثقيل وحراره اغسطس تمر علي جسده المسجي بالزيوت الثقيله تسخنه وتسخنها وتفوح الروائح الثقيله في الجو ، ينهوا الرجال بسرعه من مهمتهما ، يناولوه سطل من الماء البارد ، اشرب يافندي ، يسكبا عليه سطل اخر ، ينتنفض جسده القوي مصعوقا بالماء المثلج المنساب علي جسده الساخن ، يسحبوه من ذراعيه ويسايرهما خاضعا حتي حفره عميقه في الارض ، انزل يافندي ، يتوتر يوسف ، يضحك الشيخ علي ، ياولد لكل اجل كتاب ، لو عمرك حيخلص هنا يبقي هنا ولوين حتفر من قدرك ، انزل ياولد ، رائحه الزيوت العطاره تزداد كثافه في الجو وتغلق انفه وتطبق علي شفتيه ويحس الكون يتشرنق حوله ويكاد يسمع نحيب امه وكأنه مات وكأنها تنعيه وترثيه وينزلق جسده في الحفرة العميقه ، عاريا كما ولدته امه الا من شرنقه الزيوت الثقيله التي تزيدها الحراره ثقلا وسخونه ، الحفره ساخنه بل لاهبه جدرانها تفح حراره وارضها التي القي عليها جسده ساخنه وكأن جمر من نار يشتعل تحت جسده وبسرعه القوا عليه الرمال حتي غطته تماما ولم يبقي الا رأسه فوق الارض واغمض عينيه واستسلم لقدره وللنصيب ، دوار هائل يلف به وبرأسه ، يشعر وكأن الحفرة تدور به فتدور رأسه ، تاره يراها مدفونه تحت الرمال الساخنه وتاره يحسها تتمزق وتكاد تتحطم بفعل دماء ساخنه تجري تندفع من جسده المشتعل لرأسه ، تاره يتمني يبكي وتاره يكاد يصرخ ، خرجوني ، وتاره يستسلم لمصيرة و............ يجتاحه العطش والريح الساخن يمر علي شفتيه يمزقهما بسياط حارقه ويتوه رويدا رويدا ، يتوه وكأنه احتسي مائه سطل من عرق البلح ، يتوه ويسمع صوته وكأنه يهدي ، يسمع صوته يناديها ، يسمع صوت نحيبه توحشه ويشتاق لها ، يسمع صوته يناديها يتمناها تدفن معه في تلك الحفره الملتهبه ، يتمناها ترقد بجسدها البض فوق جسده الصحراوي الخشن ، يتمني يحتويها بين ذراعيه ويغلق عليها صدره ويخفيها بين ضلوعه وينام علي دقات قلبها ، ماله يشعر وكأنها اتته في الحفره ، يفتح عينيه يري اشباح تتحرك حوله، يسمع اصواتهم بعيده ، يري الشبح منهم اربعه وخمس، الزيوت تسيح فوق جسده تحت الرمال الملتهبه ، تتسلل لمسام جلده وتطرد منها الماء المشبع بالسم بالهم ، تسلل لروحه ترياقها تشفيها من سموم تجاربها الموحشه ، ومازال يهذي ومازل يناديها ، يتمناها تصفح عنه ، تحلق روحه بعيدا عن الجسد المدفون في الحريق ، تحلق صوب الضريح يصلي ركعتين لله ويبكي ويرجو ويتمني ويتوسل ، تحلق صوب حجره نومها ، تتسلل روحه بجوار فراشها ، يسمع صوت نحيبها في حلمها فيغضب من نفسه ، اوجعها دون قصد ، اتته في حياته قبلما يستعد بما يليق بها لاستقبالها ، احبها وفر بمنتهي الانانيه مقامرا بكل ماحلم به ، اما اعود لكي كما اليق بكي واما ارحل عنكي بما يليق بي ، ومازالت المياه المشبعه بالسم ورائحه الدواء تتسلل من جسده المدفون في اللهيب ومازالت الزيوت العطريه تتسلل محلها للخلايا تطهرها وللاوجاع تزيلها وللندوب تطيبها ولروحه تسموا بها فوق كل ماعاشه استعدادا لما سيعيشه و............................ يناديها بصوت هادر ، ردي علي ، ردي علي ، ردي علي و......................... تنهمر الامطار البارده فوق روحه بردا وسلاما ويفتح عينيه ليجد جسده ملفوفا في كتان مبلل بالثلج ينتفض استيعابا لكل مامر به ، يفتح عينيه ليجد الشيخ علي ومعاونيه مبتسمين ابتسامه الطمأنينه والراحه يهنئوه بسلامته فرحين له بخروجه عفيا من مامرفيه ، تتساقط قطرات الماء البارد علي شفتيه ويناوله الشيخ علي تمره صغيره واخري اصغر ، استحلبها ياولد ، خد عسلها وسيبك نواها لعدوك و................. بعد ساعتين يرتدي جلبابه فيأخذوه وهو يترنح لمكان الحفره ويشاوروا له عليها ، مغطاه بالماء حتي سطحها ، ده السم اللي كان مالي جسدك وواكل عافيتك وصحتك ، يقترب من الحفره ، رائحه الماء الاسن فيها مألوفه لكنه لايميزها ، كل قرص برشام خدته طول عمرك طلع سمه هنا ، يضحكوا وبقيت كده صاغ سليم والقلب حديد والروح عفيه ومتعافيه وماناقصكش الا العروسة و............... يرن في روحه صوت الشيخ علي ، مايدفي القلب الا وليفه !!!!
وحان وقت العودة لحياته التي كانت ليعيشها بالانسان الجديد الذي صار و............... وجه مها وابتسامتها لايفارقاه ، اخيرا ااقدر اجي واقولك بحبك ...



نهاية الجزء الثالث ويتبع بالجزء الرابع