مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



السبت، 16 يونيو، 2012

السطر الناقص في بحث الدكتور منسي ( الجزءالاول )


في هذا الوقت الذي يضطرب فيه الفكر في مصر
ويضطرم بحثا عن شخصيتها ودورها الإنساني والحضاري ،  
فإننا في حاجة إلى فهم كامل لوجهنا ووجهتنا
لكياننا ومكانتنا, لإمكانياتنا وملكاتنا ، وأيضا لنقائصنا ونقائضنا
بلا تحرج ولا تحيز أو هروب 
(جمال حمدان)



من يشاهدون النيل في تمام فيضانه
يرتعدون خوفا
 
أما الحقول فانها تضحك
وجسور النيل تغمرها المياه
 
ومن ثم تنزل موائد الآلهة
وتشرق وجوه القوم
وتبتهج قلوب الآلهة

المجد لك ايها النيل..
الذي يحمل الخير لمصر
وعندما تفيض يعم الفرح البلاد
انت تجري، فتسقي الحقول
وتنعش القطعان
وتمد الناس بالقوة
اذا تأخرت عطاياك
توقفت حركة الحياة
واذا غضبت.. حل الذعر بالبلاد
بدونك.. لا نجد الأسماك
وبدونك لا ينبت القمح والشعير والذرة
انت الذي تخلق كل جميل

انشودة الفرح بالفيضان ..متون الأهرام



الجزء الاول

( 1 )
ايام سودة

همست السيدة التي تقف داخل المحل فرارا من المظاهره الكبيرة التي تسير في الشارع التجاري الكبير في وسط البلد ، همست بصوت مرتعش مخنوق تسال صاحب المحل الذي يقف علي الباب امامه ، هي الاعلام السوده دي مكتوبه عليها ايه ؟؟ اشاح صاحب المحل بيده ، مكتوب عليها اننا حنشوف ايام سوده !!!
ازداد ذعر السيدة ، هما خلاص مشيوا ولا ايه ؟ عايزة اروح ، همست العامله بجوارها ، لسه بدري ، دول كتار قوي ماتشوفيش اولهم من اخرهم ، ولسه اخر المظاهره بعيد !!!
سالت السيدة صاحب المحل ، هما عايزين ايه؟؟
انتفض صاحب المحل غاضبا ، تصدقي يامدام ، علي الحرام من بيتي ، ولافاهم ، عايزين ايه بالضبط الجماعه دول ،طلباتهم منا ايه ، ولا عارف !!!
وبقنوط رهيب همس لها ، ادينا حنشوف اخرتها ايه ؟؟
سالته السيدة بصوت هامس ، وهي ليها اخر ؟؟
ضحكت البائعه ، طبعا ، كل اخر له اول وكل اول له اخر ، مسيرنا نفهم عايزين ايه الجدعان دول ..
وهنا.......... قرر الكاتب تثبيت الزمن في تلك اللحظة وتصوير كل لقطاتها بكاميرته الفوتغرافيه !!!
لا هذا ليس قرار الكاتب ، الكاتب مغلوب علي امره ، الزمن قرر يثبت ولايتحرك ، فلم يكن امام الكاتب الا الانصياع لحكمه القاهر ، وقتما يثبت الزمن ويُلبس الاحياء ثوب الاموات ويقطع انفاسهم المتلاحقه ، هنا لايملك الكاتب الا تصوير مايراه بعدسه فوتغرافيه ، لايملك الا التقاط صورا متلاحقه تنتظر يتحرك الزمن لتدب فيها الحياه مره اخري ....
صاحب المحل امام بوابته وعلي وجه ملامح مرتبكه ، السيده تجلس علي الكرسي وسط المحل مرتاعه ، البائعه تراقب الشارع بوجه شاحب يفصح عن رعب دفين و...................ثبت الزمن في كل شيء الا  المظاهره الكبيرة التي مازالت تسير بالشارع ترفع اعلامها السوداء ترفرف في السماء ، الزمن لم يثبت عند المتظاهرين الغاضبين الذين يصرخون بصوت عالي ممضوغ بهتافات لم نفهمها بعد !!!ا
ثبت الزمن داخل المحل وفي الشارع وفي المدينة ، وبقي السؤال الحائر علي كل الوجوه الجامدة ، مين دول ؟؟؟؟ مين دول ؟؟؟ مر وقت طويل ومازالوا جامدين والزمن لم يتحرك لانه لم يعثر علي الاجابة بعد!!!!

( 2 )
النادي

شقه كبيرة ، شقتين كبيرتين ، تحولتا من سنوات بعيده وبعد التعديلات المعماريه وهدم الحوائط وفتح النوافذ وتغيير التصميم الداخلي الذي قام بهم الخواجه كريساسي المهندس المعماري الشهير الذي ترك توقيعه علي ابنيه كثيرة من ابنيه تلك المدينه ، تحولت الشقتين  لساحه كبيرة تقع في الدور الرابع والرووف من مبني عتيق في الحي القديم الذي كان ارستقراطيا !!! كان حي ارستقراطي يخشي العامه وابناء الدهماء الاقتراب من شوارعه الواسعه ...حي لايرتاده الا سكانه واصدقائهم من سكان الاحياء الراقيه الاخري ، هكذا كان الحي ، الان صار مثل كل الاحياء بلا ملامح بلا هوية ، طغي عليه القبح المعماري فافسد الابنيه الجميلة وشوه ملامحها الانيقة ، الان ، صار مرتعا للمتسعكين والصعاليك ، يرتادوه للتنفيس عن انفسهم والمشي التائه الذي بلا هدف !!!
في هذا الحي الذي كان ارستقراطي ، يقع النادي في بنايه قديمه عاليا مطلا علي اكبر ميادين الحي والمدينه العريقة .. شقتان تحولتا لساحه كبيرة تحيطها حجرات واسعه ربما خمسه ربما تسعه لااحد يعرف ، فالابواب المغلقه لاتفصح عن عدد الحجرات المختبأه خلفها ، هنا ، كان الخواجات والاجانب يعيشون حياتهم السعيده بعد انتهاء ايام العمل الطويله ، هنا كان يأكلون ويرقصون ويحتسون الخمر ويصاحبوا النساء الجميلات بالاكتاف العاريه والفساتين الواسعه والاحذيه اللامعه بكعوبها العالية !!! هذا مايذكره الخواجه صاحب النادي عن النادي قديما وقتما كان طفل صغير يصاحب ابيه لمقر عمله ..
هل ورث الخواجه المكان عن ابيه الذي ورثه عن ابيه الذي اشتراه وقتما حط علي القاهره من بلاده البعيده مغامرا يبحث عن عمل وفرصه للرزق !!! هذا مايظنه البعض ويرددوه لبعضهم البعض ، لكن احد لايعلم الحقيقه !!!
يقال ان الجد الاكبر كان يهوديا فر من اوربا وافران الغاز ، ويقال ان ذلك القول وهم كبير وان الجد كان مسيحيا يذهب للكنيسه كل يوم احد ، يقال انه كان ارمني هارب من ارمنيا التي احتلها " السوفيت " وانه يحب الكونياك الارمني والشوكولاته الارمنيه والنساء الجميلات الفارات من الجنه ، نساء ارمنيا بشعورهن الحمراء الناعمه واجسادهن القده ، يقال انه كان يوناني عاش في الاسكندريه بضعه سنوات ثم رحل للقاهره المحروسه ام الدنيا وهنا اشتري النادي مكانا للاجانب من اهله وعشيرته وابناء قارته بعدما تبعثروا علي المقاهي المصرية يسمعوا اسطوانات سيد درويش ويشربوا الحلبه الحصي والشاي الصعيدي دون سعاده ودون مزاج ، ويقال انه كان مصري " صايع " ركب البحر وعاش في اوربا سنوات تصعلك هناك كيفا شاء وعاد مرتديا قبعه بيضاء وحذاء ابيض يتحدث العربيه بلكنه معووجه وكأنه انتمي لبلاد الخواجات وقرر وقتما عاد ينشأ النادي علي طراز الانديه التي احبها في ازقه اوربا ، شبابيك كبير واسعه لاتفتح حتي لاتدخل اتربه الشارع ورسومات ونقوش علي الاسقف والجدران ومناضد كبيرةبمفارش بيضاء وبار عالي واكواب كريستال ساطعة وشموع فواحة بعبير الفاكهه علي كل منضده ، يقال انه خلق اجواء اوربا في الميدان الكبير في الحي الارستقراطي الذي كان ولم يعد ، فتوافد الاجانب علي ذلك النادي واحبوا اجواءه و.............صار مكانهم !!! 

( 3 )
الدكتور منسي

سألته زوجته ، لماذا بالذات هذا المكان ؟؟
كانت تساله تستنكر ذهابه المتكرر للنادي ، هناك اماكن كثيرة اجمل من ذلك النادي وطعامها اشهي واكثر اناقه وراحه ، لماذا هذا المكان يامنسي ؟؟
هو رجل سبعيني اشيب الشعر والحاجبين والشنب الكثيف استاذ علم اجتماع ، خرج علي المعاش بعد سنوات طويلة قضاها يدرس للطلاب تعيسي الحظ الذين القاهم مكتب التنسيق علي كليته التي يفخر بالانتماء لها وهم لايفخرون ، سنوات طويلة قضاها يدرس لهم حال وطنهم ومجتمعهم وهم لايفكروا الا في الفرار منه للبلاد التي لايعرفوها بحثا عن ثراء لايمنحه لهم وطنهم الذي يعيش نصف مواطنيه او اقل قليلا تحت خط الفقر ، سنوات طويله يكتب ابحاثا هاما لايقرأها احد ولا يستفيد منها الوطن ولا مسئوليه ، لكن لم ييأس ولم يزهق ولم يكف عن البحث والتأمل ، سيأتي يوما سيستفيد الوطن بكل مااكتبه !! هذا مايقوله لنفسه كلما هم يكتب بحثا اضناه الهم وهو يفكر فيه ...
هو ..الدكتور منسي .. العالم المصري العاشق لوطنه حتي الثمالة ..
وهي زوجته ، فكرية ، طالبته التي احبته اكثر مما تحب علمه وهو استاذها العائد من البعثه التي حصل فيها علي الدكتوراة ، وقعت في حبه من محاضرته الاولي وشاغلته بروحها الجميله وتفوقها العلمي حتي بادلها الغرام وتزوجها وصاحبته رحلة البحث والدراسة والهم وعشق الوطن ، شاركته اوقات الفرحه القليله واوقات الهم والحزن الطويلين ، ومرت سنوات العمر في الدراسه والابحاث وتربيه الاولاد الثلاث..
ابتسم ، وليه نص البلد اساسا يافكرية ؟؟
هزت رأسها لاتعجبها اجابته ، ماانا سألتك الف مره قلت باحبها !!! بجد يامنسي المكان ده محيرني ، اشمعني بتحبه كده ؟؟ ..
ضحك يمازحها ، باحب نص البلد وباحب النادي وباحبك ، والقلب ومايريد يافكريه !!!!
لم تعجبها اجابته واصرت ، لا بجد ليه المكان ده بالذات ؟؟؟
لايجيبها بسرعه ، غائبا في افكاره والبحث الذي اوشك ينتهي منه عن شخصيه مصر ، بالطبع لم يقتبس فيه ماكتبه استاذه جمال حمدان في مؤلفه الفريد ، لم يقتبس ماكتبه الدكتور جمال حمدان ، لكن شخصيه مصر التي وصفها الدكتور جمال تتلبسه وتصول وتجول داخل روحه وترسم ملامح البحث الذي اضناه شهورا طويلا ... تكرر سؤالها ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟
علي وجهها تعبيرات تفضحها ، تغار عليه ، تعرف ان نساء جميلات كثر يتراقصن في ذلك المكان الذي لايصحبها معه في سهراته الطويلة ، تعرف انه لاينظر للنساء ولايكترث بهن ، لكن شيئا ما يوخز صدرها ، تتمناه يريحها ، هو يفهمها ويعرف طريقه تفكيرها ويعرف انها تحبه ، تتمناه يريحها ، تتمناه يغازلها وياخذها في حضنه ويهمس لها مثل الايام البعيده انه لايحب غيرها ولايري نساء غيرها وعليها الا تخاف !! لكنه لايفعل كل هذا ، رأسه مشغول بكل مايحدث حوله ، البلد يموج بالحراك السياسي ، لايكترث بالسياسه لكن الصراع الاجتماعي المحتدم الذي يصاحب الخصومات السياسيه وربما يعبر عن نفسه فيها ، هذا الصراع الاجتماعي هو مايشغله ... يبحث عن شخصيه مصر كيف كانت وكيف اصبحت ، هل تغيرت ؟؟ ولماذا ؟؟ وكيف ستواجه كل مايحدث حولها ؟؟ هذا مايشغله الان ومنذ شهور طويلة ، شخصيه مصر وفقط ، يشغله اكثر من فكريه وهواجسها وغيرتها الحمقاء ، لايمنحها ماتتمناه فتشاكسه وتتمناه يفعل ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟ ...
يرفع راسه من بين اوراقه مبتسما ويهمس تاني يافكرية ؟؟ ويصمت ويغيب مع افكاره !!!

( 4 )
المايسترو

دخل عازف البيانو العجوز بشعره الابيض المتساقط وصلعته اللامعه وبذلته السوداء الانيقه بياقتها الستان البراقه ، دخل من البوابه الكبيرة للعماره العالية التي يقع فيها النادي الذي يعزف فيه علي البيانو الاسود القديم منذ اربعين عام ويزيد !!!
صعد السلم بخطوات بطيئه علي اقدام مرتعشه ، كم مره صعد هذا السلم ، كم مره هرع يجري متأخرا عن ميعاد عمله ، يدخل من الباب يجري صوب البيانو ، يصفق له جمهور الحضور ، يحبوه وموسيقاه الرقيقه ، كم مره غاب عن عمله ، ولا مره ، لايقوي علي قضاء امسياته الا امام ذلك البيانو ، اصابعه السوداء والبيضاء صارت اصابعه هو ، اطراف اعصابه ومراكز احساسه ، يعزف من روحه مقطوعات موسيقيه لاسعاد جمهوره المحب للحياه !!!!
هذه هي حياته ، النادي الليلي والبيانو القديم ومعزوفات الموسيقي الجميله !!!!
كان شابا ارعن احضره والده رغما عن انفه للخواجه ليمنحه الوظيفه ، اطاع والده علي مضض ، لكن البيانو العتيق اسره منذ الليله الاولي التي لمس اصابعه باصابعه !!! وقع في اسره واحبه ونسي احلامه بالسفر والهجره و.......... صارت المايسترو ناجي ، نعم ، الخواجه اطلق عليه لقب المايسترو ومن بعده الجمهور ، هو مايسترو فرقته الكبيرة التي هو والبيانو العتيق اعضاءها الوحيدين ، اليوم ، يصرخ الخواجه بالكلمات العربيه الممضوغه ، اليوم ، المايسترو ناجي سيسعدنا بموسيقاه كمثل كل ليله ، بقعه ضوء تقع علي البيانو ، تنتقل لاصابعه الرابضه فوق الاصابع البيضا السوداء ، تصفيق حاد وتبدأ الموسيقي !!!
هل مازال في العمر بقيه ياناجي لتعزف الموسيقي التي تحبها ولاتعرف غيرها حبا ولا وظيفه !!!
هل مازال في العمر بقيه ؟؟؟؟

