مدونة "حكي وحواديت" للكاتبة والروائية أميرة بهي الدين



الخميس، 26 أغسطس، 2010

واعطي البحر والليل ظهره !!!



كان عجوزا ، سنوات العمر قليلة والهم كثير ، انهكته المعارك والحروب والنذاله والخيانه ، انتشر الشيب في راسه ارهاقا وتعبا ، لم يعش حياه عاديه ، فتح عينيه علي صراعات لايعرف مبررها ، هو دون عن كثيرين ولد وسط دوامات عاتية ، لا شيء سهل ولا شيء ممكن ، يقتنص كل شيء في حياته حتي ابسطه من وسط النيران ، لم يستمتع بوقته ولم يخلد للراحه ابدا ، كل ماعرفه وتعلمه في حلبة الحياه ، كيف يبقي حيا وسط معركه كبري لم يختر يدخلها ولا يقوي يخرج منها وحين تنتهي تسلمه لاخري اشد بأسا ، حرمه الاخرين الطمأنينه والسكينه والامان ، حاصروه بابشع مشاعرهم فارهقوه ، علمته النساء بكيدهن كيفيه الفرار منهن فالقلب اوجعه الكذب والمشاعر ذبحتها الخديعه ، كان شابا اشيب ، فالهم حين حاصره علمه الحكمه والرزانه والصبر!!
في بدايه سنوات العمر تصور مايعيشه مرحله مؤقتة مهما طالت ستنتهي وانتظر ينتصر في معاركه ليعيش ، لكن كل معركه خاضها لم تقتله قادته لمعركه اخري اشد وطئه ووجع وبعدما تلاحقت المعارك وتبعثرت طمأنينه روحه في ساحات النزال امن ان الصراع العاتي قدره والهم الموجع نصيبه في الحياة التي سرقت شبابه وقبلها طفولته ومنحته شيخوخه مبكره ورزانه وذكريات موجعه وجسد مرهق اثخنته الجراح يتوق لحضن امرأه تحتويه لكنها ايضا ضنت عليه بها الايام وحرمه منها القدر !!!!
لم يقرأ حظه في الصحف ولم يمنح كفه لاحد ليقرأه ويقرأ غيبه ، لم يبحث عن غامض يؤرقه لان كل الغامض واضح وكل الغيب حاضر ولاشيء يحيره ليحاول اكتشافه ، قدره الهم ، هكذا ببساطه ، مهما اختلف شكله وجسامته ووجعه ، لم يسال نفسه ابدا ، لماذا انا ، احسه سؤال عبثي لن يمنحه اجابه ولن يغير واقعه ، لماذا انا ، لاني انا انا !!!! لماذا في ذلك اليوم ، قرر يلعب ؟؟؟ لايعرف ، ربما بعدما فرغت اللعبه فهم ذلك الهاتف الخفي الذي دعاه ليلهو !!!
كان يومه طويل ومرهق اقتتات فيه الوجع مثل كل الايام ... قرر يفر للبحر في اخر الليل يجلس امامه صامتا كعادته حين تشتد به النوائب ، يجلس امام البحر في الليل صامتا ، هل ينتظر عروس البحر تخرج له من البحر وتخطفه ، هل يبحث عن قدر جديد ينتشله من قدره ، لايعرف ولا يفكر ، حين يرهقه اليوم ويستبد به التعب والوجع ، يفر للبحر وهناك يتأمله يموج وسط الليل بصخب مخيف ، يتأمل امواجه المتلاحقه لاتكف عن الكر والفر ، يتأمل لجه الاسود المخيف كان الاشباح تلهو فوق سطحه ، ربما ينتظر نبوءة تخبره بما لايعرفه ، ربما يبحث عن تعويذه تفك طلاسم قدره العاتي ، ربما ينتظر دفئا يلقيه الفجر الحاني في قلبه بعد مخاوف الليل ووحشته ...
جلس علي الرمال امام البحر صامتا ، كعادته . جلس علي الرمال البارده يعبث في ذراتها وينثرها في الهواء ، يبحث عن عجينها البارد في الاعماق ، يحس حياته كمثل تلك الذرات تتناثر وتتبعثر امام عينه ، يتمني ينزلق للاعماق البارده تدفئه بصقيعها ، يحدق في البحر ويصمت .. انتبه لخطوات بطيئه خلفه ، سيده مسنه ، بعباءه ملونه قديمه وعقود طويلة واكف لامعه تتدلي قرط وعقد وسوار وخرز ازرق خلال في ساقها وخواتم صدئه كثيرة وعيون كحيله ووشم في الذقن ازرق قديم ، انتبه لملامحها وتجاهلها ، لكنه سارت صوبه ، ابتسمت ابتسامه كبيره تكشف عن طيبة وغموض ، تجاهلها اكثر ، لايحب مجاذيب الليل ولا طاقه عنده يمنحها لهم ولاوقت ولا اهتمام ، همست ، سمعت نداك وجيت لك علي طول ، اتأخرت عليك ؟؟ كاد يهشها ، لم اناديك ياخاله ولاانتظرك ، صمت ادبا ، اقتربت اكثر ، همست ، كل حاجه بميعادها يابني ، والشمس ما بتطلعش بليل ولا حد بيموت ناقص عمر ، انت ناديتني وانا جيت في الميعاد المكتوب ... كاد يقول لها لم اناديك ياخالة ، لكن يقينها طمان روحه ، جئتك مثلما تمنيت لاكشف لك طالعك الذي حيرك واوجعك ، لم تنطق باي كلمه لكن فهم كلامها ، اجابها بعيون ارهقها الهم ، لاابحث عن طالع اكشفه فكل مايختبيء اعرفه وحين اعرفه اكتشف اني كنت اعرفه ، لم تيأس من فراره ، لكني احمل لك رساله تخصك ، لاانتظر رسائل ياخاله ، ومن قال ان الرسائل تذهب للمنتظرين ، هي رساله تخصك حتي لو كنت لاتنتظرها !!!
جلست بجواره ، وضعت كفها الخشن علي كتفه ، وهج تسلل من اصابعها لقلبه ، كان الكهرباء كانت مقطوعه وعادت ، ارتعش مثلما ترتعش السلوك العريانه وقت تتدفق فيها شحنات الكهرباء القوية ، سالها مرتبكا من انت ، مازالت تبث في جسده الدفء والعزيمه ، انا التي تحملت عبء الطالع وهمه كشفه ، انا التي لا انتقي من احدثهم بل ينادوني فاذهب ، غريبه تسعي خلف الغرباء ، اسير خلفهم ومن اجلهم وحين تدق الساعه الاقيهم وابوح ، اخبرهم بما لااعرفه ، لكنها رسائلهم وانا اوصلها لهم وحين تصل الرساله ارحل ابحث عن اخرين تمتلأ جعبتي بما يخصهم ، اسير خلف النداء وان خفت واطارد صاحبه ولو بعد وحين الاقيه ابوح بما ينتظره وقبل ماتشرق الشمس ارحل ثانيه ومابين بحث ورحيل ونداء وصمت وفرح ودموع وجدت ايام العمر عندي معناها وقيمتها و.........لاتخف مني ياولدي ، لم اؤذ احد ابدا ، لااملك بك شرا لا انا ولاغيري ، كل مانعيشه مكتوب !!!
كاد يقول لها ان مكتوبه ارهقه ، ابتسمت وقالت له لاتتعجلني ساقول لك كل مايخصك وحين ارحل لاتلعني ولاتشكرني ، فانا وصلت الرساله كما وصلتني ، لم اكتب منها حرفا ولااملك اغير حرفا ... لاتخف مني ياولدي وامنحني روحك اقرأها ولا ترهق نفسك في مواراه مالن تواريه ، فالحجاب بيني وبينك يرفع وكل المحجوب سيظهر ويبان !!
استسلم لها لايعرف سرها لكنه يشعر بالامان فسايرها في لعبتها ، حدقت في عينه فاستسلم لها ، لمست جبينه فارتعد كانها تقرأ باصابعها الماهره المرتعشه ماهو مسطور عليه ، صمتت وصمتت ، مازالت كفها فوق كتفه ، كانها تقرأ سطور حياته وتفهم مابينها ، كأنها قرأت له الودع والطالع وحدقت في فنجان قهوته و فحصت كفه وخطوطه ، تنهدت بحنان وحزن ، كانها كانت تتمني لاتسمع ندائه ولا تفك طلاسم روحه ... قالت له العرافة العجوز ... لاتهرب من قدرك لن تهرب مهما حاولت ، عقدت حاجبيها وحزنت عليه وله ، قالت له الهم سيطاردك مهما فررت ، ومهما حاولت لن تفر من همك ، تحمله فوق كتفيه ويجري في شراينك مثل دمك ، اغمضت عينها وصمتت ، انتظر بقيه نبوئتها يتمناها تمنحه مالا يتوقعه ، يابني ستتوجع في الدنيا حتي تشكو الدنيا من وجعك وتتمني لو يرأف بك القدر لكنه لن يرأف ...نظر لها بحزن عميق وصمت ، تمني يغادرها ويرحل ، لم تكشف له المستور ، بل قرأت رحلته التي سار في دروبها حتي ارهقته الرحله والدرب والخطوات !!!
تمني يغادرها ويرحل ، تململ ، قبضت علي كفه وصمتت اكثر ، غابت بعيدا ، احسها تبعد عنه وكفه بين اصابعها ، رحلت بعيدا وحين كاد يمل بعد طول صبر وانتظار ، ابتسمت ابتسامه حانيه وهمست ، لااملك لك تعويذه تبعد الهم ، ولا ترياقا يشفي جروحك ، لااملك لك سفر تتلوه فتبرأ ولا ذكر تردده فتتحصن من الهم والوجع ، لااملك لك حجابا يعتقك من حظك ولا يغيره .... كاد يسالها ، لماذا جئت وانت خالية الوفاض لاتملكي ما تروي به عطشي ولا تعالجي به وجعي ، لكنه اشفق عليه من قسوته فمن تذبحه القسوه يشفق علي الاخرين من انصالها ، قرر يشكرها ويقوم ، اشكرك لانك كنت صادقه معي ولم تخدعيني وجراحي من الخديعه اثخنت جسدي وروحي ، كاد يشكرها ويقوم ، لكنها قبضت علي كفه اكثر وبمنتهي الحسم وصمتت .. لماذا العجله يابني ، طريقك مرسوم لاخطوه ازيد ولا خطوة اقل وانت ستسيره ستسيره فلماذا العجله ؟؟؟
ارتبك ، اشكرك ياخالة لاتشكرني يابني لاتشكرني ، ولاترحل ، فالسطر الاخير في كتابك لم اقله بعد ، قلبي دلني عليه وسط كل الطرق المغلقه والكمائن ، روحي هدتني اليه من بين كل الوجع وكل الحزن ، الفرح ينتظرك مهما تأخرت عليه ومهما طالت سكتك ، الفرج محطتك الاخيره التي ستصل اليها وتبقي فيها حتي نهايه العمر ، في نهايه رحله الاوجاع ستجد الفرح والفرج ينتظراك يصالحاك علي قدرك وعلي الدنيا ... صمتت وغابت ، تراخت اصابعها عن كفه ، احسها قالت كل مافي جعبتها وكل مارأته ومااحسته وماكشفته وكشفت عنه ، سيشكرها ويذهب ، فتحت عيناها سعيده راضيه وبورع وتقوي وطيبه وصفاء همست ، يابني لاتنسي كلماتي ولا تغفل عنها ولا تيأس من رحمه ربك وكرمه ، فالعواصف التي ستحيط بك قاسيه والاعاصير التي ستتجاذبك موجعه والهم الذي سيثقل قلبك كثير ودموعك ستفيض وتفيض وجسدك ستنهشه الحمي والاوجاع وروحك ستخنقها القسوه والايام وغدر الاخرين ستيأس وتتعذب وتفقد الامل والثقه في الحياه وستكاد تفقد ايمانك وعقلك ..... لكن ..... وصمتت فارتجف قلبه واشتاقت صحراءه لقطره ماء عذب ....
لكن .... انتبه لها ... بقدر الشقاء بقدر الفرحه ، بقدر العذاب بقدر الرضا .... ابتسمت بطيبه ، لو تعلم يابني قدر الفرحه التي تنتظرك لسعدت بكل الشقاء اللي مررت وستمر به واغمضت عيناها وصمتت صمتها الاخير ... وافلتت كفه من بين اصابعها .... حدق في وجهها كانه ينتظر بقيه نبوئتها فاشارت له يرحل ، رسالتك وصلتك ولااملك لك شيئا ، كل ماعندي قلته وكل ما قرأته اخبرتك به ، ودعته بابتسامه صغيره ورجته ، ان صادفتني ثانيه لا تزورني وحين القاك ثانيه لن اعرفك ، ، فقراءة مامررت فيه وماستمر فيه اتعبني وانا عجوز منهكه لااملك اياما ولا قوه توصلني مثلك بسلامه للفرح والفرج الذي ينتظراك .... رسالتك وصلتك وبعدها صرنا غرباء... قبل يدها وودعها ، تركته وابتعدت ، تحف قدميها بالرمال وصخب محبب يصاحب خطواتها صهيل الاكفف المعدنيه والعقود والخرز الازرق وحفيف الثوب والطرحه ، يلاطمها نسيم الفجر فتنساب نغمات حانيه مع صوت الموج العاتي يسعده !!!
بقي يحدق في البحر الصاخب وصوتها الهامس يدوي في اذنه ، اشكر ربك لان بقيه ايامك تخبيء لك السعاده التي ماكنت تتصورها ، اشكر ربك لانه قسا عليك فتحملت فهون عليك واعتقك .. وحين اوشكت الشمس تبزغ من البحر وتماوجت الوان سطحه بين القرمزي والاحمر الداكن والذهبي ورحل الاسود والداكن ومعهما نجوم السماء ، لملم روحه وجراحه واوجاعه وامله وقرر يغادر البحر ويعود لحياته ، تذكر كلمات العرافه التي صدقها فاصدقته ، شكر ربه واكثر من الشكر علي قدر الفرحه الكبيرة التي تنتظره فهو الوحيد في هذا العالم فقط الذي يعلم قدر العذاب الذي مر به ، ولان الفرحه قدر الشقاء ، فالف شكر وحمد لك يارب علي كل مامنحته لي وما ستمنحه لي وكلي شوق للسطر الاخير وفرحته وفرجه !!!! واعطي البحر والليل ظهره ... ورحل شابا للامل و................ استيقظ من نومه !!!!
سبق ونشرت هذة الحدوته في مدونه ياما دقت علي الراس طبول .. لكني قررت اليوم 8 ابريل 2011 انقلها في مدونه الشوارع حواديت ..

الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

النظرة الكسيرة وبائع الفوانيس ( الجزء الاول )




( 1 )


رمضان كريم ....
رمضان جانا وفرحنا به ، اهلا رمضان .....

وقف اكرم امام المحل ينصت للاغاني يشعر ببهجه ، علي وجهه تعبيرات لم يفهمها البائع !!!
يحدق في الفوانيس مبتسما ببراءة ، كانه عاد طفلا صغيرا وقف مع امه في المحل لينتقي فانوس يعجبه !!!
مازال يذكر حين كان صغيرا ، وقف يتفرج علي الفوانيس ، انتقي فانوس كبير فنهرته امه ، انتقي فانوس ببطاريه فنهرته امه ، انتقي فانوس وعلبه شمع ، فنهرته امه ، بكي وصمت وتركها تنتقي له فانوس لم يحب شكله وشمعتين لونهما ابيض!!!

كان يحدق في الفوانيس سعيدا بشكلها يحلم يقتنيها كلها ، او ينتقي منها اجمل اثنين او ثلاثة ، لكن حين اختارت امه الفانوس الذي لم يعجبه شكله ، تحطمت احلامه الصغيره علي صخره واقعها البغيض ، حمل الفانوس بلا حب ولا اعجاب وتمني لو يكسر الشمعتين الشاحبتين ، دسهما في جيبه بنطلونه القصير وتمني لو يسقطا ، عاد لغرفتهما حزينا ، هاهي امه مثلما اعتادت معه دائما ، تقهره وتفرض عليه اختياراتها وتجبره علي مالايحبه وتحطم احلامه !!!!

لكنه الان لم يعد صغيرا ومرت سنوات طويله علي ذلك المشهد الحزين ، وتسللت الشعيرات البيضاء لشعره وذقنه وحاجبيه ، لكنه لم ينس ذلك المشهد ابدا ، ومازال يحلم بفانوس يحبه ينتقيه بنفسه وعلبه شموع ملونه كبيره ، مازال يحلم بفانوس يتباهي به بين اصدقائه في الشارع ، مازال يحلم بامنيات الطفوله التي لم تحققها له امه كانه لو حققها الان سيعود طفلا يعيش احلامه التي لم يعشها !!!

انتبه اكرم انه مازال يحلم ، قرر ينفذ حلمه ، لام نفسه لانه نسي حلمه وامنيته سنوات طويله انشغل فيها بالنجاح في العمل والخروج من ضائقه الفقر التي اعتقلته وامه بعدما رحل ابيه للبلاد البعيده مع وعد لم يتحقق ابدا بالعوده !!!!

