مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الأحد، 23 سبتمبر، 2012

وجع .. في دروب الوصال والوحشة .. الجزء الاول



الجزء الاول


الحياة من غير لقانا مش حياة 
ام كلثوم



الحياة من غير لقانا مستحيل 
راغب ، منال 



( 1 )
كتلة هلامية

ظلام ........ ظلام .......... ظلام !!! 
صمت ... او هكذا كان يظنه !!!
الحقيقه انه لايعرف معني الصمت ، ولايعرف معني الظلام ، ولايعرف معني اي شيء !!! 
وكيف يعرف وهو مازال بلا وعي ولاعقل ولامعرفه !!! 
غارق في الظلام ، ساكن وسط الصمت !!! 
هذا مانعرفه نحن ..من نعرف عبر رحله الحياه معني الظلام والنور ، والصمت والصخب ، والعقل وال......... ؟؟ ماهو نقيض العقل ؟؟
سؤال ربما  لا نحن ولا هو نعرف اجابته !!! 
لكنه الان يقبع اسير ال...... الذي لانعرفه اسمه ولاماهيته !!! 
ظلاااااام ... 
كتلة لانعرف طبيعتها غارقه وسط الظلام والصمت !!! 
جفنيه ملتصقين وبينهما حدقه لم تعرف بعد انها حدقة تبصر ولاتعرف وظيفتها وكيف تعرف وهي لم تستخدم بعد !!! 
جفنيه ملتصقين وبضعه شعيرات قليلة ملتصقه ايضا ، نبتت فوق الجفنين المغلقتين ، شعيرات صغيرة قصيرة لايعرف اسمها !!! 
الحقيقه انه لايعرف اي شيء .. 
هو كتلة عائمه وسط سائل هو لايعرف اسمه ولايعرف وصفه وسط اظلام تام وصمت مريب !!! 
هل التجويف الصغير المحفور علي جانبي رأسه يعمل فعلا ام مازال اصم لايعمل ولايعرف معني وجوده !! 
هل هذا التجويف الصغير يؤدي عمله ويلتقط الاصوات التي تهمس وتدوي حوله ؟؟ وهل تلك الكتله الهلاميه المغروسه وسط عظام رأسه اشتغلت ام مازالت تستجمع طاقاتها لتعمل ، تلك الكتله الهلامية هي التي ستمنحه المعاني لكل الغامض المحيط به !!! 
تلك الكتله الهلامية ، هي التي ستمنح التجويف المحفور جانب رأسه وظيفته وتجعله يستقبل الاصوات الغريبه فتترجمها له معاني وصور وفهم ومشاعر ، تلك الكتله الهلامية ، هي التي ستمنح الحدقة الزجاجية الغريبه المدفونه بين جفنيه ، ستمنحها الدلالة والاهمية ، هي التي ستترجم الاشباح والاشياء الغامضة التي تلتقطها تلك الحدقة لتعطيها المفاهيم والمشاعر والاحاسيس !!!
هو لايعرف شيئا ، ربما يعرف لكنه لايعرف انه يعرف !!! 
ربما يعرف لكنا لانعرف انه يعرف ، لانه وقتما يتواصل معنا يكتشف ونكتشف انه عاجز عن التعبير باي طريقه عما يعرفه او لا يعرفه وكأنه فعلا لايعرف ..
هل هو الان في تلك الحاله الغريبه وهو كتله لاماهية لها يعرف فعلا كل مانعرفه واكثر ؟؟ لانعرف ولاهو ايضا
ربما في جزئيات جسده معارف ومعلومات ، لكنه لايملك القدره علي فك شفرتها ، فبقيت تلك المعارف والمعلومات طلاسم غريبه عجز عن تفسيرها وفهمها  ، وحين يقوي علي تفسيرها وشرح فهمه لها ، يتصور هو وكل المحيطين به انه يعرف لانه اكتسب الخبرات اللازمه لتشكيل وعيه ، بينما في الحقيقه كان يملك وعيا مطلسما شرح له كثير مما واجهه دون ان يدرك انه كان يعرف فعلا كل ماحوله واكثر !!!
الان ..... والان بالتحديد ... هو غارق في الظلام والصمت !!! 
تتحرك الكتله التي تحتويه او يحتويها في سائل داف ، تتحرك او لاتتحرك وتظن انها تتحرك !!! 
ربما هو سر اكبر من كل الاسرار والتفسيرات التي نعرفها ، وهو يعرف ونحن لانعرف !!! 
ظلاااااااام .. وصمت !!!
وطمأنينة ؟؟
هل يشعر بالطمأنينة ؟؟
هكذا يظن ويظن الاخرون ايضا ..
في تجويف آمن ، محاط بسائل دافء وحمايه من العالم الخارجي وشره .. من قال ان العالم الخارجي كله شر ، هو يظن ان العالم الخارجي كله شر والعالم الخارجي يتصور انه في مأمن من شره وشرور اشراره ، و....... تصبح الطمأنينة مفترضة ، ويصبح التجويف الآمن رمزا للطمأنينة والامان ..........
ومن يبحث عن الامان في حياته لن يجد اكثر من رحم امه امنا وطمأنينة ، جميعنا نؤمن بهذا وايضا يؤمن به راغب  !!
و راغب الان ، هو الرجل الذي كان مجرد تلك الكتله الهلامية في رحم امه غارق في الظلام والصمت لايعرف شيئا !!!!

( 2 )
العقاب

تدخل غرفتها ، تغلق خلفها الباب بقوة احتجاجا علي عقابها القاسي ، لاتتذكر ماهية العقاب ولا مبرره ، ابيها عاقبها كالعادة ، ربما ضربها وسبها او القي عليها مقعد السفرة او ذنبها وجهها في الحائط ساعات طويلة ، بعدما تنتهي طقوس العقاب ومراسمه تهرع من امامه وبسرعه لغرفتها ، تدخل الغرفه تختلي بنفسها وتلتقط انفاسها المقطوعة ، صوت ابيها يطاردها عاليا كأنه لم يكتف بكل ماقاله وفعله ، عادة هي لم ترتكب ماتستوجب عليه العقاب ، لكن ابيها لايفهمها ولن يفهمها ، امها منزوية في ركن بعيد في المنزل خائفه يرتد الشجار لها مثلما يحدث دائما ، تتركها فريسه في يد ابيها ينهش في كرامتها بأسم التربية ، لن اكون مثلها ، لن اترك اطفالي فريسة لاب ظالم ، ساقاومه ، ساحميهم ، ساحميهم ، سأحميهم ........
وتستيقظ من النوم تصرخ بصوت عالي غاضب ..
الجدران صامتة والمدينة نائمة الا هي ..
تتذكر الكابوس وصراخها ، تتذكر بناتها ، تنفجر في البكاء ، لم اقوي علي حمايتهن .. لم اقوي علي حمايتهن ، وتبكي وتبكي !!!
الكابوس يطاردها طيلة العمر ، منذ انزوت امها وتركتها لابيها المحافظ يربيها بطريقته الصارمة ، يعاقبها علي كل هفوة غير مقصوده ، مازالت تتذكر لسعات حزامه الجلد فوق جسدها الصغير ، مازالت تتذكر قبضه يده تمزق ضفائرها الطويلة وهو يلفها علي اصابعه ويرميها ارضا .... مازالت تتذكر وتتذكر ..
مات الاب والام وتزوجت وطلقت و......... بقي الكابوس يطاردها يطالبها بحماية اطفالها الصغار وقت تنجبهم !!!
تبكي منال وتبكي و......... تتمني لو عثرت علي راغب الان بالذات ، في تلك اللحظه تحتاج حضنه ،تحتاج احساسها بالطمأنينة في وجوده ، تحتاج حمايته ، لن يتركها لابيها يعاقبها ثانية ولن يتركها لمطلقها يقهرها ولن يتركها للايام تقسو عليها ، تحتاج الامان من وجوده ، لكنه في كل لحظه تحتاجه لاتجده ، ازداد بكاءها ، يطاردها الكابوس وغياب راغب وغضبها من نفسها ، لماذا تتحمله ، لماذا تتحمل نزقه وجنونه وانانيته ، عليها تنهي هذه العلاقه وفورا !!!!
تبكي وتضحك في ان وان ، للمرة المليون تتخذ القرار العاجزه عن تنفيذه ، عليه يتركها ، هو يتركها وهي تحزن وترتاح ، وكأنها بالضرورة ستظل مفعول به دائم ، لاتقوي علي اتخاذ القرارات ، بل تتخذها ولا تنفذها ، و........ اخرتها ياراغب ؟؟؟