( 5 )
ابراهيم باشا

اصغي ابراهيم باشا لوالده الوالي وهو يكلفه بقيادة حملة عسكرية ثالثة لشبة الجزيرة العربية ليقضي علي المتمردين  !! هناك سيثأر لشقيقه طوسون وهزيمته في الصفراء وهزيمته الثالثة في تربة  !!! هناك سيثأر للجنود المصريين ممن قتلتهم الاوبئة الفتاكة التي انتشرت في صفوفهم وقتما قطع المتمردين طرق المواصلات بين مكه والمدينه !!! هناك سينتصر عليهم ويحول بين فصل الحجاز عن جسم الدولة العثمانية وهناك سيقضي عليهم وينهي استئثارهم بالحرمين الشريفين .... اصغي ابراهيم باشا للوالي محمد علي جيدا ووعده بالانتصار الساحق عليهم و........... امتطي حصانه ورفع اصبعه يتوعدهم وكاد يتحرك صوب ساحه القتال ............ووقف الزمن وثبت فكان تمثاله الشهير في ميدان الاوبرا الخديوية في قلب قاهرة المعز ....
سنوات طويلة ربما قرون وهو ثابت فوق حصانه واصبعه مرفوع يتوعد ويهدد !!!
هكذا شاهد الملايين من العابرين المنشغلين بحياتهم وهمومهم تمثاله الشهير دون انتباه لمعناه وقيمته ، شاهده الملايين ولم يسألوا نفسهم من هذا الرجل ولماذا يمتطي حصانه والاما يستعد ؟؟؟ فقط الدكتور منسي همس لفكرية ، ده بيشاور علي الاوبرا يافكرية !!
يقفا معا في شرفة منزلهما ، يسكنا في بناية عتيقة عريقه في وسط القاهره تطل علي شوارعها وميادينها وتماثيلها العظيمة ، منذ تزوجا وهما يقطنا تلك البنايه ، رفض منسي طلبات ابيها للسكن في الضواحي الجديده للعاصمه ، رفض مصر الجديده ورفض مدينه الاوقاف ورفض العجوزه ،احياء جديده بلا شخصية بلا روح ، لو يملك لاخذها وعاش في الغورية او خان الخليلي ، لكن ابيها لن يقبل ولا هي ، اختار بنايه عريقه في وسط البلد وصمم عليها ، هنا في تلك البنايه هو في حضرة التاريخ يعيش لحظاته بمنتهي الاستمتاع الواعي ، تشبث برايه ولم يكترث برفضها للسكن في وسط العاصمه وشوارعها المخيفة ليلا بعدما ينصرف الاطباء من عياداتهم والمحامين من مكاتبهم وبعدما تنطفيء الانوار البيضاء من شبابيك البنايات المجاورة وبعدما تغلق المحلات التجاريه ابوابها وتطفيء دور السينما لافتتاها المضيئه ، وقتها لايبقي في وسط البلد الا الليل الموحش ، تشبث منسي برأيه فخضعت فكريه وابيها في النهايه لشطحاته العلميه واعتبرت فكريه ان قبولها السكن في وسط البلد تضحيه لصالح المستقبل العلمي لزوجها الذي لايشغله الا دراساته الاجتماعيه عن مصر وشخصيتها والعاصمه وهويتها والروح المصرية التي لايفكر الا فيها ..
يقفا معا في شرفه المنزل ، يتابعا المارة والمحلات والسيارات المكدسه واشارات المرور الخربة والمتسعكون امام المحلات والمقاهي الفارغة ، تكاد تلومه فكريه ، شايف ادي وسط البلد اللي كنت بتقول عليها اشيك حته في مصر ، شايف شكلها بقي عامل ازاي ، لكنها لاتقول له شيئا وتصمت ، تعرف ردوده ، هي ترموتر البلد ، اللي بيحصل في اي حته بيحصل هنا الاول ، تعرف كل ردوده عليها فتصمت بعدما تحدثت طيله الخمسين سنه التي عاشاها معا ولم يمنحها كل تلك السنوات اجابات او ردودا ترضيها!!!
يهمس لها وهما ينظرا لتمثال ابراهيم باشا فوق حصانه ، ده بيشاور علي الاوبرا الخديويه يافكرية !!
القت فكريه نصف جسدها من الشرفة واطالت النظر للتمثال ولم توافقه ، لا يامنسي ، ده بيتوعد الحجازيين اللي كان رايح يحاربهم !!! ضحك منسي ضحكات متلاحقه وهمس ، بيشاور علي الاوبرا يافكريه انت اللي مش واخده بالك وصمت ............ تنتظره يكمل حديثه ، لكنه لم يكمله ..
دخل من الشرفه وجلس علي مقعده الوثير امام مكتبه العريق وهمس لنفسه ، لاانت واخده بالك ولاحد خد باله ، انه قبل مايروح يحارب الحجازيين وهو بيتوعدهم ، وقتها كان بيشاور علي الاوبرا !!!
همس الرجل القابع فوق السحابة البيضاء البعيدة بجوار القمر ، في اذن منسي  ، لكن الاوبرا اتبنت بعد ماانتصر عليهم بسنوات يادكتور !!!
اشاح منسي للانسان البعيد لايعجبه حديثه ، ماهي دي بقي شخصيه مصر ، تشاور علي اللي حيحصل قبل مايحصل ، ابراهيم باشا كان عارف انه مش حينتصر علي الحجازيين الا بالاوبرا الخديوية ، الاوبرا كانت سلاحه السري اللي متأكد انه حيحسم انتصاراته في تلك المعركه وكل المعارك ...
رفع منسي راسه للسماء وابتسم للقابع بعيدا فوق السحابه البيضا ، الاوبرا الخديوية ، الاوبرا الخديوية ولاايه رايك ؟؟ ابتسم الرجل وغطس داخل السحابه وتظاهر بالنوم فلم يرد عليه !!!
فاهماني يافكرية ؟؟ لكن لا فكريه ولا العابرون بلداء تحت التمثال يفهموا شيئا !!!
طيب اشمعني يعني تمثال ابراهيم باشا في قلب القاهره في مصر المحروسة امام دار الاوبرا الخديوية؟؟؟ حد يقدر يقولي ؟؟
لااحد يجيبه .... لكن سؤاله مازال بلا اجابه في راسه ، يبحث عن الاجابه وهو يكتب اسطر كثيره متلاحقه في بحثه المضني ، شخصيه مصر !!!!
يتمني التمثال يبوح له باسراره والاوبرا الخديوية ايضا !!!
يتمني لكن احدا لم ينطق بعد !!!
هل ستنطق الاحجار ذات يوم ؟؟؟ يسأل الدكتور منسي نفسه وينتظر الاجابات كلها دفعه واحده !!!
في السنوات السبع التي ستمطر فيها السماء وتثمر سنابل القمح ، ستأتيه الاجابات دفعه واحده !!!
ايزيس تتابعه وتبكي وتبكي ، تكاد تهمس له ، هانت يادكتور ، لكنها لاتقول ولايسمعها ومازال ينتظر الامطار هو و تمثال ابراهيم باشا !!!
ابراهيم باشا مازال ينتظر لحظه هطول الامطار فوق راسه فتدب فيه الحياه مره اخري ويعود لمعركته الكبري التي انتصر فيها وسينتصر فيها مره ثانيه !!!!
ومنسي مازال ينتظر الامطار لتثمر حقول القمح سنابلها وتنتهي السنوات العجاف !!!
ومازال الزمن واقف ودولابه ثابت .... والجميع ينتظر تعود لهم الحياة !!!

( 6 )
من فوق السحابة البيضاء

رجل اثنين عشرة مائة الف ..
خطوات ثقيله تدب علي الارض ، ثقيلة كأنها تتمني تدك الارض والسماء فوق بعضهما ..
عشرة الاف ربما خمسين الف اكثر اقل
نساء كثر وسط الصفوف
ذقون شعثه وجلاليب بيضاء وملامح قاسيه واصوات تزأر عاليا
اعلام ورايات سوداء ترتفع فوق الرؤوس
علم راية اثنين الف عشره خمسين مائة الف
لو انك تجلس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار وجه القمر فوق المحروسة ، لشاهدت عاصفه سوداء تحجب الشمس والقمر فوق عاصمتها تلوح براياتها فوق الرؤوس في الشارع الطويل ..
لو انك تجلس فوق السحابة البيضاء البعيدة ، لسألت نفسك مثل الملايين ، من هؤلاء ؟؟؟!!!
من هؤلاء الذي تخلوا ملامحهم من العيون الفرعونية الكحيله والانف الرومانية والوجنتين النوبيتين والعيون الزرقاء التي تركتها حملة لويس التاسع اثرا علي الوجوه المصرية الجميلة ، بشرتهم ليس بيضاء وردية كاحفاد محمد علي ولا سمراء لامعه كاحفاد النوبيين ولا قمحيه مثل الفلاحيين الطيبين ولا سمرا عفية مثل الصعايدة اصل الوطن !!! 
احدا لايعرف كيف تجمعوا ومن اين اتوا !!
احدا لايذكر متي بدأت تلك التظاهرة الغاضبه !!
احدا لايعرف الي اين تتجه وماذا تريد !!!
لو انك تجلس فوق السحابة البيضاء البعيدة لشاهدت منظر غريب لم تعتاد مشاهدته وانت قابع فوق السحابه منذ قرون طويلة ، ستري تظاهره كبيرة تحمل اعلام سودا تحجب ضوء القمر وتحيل شوارع قاهرة سودا حالكا ، ستري مدينه اشباح متجمدة مكانها وكأن كل شيء ميت عدا تلك التظاهرة ، ستراها تتحرك وتصرخ وتهتف والكل نيام ، والكل موتي !!!
لو انك تجلس فوق السحابه البيضاء البعيدة بجوار وجه القمر ، للمحت دموع ايزيس تتجمع وتتجمع لاتنهمر ولا تتساقط ، دموع ايزيس تجهز لفيضان عاتي سيضرب جنبات المحروسة ، هل سيحطمها وجدرانها ومعابدها ، هل سيروي عطشها للخصوبه والنماء ، لااحد الان يعرف مالذي يحدث !!!
الشيء الوحيد الذي نعرفه جميعا ، انا وايزيس الباكية والانسان القابع فوق السحابه البيضاء ، كل مانعرفه ان المدينه وكأنها ماتت ، وان التظاهره الحاشده باعلامها وراياتها السوداء تتحرك صاخبه وكأن خطواتها تنثر موتا علي المدينه التي عاشت الف عام ولم تموت !!!!
صرخ الانسان القابع فوق السحابه البيضاء ...... الزمن توقف !!!
انتبهت ايزيس وابتسمت وهمست لحورس ........... الزمن توقف !!!
ابتسمت انا واعجبتني اللعبه العابثه التي نلعبها جميعا في عوالم الوهم..... الزمن توقف !!!
ونظرنا جميعا لدولاب الزمن الدائر فلاحظنا ثباته وتوقفه عن الحركة !!!
هذه لحظه خاصه جدا ، قد نعيش ونموت ونبعث ونعيش ولانراها ثانية ..
اللحظه التي توقف فيها الزمن عن الحركه ومات كل شيء !!!!
وسالت نفسي .... لماذا توقف الزمن ؟؟؟؟؟؟؟؟
يوم ارتفعت الاعلام السوداء في سماء قاهرة المعز ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 7 )
نوفي

حدقت في المرأة لاخر مره ، تراجع كل التفاصيل ، الكحل ثقيل كما تتمناه والروج لامع مغري ، خصلات شعرها تساقطت وكأنها لاتقصد فوق حواجبها الكثيفه وكأنها توزع عهود الهوي علي المشتاقين ، نظرت لجسدها راجعت كل التفاصيل ، فستانها الاسود ملتصق بجسدها البض ، حذائها الستان نظيف وشرابها الحريري مشدود  ، حمالات الفستان واسعه فتسقط احداهن علي كتفها تزيد اغوائها اغواء والثانيه تبقي لتحمل الفستان الثقيل علي كتفها الاخر ، حدقت في المرآة للمرة الاخيرة وسحبت حقيبه يدها الصغيرة وتأكدت ان مفتاح الشقه في قاع الحقيبه ومعه العازل الطبي الذي لاتنسي ابدا تحمله معها ، قلم الروج وقنينه العطر ومراية صغيره ومطواه قرن غزال  ، محتويات حقيبتها التي لاتستغني عنها ، حدقت في المرآة وكعادتها لوحت لنفسها وكأنها تودعها وبسرعه خرجت من باب الشقه بعدما احكمت اغلاق بالباب..
تسير علي قدميها صوب النادي ، قدميها يعرفا الطريق ، عشرات بل مئات المرات سارت في ذلك الشارع ، من منزلها للنادي ، شارع طويل ستقتل ملله بمشاهده المحلات ، شارع مظلم تنحرف له يمينا ، تتحسس مطواتها تحسبا لاي اعتداء غادر من شاب صايع لم يجد مايقتل به وقته الا التسكع في الشوارع المظلمه ، ميدان مزدحم بالسيارات والماره ، تنتبه وهي تعبره ، خوفا تاتيها سياره مسرعه كما حدث لها من خمس سنوات ، صدمتها والقتها ارضا وكانت ايام سوداء ، تسير علي قدميها صوب النادي او تقودها قدميها للمكان الذي تعرفه واختارته من كل اماكن وسط البلد مقرا لنشاطها !!!
اليوم الخميس والسهره طويله واخرها عميل يرهقها بعدما مني نفسه بليله عابثه مع حوريه من الجنة!!
ضحكت وهو تسمع صوت راسها ، يقولوا عليها في النادي انها حوريه من الجنه ، الكل جرب لياليها الحمراء والكل يشيد بها وببراعتها في فنون الغرام ، سنوات وهي تتردد علي ذلك النادي ، وقتما هربت من اخيها المدمن وركبت القطار ليحملها من بلدتها البعيده للقاهره ، هنا هربت من اهلها وهنا عاشت في الشوارع ونامت فوق الارصفه وهنا تعرفت علي معلمات "الكار" اللاتي علمنها اصول المهنه ، لم تخجل ابدا من مهنتها ، ولماذا تخجل ، هذه هي المهنه التي فرضتها عليها الشوارع ، اما الخدمه في البيوت واما ......... بيع الانبساط !!! طبعا اختارت بيع الانبساط ، لن تكون خادمه ينحي ظهرها وهي تمسح الارض ويعاملها اصحاب البيت معامله كريهه ويغتصبها ابنهم العابث كل ليله ويتقاسمها مع ابيه ان قرر الاب بسطوته ان تصبح تلك الليله التي تغيب فيها زوجته عن المنزل في لقاءها الاسبوعي مع صديقاتها هي ليله استمتاعه بجسدها والعبث به قتلا لوقت الملل حتي تعود زوجته ، لن اكون خادمه وسابيع الانبساط !!! وقد كان ، عانت ليال طويله ثم تعلمت وبسرعه فنون المهنه واسرارها ، لم تختر النادي ، لكن النادي هو الذي اختارها ، صاحبها عميل غريب عن القاهره للمكان ، رقصت وشربت واكلت واشاعت صخبا وبهجه لم يعهدها النادي ورواده العواجيز ، في اليوم التالي ، دخلت النادي وحيده وجله ، امس كانت مع عميلها واليوم تبحث عن عميل جديد ، خافت يطرودها من المكان ، جلست علي منضده بعيده وحين صدحت الموسيقي قررت ترقص وحيده ، تسللت للخشبه التي اعتبروها ساحه للرقص ، ادرك عازف البيانو انها سترقص ، عزف المقطوعات التي ستسمح لها باظهار كل مواهبها ومفاتنها ، رقصت وجله خائفه من ردود افعالهم لكن تصفيقهم العالي وصرخات الاستحسان شجعتها لترقص اكتر واكتر و............... عادت لمنضدتها لتجد العميل الذي تتمناه ينتظرها بكل شوق ، و......... صار النادي مكانها والمنضده البعيده مكتبها الذي تباشر منه عملها و...........منحها الخواجه اسما جديدا بدل الاسم الفلاحي الذي اختارته لها جدتها ، نفيسة  ، مافيش نفيسة ياحبيبي ، ده اسمه صعب تقيل ، اختار ، فيفي ، سوسو ، نوفي !!! صفقت بكفيها فرحه واختارت نوفي!!!