رن محموله ، ثريا تطارده منذ الصباح ، يعرف مالذي ستقوله له ، ستتشاجر معه لانه لم يرد علي تليفوناتها منذ الصباح ، ستتهمه بالسنكحه مع النساء الساقطات ، ستحاول ايلامه ، ماهما شبهك وانت شبهم ، لن يرد عليها ، فلتنفجر من الغيظ!!!

مازال يحدق في الفانوس ، عواطفه مثل الامطار الاستوائيه تضرب روحه بقوه وفيضان ، لماذا لم يفكر طيله كل تلك السنوات يشتري لنفسه فانوسا يعالج به اوجاع الحرمان التي اجترع مراراتها حتي الثماله ، ربما لو اشتري لنفسه فانوسا منذ عشرين سنه ، ربما رقق الفانوس مشاعره وصالحه علي روحه وهون اوجاعه ومحي الماضي الكئيب الذي استبد به طيله كل تلك السنوات !!!

يرن محموله ثانيه ، لعنه الله عليك ياثريا ، لماذا تطارديني ، هل تحبيني ، لست ملكك ياسيدتي ، املك وقتي وروحي ، لن ارد عليك ، ماله يسمعها تهمس ، لا انت ملكي وانت تعرف !!! يهز راسه غضبا ، لست ملكك ياسيدتي انا ملك نفسي ، ماله يسمعها تضحك ساخره !!!
يتمني لو يرحل عنها ولايعود لها ابدا !!! يغلق التليفون ويخرس الحاحها ، تلوميني لاني اذهب للساقطات ، هن ساقطات لكن قلوبهن تنبض وانت سليله الحسب والنسب ومكان قلبك حجر ودفتر شيكات ، هن يمنحوني العطف وانت لاتمنحيني الا القسوه ، كان كل القسوه التي تجرعتها طيله حياتي لا تفكيني !!!!

القسوه والماضي ، ضحك ، كلمتين يكونا عنوانا سخيفا لحكايه اسخف عن طفل سافر ابيه ولم يعد ، قالت له امه وقتما كان صغير ان ابيه مسافر وسيعود ، لكنه سمعها تبكي موته ، وحين عرفت انه عرف ، انفجرت في البكاء تتشاجر مع الايام التي حرمتها من زوجها وقهرت شبابها وبهدلتها ولسه حتبهدلها اكثر ، استراح عندما عرف وهو ابن الخامسه ان ابيه قد مات ، استراح لانه كان يحس ببراءه طفولته ان ابيه مات ، كان يحلم به ميت لكنه اعتاد يكذب احلامه ولا يصدقها لانه امه كانت تقسم له بكل الايمانات انه حي يزرق!!!!

سنوات طويله ، قهرت امه احلامه بفقرها وعوزها ووحدتها ، وعندما اشتد عوده قهر هو نفسه واحلامه اكثر واكثر واشتغل بكل دأب مصمما علي النجاح والثراء والخروج من دائره القهر التي اعتقلته بكل اشكالها و.......... هاهو نجح وله اكثر من رصيد في اكثر من بنك وله شركات وزوجه دميمه تزوجها لان ابيها رجل ثري و واصل ومعه مفاتيح النجاح التي طالما بحث عنه ، تزوج الابنه الدميمه وناسب الرجل الثري الواصل وفتحت له الابواب الموصده واحب زوجته رغم كراهيته لها ، امتن لها في الحقيقه ولم يحبها ، لانها كانت وش سعده وهناه !!!! امتن لها لكنها لم تتركه يمتن لها ، عايرته بفقره الذي كان وعقده النفسيه التي بقيت وصدته ولم تفتح له احضانها ، لم تتركه يمتن لها ولم تمنحه اي شيء صادق تمناه ففر من احضانها البارده لاحضان الساقطات !!! احس غيظ منها فهمس لنفسه ، مبسوطه انت كده ياثريا ، مبسوطه ، انت اللي عملتي ده في ، اشربي بقي !!!!

لم تكتف ثريا بامتنانه ، اعتبرت مايشعره تجاها عقابا لا تستحقه ، مرات كثيره سالته ، مابتحبنيش ليه ، نافقها وكذب ، باحبك ياستي ، لكن نبرات صوته المزيفه لم تخدعها ، هو انت كنت تطول تتجوز واحده زيي ، يسخر منها ، لا وعلشان كده باحمد ربنا علي جوازنا ، تنفجر باكيه ، انت بتخوني كل يوم وانا عارفه ، ذات مره فاض به ، كره لومها و المحاكمه التي تنصبها له كل ليله ، سالها ببرود ، عايزه تتطلقي ياثريا ، صمتت طويلا ثم اجابته ببرود ، لا عايزاك تبطل تخوني ، ضحك ساخرا ، يعرف انها لن تستغني عنه ، هي تحبه وتتمناه يحبها ، لكنه لا يحبها ولن يحبها ، ضحك ساخرا كانه يغيظها بل في الحقيقه كان يغيظها ، بصي ياحبيبتي ، انا حياتي حتفضل زي ماهي ، وانت دايما تقدري تقولي مش لاعبه !!! وتركها تتلظي من الغيظ وتتوعده ، طيب يااكرم !!!!!!!!


( 2 )

مرت سنوات كثيره نسي نفسه واحلامه متصارعا من قهره وفقر امه ليمحوهما من ذاكرته وانشغل بذلك الصراع طيله الوقت !!!
حتي ظهيره ذلك اليوم !!!
كان يسير علي الرصيف هائما في افكاره ، يحسب المكسب والخساره في مشروع ينوي اقامته ، مشروع كبير يتمني شركاء اثرياء مشاركته فيه ، استمهلهم ليفكر ، القرار ينتظره ، اما يقرر اقامه المشروع بعد حساب المكسب ، واما يقرر نسيانه لانه لن يأتي له الا بخسائر لا يتحمل نتائجها ليس علي حساباته في البنوك بل علي سمعته كرجل اعمال مرموق يتعين عليه ان يكسب ودائما !!!!

ساله البائع ، اي خدمه ، ابتسم اكرم ، كانه طفل صغير مثلما كان مع امه ، اشار علي الفانوس الكبير الملون ، عندما كان طفلا ، كان ذلك الفانونس هو المستحيل بعينه ، لو نظر اليه بعينه ستضربه امه علي عينه لانه طماع ولايراعي ظروفها ، لانه طفس وبيستكبر ، والله ياماما ابدا ، كم تمني يقول لها ان ذلك الفانوس الكبير شبه نجمه السماء الي يسهر معها ليلا هو الذي يعجبه ، الفانوس مثل النجمه بل اجمل ، بزجاجه الملون ، وبابه الانيق وقاعدته المدببه الراسخه ، يعجبه !!! لكنه امه لن تقوي علي شراء ذلك الفانوس وتعتبر نظرات الاعجاب التي يصوبها للفانوس الكبير احراجا لاتقوي علي تحمله لا هي ولا الجنيهات القليله المطويه بعنايه داخل كيس نقودها البالي ، كانت ستضربه علي عينه وتجره من ذراعه تكاد تخلعه وتبعد به عن المحل وفي البيت ستسمعه كلاما سخيفا عن قله حيلتها وقصر يديها والجنيهات القليله التي تأكل بها وابوه الذي مات وتركهم !!!!

وقف يحدق في الفانوس ، يلوم نفسه ، لماذا نسي احلامه ونسي نفسه ، لماذا بعثر سنوات العمر مع ثريا وعشيقاته الكثيرات ، لماذا نسي اكرم ، الطفل الصغير الذي قهرته الايام ، لماذا لم يحاول يصالحه علي الدنيا ، لماذا لم يفكر ابدا في تحقيق احلامه البسيطه !!! بملل اكثر ساله البائع ، اي خدمه ياباشا ، ضحك اكرم في سره ، نعم هو الباشا ، الله يرحم وقت كان صغيرا فقيرا في يد امه التي تجد قوت يومها بصعوبه ، الان صار باشا ، الان سيشتري الفانوس الكبير الملون الذي اشتهاه العمر كله وكبت رغبته في صدره ، اشار علي الفانوس وطلب شراءه ، لم يفاصل البائع الذي تعجب انه دفع الثمن الذي طلبه ، لم يعتاد من الزبائن علي هذا السلوك ، طلب من البائع علبه شمعه ملونه ، بل علبتين ، منحه بقشيشا سخيا وسار في الشارع مبتسما يحمل الفانوس في يده ، يلوح به كأنه طفلا صغيرا ، يلمح الابتسامات علي وجوه الماره ، لايكترث بها ، كانه يسخرون من الشعيرات البيضاء التي تغطي راسه والفانوس الذي يتأرجح في يده ، لكنه لايكترث بسخريتهم ، هم لايفهمون مالذي يفكر فيه ولا يشعر به !!!!

مازال يسير في الشارع يأرجح ذراعه بالفانوس ، نسي المشروع الذي كان يفكر فيه ، نسي حسابات المكسب والخساره ، تمني لو يزور قبر امه بالفانوس الكبير في يده ، يتمني يذهب لها ويخبرها ان احواله تغيرت ، ولم يعد الصغير اليتيم الذي كان ، يتمني يبكي علي قبرها ويحكي لها مالذي عاناه طيله حياته حتي خرج من دوامات الفقر التي اعتقل فيها ، لكن مقبرتها بعيده وهو لديه ميعاد في شركته ، ميعاد هام ، اجتماع مع المستثمرين الذي سيشاركوه المشروع الجديد ، سيذهب لها يوما ، هكذا قال لنفسه واكمل سيره يؤرجح ذراعه بالفانوس !!!
واقترب من شركته ، خطوه اثنين خمسه ، يقف علي بوابتها الكبيره ، يلمح نظره استغراب من رجل الامن علي البوابه ، احدهم يقترب منه كانه يساله يحمل عنه الفانوس ، لكنه يبعد ذراعه بفانوسه ، لن يمنحه لاحد ، سيحمله سعيدا لايكترث بنظرات الاستغراب ولا السخريه !!!

في المصعد ، وقف اكرم امام المرآه يتصور شكله ، رجل اشيب الشعر انيق ، يرتدي بذله مستورده وحذاء لامع في يده فانوس كبير ، لكنه لايري في المرأه نفسه مثلما هي الان ، يري في المرآه اكرم الطفل الصغير تمسك به سيده رقيقه الحال ، فستانها بال وحذائها كالح وشعرها اشعث تحت الطرحه السوداء ، يري طفلا صغيرا يرتدي بنطال قصير وقميص لاتعرف لونه وفي عينيه نظرات جائعه للحياه لكنها نظرات كسيره يخبئها عن الدنيا كلها !!! لم يحب المرآه حين شاهد فيها اكرم الصغير وكاد يقذفها بالفانوس يحطمها ويحطم المرآه واكرم الصغير بعينيه الكسيرتين ، ارتبك اكرم باشا وسال نفسه غاضبا ، هل ستظل تلك الصوره ، صوره طفولته البائسه تطارده طيله العمر !!!
هل ذلك الطفل الحزين بنظرات عينيه الكسيره سيظل يطارده طيله العمر !!!!
ارتبك لكنه لم يجد اجابه لسؤاله الموجع !!!


( 3 )

اعتاد اكرم البكاء في صمت !!!
امه تضج من صوت نحيبه ، حين تسمعه يبكي ، تنفجر باكيه بصوت اعلي من صوته ، تبكي وتنوح ، تردد علي مسامعه مرثياتها المعتاده ، ابيه الذي مات وتركها في عز شبابها ، ارمله جميله فقيره ترعي طفل صغير ، ستنوح وتشرح له انها ضحت بشبابها من اجله ، انها رفضت الزواج وعاشت محرومه بسببه ، مرات عديده صرخ في داخله ، ابوس ايديك ياامه خلاص عرفت ، خلاص حفظت ، كنت اتجوزتي ياامه وبطلتي تعايريني ، لكنه لايقوي علي مقاطعه مرثياتها ، يصمت حتي تجف دموعها وتجحده بتلك النظره القاسيه ، كانها تلومه ، هو سبب شقائها ، يتمني يسالها وذنبي ايه ياامه ،لكنه لايسألها ، ويصمت !!!

اعتاد البكاء في صمت !!!
مدرسه الفصل لاتتعاطف مع بكاءه ، اكم من مره سخرت من صوته وهو يبكي ، لاتفهم سبب بكاءه ، امه عجزت عن سداد مصاريف المدرسه الحكوميه وثمن طوابع معونه الشتاء ، امه سخرت منه ومن المدرسه ، قالت له انهم هم الذين يحتاجون معونه الشتاء والصيف ، لكن مدرسه الفصل هزئته امام كل زملائه في الفصل وامام ابن المنجد لان امه لم تدفع ثمن الطوابع ،هزئته بقسوه حتي بكي خجلا من امه ومن حالته ، وحين يبكي اكثر ، تسخر منه اكثر وبطريقه اعنف واكثر قسوه ، يكرهها ويتعلم البكاء في صمت ، البكاء بلا دموع ، روحه تبكي وملامحه تبقي جامده بلا اي تعبيرات ، لو افصح عما بداخله لبكي بصوت عالي وانتحب وعقف حاجبيه ، لكن مافائده الافصاح عن تعبيراته ومشاعره الحقيقه اذا كان احدا لن يفهمه ولن يتعاطف معه !!!

اعتاد الصمت !!! لكن نظرات عينه تفضحه ، نظرات كسيره حزينه !!!! يكره تلك النظرات ، يتمني وقت يتذكرها لو يخزق عينيه بالقلم الرصاص الذي كان يحافظ عليه مثل عينيه ، فلو ضاع منه لن تشتري له امه قلما اخر غيره ، يتمني يخزق عينيه بالقلم الرصاص ثم يرميه بعيدا ويكف عن الذهاب للمدرسه وسماع سخريه المدرسه منه ومن امه !!!!

ذات يوم ، وسط بكاء امه ونحيبها ، اقترب منها ، طبطب عليها ، منحته نظره لم تتصدق عليه بها بعد ذلك ابدا ، نظره غريبه ، كانها تحبه ، كانها غفرت له انه سبب شقائها وعذابها ، كانها تحبه ، كانها تعتذر له عن قسوتها معه ، يومها اقترب منها وتشجع اكثر واكثر واحتضنها ، بكي في حضنها بلا صوت ، يومها وعدها ، سنخرج من الفقر يوما ياامي ولن نعود !!! وجري بعيدا عنها فلم يلمح النظره الكسيره التي كست حدقتيها ، تتمني تصدقه ، لكنها لاتصدقه ، فالفقر قدرهما معا هي وهو !!!

يتمني يذهب اليوم لمقبره امه ، يركن سيارته الفارهه امام مدخل المقبره ، يتمني يدخل بالفانوس الكبير ويبكي في حضنها ، يتمني تمنحه وهي في السماء متحرره من فقرها وقسوتها تلك النظره الحنونه التي منحتها له ، يتمني تقول له انها تحبه !! سيذهب للمقبره ويذكرها بوعده ، اوفيت وعدي ياامي ، خرجنا من الفقر ولن نعد له ياامي ، كنت اتمناك بقيت معي حتي اسعدك بثرائي ، لكنك ياامي يأست من الحياه سريعا وحين اصابك داء الكبد اللعين ، اصفررت اكثر مما كنت صفراء وازددت شحوبا ورحلت بسرعه عن تلك الدنيا ، يومها اخبره الاطباء انها ترغب في الرحيل ولاترغب في مقاومه المرض ، يوم رحلت جلس علي الارض بجوار جثتها يبكي وينتحب ، يلومها لانها رحلت وبسرعه وتركته في الحياه وحيدا ، يلومها لانها لم تصبر علي حياتهما حتي يعبر بها بعيدا عن الفقر الذي اذلها وكسر نفسها ، يلومها لانها لم تمنحه فرصه تفخر به !!! لكنها وسط موتها همست له انها لن تغادره وستبقي معه وستفخر به وقتما يستحق الفخر !!!

ماتت امه ، حاول يبكيها بصوت يتناسب مع حزنه عليها ، لكنها علمته يبكي في صمت بلا دموع ، اليوم يحتاج دموعه ، اليوم يتمني لويصرخ وينتحب وتسيل دموعه شلالا ، لكن دروسها وشمت روحه بقسوتها ، وقف امام مقبرتها المفتوحه يبكي بلا دموع ، يري جسدها النحيل يواريه التراب وهو عاجز عن البكاء عنها ، ليتها تركته يبكي مثل كل الاطفال ، كان سيبكي عليها بكاءا يليق بحبه لها ، لكنه عجز يومها ومازال عاجزا عن البكاء !!!

متي سابكي ياامي .......... متي ساابكي !!!
ستبكي في حضن امرأه تحبك وتطمئن لها !!!
ومتي ستاتي ياامي .... ستأتي وقتما يكون قلبك طاهر مثلما كنت في رحمي !!!
لكني طاهر ياامي وقلبي طاهر ..... ليس مثلما كنت في رحمي !!!
اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وانتظرها !!!!
حوار يعيشه كل يوم في احلامه !!!!
علي طول كده ياامه قاسيه علي !!!