( 3 )
اعتكاف

امام البحر يحدق راغب في الظلام الذي يتلاشي بطيئا بطيئا والشمس تفرض سطوتها علي وجوده وعلي الدنيا ..
قبيل شروق الشمس ، خرج من غرفته المستأجره في الفندق الصغير علي شاطيء البحر ، وتسلل حافيا فوق الرمال البارده للشاطيء ، تلامست اصابعه والموجات الصغيرة علي شط البحر فانتعشت روحه ، عاد للمقعد المريح القي ببدنه المتعب واخذ يحدق في البحر الداكن والسماء المظلمه وبقايا الليل ..يحدق في الظلام الراحل وهو يؤكد لنفسه ان لكل ليل نهار يبدل وحشته لونس وبرودته لدفء واشباحه لجنيات طيبة !! ويسأل نفسه اما لليله من نهاية؟؟
مازالت الشمس تصارع الافق لتشرق بقوة صراعه مع نفسه ، يتصارع مع نفسه بحثا عن مرفأ بعدما طال به الرحيل والترحال ، يطمئن نفسه ، سيتبدل الليل نهار والوحشه لونس والحياة الموجعه لحنان فياض وسيحط الطائر الغريب علي الارض التي يعرفها والتي فرض عليه الهجرة منها مع اسراب الطيور المهاجره ، هاجر وعاد ورحل وغاب وان الاوان ليسكن لمرفأ طمأنيته ، تلوح ابتسامه منال كقرص الشمس الذهبي في خياله ، ويراها مثله لها نفس القوة والتأثير والفرحة ، قرص الشمس الذهبي يبدل الحياة والدنيا من حال لحال ، وهي ستبدل حياته من حال لحال ، او هكذا يتمني ..
انه وقت النهار الاتي ، هائم مع منال في ذكرياته وتفاصيلها المحببة المرهقة ، هائم مطمئن ، الشمس اجبرته باشعتها الساطعه وضوءها الساطع يغلق عينيه المتعبتين من ظلام الليل ، سطعت الشمس فخاف وارتعد قلبه مثلما اعتاد يرتعد وقتما يتصور حياته ستتبدل من كل البؤس الذي يحتل ايامها لسعاده تحمله لعنان السماء ، ارتعد قلبه فالسعاده تخيفه اكثر من كل الاشياء المخيفة التي يهابها الاخرين ،  السعاده تخيفه فتتسارع دقات قلبه هلعا ، هو اعتاد البؤس والشقاء والوجع والهم وربما ادمنهم ايضا ، حر طليق كالغراب الاسود علي شجرة جرداء لا يهاب الوحدة ولا يخاف الوحشة ولا يفزع من الليل ، حر طليق كالغراب الاسود علي شجرة جرداء لايملك مايخاف عليه فجناحيه قويين والاشجار الجرداء كثيرة والايام تمر ...
السعاده وابواب الرحمه والامل والهناء الذي تعذب بالحرمان منهم ، كل هذا يخيفه ويرعب قلبه ، وقتها سيملك مايفزعه مايخاف منه وعليه ، وقتها سيعود لطبيعته التي نسيها ، انسان يحتاج للدفء والونس بدلا من كونه غراب اسود ادمن الهجرة والترحال ، وقتها سيحتاج للاخرين والاخرين في حياته كانوا سما زعافا اوجعوه بقدر مااوجعوه وقهروه بقدر ماقهروه ورحلوا وتركوه مثخنا بجراحه فعزف الاخرين وابتعد عنهم واكتفي بالاشجار القاحله يتقافز بين اغصانها الجرداء ، منال شجره عفية قوية بهيه كقرص الشمس قادرة تحيل حياته من ليل دامس لنهار حاني لو مكنها ومنحها الفرصه وكف عن الفرار منها ، هل ستكف عن الفرار ياراغب ، وتسلمها روحك وقلبك وبقيه ايام العمر لتصالحك عليي نفسك وعلي الحياة ، هل ستكف ياراغب ، اما ادمنت الهروب ومنه واليه تذهب وتعود ، هل الهروب قدرك ياراغب ، هل هو قدرك ؟؟
سؤال يطرحه علي نفسه منذ شهور طويله ، وقرر في النهايه يعتكف بعيدا عنها ، انا مسافر ومش حارجع الا لما اعرف انا عايز ايه ، شرح لها ، فهمست ، ياريت لاني قربت اتعب !!!
ارتعب اكثر من ردها ، تمناها تسانده ، تقول له انها ستنتظره مهما غاب وستتحمله مهما هرب وستدعمه مهما فر ، لكنها بنصل بارد اسالت بقيه الدماء من عروقه ، قربت اتعب ، وكأنها تهدده ، كأنها تحذره عليك تعرف مالذي تريده وتخبرني لاني ارهقت من التأرجح ، ارتعب وكتم انفعالاته بداخله وابتسم ابتسامه بارده كعادته وقت الاستعداد للتحليق والفرار ، هانت !! كلمه لايعنيها لكنه حاول يطئمن نفسه ويضللها ، ابتسمت وصمتت ، كأنها تقول له لااصدقك ولست واثقه من انها " هانت" فعلا !!! صمتت وصمت وودعها ورحل في رحلة البحث عن الاجابات ...

 ( 4 )
الارهاق

الليل طويل ، ساهرة في فر اشها تبحث عن نوم عزيز لايأتي ..
تفكر فيه ، تتصوره في عزلته الاجبارية يفكر في كيفيه الهروب منها ، لاامل ، قالت منال لنفسها كثيرا لاامل ولافائدة ، لكن بصيص من امل عنيد يقاوحها ويجبرها تنتظر قراراته اللعينه التي تأخرت كثيرا !!
فكرت تكلمه في التليفون ، واثقه انه مستيقظ والنوم بعيد عن جفونه ، ستهمس له بصوت رقيق ، وحشتني ، سيصمت كالعادة ، مشاعرها تخيفه ، نعم تخيفه و ايضا تطمئنه ، يتمناها تغدق عليه بمشاعرها وتتقبل صمته وتتحمل خرسه وتغدق وتغدق حتي يتخلص من خوفه ورعبه ووجعه وتاريخه ويمنحها مشاعره !!
هي تفهم كل هذا واكثر ، لكنها ارهقت ، نعم تعترف لنفسها بارهاقها ، كانت تنكر عنه الارهاق وتنكره عن نفسها ، لكنها الان بالذات تعترف بارهاقها ، انا ارهقت ياراغب وعايزه ارسي علي بر ، كأنها اوصلت كابلات الضغط العالي باعصابه المكشوفه ، يتمناها صمتت وصبرت اكثر واكثر ، هو يتمني يرسي علي بر بمركبه الحائر بين الشطوط والمرافيء ، لكنه عاجز يرمي هلبه في البحر ، وكأن الاشباح والعفاريت تقيده وتقيد هلبه وروحه !!!
لو اتصلت به في التليفون لن يرد عليها ، ولو عاتبته سيتحجج لها بأنه كان نائم او مشغول او لم يسمع الجرس ، سيقول لها اول حجه تتبادر لذهنه ، يعرف انها لن تصدقه لكنه لايقوي يقول لها الحقيقه ، لايقوي يقول لها انه لايتحمل مشاعرها التي ترجف روحه وتضعفه ، وفي نفس الوقت لايتحمل صمتها وغيابها ، لن يرد عليها ، اذن لن اطلبه !! قررت منال بحسم والقت التليفون بعيدا واغلقت عينيها بقوه فترائت لها اشباح بيضاء خلف مقلتيها احالت ليل غرفتها لنهار موحش ضبابي مثل مشاعر انتظارها !!
فتحت عينيها واغلقتهما مره ثانيه وقررت انها ستنام و....... وبعدين ياراغب ؟؟ واخرتها ؟؟؟

( 5 )
الاحزان

قبيل النوم ، تترائي الخيالات في وجدانه وذاكرته ، ابتسامه حنون وقبضه يد قوية حانية وحضن دافء وصراخ وملابس سوداء ودموع و......... تخرج جدته الصعيدية لتحتل المشهد كله في الخيال وفي الواقع !!!
هذا مايذكره راغب عن امه ، خيالات عجز طيلة حياته عن تجسيدها في وجه وملامح وشكل ، امه هي الطمأنينة وابتسامه حانية وحضن دافء سرعان مااغلق في وجهه وغياب قهري موجع ودموع يواريها ويداريها في المدرسه وقت حفله عيد الام ويواريها ويداريها يوم يخرج مع اصدقاءه من البوابه فيجد الامهات تقفن علي الرصيف ينتظرن ابناءهن بمنتهي الحب ، وقتها تتساقط دموعه فياضه دون اراده منه ودون قرار ، الحنان الذي تمنحه الامهات لزملاءه يوجعه ، وصار الحنان قرين بالوجع والدموع ، وصارت الام رمزا للقهر والحرمان الذي يشعر بهما بسبب غيابها و......... صار ابن الجدة الصعيديه العجوز التي تركت النجع ووجهها مصبوغ بالنيله الزرقاء لتحضر مأتم ابنتها وتتسلم الولد الصغير الذي ستعيد معه رحلة التربية والاخلاق التي بدأتها مع امه التي اختطفها الموت سريعا واغلق حضنها في وجه ابنها الصغير !!
الموت والجدة والوجع ، مفردات يعرف مذاقها المر ، والنجع والبيت الصغير والاشباح والعفاريت ، مفردات اورثته الخوف والفزع ، ومن مزيج الوجع والمرار نمت صبارة الصغير في الارض القاحله وخلقت نفسيته الموحشة ... راغب .... صغير ماتت امه وتجرع اليتم قطره قطره حتي الثماله ، وكبر محروما من حنان الام وحضنها فكره احضان النساء وحنانهن فسارت حياته في منعرجاتها القاحلة ترسم ايامه وسنوات عمره ..
ومازال محلقا في الخيال مع منال ، كمثل كل ليلة يفكر فيها ويستدعي لظلمة روحه ابتسامتها ويبدد الصمت المحيط به بهديل ضحكاتها ، كل ليلة يستدعيها لوجدانه يفكر فيها قبلما ينام ، ووقت النوم تغادر خياله ويداهمه حلمه المعتاد ،   الان   يتمني لو تغير الحلم بالذات عن كل الليالي الاخري ، تمني لو تغير الحلم ، تمني لو يمنحه الحلم اجابات للاسئله الكثيرة الصعبه التي تطارده ليل نهار ، تمني لو حضرت له جدته العجوز تتشاجر معه لانه طلق صفاء ، تمني لو حضرت امه واحتضنته وقبلت جبيبنه وكفيه الصغيرين مثلما كانت تفعل قبل موتها ، تمني لو حضر ابيه فتشاجر معه لانه القاه مع جدته وتزوج باخري واختفي من خياته وانجب اخوه واخوات لم يراهم ولايعرفهم ، تمني يتشاجر معه لانه مزق حبال الود بينه وبين اخوته فحكم عليه بالغربه واليتم والوحدة طيلة الحياة ، تمني لو حضرت منال للحلم ، اقتحمته ، احتلت ليله ، مارست معه الحب بكل شبق وجنون ورغبه وانوثه ، تمني لو افلحت تحتل هذه الليله بالذات ، لو قويت علي اقتحام حلمه الليله لقرر يعود لها غدا ويطالبها بالزواج ومشاركته بقيه ايامه وحياته ، تمني لو تغير الحلم عن الحلم المألوف المعتاد الذي يراه ولايري غيره طيله حياته ، اغمض عينيه وفكر في منال كثيرا ، فكر فيها يتذكر ملامحها وابتسامتها الحانيه وجسدها الغض الناعم وشعرها البني اللامع و........... تمني يحلم بها و........... نام !!!!