( 8 )
زحام

فجأ ، تنتبه المدينه المزدحمه بسياراتها ومبانيها القبيحه وبائعيها الجائلين وبضاعتهم الرخيصه الملقاه علي الارصفه واصحاب المحلات الخاويه من زبائنها والبنات اللاتي يقتلن الفراغ بمشاهده المحلات والسير وسط الزحام بحثا عن كلمه اعجاب ترفع معنوياتهن والشحاذين والكناسين ببدلهم الخضراء الرثه والنسوة اللاتي ينشرن الغسيل في الشرفات والشباب الكثر الواقفين علي نواصي الشوارع يبحث عن تسليه رخيصه لاتتطلب منهم نقودا عاجزين عن دفعها لانتشار البطاله وباعة الصحف علي الارصفة والبوابين ومنادين السيارات ، فجأ تنتبه المدينه المزدحمه بسكانها الفقراء والاغنياء ، ساكني الاحياء الراقية وساكني العشوائيات ، ساكني الاحياء العريقه وساكني الاحياء الشعبيه ، متوسطي الحال والاثرياء ، النساء في السوق والرجال علي القهوه والاطفال في الحارات الضيقه ، فجأ انتبهوا لصخب غير مألوف ، ضجيج ، هتاف ، انتبه الجميع وفتحوا عيونهم اندهاشا ، اعلام سوداء وهتافات غاضبه و...  مظاهرة .. مظاهره لكنها ليست مثل كل المظاهرات التي عرفوها وسمعوا هتافاتها وصرخوا بمنتهي الحماس خلف متظاهريها بل واندسوا وسطهم يهتفوا معهم ، مظاهره ... مظاهره غير المظاهرات التي اعتادوا يروها ويشاهدوها ويتابعوها !!!
عشرات مئات الاف العيون حدقت في تلك المظاهره واصحابها الغاضين واعلامهم السوداء وهتافاتهم المحتدمة وسالوا انفسهم سؤال لم يعثروا علي اجابته ...
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟  
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ومازال السؤال حائر يبحث عن اجابته ....
كاد الانسان القابع فوق السحابه البيضاء بجوار وجه القمر ، كاد يبوح للمدينة المندهشة عن ماهية الرجال ذو الاعلام السوداء من هم ومن اين اتوا ولماذا جاءوا ، كان يشرح لهم مايعرفه ، لكن ايزيس القابعه بجواره اشارت له يصمت ، من قال ان الفهم مفيد دائما ، لاتنشر فزعا لاتعرف كيف تداوي اثاره ونتائجه ، لو عرفوا من هؤلاء الرجال لاصابهم الفزع ، لن يصدقوا انهم بقايا الجيوش المنهزمة في المعارك البعيده ، لن يصدقوا انهم عادوا وتمالكوا انفسهم وجمعوا اسلحتهم وقرروا يثأروا من هزائمهم القديمه ، لو عرفوا حقيقتهم لخافوا ، فهم لم يعدوا العدة لانتظارهم لاستقبالهم لقتالهم ، لو عرف اهل المحروسه مالذي يجري في شوارعها لهزموا بغير معركه ، اصمت وانتظر !!!
وافقها علي مضض وصمت ينتظر المفاجأة التي ستصيبه دهشتها وقتما يتمالك اهل المحروسه انفسهم ويستدعوا كل ملوكهم وزعمائهم وقاده جيوشهم ويدافعوا عن انفسهم ووطنهم مثل كل مره سابقه وينتصروا !!!
همست ايزيس ... سينتصروا !!!
هز رأسه نفيا .... لااظن هذه المرة ايضا سينتصروا !!!
ابتسمت وانا انهرهم معا .... فلتصمتوا وتتركونا نستمتع بما نراه ، لاتبددوا متعتنا !!! انصاعا لرغبتي طائعين وبقينا نتفرج معا علي مايحدث في مصر المحروسة !!!
ومازال السؤال حائر يبحث عن اجابته ....
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 9 )
الاوبرا الخديوية ..

النيران مشتعله في الاوبرا الخديوية !!!!
الامبراطورة اوجيني تجلس في المقصورة الملكية وحولها الضيوف الامراء والملوك والباشوات والباكوات وموسيقي فيردي تصدح عاليه وعايدة تتسلل لمقبرة راداميش لتموت معه !!!
هل تبكي الامبراطورة اوجيني وهي تري عايده تنتحر حبا مع حبيبها ومليكها المحكوم عليه بالاعدام !!!
بالطبع لا ، الامبراطورة لم تبكي ولا اي من الحضور ، فقط بعضهم وخزه قلبه تاثرا بقصه من اجمل قصص الحب البشرية ...
النيران اشتعلت بعد قرابه مائه سنه واكثر من ذلك المشهد !!! فحين اندلعت النيران بسبب ماس كهربائي في المبني التاريخي العريق ، كان خاويا مطفيء الانوار بلاحراسة وكأنه مبني تافه بلا قيمة ...
اندلعت النيران وسرعان ماالتهمت المبني التاريخي وكل اسراره وعظمته وفنونه التي صدحت موسيقاها واغانيها بين الجدران الخشبيه العالية ..
المبني العريق الخشبي يحترق والسنة اللهب تصل للسماء !!!
حلقات واعاصير من دخان اسود تتصاعد للسماء !!!
لكن كل هذا لايتحرك ، لايحدث فعلا ، بل يحدث !!!
الزمن توقف لحظة الحريق ، فبقي الحريق مشتعلا والدخان الاسود يخيم علي سماء القاهرة ..
لم يقف الزمن وقتما كانت تجلس اوجيني في المقصورة الملكية ، ولماذا يقف الزمن وقتها ، كان وقتها سعيدا مبهجا تتألق فيه الارواح وتقاوم موات ثبات الزمن ، لكن الجدران الخشبيه الخاويه والموات الذي احتل مابين ضفافها لم تقوي تقاوم الحريق بل قدمت له نفسها قربانا كمثل عايده وقتما تسللت لمقبره راداميش ، هنا كان الموت وجوبيا للتاريخ والذكريات وقصص الحب والمبني العريق ، هنا قرر الزمن الا يتحرك ، ويحتفظ بلحظة الحزن ابديه فثبت ونشر الموات علي اللحظة!!
من بعيد .....وانت تقف بجوار الاوبرا الخديويه تبكي مثلي .... ستلمح رجل وامرأة يبكيا في شرفة منزلهما ، الدموع ماس يترقرق فوق وجنتيهما لكنه ثابت لاينزلق للارض ، علي الوجه ملامح الم ثابته ، هي لوحة وليست حقيقه !!!
بل هي حقيقه حدثت فعلا ، كانا يبكيا وقتها ، لكنهما الان يفعلا اي شيء اخر لانعلمه ، فمانراه لايحدث الان ، بل حدث منذ سنوات بعيده ، حدث وانتهي ..
لكن الزمن توقف في تلك اللحظه فبقيت امام الناظرين لاتنمحي !!!
لكن من يري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
من يري ابعد من اصابع كفيه وبوز حذائه !!!
بالطبع احدهم يري وسنسمع صوته وحين سيتكلم سينجلي الغموض ويتحرك الزمن !!
احدهم سيتكلم قريبا ومازلنا ننتظره ونتمني الا يطول انتظارنا !!!

( 10 )
النادل

ناده احد رواد النادي وساله ، ليه فانوس ، ضحك ، علشان انور في الضلمه ، ضحكوا !!!
الاضاءه خافته ، المتر فانوس يجمع الاكواب الفارغه ويرص زجاجات البيرة علي المنضده ، يمني نفسه باكرامية كبيرة ، الدكتور رؤوف كعادته سيجزل له العطاء ....
المتر فانوس اقدم الجرسونات في ذلك المكان ، دخله منذ زمن بعيد ، وقتما كان لايدخل المكان الا الاجانب ، يونايين علي انجليز علي فرنساويين علي المان ومعهم بعض اولاد البشاوات واولاد الحرام !!! يضحك فانوس ، كان صغيرا يجيد بعض الكلمات الاجنبيه ، بنجور بنسوار ، جود مورنج جود نايت ، هاي باي ، تلك الكلمات القليله اهلته ليعمل في نادي الخواجات ، ارتدي الجاكت الابيض ورابطه العنق السوداء والبنطلون الاسود ، كان نوبيا ، تلمع عيناه اندهاشا وتلمع اسنانه الناصعه وسط الليل ، ناداه الخواجه مدير النادي وساله عن اسمه ، قاله له فنسيه بسرعه من اثر الخمر الذي يتلاعب بوعيه ، لمح اسنانه الناصعه وسط الليل مضيئه ، ضحك الخواجه وصرخ ، انت منور ولد ولا فانوس و........... صار اسمه المتر فانوس حتي نسي الناس الاسم الذي منحه له ابيه ، ادريس ، لم يعد ادريس ، صار فانوس ، حتي هو نسي اسمه ولا يرد علي احد لو ناداه به ...
المتر فانوس يعرف كل رواد المكان وزبائنه ، يعرف الدكتور منسي وزملائه ، يأتون للنادي بالملابس الرسمية وكأنهم في اجتماع مع رئيس الوزرا ، بدله وكرافته واخر جدية  ، يجلسوا في طرف بعيد ، يشربوا ويأكلوا في صمت غريب علي طبيعه النادي ورواده ، يلحظ فانوس في بعض الاحيان ان منسي يقضي ليلته يشرب ماءا باردا ، يحتفظ بوعيه طيله السهرة ، يخرج من الجيب الداخلي لجاكتة البدلة مفكره صغيره يدون فيها ملاحظات كثيرة ، مرة تجرأ وساله ، بتكتب ايه يادكتور ، ابتسم منسي ، اللي بشوفه ، لم يفهم فانوس ، ايوه ليه يعني ، شرح له منسي ، علشان ماننساش بنشوف ايه ، علشان نفهم!!! لم يفهم فانوس وترك منسي وزملاءه علي منضدتهم يحس حدقات عيونهم كاميرات تصوير ترصد كل مايحدث في المكان بصمت ودون ازعاج للاخرين ، طيب يادكتورانا موجود لو حضرتك عايز حاجه ،يبتسم منسي فيطمئن فانوس ويعود لعمله ، سنوات طويله يري منسي في النادي ، يأتي كل يوم للنادي حتي صار من معالمه المعروفه ، يحبه فانوس ويشعر الطمأنينة لوجوده ، ويشعر فانوس ان منسي يحبه ،لم يقل له ابدا انه يحبه لكنه يشعر بذلك الحب يجتاحه ويطمئن روحه ، ذات مره سأله فاكر ايه اللي حصل ايام السد يافانوس ، هز فانوس راسه ، طبعا ودي حاجه تتنسي ، طيب مره عايزك تقعد وتحكي لي ، ماشي يادكتور ، مره تكون انت رايق وانا فاضي ونقعد نتكلم !!! نعم لم تأتي تلك اللحظه بعد ، لكن فانوس يعرف ان منسي يهتم لامره ويحبه وسيأتي يوما ويصغي لقصة وجعه هو وكل اهله ...
المتر فانوس يعرف كل رواد المكان وزبائنه ، يعرف مالذي يأكلوه ومالذي يشربوه ، يعرف من يأتي من اجل نوفي ومن يأتي من اجل زجاجه بيره تنسيه ما لايرغب في تذكره ، يعرف الرجلين الغريبين الذين يدخلا النادي وكأنهما متعانقين يتسللا للمناضد الخلفيه في الظلام ، لاحظ فانوس بعض الاشياء الغريبه لكنه لم يكترث ولم يخطر الخواجه بها ، ماليش دعوه ، ثلاثين عاما وانا ماليش دعوه ، هذا الرجل يقبل تلك الفتاه في الظلام ماليش دعوه ، هذا الرجل تتسلل يده تحت المنضده ويعبث بملابس السيدة التي تصطنع الوقار ماليش دعوه ، نوفي تسرق زبونها الذي فقد وعيه من كثره الخمر ، ماليش دعوه ، انا جاي اكل عيش وبس ، وغير كده ماليش دعوه !!!

( 11 )
المنادي

القي رجب ببصره بعيدا ، لاينظر للشارع الذي يقف فيه ، ينظر بعيدا للميدان والشارع الواسع خلفه ، هكذا اعتاد ، لاينظر ابدا تحت قدميه ولا امامه ، ينظر بعيدا ، هو منادي السيارات امام النادي ، زبائن النادي تعاني كثيرا حتي تصل امام بوابته بسبب ازدحام الشوارع ، يراقب الميدان ، يلمح سياره مرتبكه تتعثر في حركتها ، قائدها يبحث عن مكان يتركها  فيه ، متأخر علي ميعاده ، جميعهم يتأخروا علي مواعيدهم ، الشوارع زحمه لحد لايسمع لاحدهم يصل في ميعاده ، السياره عبء رهيب علي قائدها ، لايقوي يطويها ويدسها في جيب جاكتته ، يتمني يصل للنادي ويلقيها بعيدا ، يبحث عن رجب بلهفه كالغريق الذي يبحث عن سباح ماهر ينقذه من الموت ، رجب يراقب الميدان والشارع خلفه ، يراقب السيارات التي تبحث عنه ، لاينتظرحتي تصل اليه ، يجري بسرعه بقدمه الخشبيه وعكازه ، يفتح الباب وهو يحتفي بالعميل ويرحب بسلامته ، انزل ياباشا ، يريحه من العبء ويخلصه من السيارة التي تخنق انفاسه ، هكذا تعلم المهنه من المعلم الكبير الذي اصطحبه وهو سائر علي وجهه في الشوارع غريبا بعدما خرج من منزل ابيه ولم يعرف كيف يعود اليه ، اصطحبه المعلم واوقفه في ذلك المكان ، فتح عينك يارجب ، اطاعه وفتح عينيه ، ومرت سنوات طويله وهو يقف في نفس المكان ، مات المعلم وصار هو المعلم علي كل الصبيان في الحارات الضيقه والشوارع البعيده ، وهو في مكانه ، امام بوابه النادي  ومازال " مفتح " عينيه " قوي قوي " !!!!ا
وقفتي هنا مش اونطه ، هكذا يقول رجب لنفسه ، يعرف سكان المنطقه واسرارهم ، من يعود من عمله متأخرا ومن يكتئب فلايغادر منزله يومين ثلاثه ، يعرف حالتهم المزاجيه ، فتح النوافذ واغلاقها ، شكل الشرفات والغسيل المنشور ، يعرف حالتهم الماليه ، زجاجات الويسكي الفارغه وعظام الفخذ الضاني ، قشر البتنجان واكياس المكرونة الفاضية  الملقاه في سلال قمامتهم ، قشر اللب والمناديل الورقيه تمسح الدموع والهم ، يعرف كل صديقات الرجل العازب في العماره الكبيرة المطله علي الميدان ، احداهن تعطيه بقشيش كتير حتي يخفي سيارتها عن الشارع العمومي ، الثانيه تتسلل من التاكسي وتهرع لمدخل العماره بسرعه تخاف عيون المتلصيين والماره ، الثالثه ، تنزل من سيارتها بعدم اكتراث وسيجارتها مشتعله علي طرف شفتيها ، ترمي له المفتاح بلا اكتراث وكثيرا ما تبيت مع الرجل وتنزل في اليوم التالي ، تاخذ سيارتها صامته كما وصلت صامته ، وقفتي مش اونطه ، يعرف من غير سيارته ومن عاد مخمورا فحطم مقدمتها في الرصيف العالي الذي نسيه بعدما تلاعبت الخمر برأسه ، يعرف من يعيش وحيدا في منزله يتمني ونس ولو كان ونس البواب الذي يقص عليه مشاجرات بائعي الصحف ويعرف من يكره الصخب حتي ينكر وجوده داخل الشقه فلايفتح لزائريه ، يعرف كل سكان المنطقه ، وحين ماتت السيدة العجوز في شقتها ، انتبه رجب اول من انتبه ونبه البواب ان الست بقالها كذا يوم ماظهرتش ، يعرفها رجب وكثيرا ماساعدها وهي عائده لمنزلها مرهقه تحمل اكياسا ثقيله وكم مره داعبها وعرض عليها الزواج بدل الوحده التي تعيش فيها وكم مرة تحمل شتائمها وهي تصبها علي راسه من شرفتها لانه ايقظها من نومها مفزوعه بسبب صراخه في الشارع وكلاكسات السيارات التي يركنها ، وقفتي هنا مش اونطه ، يعرف الدكتور منسي جيدا ، وقتما وقف امام النادي ليركن السيارات شاهد منسي مره واثنين يأتي للنادي سيرا علي قدميه بلا سياره ، انتظر يظهر بسيارته لكن انتظاره طال ، ساله ، فين عربيتك ياباشا ، ضحك منسي ، اولا انا مش باشا ، ثانيا معنديش عربيه ، لاحظ منسي الدهشه ترتسم علي وجه رجب ، ايوه معنديش عربيه ، مابحبش السواقه ، بحب المشي علي رجلي ، بس مش مقامك ياباشا ، تاني باشا ، المدام معاها عربيه لما بنكون رايحين مشوار بعيد بتسوق هي ، انا باحب الشوارع والمشي فيها ، ارتبك رجب وتمني يسأله ، ليه ياباشا غاوي شقي ، لم يسأله خجلا ، ضحك منسي وشرح له دون سؤال ، الشوارع هي الحياه ، طول ماانت ماشي بتشوف وتتفرج علي حاجات عمرك ماتشوفها وانت راكب عربيه ، صح ياباشا بس برضه ، ضحك منسي ، مافيش فايده فيك ، قلت لك انا مش باشا ، رفع رجب يده بالتحيه العسكريه لمنسي ، نورت ياباشا ، فتركه منسي وهو لايكف عن الضحك وصعد السلم في طريقه للنادي وتمني لو وقف علي جانب واخرج مفكرته وكتب سؤال فجره رجب في عقله ، ليه بيضرب تحيه عسكريه مع انه عارف اني مش ضابط ولاباشا ؟؟؟ لكنه لم يفعل واكمل صعوده علي السلم ، وبقي السؤال في راسه ، ليه صحيح ؟؟؟؟