بعدما ماتت امه بدأ الحوار بينه وبينها في الحلم !!!
حين كانت حيه تنام في نفس الغرفه معه ، كانه لاتتكلم اليه ولاتكلمه !!!
كان الصمت علاقتهما الوحيده !!! ماتت غاضبه منه لانه باع نفسه وقهرها ، هي عاشت لم تبع نفسها لصالحه لكنه باع نفسه فقهرها !!!

بعدما ماتت ، تزوره يوميا في احلامه ، احبها اكثر مما كان يحبها في حياتها !!!
تزوره وتتحدث اليه ، توصيه بنفسه وتطمئن عليه وحين يسالها متي سابكي ياامي ، تناشده ، اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وتب لله وانتظر المرأه التي ستطمئنك وتفتح لك احضانها لتبكي !!!!
يتذكر سعيدة !!! ويتمني لوعادت به الايام للخلف ، وقتها كان سيغير كل اختياراته !!!
تأمل تلك الجمله الاخيره كثيرا ، لام نفسه ، لاتكذب علي نفسك يااكرم ، لو عادت بك الايام للخلف لاخترت نفس مااخترته!!!

يتذكر سعيده ، لو كنت انت التي تملكي تحققي احلامي لتغيرت الدنيا لكنك كنت تبحثين عن من ينتشلك من وجعك وانا ياحبيبه القلب ماكنت املك لوجعك ولا وجعي دواء ولا ترياق !!!
يتذكر امه التي ماتت غاضبه منه ، يحزن ويتمني يبكي ، لكنه دموعه لاتنهمر وروحه جدباء !!!
يسال امه ، متي سابكي ياامي !!! متي ساابكي ياامي !!!


( 4)

انهي اكرم اجتماع العمل بسرعه ، راسه مشغوله ، احال التفاصيل الفنيه لفريق معاونيه ومستشاريه ، سيذهب لقبر امه ، سياخذ الفانوس ويذهب للبكاء علي مقبرتها ... انهي الاجتماع وارتدي جاكتته وسحب الفانوس وخرج مسرعا من الشركه تلاحقه نظرات الاندهاش ، هذا ليس طبعه ، انه يبقي في الشركه حتي يخرج كل الناس منها !!!

سال الفراش سكرتيرته عما اصاب الباشا ، كانت اكثر ارتباكا منه ، هزت كتفيها لاتعلم مالذي اصابه !!!
دخل احد المستشارين علي السكرتيره يسالها ساخرا ، وايه حكايه الفانوس ، تنفجر في الضحك بهستيريه مرتبكه ، مش عارفه وخفت اساله ؟؟؟

يلقي اكرم بجسده المتعب في السياره ويهمس للسائق لهجه آمره ، اطلع علي الحاجه ، فهمه السائق ، انه يوم البكاء ، شرح لزوجته ان الباشا يذهب لمقبره امه يبكي ويفك عن نفسه ، حزنت الزوجه علي الباشا اللي عنده كل حاجه ومش مستريح ، وافقها زوجها ، صدقت ، عنده كل حاجه لكن مش مستريح !!!!

اغمض اكرم عينه في العربيه كانه نائم ، يختبي خلف جفنيه ويغوص في ذاكرته ، يفتح صندوق الالام ويغرق فيه ، يتذكر كل اوجاعه ، ترك المنجد والتحق بمكتب اله كاتبه في شارعهم ، بل في حارتهم الصغيره ، ياخذ الاوراق من الزبائن ويعيدها لهم مكتوبه علي الاله الكاتبه ، يحاسبهم مثلما امر صاحب المكتب ، يكره الصيف ، الصيف فصل الشقاء ، يذاكر طول السنه وفي الصيف يلتحق باي عمل ليدخر مصاريفه الضروريه التي لاتترك فرصه لامه لتهين نفسها اكثر واكثر .... ومن مكتب الاله الكاتبه لمحل بيع الشرائط ومن بيع الشرائط لشركه المقاولات التي ترجت امه مالكها ليشغل ابنها ، الواد شاطر في المدرسه لكن محتاج مصاريف اصل ابوه مات ياحاج .... وتحكي مأستها لكل البشر ، تشحذ عليه وتبتز كل معارفها بدموعها ، تبحث لابنها اليتيم عن اي عمل يساعدها علي تحمل صعوبات الحياه !!!

اغمض اكرم عينيه اكثر واكثر ، كانه يتمني ينسي كل ما مر به ، لكنه لاينسي ، كان يتصور وقت كان فقيرا محروما انه حين يتجاوز الفقر ويرفع انشوطته اللعينه من علي رقبته ، يتصور انه سينسي ماعاشه ومامر به ، لكنه للاسف ، لم ينس ابدا ، بالعكس ، كلما ازداد ثراء تذكر اكثر كل ما مر فيه ، يتمني ترحل عن مخيلته النظره الكسيره التي كست وجهه وقتها ، لكن النظره الكسيره تحاصره في يقظته ونومه وخياله ، لاتفارقه ابدا ، يسال نفسه كثيرا من سيمحو تلك النظره من ماضي ذلك الطفل !!!!!!!!!!!!!!

اقترب من مقبرة امه ، وضع الفانوس فوق شاهدها ، انفجر باكيا ، صالحيني ياامه علشان اعرف اعيش ، بطلي تلوميني في الاحلام ، بطلي تعذبيني ، مابصعبش عليكي ياامه ، صالحيني ياامه علشان اعرف اعيط ، انا جبت لك فانوس ، اجمل فانوس ، فاكره ياامه ليله رمضان ، تولعي الشمعه وتحطيها في الفانوس وتغني بصوت واطي ، كان صوتك حلو ياامه ، حالوا ياحالوا رمضان كريم ياحالوا ، كنت بتبقي مبسوطه ياامه ، بتنسي همك وتنبسطي ياامه ، انا جبت الفانوس ياامه وجاي اغني معاك ، حالوا ياحالو رمضان كريم ياحالو ، بس امانه عليكي ياامه ،تصالحيني ياامه ، امانه عليكي تنبسطي ياامه ، ويبكي بصوت اعلي واعلي !!!!!

ويجلس قدر مايجلس ، يبكي قدر مايبكي ، يغني حالو ياحالو رمضان كريم ياحالو ، كانه يسمعها ترد عليه ، يري ابتسامتها في الظلام ، نجمه صغيره سرعان ماتقهرها السحب الكثيفه في الليل الطويل ، يبكي ويغني ويتذكر كل مايوجعه فيبكي اكثر واكثر وحين تجف دموعه يغادر المقبره ويغلق الباب جيدا ويترك الفانوس فوق قبر امه ، يشعله ويتركه فوق المقبرة كأنه سيؤنسها في وحدتها الطويله !!!

( 5 )

دخل فراشه متعبا ، يشعر ارهاقا نفسيا ، ترك الفانوس لامه ، غدا سيشتري فانوس اخر !!!
المنزل خاوي ، ثريا لم تعد بعد !!!
احس راحه لغيابها ، يتمناها تختفي من حياته ، لكنها لن تختفي وحدها ، ستختفي ومعها كل الثروه التي نماها طيله العشرين سنه ، ستختفي ومعها الشركات والاسهم وارصده البنوك ، ستختفي ليعود مثلما بدأ وقت تزوجها ، ربما يعود طفلا صغيرا يتيما تسحبه امه من ذراعه لبيت خالته ليأكلا بعدما نفذ الاكل في بيتها وجيبها خاوي وروحها كسيره تعيش ايامها بلا اي امل في الغد !!!

سخر اكرم من هواجسه ، هو ليس الطفل الصغير الذي كان ، ولو خرجت ثريا من حياته لن يعود معدما مثلما كان ، لكنه خائف ولم يعد في ايام العمر مكانا للخوف ، يكفيه كل الخوف الذي عاشه واكتوي بناره !!!

انا خائف ياامي طمئنيني !!!
يسمعها تهمس في اذنه ، لاتخاف !!!
يكاد يبكي ، لكني خائف ياامه ، خائف !!!
يغمض عينيه اكثر ، يتمناها تزوره ، يتمني طيفها يشفق عليه فياتي !!!

تدخل ثريا غاضبه ، تتشاجر بعصبيه ، كنت فين ، غطسان فين ، مع مين ، مع انهي عاهره كنت نايم وسايب الشركه والشغل والاجتماع !!
لايرد عليها ، اتعدل وكلمني ، اختفيت فين طول النهار ، قفلت موبيلك ليه ، رد علي يااكرم !!!
يفتح عينه بتثاقل ، لايرغب في مشاجره ليليه جديده ، تصبحي علي خير ياثريا ، ينزلق في فراشه ويخبيء راسه تحت الغطا ..

هذه عادته ، وقتما كانت تنهال امه علي راسه بالشتائم لانه لايقدر تضحياتها ولا وجعها ويهرب من عند المنجد ويترك الشغل ويتسلل يلعب مع الاطفال ، وقتها ، يجري لفراشه ويختبيء تحت الغطا ، يقي نفسه شر غضبها !!!
ثريا مازالت تصرخ وهو مازال مختبيء ومازال الليل طويل !!!!!!!!


( 6 )

يفتح اكرم عينه في وسط الليل ، يري زوجته الدميمه تنام بجواره ، تتكور علي نفسها بعيدا عنه ، لاتفتح له احضانها ولايقوي علي الاقتراب منها ، هو تزوجها لان ابيها رجل ثري واصل ، لكنه ابدا لم يحبها ولم يطمئن لها ، هي تزوجته لانه رجل وسيم فقير ستمارس سطوتها عليه وتتباهي بوسامته وسط صديقاتها في المجتمعات الفارغه ، انا الدميمه تزوجت رجلا وسيم عشقني ، هكذا تقول عيونها لصديقاتها تتمني تغيظهن ، لكنهن لا يتغظن ، نعم انت الدميمه اشتريت رجلا بمال ابيك ونفوذه ، نعم هو زوجك لكنه لايعشقك !!!! نظراتهم تعذبها ونظراته البارده تعذبها اكثر ، لو يعشقها مثلما تتمني ستنكسر له وامامه ، لكنه لايعشقها ، يذكرها بنظراته الزجاجيه كل ثانيه في حياتهما انه تزوجها من اجل ابيها ، ولانها تعرف مايحسه تجاها تتكبر عليه وتحاول دائما تمرغ انفه في التراب ، تسخر منه طيله الوقت فيكرهها اكثر وتزداد الفجوه بينهما !!!

في وسط الليل يستيقظ يجدها علي طرف الفراش متكوره علي نفسها تبكي كعادتها في احلامها ، يضيق بصوت بكاءها ، الدموع تحاصرك يااكرم ، دموع امك ودموع ثريا ودموعك ، وسط اضغاث النوم واليقظه يبحث عن ابتسامه تنير ليله وتنقذه من شلالات الدموع التي تغرقه ، يتذكر سعيده ، يتذكر امه والمرأه التي ستطمئنه فيبكي في احضانها ، ينظر لزوجته ويفقد الامل في البكاء وتجف دموعه اكثر واكثر!!!!!!!!!!

تسطع وسط الليل النظرات الكسيره التي يكرهها !!! تسطع في وسط الليل تذكره ببؤسه الذي كان يحتله بسبب الفقر ، فغادره الفقر وبقي البؤس يحتله لاسباب اخري يعرفها جيدا !!! اه من تلك النظرات الكسيره التي تحاصره وتطارده في نهاره وفي احلامه !!!!! ومتي سابكي ياامي !!!!!!!!!!!!

يتقلب في فراشه ، يسمع صوت امه كانها تلومه ، تزوجت تلك السيده التي لاتحبها ولن تحبها ، ظلمتها معك وظلمت نفسك ، تمردت علي الفقر فبعت نفسك لسيده دميمه ثريه ، اشترتك بنقود ابيها ونفوذه ، ضيعت شبابك ، هل قدرك الضياع ياابني ، كنت اتمناك تتزوج شابه تحبها تراها اجمل النساء في عينك ، تمنحها قلبك ومشاعرك فتمنحك حبها وتطهرك من اوجاعك وتفجر ينابيع الدموع المتحجره المتكلسه علي قلبك ، يسمع صوت امه حزين ، يغمض عينه ويقرر ، لن ارد عليك ياامه ، ظلمتيني في الاول وبتظلميني في الاخر ، الابواب كلها مقفوله ، الفقير اللي زي ابنك مافيش قدامه اي حلول ، حيبيع نفسه حيبيع نفسه ، الشطاره بقي يبيعها ازاي !!! انت عمرك مافهمتيني ، لا زمان حسيتي بي ولا دلوقتي فاهماني .......... يري الحزن يكسو وجه امه ، يلمح النظره الكسيره في عينها وفي عينه ، يبكي بلا صوت ، تلومه ، لو كنت اتجوزت واحده بتحبها كنت عيطت في حضنها وارتحت ...
يتذكر سعيدة ، يتألم ، يتشاجر مع امه في خياله ، اللي زيي ياامه مش مكتوب له الراحه ، الراحه لها ناسها ياامه وانا مش منهم !!!!
صوته يعلو .... مش مكتوب لي الراحه ياامه مش مكتوبالي !!!

تتقلب ثريا في فراشها متأففه من صوته العالي ، انهت بكائها واستيقظت غاضبه كعادتها ، مش حتبطل تتكلم وانت نايم يااكرم ، خلاص ، امك ماتت والفقر مشي وبقيت باشا ، نام بقي وسيبني انام !!!! يسمعها ولن يرد عليها ، يسمعها مثلما سمعها الف مره منذ زواجهما ، نعم ياثريا ، اتكلم وانا نايم ، ده الوقت الوحيد اللي باتكلم فيه وافضفض ، هذا حواره الداخلي لايقوله لها ، يبعد عنها وكثيرا ما يغادر الغرفه ويتركها تغرق في النوم وينفرد بذكرياته واوجاعه حتي تشرق الشمس وهو يقظ يحارب الاحلام والكوابيس وذكرياته المريره ولوم امه وعيني سعيدة !!!!
و............. اصحي يااكرم ... يفتح عينه ، نائم في فراشه يحلم بامه مثل كل ليله !!!
يفتح عينه يراها ، ثريا ، تلك السيده الدميمه التي اشترته بنقود ابيها ونفوذه !!!!
يلمح النظره الكسيره تكسو عينيه ، تلك النظره التي باع نفسه ليتخلص منها فاشتراها الي الابد !!!!
يعطيها ظهره ويصمت فتترك له الغرفه غاضبه لانه كالعاده لا يستيقظ الا بعدما يطلع عينها !!!
يعطيها ظهره ويبتسم ، نائم في فراش وثير وينتظر الشاي في الطقم الصيني الفاخر وحمامه الساخن يعد لجسده المنهك وبذلته الانيقه الغاليه تنتظره يرتديها ، يبتسم ، حتي لو بعت نفسها لها ، لكني اشتريت راحه لم اكن احلم بها ياامه !!!
ماله كانه يسمع امه تساله ، وانت كده مستريح يااكرم !!!!!!!!!
هل يسمع سؤالها ؟؟؟ لا هذا محض خيال لايستحق منه يرد عليه !!!!
ويصرخ بقوه واقتدار ، الشاي ياثريا !!!


يتبع بالجزء الثاني والثالث ............

النظرة الكسيرة وبائع الفوانيس ( الجزء الثاني )






( 7 )


قبل الذهاب للشركه ، يعرج علي بائع الفوانيس ويشتري فانوس اخر ، يضعه بجواره علي مقعد السياره ويبتسم ، مااجمل الاحلام البسيطه التي تملك تحققها ، يتذكر حوارات امه وذكرياته معها ..
ابوك مات وسابنا علي الحديده ، بعت الحديده واشتريت بيها اكل تلت ايام وفي اليوم الرابع الناس بطلت تزورنا وبعد اسبوع اهل ابوك نسيونا وبقيت انا وانت لوحدنا ، انا حمل وانت حمل ومين يشيل احمال غيره في الايام السودا اللي محدش قادر يشيل فيه حمله هو ، اوعي تسالني عشنا ازاي ، عشنا زي ماعشنا ، معرفش ازاي !!! هذه الحدوته التي تحكيها له امه كل يوم قبل ماينام ، تبكي بكاءا مريرا يعقبه وصله الرثاء الليلي التي ادمنتها ، يكاد يقاطعها ، لن اسالك عشنا ازاي ، اعرف واتذكر كل التفاصيل التي تلاشت من ذاكرتك ، اعرف كل ماعشناه وكيف عشناه ، مازلت اراك كسيره النفس تسحبيني من ذراعي وتزوري اختك ، مازلت اتذكر النظره التي كان يجحدني بها زوجها ، كانه يسالني جاي تاكل ؟؟؟ مازالت اري النظره الكسيره التي كانت تكسو وجهي ، مازالت احفظ شكل بلاط الارض التي كنت احدق فيه ولاارفع راسي ابدا كأني لست موجود معكي ، مازالت اري اختك تفرش مائدتها امامنا وانت تتشاجري معي كي اكل مما وضعته امامي ، لكني لاارغب في الاكل ، نعم اشعر جوعا لكنه جوع قلب معدتي واصابني بغثيان رهيب ، اكل اختك لن يشبعني ، اكل اختك مثل جمرات النار في جوفي ، يقهرني اكثر مما كنت مقهور !!!