( 6 )
الصمت

انت ساكت ليه ؟؟ سألته صفاء ..
حدق فيها وازداد صمته ، طالبها تخرج من الحجرة وتغلق الباب خلفها وتطفيء النور ، صمته يثير جنونها ، ساكت ليه ياراغب ؟؟ تكرر سؤالها فيغمض عينيه اكثر واكثر  وكأنه لايسمعها ..
عادة لايسمعها و ينسحب بعيدا عنها وينزلق داخل رحم امه ، يختبيء من عسفها ، يختبيء من حصارها ، رحم امه هو الملاذ الامن بالنسبه له ، هناك يبكي ويشكي ويبوح بكل مايوجعه ..
اعتاد الفرار لرحم امه منذ ماتت ، تنهره جدته العجوز وتعامله بقسوة ، يفر منها للصمت ورحم امه ، هناك يحادث امه ويشكو لها جدته ، هناك يشعر طمأنينة دقات القلب التي لايطئمن روحه الا ايقاعها ، يبكي في رحم امه ويصمت طويلا ، وحين ينام حزينا مقهورا تأتيه امه في الحلم ، تصالحه علي الايام الصعبة ، تهون عليه يتمه ، تؤكد عليه انها معه لاتفارقه ابدا ولن تفارقه ، في رحم امه يختبيء من الحياة القاسية ، كان ومازال .. ماتت جدته العجوز ، وحلت محلها صفاء بعسفها وبلادتها ، نعم بليده هي لم تفلح تفهمه ابدا ، لم تمنحه جسد يروي عطشه للحياه ولم تمنحه اذن تحتوي شكاواه ولم تمنحه قلب يحتويه وطردته اكثر واكثر لاحضان الاخريات ورحم امه ..
في المدرسه وقت كان صغيرا يتيما ، وحين تنهره مدرسة لان خطه وحش ، او يغيظه زميله بسندوتش مربي صنعته امه له بالفاكهه والحب ، او يطلب ابيه ليحضر مباراة الكورة ولا يحضر ، في ذلك الوقت ، تنهمر دموعه ، يواريها ويختبيء في رحم امه ، امه ماتت وتركت له رحمها ملاذا يحميها ، يختبيء فيه مع نفسه ، يونس روحه بروحه ويطمئنها ..
كبر وتخرج من المدرسه والجامعه والتحق بوظيفه مرموقه حقق فيها نجاحات كثيرة وسرعان ماتركها وفتح عمله التجاري الخاص ، كل هذا ورحم امه يحميه من الدنيا وشرها واشرارها ، رحم امه يحتويه وقت الغضب والحمق ، يحتويه وقت النزق والجنون ، وقت الانكسار والوجع ، ينسحب من الدنيا لرحم امه ، يصمت تماما ويترك ايقاع دقات قلبها يتسلل لروحه يطمئنها ، يستحلب مذاق لبنها الدافء وقطرات المحبة التي تسيل من ثديها لروحه ، يغرق في الماء الحارس للمشيمة ويبرد رأسه من غليانها وسخونتها ويتعافي ، وحين يتعافي يخرج للحياة ثانيه وكأن شيء لم يحدث!!!
اعتادت جدته منه الصمت والغياب ، اعزته ليتمه ، هو يتيم حزين مثل كل اليتامي ، هذا اقصي ماوصلت اليه جدته في تفسيرها لخرسه الطوعي ، وقتما تنهره او تقسو عليه ، يصمت تماما ويغيب كأنه اختطف للعوالم البعيده ، يتيم صغير ، هذا المبرر والشرح والتفسير و......... واعتادت جدته عليه ..
صفاء لم تعتاد علي صمته ولم تقبله ، لم تتركه يهنأء في رحم ورحمة امه بالطمأنينة ، كسرت عليه الجدران وحرمته من الامان ، انت ساكت ليه ؟؟ كلمه السر التي تبدأ بها مشاجراتها الغاضبة فينتهي به الحال في حضن امرأه اخري يكسر ضلوعها ينفث عن غضبه من زوجته البليدة التي " بلته " بها جدته !!!
انت ساكت ليه ، معنديش حاجه اقولها ، لا عندك ، لامعنديش ، و................ يرتدي ملابسه ويجري بعيدا عنها وعن المنزل ، او ينام مكانه كأنه سقط في غيبوبه ، شرح لها مرات كثيرة قبلما يغادر الامل روحه بخصوصها ، لما اكون ساكت سيبني ، شويه وحارجع لطبيعتي ، لكنها لم تفهم ولم تقتنع ، اما تتشاجر اما تبكي ، المهم انها لاتتركه يهنأ بامه ورحمها وطمأنينتها !!!
صفاء ، انت طالق ........
وتنفس الصعداء وعاد لرحم امه يبكي فرحا وتكور حول نفسه استحلب اصبعه الاكبر بين شفتيه ونام جنينا يسمع بروحه دقات قلب امه فتطمئنه ويغمض عينيه واذنية ويعود للصمت التام والظلام الدامس و............ ليه ياجدتي عملتي كده في ، ليه ؟؟

( 7 )
مشاجرة معتادة

في فراشها والغطاء علي راسها وعينيها مغلقتين والصمت يلفها وكأنها نائمه ، همست منال ، لن ازورك في الحلم ياراغب ، لن اريح مشاعرك ، لن امنحك حبي الا بقرارك الواضح الصريح ، لن اقتحمك واسعدك رغم عن انفك ، لن اطاوعك لتبقي مفعول به في لحظات الفرح المخيفة وحين تستيقظ ترتعد من كثرة السعاده فتتنصل منها وتنكرها ، لن امنحك حبي الا بقراراك الواضح ، اتخذ القرار ياراغب وقتها ستجدني ملك قلبك وروحك ، لن ازورك في الحلم واسعدك مؤقتا ،تتعايش مع كوابيسك في النوم وفي اليقظه ، او اتخذ قرارك الواضح !!!
الشمس اوشكت تشرق وهي يقظه في فراشها ، بيتها صامت مثل كل ايام حياتها ، الان يتعين علي فاطمة وعائشه الاستيقاظ للمدرسه ، تذكرت صخبهما وقت توقظهما بقبلاتها الحانية ، تذكرت ابتساماتها العذبه التي تمنح نهارها دفئا طيب ، تذكرت شعرهما الطويل الذي طالما جدلته لهما ضفائر طويله ، كان بيتها صاخبا بوجودهما ، الان ، هما بعيدتان عن حضنها ، احست وخزا في قلبها ، الصغيرات في فراش بارد بعيد عن حضنها وشعرهن الطويل لايجد من يجدله لهن بحب وعنايه وصباحهما بارد يشبه وجه جدتهما العجوز ، ونهارها موحش يشبه وجه طليقها المستبد الذي حرمها من بناتها و......... تتمني حضن راغب لتبكي !!!
لكن راغب يخاف من دموعها ، يخاف ويجري ، دموعها تذكره بضعفها وضعفها يذكره باحتياجها له واحتياجها له يذكره باحتياجه لها وقصصها الموجعه عن بناتها تذكره بطفولته الموجعه مع جدته العجوز ويتمه المبكر وحرمانه من امه ، يحس نفسه ابنها الذي حرم منها ويتمني هو يدخل حضنها ويبكي ، لكنها تبكي في حضنه وتذكره انها انثاه التي تبحث عن حمايته فيخاف عليها ويجري و................. لست ابنك ياسيدتي لتعامليني بتلك الرقة ، ولست جدتك العجوز لتعاملني بتلك القسوة و............. دروب الوصال بينهما ممزقه بين تاريخ موجع وحاضر موحش وتواصل ممزق مبعثر كروحيهما و............... وبعدين ياراغب ؟؟ واخرتها ؟؟؟
اشرقت الشمس ملأت الغرفه والسماء و..... غفت منال من شدة ارهاقها تصارع الكوابيس واشباح النهار وراغب و............ الحياة كلها استيقظت الا هي والا بيتها الذي مازال نائما كأنه حجر ساكن في مدينة الموتي !!!
غفت ، فاقتحم راغب حلمها ووقت غفوتها ، اتاها ببهجته وحزنه ، اتاها بصخبه وخرسه ، اتاها بكل تناقضاته التي تعرفها جيدا ، اتاها يوقظها لتفكر في علاقتهما المستحيله ، اهي مستحيله ياراغب ، هل هذا ماوصلت اليه وحسمت امره ، يهز راسه نفيا ، في الحلم تلومه وتعاتبه ، تتشاجر معه ، تساله ، وبعدين ياراغب؟؟ واخرتها ؟؟؟ عايز مني ايه ، عايزك ، وبعدين ولا قبلين ، ماينفعش ، ينتفض في الحلم غاضبا ، يتشاجر معها ويصارعها لانها اتته بثوب المدرسه التي تعلم وتربي ، بثوب جدته التي تنهره وتتشاجر معه ، لم تأتيه بثوب الانثي الحنونه التي تفلح تطرد اشباح مخاوفه وتهدم حصون مقاومته وتاسره في حضنها !! تشاجر معها وتشاجرت معه كعادتهما وساد خرس موجع كمثل نهايه كل لقاءتهما ، خرس لايجد كلمات يعبر بها عن مابداخل كل منهما من صراعات طاحنه ، في الحلم اتاها راغب بصراعاته وتناقضاته ، في الحلم مثل الحقيقه اسمعته مالايرغب يسمعه ، فتشاجرا وتشاجرا ، وانتفض كل منهما في فراشه يتلوي من الالم وهو نائم لايعرف لماذا لاتأتيه جنيات الاحلام الطيبه تهدء من روعه وقت النوم وتمنحه فرحة ولو مؤقته !!!ا

( 8 )
القهر

امومة مقهورة !! هذه هي منال باختصار ..
ام احبت بناتها مثل كل الامهات لكن القاضي قرر يحرمها منهن بحكم نهائي لانها امرأة عاملة تغيب كثيرا وتترك الصغيرات بلا عناية بلا رعاية بلا امومة صالحة للقبول القانوني ، شهور طويله وربما سنوات تسال نفسها مالذي اوجعها اكثر ، حرمانها من بناتها ام الاسباب التي سطرها القاضي في حكمه وقت وصفها بانها ام غير صالحه لتربيه بناتها وانها تركتهن للاهمال وتربيه الخادمات وان وجودهن في يدها يهددن بالضياع ويهدر مصالحهن وان جدتهن لابيهن اولي برعايتهن وحضانتهن لانها سيدة متفرغه للتربيه والرعايه !!!
هذا ماقاله القاضي في الحكم فذبح منال الف مره كل يوم ، تمنت لو اقتحمت عليه غرفه المداوله وصرخت في وجه ، ياظالم يامفتري ، انا ام مش صالحه ، انا ؟؟ باشتغل اه طبعا باشتغل ، طول عمري باشتغل ، هو اتجوزني وانا باشتغل ولما طلقني مارضيش يدفع نفقه للبنات لاني باشتغل ، وسابني اشقي عليهم واضيع شبابي وحياتي عليهم ، رفضت العرسان والجواز علشان مااخسرش حضانتهم ، واشتغلت زي العبدة في بيت الاسياد ليلي نهار ونهاري ليل ، وفي الاخر يقول مصلحه البنات وتربيه الخدامات ويعيط ويصرخ ويقول بناتي بيضيعوا ياباشا وتصدقه وتحكم علي البنات يتربوا مع جدتهم العجوزه ويخرجوا من حضني !!! مئات المرات تجهز منال كلماتها التي ستلقيها في وجه القاضي ، تفكر بغضب وتقرر انها ستذهب للقاضي وتدعو عليه ، ربنا ينتقم منك وتدعو علي اولاده ، الهي يشربوا من الكاس اللي سقيتني منه ، و........ تبكي وتبكي !!!