( 12 )
النادي

اذا تسللت من الباب الكبير خلسة ، ستجد اغرب مشهد امامك ...
مناضد كثيرة ، مفارش بيضاء وشموع لايتراقص لهيبها ، فهو ايضا ساكن مثل كل شيء حوله !!!
هنا كانت حياة وبشر وموسيقي وضحكات صاخبه ..
لكن الزمن توقف .. فثبت كل شيء علي حاله !!!
لهيب الشموع ثبت مكانه ، بعض اللهب يمينا والبعض يسار !!!
السيدة التي ترقص علي ساحه الرقص الخشبية ، تميل بجذعها للخلف وثبتت علي حالها ، لم يمنحها الزمن قبلما يثبت فرصه ليعود ظهرها مستقيما ، النادل الذي يصب الماء في الكوب امام الدكتور منسي تراه في اغرب مشهد ، الماء متجمد مابين الزجاجه التي في يده ومابين الكوب التي في يد الدكتور منسي وابتسامه مرسومه تزين الوجهين ، نوفي تميل برأسها علي كتف رجل لانعرفه وهو يكاد يحتضنها ، لكن رقبه نوفي مالت علي كتفه ولم تعود وذراعه تعلق في الهواء لم يصل لكتفها ... اصابع المايسترو ناجي متيبسه فوق اصابع البيانو التي يرتفع بعضها وينخفض الاخر والنغمات الموسيقيه مبعثره في الهواء ثابته مكانها لم تصل لاذان المستمعين فتطربهم ، بعض اللمبات الصغيره مضاءه والبعض الاخر مظلم ، عقود اللمبات الصغيره تزين الشبابيك العالية ، بعضها يشتعل والبعض الاخر ينطفي ، وحين ثبت الزمن ، ثبت اللمبات علي حالها ... نسمات الهواء التي دخلت من النوافذ العاليه ، ثبتت في مكانها ، بعضها اخذ الستاره الحريرية وتحرك بها وثبت وثبتت وبعضها ازاح خصلات الشعر البنية من علي جبهه السيدة الجميله التي تجلس بعيدا عن ساحه الرقص تنظر في ساعتها ، تحرك الخصلات بعيدا عن جبهتها وثبتت ومازال عنقها ملتوي وهي تنظر للساعه التي ثبتت عقاربها كلها حتي عقرب الثوان ....
مالذي حدث لهذا المكان ، مالذي حدث لهؤلاء البشر ؟؟؟هل وقف الزمن داخله فقط ويتحرك في بقيه الدنيا ، هل وقف الزمن في الدنيا كلها فشمل المكان ورواده؟؟
 نحن الان لانعرف مالذي يحدث ، لكننا بالقطع سنعرفه وبسرعه !!!!
مالذي حدث لهؤلاء البشر ؟؟؟ هل رش في المكان غازا اشل حركتهم ، غازا خصص للبشر لتجميدهم كالتماثيل الصماء ، لكن لهيب الشمعه ثبت مكانه واصابع البيانو ونسمه الهواء والماء المسكوب والنغمات الموسيقي التي خرجت من اصابع البيانو واوتاره ولم تصل اذان المستمعين !! كل شيء ثبت وتجمد في ذلك المكان ، الزمن ثبت فماتت كل الاشياء وهي حية !!!! ماتت لاتتحرك لاتتنفس لاتنبض قلوبها ولا تتحرك ذراتها ، لكنها حية مازالت حية ، حين يتحرك الزمن ، ستعود الحياه لكل الاشياء ، ستعود الحياه للحياة !!!!
هل هذا المشهد الغريب فقط داخل النادي وبين رواده !!!!
يبدو هذا ...
كيف عرفنا ، لان ، الصوت الغاضب الهادر العالي للمظاهره الحاشده التي سارت تحت الشرفه البحريه الكبيرة للنادي مازال عاليا يصم الاذان ، نعم ابتعدت المظاهره عن الميدان ودخلت احد الشوارع الكبيرة بعيدا عن النادي ، لكنها مازالت تسير في طريقها ومازالت اعلامها السوداء عاليه ترفرف ومازال صراخها يحتل سماء العاصمه المذعورة ........
الزمن ثبت في النادي وخيم بموته فوق رؤوس رواده !!!!
لكن المظاهره مازالت تتحرك في طريقها لم يثبت زمنها ولم يتجمد روادها ومازالت تصرخ والاعلام السوداء فوق رأسها !!!!
تسائل احدهم ولماذا ثبت الزمن في النادي ؟؟؟
فاجابه احدهم ولماذا نام اهل الكهف ثلثمائه سنه داخل الكهف ؟؟؟
انتفض الاول غاضبا ، وهل تشبه اهل الكهف برواد النادي ؟؟
ابتسم الثاني ببرود ، من قال اني اشبه هؤلاء بهؤلاء ، فقط الزمن ثبت هنا وهناك ، هذا وجه الشبه ولعل هناك حكمه ما من خلف ذلك التشابه و...................... مالهم رواد النادي ، تتحدث عنهم وكأنهم تسبهم ؟؟؟ نظر له الاول نظره حانقة ولم يرد عليه ...
مازال الزمن ثابت والوقت لايتحرك والحياه متجمده وكأنها ماتت و............. بدأت الحكاية التي يعرفها الجميع ولايعرفوها !!!!
احكي لنا ايها الزمن ، لماذا رحلت بحياتك من النادي وبين رواده وتركت المظاهره باعلامها السوداء تتحرك في طريقها وكأنها منحازا لها ولروادها !!!
ضحك الزمن ضحكات شريره متتالية وصرخ في وجوه الاحياء والاموات ، اغبياء كنتم ومازلتم ، لاتفهموا عاجزين عن الفهم والتفسير ، ربما اسوقهم لحتفهم وانقذكم !!!!
ضحكات شريرة عاليه متلاحقه ، هي الموسيقي التصويرية الصاخبه لتلك الحكايه !!!
من قال هذا ؟؟
الموسيقي التصويرية الصاخبه لتلك الحكايه مزيج من ضحكات شريره عاليه متلاحقه ومابين هتافات صاخبه عاليه و............. صوت مخروس محبوس وسط صدور وحلوق اصحابه الذي حرمهم الزمن مؤقتا من الحياه وقتما اوقف عقارب ساعاته وثبتها و........... جمد المشهد !!!!

( 13 )
الاسود الاربع

همست الاسود الاربع علي ضفتي الكوبري ، لازم نتحرك !!!
من تحت اقدامهم مرت التظاهرة براياتها السوداء ، تخترق المدينه وتتجه لنص البلد ، هناك المباني التي بناها ابو السباع ، هناك المنمنمات الانيقة والزينة البديعة تزركش الشرفات والنوافذ ، هناك الجمال والتاريخ ستدهسه تلك التظاهرة ، سيصبوا الشمع السائل فوق رؤوس التماثيل والمنحوتات البديعة ، تمثال طلعت باشا حرب سينزعوه من مكانه وتمثال ابراهيم باشا سيرفعوه من فوق حصانه ونحن ، نحن سنغطي بالشمع لتضيع ملامحنا وعنفواننا وقوتنا ونتحول لكتل حمقاء بلا روح يبصق عليها العابرون !!
لازم نتحرك .... همست الاسود الرابع علي ضفتي الكوبري !!!
وتسللت الاسود الاربع من فوق منصاتها وتركت الكوبري غريبا مثل بقيه المدينه وسارت صوب الاوبرا الخديوية ، هناك سنختبيء حتي تمر عواصف الرياح الرملية التي تحتل سماء المحروسة ، هناك سنختبيء ولن يقوا يقتحموا المكان ويغمرونا بالشمع القذر ولا يكسروا قوتنا ، هناك ، سنختبيء حتي تصحو السماء وتسطع زرقتها فرحا فوق المدينه العريقة ، سنتحرك صوب الاوبرا الخديوية !!!
صاح احدهم ، لن نختبيء ، بل سنحمي الاوبرا الخديويه من العواصف الرمليه واعاصير البلاده ، سنحميها حتي تنتهي الزوابع وتبقي شامخه ، وقتها سنعود لمكاننا علي ضفه النهر المقدس وعتبات المدينة القاهرة ..
تحركت الاسود الاربع ببطيء وكأنها خيالات لايراها الماره البلداء في الشوارع المكتظة بهم ، من يري الاسود تسير بجواره لايصدق عينه ويخاف يخبر رفاقه بما يراه ، سيتهموه بالجنون ، سيسخروا منه ، يختار الصمت ويقرر ان الاسود الاربع لاتسير بجواره و.. ينغمس اكثر داخل نفسه فارا من كل مايحدث وكأنه لايحدث !!!

نهاية الجزء الاول
يتبع بالجزئين الثاني والثالث


السطر الناقص في بحث الدكتور منسي ( الجزء الثاني )



الجزء الثاني


( 14 )
الدكتور منسي

جالسا في غرفه البحث البحرية بشرفتها الواسعة فوق مكتبه القديم الذي اشتراه من احد الباعه الذين يفرشوا بضاعتهم في شارع هدي شعراوي ، ذلك الشارع الذي خصصه بائعيه لبيع الانتيكات والمفروشات القديمه ، كان عائدا من النادي سيرا علي الاقدام كعادته ، يمر من الشارع مثلما يفعل كل يوم من اربعين سنه ويزيد ، شد بصره ذلك المكتب القديم ملقي علي الرصيف ، شد بصره ؟؟ ليس هذا هو الوصف الدقيق لما حدث للدكتور منسي ، المكتب القديم اختطف بصره ، خلع قلبه ، احسه وكأنه يناديه ، وقف امامه مشدوها ، يفكر اين شاهد هذا المكتب او مثله ، تلك النقوش البديعه فوق الخشب ، تلك المنمنمات الصغيرة ، تلك المقابض الداكنه ، سطح المكتب الكبير ، اين شاهد مثل ذلك النحت الدقيق فوق وجه الخشب ، ربما في بيت جده قبلما يهوي منهارا اسقفه فوق جدرانه بعدما بقي شامخا سنوات طويله قرن او قرنين من الزمان ثم دب فيه الهرم والقدم والعجز والشيخوخه شروخا رقيقه دقيقه هدمت بدنه قبلما تهيله اكوام عاليه من التراب ، هل مكتب جده كان يشبه ذلك المكتب ؟؟ لايتذكر منسي بدقه شكل مكتب جده ، لكن صورا ضبابية تتراقص امام مخيلته تشبه ذلك المكتب ، ربما شاهد ذلك المكتب في بيت المعلم اليوناني صديق جده ، ربما شاهده وقتما اصطحبه الجد وهو صغير لزياره صديقه اليوناني ، معلم معه في نفس المدرسه ، يتكلم المصريه بلكنه خاصه ، تصور منسي وهو صغير ان المعلم اسمه  (الخواجه الجريجي ) ولم يكترث بغرابه الاسم ، لكنه بعد سنوات طويله فهم معني تلك الكلمات الغامضه عليه وقت طفولته لكن نسي اسم الرجل الذي لم تحتفظ به ذاكرة طفولته فبقي الرجل في عقله اسمه (الخواجه الجريجي ) !!!! نعم ، في بيت (الخواجه الجريجي ) شاهد مثل ذلك المكتب القديم  الملقي باهمال علي الرصيف ، مازال يذكر وقتما دخل منزل الخواجه برفقه جده ، جده مدرس لغة عربية والخواجه مدرس لغه انجليزية وزميلين في المدرسه الكبيرة التي يديرها " البير روديريكو " بزي رهبانيته الاسود .... جده والخواجه الجريجي اصدقاء ويقضيا مع بعضهما وقتا طويلا يتجاذبا احاديث صعبه يشق علي الطفل الصغير فهم اغوارها ...
الصور الضبابيه تتضح ملامحها وتفاصيلها اكثر واكثر ، يتذكر منسي المرة الاولي التي دخل فيها بيت الخواجه وجده يقبض علي يده ويطالبه يقبل يد الخواجه احتراما ، في ذلك اليوم اصطحبهما الخواجه لغرفه مكتبته ، مازال منسي يتذكر تلك الغرفه بكل تفاصيلها مكتب خشب عريق ومكتبه كبير وكتب تصل من الارض للسقف ، يومها منحه الخواجه الجريجي كتابا ملونا ووعده باخر لو تعلم قراءه احرفه وقص عليه موضوعه في الزيارة اللاحقة  ، الخواجه الجريجي اول من حبب منسي في القراءة ، ومنحه كتبا كثيرا بعد ذلك الكتاب ، منحه كتبا كثيرة ومنحه دافعا للقراءة والكتابه والتعلم والغوص في بحار الثقافه والعلم ، وحين مات الخواجه وقررت زوجته ترك البلده الصغيره التي كانوا يقيموا فيها والعوده للقاهره التي ولدت فيها وعاشت شبابها حتي تزوجت الخواجه وصاحبته في رحله التعليم من قريه صغيره لمدينه اصغر ، حين قررت الزوجه ، الابلة ريكا ، بيع المكتبة والكتب ، اشتراهم منسي وبحث عن المكتب ليشتريه لكن الابلة ريكا اخبرته انه منحته هديه لابن صديقتها الست ام صفوان لانه وقف بجوارها كل ايام حزنها وساعدها علي العوده للقاهره وحمل منقولاتها في العربات الكبيرة وباع كل ماترغب في بيعه ، وقتها قررت تكافئه فمنحته المكتب القديم العريق العتيق ملك الخواجه جريجي زوجها وهي تتمني له حظا جميلا مثل زوجها الذي عاش ومات سعيدا في حياته بكل تفاصيلها جوالا بين القري الصغيرة والمدن الاصغر تاره في حضن الجبل والصحراء وتاره علي ضفه النيل ، يعلم الصغار اللغه الانجليزيه وفنون نطقها وكتابتها والاحساس برنين الاحرف وقت قراءتها وسماعها ... اشتري منسي المكتبه والكتب وبقي المكتب ضالا مع ابن الست ام صفوان صديقه الابله ريكا ، حتي عثر عليه ملقي علي الرصيف فانتعشت روحه وقرر يشتريه مهما كلفه ، و.............. سرعان ماافلح بائع الانتيكات المحنك في اقناعه بدفع الفين جنيه في ذلك المكتب القديم بعدما اقسم له انه اشتراه من سرايه كبيره في الزمالك يبيع الاحفاد فيها مفروشات الاجداد بكل الاسي غاضبين من الحياه القاسيه وارتفاع الاسعار التي اجبرتهم علي بيع كنوزهم وكنوز اجدادهم !!!
اشتري منسي المكتب العريق وزين به غرفه مكتبه مع المكتبه والكتب واحس سعاده لان روح الخواجه الجريكي طافت فوق المكان وهي تهمس مثلما كان يهمس الخواجه وقتما تستبد به السعاده ، تمام حبيبي تمام !!!!
جلس منسي فوق المكتب يبحث عن مفتاح الحياة ، عن السطر الناقص في بحثه ، يستلهم روح الخواجه الجريجي وروح جده وطقوس الصعيد ونقوشات المعابد واسرار الحضارة العظيمه ويبحث بمنتهي الدأب عن فك الطلاسم التي يعيشها ويعيش فيها ، مالذي يجري في هذا الوطن ومالذي مس روحه ؟؟
المكتب العريق والخواجه الذي لم يعد وصار مصريا وجده الذي حثه يقبل يده بنفس الاحترام والحب ومعابد ايزيس ودموعها والحضارة العظيمه التي حافظت الاف السينين علي اخضرار الوادي وخصوبته وحفظت العلم وكهنوته ومنحت ابناءها واحفادها الروح ليعيشوا ،كل هذا ونصف البلد والاوبرا الخديويه ونبض الشارع وروحه وهمسه المنقوش فوق الجدران وعلي الارصفه يحكي ويبوح عن اسرار المدينه ، كل هذا يعتمل في خياله ووجدانه بحثا عن السطر الناقص !! 
سؤال فكرية  يتردد في اذنه ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟ سالته له منذ وقت طويل قبلما يهيم مع افكاره ونسي يجيبها ونسيها ، بجد يامنسي ليه المكان ده بالذات ؟؟
مش عارف ، اجاب الدكتور منسي علي زوجته !!
تجلس علي المكتب امامه تتصفح مجله بغير تركيز ، تنتظر اجابته التي تأخرت كثيرا !!!
مش عارف يافكريه !!!
هزت راسها لاتعجبها اجابته ، مش اجابه دي يامنسي ، مش كل ماتقرر تهرب من اسئلتي تقولي مش عارف !!! ابتسم منسي ، مازالت فكريه تغار عليه ، اربعين سنه زواج واكثر قضتها معه لكنها مازالت تغار عليه بشده مثلما تغار عليه منذ اليوم الاول لزواجهما !!!
ابتسم منسي فاغتاظت فكرية وقبلما تصرخ فيه ، همس برقه ، يافكريه ، شيلي الافكار دي من راسك ، انا بحب المكان ، له روح خاصه كده ،روح بتفكرني يمكن بالخواجه اجريجي والابله ريكا ، يمكن بتفكرني بطفولتي لما كنت باروح مع جدي عندهم ، اسمع مزيكا وقتها كانت مختلفه خالص عن المزيكا اللي بنسمعها ونعرفها ، يمكن المكان بيفكرني بيهم ، يمكن بيفكرني بمصر !!!
تسمعه فكريه باهتمام كعادتها ، مصر ؟؟ سالته لاتصدق ماتقوله ، نادي فيه رقص وشرب وبنات ليل ، بيفكرك بمصر يامنسي ؟؟؟ سرح طويلا قبلما يرد عليها ، تصدقي اه يافكريه ، فيه روح تشبه روح مصر ، يمكن فيه شخصيتها او وجه من اوجه شخصيتها ، اصل مصر ليها ميت روح وميت شخصيه ، باحب المكان زي مابحب الغوريه وحاراتها الضيقة وريحه التوابل ، زي مابحب زنقه الستات والغوايش البلاستيك ، زي مابحب حلقه السمك بعد الفجر والقراميط لسه صاحيه ، زي مابحب بيت جدي وبيت الخواجه اجريجي ، زي مابحب الجربي ولسانه في راس البر و ريحه السمك المشوي  ، المكان فيه جزء من روح مصر وجزء من شخصيتها ... واكمل مسرعا ، المكان بناسه كمان يافكريه ، زي كل مكان ماله ناسه ، وهو وناسه جزء من مصر ، يمكن النادي وناسه جزء من مصر ووجه من وجوها وملمح من ملامح شخصيتها ... يمكن ، معرفش بالضبط ومافكرتش بحبه ليه ، لكن الاكيد يافكريه اني بحبه !!!
وهام مع افكاره والبحث الذي انهكه وقت فكر فيه وكتبه ، شخصيه مصر!!!!
بقيت فكريه امامه صامته طويلا ثم تحركت صوب الصاله فهمس ، القهوه يافكرية وماتنسيش تحطي مزهر في المية !!! هزت رأسها ولم تنبس بكلمه !!!
قهوه بوش تقيل وميه بمزهر و............ يغوص الدكتور منسي في افكاره وابحاثه وتلاميذه وشخصيه مصر والخواجه الجريجي !!!! وايه اللي حصل يامصر ليكي ولشخصيتك !!!!
وتتسلل نسمه هواء بارده من الشرفه البحريه تدفع الستارة الملونه امامها وتطير الاوراق والشعيرات القليله الباقيه في راس منسي وهو مستغرق في تفكيره ...