لن اسالك كيف عشنا ، مازلت اتذكر ، المنجد الذي القيتني امام باب محله تستجديه يشغلني في الصيف وقت الاجازه ، كان ابنه زميلي في المدرسه ويجلس معي علي نفس الدكه ، طوال الدراسه نحن زملاء في المدرسه الحكوميه التي لاتعلمنا شيئا ، في الصيف ينام هو حتي الظهيره ويمر علي ابيه في المحل ياخذ مصروفه ويذهب يلعب مع بقيه الاطفال ، اما انا كنت اعتقل داخل المحل وسط الالياف المبعثره والمسامير التي لاارها فتدخل في قدمي من نعل حذائي البالي ، كنت المحه يقترب من المحل فاخجل من نفسي ومنك ومن حياتي واختبيء بعيدا ، تحت جبل من الاسفنج يعده المعلم لحشو انتريه جديد ، احيانا خلف الكنبه القديمه التي تنتظر دورها ويد المعلم لتتجدد ، ابنه كان يناديني ويبتسم يدعوني للعب معه ، كان يحبني ، لكني كنت اكرهه ، الحقيقه كنت اكره نفسي ، ابتسم في ذله واعتذر عن اللعب معه ، ينهره ابيه لانه يعطلني عن عملي ، هذا العمل الحقير الذي كنت امارسه من الصباح حتي الليل ، اكنس المحل مائه مره واجمع المسامير التي سقطت من المعلم واعيدها للعلبه امامه ليسقطها ثانيه ، كنت امزق الالياف التي سيحشو بها المعلم المقاعد واناوله الاسفنج الذي سيبطن به الكنب ، اجري هنا وهناك ، انحني اجمع المسامير واشب علي قدماي اناوله بكر الخيط واعود انحي لاكنس المحل ، وفي نهايه الاسبوع يناول امي اجرتي مبتسما لانه رجل حان يساعدها وتبتسم هي لانه حصلت علي ثمن طعامنا طيله الاسبوع ولااحد منهم يري دموعي ولايفهم انكسار نظرتي !!!


لن اسالك كيف عشنا ، ولماذا اسالك ، اتذكر جيدا ماكنت تفعليه في ، كنت تسحبيني من يدي يوم العيد ، لنسير في الشارع امام الجيران تنتظري العيديه التي سيمنحها لي الاخرون صدقه في صوره عيديه ، كنت تذهبي لاختك لنأكل هناك ، كنت تاخدي منها ملابس ابنها الباليه وتجبريني علي ارتداءها والحقيقه كنت معذوره فلو لم ارتديها لبقيت عاريا ......... كنت تاخذيني للمعلم نعيد عليه ، كنت تعرفي انه سيمنحني امام ابنه زميلي في الفصل ، مبلغا ماليا بمناسبه العيد وكنت اعرف انك ستدعي له بالصحه والستر وربنا يخلي الاولاد ، كل هذا كان يحدث وانا اتمزق خجلا اتمني الموت لكنه اخذ ابي ولم ياخذني وتركني لكي تعذبيني بمرثياتك وبكاءك واصراراك علي اهانتي وحتي ذلك اليوم الذي انفجرت فيكي ابكي اشرح لك خجلي من حياتي وما تفعليه في ، يومها لم تفهمي اي شيء مما قلته ، يومها ضربتيني علي وجهي وبكيت لاني لااقدر جهدك التي تبذليه وماء وجهك الذي تريقه من اجل حياتي !!! لعنه الله علي تلك الحياه !!! يومها صمت وادركت انك لن تفهمي ابدا مااقوله لك ، يومها جحدتك بنظره كسيره من عيني اوجعتك فضربتيني ثانيه وامرتيني الا انظر اليك مثلما انظر ، بكيت وابتعدت عنك وقررت الا انظر اليك ابدا ، لاني لااملك الا تلك النظره لتوجعك !!! وانا لاارغب في ايلامك لانك في الحقيقه بائسه مثلي ويمكن اكثر بؤسا مني !!!!!!!!

يصل لمقر الشركه ، يترك السياره للمنادي ويحمل الفانوس في يديه ويتجه للمصعد !!!
كانه يسير بجوار امه وكفه في كفها ، لكنه اليوم سعيدا ، خلافا لكل المرات التي سار بجوارها وهي تقبض علي كفه كانها تخاف فراره !!! يؤرجح الفانوس فينتعش ، يتارجح الفانوس في كفه بحريه مثل التي تمني يشعر بها وقت كان يسير بجوار امه !!! ليه كده ياامه ، كنت بتعملي في كده ليه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وتسطع النظره الكسيره امام عينيه فيغشاه الحزن !!!

( 8 )


متكئا علي فراش عشيقته يدخن سيجاره بلا استمتاع ، يمارس معها جنسا ناجحا يسعدها لكنه لايسعد بها ، تحبه لكنه لايحبها !!!
تضع راسها علي كتفه فيتململ ويضيق بها !!! كان يتمني سعيده تنام علي كتفه ، لكنه حرم نفسه من سعيده وبقي كتفه فارغا مثل قلبه وحضنه لايستحق اي امرأه ولا حتي تلك العشيقه التي تمنحه عواطفها وجسدها !!!

مازال يذكر المره الاولي التي خان زوجته ، يضحك ، خان زوجته !!! لايشعر الامر كذلك ، انها المره الاولي التي انتصر عليها ، قهرته مثل الفقر مثل الهم ، لكنه هزمها وانتصر عليه ، الانتصار عليه سهل جدا ، امرأه لاتساوي شيئا يمنحها عواطفه التي لم يمنحها لزوجته ، اشترته نعم لكنها لم تقوي عليه كله ، اشترته لكنها لم تشتر عواطفه ، مازال يملك ما يهزمها به !!!!


فر من المنزل بعد مشاجره عاصفه ، جلس في بار احدي الفنادق الكبري ، الوقت متأخر والبار شبه خالي الا من بعض رواده الغائبين عن وعيهم ، جلس امام كأسه يتمني يبكي ، يسترجع كلمات زوجته الجارحه ، كالت له سبابا موجع ، ذبحه من الوريد للوريد ، تعالت عليه وصرخت في وجهه ، فوق لنفسك ، انت مين وانا مين ، تمني لو يضربها ، تمني لو يمسكها من شعرها ويرطم رأسها بالحائط ، لكنه امسك اعصابه ، لو ضربها لاجبره ابيها علي تطليقها ، سيخسر الجلد والسقط ، باع نفسه لها ولابيها من اجل هدف لم يتحقق بعد ، لن يباع بثمن رخيص ويلقي مثل القاذورات علي سلم الخدم ، سيتحمل حتي يصل لهدفه ، مازالت تكيل له الكلمات الجارحه ، ارتدي حذاءه وجاكتته وصفع باب الفيلا وخرج ، لماذا تتشاجر معه تلك المرأه ، لم يتذكر سبب غضبها ، كانا في حفله معا ، لم يغازل النساء في وجودها ، لكن وجودها لم يردع النسوه عن مغازلته ، تغار عليه من النساء الجميلات لكنه لا يغازلهن ، انت بتفتح لهم الطريق ، ضحك من عباراتها ، احس نفسه عسكري مرور في شارع مزدحم ، غضبت من ضحكه ، احسته يسخر منها ، رفعت حده المشاجره وسخونتها ، انت فاكر نفسك مين ، انتبه ، الاسطوانه المشروخه التي لاتكف عن حصاره بها ستبدأ ، ماتشوف نفسك ولا نسيت ، ليتني انسي ياامرأه ، لو نسيت ماكان هذا حالي ، انت نسيت انا مين وانت مين .......

صفع الباب وخرج ، قاد سيارته غاضبا ، لماذا يري عيني امه تلومه ، انت ياضنايا اللي عرضت نفسك لقله ادبها ، لو هي من توبك كنت سفختها قلمين يفوقوها ، كنت عملت قعده رجاله وخليت اهلها يربوها ، انت ياضنايا اللي مكنتها من رقبتها وكسرت عينيك ونفسك قدامها ، يكاد يصرخ ، بس ياامه ابوس ايدك ، عارف انا عملت ايه وليه ، اصبري ياامه بكره يجيي يوم اديها بالجزمه !!! لاتقبل امه كلماته ، تصمت تماما وتترك له نظره لوم تصاحبه ليل نهار ، يهمس سانتصر عليها في وقت ما وحين يأتي هذا الوقت كفي عن لومي !!! تنظر له بحزن وتصمت فيصمت !!! ....


يقود سيارته مسرعا ، يقف امام احد الفنادق الكبري ، يلقي بالمفتاح للمنادي ويدخل الفندق لايعرف اين يذهب ، سيستأجر غرفه ينام فيها حتي تهدأ الزوبعه المشتعله في مسكنه ، لو نام خارج المنزل لاشعلت الدنيا اكثر واكثر ، سيجلس حتي يهدأ ويعود بعدما تنام !!!

ودخل البار .............
سميحه هي التي اقتربت منه ، نبهته لوجودها ، شابه وقوره ، نعم وقوره ، بملامح طيبه ، اقتربت منه ، جلست بجواره ، بدأت تتكلم ، تحكي قصصا مختلفه ، لم ينتبه لها في البدايه ثم منحها اذنه ، باكلمك وانت مابتعرفنيش ولا حتعرفني ، لاني عايزه افضفض ، بعد الليل مايخلص كل واحد منا يرجع لحياته وننسي كل اللي اتقال واتسمع ، انا مش وحشه زي ماانت متصور ، انا طيبه والله ، انا بس مشيت في سكه اللي يروح مايرجعش ، يسمعها بلا مبالاة ، اصل اهلي كانوا ناس علي قد حالها وانا ماكانش عاجبني حالهم ...... يري شفتيها يتحركان ولا يسمع قصتها ، اعرف مالذي ستقوليه ، جميعنا ابناء الفقر وتمردنا عليه ، جميعنا قررنا نبيع انفسنا هربا من الفقر ونشتري حياه ارغد ، لايهمني التفاصيل ، ربما تكذبي ، لااكترث بكل ما قلتيه وما ستقوليه ، منح سميحه اذنه فمنحته وقتها فتكلمت مثلما ارادت ، كسرت الحواجز بينهما ، لم يعودا اثنين غرباء ، قصتها عن نفسها قربتها منه ، سخر اكرم من نفسه ، وقتما قالت لي انها ساقطه عرفت اني مثلها ساقط ، هي تشبهني وانا اشبهها ، كانت بارعه سميحه فيما فعلته معه ، نعم اسمها سميحه ، تصورها في البدايه سيده وحيده ، وبعدما قضي ليلته معها وبعدما قابلها مره واثنين ، عرف انها تمتهن اسعاد الرجال التعساء مثله ، لكنها لا تعرض عليهم جسدها ولا متعه الجنس ، بل تمنحهم اذنها واهتمامها ، بتلك الطريقه نجحت مع عشرات الرجال غيره ، وانت بقي حكايتك ايه ، هل حكي لسميحه حكايته ، لا ، حكي لسميحه القصه التي قرر انها قصته ، حكي لسميحه عن تعاسته مع زوجته الغيوره الشكاكه ، لم تنقب سميحه عن الحقيقه ولا تهمها ، سمعت منه كثيرا وقبل ما ينهي حكايته قررت تقوم ، لكنه يحتاج لها ليكمل كلامه وقصته ، لايعرف من الذي عرض علي الاخر امكانيه قضاء الليله معه ، ربما عرض عليها ووافقت ، ربما اوحت له ففهم ايماءاتها ، لكنهما خرجا من البار معا ، هي في ذراعه وهو لايكف عن الكلام وهي تسمعه باهتمام حقيقي !!!
لماذا احس بصدق سميحه وقتما كانت في حضنه ، لماذا صدقها او تمني يصدقها ، هي فعلا طيبه !!! سخر اكرم من خيالاته وهو يغادر منزلها ، طيبتها جزء من طريقتها في العمل ، بتلك الطيبه تسرق عطف الزبائن ، ترك لها مبلغا كبيرا بجوار المرأه ، اعجب بطريقتها في التسويق ، ضحك اكرم ، لو كانت محترمه لمنحها في شركاته وظيفه مدير التسويق ، ستختلق قصص كاذبه تفلح بها في الترويج لبضاعتهم ، غادرها وهو يؤكد عليها انه سيعود لها حتما !!! منحته لحظات من السعاده والصدق ، لا الصدق المزيف ، منحته لحظات عجزت ثريا في كل السنوات التي عاشوها معا ان تمنحه بعضها !!! ليتها بارعه في الكذب والزيف مثل سميحه !!!!

كانت الخيانه الاولي ، التي فتحت له طريق لم يصل بعد لنهايته ، كلما تتشاجر معه ثريا يهينها بخيانتها مع اخري ، كلما تصورت انها انتصرت عليه ، هزمها وانتصر عليها ومنح جسده وعواطفه لاخري ، وفي نهايه الليل يعود لها بكل اثار الخيانه لايكترث برد فعلها ، انت تهينيني ياامرأه وانا اهينك ، والبادي اظلم !!!!

ارتبط بسميحه فتره طويلة وعندما مل منها عثر علي اخري ورابعه وعاشره ، استجاب لمغازلات النساء وهوي في احضانهن ، كلهن يعرفوها ويكرهوها ، يغازلوه كيدا لها وهو يطارحهن الغرام اهانه لها ، وحين تدرك انه منح جسده لغيرها ، تصر علي ممارسه الحب معه ، تمزق جسده باظافرها وتحسسه بضعفه امامها وتتعالي عليه كانها تتمناه يتوسل اليه حتي في تلك اللحظه فقط ، لكنه لايمنحها ماتريده ويعطيها ظهره ويتركها تتلظي بغيظها ........... و .. لو حياتي مش عاجباك ياثريا نتطلق !!! يرتعش خائفا ان توافقه ، يلعب معها لعبه قمار كبيره ويلقي بكل كروته بحمق علي المنضده ، ثوان يخاف فيها يخسر كل شيء ، لكنها لاتوافقه وتتشبث به اكثر واكثر و........ تستمر بينهما اللعبه الكريهه !!!


اطفأ السيجاره واستعد للرحيل ، اقتربت منه العشيقه وطلبت منه البقاء ، ماينفعش ياسعيده !!!
لا ليست سعيده زميلته في الجامعه ، هي رفضت تخبرها اسمه وطلبت منه يختار لها اسم ، اختار لها اسم سعيده ، سال نفسه ذات مره لماذا سعيده ، للنساء اسماء كثيره ، اشمعني سعيده ، ربما يتمني في عقله الباطن ان تشاركه سعيده السقوط ، هو باع نفسه لثريا ويتمناها تكون باعت نفسه لمن دفع او سيدفع اكثر ، يتمناها مثله باعت نفسه لتخرج من الفقر ، حين يراها في خياله زوجه سعيده لرجل بسيط وام لاربعه اطفال يكرهها ، يتمناها تعيسه تبكي حزينه لانها باعت نفسها اما لزوج اشتراها او لرجال كثر اشتروا بعض وقتها !!!


صفع الباب خلفه ونزل السلم بتثاقل ، النظره الكسيره تلاحقه ، لوم امه يدوي في اذنه ، حتي ياابني البت الغلبانه ماسبتهاش في حالها ، ليه كده ياضنايا ، مش كفايه انت بعت نفسك ، عايزها هي كمان تبيع نفسها ، يهمس يكلم نفسه ، ايوه ياامه ، الفقر بيخلي الناس تبيع نفسها باي طريقه ، تبيع نفسها للي يدفع اكتر ، بلوم اكثر وحزن اعمق تساله امه تستنكر كلماته ، مين قال كده ياضنايا ، انا ياامه اللي قلت وبقول ، لا يعني ايه ، لا يعني ايه ، لا الفقر بيخلي الناس تبيع نفسها ولا هو يعني اشمعني انا !!!!!!!

يركب سياره ويسير صوب الفيلا الفاخره التي يعيش فيها مع ثريا غاضب من امه ومن سعيده التي لم تبع نفسها مثله !!! واثق هو انها لم تبع نفسها !!!! يشعر رغبه جارفه في البكاء !!!
نفسي اعيط ياامه .... ويصل الفيلا !!!!!


( 9 )

كان الظلام حالكا .... والبرد شديد ... الظلام حالك والسماء قاتمه ، النجوم بعيده متواريه خلف سحب الامطار الكثيفه التي تنتظر دورها لتتخفف من احمالها .... الفانوس فوق المقبرة والشمعه التي كانت فيه تكاد تتلاشي ، لم يبق من خيطها الا قصيره ولم يبقي من جسدها الا نحيله ، ذابت فوق الفانوس وشاهد المقبرة ... الهواء يصرخ في الفراغ يدوي ، تقاومه الشمعه النحيله ، تصمد في مواجهه نفخاته العاتيه ... كادت الشمعه التي تنصهر لمصيرها المتلاشي ، كادت تصرخ ، تقاوم الليل القابض بشعاعها الهش وتقاوم الهواء العاتي بصمودها المتعب ، كادت تصرخ ، ارهقتني الحياة !!!

يتقلب اكرم في فراشه ، كانه محموم ، مثله مثل الشمعه ، خلق ليقاوم ، اعاصير البرد والريح والوحده والوحشه ، يقاومها ولا يستسلم ، لايتحمل الاستسلام ، هو موته الحتمي والمقاومه وجوده ومبرره ، يتقلب في فراشه ، كانه يصرخ ، اصمدي!!!