 ( 9 )
البحر

الشمس ساطعة في صدر السماء وامواج البحر تتقافز لتطالها وتطفيء سخونتها والنسيم يأتي من عمق البحر محملا باسراره ، جالسا راغب علي مقعده المريح امام البحر يحدق في السماء وزرقتها والبحر وموجه ، هادي النفس ساكن الروح متأمل نفسه واعماقها وروحه وتمردها وقلبه ووجعه ، يحتسي فنجان من القهوة السوداء وينفث دخان سجائره الواحده تلو الاخري ، ثلاث ايام في الاعتكاف الاختياري والعزلة ولم يصل لاي اجابه ترضيه .. الوقت يجري وميعاد عودته يداهمه بسرعة ، وهو حائر تائه يتمني يصل لاجابات لم يصل اليها بعد .. لن يتصل بمنال حتي يصل ليقين يطمئن روحه ، لن يرد عليها حتي لو اتصلت به ، نعم هي لم تتصل به لتتركه مع نفسه بعدما ارهقت منه كما اخبرته في حديثهما الاخير  ، لكن حتي لو اتصلت لن يرد عليها ، لن اتواصل معك حتي اصل ليقيني يامنال ، اما انت بقيه روحي او انت روح غريبه عليك تبعدي عني وتتركيني في حالي وشأني واحزاني !!!
بتحبها ياراغب وبطل مقاوحه ، يعترف لنفسه ، طبعا باحبها ، طيب ، يبتسم ، سؤال بسيط واجابه ابسط ، لكن هذا يعرفه قبلما يأتي ، ليست المشكله كوني احبها او لااحبها ، احبها هذا يقيني ، المشكله الاكبر التي تعيشها ياراغب ، لماذا تخاف منها ؟؟ خايف من ايه ياراغب وعلي ايه ؟؟؟
هذا هو السؤال المهم الذي لم يجد اجابته رغم كل الوقت الذي اختلي فيه بنفسه ينقب في دروبها الموحشه عن اجابات !!!

( 10 )
اللقاء

امومه مقهورة ، هذه منال وقت قابلها راغب !!!
دخل البنك ليصرف الشيك الذي منحته له الشركه الاجنبيه مقابل استشاراته المفيدة ، وقف في الطابور غارق مع نفسه ومشاكلها الكثيرة ، انتبه فجأ لعينيها الباكيتين ، عينين باكيتين ترسلا استغاثه من روح معذبة لروح غريبة ، انتبه وسرعان ماقرر الا ينتبه ، هكذا قرر ، لكنه كان انتبه لوجودها وقضي الامر ، قدم لها الشيك بذهن نصف غائب ، تعمد يصرف تفكيره بعيدا عن عيونها الباكية ،وقف طويلا امامها خلف الشباك وكأنها تعمدت تبقيه امام دموعها التي تواريها ،  تعثرت منال وهي تعد النقود ، اخطأت في العد مره واثنين ، دموعها سياله لاتقوي علي كبحها ، بملل سألها ، قدامي كتير ، لم يكن هذا هو الكلام الذي رغب يقوله لها ، تمني يسألها ، مابك ياسيدتي ، لكن كبح امنيته كالعاده ، فخرجت الكلمات رتيبه سخيفه من حنجرته ، قدامي كتير ، صوتها تحشرج ، انتبه اكثر لعيونها الحمراء الزائغه ولصوتها ممزق ، اشفق عليها وكاد تساؤله يقفز لطرف لسانه  ، مابك ياسيدتي ، لكنها قامت من امامه وبسرعه ، اعتذرت له وتركت مكانها لزميلها ليسلمه النقود الكثيرة التي فشلت تعدها وهي تفكر في بناتها الصغيرات ،  فاطمة وعائشة  ، تابعها راغب ببصره وتمني لو يسألها ، فيكي ايه ؟؟ تعجب راغب من فضوله ، هو ابدا لايكترث بالاخرين وبالذات النساء ، لم يأتي من ورائهن له الا مشاكل افسدت حياته ، يتجاهل وجودهن اساسا ، لكن منال وعيونها الباكيه وصوتها المكتوم وارتجافه الشفه العليا التي تبعثرت تحت طوفان الدموع ، كل هذا افلح يلفت نظره ، استلم نقوده وغادر البنك وبقيت منال في ذهنه سؤال بلا اجابه.... مابك ياسيدتي ؟؟

( نهاية الجزء الاول ويتبع بالجزء الثاني ) 

وجع .. في دروب الوصال والوحشة .. الجزء الثاني



الجزء الثاني



الحياة من غير لقانا مش حياة 
ام كلثوم



الحياة من غير لقانا مستحيل 
راغب ، منال 


( 11 )
النساء

من قال ان النساء خلقن للحب ؟؟ جالسا في الشرفة البحرية للفندق والظلام دامس حوله ، يكلم نفسه ، راغب .. من قال ان النساء خلقن للحب ؟؟ النساء خلقن للوجع !!!
امي وجدتي وصفاء وابنتي ، لم يمنحوني الا الوجع !!!
حب النساء لعنة ، لعنه كمثل لعنه الفراعنة واشد ، تمنحهن قلبك فيمزقوه وكأنهن لايقصدهن ويبكين لانك تدافع عن نفسك من وجعهن وتحتمي من حبهن داخل نفسك تقيها شر وجعهن !!
ضحك راغب ضحكات متلاحقة وكأنه مجنون ، انتبه ، بل انت مجنون فعلا ياراغب !!!
النساء خلقن للمتعة ، تذكر راغب طابور النساء الطويل الذي تعثر فيه من اللحظات الاولي التي توحشت فيها رجولته ، النساء خلقن للعبث والمتعه وساعة الحظ التي لاتتعوض ، حاول راغب يتذكر ملامحهن اسمائهن فشل تماما ، كثيرات متشابهات ، نعم متشابهات ، عندما يترك الرجل نفسه كالقشه العائمه فوق وجه الحياة وامواجها ، يتعثر في نساء كثيرات متشابهات في الملامح والجسد والكلمات والضحكات والميوعة والروح !!
انتبه راغب لنفسه ، هل لهؤلاء النسوة روح !!!
ارتفعت ضحكاته اكثر واكثر .. مجنون ياراغب بلا شك ، حوارك يكشف جنون كامن انت تعرفه في نفسك والاخرين لايعرفوه عنك وحين يكتشفوه لايصدقوه !!!
يضحك اكثر واكثر ، لست مجنون ، بل انا حكيم فليسوف انظر للحياة نظرة مختلفه عن تلك التي اعتادها الاخرون !!
هذا في ذاته دليل جنون ، ماتقوله منتهي الجنون !!!
جالسا في الشرفه البحريه وهواء البحر يضرب في وجهه وروحه فيشعر قوة وحيوية وصفاء عقلي وسكينة ، الظلام دامس الا من بريق بعض النجوم البعيدة ، يضحك ويضحك وكأنه خدر تلاعبت الغيبوبه بوعيه ..
ليه النجوم بعيدة ياراغب ؟؟
النجوم بعيدة علشان محدش يوصل لها ، ببساطة !!
ضحك ، لا ، بعيده علشان مش موجودة ، كانت موجوده ومابقيتش ، اللي فاضل ضوء بعتته قبل ماتنفجر ، والضوء يادوبك وصلنا بعد رحلة طويلة في السنين الضوئية ، وعلي ماوصلنا كان النجم انفجر وتلاشي في الفضاء الواسع !!!
وبعدين ؟؟ ولا قبلين ، النجوم البعيده الجميله مش موجوده في الواقع !! كل حاجه حلوه بجد ، مش موجوده في الواقع ، مجرد خيالات كل واحد يحسها بطريقته لكن مش موجوده !!! فعلا ؟؟
هل تهذي ياراغب ، هل انت نائم يارجل وعينيك مفتوحتين ، مالذي وضعه الطاهي في طعامك فافقدك عقلك ودفعه لدروب الهذيان ؟ مالذي شربته ليهرب بك من كل الاسئلة الهامه التي تحاصرك لتلك التهويمات الغريبة التي تغرق نفسك في غموضها !!
تذكر منال ، لست من النساء اللاتي خلقن للعبث ياسيدتي ، اعرف هذا عنك وافهمه !!! اذن انت ياسيدتي للاسف ، من النساء اللاتي خلقن للوجع ، كمثل امي وابنتي ، احبك فتوجعيني ، احبك فتمزقي قلبي وتبعثريه ، احبك فتوجعيني !!!
هل عرفت لماذا ياسيدتي افر منك ، انقذ نفسي من وجعك ، احمي روحي من اجتياحك الموجع المؤلم ، هاانا شرحت لكي كل مااشعر به ، انصحيني ، كيف احبك واتقي وجعك ، طمئنيني ، اثبتي لي بطريقة عملية ودون كلام كثير ، ان في الحياة نوع اخر من النساء ، لم يخلق للوجع ولم يخلق للعبث ، بل خلق للحب الامن الحب الذي يطمئن الروح الشارده فتسكن الذي يعالج الوجع ويرتق الجروح ويشفي !!!
اثبتي لي ياسيدتي انك ستشفي جروحي وتطمئني فاسلمك روحك طائعا راضيا سعيدا !!!
يحدق في الظلام حوله ويتأمل النجوم البعيدة وضوءها الحاني وينصت لموج البحر وصوت ارتطامه ببعضه بالشط ويبتسم ... كل شيء في هذه اللحظه يذكرني بك ويناديكي لحضني ،  وحشتيني يامنال بجد !!!
يغفو في مكانه فينزلق بسرعه كعادته لرحم امه متكورا علي نفسه يستحلب اصبعه الكبير طمانينة مفقوده ويبكي مفتقدا حبل الامان السري الذي قطعته امه وقتما ماتت !!!