( 15 )
ليلة عادية

الليل مازال في ساعاته الاولي ، اصحاب المحلات يجردوا البضاعه القليلة التي بيعت طيلة اليوم الراكد ، والنقود الاقل التي في الخزانه  ويستعدوا للاغلاق بعد يوم عمل ممل وطويل ..
الشارع مزدحم وكأننا في منتصف النهار ، مليء بالمارة والمتسكعين ، يقتلوا الوقت بالسير في الشوارع والتلطع امام المحلات والفاترين ، لكن احدا لايشتري شيء !!!
دور السينما ودعت جمهور حفلة السادسه وتنتظر جمهور حفله التاسعه وتتوق لجمهور حفلة منتصف الليل ..
باعه الصحف ينتظروا سيارات التوزيع تأتيهم بالطبعه الاولي لكل الجرائد ..
الشابات في الشارع ينظرن في ساعتهن قلقا من تاخرهن عن عودتهن للبيوت في الميعاد المحدد لهن من اسرهن خوفا وقلقا وتحفظا علي بقائهن خارج البيوت حتي " انصاص الليالي "  ...
الشباب يغازلوا الفتيات بكلمات خارجه ويضحكوا بصخب لايكترثن باحراجهن ولا احساسهن بالضيق ولا بالشتائم اللاتي ينلهن بها همسا فوق رؤوسهم ..
العجائز يبحثوا عن جرائد اليوم القادم ليشتروها قبلما يعودا لمنازلهم يغلقوا الابواب بالمفاتيح ويحكموا اغلاق النوافذ خوفا من اللصوص واولاد الحرام ..
النساء في المنازل ، يطبقن الغسيل ويجهزن طعام العشاء وينتظرن المسلسل التركي ..
المراهقين يتبادلوا الرسائل التليفونيه ويحلموا بالحب والغرام ..
والطلبه تذاكر دروسها وتحلم بالاجازه الصيفيه والامتحانات علي الابواب بتوترها والخوف من نتيجتها ..
المدينه العتيقه العريقه تعيش ليلة عادية مثل كل لياليها .. او هكذا يبدو!!!
لكن هذه الليله ليست عادية مثل غيرها ولن تمر علي المدينه مثل كل الليالي السابقة  !!!!
هل كان الدكتورمنسي يعرف ، ان تلك الليله لن تكون ليله عاديه مثل آلاف الليالي التي مرت عليه وعلي المدينه التي يحبها !!! بالطبع لايعرف !!!
هل كان يعرف ان الزمن سيقف ويمنح الموت للمدينه الا بعض عابري شوارعها !!! بالطبع لايعرف !!!
هل لو عرف مانعرفه نحن ، كان سيترك زوجته فكريه جالسه امام التلفزيون ويذهب للنادي كعادته منذ سنوات طويلة وهو يؤكد عليها انه لن يتأخر كثيرا و" لو اتأخرت ماتستنيش زي كل يوم ونامي " !!!
اظنه كان سيفعل ، بالعكس ، لو عرف مانعرفه نحن ، لتحمس اكثر للذهاب للنادي ، يعيش طقس الموت مع كل رواده اصدقاءه رفاق لياليه الطويلة ، لو عرف مانعرفه نحن لاصر علي الذهاب وعيش لحظه توقف الزمن والموت المؤقت في النادي ، ربما وقتها تتفك الطلاسم وينقشع السحر ويفهم مااستعصي عليه فهمه ؟؟؟
مالذي حدث في تلك الليلة الغريبة !!!

( 16 )
المايسترو

يصعد ناجي السلم بخطوات مرتعشه صوب النادي الذي صار بيته ووطنه وصار هو ابنه وشعبه !!!
و..........تخرق اذنه اصوات عالية نشاز !!!
تتعالي وتتعالي ............ تتعالي وتتعالي ...............
وكأنها تحيط بالعماره العالية ، كانها تقف امام البوابه ، كأنها ستدخل للسلم ، كانها ستحتل العماره والنادي وحياته !!!
صخب نشاز وصراخ ، نبرات غاضبه وكأنها تتمني تحرق الدنيا بصراخها!!!
لايلتفت خلفه ، لو داهموه فليقتلوه براحتهم دونما ينظر لملامحهم الغاضبه التي تتصوره عدوهم الوحيد!!!
لايلتفت خلفه والاصوات العاليه النشاز تحاصره وتعلو وتعلو وترتفع وترتفع .......
ويدفع باب النادي بكل قوته ويدخل مسرعا كأنه يحتمي بعالمه الذي يعرفه من العالم الموحش الذي يطارده ويهدده في حياته ووظيفته ووجوده كله !!!!!!!!
يدخل المكان مسرعا ، يدور بحدقتيه المتسارعتين علي كل تفاصيل المكان ، نعم هذا هو النادي الذي يحبه ، النوافذ الكبيرة والمناضد المبعثرة ، فانوس يضحك مع احد الزبائن والخواجه يجلس علي منضدته القريبه من ساحه الرقص يحتسي البيرة المثلجة وياكل ترمس وفول نابت ، البيانو مكانه لم ينزعوه ولم يكسروه ، الاضواء الخافته توحي بالونس والدفء والطمأنينة ، يدور ناجي بعينيه بسرعه علي المكان يطمئن انه مازال جميلا علي حاله ، تتسارع انفاسه فزعا من خاطر مر سريعا وغادره ، ماذا لو صعدوا لهذا المكان وحطموه ، حطموا الجدران ، مزقوا المفارش البيضاء ، كسروا المناضد وضربوهم بارجلها الخشبيه ، ماذا لو صعدوا وفتكوا بالزبائن والرواد ، ماذا لو خنقوا نوفي وضربوا فانوس كسروا له اسنانه ، ماذا سيفعل وقتها الدكتور منسي وضيوفه ، كيف سيشعر رجال منظمه اليونيسكو الذين ادمنوا موسيقاه بعدما زاروا النادي صدفه في اجازه قصيره يقضوها في القاهره وهم المقيمين في الصعيد يوزعوا الكتب الملونه والاقلام الطباشير والاوراق لاطفال النجوع الحفاه يعلموهم الرسم والرهافه ويشرحوا لهم النقوش التي تزين المعابد التي ورثوها من اجدادهم الفراعنه وهم لايعرفوا قيمتها ، كيف سيشعر رجال اليونيسكو وقتما يروا هؤلاء يحطموا المكان بتاريخه ويضربوهم لانهم كفار زنادقه بارجل المناضد واعناق زجاجات البيره المكسورة ، ارتجف ناجي ، سيحطموا البيانو ويفقئوا عيونه باصابعه البيضاء السوداء ويخنقوا عنقه بالاوتار التي طالما عزف عليها اجمل الحانه وروحه ، ارتجف ناجي لن يحدث ، لن يحدث ، كل تلك الخواطر المزعجه لن تحدث ، دار بحدقتيه علي المكان وتمالك روحه رويدا رويدا ، اقترب من البيانو وحسس عليه برقه وحبه وكاد يقبله !!!
هل هذا الفزع هو ذاته الفزع الذي احس به وقتما صرخوا فيه وهو يعزف موسيقاه ، الاوبرا بتتحرق ، يومها احسن طعنه غادره شقت جنباته ، احس روحه تزهق من جسده ، الاوبرا بتتحرق ، وقتها النيران اشتعلت في اصابعه ، احس حريقا يلتهم اصابعه ، لن يعزف ابدا بعد اليوم ، هكذا ظن واصابعه تحترق ويذوب جلدها وتتفحم عظامها وتتساقط امام عينيه ، الاوبرا تحترق ، الاوبرا التي تمني سنوات طويله يلتحق بالاوكسترا الذي يعزف فيها اجمل الموسيقي ، الاوبرا الخديويه تحترق !! لايصدق ، يومها ترك البيانو وهرع مع الكثيرين من اهل وسكان وسط البلد صوب الاوبرا ، يومها وقف بعيدا والسنه النيران ترتفع للسماء والدخان الاسود يخنق انفاس القاهره ، الاوبرا الخديويه تحترق ، الملابس التي ارتداها اعظم الفنانين ، الالات الموسيقيه التي عزف عليها المبدعين البارعين ، النوت الموسيقيه التي تحمل بين طلاسمها اجمل الانغام لفيردي وتشايكوفسكي وكافاليريي وموتسارت ، كل هذا احترق ، الاوبرا الخديويه مناره الابداع في مصر ، التي شهد مسرحها اعظم الاعمال الفنية ، اوبرا عايده كسارة البندق واروح الباليهات بحيرة البجع سندريلا ، الاوبرا التي جلس في مقاعدها ارهف البشر واكثرهم حبا للحياة والجمال ، الاوبرا التي انشأها الخديوي اسماعيل وهو يسحب مصر من بقايا الخمول والبلاده المملوكيه لافق الرحابه والفن والتحضر اسوة باوربا التي قرر ابو السباع استحضار اجمل مافيها لعاصمة المحروسة ، كل هذا يحترق امام عينيه ، يبكي ناجي والنيران تلتهم روحه وقلبه ، تمني لو انضم للاوكسترا الذي يعزف في رحاب الاوبرا الخديوية ، امنية وحلم صبروه كثيرا علي كل مصاعب حياته ، عازف بيانو صغير في نادي مغمور يعزف للاجانب والسكاري ، نعم الان هو عازف صغير ، لكن غدا ، نعم غدا ، سيأتي اليوم الذي يجلس فيه وسط كبار العازفين في الاوبرا الخديويه لتنساب من بين اصابعه اعظم النغمات واصدح الجمل الموسيقي ، غدا سيأتي مهما تأخر ، هكذا يقول ناجي لنفسه سنوات وسنوات ، يمر امام دار الاوبرا ويتأملها ويعدها ، سيأتي يوما انضم لفريق مبدعيك و........اليوم الذي حلم به ناجي لم يأتي واحترقت الاوبرا والحلم ، يومها احترقت اصابعه ، تيبست عظامها ، فقدت طريقها للنغمات ، يومها ظن انه شل لن يعزف ثانيه ، لولا الخواجه ، زاره في البيت وهو محموم يبكي ، طالبه يأتي بالحانه الجميله التي كان يتمني عزفها في الاوبرا لرواد النادي ، الاوبرا ليه جمهوره حبيبي مايسترو ، عشره ميه خمس ميه ، لكن النادي زي الشارع ناس ناس ، اعزف ليهم هما ، هات الاوبرا لغايتهم حبيبي مايسترو ، واستمع لنصيحه الخواجه وصار يعزف بعض المقطوعات الكلاسيكيه كل يوم ، هنا في النادي الذي لايعرف الكثيرين اسمه ، يعزف المايسترو موسيقي كلاسيكيه ، يعزفها ويبتسم ويتصور نفسه في حضرة الاوبرا الخديويه ومن ضمن فنانيها ....
هل ماتحسه اليوم ، هو ذاته مااحسسته يوم احترقت الاوبرا ياناجي !!!
هز ناجي راسه نفيا ..
وقتها احسست فزع ثم حزن ، اليوم الااشعر الا بالفزع !!!
همس له هامس في اذنه ، وقتها احسست فزعا ثم حزن ، اليوم تشعر فزعا لكن من ادراك مالذي سيأته خلفه ، حزن ام فرح ؟؟؟ انتبه ناجي لما يسمعه وتمني يصدق الصوت الذي يهمس في روحه ليطمأنه ، مين عارف ، ربما !!!
مازالت ملامحه متوتره وانفاسه متلاحقه والفزع يلون وجهه بقسمات غير معتاده !!!
يلمحه النادل ، يساله ملتاعا ، مالك يامايسترو ، يهدء انفاسه عامدا ، ولا حاجه السلم والصحه ، يكذب وهو يعلم ، لن يقول للنادل ان الاصوات الغاضبه اخافته ، لايخاف يقتلوه ، بل يخاف يتركوه حيا في عالمهم الموحش !!! لم يقل للنادل شيئا وتسلل ببطء لمقعده الخفيض امام البيانو العتيق ، كاد يحتضنه ، اغمض عينيه وهو يتلمس اصابعه كأنه يتعرف عليه و............. قرر يتناسي كل مايحدث خلف تلك الجدران ويعيش حياته كأن شيء لم يحدث !!!! ابتسم ورفع ظهره وكاد يرفع عصاه ويمنح فرقته الاذن بالبدايه و................. اصوات ناعمه تتسلل من البيانو وكأنها تطهر الدنيا من النغمات النشاز واصوات الغاضبين خلف الجدران !!!!!
وبدات السهرة المرحة !!! او تصور ناجي انها ستبدأ ....