يفتح باب الفانوس ، يخرج منه اكرم صغيرا ، مغطي بالشمع الذائب ، محروق باللسعات المتلاحقه للشمع المنصهر ، يخرج من باب الفانوس ، يراها تجلس فوق شاهدها ، هي امه مثلما يعرفها ، لكنها تبتسم بلا دموع ، دموعها جفت وقت عتقت من عذابات الحياه بالرحيل للبراح ، تجلس فوق شاهدها ، شعرها طويل ناعم ، فكت جدائها ، مبتسمه ، يصرخ يناديها ، ياامه ياامه !!! تفتح حضنها وتضمه ، تغني له بصوتها الخفيض ، ياضنايا ياحته من قلبي يافرحتي وفرحه كل عمري ، تنسال دموعه بلا صوت ، تضم ذراعيها عليه ، تحتضنه اقوي واقوي ، وحشتيني ياامه ، وانت ياضنايا وحشتني خالص ، خلي بالك علي نفسك ، اوعي لروحك ، صعبان علي ياقلب امك ، سايباك في الدنيا لوحدك ، لااب يضم ولا عم يشيل هم ولا خاله تاخدك في حضنها ولا عمة تمسح دمعتك ، صعبان علي ياقلب امي ، سايباك في الدنيا لوحدك ، معاك ربنا يسترك ويحميك ، مازال اكرم الصغير يبكي ، الشمعه في الفانوس مازالت تشع ضوء حان مثل حضن امه ، خليك مع ربنا ياضنايا يحفظك ويحميك ، مازالت دموعه تنهمر ، تمسح دموعه باصابعها ، بتعيط ليه ياقلب امك ، باعيط ياامه علي نفسي ، تبتسم امه ، بكره ياواد الدنيا تصالحك بس اطهر واستحمي وارمي ذنوبك ورا ضهرك ، بكره ياقلب امك الدنيا تديك علي قد صبري وتكرمك علي قد ماكسرت نفسك ، مازال يبكي ، امتي ياامه تعبت ، نظرته الكسيره تكسو وجهه ، تقبله راسه وتحضنه ، اللي زيك ياضنايا مالوش يتعب ، اللي زيك ياضنايا مالوش يكل ، مكتوب عليك الشقا واخرة المشوار الصعب ربنا حيكرمك ، مازال يبكي ومازالت تحضنه ، يتمني لو تبشره بالراحه لكنها تضن عليه بالبشاره ، تسمع امنيته التي لم يقلها فتصارحه ، يابني الراحه موت واسالني انا ، مش مكتوب لك راحه لكن اخره مشوارك الدنيا حتصالحك ، يرفع عينه مكسوه بالدموع ويسالها ، ولغايه ماتصالحني ياامه حاعمل ايه ، تبتسم ، حتعافر في الدنيا وتشد حيلك وتصلب طولك وتوعي لروحك ، لاتخلي ندل يخونك ولا كلب يعضك ولا حنش تأمن له يسمك ، واخره المتمه ، حتتطهر وتستحمي وترمي ذنوبك ورا ضهرك وربنا حيكرمك ..........

وانطفأت الشمعه فاختفت الام و..................
صرخ اكرم يناديها ياامه ياامه .... واستيقظ من نومه !!!!


( 10 )

حين تخرج اكرم من الجامعه ، اوفت امه بندرها لام هاشم ووزعت عيش ونابت وزغرطتت ورقصت في الشارع ، اخره مشوارها الطويل فرحه وشهاده كبيره ، تتمني ترتاح من كل الهم الذي قضم وسطها ، تتمناه يبتسم بعد كل الدموع التي شرب ملحها ، ترقص وتزغرد ، يلون وجهها فرحه لم تعتادها ، تعبها جه بفايده والشجره طرحت والحرت ماطلعش في البحر و....... انتظرته يعثر علي عمل يناسب تفوقه وشهادته الكبيرة ، لكن يوم مر والثاني والعاشر وهو جالس امامها في المنزل ، يفتش في الجرائد ويكاد اخر النهار يمزقها ويزداد اكتئاب ، قررت تعاونه بطريقتها مثلما اعتادت تفعل ، سالت جارهم عن وظيفه في المصلحه التي يعمل بها ، وعدها خير لكنه لم يملك ابدا يوفي بوعده ، وبعد شهرين من الانتظار المر طالبته يقبل اي وظيفه تعرض عليه والسلام ، لكنه لم يقبل ، سينتظر العمل الذي يناسب طموحه ويتناسب مع ارهاقه ، ياامه اللي بيبتدي صغير بيفضل صغير وان عشقت اعشق قمر !!!

وشهرين ثلاثه وهو مازال يجلس امامها ، الفرحه التي لونت وجهها انطفت وندمت لانها وزعت العيش والنابت علي الغرباء ، كانت هي اولي ، فابنها وقره عينيها يجلس بجوارها علي الكنبه مهموم عاطل لايجد عمل !!!!

استيقظت يوم تعبه مرهقه من الكوابيس وقله الهواء في الشقه القبليه التي يعيشوا فيها ، وجدته متأنق يستعد للخروج ، سيتقدم لوظيفه عثر علي اعلانها في الجريده ، سيذهب مبكرا عله يقتنصها ، دعت له لاتصدق انه سيفوز بها لكنها تمنت له التوفيق !!!

علي باب الشركه الكبيره التي وقف اكرم امامها احس ان حياته ستبدأ في تلك الشركه ، هذه البوابه الكبيره العاليه هي بوابته لتحقيق الاحلام ، ربما كان يهذي لكنه كان واثقا من مشاعره ...
دخل للمقابله الاولي مبتسما ، احس نظرات تتفحصه ، لم يبحث عنها ، جلس في المقابله يتحدث بطلاقه ، يشرح طموحاته ، امنياته ، حين سال عن ظروفه الاجتماعيه بسرعه وبصوت منخفض افصح عن موت ابيه وقفز متعمدا فوق الامر وعاد للحديث عن احلامه وامنياته والعيون التي تفصحه مازالت تفصحه !! خرج من المقابله مع وعد بالاتصال والرد عليه بسرعه !!!

كان واثقا من فوزه بالوظيفه ، حين خرج من باب الشركه التفت ينظر لمدخلها ، هذه شركتي التي ساقضي فيها حياتي و.... لم يطل انتظاره ، مبروك ، انت خدت الوظيفه ، الباشا مستنيك بكره ، زغرطت امه لكنها لم توزع عيش ونابت وندرت توزعهم حين يقبض اول راتب له!!


في اليوم التالي قابل الباشا صاحب الشركه الذي هنأه بالانضمام لفريق العمل ووعده بمستقبل باهر اذا ما بذل الجهد الذي تحتاجه الوظيفه ، ابتسم وكاد يغادره ، لكن ثريا دخلت من الباب مبتسمه ، يعرف هاتين العينان ، هما اللاتي فحصاه وقت المقابله الاولي ، قبلت ابيها وحيته بايماءه من رأسها ، ابتسم ابتسامه صغيره مرتبكه ، لا ليست مرتبكه لكنه قرر تبدو مرتبكه ، هي ابنه الباشا صاحب الشركات ، يري في عينها الاعجاب الذي كان يراه من زميلاته في الجامعه ، يعرف تلك النظره ، بادلها اعجابها باعجاب لايحسه بحقه ، لكن هذه الثريا هي التي سترفعه للسماء السابعه ، هي تستحق يعجب بها بصرف النظر عن لونها القاتم وعيناها الصغيرتان وفمها المتسع وبدنها المتكور وساقيها القصيرتين ، هي التأشيره التي لن يغادر قهر الفقر الا بعد الحصول عليها ، ودع الباشا ومد يده ليودع ثريا ، حين قبض علي كفها بين اصابعه ضغط عليه ضغطه صغيره ، لن يلحظها الباشا لكن ثريا ستفهمها !!!

التحق اكرم بالوظيفه وبذل كل الجهد الذي يقوي عليه ليشعر الباشا بوجوده في الشركه ، لاحظت امه عليه تغييرات لاتفهمها ، سالته عن حاله ، طمأنها علي حاله ووظيفته ، سالته عن قلبه ، افهمها ان قلبه موصد ، لم تطمئن لكلامه لكنه كان مطمئنا !!! تتمناه يحب ، لكنه يعرف انه لن يحب ، فالوحيده التي احبها ، قهرته دون تدري ، اكدت له ان الحياه منحته وجهها القاسي ولن تمنحه غيره !!!

سالته امه ، مالك يااكرم ، ابتسم مرتبكا ، سلامتك ياامه ، انا كويس !!! لاتصدقه فيفر من عينيها ويخرج من المنزل يفكر في وظيفته الجديده وفي ثريا !!!


( 11 )

باحبها ياامه ، بس هي زي القمر العالي !!!
مليحه وجميله وكل الشباب تتمناها !!!

ابتسمت امه ، خلص مذاكرتك واشتغل وحوش ونروح نخطبها !!

نظر لها نظره لوم ، هو القمر العالي حد يوصل له ياامه ، ولا هو القمر العالي يستنناني ياامه ، بحبها لكن عمري ما حلمت بيها ، تمنيتها لكن عمري ماحاوصل لها ، بقولك قمر عالي ياامه !!!

تساله امه ببراءه ، ليه ياابني ابوها مين، يضحك المشكله ياامه ان ابوها ولا حد ، وانا ولا حد ، ولو اتقفل علينا باب حيكون تالتنا الفقر ياامه ، ترضيها لي ، تجادله امه ، يابني الفقر مش عيب ، يضحك ساخرا من كلمتها الجوفاء ، هل سيذكرها بمعاناته بعمله عند المنجد ببكاءه في المدرسه بطوابع معونه الشتاء هل يذكرها بدموعها وقهرتها بعد موت ابيه ، هل يذكرها بالذل الذي احسه في منزل اختها والنظرات التي كان زوج خالته يجلده بها ، هل يذكرها بالملابس القديمه بالحديده التي باعتها ، يشفق عليها من اوجاعه واحزانه ، لن يذكرها بشيء !!!


بقولك اايه ياامه ، انا بحبها لكن عمري مافكرت اتجوزها ولا اشيل حملها ولا عايز اتجوز اساسا !!! يكذب علي نفسه وعلي امه ،يتمني يتزوجها لو كانت ابنه رجل اخر ، ينتشله من فقره وقسوه الايام ، لكنها ابنه ابيها والفقر الذي يعرف مراره ايامه ، هي جميله بل اجمل الجميلات لكنها اكثر منه فقرا ، لن يعتقل نفسه في دوامه الفقر الي الابد ، يحب سعيده لكنه لن يقترب منها ولن يتزوجها ولن يشاركها رحله الفقر الابدي المكتوبه علي جبينهما ، يحبها لكنه سيفر منها والي الابد !!! دندنت امه ، كلنا بنحب القمر ، لكن القمر بيحب مين !!!

اكتسي وجهه بحزن وغشت عيناه النظره الكسيرة التي يكرهها لكنه لايقوي يتخلص منها !!!! دفن رأسه في كتبه مهموما يفكر في اليوم التالي ، حين يذهب للكليه ويري سعيدة ، هل سيرتبك مثلما يرتبك كلما مره تقع عينه عليها ، يتمني تعرف انه يحبها ولا يطمح فيها ، يتمناها تعرفه ، لكنه بعيد عنها مثلما تبعد الارض القفراء عن القمر المشع ، لايقوي علي منحها اي شيء الا قلبه ، ومن قال ان البنات الجميلات يكتفين بالقلوب ونبضاتها وهي لن تمنحه الا حبها ومشاعرها ومن قال ان ماتملكه يكفيه ، هو يحلم باكثر من هذا ، يحلم بسكين يمزق انشوطه الفقر من فوق رقبته ، يحلم يتنفس هواء بارد مشبع بروائح الزهور ، وسعيده لن تمنحه الا حضنها وفقرها وهواء مكتوم في شقه صغيره لاتري الشمس وهو استكفي من الفقر وقسوته ، سيفر منها الي الابد !!!

يجلس امام كتابه ، يقرأ السطور لا يفهمها ، تتلاعب امام عينه الكلمات والاحرف ، يري ابتسامتها نار تحرق الصفحات ، يري عيناها الجميلتين يقفزا من بين السطور والاحرف ، يجلس فوق المكتب يحدق في الكتاب لكنه لايري الا وجه سعيدة ، من حقك تكوني سعيده ياقمر الليالي ، من منحك الاسم انصفه ، انت السعاده التي تستحق يتمناها الاخرون ، سعيدة ، تلك الفتاه منمنمه الملامح رقيقه المشاعر ورديه الخدين ناعسه العينين ، قمر عالي في السماء ، جميله لكنك فقيره وانا مثلك فقير ، انت قمرعالي ، وانا حجر في الارض ، تدوس عليه الايام وتفتفته ، كل مابيننا يجمعنا ، وكل مايجمعنا يفرقنا ، لن امنحك قلبي تجذبيني للقاع ولن اقوي احملك للقمه ، ابحثي عن رجل يمنحك امانه ودفتر شيكاته ، وسابحث عن انثي تمنحي جسدها ومالها ، سابعد عنك ، فكل مابيننا يبعدنا و.... اه ياسعيده !!


يغلق الكتاب وعيناها معه ويغمض عينيه وينام فيحلم بها تصافحه ، يرتج جسده فوق الفراش ، كهرباء تسري من اصابعها لقلبه ، يتمني فقط يصافحها يبتسم في وجهها فتبادله الابتسام !!! سعيده ، ياقمر الليالي ، ياقمر العلالي !!!
زميلته في الكليه ، لكنه ابدا لم يقترب منها ، حين سطع محياها في المدرج ارتبك ، اعجب بها لحد اشفق علي مشاعره معها ، لو ترك لها عنانه لقتلته ، لو استسلم لحبها لغرق في بحار فقره حتي يموت ، لن يحبها وسيعيش بعيدا عنها ، هكذا قرر لنفسه ، اعجب بها وقرر يبعد عنها وعندما صمم علي الابتعاد احتلته وسكنت روحه ، يري عينيها ابتسامتها فيرتبك ويبعد ويحبها ويفر منها !!!

اه ياامه بحبها قوي ، بحبها وبس ، لابحلم بيها ولا عايزها ولا اقدر عليها !!!
تجادله امه ، ماتستقلش بنفسك ، يسخر منها ، قلب الام اعمي ياامه مابيشوفش ، انا وهي ما ننفعش بعض !!!! في ايدي ايه ااقدمه ليها ، لاحاطول السما ولا حاعرف اجيب لها منها حته !!! انا علي قد حالي ياامه وانت ست العارفين !!! يكسي وجه امه الحزن اللعين فتكسو عينيه النظره الكسيره ويدركا بلا شرح معني قسوه الايام وعذاباتهما المستمرة !!!!

ياسعيده !!! ياقمر الليالي العالي كان نفسي اكون حد تاني علشان ااقدر اقرب منك ، لكني انا ياسعيده ، انا اللي مش ممكن يقرب منك ولايستجري !!!! وتخرج من الجامعه وابعدت بينهما الدنيا ، لم تعرفه فلم تفتقده ، ولم ينساها فلم يسترح !!!!

و............... يحدق في الفانوس يؤرجحه في يديه !!!
ويتمني يخرج منه جني طيب ، يعيد لامه الحياه فيمنحها بثراءه مالم تقوي علي الحلم به !!! جني طيب ، يعيد سعيده لحياته فيدخل في حضنها ويبكي !!! لكن الجني رحل عن الفانوس وتركه خاويا تصفر في جوانبه الريح مثلما يدوي صدي صمته في نفسه وروحه !! و.......... متي ساابكي ياامي ؟؟؟؟!!!

( 12)


قابل ثريا مره او اثنين امام المصعد ، لاحظ نظراتها الخجله التي تجحده بها من تحت لتحت ، تعمد يغرقها بنظرات ذات مغزي ، سال عليها وعرف انها وحيده ابيها والوريثه الوحيده لشركاته ، عرف انها مازالت انسه رفضت كل الخطاب الطامعين في مال ابيها ، قرر يغزوها شخصيا ، لا يهمني مال ابيك ولا ثروته كل مايهمني انت ، هذه خطته البسيطه التي سينفذها وينجح فيها ويفوز بقلب ثريا وشركات ابيها !!!

هل يري عيني سعيده تراقبه ، هل يري عيني امه ، هل يري نظرته الكسيره تطارده ، يفر من كل العيون ومن حياته وذكرياتها والقسوه ، ساصنع حياه اخري بلا نظره كسيره بلا سعيده بلا قسوه !!! هي ثريا التي ستنقذه من ماضيه ومن قسوه حياته !! و...ساغزوها وانجح !!!