( 12 )
الحرمان

لم تنتبه منال لوجوده امامها في ذلك اليوم ، في ذلك اليوم لم تكن موجوده في الدنيا الا بجسدها ، روحها هائمه تبكي بعيدا ، تحلق فوق البيت القديم الذي تعيش فيه بناتها مع جدتهن العجوزه ، تلك السيدة العقربه التي خربت بيتها في الاول وخربته في الاخر ..
يومها منال لاتفكر الا في فاطمة وعائشة  والقاضي الظالم والجدة العقربه والزوج الخيخه الذي تحركه امه ويطيعها خوفا من غضب ربه فاغضبه بالظلم الذي كاله فوق راسها ، تاره وقت طلقها بعدما زنت عليه امه ليطلقها وتزوجه ست ستها ، وتاره وقتما حرمها من بناتها ، جريمة منال انها لاتنافق حماتها ولا تزورها كثيرا لانشغالها بعملها وبناتها ، الحما فسرت سلوك منال بانه جفاء غير مؤدب ، لم تتركها في حالها ولم تترك ابنها الوحيد يدير شئونه في المنزل مع زوجته بحرية ، بل حاصرته تشتم الزوجه قليله الادب التي لم تسال عليها وتشتمه لانه دلدول لمراته ومش عارف يكسر رقبتها وتشتم في بناته لان الام المايله حتربيه تربيه مايله زيها و........ طلقها مصطفي خضوعا لامه وبقيت  فاطمة وعائشة  في حضانتها حتي وزت عليه امه ثانيه باسقاط حقها في الحضانه ، هي بتشتغل ليل ونهار وسايبه البنات مع الخدامين ، ودول بنات صغار عرضنا وشرفنا ، واللي بلا ام حاله يغم و............ رفع مصطفي القضيه وصرخ امام القاضي بكلمات امه عن شرفه وعرضه المهددين وبناته الصغيرات الضائعات واللي بلا ام حاله يغم و............ ذبحها القاضي بالحكم وسلمت البنات لجدتهن التي استقبلت البنات بالزغاريط لان شرفنا منصان وعرضنا محفوظ و شرحت لهن وهي تمسح دموعهن ، ماهو انتم لابوكم في الاول وفي الاخر وهي امكم وحتفضل امكم ، لكن بما انكم بناتنا تتربوا زي مابنربي وتكبروا في حضننا وامكم موجوده حتروح فين يعني !!!!
كل هذا يمر كلقطات مخيفه امام عين منال وهي خلف شباك البنك والنقود مبعثرة حولها فتبكي وتبكي ، نادها المدير ونصحها تاخد اجازه عارضه وانت قاعده علي خزنه وتحت ايديك فلوس كتيره ومسئوليه النهارده انت مش قدها ، روحي يامنال ، وافقته وكتبت طلب الاجازه وقبلما تخرج من مكتبه نصحها ، يابنتي ، انا زي ابوكي او اخوكي الكبير ، شوفي نفسك ، انت مضيعه حياتك وشبابك علي البنات وفي الاخر ابوهم خدهم ، شوفي نفسك بقي وكفايه اللي راح .. يومها خرجت منال من غرفته تبكي بصوت عالي ، تذكرت عمرها اللي ضاع وايام حياتها التي تبددت والمجهود الذي بذلته مع بناتها وفي النهاية قرر  القاضي انها ام غير صالحة !!!
وسط كل هذا البكاء شاهدها راغب للمرة الاولي ، شاهدها وهي طبعا لم تراه ولم تنتبه لوجوده ، وحين تسوقها الصدفه مره اخري في طريقه ، لن تتذكر ذلك اليوم رغم انه سيذكرها به كثيرا ، لن تتذكره ، فهو كان يوم اسود كئيب ربما قرر عقلها الباطن محوه من ايام حياتها بكل تفاصيله ، بما فيها راغب !!!!

( 13 )
الحلم

يتكور علي نفسه ، يحتضن ساقيه بذراعيه ويدفن رأسه بين كتفيه وينكمش علي نفسه و.......ينام !!
لم تزره في احلامه ابدا ، فتاه جميلة يمارس معها الحب المقهور في زيجة فاشلة وعاهرات عابثات ، لم يأتيه صياد يمنحه سمكه ورزقها ، لم يمتطي جواد ابيض ويرفع سيفه ليفتح المدن والاراضي البعيده ، في الحلم فقط يعود للظلام والصمت والطمأنينة التي لا يعرف معناها ابدا الا بين جنبات رحم الام !!!
في الحلم ، يعود كتله هلامية تعيش في الظلام وخرس الصمت ، لكنه كبر الان وصار يعرف اكثر ، فيمنح من وعيه لتلك الكتله الهلاميه بعض معارفه ، فتدرك انها في رحم امها وان الحبل السري يربط حياته بحياة الام ، التي انجبته وماتت ، يتمني راغب لو بقي الحبل السري بينه وبين امه ، يتمناها لم تمت وتتركه في الحياه بلا طمأنينة ولا امان ، في الحلم يري الحبل السري يربط بينه وبين امه ، يراها انجبته وصار رجلا كبيرا لكن الحبل السري ممتد من فرعه لجذعها ومن جسدها لروحه ، وقتها ، فقط في الحلم ، يطمئن راغب ويبتسم ويتكور علي نفسه اكثر واكثر ويغرق في غيبوبه الظلام الذي يحبه والصمت الذي يطمئن فيه وينام بين جنبات رحم امه !!!
في الحلم ابدا لا تأتية منال ، مرة سألته ، عمرك حلمت بي ؟؟ ضحك ساخرا وكأنه يقول لها من انت لتقتحمي احلامي ، هز رأسه نفيا ، لا بيكي ولا بغيرك ، مابتحلمش ؟؟ سألته مستنكرة ، ضحك باحلم طبعا بس باصحي مش فاكر الحلم !!!
هل قالت له وقتها انه تعرف انه يكذب ، وانه يتذكر كل احلامه وانه لايريد يخبرها بما يحلم به !! لا لم تقل له شيئ وصمتت !!
هل قال لها وقتها انه لايحلم الا برحم امه وقتما كان كتله تسبح في سائل مظلم وصمت مطبق ، وقتما كانت دقات قلبها - التي لم يكن يعرف ماهيتها وقتما كان يسمعها تتسلل من التجويف جانب رأسه لقلبه - تطمئنه ، لكنه الان عرف ان الصوت المطمئن لقلبه وروحه هو دقات قلب امه ، لكن امه ماتت وتركته يتيما محروما من الطمأنينه ودقات قلبها ، ماتت لكنها تركت له روحها تزوره في الحلم وتمنحه رحمها طمأنينه وامان ، حتي ادمن الحلم بها وادمن طمأنينتها ، هل قال لها انه لايحلم الا برحم امه ، لا لم يقل وظل طويلا يخبيء ذلك الامر عنها ...
 هي غريبه ومازالت غريبه ، يحبها نعم لكنها غريبه عنه ، لم توشم روحه ببصمتها حتي تصبح بقيته فيعترف لها باسراره التي لايعرفها احد ، وقتما تزوره في الحلم ، ووقتما تمد الحبل السري بين روحها وروحه ، وقتما تفلح تجبر امه تغادر احلامه وتترك مساحاتها لمنال ، وقتها فقط ستصبح منال بقيته وبقيه روحه وقتها سيشعر بالطمأنينة ، وقتها سيقص عليها كل مامر فيه في حياته .... لكن كل هذا لم يحدث بعد ، لذا لم يقص عليها مالذي يعيشه ولايحلم به ، لم يقل لها في تلك اللحظه بالذات شيئا وصمت !!!

( 14 )
غيرة

عايزة اقابلك ضروري !!! صرخت في التليفون ...
طلبته عشره مرات ولم يرد عليها وفي المره الحاديه عشر ، رد علي تليفونها بصوت محشرج مثل صوت تكسر اوراق الخريف تحت الاقدام الثقيلة  ..
عايزه اقابلك ضروري !!!
مش قادر ، ومش وقته ومش حينفع ...
همس واغلق الخط والتليفون ..
بقيت تحدق في التليفون لاتصدق ماسمعته !!
لاتصدق صوته المتحشرج المخنوق !!
لم تصدق ماسمعته علي لسانه من رفضه مقابلتها !!!
اسبوع مر وهي تنتظره يخرج من صمته !!!
يغار عليها ويتشاجر معها وقتما يشعر الغيره تنهش قلبه ، يتشاجر معها ويصمت ويختفي !!! يتشاجر معها ويتشاجر مع نفسه ويتشاجر مع الدنيا كلها !! وتصمت هي وتنتظر انقشاع العاصفة الهوجاء ..
من اسبوع زارها في مكتبها ، كانت في اجتماع مع احد زملائها ، ارتبكت وقتما شاهدته علي باب المكتب المفتوح ، تعرف غيرته ، وتعرف تبعاتها ، رحبت به مرتبكه وانهت الاجتماع ، طلب قهوه وكلمها في حساباته وكأنه عميل غريب ، انهي اللقاء سريعا ورحل ...
من وقتها وهي تطارده تكلمه في التليفون تحاصره برنين تليفونه ولايرد عليها ، فكرت تداهم مكتبه ، تتشاجر معه امام موظفيه ، تصرخ في وجه عن سبب صمته ، فكرت تمزق وجه باظافرها غضبا واحتجاجا ، انت بتعمل معايا كده ، محصلش حاجه علشان كل ده ، هذا ماكانت تنوي تقوله في اليوم الاول ، كانت ستشرح له ، ده زميلي واتنقل الاداره عندي وكنت باشرح له حيعمل ايه بالضبط ، ده عيل صغير مش مقامك تغير منه !!! تعرف انه كان سينتفض مكانه وينكر انه يغير عليها ، وينكر انه يغير من الشاب الصغير ، تعرف انه كان سينكر كل مشاعره واحاسيسه ...
لكنه لم يسمح لها تشرح له ماشاهده بعينيه ، اعتكف وابتعد عنها وصمت تماما ، عاش حياته عاديه وكأنها ليست موجوده ، العمل والبيت والاطمئنان علي اولاده وعلي ابنته المهاجره ، النادي برتيته البريديج السونا ، سماع عبد الوهاب ، عاش عادي ، كأنه عادي ، فقط هي ليست جزء من تلك الحياه !!!
لم يكن عاديا بالطبع ، كان يحترق بالغيرة ، لايعرف لاحاسيسه مبرر ، الشاب صغير وهي مديرته واجتماعها عادي في عملها وباب المكتب كان مفتوح ، لماذا احترق بالغيرة ، السؤال يوجعه في ذاته ، كيف يغير من هذا الطفل كما سماه ، احاسيسه بالغيره في ذاتها اوجعته ، قرر يبتعد عنها حتي يعرف اجابات لاسئلته ، لماذا غار عليها ومالذي اوجعه ، طال الغياب ، وكثرت عدد التليفونات التي لم يرد عليها ، غيابه وصمته افقدها صوابها ، جنت من كثره الملاحقه ، سبته بكل الالفاظ التي تعرفها ، توعدته وقت تقابله بجنون لم يعرفه مثله ، كادت تحطم تليفونها ، غيابه افقدها عقلها ، ليه ياراغب بتعمل كده ، راجعت كل تصرفاتها ، كيف كانت تجلس وكيف كاني جلس زميلها الصغير ، وقتما دخل الحجرة مالذي كانت تقوله ، ملابسها ضحكتها شعرها نظره زميلها ، جنت وفقدت صوابها وقضت ليالي طويله تبكي ، وكأن احزانها كلها لاتكفيها ، وفقدان بناتها لايكفيها ، وفي النهايه وبعد ضني وسهر وهم ، في النهايه وصلت انها لم تخطيء وانه تصرف بطريقه حمقاء وقتما اختفي كل هذه المده وصمت كل هذا الصمت !!!
طلبته وطلبته وطلبته وفي النهايه رد عليها ، رفض يقابلها ، جن جنونها اكثر واكثر وقررت مع نفسها انهاء تلك العلاقه المرهقه التي افسدت حياتها ولم تسعدها وملعون ابو الحب ده علي ابو اللي بيحبوا !!!!ا 