( 17 )
الدكتور منسي

" ايزيس !!! كيف يمكن فهم الشخصيه المصرية دون فهم لايزيس ؟؟""
سطر وحيد كتبه الدكتور منسي منذ ساعات طويله ، يتأمله ويفكر فيه ويهم وكأنه سيكتب سطرا اخر ثم يلقي قلمه ويعود لتأمل السطر الوحيد الذي كتبه !!!
مازال علي عتبات البحث ، يزركش في المقدمه بالمحاور الرئيسيه التي سيغوص فيها شرحا وتشريحا للشخصيه المصرية ...
الشخصيه المصرية ، كتب عنها الكثيرون ، جمال حمدان ، كتب عن عبقرية المكان والزمان والشخصيه المصرية ، كتب لحد تصور كل علماء الاجتماع انه لم يترك لهم مايكتبوه ..
لكن الدكتور منسي لم يرهبه ماكتبه الدكتور جمال حمدان ،قرر ينهل من ذات العين ، يغوص في بحار الشخصيه المصرية يكتشف اغوارها حسبما يمكنه ..
ايزيس ... ايزيس هي مفتاح الشخصيه المصرية حسبما يري منسي ..
ايزيس .. يهمس منسي لنفسه بصوت فخيم يحاول يعبر به عن احساسه بقيمتها ..
يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه ويطيل النظر لاحرفه و يسأل نفسه ، ايزيس ، السيدة الاسطورة ، من انتي ؟؟
يبتسم الدكتور منسي وهو حائر يكتب بحثا عن الشخصيه المصرية ، يسال نفسه ، هل لمصر شخصيه واحده ؟؟يسخر من سؤاله الساذج ، لمصر الف الف شخصية امتزجت وانصهرت وتضافرت عناصرها لتصنع الشخصيه المصرية الوحيدة والحقيقية التي يبحث في ماهيتها منذ شهور طويلة !!!
يعرف هذا جيدا ... يعرف ان لمصر الوف الشخصيات لكن ايزيس تبقي من وجه نظر الدكتور منسي هي مفتاح السر ، مفتاح الحياة في مصر...
ايزيس ...
ايزيس .... اسطورة تقول انها بكت اوزوريس حتي فاض النيل !!!
واسطورة تقول انها لملمت اشلاءه وبعثت فيه الحياه من جديد !!!!
واسطورة تقول انها انجبت من الميت بعدما بعثت فيه الحياه وصار ابنها ملكا انتقم لابيه الذي عذبها وفرحها وابكاها ومنحها الخلود بقصتها في البحث عنه واصرارها علي استعادته !!!
نعم .... صرخ الدكتور منسي !!!
نحتاج لايزيس ، تلملم الاشلاء المبعثرة وتبعث فيها الروح من جديد !!!
مازال يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه في مقدمه بحثه ....
لانحتاج دموعها ؟؟ سال نفسه ؟؟
وكيف نحتاج ايزيس ولانحتاج دموعها ، دموعها ووجعها كان الخير الذي منحته لمصر فيضانا سنويا احتفل به المصريين معها كل سنه في ليلة الدموع !!!
عجبا لكي ياايزيس ، دموعك خير وحزنك خير !!
كل مامنحتيه لمصر هو الخير ، منحتي الوطن دموعا فاضت خيرا سنويا ، ومنحتيها وجعا وشتات اثمر ملكا عادلا حكم مصر بعدله وانتقم لابيه من قتلته !!!
همس لنفسه .. ايزيس ... من انتي ياسيدتي ؟؟
صرخ صوت في اعماقه .. ياايزيس ياربة السماء ياالهه الخصوبة والامومة والخير انقذينا انقذينا !!!!
انتبه الدكتور منسي للصوت الصارخ في قلبه ، تراتيل في معبد ربه السماء يناديها يستجديها يستعطفها ياربه الحماية احمينا ، ياربة السحر فكي الطلاسم والسحر والاعمال واحفظينا !!!
مازال يحدق في السطر الوحيد الذي كتبه ...
احس نفسه تائها في دروب الحيرة ، يصاحبها رحلتها ، رحله البحث عن يقينها ، عثر معها علي الاشلاء المبعثرة ، معها يجمع الشتات ويلملمها ، معها ينفخ من روحه في الشتات فتعود حبيبا ، تتساقط دموعه مع دموعها شلالات خير فيضان يمنح الحياه الخير !!!!
يصاحبها رحلتها بين الاسطورة والالوهيه والحياه ومصر !!!!!!!!
ويعود لسطره الوحيده يحدق فيه ....
" ايزيس !!! كيف يمكن فهم الشخصيه المصرية دون فهم لايزيس ؟؟""

( 18 )
صخب

صخب صخب .. ضجيج ضجيج ... صراخ صوت عالي ...
الصوت اعلي مما اعتادت فكريه علي سماعه في مثل ذلك الوقت من الليل ...
منهمكة مع برامج السهره المسائية ، تتابع الاحاديث والتحليلات وتسمع الاراء ولايعجبها شيء ، يتكلموا كثيرا ولا يقولوا لها ماتتمني سماعه ، لايطمئنوها ورغم هذا لاتفوت حلقه ولا برنامج ، تتابعهم بادمان البحث عن النشوة التي لا يمنحوها لها ، لكنها نشوه المقامرين وقتما يخسروا كل شيء وهم يتمنوا المكاسب ، يتمنوها وينتظروها فيخسروا اكثر واكثر ..
وقتها يضيع امام الشاشه اسيره " الريموت كنترول " تتقافز بين المحطات ، لم تمسك كتابا منذ شهور ، تعذر نفسها بأن رأسها مشغول ومش " فايقة " !!!
تتابع البرامج وهي تتمني يفاجئوها ذات يوم ويسعدوها باي شيء يقولوه ، لكنهم لم يفعلوا !!!!
اخترق سمعها صخب عالي ، ضجيج ، صراخ عالي !!!
في نصف البلد ، هذا ليس وقت الصراخ ، هي لاتعيش في ميدان التحرير حتي تتوقع صخبا وصراخ في اي لحظه من لحظات الليل او النهار ، تسكن في وسط البلد في عماره عتيقه قرب " كازينو صفية " كما كان يقول حماها وقتما يزور ابنه ، كان حماها يحكي لها ولابنه عن " كازينو صفيه " وسهراته الحمراء والبهوات والبشوات الذين كانوا يسهروا هناك ، لكن "كازينو صفيه" ذهب مثلما ذهبت اشياء كثيرة في المدينه التي كانت تموج بالحياة ، تعيش فكرية ومنسي في عماره عتيقة في وسط البلد قرب " ميدان الاوبرا " في نهايه شارع عدلي ، نعم ، هنا ميدان الاوبرا وتمثال " ابراهيم باشا "  ،  وكانت هنا الاوبرا الخديوية التي شهدت افتتاح قناه السويس وحضور الامبراطوره اوجيني ، كانت الاوبرا الخديوية تزين قلب القاهرة قبلما يأكل مبناها العتيق حريقا عاتي ، يومها وقفت فكرية في شرفتها تصرخ وتبكي ومنسي يتابع الحريق وكأن النار تأكل بدنه هو والدخان الاسود يملأ سماء القاهره ويخيم علي مبانيها العريقة ، فكرية  تصرخ وتبكي ومنسي يبكي والنار تحرق التاريخ امام اعينهم ... ماعلينا ، هذا ليس وقت التاريخ ولا الجغرافيا ، هذا وقت برامج السهرة والقفز بين الفضائيات ، لكن الصخب والضجيج الذي اخترق سمعها وترها ، اول مافكرت فيه منسي ، اين هو الان من هذا الصخب ، وبسرعه فكرت في اولادها ، الكبير في دبي منذ سنوات طويله وكادت تنسي ملامحه هو وزوجته واولاده من طول غيابهم ، والاوسط في امريكا يتشاجر مع زوجته الامريكيه حول اولاده التي لم تراهم منذ ميلادهم والذين منعته المحاكم الامريكيه من الاقتراب منهم بعدما حاول يعود بهم لوطنه رغما عن انفها ، والصغير في الاسكندريه يقضي اجازته الاسبوعيه مثلما اعتاد لسنوات طويله ، فكرت في منسي واولادها وخافت عليهم جميعا ، الصخب والضجيج يتعالي ويتعالي ، قفزت من فوق مقعدها الوثير للشرفه لتفهم مالذي يحدث ، هل انهار المبني القبيح الذي بني مكان الاوبرا الخديويه بعد احتراقها ، هل انهار الكوبري الملتوي بين المباني المكدس بسياراته طيله الوقت ، هل تكدست السيارات في النفق فاغلقته مثلما حدث مرات كثيره فتنفجر السيارات بالصراخ غضبا واحتجاجا ويصرخ السائقين خوفا من انهيار النفق فوق رؤوسهم ، مالذي حدث اليوم لينفجر هذا الصخب والضجيج !!
تخرج لشرفتها ، فتري تحت بصرها مالم تفهمه بسهوله !!!
مظاهره ضخمه كبيرة  يزأر اعضاءها بالصراخ ، تعلو فوق رؤوسهم اعلام سوداء !!!
لاتفهم فكريه ماتراه ..
 صخب ، ضجيج ، صراخ !!!
عجبا للغه التي كثيرا ماتعجز عن وصف مايحدث بكلمات دقيقة ، نعم فمايحدث لاتصفه كل الكلمات التي وصفته ، صخب ، ضجيج ، ، صراخ ، كل هذا لايعبر عن مايحدث !!!!
عشرات ، مئات ، الاف البشر
صفوف متراصه متشابكه الايدي متلاصقه الاجساد ، كانهم كتله واحده ضخمه عملاقه تتحرك معا !!
رجال ونساء ، جلاليب بيضاء وعباءات سوداء وطرح وعمم ودقون شعثه واطفال صغار يتعثروا وسط الزحام الغاضب ...
اعلام سوداء فوق الرؤوس تشبه لون وملامح الغضب المرسومه علي وجوههم
بعضهم ملثمين والبعض الاخر يكشف تعبيراته القاسيه للاخرين وكأنه يتعمد يخيفهم
يصرخون بصوت عالي ، هتافات عاليه ، غاضبه ، اصواتهم الهادرة تخرج من احشائهم
يتحركون بخطوات بطيئه ، صوت خطواتهم يرج الارض تحتهم ، يسيرون في الشارع التجاري الواسع ..
لاين يسيرون ؟؟
من اين جاءوا ؟؟
لااحد يعرف !!!
تحدق فكرية في المظاهرة وتهيم بخيالها مع الاوبرا الخديوية وعصا المايسترو والنغمات الرقيقه التي كانت تنبعث من مبني الاوبرا فترسم الابتسامات علي الوجوه ، او هكذا كانت تظن او تشعر !!!
تتسمر في الشرفة ، الشارع الذي طالما حمل رواد الاوبرا للفن الجميل ، يحتلهم المتظاهرون باعلامهم السوداء يصرخون غضبا ...
يتجهون صوب تمثال ابراهيم باشا ، هل ستدب الحياه في التمثال ويحاربهم وينتصر عليهم !!!
خاطر جال سريعا في عقل فكريه ، لم تتمعن في معناه ، لو منسي لاطال التفكير وسرح بخياله طويلا ، لكن منسي استاذ اجتماع يبحث عن شخصيه مصر وهي ربه منزل تفرغت لتربيه الاطفال ومشاهده التلفزيون ، هو غيرها ، لذا لم تطيل التفكير فيما تراه ، فقط احست بالخوف يدب في قلبها وتمنت لو عاد منسي من النادي وجلس بجوارها يشاهدا التلفزيون ، لكن منسي لن يعود الان وستبقي في البيت وحيده ، عليها تروض افكارها ومخاوفها و............ دخلت من الشرفه واحكمت اغلاق زجاجها وعادت للشاشه تراقب مايعرض عليها وصوت ضيوف البرنامج عالي وصاخب مثل صخب وصراخ المتظاهرين ، الكل يصرخ في بعضه ولااحد يسمع غيرها ، تتمني تغلق اذنيها وتصرخ مثلهم ، تصرخ فيهم كفاكم اقتتال ، لكنها لن تصرخ ، وستصمت مثل ملايين المشاهدين وهم يشاهدون برامج السهره اليومية و................ مازال الصوت يأتيها من الشارع عاليا واعلي منه الصوت المنبعث من شاشه التلفزيون ، ومازالت الطمأنينة غائبة وبعيدة !!!!

( 19 )
النادي

لااحد يعرف بالضبط من صاحب النادي ولا جنسيته ، المالك الحالي للنادي ورثه من ابيه الذي اشتراه من خواجه قرر السفر خارج البلاد بعد حركه الضباط ، الخواجه قلق من الضباط وحركتهم وسلاح الفرسان الذي حاصر رئيسهم في مكتبه ثم حدد اقامته ، ارتعب الخواجه وقرر يعود لبلاده فالحركه التي تحدد اقامه رئيسها لا امان لها ، باع النادي بتراب الفلوس وهرب بامواله للخارج قبلما تمنع الحركه الاجانب من السفر ومن تحويل الاموال الوطنيه للخارج !!! 
احتفظ المالك الجديد للنادي بمذاقه ومناضده وشموعه والبيانو والعاهرات الانيقات اللاتي لا يفسدن المكان ولا يجلبن له بوليس الاداب ، فهذا مكان راق ، يأتيه الاجانب والخواجات للمتعه والسعاده ، اكل جميل وموسيقي ناعمه ونساء لطيفات ، العاهرات لايمارس عهرن داخل النادي ، بالعكس بين جدرانه يتصرفن كبنات الاسر الراقيه ، الخواجه يري كل مايحدث حوله ، لكنه لايعلق عليه ولاكأنه يراه ، والعاهرات يتصرفن برقي وشياكه حتي يخرجن من النادي بصحبه الاصدقاء الذين سيقضوا معهن السهرات الحمراء ، لكن بعيدا عن النادي ، قد ترقص العاهره وقد تضحك وقد تتشاجر مع "الصديق" لكن النادي ومالكه والجرسونات والبيانيست العجوز جميعهم لايروا شيءا ، المهم سعاده الزبون صاحب المكان !!! 
حركه الضباط انقلبت لثورة والاجانب سافروا او معظمهم ، وبقي النادي وكأنه مهجور ، لكن المصريين ، الارستقراطيه التي اعطتها الثوره ظهرها ، سرعان ماحلت محل الاجانب ، وكأنه الشوق لوجودهم ، سرعان ماامتلآ المكان بالمصريين اصحاب البذلات البيضاء والاحذيه اللامعه والبرانيط الصغيره ، سرعان مااحتلوا مكان الاجانب وتصرفوا في المكان مثلهم ، الموسيقي الاجنبيه الصاخبه ومقارعه الكوؤس ومصاحبه العاهرات والسكر السريع والمشاجرات ، من يسب الثوره ومن يسب قائدها ومالك النادي يطلب من المايسترو رفع صوت الموسيقي والسماعات حتي تطغي علي صوت الحوارات السياسيه!! 
والمهم " الناس تنبسط خبيبي " ويرفع المايسترو ناجي صوت الموسيقي والسماعات اعلي واعلي !!!

( 20 )
نوفي

تسير نوفي في الشوارع المظلمه والمطواه تحت اصابعها والقلق ينهش صدرها ، لم تعد المدينه كمان كانت ولم يعد الامان كمان كان ، تخاف تسير وحدها لان الصيع في الشوارع كثر لايجدون مايفعلوه الا التحرش بها ...
تشاجرت مع احد الصيع مرة ، طاردها بعباراته الخارجه ، خدش حياءها ، ترنح وكأنه مخمور واخذ يلقي بجسده فوقها ، يدس اصابعه في ثنايا جسدها كأنه لايقصد ،دفعته بيديها بعيدا لكن لم يبعد ، سبته وكالت له من الالفاظ ماتخاف تقوله ، اخرج من جوفها المرأة العاهره التي لاتقبل ان تدوسها الاقدام ، رفعت صوتها عليه وسبته بالفاظ مخيفه ، تراقصت في الشارع وعايرته برجوله منقوصه ، لو راجل بحق كنت دورت علي مرة وتقفل عليكم باب ، لكنك خيخه ومدلدل ومالكش غير في شغل الاتوبيسات والتلزيق ، ياعره ياناقص ياهايف و......... شتائم اقذع مما يمكن كتابته مصحوبا بحركات منفلته لاصابعها وحاجبيها وهز وسطها ، لم يرتدع وبدا وكأنه مخمور او " شامم كوله ياروح خالتك ولا ضارب راسك صراصير وجاي تسرح بيها علي جتتي " بليد لايبالي بكل ماتقوله ، يبتعد عنها وكأنه خاف وسرعان مايعود ويرتطم بجسدها وينهشه باصابعه ، وقتها رفعت عليه مطواتها ولعنت ابيه وامه وكادت " تعلم " علي وجهه بنصل غضبها ، تكالب عليها اصدقاءه ممن يقفوا علي ناصيه الشارع المظلم ينتظروا انثي ليتحرشوا بها او زبون يشتري منهم المزاج الواطي " كودافين وصراصير وكافه شيء " ، انتبه اصدقاءه لسبابها وفضيحه صديقهم ، تكالبوا عليها وتجرؤا علي جسدها ومزقوها بالسنتهم المعووجه " وحتعملي علينا شريفه يامسح البلاط ياتوك توك بيتركب من غير بنديرة " ورفع واحد منهم مطواته علي رقبتها وهو يصرخ فيها ، عايزه يابنت الحرام تعلمي علي وشه ، تكسريه ، يقولوا ايه احبة وفردت قلوعها عليه ، يابنت الحرام ده انت مالكيش سعر ولا دية ، يلوح بالمطواه في وجهها يرعبها ، اعلم علي وشك يابت فتبوري وياكلك الدود وانت مطرحك الناس تقرف تهوب منك ، ولا اجزك يابت ويقولوا احبه وماتت ، وصوته وفحيح نبراته والغضب المنبعث من عينيه الحمراويين ونصل المطواه يصعد ويهبط امام عينيها ، كل هذا ارعبها ، وارعبها اكثر الرجال الذين تدافعوا حولها يمزقوا ملابسها وصراخها وسبابها يزيد اثارتهم وجنونهم حتي كادوا يغتصبوها في الشارع ، فكرت تتوسل لهم يتركوها لكنها لن تفعل ، لو توسلت لهم لضاعت للابد ، سيستهينوا بها ويستقصدوها في الرايحه والجايه ويعملوا عليها حفلات زفره تكرهها في نفسها وفي حياتها ، لن تستجديهم يتركوها ، ستصرخ عل احدهم يشفق علي حالها وينقذها من بين ايديهم ، سرعان ماوثب عمال الجراج وبوابين العمارات التي تمر عليها كل يوم و انقذوها من ايديهم بعد معركه قصيره انتبه طرفيها لضرورة انهاءها وبسرعه قبلما تظهر الحكومه فتلمهم جميعا وفين يوجعك لغايه مايبان لهم صحاب ، انقذوها وحذروها ، الدنيا اتغيرت ياست نوفي ، خلي بالك علي نفسك و...........عادت لمنزلها يومها تبكي واغلقت الباب عليها يومين لتتمالك نفسها التي تبعثرت في الشارع وسط الليل ... تركت تلك الحادثه في روحها ندبة عميقة من الخوف الذي لم تكن تشعر بمعناه ولا يؤثر فيها ، نعم يومها خافت وارتعبت ، نص البلد لم تعد مثلما كانت ، لم تعد مكان راق لاصحاب المزاج ، الشمامين والعواطليه والصيع عششوا فيها زي الوطاويط مايبانوش الا لما الدنيا تغمق وتضلم ، نص البلد مابقيتش هي خالص ، فكرت نوفي بعد تلك التجربه الصعبه  تستاجر حارس شخصي يصاحبها في رحلتها اليوميه ، لابد من راجل طول بعرض يعلم السبرسجيه يلموا نفسهم ويقتصروا ناحيتي ، فكرت في استئجار حارس شخصي ، لكن الايراد قليل والعملاء اكتئبوا فابتعدوا والنادي يعاني من قله زبائنه والايام سوده ، عدلت عن الفكره رغم وجاهتها ، لن تقتطع من دخلها القليل راتب لحارس شخصي ، والحارس هو الله ، قررت تعيش وكأن شيئا لم يحدث وقررت تنسي او تتناسي الحادث الاسود في اليوم الاسود ، نعم ذلك اليوم ترك في قلبها وجل وارتعاشه لاتشعر بها الا بعدما تصل للنادي ، تتشاهد لانها وصلت بالسلامه وتعيش اليوم بيومه !!!!
ومازلت تسير بخطوات مرتبكه في الظلام واصابعها تقبض علي الحقيبه والمطواة و....... تتمني تصل للنادي بسرعة !!!