امه مازالت تراقبه ، تستشعر قلقا عليه ، يحاول يطمئنها لكنها لاتطمئن !!! انت ناوي علي ايه ياابني !!! لايرد عليها ، لن تعجبها ردوده ، تضيق عليه الخناق ، تلح ، تحاصره ، ناوي علي كل خير ياامه ، نبراته الكاذبه لاتطمئنها !!!!
هل نجح في خطته ، نجح وبسرعه ، لن احلم بالزواج منك انت نجم عالي في السما ، يعرف وقع الكلمات عليها ، انا فين وانت فين ، يقول كلماته ويهرب بعينيه بعيدا عن عينيها ، يتعمد يعذبها بعزوفه ، لكنها تصدقه ، ماكانت تحلم بمثل ذلك الرجل ليحبها ، وسيم انيق طول بعرض وهي ، نعم هي تعرف نفسها ، جميله الروح لكن جمال الوجه حرمها الله منه ، جميله الروح تحتاج رجل مرهف مثله ليصل لشغاف روحها ويفهمها ويحبها ....

صدقته ثريا لانها قررت تصدقه ، يناسبها وسامته وفقره ، تحتاج للفجوه الواسعه بينهما ، فلولا تلك الفجوه واحلامه التي ينكرها والثراء الذي يحلم به عن طريقها ، لولا هذا مانظر في وجهها ولا منحها ادفء كلماته ، كليهما يحتاج الثاني ليعيش سعيدا ، هي ليست غبيه ، لكنها تحتاج حضن رجل تنام فيه حتي لو كان ذلك الفقير اليتيم الذي يحلم بصعود السلم دفعه واحده ، يكره تبديد بقيه ايام عمره في الصعود درجه درجه وبعدما تنفذ ايام العمر يكتشف انها مازال في الدور الاول ولن يصعد ابدا لقمه البرج ، هي تحتاجه لتنام في حضنه وهو يحتاجها لتمنحه الرفاهيه التي ضنت عليه بها الدنيا ..... صفقه متكافئه وقبلتها بسرعه .....


تشاجرت مع ابيها ليوافق علي زواجهما ، وتشاجر مع امه لتقبل تخطبها له ، يابني دي مش توبك ، عارف ياامه وعلشان كده عايز اتجوزها ، عايز اغير توبي ياامه ، ياابني كده حتبيع نفسك ليها ولفلوسها ، ياامه عندي ايه تاني ابيعه ، ياابني لاحتسعدك ولا حتسعدها ، ياامه فلوسها حتسعدني ، وهي ياابني ، كده انت حتظلمها معاك لابتحبها ولا حتحبها ، مين قال ياامه ، حاحبها واحب فلوس ابوها وعزها ، ياابني انا مش موافقه ، ياامه ماتقفيش في طريقي ، ياابني طريقك اخرته وحشه ، يضحك ساخرا مجنونا ، ياامه انا كده كده اخرتي وحشه ، معنديش حاجه تخلي اخرتي حلوه ، فلوس ابوها حتحلي حياتي ، ياابني انت بتكتب علي روحك التعاسه ، تكسو النظره الكسيره عيناه ويعاتبها ، ياامه انا معرفتش في الدنيا دي غير التعاسه ، بس خدتها متغمسه في الفقر ، سيبني اجرب طعم التعاسه متغمسه بالبقلاوه والعز واكل الوز !!!

كان حاسما ، رضخت الام لاصراره حزينه ، بكره افكرك لما تتعس ، سخر منها ، اتمني لي الخير ياامه اتمني لي الخير!!!
اشتري لها عباءه جديده واسورتين ذهب وحذاء لامع واشتري بدله جديده واخذ امه وعلبه شوكولاته غاليه الثمن وذهب منزل ثريا ليخطبها!!! ارتبكت امه وقت دخلت منزل العروسه ، تمنت لو تتواري خلف ظهره ، عبائتها الجديده والاسورتين الذهبيتين لم يمنحاها ذره ثقه امام تلك العروسه وابيها وقصرهما المنيف ، ارتبكت وخافت لكن اكرم لم يخاف ، دخل وسط الضيوف واثقا من نفسه ، يكاد يقول لهم اشكروني اني اضحي بنفس مع تلك الدميمه ، ابنتكم البائرة التي لم تفلح في شراء زوج رغم ثرائها ، و..... تزوج اكرم وثريا وبكت امه بقوه حزينه علي ابنها الذي باع نفسه !!! ....

وفي ليله زفافهما الاولي ، لم يقو علي الكذب ولم تفلح في خداع نفسها وعزفت اجسادهما عن بعضها وعرفا العذاب الذي اختاراه رباطا مقدسا بينهما ، لم يغضب من نفور جسدها منه ولم تحبط من عجزه معها ، قررا يتعايشا ، كانت تسخر منه لانه افشل من ان يمنحها ارتواءا كاذبا ، كان يستقبل سخريتها ببساطه ، انت لاتشجعين حتي علي الكذب ، لكننا سنعيش معا !!!!


وبسرعه الصاروخ ، صعد اكرم لقمه البرج ونجح في عمله وقدم لابيها كل ذكائه وبراعته وتعلم منه اسرار العمل ودهاليزه و..... حين مات الاب ، الت التركه لثريا والسطوه والقوه لاكرم وقبله ماتت الام غاضبه علي مصير ابنها الذي اختاره لنفسه ، قبلما تموت همست له في انفاسها الاخيره ، وانت عيل كان مكتوب عليك الشقا لكن انت دلوقتي اللي اخترت الشقا لنفسك و... ماتت وتركته ................. هكذا صارا مثلما صارا !!!


عاش مع ثريا ، تدوي كلمات امه في اذنه ، يمارس معها جنسا باردا وتمنحه جسدا متيبسا وحين ينتهي عذابهما الليلي ، يعطيا ظهرهما لبعض ويصمتا ، تتذكر هي ابيها وتترحم عليه لانه كان يفهم كل مايحدث ، ويتذكر هو امه التي ماتت مشفقه عليه من اختياره القاسي وحين تشرق شمس اليوم الجديد ، يبتسما ويكملا تمثليتهما الهزليه ويدفن نفسه في العمل وتهرب منه لحياتها وصديقاتها تكذب عليهن انه يحبها موت ويعشقها ، تعرف انهن لا يصدقوها لكنها لا تكترث ، تقول لهم بعينيها الصامتتين ، انها اشترت رجلا تتمني كل منهن نظره منه لكنها لاتحصل عليها !!!

فقط رحمها وماءه رفضها تمثليتهما وكذبهما ، لم يخصب رحمها ولم تمنحه ابن يحمل اسمه ، عاف رحمها ماءه وكره ماءه رحمها ولم تثمر تلك العلاقه اطفال ، اثمرت نجاحا ومال وشهره واسهم وممتلكات ، لكنها لم تثمر اطفال وبقت صحاريهما جدباء ، هو لم يغضب ، لايريد ابنا من تلك الدميمه وهي لم تغضب لاتريد ابنة من هذا الوضيع و................ في الليل يقهرا جسديهما علي الالتقاء وبعدما يتبعثرا ويلتقيا ويتنافرا ويبعدا ويقتربا ، لايروي عطشها ولا تؤكد رجولته ، وتفكر في ابيها ويتذكر امه !!!

وحين ينام تصكصك اسنانه ويعود يتيما فقيرا مقهورا ينادي امه ويبكي ويوقظها من نومها فتتشاجر معه ليصمت ، وحين تنام تتشاجر معه وتسبه باقذع الالفاظ وترمي ملابسه خارج قصرها وتمزق وجهه باظافرها وتبكي بصوت عالي يوقظه فينهرها لتخرس ، لكنه لايكف عن الكلام ليلا وهي لا تكف عن البكاء وتمضي كل لياليهما كئيبه حتي تشرق الشمس فيرتديا اقنعه السعاده المزيفه ويعيشا حياتهما !!!


واصبح رجل اعمال مشهور ناجح يشار له بالبنان لكنه مازال محروم يتيم مقهور يبحث عن العتق ، واصبحت هي ابنه رجل الاعمال المشهور وزوجه رجل الاعمال الذي حافظ علي مسيره النجاح والشهرة ومراكمه الاموال ، لكن رحمها جدب وحضنها بارد ومازالت تبكي بالليل !!!


حين يستيقظ وسط نومه علي صوت نحيبها يحسدها ، هي تبكي ليل نهار ، دموعها تنهال بسهوله ، عكسه يبكي بلا دموع وبلا صوت ، يتذكر امه وقتها فيسالها .... متي سابكي ياامي .......... متي ساابكي !!! ستبكي في حضن امرأه تحبك وتطمئن لها !!! ومتي ستاتي ياامي .... ستأتي وقتما يكون قلبك طاهر مثلما كنت في رحمي !!! لكني طاهر ياامي وقلبي طاهر ..... ليس مثلما كنت في رحمي !!! اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وانتظرها !!!!

يتقلب في فراش، يلمح ثريا بطرف عينه علي طرف فراشها تكاد تسقط علي الارض ، يشفق عليها من مشاعره الموحشه ، ممتن لها لكنه لايحبها ، يتمني لو كانت سعيده ، تلك الفتاه الجميله التي احبها في الجامعه ولم يجروء علي التصريح لها او البوح ، سعيده ، كانت فتاه جميله بل اجمل فتيات كليته ، لكنها اكثر منه فقرا ، لو اقترب منها سيبقي معها في الوحل طيله الحياه ، هي جميله لكنها شديده الفقر وثريا ثريه لكنها دميمه ، سبحانك يارب ياموزع الارزاق ، لايمنح الانسان الا بعض نعمه ويحرمه من بقيتها !!!!


يسال نفسه ، هل ثريا نعمه ، ثريا باموالها وثرائها وشركاتها نعمه !!! هي لاتسعده ولن تسعده ابدا !!! هل سعيده نعمه ، بجمالها بحنانها برقتها بنظره عينيها الكسيره الشقيه ، هل لو باح لها بحبه وتزوجها ، كانت ستسعده !! ربما ، لا يظن ، هي جميله لكن فقرها مضاف لفقره كان سيقتلهما معا ، يعود لثريا ينظر لها بطرف عينه ، يشعر تجاهها عواطف جياشه ، لقد انقذته من مصيره الحتمي، يتمني يقبلها وياخدها في حضنه ، واثق انها لو منحته مشاعرها في تلك اللحظه ، سينجبا طفل جميل ، ابن لحظه الامتنان ولاحب ، لكن ثريا نائمه تعطيه ظهرها وتبكي في الحلم ورحمها لايحبه وامومتها لن تتحقق من صلبه ، مهما طال الزمن بينهما هما غرباء كانا وسيظلا !!! وفينك ياامه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ يري النظره الكسيره تلاحقه في الظلام ، فينك ياامه ، نفسي اعيط في حضنك !!!!

يتبع بالجزء الثالث ..

النظرة الكسيرة وبائع الفوانيس ( الجزء الثالث والاخير)




(13 )

جلس اكرم علي مكتبه الفاخر يحدق في الفانوس الذي اشتراه ، يحدق في الزجاج الملون الخشن ، يحدق في الباب الصاج بمفصلاته المعووجه ، يتمني اكرم لو حياته عادت ، لو ابيه لم يمت ، لو امه كفت عن البكاء ، لو الفقر اعتقه من اسره ، يتمني لو لعب في الصيف مثل كل الاطفال ، يتمني لو احبته خالته وزوجها ولم يعايروه بحاله البائس ، يتمني لو عاش مراهقته مثل كل الشباب ، لو احب ابنه الجيران وقذف لها خطابا يبثها غرامه ، يتمني لو جرب الحشيش مثل زملائه في الجامعه ، لو اختطف فتاه خلف الشجره الكبيره ومزق شفتيها باسنانه حتي لو امسكه امن الكليه ، يتمني لو اشترت له امه حذاءا جديدا في العيد ومنحته فرصه التباهي علي اطفال الشارع الذي ذكروه دائما بحذائه القديم ونعله المخروم !!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، ومازالت النظره الكسيره تلاحقه ، لايذكر المره الاولي التي شاهدها في عينيه ، النظره الكسيره تظهر اوجاع روحه وهم نفسه ، هو يكرهها لكنها لا تبارحه ، يري عينيه تتوجع بانكساره ، امام الفقر وزملاءه في المدرسه وصديقه ابن المنجد وامام ثريا ، نعم حين ينظر لثريا يشعر اسي يجتاحه ، لم يحبها ابدا وكان يتمني تساعده ليحبها ، لكنها تعالت عليه ، ذكرته دائما بفضل ابيها عليه ، تتعمد ايلامه ، كل حركاتها وايماءاتها تذكره بحاله ، انت بعت نفسك وانا اشتريتك !!!

يتمني اكرم لو الحياه كانت غير الحياه ، لو قابل سعيده وهو ابن رجل ثري ، لم يحرق الفقر قلبه ويكسر نفسه ، وقتها كان سيمد لها يده ، سينتشلها من فقره لعزه وثراءه ، لكنك ياسعيده اتيت وقت لااملك الا افر منك ، حبك لن يقويني وحبي لن يفرحك ، اذا دخل الفقر من الباب خرج الحب من الشباك ، وانا لااملك الا ذكريات موجعه وتاريخ اسود وماضي مهبب واب مات وتركني اتعذب بميراثه اللعين ، الفقر الذي قتلني به قبل ما يمنحني الحياة !!!

يتذكر سميحه وبكاءها وقت اعلنها بهجره ، زهقت منك ومن حواديتك ومن عياطك ، من حقه يتعالي عليه ويهجرها ويزهق ، ملها وقصصها وجسدها المستباح لغيره ، لم يصدقها وقت اقسمت له انها تحبه ، وانها تتمني تتوب علي يديه وتترك حياه العهرالتي كرهتها ، لم يصدقها ، نهرها وقت بكت ، بقولك ايه عياط مايلزمنيش كفاياني عياط ، لم تفهم قوله ولم يشرح لها ، لاتعرف قصته الحقيقيه ولاكفره بالدموع التي لاحقته طيله حياته شلالات مالحه من القهر ، حين بكت اعطاها ظهره ورحل الي الابد ، اللي بيتعلم يبيع نفسه عمره ما بيبطل يبيعها ، هكذا قال لها بكل قسوه ورحل عنها للابد ، محي نمرتها من تليفونه وفقد الذاكره وحين قابلها بعدها بفتره طويله مصادفه ، حدق في وجهها يحاول يتذكرها وهي تبتسم له تذكره بنفسها وبسرعه اعطاها ظهره مقررا انه لايعرفها ابدا !! مازال يتذكر النظره المحبه التي منحتها له سميحه ، يسخر من تلك النظره ومنها ، تلك النظره احد بقايا براعتها في اصطياد الرجال واصطياده !!!

يومها زارته امه في الحلم حزينه وسالته ، ياابن قلبي القسوه دي كلها جبتها منين ، نظر لها نظرته الكسيره وابتسم بمراره ولم يرد عليها واستيقظ من النوم ناقما علي امه التي تتجاهل كل ماعاشه وتطالبه بان يكون رقيقا وحنونا ومحترما!!!!

مازال اكرم يحدق في الفانوس ، غائب مع نفسه عن كل ماحوله ، وقفت امامه السكرتيره تكلمه لايسمعها ، نبره صوتها تضايقه لكنه لايميز معني كلماتها ، الاجتماع جاهز ومستنيك ، ينتبه لحديثها ، يشير لها بيديه يصرفها ، لن يدخل الاجتماع ، تركته لاتصدق ماتراه ، العيد بعد اسبوع ، سينزل كعادته يشتري ملابس جديده لايحتاجها ، لكنه لن يقضي العيد مثل طفولته شريدا بملابسه القديمه ، سينزل لافخم المحلات يشتري مالايحتاجه ، يتمني لو اشتري ماضيه وغير احداثه ، لو تخلص من كل اوجاعه ، يضحك ساخرا من حمقه ، منذ باع نفسه للثراء ليتخلص من ماضيه عاش في ماضيه اكثر ، كل مايفعله رد فعل للماضي الموجع ليهرب منه فيغرق فيه !!!

مازال يحدق في الفانوس ، فيه يري عينيها ، سعيده ، تري اين حطت بها الدنيا وكيف صارت ، هل باعت نفسها مثلي لمن منحها الامان ودفتر الشيكات ام بقت تتوجع بفقرها ، ضحك ساخرا من افكاره ، ربما هي سعيده ، اسم علي مسمي ، ربما بقت فقيره لكن سعيده ، ربما لم تبع نفسها ، لا ، هز راسه بقوه ، اشاح بذارعه فوق الفانوس علي الارض وتناثر زجاجه شظايا امام عينه ، سعيده باعت نفسها مثلي ، لست الضعيف الوحيد ، سعيده باعت نفسها واشترت اثواب انيقه وتعاسه ولم تبق في فقرها قانعه راضيه سعيده !!!

حاصرته النظره الكسيره ، تلومه لانه كسر الفانوس ، ينظر للشظايا المتناثره يحسها روحه ، هو مثل ذلك الفانوس تبعثر مائه شظيه ، يتمني لو يفقد الذاكره كلها ، ينسي طفولته وشقاءه ، ينسي زوجته وعجرفتها ، ينسي امه ولومها ، ينسي سميحه وكل النسوه الساقطات اللاتي هزم زوجته علي اجسادهن الرخيصه ، ينسي سعيده التي تمناها وفر منها ، يتمني يفقد الذاكره وكل شظاياها المشحوذه !!