 ( 15)
دموع

غلالات رقيقة من الماء الساكن ، هذا ماتراه منال حاجزا قيت منال في ذهنه سؤال بلا اجابه  مثل الحقيقه اسمعته مالايرغب يسمعه ، فتشاجرا وتشاجرا ، ونهما من صراعات طاحنه ، في الحلم اتاها رابينها وبين الاخرين ، تتراقص صورهم وملامحهم خلف تلك الغلالات الرقيقه المعلقه بين جفنيها ، ماء ساكن حارق لاينهمر ولا يختفي ، حاجب بينها وبين الاخرين ، جفنيها يرتعشا بسبب ضغط سيول الاسي القادمه من منابع حزنها لوجنتيها عبر الحدقات والرموش ، يضغطا علي جفنيها ويندفعا سيول مقهورة..
تجلس منال علي مقعدها المقدد خلف شباك البنك ، تري الشباك قضبان حديديه وتري نفسها متهمه خلف القضبان ، لاتعرف من قاضيها ومن جلادها ، لكنها تري نفسها خلف القضبان مدانه محكوم عليها بالقهر والعذاب ، لاتري نفسها في مكان عملها ، البنك الاستثماري الانيق ولاتري مقعدها الجلد المريح كما تحسه دائما ولا توزع ابتساماتها علي العملاء الاثرياء الواقفين امامها في الطابور الطويل ، لا هي مجرمه محكوم عليها بالقهر خلف القضبان وشباك البنك تحول لسجن ومقعدها الوثير تحول لدكه خشبيه موجعه وابتساماتها الدائمه تحولت لارتجافه الشفتين واحمرار طرف الانف ودموع منهمره لم تفلح في صد سيولها ..
العملاء يقتربوا من الشباك ويهمسوا بكلام لاتسمعه لاتفهمه لاتدركه ، تراهم زائرين لها في محبسها ، تتمني احدهم يقوي يكسر القضبان ويخرجها ، يعيدها من معتقلها لحضن بناتها ، لكن احد لايكترث ، الكل يبحث عن مصلحته التي وظيفتها تفرض عليها تحقيقها له ، تكاد تهمس ، انقذوني ، بل تهمس فعلا انقذوني ، لااحد يسمع !!!
طابور العملاء طويل امامها ، وحولها نقود مبعثره معتقله معها خلف القضبان ودموعها سيول سم ينهمر بعضها وتبتلع البعض الاكثر واليوم كئيب لم تشرق شمسه وبناتها نمن بعيدا عن حضنها في فراش بارد والطلاق الذي لم تكترث به وقتما حدث في فراشها والغطاء علي راسها وعينيها مغلقتين والصمت يلفها وكأنها نائمه ، همست منال ،  البكاء ، يتمني دائما يبكي ولايجد مبررا ، احافصح عن معناه الموجع في ليلتها الفائته وقتما باتت في ليلها وحيدة في شقة ساكنة مسكونة بالوحشه والغضب وصنبور المياه يدق فوق رأسها نقاطه المتلاحقه تذكرها بوجعها وغضبها وحالها المرزي وليلها الطويل الذي لاينتهي ولا تنفذ لحظاته الكئيبة ..
انقذوني ........  رفعت عينيها وحدقت لاتري احد في طابور العملاء ، لكن عينيها الباكيتين التقيتا بعينين حائرتين ، وكأن رسالتها وصلت من روحها المعذبه لروحه المتعبه ، انقذني ياسيدي ، حطم القضبان واخرجني من سجني ، اعتقني من عذاباتي وهون علي المي واحتويني ياسيدي ، رسالتها وصلت لراغب الذي لايعرفها ولايكترث بها ولا بالاخرين ، انتبه لوجودها ، رفع راسه المشغوله بافكاره يحدق في وجهها المتعب وعينيها الحمراوتين ، تمني لو تجاوز دوره في الطابور واقترب منها وهمس ، مابك ياسيدتي، ابتسم ، مجنون انت ياراغب ، سيسبك الاخرين وتتهمك هي بالجنون ، انت لست سوي غريب في طابور الغرباء وهي غريبه عنك ولاتعرفها ولن تعرفها !!!
وحين اصبح امامها خلف النافذه وقضبانها الصلب ، انتقل احساسها بالاعتقال والحبس لروحه ، مد يده المرتعشه بالشيك ، استلمته بيد اكثر ارتعاشا ، قامت بالاجراءات المطلوبه بتلقائيه رتيبه ، اخذت تعد النقود وتتعثر ، تسقط دمعه علي خدها فتداريها وتمسحها وتتمني ان احد لم ينتبه لها ، يعرف هذا الاحساس وقتما تداهمك الدموع وتكسر ارادتك وتنهمر رغم عن انفك ، يعرف ذلك الاحساس ، وقتما يتمني الارض تنشق وتبلعه ، يتمني يشرب دموعه بملحها بمرها ، يتمني احد لايري تلك الدموع تكشف عن ضعفه وحصاره وووهنه وهوانه ، هي تداري دمعتها وتتمني احد لايراها ، سيحدق في السقف حتي لايحرجها ، يتمني يهمس لم يري دموعك الا انا وانا لم اري شيئ ، مازالت تعد النقود وتتعثر ودموعها تتساقط كوخز الابر فوق روحها وروحه ، توحد راغب معها في حزنها ووجعها ، سيشاركها البكاء ، يتمني دائما يبكي ولايجد مبررا ، احزانه توجعه طيله العمر ودموعه جفت من كثر البكاء ، سيشاركها البكاء ، افلحت تجدد احزانه التي يدفنها ويواريها ، كاد يسالها مابك ، لكن زميلها الذي همس في اذنها بكلمات لم يسمعها غاردت بعدها المكان ولم تعد ، زميلها افسد لحظه جنونه التي كادت تتحول لواقع ، و.......... بقيت غائبة ولم تعد حتي استلم نقوده ورحل من البنك وبقيت دموعها المتلاحقه وكرامتها الجريحه ومحاولتها اخفاء وموارة حزنها يلاحقوه بقيه النهار حتي تغلب عليهم انشغالاته الكثيرة الاخري ، لكن تساؤله الحائر ، مابك ياسيدتي لم يغارده ابدا !!!!!ا

( 16 )
الحل

اسمعي ، احنا حاولنا كتير نبعد ومافيش فايده ..
هذا ماسيقوله لها ..
انهت العلاقة بينهما مرات كثيرة ، صارحته احيانا ولم تكترث تخبره احيانا اكثر .. انهي العلاقه بينما مرات كثيرة ، انهي العلاقة لاسباب مختلفه ، تاره لانه يغير عليها وهي لاتحترم مشاعره ، تاره لانها تتلاعب باحاسيسه فتختفي وقتما تريد وتعود وقتما تريد ومرات اكثر واكثر لانها لاتكف عن البكاء وكأنها عرفته لتبكي !!!
العلاقه انتهت مرات كثيرة في السنتين عمرها ، عاشا ايام الفرحة كثيرا والحزن اكثر واكثر ..
ارهقا من كل مايحدث بينهما ، فرت هي كثيرا وفر هو اكثر وتشاجرا وتقاطعا وصمتا طويلا ، وفي كل مره ، اي منهما او كليهما يبحث عن الاخر ، يتواصلا ويتحابا ويعيشا عشقا مجنونا مستحيلا ، يراقصها وتطهو له ، يذهبا الاوبرا ويعودا سيرا علي الاقدام فوق كوبري قصر النيل يحكي له عن بيت جدته في النجع البعيد وتحكي لها عن دموعها يوم مات ابيها وكيف سامحته عن كل الوجع الذي سببه لها في حياتها ، ينزل معها السوق تشتري ملابسها ويختار ويتشاجر ويغازلها ، تذهب معه لمقبرة امه وتشاركه البكاء ، يصرخ كالاطفال احبك ، ترتبك وتخجل ، ترسل له رساله غرام في منتصف الليل فيطلبها يتوعدها بمصير غرامي موجع وقتما يتزوجا ، لكنهما لايتزوجا ، سرعان مايتشاجرا لاي سبب وكل سبب ، يتشاجرا فيختفي ويجن جنونها ، او تتجاهله فيفقد صوابه ، مره توعدها يضربها ضرب مبرح كمثل التي كان يضربه ابويا الشيخ مرسي لنعجته البيضا ، ضحكت فغضب لانه كان يتكلم بمنتهي الجدية ، سيبي شغلك ، ضحكت ، عمري مااعمل كده ، تعالي نسافر نلف الدنيا ، وبناتي اسيبهم لمين ، تكلمه وقت المطر تغازله وسط انشغالات عمله وتطالبه ينزل يسير معها حافيا تحت المطر ، يضحك وتضحك ، تبكي ويجن جنونه ، يقتربا يتباعدا ، يتصالحا يتخاصما ، ينهيا العلاقه ويعودا كالمحمومين يحترقا من البعد ومن القرب !!!!
اسمعي ، احنا حاولنا كتير نبعد ومافيش فايدة !!!
ردت علي تليفونه بعد صمت طويل فقال لها ماقاله ، تعالي نتقابل زي الكبار ونتكلم ، ضحكت ، كان يوحشها جنونه وعقله ، عبثه ورزانته ، وكانت توحشه ، جمالها وطيبتها حتي دموعها !!!
قرر يدعوها لفنجان قهوة وقطعه شوكولاته ، ضحكت ، تاني ، حنعيده من الاول تاني ، ايوه ...
التقيا في صباح شتوي دافء ، صممت يلتقيا في المقهي كالغرباء مثلما التقيا اول مره ، وافقها ، باحب جنانك ، ماشي موافق !!
علي المنضدة جلسا متقابلين مرهقين منهكين ، انا بحبك وانت عارفه ، طبعا ، وانا بحبك برضه ، طبعا عارف ولكن ... تسارعت دقات قلبها ، هي لكن دي ، فيه مشاكل بينا يامنال ، مشاكل كبيرة ، لازم نعرف نحلها ، لازم نعرف نحلها !!!
وافقته ، لازم نعرف نحلها ، لاتقوي علي بعده ولا قربه ، لايتحمل غيابها ولا حضورها ، لازم نعرف نحل المشاكل دي ، لازم لازم !!!