( 21 )
النادل

منذ ثلاثين سنه وهو يرتدي الجاكت الابيض ورابطه العنق السوداء ، هو والمكان والخواجه وعازف البيانو لم يتغيروا وكل شيء تغير حولهم ، رواد المكان تغيروا وطبيعه المناقشات التي يتحدثوا فيها ، الاغاني تغيرت ولون الستائر وشكل زجاجات البيرة واطباق المزه ، كل هذا تغير ويتغير الا فانوس والخواجه وناجي عازف البيانو ، علمتهم الايام كيف يفهموا الريح التي ستهب عليهم ، لايكترثوا بالسياسه ولا حكاياتها الا بقدر ماستؤثر علي عملهم واكل عيشهم ، لكن هذه الايام سوداء ، الريح عاتيه وكأنها ستخلعهم جميعا من جذورهم ، هي الحكايه حتخلص علي ايه ؟؟ يسال نفسه دائما وتجرأ مره وسال الخواجه ، ضحك الخواجه علي اي حاجه مش مهم حبيبي ، شفنا كتير عبد الناصر والتأميم ، السادات ومعاهده كامب دايفيد ، حسني مبارك والوقفات الاحتجاجيه علي سلالم نقابه الصحفيين ، في كل وقت من هذا كانت الريح تهب عاتيه علي وسط القاهره التي كانت كوزموبولتنيه ولم تعد ، جروبي اشتراه الحاج "لقمة" وتوقفوا عن بيع البيرة والجامبون ، وقتها تصور البعض ان البلد ستتغير وانهم سيمنعوا البيرة نهائيا ، لم يحدث ، جروبي توقف عن بيع البيره فصعد رواده لنادينا بحثا عن البيرة ، ايام السادات امتلئت وسط البلد بالاسرائيلين ، تصور البعض ان المناضلين اليساريين سيكفوا عن التردد علينا احتجاجا وغضبا علي الوجود الاسرائيلي الكثيف لكن المناضلين سبوهم وغضبوا منهم وسرعان مانسوا وجلسوا جميعا يحتسوا البيرة المثلجه بلا مناقشات وتجاهل كل منهما الاخر ، ماتخافش فانوس ، اللي يحصل حايحصل ، احنا زي مااحنا ، سقع البيره سقع فانوس واستعد لسهره الليلة !!!
يصل للنادي في ميعاده اليومي كمثل كل يوم ، في الخامسه مساءا ، يخلع ملابسه ويرتدي الجاكت الابيض والبنطلون الاسود والببيونه السوداء ، يرص البيره في التلاجه وفوقها التلج ، يراجع بنفسه المناضد والمفارش والشموع التي تزركش المكان بوهج دافء جميل ، في الثامنه يفتح النوافذ للهواء النقي الطازج وفي الايام الحارة يفتح التكاييف ، سيبدأ الرواد في الوصول للمكان سريعا ، علي التاسعه ونصف ستصل نوفي وصديقاتها ، سينثرن البهجه في المكان رقص وضحك وميوعه لطيفه ، في العاشره سيصل الدكتور منسي واصدقاءه ، سينزووا في منضدتهم التي لايغيروها ، صوت احاديثهم منخفض وضحكاتهم هامسه ، مجموعه من الرجال يحسهم فانوس وكأنهم مجلس اداره شركه ضل طريقه لناديه ، ليسوا مثل الرجال الاخرين ، لايبحثوا عن نكته خارجه ولا يرقصوا مع نوفي ويلصقوا اجسادهم في جسدها اللين منتهزين فرصه الظلام ليعبثوا به قدر ما يستطيعوا ، ليسوا مثل الرجال الاخرين ، تحسهم في مأموريه علميه ، نعم بعضهم يشرب البيرة واحيانا يحضروا معهم زجاجه ويسكي فاخره ، في بعض الاوقات النادره تراهم مبسوطين وتتراقص اجذاعهم مع موسيقي المايسترو ، لكنهم في اغلب الاحيان يجلسون كالصقور يراقبوا مايحدث بكل انتباه....

( 22 )
الدكتور منسي

عندما بكت ايزيس بحثا عن مليكها المغدور ازوريس ، فاض النيل وفاض...
من حزنها صنعت لمصر الخير ، ليس عاما ولا عشره بل مئات القرون ، من حزنها ودموعها كان الفيضان ، ماءا احمر مشوبا بالطمي ونثرات القلب وشذرات الحب المعذب بالفراق والغدر ، من هذه الدموع التي فاضت من ينابيع الحزن كان النيل وكان الفيضان ..
هكذا امن المصريين القدماء ، بأن ربه السماء والهه الحكمه هي التي صنعت واديهم وحضارتهم ، واحتفلوا بدموعها كل سنه في شهر بؤونه من كل عام ، احتفلوا بليلة الدموع ، التي تأتي بالخير والفيضان والحياة لمصر !!!
انهي منسي الجملة وترك القلم واخذ يتأملها ومعانيها ومابين السطور!!
يسال نفسه ، الحزن في مصر القديمه لم يصنع شقاءا بل صنع فرحة وسعاده وخير ونماء !!
عجبا لهذا البلد وشخصيته وروحه !!!
يعود منسي لايزيس التي بحثت عن زوجها الممزقه اشلاءه في ارجاء مصر ، بحثت عنه وهي تبكي ، اضناها البحث وصاحبه الحزن بدموعه الوفيرة ، منحت ايزيس مصر من دموعها نهرا خالدا وفيضانا سنويا يروي الظمأ والارض ومنحتها مليكا عظيما وقتما لملمت الجسد المبعثر واعادته بسحرها للحياه وحملت منه ابنها حورس ملكا اشاع العدل وانتقم لموت ابيه بقتل اله الشر !!!
فقرة ثانيه كتبها منسي وهو يبحث عن شخصيه مصر وروحها ...
هل كان الملك اوزريس ملكا لمصر مزقته قوي الشر فلملمت ايزيس اشلاءه ، ام كان اوزريس في تلك اللحظه متوحدا مع الوطن الذي يحكمه ، الوطن الذي مزق اشلاء مليك الشر ، فماكان من ايزيس الا لملمة الوطن والجسد والملك من البعثرة والتمزق واعادت لهم الحياه بسحرها ومنحهتم ملكا عظيما اشاع العدل وحكم به وقتل الهه الشر !!!
هذا الوطن يحتاج لايزيس تمنحه روحها وتلملم اشلاءه المبعثرة وتبعث فيه الروح بسحرها وتمنحه ملكا عادلا ... اين انت ياايزيس ؟؟ اين انت ياايزيس ؟؟
ترك القلم والاوراق واطفأ المصباح الصغير الذي يلقي بضوءه بقعا مضيئه فوق الاسطر واسند رأسه فوق ذراعه وتصور انه نام !!!!
ضحك الرجل الجالس فوق السحابه البعيده بجوار القمر ، لست نائم يادكتور منسي ، بل وقف الزمن عندك ايضا ، الزمن توقف دولاب عجلته في مدينتكم المسكونه بالوحشة ، لن يعود الزمن يادكتور ولن تعودا للحياة حتي تستحقوا الحياة !!!
نم في هدوء وزوجتك وجيرانك واهل مدينتك ، الان صرتم من الضعف والهزال الذي لايليق بكم معه الا النوم ، ناموا حتي يعود الزمن لحركته فتعود ارواحكم الضاله اليكم والحضارة والقوة !!!
وافقته ايزيس وهي تبكي !!
سالها الرجل لماذا تبكي ياربة السماء ، هل فقط لتجهزي لهم الفيضان الذي ستنهمر امطاره علي روؤسهم من السماء تعيد لهم الحياه والانتباه !!! هزت راسها نفيا ، حينما القوا بجسد اوزوريس في البحر بعدما دفنوه في صندوق محكم ، كنت ابكي ، كنت اعرف مالذي سيحدث له ولم امنعه ، كان لابد له يغرق ولابد له يمزق ولابد لي اتعذب وابحث عنه وابكي واعثر عليه والملم اشلاءه وابعث فيه الحياه ليمنحني ملكا عادلا ، الملك العادل الذي سيقتل اله الشر لايأتي في لحظة سعاده ، يأتي من منتهي الشقاء والعذاب والوجع والدموع ، ابكي لاني اعرف مالذي سيحدث لاوزوريس مجددا ، سيتمزق وتتبعثر اشلاءه ويجف الضرع والنيل وتنتشر الخرافات والاوهام وتتصحر الاراضي الخصبه الخضراء وانا ابكي ووقتما يجهز الفيضان للانهمار ماءا احمرا يبدوا دما نظيفا طاهرا يجدد الحياه والروح ويطرد السموم ستنهمر الامطار وتتوقف الاحزان ، هل فهمتني ، قدري وقدرهم البكاء والحزن !!!
ابتسم الرجل الجالس فوق السحابه البيضاء ، لكن الدكتور منسي كتب ان حزنك منح مصر السعاده !! هزت راسها ، اوافقه جدا ، سامنح مصر السعاده التي تستحقها لكن الحزن قدري وقدرها  !!!
ومازالت التظاهرة باعلامها السوداء تسير في الشوارع المظلمه الموحشه والكل نيام !!!!
ماتت المدينه او تظاهرت بالموت ولم تترك للمتظاهرين الا الشوارع الخاليه والوحشه ليسيروا فيها لايسمعهم احد ... ماتت المدينه او تظاهرت بالموت ومازالت ايزيس تبكي والرجل الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر ينتظر لحظه الفيضان هو وملايين النائمين الموتي لتدب الحياه مره اخري في الوطن الذي مرت عليه الاف السنين وبقي حيا لم يموت !!!!

( 23 )
النادي

ايام حرب السويس قرر مالك النادي اغلاقه بعدما اغلق الشبابيك بالورق الازرق ليمنع اضواءه تتسلل للشارع فتجعل ناديه هدفا سهلا للطيارات الانجليزية الفرنسية التي تجوب سماء القاهره كالصياد تبحث عن فريسه تفح فيها غل الامبراطوريات التي تمردت عليها احدي المستوطنات ، اغلق الخواجه النادي ومنح العمال رواتبهم وبقي في البيت مرتبكا لايعرف من الذي سينتصر في الحرب ، وهل سيعود الانجليز والفرنساويين وايام العز ، ام ستنتصر الحركة وضباطها ويبقي الارستقراطيين المصريين يسكروا ويبكوا ايام العهد الجميل البائد الذي رحل وتركهم اسري حركه الضباط !!! "شعارنا اننا سنقاتل ، سنقاتل ولن نسلم ، دا شعار كل فرد في القوات المسلحه ودا شعار كل فرد في الشعب ، النهارده دا شعار كل مصري ، اذا كانت بريطانيا بتعتبر انها دوله كبري وفرنسا بتعتبر انها دوله كبري احنا شعب مؤمن حيكون شعارنا دائما الله اكبر ، الله يقوينا والله ينصرنا ، نعتمد علي الله وعلي انفسنا وسنجاهد ونكافح ونقاتل وسننتصر باذن الله والله اكبر والله اكبر " و انتصرت الثوره ففتح الخواجه ابواب النادي واضاء انواره ووزع " شربات " احتفالا بالنصر !!! سرعان ماعادت الحياه للنادي بعدما رفع الخواجه الورق الازرق من فوق الشبابيك الكبيرة و............. اهي ايام وبتعدي !!!