دخلت ثريا الحجره ثائره ، سالته بعجرفه عن سبب رفضه حضور الاجتماع الهام ، اجتماع وضبنا له من زمان ، صفقه كبيره مهمه مستنين من زمان نخلصها ، قاعد زي العبيط تبحلق في الفانوس العرة اللي انت جبته ، يحدق فيها ويكاد يضحك من شده انفعالها ، لن يرد عليها ، تكاد تنفجر ، قوم يااكرم بلاش هبل ، دي صفقه عمرنا ماكنا نحلم نخلصها ، قوم احضر الاجتماع وخلصها ، يتحرك بتثاقل من مقعده الوثير ، تتصوره سيخرج معها ، ينزل علي ركبته علي الارض ، يلملم شظايا الزجاج المكسور ، يمسك الفانوس وتلمع الدموع في عيونه ، الفانوس الذي اشتراه وكانه سيمحو به قهر الماضي يتكسر امام عينه ، ثريا لاتكف عن الصراخ ، قوم يااكرم بلاش هبل ، انزل الاجتماع ، يعود لمقعده ، توخزه شظيه من الزجاج ، يتألم ، سيب الزباله اللي بتبحلق فيها وقوم روح الاجتماع ، يضحك ، سعيد بغضبها ، اخيرا ثريا هانم خرجت عن وقارها وانفعلت ، نظرت له طويلا وفجأ اشاحت له بيدها ، انت مابقيتش نافع في اي حاجه خالص !!! وخرجت من الغرفه اكثر غضبا مما دخلت ، صفعت الباب خلفها فانفجر في الضحك !!!!


( 14 )

وقف امام بائع الفوانيس ، اشتري عشره فوانيس ، ملونه كبيره ، اشتري عشره علب شمع ، اغلق محموله بعدما جنت ثريا وطلبته مائه مره ، انهالت عليه بالرسائل الغاضبه ، تدوي في اذنه كلمتها ، انت مش نافع في اي حاجه ، يغلق المحمول كانه يصفق الباب في وجهها ، عشرين عام بل خمسه وعشرين عام مرت وهي زوجته ، لم تمنحه طفلا ، عايرته بماضيه منذ اسبوع زواجهما الاول ، تحمل منها كثيرا ، لم يتحملها لكنه تحمل الثمن الباهظ لاحلامه لقراراه بالفرار من الفقر لرغبته في الثراء !!!

عايرته بفقره فاقتص منها وخانها ، لم تشتري روحي ولن تشتريها ، خانها مع كل الساقطات ، هي التي اوحت له بطريقه هزيمتها ، شكت فيه وفي النسوه اللاتي يغازلوه ، فتحت له باب العتق من سطوتها ، تحملي اسمي واهنأ بثروتك لكني حر لحد منحي جسدي الذي يكرهك للساقطات يسعدهن ...

حمل البائع الفوانيس وسار خلفه لايصدق ما يحدث ، الباشا الكبارة يزوره كل يوم ليشتري فانوس ، يمنحه مالا كثيرا ويجزل له العطاء ، سار خلفه يحمل الفوانيس ، فتح له اكرم باب السياره ليضعها علي الكنبه الخلفيه ، ساله البائع بتوجس ، هنا ياباشا ، ابتسم اكرم واوميء له برأسه ، وضع البائع الفوانيس في السياره واغلق الباب برفق مبتسما وودع اكرم ، ربنا يخلي لك الاولاد ياباشا !!!

الاولاد !!! احس اكرم بغصه في نفسه ، ليس عندي اولاد يحملوا اسمي ويستمتعوا بثروتي ويهنئوا بثرائي ، كل ما اعيشه يخصني وحدي ، لن يستمتع به غيري ، احس الحنق علي ثريا ، تلك الدميمه التي لم تفلح في منحي اطفال من رحمها الاجدب ، كان يتمني اطفالا يشتري لهم كل الملابس الجديده وكل الفوانيس ، يتمناهم يغدق عليهم بكل ماحرم منه ، كان يتمني اولاد يمنحهم اسمه وثروته وبنات يدللها ويشتري لها عرائس واثواب انيقه من كل رحلاته حول العالم ، كره ثريا ، تتعالي عليه لحد لم تمنحه اطفال من صلبه ، لو احبته لمنحته اطفالا اشاعوا البهجه في حياتهما وربطوا بينهم ، لكن ما بينهم واه ، ينتهي في ثانيه ، لم تحبه فلم يحبها ، عايرته بفقره فهزمها بخيانتها ، وبقيا معا كمثل الشجر الاشعث في الصحراء ، لايمنح العابرين ظلالا ولا ونس ، لاجذور لهما ولا فروع !!!


( 15 )

سارت بسيارته لمنزله القديم ، هنا ياثريا هانم ولدت وعشت وتمرمغت في الفقر ، هنا في ذلك الحي قهرت واهدرت كرامتي ، هنا في هذا الشارع بكيت وكرهت حياتي ، اين كنت انت ياابنه الرجل الثري ، كنت ترغدين بالنعيم وانا اتعذب ، كانت امي تبكي وقت كان ابيك يعد نقوده ويكدسها في الخزانه السريه تحت اللوحه الاصليه التي اشتراها لايفهم في قيمتها!!!

وقف امام البوابه القديمه للمنزل ، في هذا الحوش كانت امه تجلس تحكي له القصص والحواديت ، من تلك البوابه فكر يفر للابد ولا يعود لها بعدما قهرته واجبرته علي العمل عند المنجد ، هنا في هذا المنزل وشقته القبليه الكريهه بكي وبكي وغطي رأسه علي السرير فرارا من ابيه الذي مات ومن زوج خالته الكريه ومن المدرسه غليظه القلب ومن امه ونواحها..

تعجب اكرم ، لماذا عاد لحي القديم ، لم يدخله منذ ماتت امه منذ اكثر من عشرين عاما ، لماذا عاد بسيارته الفارهه التي ركنها علي الشارع الكبير وترجل سائرا للمنزل ، مازال كل شيء علي قبحه ، البيوت متراصه تتساند علي بعضها ، الماء العطن يرقد علي حواف الحاره الضيقه ، النوافذ مكسوره والحزن يلون وجوه الجيران ، لماذا عاد بعد كل تلك الغيبه ، لا يعرف احد في الحاره وقاطنيها يفحصوه بنظرات مستريبه ، يشكوا فيه ويخافوا منه ، يسالوه بعيونهم من انت ولماذا انت هنا ، انا الذي كنت منكم وفرر من قدركم وصنعت قدري بنفسي ، يقف امامه طفل صغير ، بنطاله قصير وقميصه مكرمش ويمسك بسلك معدني طويل في اخره عجله ، يقف امامه مبتسما ، يحدق في الصغير ، هل يشبهه ، لا يشبهه ، عيونه مبتسمه سعيده ، يلعب بالسلك راضيا قانعا ، يساله الطفل بشجاعه لايملكها الكبار ، عايز مين حضرتك ، تناديه امه وجله لايرد عليها ، تعالي ياواد هنا ، يبتسم للصغير فيمنحه الصغير ابتسامه جميله ، يتذكر بائع الفوانيس ودعوته ، ربنا يخلي لك ولادك ، اسمعي ياثريا مايقوله الرجل ، ايتها الدميمه الثريه ، ارضك جدباء لاتنبت اشجارا !!!

وقف امام منزله القديم طويلا يتابعه الصغير بنظراته ، تركه وعاد لسيارته ، ثم عاد له بفانوس كبير وعلبه شمع ، اتسعت ابتسامه الصغير وارتبك ، نظر لامه يسالها كيف يتصرف ، الرجل غريب ، الح عليه لياخذ الفانوس ، ابتسمت الام ودعت له بالستر ، احسها امه وتمني يدخل في حضنها لتدعو له مثلما كانت تفعل امه ، اقترب طفل ثان وثالث ، احضر كل الفوانيس ووزعها عليهم ، تلاحقه نظرات النسوه الجالسات امام بوابات البيوت بنظرات التفحص والريبه ، احداهن خافت علي ابنها ورفضت الفانوس صممت تعيده لاكرم ، بكي الصغير فانزعج اكرم ، ليه حضرتك تزعليه ، لطمته امه علي وجهه ليكف عن البكاء فازداد فيه ، هو عنده كل حاجه ، بعند وتصميم اعادت له الفانوس ، يعرف تلك الملامح والنظرات ، انها العزة التي يشعر بها بعض الفقراء ، هي تشبه امه وقت كانت قويه ، يرجوها تقبل الهديه ، بكاء الطفل يمزق قلبه ، من فضلك حضرتك ، تسحب الام الصغير وتدخل منزلها ، صوت بكاءه مازال يوجعه ، صراخ فرحه كل الاطفال بالفوانيس لا يفرحه ، فقط بكاء الصغير يقهره ، يطرق باب السيده يحمل الفانوس في يديه ، يفتح له الصغير بدموع تنساب علي وجهه ، يناوله الفانوس ويلح علي الام لتقبله ، من فضلك ماتكسفنيش ، بفزع تساله ، انت مين ، يشاور لها علي منزلهم القديم ، جاركم وكنت عايش هنا ، لاتصدقه ، بس مشيت من زمان ، نظرت له نظره فاحصه ، وربنا فتح عليك .. ايه بقي اللي فكرك بينا ، لايجد اجابه مقنعه لسؤالها ، يمد يده بالفانوس ، من فضلك اديه للولد علشان مايتقهرش ، كادت تقول له ان ابنها مقهور ولن يعالج الفانوس قهره ، اخدت الفانوس ودعت ليشرب شاي ، اتفضل ماتخافش ، ابوه جوه نايم عيان ، ماله يشعر دفئا لم يشعر به منذ سنوات بعيده ، نادي يوسف واعطاه الفانوس ومسح دموعه ، يشحذ منه ابتسامه يعطيها له بسخاء وسط طوفان الدموع ، يشرب الشاي ويسلم علي الاب المريض في فراشه ويخرج مسرعا !!

ابتسامه يوسف لم تغب عن ذهنه طيله النهار ، كان يتمني رجلا عطوفا مثله يمنحه تلك الابتسامه وقت كان صغيرا ، سخر اكرم من نفسه ، هل صار عطوفا !!!!
ذهب لمقبره امه وقص عليها كل ماحدث ، كاد يبكي ، سالها ، هي هانت ياامه ، لم ترد عليه وغابت مثل شمس ذلك اليوم خلف الغمام !!
فتح تليفونه المحمول ، عشرات الرسائل الغاضبه من ثريا ورساله من عشيقته تذكره بميعادها !!!
لن يذهب للميعاد ، هكذا قرر ، يتمني طفلا من صلبه يمنحه الابتسامه التي منحها له يوسف !!! ثريا لن تمنحه الطفل ولا عشيقته ايضا !!!


( 16 )

فتحت ثريا باب المكتب وصرخت فيه ، انت فعلا اتجننت رسمي ، بتختفي فين ، مين الش .......... سرقت عقلك ، سايب شغلك ومصالحنا وبيتك ومختفي ، قافل تليفونك وهربان من ايه ومن مين ؟؟؟ رد علي يااكرم !!!
يبتسم ولا يرد عليها ، يحدق في الفانوس ويشتاق ليوسف ولسعيده ، يسال امه ، امشي ياامه ، تهمس له ، امشي ياحبيبي والارزاق علي الله ، يحدق في الفانوس بابتسامه اوسع ، مازالت ثريا تصرخ لكنه لايسمع صوتها ، فقط يراها تنتفض وعروق رقبتها تتمدد ، يسمع صوت اسنانها ترتطم ببعضها من الغل ، كده ماينفعش يااكرم ، كده ماينفعش ، فوق لنفسك ، ياليتني ياثريا اقوي انتبه لحالي ، ياليتني اهرب من اسرك وامشي ، دي ملايين ملايين اللي انت بتضيعها دي ، طبعا ماانت مش تعبان فيها ، يضحك من شكلها الغاضب !!!

يناديها بصوت خفيض ... تعالي ياثريا حاقولك ، تقترب منه لاتفهم حالته ، مالك يااكرم اتجننت ، يهمس ، انا عايز اولاد ياثريا !!!لاتفهم ، بتقول ايه يااكرم ، انا باتكلم في ايه وانت في ايه ، يضحك ، المصيبه ان عمرك مابتسمعيني ، انا عايز اولاد ياثريا ، اولاد ، صبيان وبنات ، فهماني ياثريا ، فهماني !!!

لاتصدق ما تسمعه ، لاااااااااااا ، انت اتجننت فعلا !!!
تضرب الجرس تنادي السكرتيرة ، جهزي الاجتماع بكره ، ادعي كل الناس ، بلغيهم ان اكرم بيه تعبان مش حيحضر الاجتماع ، انا اللي حاحضر ، تقف السكرتيره تحدق فيه لاتصدق ما تسمعه ، لم تعتاد الصوت العالي لثريا ، لم تحضر اجتماعات هامه مثل ذلك الاجتماع ، تسال اكرم ، اجهز الاجتماع بكره ياباشا ، يبتسم وهو يحدق في الفانوس ، اعملي اللي المدام بتقولك عليه ، يسحب الفانوس وجاكتته ويترك المكتب والشركه بسرعه ... في الشارع يتنفس بعمق ، يلمح النظره الكسيره تأتيه من بعيد ، لاتحتله مثلما تفعل كل مره !!!
يسمع صوت امه ........ ترد علي سؤاله !!
متي سابكي ياامي .......... متي ساابكي !!!
ستبكي في حضن امرأه تحبك وتطمئن لها !!!
ومتي ستاتي ياامي .... ستأتي وقتما يكون قلبك طاهر مثلما كنت في رحمي !!!
لكني طاهر ياامي وقلبي طاهر ..... ليس مثلما كنت في رحمي !!!
اخلع ملابسك وتحمم وارمي ذنوبك خلف ظهرك وانتظرها !!!!
يتذكر ابتسامه يوسف .. يشتاق له ولكل الاطفال
انا عايز اولاد ياثريا ... عايز اولاد !!!


( 17 )

طردته ثريا من الفيلا ، اخذت منه مفاتيح الشركه ، الغت توقيعاته من البنوك ، تمنت لو تمزق ملابسه ووجهه !!!
تشاجرت معه مشاجره عنيفه وقتما عادت ليلا !!
اهانته بقدر ما قوت ، خلاص شبعت وبتقولي ولاد ، كانوا فين الولاد لما كنت شحات مش لاقي تاكل ، كانوا فين لما وطيت علي رجل بابا تبوسها علشان يرضي اتجوزك ، مين الش ............. الواطيه الناقصه اللي لعبت لك في راسك وقالت لك عيال !!!
الغريب انه لم يرد عليها ، لا الاغرب انه لم يتضايق من كلماتها ، تقول كل الحقائق التي يعرفها ولا شيء جديد !!!

انت اتبطرت علي النعمه يااكرم ، واللي يرفص النعمه ترفصه !!!
ضحك وهو يتصورها حمارا هائجا يرفص في بطنه وهو ملقي علي الرصيف في حيه القديم الفقير !!!
لماذا سمع صوت ضحكات يوسف ، ربما منظره نائما علي الارض ببذلته الانيقه والحمار الهائج يرفص فيه اضحك يوسف!!!
انا مابجبيش عيال يااكرم وانت عارف كده كويس !!!
هز رأسه تأسيا ، ياريتك جبتي عيال من بدري ياثريا ، كان زمان حياتنا اختلفت !!!
بقولك ايه ، اختار ، انا والشركه والفيلا والشغل ، او انت وافكارك الغريبه وفوانيسك وجنانك !!!


( 18 )

لماذا احس براحه رهيبه !!!
خلع دبله الزواج التي كانت تقضم اصبعه وهي تخرج منه ، القي المفاتيح علي المنضده ، ابتسم لها ، بل قبلها في وجنتيها وودعها وخرج من الفيلا متحررا من كل القهر الذي عاش فيه حتي ذلك اليوم !!!

ثريا اعتقته ، من ماضيه الموجع وقهر الذكريات ومن حاضره القاسي ووجع الانكسار !!
ثريا اعتقته من اختياراته الحقيره وقتما القته في الشارع ، ودعها مبتسما واكد عليها ، ورقه الطلاق حتوصلك قريب قوي وربنا يوفقك !!!
سمع للمره الثانيه ضحكات يوسف !!! ابتسم ثم ضحك ، نظرت له ثريا لا تصدق ماتراه ، انت اتجننت يااكرم ، اتجننت بجد!!!

ركب سيارته وقادها لمقبره امه وهناك انفجر في البكاء !!!
امه اخذته في حضنها وهدهدته مثلما كان صغيرا ، نام في حضنها مثلما كان يفعل !!!
لماذا احس بكف يوسف تطبطب عليه ، سمع صوت انفاسه ، سمع صدي ضحكاته ، احسه يمسح دموعه مثلما مسح هو دموعه !!
لماذا سمع صوت يوسف يناشده ، ما تعيطش !!!
خرج من المقبرة وقاد بغير هدي !!!
استقال من الشركه ، وباع اسهمه لثريا وطلقها !!!
اشتري ملابس جديده لم تعلق بها رائحتها ولا رائحه الصفقه التي باع بها روحه للثراء والجدب !!!
اشتري مائه فانوس من بائع الفوانيس الذي لم يصدق عينه !!!
جاب الشوارع يبحث عن سعيده يتمناها سعيده باسرتها وزوجها الفقير واطفالها الكثر !!!
يوزع الفوانيس علي الاطفال ويشتري ضحكاتهم وسعادتهم !!!
يفكر في يوسف كثيرا لكنه لم يزره مره ثانيه ، يكفيه الابتسامه التي منحها له ليبقي في قلبه العمر كله !!!!
محي كل الارقام من تليفونه المحمول وحين ضج من رنينه القي الشريحه في عرض الشارع وسط السيارات السريعه ونسي النمره وكل السنوات السابقه !!!
حاول يتذكر النظره الكسيره التي كانت تطارده لكنه لم يفلح في استرجاعها ، رحلت النظره الكسيره عن خياله للابد !!!
غادر العاصمه واقام في الاسكندريه !!!
اقام في فندق اقامه مؤقته مهما طالت ، لن يشتري منزل الا من اجل اولاده اللذين لن يأتوا بعد !!!