 ( 17 )
صدفة

هل كانت تعرف في تلك الليلة الباردة التي قبلت فيها دعوة مديرها وزوجته علي العشاء ، انها ستقابل راغب !!
لم تكن تعرف ، ولو عرفت مااكترثت ، فهي لاتكترث الا ببناتها ، نعم تكلمهن كل يوم وتتابع شئونهن وكانها معهن في نفس المنزل ، لكن قلبها يوجعها طيله الوقت ، القاضي غرس حكمه كالخنجر المدبب فيه ، تتناسي كل مايحدث واحيانا تغفل عنه ، لكن الشوكة المدببة ووجعها الدائم يذكروها بكل ماحدث ، زواجها من مصطفي ، العميل الثري الذي اقتحم البنك بصخبه ، مطارادته لها ، غرامه بها ، افلح يجذب نظرها بعدما تراهنت موظفات البنك زميلاتها علي من منهن ستفلح في اقتناص مصطفي والزواج به وهو الغني الامور ابن العز ابو دم خفيف ، لم تدخل معهن الرهان ، وربما هذا ماجذبه اليها ، تجاهلته فانجذب لها ، تجاهلته اكثر فطاردها ، نهرته لانه يحاصرها فقرر يستحوذ عليها للابد وذهب وامه لامها لخطبتها ، هل فرحت يامنال بتلك الخطوبه ، سؤال تساله لنفسها الان بعدما وقعت الفاس في الراس ، زميلاتها فرحن لها وبعضهن احس بالغيرة تنهش انوثته وكرامته لان مصطفي تجاهل الحاحهن وخطب منال ، الفتاة التي لاتلفت نظر احد ، متوسطه الجمال هادئه صامته ، وان تكلمت لاتسايرهن في نكاتهن الخارجه وخططهم لاصطياد العرسان ، واحده من زميلاتها فسرت خطبه مصطفي لمنال بأنه رغب يتزوج امرأه عاديه لانهم لايقوي علي المثيرات الجميلات الملفتتات للنظر !!
نعم منال امرأة عادية .. او هكذا يظنها الاخرون ، انها امرأة عادية ،لكنها تختلف عن نساء كثيرات ، تتمايز عنهن بما تنكره تواضعا ، تعرف حق قدرها لكنها لاتتباه به علي الاخرين فيظنوها " عادية"!!
مصطفي تزوجها لانها امرأة عاديه " طوع " لن تتعبه ولن تتعب امه ، هكذا ظن ، وبدأت القصه وانتهت بسرعه ، زواج صمت خرس منزلي خيانات مهينة سطوة الام وقسوتها طلاق .. كل هذا تقبلته منال ، بوجع نعم ، بمرارة نعم ، لكنها تقبلته ، قذفته خلف ظهرها واكملت حياتها ، لم تكترث بفرحة الشامتات فيها وقت طلاقها ولم تبكي مثلما اعتادت المطلقات ، قذفت كل هذا خلف ظهرها وقررت تكمل حياتها وبناتها ،  فاطمة وعائشة  ، زهرتي حياتها الجميلتين حيت باغتتتها القضيه التي تصورت ان مصطفي سيخسرها بسهولة ، وحين كسبها وحرمت من حضانه ابنتيها لم تصدق ، وحين صدقت كرهت مصطفي وامه اكثر ، وبكت طيلة الوقت !!
في تلك الليلة البارده ، قررت تقبل دعوة المدير وزوجته، البيت خالي وموحش ، وصدي ضحكات البنات يرسم علي الجدران البارده دموعا ، والذكريات تلاحقها ، قررت تهرب من كل هذا وترتدي ثوبا انيقا وتذهب للعشاء ، قالت لها زوجة المدير ، اخرجي من اللي انت فيه ده ، ماهم بناتك برضه ، هما يعني راحوا فين ؟؟ لن تشرح وجعها وكفاها تحتفظ به في رحمها انصال مشحوذه تمزق امومتها ، وافقتها ، حاضر حااجي !!
وفعلا ، ارتدت ثوبا انيقا وقورا وعقفت شعرها وركبت سيارتها صوب منزل المدير ، المسافه طويله ، تسمح بسيول من الذكريات ، ضحكات البنات وهي تقود بهن بعد المدرسة ، لمساتهن الرقيقه علي وجنتها ، تحسهن في حضنها ، تحس صدرها يخرج لبنا دافئا ليطعمهن ويقويهن علي الوحدة والجدة العجوز ، المسافه مازالت طويله والدموع حاضرة والسيول فياضه والوجع حي ..
في تلك الليلة ، شاهدها راغب للمرة الثانية ..
مديرها دعاه ، ودعي بضعه رجال اعمال و بعض عملاء البنك المقربين له ، ودعاها وبعض موظفين البنك احباءه ، والسهرة ضيقة مقتصرة علي الحبايب كما قال المدير واكدت زوجته ..
ابتسامه مرسومه علي الوجه الباكي وشعر معقوف خلف عنقها وثوب انيق وبقايا دموع علي وجنتيها وانزواء في طرف الحجرة ..
هذه منال وقتما شاهدها راغب للمرة الثانية ..
في عزلة وسط الصخب ، تتابع مايحدث وتشارك في الحديث باقل القليل وتبتسم مرهقه تتمني لتعود لفراشها لتبكي ..
انتبه راغب لوجودها ، في البدايه لم يعرفها وسرعان ماتذكرها ، نعم ، هي نفسها السيده الباكية التي لفتت انتباهه في البنك ، هي نفس الدموع التي اوجعته ، هي نفس الحسرة التي تنبعث من روحها ، هو نفس الوجع !!
انتبه راغب لوجودها ، اقترب منها وحياها ، ردت ببرود ، لم يتراجع ، ذكرها بيوم لقاءهما الاول ، طبعا لم تتذكر ، طال الحديث وهي جالسه وهو متكيء علي طرف مقعدها ، ابتسمت زوجه المدير فرحه لان منال ستخرج من حالتها الكئيبه ومافيش زي راغب بيه ولا الطف منه !!!
و............... لو مايضايقكيش اخد رقم تليفونك !!!
اعطته تليفون البنك ، يعرفه لكنه شكرها وكأنها لم تفر منه !!
مين ده ، سألت ، فجاءتها معلومات كثيرة تخيفها منه ، ثري انيق وسيم بتاع ستات !!!
خافت منه علي بناتها ، تتمني ترفع قضيه علي طليقها وامه وتكسبها وتستعيد بناتها وحضنهن ، سمعته اخافتها ، وانا مش ناقصه مصايب !!!
لكن الخوف لم يفلح يبعده عنها ولا يبعدها عنه و......... بدأت الرحلة التي احتاجت اجابات كثيرة لتستمر !!!
اجابات كثيرة اعتكف راغب بعيدا عنها ليجدها !!!!
وبقيت منال تنتظره ليجدها ، وطال الوقت وطال وطال ...