( 24 )
المنادي

القي ببصره بعيدا ، لايري سيارات ، الشارع مزدحم بالماره والبائعين الجائلين و" نصبه " البضاعه التي يفترشوا عليها بضاعتهم الصينيه الرخيصه القبيحه ، لم تعد وسط البلد مثلما كانت ، لم تعد المحلات فاخره ولا الزبائن ارستقراطيين ولا الشوارع مزدحمه بالسيارات الفارهه!! 
تغيرت الدنيا يارجب وانت لسه علي حالك ، همس لنفسه ، اخرج سيجاره واشعلها ، القي برأسه علي قمه عكازه ، هائم مع افكاره ، يسمع صوت الهتافات تقترب منه ، لايخاف منها طبعا ولا من راياتها السوداء ، من هم ليخيفوني ، شويه عيال ولا ليهم لزمه اساسا ، اي عيل منهم يخرج من وسط المظاهره يتقطع ، لكن مستقويين ببعض ، يتذكر رجب هتافاتهم العاليه وصراخهم العصبي واعلامهم السوداء، وكل ده ليه ، عايزين ايه ، عايزينا نعرف ربنا مااحنا عارفينه ، محموقين كده ليه وعلشان ايه ، امسك يوما احد الصبيه في المظاهره ، امسكه وانهال عليه ضربا ، ساله ، مين ياواد اللي مسرحك ، يوميتك كام ، رد علي عدل ، انهال عليه ضربا يتمناه يبوح بما يحدث ليفهم ، نعم كل مايؤرق رجب انه لايفهم مالذي يحدث حوله ، لايفهم الدنيا الجديده التي فرضت نفسها عليه وعلي حياته ، مين دول ، انطق ياد انت مين ، لم ينطق الصبي الذي سرعان مافقد الوعي ، انتظره يفيق ، والختمه ماحضربه تاني ، يتكلم بس علشان افهم ، لكن الصبي يفيق ويجري ، والبوابين وبائعي الجرائد يحيلوا بين رجب ومطاردته ، عايز منه ايه يارجب ده من دور عيالك ، عايز افهم ياجدعان ، راسي حتتفرتك زي ايام الشقاوه لما سبت البودره وقلت اتوب ، ايامها كنت باهرش واصوت واعيط واضحك وراسي بتغلي زي ماتكون باستله فوق وابور الجاز ، افهم بس ، مين دول ، مين اللي سرحهم ، مين اللي لمهم ، عيال عمرها ماخرجت من الحواري ولاشافت دنيا ولا همها حاجه غير لبوه يزنقها في الضلمه وسيجاره ملفوفه وسندوتش طرب وكده رضا ، مين اللي طلعهم من الحواري واداهم الاعلام السوده وفهمهم ان ربنا مستني " هبلهم " ضربوا دقونهم وكشروا وكرهوا الدنيا ، افهم بس ياجدعان ، افهم ، يومها فر الصبي من تحت يده ولم يفهم رجب شيئا ، سنه كامله واكثر وهو يراقب كل مايحدث ، العيال اللي كانت بتخاف من الحكومه اتجرأت عليها ، كانت تجري من ضلهم وتتستخبي بقت بتروح لحدهم وهاتك ياشتيمه وقله ربايه وضرب وسفاله ، مين اللي جمد قلبكم كده ياولاد الحرام ، مين اللي راسكم علي الدور وخلاكم تخرجوا من الحواري وتهجموا علي وسط البلد اللي عمركم ماكنتم تستجروا تقربوا منها ، افهم ياناس ، افهم بس ، سنه واكثر ورجب لايفهم ، يراقب مايحدث ويتمني يفهم !!! 
سأل الدكتور منسي ذات يوم وهو يصعد للنادي، الا ياباشا هو ايه اللي بيحصل ، ابتسم منسي ، تاني يارجب تاني حتقولي ياباشا ، ماهو ياباشا العين ماتعلاش عن الحاجب وانا حيالله منادي وانت استاذ الاساتيذ وبتطلع في التلفزيون ، المهم ، سيبك مني ياباشا وقولي ايه اللي بيحصل ، يبتسم منسي ، محدش لسه عارف ، ازاي ياباشا دول بيقولوا في التلفزيون كلام كبير قوي وان العداله الاجتماعيه جايه الا هي ايه العداله الاجتماعيه ياباشا ، زي ايام السادات لما كانت الفلوس بترخ ولا زي ايام عبد الناصر لما نشفها علي الباشوات فنشفوها علينا ، هي ايه ياباشا ؟؟ ساله منسي ، انت عايزها شكلها ايه يارجب ، ارتبك رجب ، عايزها شكلها ايه ازاي ياباشا ، عايز كلنا نعيش ، حضرتك يعني سعادتك تعيش وانا والغلبان والفقير نعيش ، مش هي دي برضه العداله الاجتماعيه ياباشا ، ضحك منسي ، عارف امتي يبقي فيه عداله اجتماعيه ، لما تبطل تقولي ياباشا ، ارتبك رجب وفتح عينيه اندهاشا وهمس ، يبقي عمرها ماحتيجي ولاحنعيشها !!! وبصوت اعلي ، طيب ياباشا قولي ايه اللي بيحصل ، لسه محدش عارف يارجب ، بجد لسه محدش عارف ، كلنا بنتفرج علي اللي بيحصل علشان نفهم ، يؤكد منسي لنفسه كلماته كانه يحتاج يسمعها ، فعلا كلنا محتاجين نفهم ايه اللي بيحصل ... وتحرك خطوتين ثلاث صوب باب البنايه في طريقه للنادي وخلفه رجب يرفع كفه علي راسه يضرب له التحيه العسكرية وهو يؤكد عليه ، مسيرها تقول لنا ايه اللي بيحصل ماتشغلش بالك انت ياباشا ، يقف منسي ويساله ، مين اللي تقول يارجب ، ضحك رجب الدنيا ياباشا الدنيا ، ماهي ياما قالت ايه اللي بيحصل وياما فهمتنا ، تقفل شويه وتفتح علي طول ، واللي مش فاهم يفهم ، مساءك عسل ياباشا !!! ضحك منسي وتركه واخد يصعد السلم وهو يهمس لنفسه ، قولي يادنيا طيب قولي ايه اللي بيحصل علشان كلنا نفهم ومساءك عسل علي راي رجب !!!

( 25 )
ابراهيم باشا

جالسا فوق فرسه الاصيل واصبعه ممتدا للامام ..
التظاهره الحاشده تمر من تحت قديمه باعلامها وراياتها السوداء ، تصرخ غضبا بشعارات اضجت راحته واغضبته ، يحدق فيها من علي ، يتأمل الملامح الغاضبه والوجوه المحتقنه والعيون البليده ، يتوعدوه بالانتقام فيتوعدهم بالهزيمه !!! حذرتكم ، لو عدتم عدنا ، وانتم الان تدخلون عرين الاسد باقدامكم المرتعشه ، تتصورون اعلامكم وراياتكم السوداء ستخيفني ، هل تلاعبت الصحراء بعقولكم فنسيتم انفسكم ونسيتونا ، خير اجناد الارض ، تتصوروا ان اعلامكم المرفوعه بايديكم المرتعشه ستنال منا !!!
يصهل حصانه وكأنه يحثه علي القفز فوق اعناقكم !!!
يبتسم ابراهيم باشا ويهدء فرسه الاصيل ، لايستحقوا منا معركه ، مهزومين مهما صرخوا ، دع اهل المحروسه في الشوارع الضيقه يحققوا انتصاراتهم !!!!
يصمت ابراهيم باشا ويرفع اصبعه بمنتهي العز ويشير لبعيد !!!
يشير للاوبرا الخديوية التي كانت ، ربما ؟؟
يشير لما خلف البحر وكأنه يتوعد القابعين وسط الصحراء الا يتجرؤا عليه وعلي مصر المحروسة  ، ربما ؟؟
يشير للمصريين ليطمئنوا ، ربما !!!
غاضبا منهم ، يتوعدهم لانهم كادوا يخذلوه وجيوشه المنتصره وقتما ناموا فطغت الصحراء فوق ضفاف نيلهم كادت تطمس حضارتهم ، ربما!!!
جالسا فوق حصانه واصبعه ممتدا للامام وكأنه يخطب في المصريين ..
يخطب فيهم ويتشاجر معهم ، كيف اصبحتم مثلما اصبحتم ، غرقتم في السبات حتي هلك الزرع في الحقول عطشا ، طغت الصحراء عليهم التهمت الاخضر واليابس وهدمت المعابد وردمت البحيره المقدسه وحولت طريق الكباش لدرب للنعاج ، فاضت الرمال من ربعها الخالي وتجرأت علي حضارتكم ، انتم اصحاب الحضاره كيف غرقتم في السبات واضعتم الحكمه المتوارثه من رؤوسكم  حتي ضعتم او كدتم تضيعوا !!!
يخطب ابراهيم باشا في المصريين يصرخ فيهم ، هل نسيتم من انتم ؟؟؟ خذلتونا ونحن التي بليت سيوفنا في المعارك وتحطمت علي اجسادنا وماخدشنا فانتصرنا بحضارتنا وهزموا بجهلهم وجهالتهم ، هل نسيتم من انتم ؟؟ انا لم انسي ، وان نسيت كيف لاتذكرني مدينتكم بحقيقتنا ووجودنا ، هنا في قلب القاهرة ، مدينه الالف مأذنه والمشهد الزينبي ومشهد نفيسه العلم والمشهد الحسيني وبركه ال البيت وحبهم  ، في نص البلد الخديويه بمبانيها العريقة العتيقة الموشاة بالمنمنمات البديعه علي ايدي العماله المصريه الماهره وقتما قرر الخديوي اسماعيل يباهي بالقاهره كل مدن اوربا الجميله ويتوفق عليها ، في ميدان الاوبرا الخديوية حيث خطت الامبراطورة اوجيني وتسللت عايده لمقبره راداميش وصدحت الموسيقي العظيمه لفيردي ، هنا الازهر الشريف قاب قوسين او ادني مناره العلم الوسطي والشيوخ العظماء ، هنا المتحف المصري الحافظ لكنوز الحضارة العظيمه واسرارها ليس ببعيد ، هنا ، والنفق الحديث يحملكم لنصب الجندي المجهول ملايين المصريين رعاه الحضاره وحارسيها وقتما حملوا السيوف وامتطوا الخيول والعربات الحربيه واستشهدوا دفاعا عن وجودكم وحضارتكم ، هنا في تلك المدينه المحروسه كل هذا واكثر ، كيف نسيتم من انتم حتي تجرأ عليكم الحفاه الجهلاء وكادوا يخدعوكم بقحطهم ويوهموكم انه الخير والنماء والخصوبة والنهضه ؟؟؟ كيف نسيتم من انتم فكدت تهزموا !!!   
يخطب ابراهيم باشا في المصريين منفعلا حانقا غاضبا ، وقبلما يكمل حديثه ، يلوح له طفل صغير من بنايه قريبه بعلم مصر ، يلوح له ويرسل له قبله في الهواء ، يلوح له ابراهيم باشا ويكاد يهمس في اذنه وقتما تكبر لاتكن مثلهم ، لاتنسي نفسك ولا من انت وشد ضهرك وافخر بمصريتك ، ايها الصبي الصغير انت حفيد الحضاره العظيمه وسليل القاده العظماء وابن المنتصرين ، مازال الطفل يلوح بالعلم الصغير مره واثنين وعشره ، علم واحد صغير يلوح به طفل من بنايه قريبه برد قلب ابراهيم باشا وهدأ غضبه ، نعم مازالت تلك المحروسه ولادة بابطالها العظماء ، هذا العلم الصغير سيهزم كل الاعلام والرايات السوداء و......... ارسل له ابراهيم باشا قبله في الهواء وسكن فوق حصانه !!!!
ومازالت التظاهره الحاشده باعلامها السوداء تشق قلب قاهرة المعز بصراخها وهتافاتها وملامح الغاضبين و.......... مازال الزمن واقف ودولابه راكد والرجل الجالس فوق السحابه البيضاء البعيده بجوار القمر مازال ينتظر وايزيس تبكي وتنتظر وانا .... انا مثلكم ، اشاهد مايحدث ولاافهم !!! انتظر احدهم يشرح لي مالذي يحدث ، ربما الدكتور منسي سيقول لنا مالذي يحدث ، ربما ستقول لنا الدنيا كما قال رجب ، ربما سنفهم وحدنا دونما يقول لنا احد!!!
سؤال حائر ، ينتظر الزمن اجابته ليتحرك ...
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
مين دول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

( 26 )
الدكتور منسي

لم يعرف المصريين الهجرات بعيدا عن وطنهم  ..
النيل العظيم والوادي الضيق والصحراء الشائعه ربطتهم بالارض وضفاف النهر ..
صنعوا الحضارة العظيمة ومنها اشرقت شموس المعرفه علي العالم كله ..
القي منسي القلم غاضبا ، جمال حمدان سبقه وقال هذا وعلماء عظماء كثر درسوا حضارات بلاد الانهار وطبيعه شعوبها ، جمال حمدان سبقه ، وصف دور التاريخ والجغرافيا في رسم شخصيه مصر ، مالذي تأتي به جديدا يامنسي في هذا الشأن ..
غاضبا من رتابه عقله ونمطيه تفكيره ، لم تأتي بجديد !!!
اقتربت منه فكريه ، سالته ، مالك ، محتار يافكريه ، فكره في راسي بتدور مش عارف عايزه مني ايه ، ضحكت فكريه ، يامنسي ، كل سنين عمرك بتجري ورا الافكار اللي بتدور في راسك وفي الاخر توصل لفكره محدش قالها قبل كده ، وكل سنين عمرك تتخانق مع افكارك ، قوم شويه وبطل تفكير !!!
وافقها منسي ، هي تعرف كيف تروض روحه وافكاره ، سيترك القلم والاوراق ، سيطلق لافكاره العنان ، سيجلس في الشرفه ويحتسي القهوه ويهيم مع راسه وتداعيات افكاره ...
اطل من سور الشرفه ، الشارع زحمه ، اقتربت منه فكريه بهدوء ، فاكر الشارع كان عامل ازاي زمان يامنسي ، طبعا فاكر ، فاضي وكل ساعه عربيه وهسسس !! الدنيا اتغيرت قوي يامنسي ، هز راسه ، عارف والله وباحاول افهم اتغيرت ازاي ولايه ؟؟ ماانت عارفه ده شغلي طول حياتي ، عارفه !!!
يطيل النظر للشارع المزدحم سيارات لاتتحرك وصخب وعوادم السيارات تخنق الانفاس !!!
داخلين علي نص الليل والشارع واقف وزحمه ازاي ، شايف يافكريه وباحاول افهم ليه ؟؟ الناس دي راحه فين وجايه منين ، زمان كانوا بيناموا بدري ويروحوا شغلهم بدري ويرجعوا بيوتهم بدري ، النهارده كل ده اتغير ، ضحكت فكريه ، كل حاجه اتغيرت ، مواعيد الشغل اتغيرت والناس بقت بتشتغل شغلانه واتنين والعربيات ليل ونهار في الشوارع طول السنه كاننا في اجازه صيف !!
يجلس علي مقعده الوثير ويرشف من قهوته رشفه كبيرة ، البلد كلها بقت عامله زي شارع خالد ابن الوليد في ميامي في اسكندريه  في اغسطس ، زحمه علي الفاضي لاحد بيشتري ولاحد بيبع ولاحد بيتحرك ولاحد بينام !!
جلس علي مقعده الوثير وارتشف من قهوته وهمس ، نفسي اروح راس البر ، همست فكريه وكأنها تتمني لاتقطع حبل افكاره واسترسالها ، حتلاقيها اتغيرت هي كمان عن اللي في راسك ، همس وهو يغيب اكثر واكثر مع افكاره المتناثره ، طبعا ، كل حاجه اتغيرت يافكريه ، حافضل اقولك طول الوقت كل حاجه اتغيرت ، صرخ فجأ ، المشكله مش ان كل حاجه بتتغير ، المشكله اننا عايزينها تتغير للاحسن !!!
صمتت وصمت و................. قام فجأ لاوراقه !!!
المصريين لم يعرفوا الهجرة عكس شعوب كثيره فحافظوا علي تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم واستطاعوا يمصروا كل الافكار الوارده والثقافات الوافده لبلدهم مع المهاجرين والغرباء ويعيدوا صياغتها لصالحهم فصارت افكارا جديده تشبه القديمه لكنها افكار مصرية خالصه ...
الهجرة التي عرفها المصريين ، بخلاف هجرات الحرب التي ترك فيها ابناء مدن خط المواجهه والحرب ديارهم وسرعان ماعادوا لها بعد انتهاء الحرب ، هي هجرات النوبيين داخل الوطن ، الهجره الاولي التي تركوا فيها جزء من ديارهم بسبب خزان اسوان والهجره الثانية التي اغرقت فيها بحيرة السد كل ارضهم ، هجرات الحرب كانت قسريه وغربت ابناءها لكنهم منحوا بهجراتهم للوطن الام نصرا عظيما ماكان ليتحقق الا بتضحياتهم ، هجرات الحرب منحت الوطن قوة ولم تتركه خواء كمثل هجرات الشعوب الاخري التي كانت تهجر الارض لاخري يمكننا تعيش فيها حياه افضل ، هجرات الحرب لم تكن من اجل حياه افضل للمهاجرين بل كانت من اجل حياه افضل للوطن !!! هجرات الحرب بحزنها ووجعها والمها لابناء مدن خط القنال منحت من الحزن للمصريين فرحا عظيما !!!
هجرات النوبيين ايضا ، الهجرة الاولي والثانيه ، الغربة وترك الديار التي غرقت تحت مياه السد العالي ، منحت المصريين من دموع الابناء المهجرين فرحا وخصوبه ونماء وقوة !!! هجرات النوبيين كانت قسريه اجباريه لكنهم لم يغضبوا منها ولم يتمردوا عليها ، لم تكن هجره لمكان افضل او كرها او بغضا للمكان الاصلي ولا فرارا من قسوته بل كانت هجرات قسرية بمنتهي الود والرضا والسماحه ، تضحيات مقبوله لمنح الوطن الاكبر فرحه لايمكن تحقيقها الا بتضحيات الابناء ودموعهم !!!
المصريين لايعرفوا الهجرات ، وحين هاجروا داخل الوطن الواحد من مكان لاخر كانوا يضحوا من اجله هو وليس من اجل اي فرد فيهم ، هجراتهم كانت لخير الوطن ولصالحه ، لم يفكروا في انفسهم وفكروا فيه وقدموا استقرارهم فداء له ولقوته !!!
المصريين احفاد ايزيس ، منحوا الوطن فرحته بدموعهم وقوته بحزنهم ، وحزنوا وبكوا وهم في منتهي الرضا والتقبل ، فكل شيء يهون لاجل الوطن الذي يعشقوه !!!
ايزيس منحت الوطن الخير بدموعها وسايرها احفادها فمنحوا الوطن منتهي القوه والنصر بدموعهم والخير والخصوبه بدموعهم ، احفاد ايزيس عرفوا معني الحزن المقدس الذي يمنحوه لرفعه الوطن بمنتهي الحب ...هذه هي روح مصر منذ الاف السنين وحتي الان ...
صفق الدكتور منسي فرحا ، هاهي الفكرة اتته وتملكها ، سطعت في ذهنه وظهر بريقها !!!
مالذي حدث اذن هذه الايام وكيف حدث ؟؟
اسئله كثيرة مازال الدكتور منسي يبحث عنها وهو يسال نفسه مالذي جري للشخصيه المصرية !!!
نهاية الجزء الثاني
يتبع بالجزء الثالث