لمح ذات يوم غائم ، في احدي الصحف النهاريه تحقيقا عنه تزينه صورته ، ينظر في الصورة ولايعرف ملامحه ، هو رجل يشبهه لكنه عصبي متوتر ، من الصوره تطل النظره الكسيره التي كانت تلاحقه ولم تعد ، وشمت وجهه القديم بقهرها لكنها غادرته ورحلت ، قرأ المانشيت مبتسما ، جنون رجل اعمال ، ثريا تقول عنه ما قاله مالك في الخمر ، ضحك وهو يطوي الجريده ملتمسا كل الاعذار لثريا التي لاتفهم مالذي حدث له ، يلتمس له العذر هو نفسه لم يفهم مالذي حدث له!!!!

يتمني يقابل سعيده ولو صدفه ، يتمناها اطهر منه ، يتمناها مثلما كانت سعيده اسم وصفه !!!
لو عثر عليها سيعترف لها بحبه ويقر لها بذنبه ويبكي في حضنها !!! مش كده ياامه برضه ، كده ياحبيبي ، ربنا يسعدك يااكرم ياابن بطني!!
لكنه لم يعثر عليها ابدا ، سعيده اختفت من حياته في نفس اللحظه التي قرر فيها يبيع نفسه ويتركها !!!
يفكر فيها كثيرا لكنه لم يعثر عليها ابدا !!! قرر اكرم انها سعيده بحياتها واختياراتها وانها لم تسقط مثله !!!
وقت يفكر فيها يبتسم لانها راضيه في حياتها وسعيده بها !!!


( 19 )

مرت سنوات كثيرة !!!!

في يوم صحو ، خرج اكرم للشرفه ، تنفس بعمق ، ملأ رئتيه بالهواء البارد المنعش !!
يحب اسكندريه في الشتا ، يلسعه البرد ، فيرتعش جسده لكنه يبقي بالشرفه يحدق في البحر ينظر لشاطئه البعيد ويتمني يلقي بنفسه في الماء البارد !!!
تجلس معه امه في الشرفه ، شابه مثلما كانت وقت فتح عينه علي وجهها ، مليحه لم تقهرها الايام ، قويه مثلما كانت طيله زياراتها لاحلامه ، تجلس معه مبتسمه راضيه !!! مش قلت لك ياضنايا ،مش قلت لك اخره مشوارك الدنيا حتصالحك ، يتذكر حواره معه وعينه مكسوه بالدموع ويسالها ، ولغايه ماتصالحني ياامه حاعمل ايه ، تبتسم ، حتعافر في الدنيا وتشد حيلك وتصلب طولك وتوعي لروحك ، لاتخلي ندل يخونك ولا كلب يعضك ولا حنش تأمن له يسمك ، واخره المتمه ، حتتطهر وتستحمي وترمي ذنوبك ورا ضهرك وربنا حيكرمك ..........

يقف في الشرفه ينظر للبحر يحدق فيه .... يتذكر ثريا يشعر بالاسي عليها ، صدقت ياامه ظلمت نفسي وظلمتها ، يتذكر كل عشيقاته وانتصاراته علي اجسادهن وهزيمه ثريا التي كانت في الحقيقه هزيمته هو ، يتذكر سعيده ، يتمني لها الخير ويتمناها احسن منه ، يتذكر يوسف الصغير يبتسم ، عالجه يوسف بابتسامته من اوجاعه وهمه ، يتذكر بائع الفوانيس ، ربنا يخلي لك ولادك ياباشا ، يضحك ، لم اعد باشا ، لكن ربنا يخلي لي ولادي ....



( 20)

رمضان جانا وفرحنا به ... اهلا رمضان ..
رمضان جانا ...

مازال اكرم جالسا في الشرفه ، امه تجلس بجواره مبتسمه ، امام وسط الليل فانوس كبير يسطع بنوره مثل قمر السماء الذي يلقي بضوءه علي البحر ...

يخرج يوسف وهنا للشرفه ، يحملا الفوانيس الجميله التي اشتراها لهما ، تجلس هنا علي حجره ، تلاعب ذقنه البيضا ، يقبلها ، ياخذها في حضنه ، يسحب يوسف بذراعه الاخري ، ياخذهما في حضنه وينادي سميحه لتجلس معه ، تاتيه من داخل الشقه ، مال ملامحها تبدلت عن يوم لقائهما الاول ، صارت تشبه امه بلا ذل يقهر ملامحها ، تأتيه تحمل علي ذراعها طفله الثالث ....

تساله ، بتنده يااكرم ، يقبض علي ذراعها ، تعالي اقعدي معانا شويه ، مافيش احسن من لمتنا دي ، تضحك سميحه ، لاتصدق ماتراه ، هل هذا الرجل السعيد وسط اطفاله ، هو نفسه الرجل الذي كان يبكي مرا في حضنها قبل ما ربنا يتوب عليهما معا ، جلست وتكاد تسأله ، ازاي سامحتني ، هي الساقطه التي انتقاها لتصبح زوجته وتحمل اسمه وتمنحه اطفاله الاحباء ، يسمع سؤالها فلا يرد عليها ، انت بعتي نفسك وانا بعت نفسي ، بس كنت طيبه واطيب مني كمان ، احنا الاتنين نستحق حياه جديده ، لايرد عليها لكنه يمنحها ابتسامه طيبه ويهمس ، رمضان كريم ياسميحه ، فتهمس ، الله اكرم يااكرم ، كل سنه وانت طيب وبخير ، وربنا يخلي لك عيالك يااكرم !!!

تتسع ابتسامته اكثر واكثر ويغيب مع البحر !!!


انتهت الاجزاء الثلاث ...

الخميس، 12 أغسطس، 2010

هذا الحب مستحيل !!!!


مازال ينتظر !!!
هل ينتظرها ؟؟؟
هو نفسه لايعرف لكنه مازال ينتظر !!!
كل يوم حين يستيقظ من نومه يسال نفسه ، هل سيكون هذا اليوم ايضا خاليا من وجودها !!! وقبل النوم يدعو ربه يجعل هذا اليوم الذي قضاه معذبا ، هو اليوم الاخير في عذاباته وحين يستيقظ يجدها في حضنه فيعرف ان كابوسه الذي تصوره حقيقه انتهي للابد !!!

مازال ينتظر !!!
يستعيد كل لحظات الغرام والحب ، يسمع كل الكلمات والهمسات ، يتذكر الضحكات التي كانت تخرج من قلبه سعيده وقت يراها ويشعر بحبها ويتذكر الدموع التي تقطر من شراينه وقت بعدت عنه وذبحته !!!
يستعيد الشريط الذي عاشه الف مره ، لا تبلي الذكريات ولا تغيب التفاصيل ولا ينسي اي ثانيه عاشها معها !!!
ضحكاتها تدوي في قلبه ودموعها تحرقه وانتظاره يبرر ايامه المتعاقبه التي لايعيشها وكأنه يدخرها له ليعيشاها معا !!!

سنوات مرت وهو ينتظر !!!
كان شابا بقلب اخضر فوشمت نفسه بحبها ووجعها ورحلت فخرج قلبه من جوفه واثمرت نفسه شجره شوك توخزه كل يوم وتدمي روحه لكنه يحب وخزها وعذابها ووجعها لانها تذكره بالحبيبه التي كانت ورحلت ، تذكره بالسعاده التي تجرع كأسها حتي المرارة !!!
كان شابا بقلب اخضر حتي رحلت عنه فاحتل الخريف نفسه وتساقطت اوراق شجرته غير حزين عليها ينتظر ربيعها لتورق نفسه بالسعاده ، فهو لن يسعد الا معها وبها ، هو يعلم هذا ، وهي ايضا تعلم هذا !!!!

هي تعلم هذا !!! تعلم انها اسعدته بقدر مااسعدها ، وتعلم انه شقي بغيابها مثلما هي شقيه ببعدها عنه !!!
لكنه لايتصور انها تشعر وتحس ومازالت تتذكر، لكنها تشعر وتحس وتنتظر مثله بالضبط معجزه تعيد اليها الروح التي سلبت منها وتركتها مثل الريحانه الذابله !!! هي تتمني تكلمه ، تشرح له مشاعرها ، وطئه غيابه ، وجع بعده ، الم الحرمان ، لكنها تشفق عليه من قربها مثلما تشفق علي نفسها من الاقتراب منه !!!

سالت نفسها مرات كثيره ، هل قدرها الاحتراق في نيرانه ، وهل الحياه بلا حريقه تعني ايضا شيء !!!
سالت نفسها مرات كثيرة ، هل قدره الغرق في بحارها ، وهل بحرها المالح اعذب عنده من كل العذب الذي يحيط به !!!
سالت نفسها اسئله كثيره وكانت كل الاجابات لصالحه !!!!
لكنه لايعرف !!!!
فكرت تخبره لكن تجديد العذاب مليون عذاب !!!! وعذاب واحد مزقهما ومازال فمابال بالعذابات المتجددة لاتنتهي !!!

لماذا يكتب القدر احيانا قصصا موجعه داميه قدرا لاصحابها !!!
سؤال ساله لنفسه .... ملايين الفتيات الجميلات حوله لكن قلبه انتقي واحده مستحيله !!!!
لماذا هي !!!! لماذا هي بالذات دون عن كل الجميلات ، لماذا يحسها اجمل الجميلات !!!
لماذا قدره العذاب !!!
يسال نفسه لكنه يتمسك بالعذاب اكثر !!!!
ولو خير بين الراحه والبعد عنها والعذاب والانصهار فيها لاختار العذاب معها اهون من موته بعيدا عن عينيها !!!

قصتهما بسيطه .... التقيا دون اي فرصه للقاء وللبقاء !!!
لكنهما تشبسا باللقاء المستحيل حتي مزق روحيهما وحرق قلبيهما واستجلب دموعهما واسعدهما واشقاهما !!!
قصتهما بسيطه .... شاب يتوق للحب وفتاه تبحث عن الطمأنينه ، التقيا وكان مفروض الا يلتقيا !!!
فرا كثيرا من القدر لكن من يقوي علي الفرار من قدره !!!
افترقا ليعودا مسرعين لبعضهما كأن الفراق يشحذ مشاعرهما لتتوهج اكثر وتتعمق اكثر ويرتبطا اكثر واكثر !!!
ودعا بعضهما ليعودا هرعين لاحضان بعضهما يهونا علي انفسهما فراقهما ولقائهما !!!
بكيا حتي ادركا قيمه مابينهما وحين تيقنا من قيمه مابينهما فهمها سر عذابهما المستمر الذي قدر عليهما بلا اي امكانيه للفرار منه او الخلاص من وجعه !!!

ياحبيبتي قدري العذاب في حبك ، لكني اتمني حبك وعذابك واتمناك !!!!
كل يوم كل ساعه كل ثانيه ، يناديها ويسال نفسه هل تسمعني !!!!
يتمني اي علامه تقول له انها رغم البعد والزمن تسمعه وتناديه وتتونس بصوته ومشاعره !!!!
وهي تسمعه وترسل له كل علاماتها لكنه لايصدق تلك العلامات ، يصدقها ولا تكفيه ، يصدقها لكنها تعذبه ، يصدقها لكنه يتمني عودتها لحما ودما وملامح ومشاعر ووجود ، يتمني عودتها وليذهب العالم للجحيم !!!! الجحيم ، لقد ادخلوه الجحيم وسالوه ببراءه لماذا تحترق يارجل ، تجلد !!!!
ياحبيبتي قدري العذاب في حبك لكنك اجمل عذاباتي !!

قصتهما بسيطه واضحه !!!
شاب وفتاه التقيا علي طريق الفراق !!!
تقاطعت الطرق بينهما ليلتقيا وماكان لهما اللقاء !!!
لكن اللقاء تم ووقعت الواقعة وانصهرت القلوب في الغرام وافاقا ليدركا الشرك الذي وقعا فيها ولايتمنوا الخروج منه !!!!

قصتهما بسيطه واضحه وهل يخدع نصل السكين حين تراه يذبح من الوريد للوريد !!!
قال لنفسه هذا الحب مستحيل لكنه تشبث به !!!
قالت لنفسها هذا الغرام مستحيل لكنها تمسكت به !!!
بكيا في احضان بعضهما وجعا من مشاعرهما فاذا بالوجع يصهرهما معا ويزيد اقترابهما وتماسكهما !!!!
وحين افترقا ، رحلا للفراغ واحتل كل منهما نفس الاخر وسرق روحه !!!
وبقيا اشباح تعاني سكرات الغرام ويتمنيا الموت ويبحثا عن روحيهما ليتنفسا معا النفس الاخير الذي سيعيد لهما الحياه ويسلبها في نفس الوقت لكن الموت في احضانها اجمل من الحياه بعيدا عنها !!!!

شاب مصري جميل ، احب فتاه مصريه جميله !!!!
لكن خانه الديانه في البطاقه فرقت بينهما !!!
لم يفرق بينهما الله ، لان الله محبه !!!
لكن الدوله والقوانين وبطاقات الرقم القومي والتفسيرات الضيقه لرحمه ربنا مزقت قلبيهما وامانهما وضيعت الشباب والبراءه والحياه ذاتها!!! الله محبه لكن الدوله لاتؤمن بالمحبه ولاتسمح للمحبين بالعشق اذا خالفوا قوانينها !!! الدوله لاتؤمن بالمحبه ، لا هي ولا الشيوخ ولا القساوسه ولا المظاهرات الغاضبه التي يشعل الغوغاء نيرانها ولا المناخ الطائفي الملتهب ولا العائلات التي تتمني موت الابناء ولا سعادتهم واغضاب الدوله والمتعصبين !!!!

احبك لكن امي ستقتلني وتقتل نفسها !!!
احبك لكن ابي لن يقبل حبنا وسيموت كمدا لان ابنه خذله واحب من لايجوز له حبها !!!
احبك لكني ساخضع لتهديدهم وابعد وحين ابعد ساموت في حبك اكثر واكثر ، فالموت في حبك مليون حياه والحياه بعيد عنكي مليون موت!!!
احبك لكنهم يتمنوا موتي بعيده عنك ، يقولوا اكم من بنات تموت بلا سبب والموت اهون من الفضيحه والفضيحه هي اغضاب الدوله والبطاقه الشخصيه وجماعات الاسلام السياسي وشيخ الجامع و............ الحب لعنه سنشفيك منها !!!
احبك وسابتعد حتي لااعذبك بحبي وحين تبعدي ساتعذب اكثر واكثر وستشفي من حبي !!!
ومن قال لك اني ارغب في الشفاء من حبك ومنك !!!

قصتهما بسيطه ومتكرره !!!
قلوب يربط بينهما الغرام ونفوس لاترتوي الا من ينابيعهما وروح لاتجد نفسها الا في حضن الروح التي خلقها الله الرحيم بعباده لتحب تلك الروح ، قلوب ربطها الغرام تعيش وسط اناس قاسين لايؤمنون بالحب ولا يصدقوا في الرحمه ولايفهموا الا في عذابات القسوه والتجبر والقهر !!! وحين تطارد الديناصورات المتوحشه عصافير الجنه فالهزيمه حتمية لافكاك منها !!!!

ياربي .... اشكوا اليك قسوتهم واتضرع لك ترفع من قلوبهم القسوه وتمنحهم بعض رحمتك ليرحموا قلوبنا ويرحمونا !!!
ياربي .... اشكو اليك وجعي والدوله وبطاقه الرقم القومي والتعصب الديني واتمني اعيش يوما يؤمن فيه الجميع بمحبتك ويتركوني اعيش حبي مع من احببتها واذا كان حبنا ياربي خطيئه فانت الرحيم وهم القساه ارحمني منهم واغفر لي لهم وسامحني !!!

مازال ينتظر !!!
ومازالت تتنظر !!!
ويصليا كل يوم ، كل لقبلته يتضرع لربه يرحمهما ويرفع عنهما بطش القسوه !!!
مازالا ينتظرا واثقين ان الله محبه ورحيم وغفور وتواب .... وهما ليس ادم وحواء وحبهما ليس التفاحه المحرمة !!!
مازالا ينتظرا ............. ومازال قلبه يوجعه ومازالت تبكي !!
ومازال يحبها ومازالت تحبه !!!
ومازال العشق بينهما مشتعلا رغم البعد والزمن وقسوه البشر !!!!
ومازال املهما في رحمه ربنا كبيرا !!!
و............... الله محبة !!!