( 18 )
لماذا ولماذا ؟؟

عندما يتجاوز الرجل الخمسين ويقترب من الستين ، ويغزو الشيب بقايا شعره الذي سقط و تحفر التجاعيد علي ملامحه اخاديد عميقة من الحكمة والتروي ، في تلك اللحظة ، يتصور البعض انه نضج وحان وقت العقل والتصرف بحكمه ، ويتصور البعض الاخر انه حان وقت الراحه وترك العمل والاستمتاع بالحياة و.......... يري البعض انه دخل او سيدخل المراهقة الثانية و........... ينتقي كل رجل سبيله ودربه ومااعد له ومايقوي عليه .. لكن راغب ابتعد عن تلك الدروب الواضحه وانتقي لنفسه دربا غريبا ، سيبحث عن اجابات كل الاسئلة التي حيرته طيله السنوات التي مضت وهو يجري في الحياه لايجد وقتا للتفكير في اجاباتها ، هو اللي حصل ده كله حصل ليه ؟؟ سؤال كتبه راغب بخط انيق علي ورقه بيضا علقها امام مكتبه يفكر فيه ويبحث عن اجاباته المحتملة ، ليه ؟؟ يتذكر منال ، وامه ، ومدرسه الفصل ، وجدته العجوز ، وطابور العشيقات والحبيبات ، يتذكر ايام العربدة في الحانات الانيقة والعاهرات اللاتي يفرضن انفسهن عليه حين يجذبه اليهن الاناقة والوسامة والابتسامة المتحفظة والصخب الذي يحدثه حوله وقتما يدخل اي مكان ، يتذكر صفاء ام اولاده التي تزوجها لانها تصلح زوجه وام ، ونفر من جسدها ليله الدخله وبقي نفوره طاغيا وهو يمارس معها واجباته المقدسه كزوج محترم فانجب منه ولدين وابنة بثها كل حبه حتي هاجرت مع زوجها لبعيد وتركته مره اخري يتلظي بالهجر والوحشة !!!ا
صفاء ، الزواج منها كان خطأ كبير ، رشحتها له جدته لحسبها ونسبها ، في اللقاء الاول تمني يهرب وبعد خمسه عشر سنه من الزواج هرب فعلا ، دفع لها كل مايقوي عليه واكثر وترك لها اولاده الثلاث والشقه والمفروشات واختفي من حياتها !!
وهو يوقع علي ورقه الطلاق سمع صوت جدته يتشاجر معه ، سكت ادبا ، لم يرد عليها ولم يلومها لانها صممت يتزوج من صفاء لتقيه شر " السرمحه " فدفعته صفاء دفعا للصياعه والانفلات بضمير مستريح لانه لم يجد معها ابدا ماكان يحتاجه من زوجته التي مفترض تقاسمه حياته وتشاركه ايامها ، نفر من صفاء من اللقاء الاول حتي الطلاق وفي جميع الايام التي بين اللحظتين ، خانها الف مرة ، وكل مره يتمناها تعرف حتي تطلب الطلاق فينعتق ، لكنها عرفت واخفت عليه معرفته ولم تطلب الطلاق حرصا علي اولادها وحياتهم المستقره ، وفي لحظه جراءه غير معهوده وتهور غير محسوب ويأس ، اخبرها بعد مشاجره عنيفه انه لم يحبها قط وانه سيطلقها ويمنحها كل ماتطالبه به ومايمنحه لها القانون واكثر و........ انسيني ياصفاء خالص وطلعيني من راسك ومن حياتك و........... وعاد حرا بعد خمسه عشر عاما من الانصياع للقيود الاسريه والواجب الزوجي اللعين !!
لماذا رضخ لجدته وتزوج صفاء ، ولماذا الان لايرضخ لسطوة قلبه ويتزوج منال ، لماذا لن يتزوج مره اخري ، لماذا مازال يتكور داخل رحم امه ويعود كتله هلامية لاتعي شيئا ويوصل الحبل السري بينه وبينها ويشعر بالطمأنينة وينام !!!
لماذا ولماذا ولماذا ........ مائه لماذا وربما الف ، قرر راغب الان وبعدما تزوج اولاده وبعدما عاد لنفسه بعد طول شتات ، قرر راغب يبحث عن اجابات للاسئلة التي حيرته العمر كله !!!
اللي حصل حصل ليه واخرتها ايه ؟؟
هو يبحث عن الاجابات ومنال تساله ، واخرتها ياراغب ؟؟

( 19 )
القهوة

اتصل بها راغب في البنك ، يسالها عن امواله وتحويلاته ، يعرف انها غير مختصه ، وقبلما تحول المكالمه لزميلها المختص، بادرها ، بتحبي القهوه ، ضحكت ، تصورته سيدعو نفسه علي فنجان قهوه في مكتبها ليتابع اعماله ، بادرتهه بتلقائيه ، جدا ، عظيم ، همس فرحا ..
دعاها راغب علي فنجان قهوه في مكان تحبه ، اطمئنت لانه لم يدعوها للعشاء ، الافلام الاجنبيه تحاصر تفكيرها ، سيدعوها للعشاء ويتصورها مطلقة مباحة متاحة فياخذها معه لمنزله ويمارس معها رغباته الجسديه وينساها ، هذه فكرتها عن دعوات العشاء ، عندما دعاها لفنجان قهوه في مكان انيق تحبه ، اطمئنت وقبلت الدعوة ..
فكرت بسرعه ، اروح ولا مااروحش ، تذكرت بيتها الخاوي ونهارياته البارده ويوم السبت الكئيب ، اجازه من عملها ، لاتري بناتها ولا تتحرك من فراشها حزينه مكتئبه ، هذا برنامجها الاسبوعي يوم السبت ، ستقبل دعوته لمشاركته فنجان قهوه ، يوم الجمعه ، لا يوم الجمعه ماينفعش باشوف بناتي ، بتشوفيهم ازاي ، لا ماهي دي حكايه طويله ،طيب ينفع السبت ، اه ممكن السبت ، خلاص يوم السبت !!!
واتفقا يتقابلا للمشاركه في احتساء فنجان قهوة !!
لماذا لم يدعوها للعشاء ، لانه خاف تفهمه بطريقه خاطئه ، خاف تعامله مثلما عاملته كل النساء اللاتي عرفهن قبلها ، عشاء وهديه وفراش و......بعدين ولا قبلين !!! خاف عليها من الافكار التقليديه لمقابلات الرجال العزاب والنساء المطلقات ، قرر يدعوها لفنجان قهوه وقطعه جاتوه بالشوكولاته ، كمثل ايام الجامعه وقتما كان يدخر مصروفه ويدعو زميلته التي يعزها للتزويغ من المحاضره وشرب القهوه في مكان لطيف !!
ابتسم راغب ، نعم هي زميلته ومثل كل زميلاته ، القهوه هو مايناسبها وليست دعوه العشاء !!!
شربت معه القهوه واكلت الجاتو وضحكت ونبهت عليه وكأنها لاتقصد ، انا باخاف علي سمعتي قوي علشان بناتي ، هل هذا ماجذبه اليها ، انها تخاف علي بناتها وتخاف علي نفسها ،لديها ماتخاف عليه ، لو احبته ستخاف عليه مثل بناتها ، لو احبته ستصونه مثلما تصون بناتها ، ربما هذا ماجذبه اليها ، هل هي تشبه امه التي لم يراها ولايتذكر ملامحها ، نعم هي تشبه امه ، بل هي امه التي غادرته مبكرا ، لو كانت امه حيه كانت ستشبه منال ، ستخاف عليه مثلما تخاف هي علي بناتها ، ستحتويه مثلما تحتوي بناتها ، ستبكي فراقه مثلما تبكي فراقهن ، هذا ماقرره راغب عن منال في روحه ، هي مثل امي !!
هل اعتبرته مثل ابنها ، وليه لا ، هو مثل ابنها الذي لم تنجبه من رحمها ، هو يحتاج الحنان وحنانها فياض لايجد ارض يرويها ، هو يحتاج للامومه وهي ام بلا ابناء ، تتمناه ينام في حضنها لتغني له مثلما كانت تغني لبناتها ، تتمناه يقبل عليها فاتح احضانه مثلما كانت تفعل بناتها ، هو ابني ، ومثل ابني !!!
بدايه غريبه لعشاق ، مزقهما العشق !!
هي امي وهو ابني !!
بدايه حاصرتهما وافسدت الحب ومشاعره !!!
فنجان قهوه احتسياه معا قادهما لطريق اللي يروح مايرجعش ، طريق العشق ، وفي الطريق تمزقت روحيهما وهما يقتربا ويبتعدا وانتهي الطريق بهما او كاد ينتهي لخلوة راغب للبحث عن الاجابات وانتظار منال لكل الاجابات التي اما ستريحها واما ستقتلها ، لكن الاختيارين افضل من الترقب والارهاق !!!
واخرتها ياراغب !!!

 ( 20 )
اليتم

ماتت امه ، وربته جدته العجوز ، ربته بصرامة التربية التي كانت ضرورة وقت تربيه ابناءها من الاجيال التي تكبره بكثير ، فرضت عليه قيود خنقت روحه ، قسوتها اوجعته فتذكر حنان امه الذي انتهي بسرعه مع رحيلها عن حياته صغيرا ، اين حنانك ياامي ، سؤال سأله لنفسه الف الف مرة ، الحنان في رحمها الذي كان أمنا ، ماتت هي وبقي رحمها رمز للحنان ومخبأ من قسوة الجدة العجوز والايام ، و......... صفاء صورة من جدته ، امرأه قاسيه بالفطره صارمه بالسليقة ، تعاملت معه منذ اللحظه الاولي للقاءهما باعتباره ابنها المنفلت الذي يتعين عليها تعيد تربيته ليصبح مثلما تتمني ، عليها تعيد تربيته فيصفق لها الناس لانها الزوجه الفالحة التي اعادت تربيه زوجها وخلصته من بقايا المراهقه والتمرد والبسته البذله المناسبه لسنه ووقاره المفترض ووظيفته المرموقه وعائلته الاصلية الحسيبه النسيبه ،  قررت صفاء تعيد تربيته ، ففرت روحه منها مثلما فرت من جدته العجوز ، وتمرد عليها مثلما تمرد علي جدته ولم يشعر معها ابدا بالامان ولا الطمأنينة وطبعا لم يمنحهما لها ..
موت امه اوجعه ، وقسوه جدته عذبته واغلقت في وجهه ابواب الرحمة ، الوجع والعذاب وابواب الالم المفتوحه اعادته جنينا لرحم امه ، الدرس الذي تعلمه قبلما يفهم كل مايحدث حوله ، وقتما تشق عليه الحياه وتستعصي علي اسئلته البرئيه الاجابات ووقتما تنهره جدته لسبب تافه لايذكره ، في ذلك الوقت يتكور حول نفسه ويستحلب اصبعه الاكبر بين شفتيه وينام جنينا يسمع بروحه دقات قلب امه فتطمئنه ويغمض عينيه واذنية ويعود للصمت التام والظلام الدامس و............ ليه ؟؟
الاسئلة التي فر منها راغب عادت له وهو في الخمسينات، لماذا؟؟ وقف مع نفسه وقرر يعرض كل الشرائط التي عاش ايامها ، ويتذكر لماذا حدث كل ماحدث ، ويسأل نفسه لمتي سيلجأ لرحم امه ، متي سيفطم من رحمها ومن اصبعه ويشعر الطمأنينة مع نفسه دونما حاجه للحلم والحبل السري والرحم المظلم ؟؟
اسئله لايعرف لها اجابات .. لكنه سيعرف ، هكذا قرر راغب وحسم امره ، السنين المتبقيه من العمر للعثور علي اجابات الاسئلة التي حيرته العمر كله وضيعت ايامه في الفضاء ..

( نهاية الجزء الثاني ويتبع بالجزء الثالث )